النص المفهرس
صفحات 141-160
توثيق ١٤ - ١٥
فكان من حق المرتهن حبس العين التي ورد
العقد عليها رهنا. إذ التوثيق إنما يحصل إذا كان
يملك حبس العین، فيحمل ذلك المدین علی
قضاء الدين في أسرع الأوقات. وبالرهن يؤمن
الجحود والإِنكار. ولذلك إذا حل أجل الدين
كان للدائن أن يرفعه إلى القاضي ، فيبيع عليه
الرهن وينصفه منه إن لم يجبه الراهن إلى ذلك.
ومن ثم يختص الرهن بأن يكون محلا قابلا
للبيع، فلا يجوز التوثيق برهن مالا يجوز بيعه في
الجملة .
ولأن الرهن وثيقة بالدين فإنه يتعلق بجملة
الحق المرهون فیه وببعضه، فإذا أدی بعض
الدين بقي الرهن جميعه بيد المرتهن حتى يستوفي
حقه، لأنه محبوس بحق فوجب أن یکون محبوسا
بکل جزء منه .
وقيل: يبقى من الرهن بيد المرتهن بقدر
ما يبقى من الحق، لأن جميعه محبوس بجميعه
فوجب أن تكون أبعاضه محبوسة بأبعاضه.(١)
هذا وللرهن شروط من حيث كونه مقبوضا
وكونه بدين لازم وغير ذلك وينظر تفصيله في
(رهن).
(١) البدائع ١٣٥/٦، ١٤٣، ١٤٥، والكافي لابن عبدالبر
٨١٢/٢، وجواهر. الإِكليل ٢/ ٧٧، وبداية المجتهد
٢/ ٢٧٥، والأشباه للسيوطي / ٣٠٨، والمبسوط السرخسي
٢١/ ٦٣، ٦٩، ومغني المحتاج ١٢١/٢، والمغني لابن
قدامة ٤ / ٣٦١، ٣٦٢، ٤٤٧
د - الضمان والكفالة :
١٥ - الضمان والكفالة قد يستعملان بمعنى
واحد، وقد يستعمل الضمان للدين والكفالة
للنفس، وهما مشروعان للتوثيق. إذ فيه ضم
ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل على وجه التوثيق .
والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿ولمن جاء به
حمل بعير وأنابه زعيم﴾. (١)
وروى البخاري عن سلمة بن الأكوع أن
النبي ◌َّ أتي برجل ليصلى عليه، فقال: هل
عليه دين؟ قالوا: نعم، ديناران، قال: هل ترك
لهما وفاء؟ قالوا: لا، فتأخر فقيل: لم لا تصلي
عليه؟ فقال: ما تنفعه صلاتي وذمته مرهونة إلا
إن قام أحدكم فضمنه. فقام أبو قتادة فقال:
هما عليّ يارسول الله فصلى عليه النبي وحثّ. (٢)
ولأن الكفالة تؤمن الدائن عن التوى
بإفلاس من عليه الدَّين فإن الفقهاء متفقون
على أنه إذا أعدم المضمون أو غاب أن الضامن
يغرم المال. وإذا حضر الضامن والمضمون وهما
موسران قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد:
للطالب أن يطالب من شاء منهما، لأن الحق
ثابت في ذمة الضامن فملك مطالبته كالأصيل
وهو أحد قولين لمالك .
(١) سورة يوسف/ ٧٢
(٢) حديث سلمة بن الأكوع: أن النبي ◌ّ أتي برجل ليصلي
عليه. أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٦٦ - ط السلفية).
- ١٤١ -
توثيق ١٦ - ١٨
وفي قوله الآخر: ليس له أن يطالب الكفيل
مع وجود الأصيل إلا إذا تعذرت مطالبة الأصيل
لأن الكفالة للتوثق فلا يستوفى الحق من الكفيل
إلا عند تعذر استيفائه من الأصيل كالرهن. (١)
هذا وشروط الضمان ومن يصح منه وما يصح
به وغير ذلك ينظر في مصطلحي: (كفالة
وضمان).
هـ ـ حق الحبس والاحتباس :
١٦ - لما كان المقصود من التوثيق صيانة الحقوق
والاحتياط، لذلك كان من حق الدائن أن يتوثق
لحقه بحبس ماتحت يده لا ستيفاء حقه إذا كان
الدين يتعلق به، ولذلك صور مختلفة:
منها: حق احتباس المبيع إلى قبض الثمن -
يقول ابن عابدين: للبائع حبس المبيع إلى
قبض الثمن، ولو بقي منه درهم، ولو كان المبيع
شيئين بصفقة واحدة وسمى لكل ثمنا فله
حبسهما إلى استيفاء الكل، ولا يسقط حق
الحبس بالرهن، ولا بالكفيل، ولا بإبرائه عن
بعض الثمن حتى تستوفي الباقي .
وينظر تفصيل ذلك في (بيع وحبس).
ومن ذلك أن المؤجر له حق حبس المنافع إلى
(١) المبسوط ١٩/ ١١٦٠، ٦٩/٢١، والقرطبي ٢٢٥/٩،
والبدائع ٤/٦ - ١١، وابن عابدين ٢٤٩/٤، والمغني
٤ / ٥٩٠ - ٦٠٥، وجواهر الإكليل ١١١/٢، وأشباه
السيوطي / ٣٠٨
أن يتسلم الأجرة المعجلة، وكذلك للصانع حق
حبس العين بعد الفراغ من العمل حتى يستوفي
حقه إذا كان لعمله أثر في العين كالقصار
والصباغ.
وينظر تفصيل ذلك في (إجارة واستصناع).
ومن ذلك حبس المدین بما علیه من الدین إذا
كان قادرا على أداء دينه، وماطل في الأداء،
وطلب صاحب الدين من القاضي حبسه،
وللدائن كذلك منعه من السفر لأن له ولاية
حبسه. (١)
وينظر تفصيل ذلك في: (دين، أداء،
وفاء).
١٧ - هذه هي أشهر أنواع التوثيق، وهناك أمور
أخری یکون القيام بها توثيقا للحق وصيانة له.
فكتابة الأحكام في السجلات تعتبر توثيقا
لهذه الأحكام، والحجر على المفلس توثيق
لحقوق الدائنين.
وهكذا، وینظر تفصيل ذلك في: (إفلاس،
حجر، كتابة).
ما يدخله التوثيق من التصرفات :
١٨ - كل تصرف صحيح مستوف لشروطه
يدخله التوثيق إذ التوثيق يؤكد الحقوق
(١) ابن عابدين ٤٢/٤، والبدائع ٤/ ٢٠٤، ١٧٣/٧،
والهداية ٢٣٣/٣، والخطاب ٤٣١/٥، والتبصرة بهامش
فتح العلي ٢/ ٣١٩، والقواعد لابن رجب ص٨٧، والمنثور
٣٢٨/٣
٩٠
- ١٤٢ -
توثیق ١٨
لأصحابها ويسهل لهم الوصول إليها عند
التنازع والتجاحد يقول الجصاص في قوله
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين
إلى أجل مسمى فاكتبوه ... ﴾. (١) في الآية
الأمر بالإِشهاد إذا صحت المداينة.
وقوله تعالى: ﴿ولیکتب بينكم كاتب
بالعدل﴾: فيه أمر لمن تولى كتابة الوثائق بين
الناس أن یکتبها بالعدل بینهم .
وقوله تعالى : ﴿ولا یأب کاتب أن یکتب كما
علمه الله﴾ قال الجصاص: يعني والله أعلم
- مابينه من أحكام العقود الصحيحة والمداينات
الثابتة الجائزة لكي يحصل لكل واحد من
المتداينين ماقصد من تصحيح عقد المداينة .
أما التصرفات الباطلة فالأصل فيها أن
الإِقدام عليها حرام، ويأثم فاعلها لارتكابه
المعصية بمخالفته المشروع، وبالتالي يكون
توثيق هذه التصرفات حراما، إذ وسيلة الشىء
تأخذ حكمه، ثم إنه لا فائدة من توثيق
التصرفات الباطلة لأنها مفسوخة شرعا،
ولا يترتب عليها آثارها كما تترتب على
التصرفات الصحيحة . (٢)
كذلك أبى رسول الله وسلم أن يشهد على
(١) سورة البقرة/ ٢٨٢
(٢) أحكام القرآن للجصاص ٥٧٤/١ - ٥٧٥، والمنثور في
القواعد ٣٥٢/١ -٣٥٤، وبدائع الصنائع ٣٠٥/٥،
والدسوقي ٧١/٣، ومنتهى الإرادات ١٩٠/٢
تصرف جائر فامتنع من الشهادة على هبة
بشير بن سعد ابنه النعمان(١) لأنه لم يعدل بين
أولاده في العطية. وفي الحديث أن بشيرا رد
عطيته . (٢)
ويقول الدسوقي : البيع الفاسد والقرض
الفاسد إذا شرط فيه رهن فدفعه المشتري أو
المقترض فإن الرهن یکون فاسدا، ويجب على
المرتهن أن يرده للراهن، لأن الرهن مبنى على
البيع الفاسد، والمبنى على الفاسد فاسد.
وإذا كان التوثيق لا يرد إلا على التصرفات
الصحيحة، فإن من التصرفات ما يجوز أن تجمع
أكثر من توثيق، ومنها ما يوثق بأمر واحد
فقط . (٣)
يقول الزركشي : من العقود ما يدخله الرهن
والكفيل والشهادة، كالبيع والسلم والقرض
وأروش الجنايات .
ومنه ما يستوثق منه بالشهادة لا بالرهن وهو
المساقاة، جزم به الماوردي في بابها، قال: لأنه
عقد غير مضمون - وكذلك الجعالة، ومنه
المسابقة إذا استحق رهنها جاز الرهن والضمين،
وقيل: وجهان بناء على أنه جائز أو لازم .
(١) حديث امتناع النبي ◌ُّر عن الشهادة على هبة بشيربن
سعد ابنه النعمان .
(٢) المغني ٥ / ٦٦٤ وحديث رد بشير عطيته. تقدم تخريجه
ف/ ٩.
(٣) الدسوقي ٣/ ٢٤٠
- ١٤٣ -
توثيق ١٩
ومنه مایدخله الضمین دون الرهن وهو ضمان
الدرك قاله الدارمي وغيره . (١)
بطلان التوثيق :
١٩ - يبطل التوثیق بعدة أمور منها:
أ ۔إذا کان التوثيق ضمن تصرف فاسد، إذ
من القواعد الفقهية أنه إذا فسد المتضمن فسد
المتضمن .
ولذلك قال الفقهاء: إذا كان الرهن في بيع
فاسد بطل الرهن لفساد البيع حتى لا يثبت
للمرتهن حق الحبس وللراهن أن يسترده منه. (٢)
ب - إذا فقدت شروط الوثائق المعروفة عند
الفقهاء .
ففي الشهادة مثلا تبطل شهادة الفاسق
وشهادة من يجر بشهادته منفعة لنفسه أويدفع
عنها مضرة، ومن ذلك شهادة المديان المعسر
لرب الدین. (٣)
وينظر تفصيل ذلك في (شهادة).
وفي الرهن يشترط أن يكون المرهون محلا
قابلا للبيع وهو - كما يقول الكاساني - أن يكون
موجودا وقت العقد، وأن يكون مالا مطلقا
(١) المنثور في القواعد للزركشي ٣٢٧/٣
(٢) الأشباه لابن نجيم / ٣٩١، والبدائع ٦/ ١٦٣، والدسوقي
٢٤٠/٣، ٣٤٠، والمغني ٤٢٥/٤، ومنح الجليل ٢٦٥/٣
(٣) التبصرة لابن فرحون بهامش فتح العلي ٢٢٣/١
متقوما معلوما مقدور التسليم، فلا يجوزرهن
ماليس بموجود، ولا ما يحتمل الوجود، ولا رهن
الميتة والدم ، ولا رهن صيد الحرم والإِحرام. (١)
وینظر تفصيل ذلك في (رهن).
وفي الكفالة يشترط في الكفيل أو الضامن أن
یکون ممن يجوز تصرفه في ماله، فیبطل ضمان
الصبي والمجنون - وأن يكون المكفول له معلوما
لأن المكفول له إذا كان مجهولا لا يحصل
ما شرعت له الكفالة وهو التوثق وغير ذلك من
الشروط . (٢)
وينظر تفصيل ذلك في: (كفالة - ضمان).
جـ - إذا كان التوثيق مخالفا لأمر الشرع فإذا
كان المدين معسرا غير قادر على أداء الدين
لا يجوز حبسه لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة
فنظرة إلى ميسرة﴾ . (٣)
كذلك لا يحبس الوالد بدين الولد لقوله
تعالى: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ (٤)
وقوله: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾(٥) ويقول
الدسوقي : يبطل الضمان إذا كان المتحمّل به
فاسدا کما لو کان رِباً کما لو قال شخص لآخر:
ادفع لهذا دينارا في دينارين لشهر، أو ادفع له
(١) البدائع ١٣٥/٦
(٢) البدائع ٥/٦ - ١٦،٦، والمغني ٥٩٨/٤، والدسوقي
٣٤٠/٣.
(٣) سورة البقرة/ ٢٨٠
(٤) سورة لقمان/ ١٥
(٥) سورة البقرة/ ٨٣
- ١٤٤ -
توثيق ٢٠
دراهم في دنانیر إلى شهر، وأنا حميل بذلك (أي
كفيل) فالحمالة باطلة ولا يلزم الضامن شيء
مطلقا .
وكبيع السلعة بثمن مؤ جل لأجل مجهول أو
معلوم، أو کان البیع وقت نداء الجمعة - عند من
يرى بطلانه - فإذا ضمن ذلك الثمن إنسان
فالضمان باطل، ولا يلزم الضامن شيء.
وکما إذا كانتالحمالة بجعل فهي فاسدة . لأن
شرط الحمالة أن تكون لله، فإذا كانت بمقابل
لا يعتدّ بها. (١)
د - إذا ضاعت وثيقة الحق فصالح صاحبها
ثم وجد الوثيقة بعد الصلح فلا قيام (مطالبة) له
بها. جاء في الدسوقي : من ادعى على شخص
بحق فقال له المدعي عليه حقك ثابت إن أتيت
بالوثيقة التي فيها الحق، فقال المدعي : ضاعت
مني فصالحه ثم وجد الوثيقة بعد فلا قيام له بها،
ولا ينقض الصلح اتفاقا، لأنه إنما صالح على
إسقاط حقه . (٢)
إنتهاء التوثيق :
٢٠ - ینتهي التوثيق بانتهاء ماكان سببا له ومن
ذلك :
أ - احتباس المبيع لأجل قبض الثمن ينتهي بأداء
(١) الدسوقي ٣/ ٣٤٠
(٢) الدسوقي ٣١٥/٣
الثمن ويجب على البائع تسليم المبيع .
واحتباس المرهون ينقضي بأداء الدين ويجب
فكاك الرهن وتسليمه للراهن .
وهكذا كل من كان له حق الاحتباس فإنه
ينتهي بأداء ماكان الاحتباس لأجله. (١)
ب - كذلك ينتهي التوثيق بإبراء الدائن للمدين
وبحوالة المدين للدائن في الجملة . (٢)
جـ - بالفسخ أو بالعزل كما في العقود الجائزة
كالوكالة والقراض والوديعة إذ لا فائدة في
التوثيق . (٣)
د - ببيع الوثيقة كالمرهون يباع في الدين. (٤)
هـ - بالمقاصة في الديون . (٥)
و - بهلاك المعقود عليه كالمبيع إذا هلك قبل
القبض . (٦)
ز - موت المكفول به في الكفالة بالنفس. (٧)
وينظر تفصيل كل ذلك في مواضعه .
(١) المنثور ٣٢٧/٣ - ٣٢٨، والبدائع ٢٨٨/٢، ٢٠٤/٤،
١٧٣/٧، والهداية ٢٣٣/٣، والخطاب ٤٣١/٥،
والتبصرة ٣١٨/٢
(٢) الأشباه لابن نجيم / ٢٦٣، ٢٦٤، والمغني ٤ / ٦٠٥،
والقواعد لابن رجب/ ٣٢، والبدائع ١٨٠١٢/٦
(٣) الأشباه للسيوطي / ٣١٤، والأشباه لابن نجيم/ ٣٣٦،
والبدائع ١٨/٦
(٤) الفواكه الدواني ٢/ ٢٣١ - ٢٣٢، والمغني ٤ / ٤٤٧
(٥) المنثور ٣٩١/١ - ٣٩٢، ومنح الجليل ٥٢/٣
(٦) البدائع ١٤٣/٦، ٢٣٨/٥
(٧) ابن عابدين ٤/ ٢٥١ - ٢٥٧
- ١٤٥ -
توثيق ٢١ - ٢٢
أثر التوثيق :
٢١ - أهم أثر للتوثيق صيانة الحقوق لأربابها
وإثباتها عند التجاحد.
وقد يترتب عليه بعض الآثار التبعية، ومن
ذلك :
أ- منع تصرف الراهن في المرهون ببيع أو إجارة
أو هبة، ویعتبر تصرفا باطلا، لأنه - كما يقول
ابن قدامة - تصرف يبطل حق المرتهن من الوثيقة
غير مبنى على التغليب والسراية فلم يصح بغير
إذن المرتهن. (١)
ب - ثبوت ولاية مطالبة الكفيل بها على
الأصيل، فيطالب الكفيل بالدین بدین واجب
على الأصيل، ويطالب الكفيل بالنفس
بإحضار المكفول بنفسه إن لم يكن غائبا، وإن
كان غائبا يؤخر الکفیل إلی مدة يمكنه إحضاره
فيها فإن لم يحضر في المدة ولم يظهر عجزه للقاضي
حبسه إلی أن یظهر عجزه له. (٢)
جـ - ثبوت ولاية مطالبة الكفيل الأصيل إذا كانت
الكفالة بأمره وأدى الكفيل ما على الأصيل. (٣)
د - بيع المرهون في الرهن إذا عجز من كان عليه
الدين عن وفائه . (٤)
(١) المغني ٤ / ٤٠١
(٢) البدائع ٦/ ١٠ - ١١
(٣) البدائع ٦/ ١١
(٤) الفواكه الدواني ٢/ ٢٣١
التوثيق عند المحدثين :
٢٢ - يقول الغزالي: المقبول روايته: كل مكلف
عدل مسلم ضابط فلا تحصل الثقة بما يخالف
هذه الشروط .
ويثبت ذلك إما بالاختبار أو بالتزكية .
والتزكية هي إخبار العدل بالعدالة. والأصل
في مراتبها إصلاح المزكي في ألفاظ التزكية،
والأشهر بين أهل الحديث أن أرفعها في
التعديل: حجة وثقة، وحافظ وضابط. وهي
توثيق للعدل. ثم بعدها ثلاثة ألفاظ.
مأمون، صدوق، لا بأس به، ثم
بعدها ... الخ.
وما يعتبر توثيقا: حكم الحاكم وعمل
المجتهد بروایته .(١)
ويرجع إلى هذا في علم مصطلح الحديث،
والملحق الأصولي.
(١) المستصفى للغزالي ١/ ١٥٦،١٥٥ - ١٦٨، ومسلم
الثبوت ١٤٩/٢ - ١٥٥، والذخيرة للقرافي/ ١١٥
- ١٤٦ -
تورق ١ - ٤
تورق
التعريف :
١ - التورق مصدر تورق، يقال تورق الحيوان:
أي أكل الورق، والورق بكسر الراء الدراهم
المضروبة من الفضة، وقيل: الفضة مضروبة أو
غير مضروبة . (١)
والتورق في الاصطلاح أن يشتري سلعة
نسیئة، ثم يبيعها نقدا - لغير البائع - بأقل مما
اشتراها به، ليحصل بذلك على النقد.
ولم ترد التسمية بهذا المصطلح إلا عند فقهاء
الحنابلة، (٢) أما غيرهم فقد تكلموا عنها في
مسائل (بيع العينة).
(١) أساس البلاغة، ولسان العرب، وتاج العروس، ومعجم
متن اللغة، والمعجم الوسيط، والمصباح المنير مادة:
((ورق)).
(٢) كشاف القناع ١٨٦/٣ مكتبة النصر، الفروع ٤ / ١٧١ ط
عالم الكتب، وشرح ابن القيم على أبي داود ١٠٨/٥
السنة المحمدية .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الربا :
٢ - الربالغة الزيادة، (١) واصطلاحا: فضل
خال عن عوض بعقد .
والعلاقة بينهما التباين، ولا يجمعهما إلا مجرد
حصول الزيادة لأحد المتعاقدين .
ب - العينة :
٣ - العينة لغة السلف، واصطلاحا: أن يبيع
سلعة نسیئة، ثم یشتريها البائع نفسه بثمن حال
أقل منه. (٢) ولا صلة بين التورق وبين العينة إلا
في تحصيل النقد الحال فيهما، وفيها وراءه
متباينان، لأن العينة لابد فيها من رجوع السلعة
إلى البائع الأول بخلاف التورق، فإنه ليس فيه
رجوع العين إلى البائع، إنما هو تصرف
المشتري فيما ملکه کیف شاء.
حكم التورق :
٤ - جمهور العلماء على إباحته سواء من سماه
تورقا وهم الحنابلة أو من لم يسمه بهذا الاسم
وهم من عدا الحنابلة. (٣) لعموم قوله تعالى:
(١) المطلع ط المكتب الإِسلامي ٢٣٩، والمعجم الوسيط مادة:
((ربو))، وابن عابدين ١٧٦/٤ - بولاق بتصرف.
(٢) المصباح، والمعجم الوسيط مادة: ((عين))، وكشاف القناع
١٨٥/٣، والقاموس الفقهي ٢٧٠
(٣) كشاف القناع ١٨٦/٣، والفروع ١٧١/٤، وشرح
ابن قيم الجوزية مختصر سنن أبي داود ١٠٨/٥ تحقیق =
- ١٤٧ -
تورق ٥، تورك ١ - ٢
﴿وأحل الله البيع﴾(١) ولقوله ومَثله - لعامله على
خيبر: ((بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم
جنيبا))(٢) ولأنه لم يظهر فيه قصد الربا
ولا صورته. وكرهه عمر بن عبدالعزيز
ومحمد بن الحسن الشيباني. (٣)
وقال ابن الهمام : هو خلاف الأولى، واختار
تحريمه ابن تيمية وابن القيم لأنه بيع المضطر،
والمذهب عند الحنابلة إباحته. (٤)
مواطن البحث :
٥ - يذكر الفقهاء التورق في بحث بيع العينة،
والبيوع المنهي عنها، والربا.
= أحمد شاكر ط دار المعرفة، وفتح القدير ٤٢٥/٥ ط
بولاق، ابن عابدين ٤/ ٢٧٩ ط بولاق، والروضة
٤١٦/٣، وأوجز المسالك ١٢٨/١١ ط المعارف، ونقل
الفيومي الاتفاق على جوازه - المصباح ٢ / ٤٤١
(١) سورة البقرة / ٢٧٥
(٢) حديث: أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٣٩٩ - ط السلفية)
من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة جميعا.
(٣) شرح ابن قيم الجوزية لمختصر سنن أبي داود ٥/ ١٠٨،
ابن عابدين ٢٧٩/٤، والمصنف لابن أبي شيبة ٦/ ٥٩٣،
والمصنف لعبدالرزاق ١٨٨/٨
(٤) شرح ابن قيم الجوزية لمختصر سنن أبي داود ١٠٨/٥ ،
والفروع ١٧١/٤، والاختيارات ٧٥/٤
تورك
التعريف :
١ - من معاني التورك لغة: الاعتماد على
الورك، وهو مافوق الفخذين يقال: قعد متوركا
أي متكئا على إحدى ورکیه .(١)
والتورك اصطلاحا: تنحية الرجلين في التشهد
الأخير، وإلصاق المقعدة بالأرض في قعود
الصلاة .
الحكم الإجمالي :
٢ - يرى جمهور الفقهاء أن المصلي يسن له في
التشهد الأول في الصلاة الرباعية والثلاثية
الافتراش عند القعود، والافتراش: أن ينصب
قدمه اليمنى قائمة على أطراف الأصابع
ويفرش رجله اليسرى بأن يلصق ظهرها
بالأرض ويجلس على باطنها، أما التورك فيسن في
التشهد الأخير في الصلاة الرباعية والثلاثية .
وصفته : أن ينصب المصلي رجله اليمنى، ويضع
بطون أطراف أصابعه على الأرض ورؤ وسها
للقبلة، ويخرج يسراه من جهة يمينه، ويلصق
وركه بالأرض، وكذا أليته اليسرى للاتباع .
(١) المصباح المنير مادة: ((ورك)).
- ١٤٨ -
تورك ٢، تورية ، توسل ١
والمرأة كالرجل في هذا الشمول الخطاب لها في
قوله {﴾ ((صلوا كما رأيتموني أصلي))(١) وأضاف
الشافعية أن التورك يكون أيضا في التشهد
الأخير، وإن لم يكن ثانيا كتشهد الصبح
والجمعة وصلاة التطوع، (٢) وأما الحنفية فقد
قالوا: التورك خاص بالمرأة فيسن لها أن تتورك
لأنه أستر لها.
ولا يتورك الرجل بل يسن له أن يفرش رجله
اليسرى فيجعلها تحت أليتيه ويجلس عليها،
وينصب رجله اليمنى ويوجه أصابعها نحو
القبلة في الفرض، والنفل. (٣) والتفصيل في
مصطلح: (جلوس، صلاة).
تورية
انظر : تعويض.
(١) حديث: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) أخرجه البخاري
(الفتح ١١١/٢ - ط السلفية) من حديث مالك بن
الحويرث.
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/ ٢٤٩ط عيسى
الحلبي بمصر، ونهاية المحتاج ١/ ٥٠٠، والمجموع شرح
المهذب ٣/ ٤٥٠ط المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، والمغني
لابن قدامة ٥٣٩/١ م الرياض الحديثة بالرياض، وكشاف
القناع ٣٦٣/١ ط الرياض.
(٣) حاشية ابن عابدين ٥٠٨/١ط مصطفى الحلبي بمصر -
الطبعة الثانية، وبدائع الصنائع ٢١١/١ - الطبعة الأولى
١٣٢٧ هـ، ومراقي الفلاح ١٤٦
توسل
التعريف :
١ - التوسل لغة: التقرب. يقال: توسلت
إلی الله بالعمل: أي تقربت إليه، وتوسل إلى
فلان بكذا: تقرب إليه بحرمة اصرة تعطفه
عليه. والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل
المقصود .
قال الله تعالى : ﴿ياأيها الذين آمنوا
اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾(١)
ووسّل إلى الله تعالى توسيلا: عمل عملا
تقرب به إلیه کتوسل .
والواسل: الراغب إلى الله تعالى. (٢)
ولا يخرج التوسل في الاصطلاح عن معناه في
اللغة، فيطلق على ما يتقرب به إلى الله تعالى
من فعل الطاعات وترك المنهيات، وعليه حمل
المفسرون قوله تعالى : ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾ .
ويطلق التوسل أيضا على التقرب إلى الله
بطلب الدعاء من الغير، وعلى الدعاء المتقرب
(١) سورة المائدة/ ٣٥
(٢) لسان العرب وأساس البلاغة وترتيب القاموس المحيط .
مادة: ((وسل)).
- ١٤٩ -
توسل ٢ - ٤
به إلى الله تعالى باسم من أسمائه، أو صفة من
صفاته ، أوبخلقه كنبي، أو صالح، أو العرش،
وغير ذلك، (١) على خلاف وتفصيل بين
الفقهاء كما سيتضح.
وأطلقت الوسيلة في الحديث على منزلة في
الجنة. قال النبي عليه الصلاة والسلام:
((سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة
لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون
أنا هو)). (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاستعانة :
٢ - الاستعانة لغة طلب العون، وفي
الاصطلاح كذلك.
وتكون الاستعانة بالله وبغيره، أما
الاستعانة بالله فهي مطلوبة في كل خير، وأما
الاستعانة بغير الله ففيها تفصيل يرجع إليه في
مصطلح (استعانة). (٣)
والتوسل والاستعانة لفظان متساويان لغة
واصطلاحا.
(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص١٣ ومابعدها،
وتفسير الألوسي ٦/ ١٢٤
(٢) حديث: ((سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا
تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو)). أخرجه
مسلم (١/ ٢٨٩ ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمرو
ابن العاص.
(٣) الموسوعة ٤/ ١٧
ب - الاستغاثة :
٣ - الاستغاثة طلب الغوث والنصر، وفي
الاصطلاح كذلك.
والاستغاثة غير التوسل، لأن الاستغاثة
لا تكون إلا في حال الشدة، والتوسل یکون في
حال الشدة وحال الرخاء.
قال ابن تيمية: ولم يقل أحد إن التوسل بنبي
هو استغاثة به، بل العامة الذين يتوسلون في
أدعيتهم بأمور، كقول أحدهم : أتوسل إليك
بحق الشيخ فلان أو بحرمته، أو أتوسل إليك
باللوح والقلم أو بالكعبة، أو غير ذلك مما
يقولونه في أدعيتهم يعلمون أنهم لا يستغيثون
بهذه الأمور، فإن المستغيث بالنبي وَ ◌ّ طالب
منه وسائل له .
والمتوسل به لا يدعى ولا يطلب منه
ولا يسأل، وإنما يطلب به، وكل أحد یفرق بین
المدعو والمدعو به . (١)
الحكم التكليفي للتوسل :
٤ - لقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين
بالتوسل إليه بالأعمال الصالحة مع التقوى
المكللة بالإِيمان الصادق فقال: ﴿يا أيها الذين
آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾. (٢)
قال ابن تيمية: وهذا التوسل بالإِيمان به
وطاعته فرض على كل أحد في كل حال، باطنا
(١) مجموعة فتاوى ابن تيمية ١٠٣/١
(٢) سورة المائدة/ ٣٥
- ١٥٠ -
توسل ٥
وظاهرا، في حياة رسول الله وقالله وبعد موته، في
مشهده ومغيبه، لا يسقط التوسل بالإِيمان به
وبطاعته عن أحد من الخلق في حال من الأحوال
بعد قيام الحجة عليه، ولا بعذر من الأعذار.
ولا طريق إلى كرامة الله ورحمته والنجاة من
عذابه إلا التوسل بالإِيمان به وبطاعته. (١)
وقد مدح الله المتوسلین إلیه بما یرضیه سبحانه
بقوله: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم
الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون
عذابه، إن عذاب ربك كان محذورا﴾. (٢)
وهناك صور أخرى للتوسل منها : ماهو جائز،
ومنها ما هو غير جائز ، على خلاف وتفصيل بين
الفقهاء یأتي بیانه .
أولا : التوسل بأسماء الله تعالى وصفاته :
٥ - اتفق الفقهاء على أن التوسل إلى الله تعالى
بأسمائه وصفاته مستحب لأي شأن من أمور
الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: ﴿ولله الأسماء
الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في
أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون﴾. (٣)
وقد ورد في السنة المطهرة أحاديث كثيرة
(١) قاعدة جليلة ص٥
(٢) سورة الإسراء / ٥٧
(٣) سورة الأعراف/ ١٨٠
يتوسل فيها النبي بحلّ بأسمائه تعالى وصفاته
منها: حديث أنس بن مالك قال: ((كان
النبي * إذا كربه أمر قال: ((ياحي ياقيوم
برحمتك أستغيث)). (١) ومنها: قوله وَلّ:
((أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو أنزلته
في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو
استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل
القرآن ربيع قلبي ، ونور بصري، وجلاء حزني،
وذهاب همي)). (٢)
ومنها: حديث عمران بن حصين رضي الله
عنه أنه مر على قاص يقرأ ثم يسأل، فاسترجع
عمران بن حصين (أي قال: ﴿إنا لله وإنا إليه
راجعون﴾ ثم قال: سمعت رسول الله (څچل
يقول: ((من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه
سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به
الناس)) . 2
(١) حديث كان النبي مثل إذا كربه أمر قال: ((ياحي
ياقيوم ... )) أخرجه الترمذي (٥٣٩/٥ ط الحلبي) من
حديث أنس بن مالك. وقال: ((هذا حديث غريب)) ففي
إسناده يزيد بن أبان الرقاشي وهو ضعيف كما في الميزان
للذهبي (٤ /٤١٨ ط الحلبي).
(٢) حديث: ((أسألك بكل اسم سميت به نفسك ... ))
أخرجه أحمد (١٩٣/١ - ط الميمنية) والحاكم (١ / ٥٠٩ -
٥١٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه أحمد شاكر في
تعليقه على المسند (٢٦٦/٥ - ط المعارف).
(٣) حديث: ((من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجىء أقوام
يقرءون القرآن يسألون به الناس)) أخرجه الترمذي
(١٧٩/٥ - ط الحلبي)، وقال: «هذا حديث حسن، ليس
إسناده بذاك)».
- ١٥١ -
توسل ٦ - ٧
كراهة أن يسأل بوجه الله غير الجنة :
٦ - لما كانت أسماؤه تعالى عظيمة القدر وصفاته
جليلة مقدسة ناسب أن يسأل بها الشيء
العظيم كالجنة والمغفرة والطاعة وغير ذلك،
لكن خص الوجه بسؤال الجنة به، ولا يسأل به
غير ذلك، لأن الجنة أعظم ما يسأل المسلم من
ربه، إذ هي دار رحمته، ومستقر رضاه وأمنه .
عن جابر رضي الله عنه قال: قال
رسول الله وصلة: ((لا يسأل بوجه الله إلا
الجنة)). (١)
ثانيا : التوسل بالإِيمان والأعمال الصالحة :
٧ - أجمع الفقهاء على جواز التوسل إلى الله
تعالى بالأعمال الصالحة التي يعملها الإِنسان
متقربا بها إلى الله تعالى.
وقد ذهب المفسرون إلى أن الوسيلة المذكورة
في القرآن الکریم في قوله تعالى ﴿يا أيها الذين
آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾(٢) وفي قوله
تعالى ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى
ربهم الوسيلة﴾. (٣) تطلق على الأعمال
الصالحة . (٤)
(١) حديث: ((لا يسأل بوجه الله إلا الجنة)) أخرجه أبوداود
(٣٠٩/٢ - ٣١٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وضعفه
عبد الحق الإِشبيلي والقطان كما في فيض القدير للمناوي
(٦/ ٤٥١ - ط المكتبة التجارية).
(٢) سورة المائدة / ٣٥
(٣) سورة الأسراء / ٥٧
(٤) روح المعاني الآلوسي ١٢٤/٦، وتفسير القاسمي
١٩٦٨/٦
وقال الله تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك
نستعين، اهدنا الصراط المستقيم﴾(١) فقد قدم
ذكر الأعمال الصالحة ثم تلا ذلك بالدعاء.
وقال الله تعالى: ﴿الذين يقولون ربنا إننا
آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار﴾، (٢)
وقال الله تعالى: ﴿فلما أحس عيسى منهم
الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون
نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون.
ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع
الشاهدین﴾ . (٣)
وغير ذلك من الآيات الكريمة.
وأما السنة فمنها حديث عبدالله بن بريدة
عن أبيه أن رسول الله مَ لل سمع رجلا يقول:
اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله
إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم
يكن له كفواً أحد، فقال: ((لقد سألت الله
بالاسم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به
أجاب)). (٤)
(١) سورة الفاتحة / ٥ -٦
. (٢) سورة البقرة / ١٩
(٣) سورة آل عمران / ٥٢ - ٥٣
(٤) حديث بريدة: ((لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به
أعطى، وإذا دعي به أجاب)).
أخرجه أبوداود (٢/ ١٦٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وفي
رواية: ((لقد سأل الله باسمه الأعظم)) وقال المنذري: ((قال
شيخنا الحافظ أبوالحسن المقدسي: وهو إسناد لا مطعن
فيه. مختصر أبي داود (١٤٥/٢ - نشر دار المعرفة).
- ١٥٢ -
توسل ٧
ومنها حديث الغار المروي، عن عبدالله بن
عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: سمعت
رسول الله وَلا يقول: ((انطلق ثلاثة نفر ممن كان
قبلکم حتى آواهم المبیت إلی غار فدخلوه،
فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم
الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة
إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم.
قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شیخان
كبيران وكنت لا أغبق(١) قبلهما أهلا ولا مالا .
فنأى بي طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى
ناما ، فحلبت هما غبوقهما ، فوجدتهما نائمین،
فكرهت أن أوقظهما ، وأن أغبق قبلهما أهلا أو
مالا، فلبثت - والقدح على يدي - أنتظر
استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون
عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما. اللهم إن
كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا
ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شیئا
لا يستطيعون الخروج منه .
قال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم
کانت أحب الناس إلي، وفي رواية: كنت أحبها
كأشد ما يحب الرجال النساء فأردتها على نفسها
فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين،
فجاءتني ، فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن
تخلي بيني وبين نفسها ففعلت، حتى إذا قدرت
(١) أغبق من الغبوق وهو الشرب بالعشي، والصبوح الشرب.
بالصباح.
عليها، وفي رواية: فلما قعدت بين رجليها
قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه،
فانصرفت عنها وهي أحب الناس إليّ،وتركت
الذهب الذي أعطيتها .
اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك
فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير
أنهم لا يستطيعون الخروج منها .
وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء
وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له
وذهب، فثمّرت أجره حتی کثرت منه الأموال،
فجاءني بعد حين، فقال: ياعبد اللّه أد إلي
أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك من
الإِبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: ياعبد الله
لا تستهزىء بي، فقلت: لا أستهزىء بك،
فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا. اللهم
إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا
ما نحن فيه .
فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون)). (١)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان
رسول الله صل﴿ إذا قام يتهجد قال: ((اللهم ربنا
لك الحمد أنت قَيِّم السموات والأرض ومن
فيهن، ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق،
ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار
(١) حديث ابن عمر: ((انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم
.... )) أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٥٠٥ - ٥٠٦ - ط
السلفية) ومسلم (٢٠٩٩/٤ - ٢١٠٠ - ط الحلبي).
- ١٥٣ -
توسل ٨
حق، والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة
حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك
توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك
حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت
وما أسررت وما أعلنت)). (١)
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال
رسول الله ﴾ ((ما خرج رجل من بيته إلى
الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين
عليك وبحق ممشاي .. فإني لم أخرج أشرا
ولا بطرا ... ))(٢) الحديث.
ثالثا : التوسل بالنبي
:婚
لا خلاف بين العلماء في جواز التوسل
بالنبي ◌َّة في الأحوال التالية :
أولا - التوسل بالنبي بمعنى طلب الدعاء منه
في الدنيا والشفاعة في الآخرة .
أ - طلب الدعاء من النبي في الحياة الدنيا:
٨ - إن التوسل بالنبي ◌ُّ بمعنى طلب الدعاء
منه في حياته قد ثبت بالتواتر، فقد كان الصحابة
(١) حديث: ((كان رسول الله بخير إذا قام يتهجد قال: أخرجه
البخاري (الفتح ٣/٣ - ط السلفية).
(٢) حديث أبي سعيد الخدري: ((ماخرج رجل من بيته ... ))
أخرجه ابن ماجه (٢٥٦/١ - ط الحلبي) وابن السني في
عمل اليوم والليلة (ص٢٤ - ط دائرة المعارف العثمانية)
وقال البوصيري في الزوائد: ((هذا إسناده مسلسل
بالضعفاء)».
الكرام رضي الله عنهم يسألون النبي الدعاء في
الأمور الدنيوية والأخروية. وقد أرشدهم القرآن
الكريم إلى ذلك قال الله تعالى: ﴿ولو أنهم إذا
ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر
لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾. (١)
وفي كتب السنة من ذلك الشيء الكثير،
فعن عثمان بن حنيف أن رجلا ضرير البصر أتى
النبي ◌َ#، فقال: ادع الله أن يعافيني.
قال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو
خير لك، قال: فادعه. قال: فأمره أن يتوضأ
فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: ((اللهم إني
أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة .
یا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه
لتقضى ... )) إلى قوله: ((اللهم فشفعه في))
فقام وقد أبصر. (٢) وزاد حماد بن سلمة ((وإن
كانت لك حاجة فافعل مثل ذلك)) ومنها أن
رجلا دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله وله
قائم يخطب، فقال: يارسول الله هلكت
الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا. فرفع
رسول الله يديه، ثم قال: ((اللهم أغثنا. اللهم
أغثنا. اللهم أغثنا)).
قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من
(١) سورة النساء/ ٦٤
(٢) حديث عثمان بن حنيف: أن رجلا ضرير البصر أتى
النبي .... أخرجه الترمذي (٥٦٩/٥ - ط الحلبي)
وقال: حديث حسن صحيح.
- ١٥٤ -
توسل ٩
سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت
ولا دار، فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس،
فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله
ما رأينا الشمس سبتا، ثم دخل رجل من ذلك
الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله بصير قائم
يخطب فاستقبله قائما فقال: يارسول الله هلكت
الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها
عنا.
فرفع رسول الله وَليل يديه ثم قال: ((اللهم
حوالينا ولا علينا. اللهم على الآكام والظراب
وبطون الأودية ومنابت الشجر)). فأقلعت
وخرجنا نمشي في الشمس.(١)
ب - طلب الدعاء من النبي 18 يوم القيامة:
٩ - اتفق العلماء على أن التوسل بالنبي {ال يوم
القيامة بسؤال الخلق له أن يشفع لهم عند ربهم
في المحشر واقع لا محالة خلافا للمعتزلة.
والشفاعة العظمى يومئذ خصوصية منحها الله
تعالى لحبيبه في عرصات القيامة تكریما وتشريفا
له عليه الصلاة والسلام .
عن أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما قالا :
قال رسول الله وَثير: ((يجمع الله تبارك وتعالى
الناس يوم القيامة، فيقوم المؤمنون حتى تزلف
(١) حديث أنس: ((اللهم أغثنا ... )) أخرجه مسلم (٢/ ٦١٢.
- ٦١٣ - ط الحلبي).
لهم الجنة. فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح
لنا الجنة فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا
خطيئة أبیکم آدم؟ لست بصاحب ذلك اذهبوا
إلى ابني إبراهيم خليل الله. قال: فيقول
ابراهيم عليه السلام: لست بصاحب ذلك إنما
کنت خلیلا من وراء وراء. اعمدوا إلی موسی
عليه السلام الذي كلمه اللّه تكليما، فيأتون
موسی فیقول: لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى
عيسى كلمة الله وروحه، فيقول عيسى عليه
السلام: لست بصاحب ذلك، فيأتون
محمداً وَلّ، فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانة
والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا فيمر
أولكم كالبرق .... (١) الحديث)).
وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه
قال: قال رسول اللّه وَله: إذا كان يوم القيامة
ماج الناس بعضهم إلى بعض فيأتون آدم
فيقولون له: اشفع لذريتك فيقول: لست
لها .. فيؤتى عيسى فيقول: لست لها ولكن
عليكم بمحمد ◌َّر، فأوتى، فأقول : أنالها ،
فأنطلق، فأستاذن على ربي ، فيؤ ذن لي، فأقوم بين
يديه، فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن
يلهمنيه الله ثم أخر له ساجدا، فيقال لي :
يا محمد إرفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه
(١) حديث أبي هريرة وحذيفة: ((يجمع اللّه الناس يوم القيامة
... )) أخرجه مسلم (١/ ١٨٠ - ١٨١ - ط الحلبي).
- ١٥٥ -
توسل ١٠ - ١١
واشفع تشفع، فأقول: يارب أمتي أمتي ...
الحديث)). (١)
ج - التوسل بالنبي علی معنی الإِيمان به ومحبته :
١٠ - لا خلاف بين العلماء في التوسل بالنبي وَّر
علی معنی الإِيمان به ومحبته، وذلك كأن يقول:
أسألك بنبيك محمد ویرید : إني أسألك بإيماني به
وبمحبته، وأتوسل إليك بإيماني به ومحبته، ونحو
ذلك.
قال ابن تيمية: من أراد هذا المعنى فهو
مصيب في ذلك بلا نزاع، وإذا حمل على هذا
المعنى كلام من توسل بالنبي وَله بعد مماته من
السلف ـ كما نقل عن بعض الصحابة والتابعين
وعن الإِمام أحمد وغيره - كان هذا حسنا.
وحينئذ فلا يكون في المسألة نزاع، ولكن كثيرا
من العوام يطلقون هذا اللفظ ولا يريدون هذا
المعنى، فهؤلاء الذين أنكر عليهم من أنكر.
وهذا كما أن الصحابة کانوا یریدون بالتوسل به
التوسل بدعائه وشفاعته ،وهذا جائز بلا نزاع، ثم
إن أكثر الناس في زماننا لا يريدون هذا المعنى
بهذا اللفظ .
وقال الألوسي : أنا لا أرى بأسا في التوسل
(١) حديث أنس بن مالك: ((إذا كان يوم القيامة ماج الناس
... )) أخرجه البخاري (الفتح ١٣/ ٤٧٣ - ط السلفية)
ومسلم (١٨٢/١ - ط الحلبي).
إلى الله تعالى بجاه النبي صل عند الله تعالى
حيا وميتا، ويراد من الجاه معنى يرجع إلى صفة
من صفاته تعالى، مثل أن يراد به المحبة التامة
المستدعية عدم رده وقبول شفاعته، فيكون
معنى قول القائل: إلهي أتوسل بجاه نبيك والآه
أن تقضي لي حاجتي ، إلهي اجعل محبتك له
وسيلة في قضاء حاجتي، ولا فرق بين هذا
وقولك: إلهي أتوسل برحمتك أن تفعل كذا، إذ
معناه أيضا إلهي اجعل رحمتك وسيلة في فعل
كذا، والكلام في الحرمة (أي المنزلة - والمراد
حرمة النبي) كالكلام في الجاه. (١)
د - التوسل بالنبي بعد وفاته :
اختلف العلماء في مشروعية التوسل
بالنبي وَّ بعد وفاته كقول القائل: اللهم إني
أسألك بنبيك أو بجاه نبيك أوبحق نبيك، على
أقوال :
القول الأول :
١١ - ذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية
ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة) إلى
جواز هذا النوع من التوسل سواء في حياة
النبي وقلّ أو بعد وفاته. (٢)
(١) قاعدة جليلة ص٦٣، ٦٤ - ٩٥، وتفسير الآلوسي
١٢٨/٦
(٢) شرح المواهب ٣٠٤/٨، والمجموع ٢٧٤/٨ والمدخل
٢٤٨/١ وما بعدها، وابن عابدين ٢٥٤/٥، والفتاوى=
- ١٥٦ -
توسل ١١
قال القسطلاني: وقد روي أن مالكا لما سأله
أبو جعفر المنصور العباسي - ثاني خلفاء بني
العباس - يا أبا عبد الله أأستقبل رسول الله وَله
وأدعو أم أستقبل القبلة وأدعو؟
فقال له مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو
وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله
عز وجل يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به
فيشفعه الله .
وقد روى هذه القصة أبو الحسن علي بن فهر
في كتابه «فضائل مالك» بإسناد لا بأس به
وأخرجها القاضي عياض في الشفاء من طريقه
عن شيوخ عدة من ثقات مشايخه. (١)
وقال النووي في بيان آداب زيارة قبر
النبي ◌َّليل: ثم يرجع الزائر إلى موقف قبالة وجه
رسول الله ﴾﴾ فیتوسل به ویستشفع به إلى
ربه، ومن أحسن ما يقول (الزائر) ما حكاه
الماوردي والقاضي أبو الطيب وسائر أصحابنا
عن العتبي مستحسنین له قال: كنت جالسا
عند قبر النبي 18 فجاءه أعرابي فقال: السلام
عليك يا رسول الله. سمعت اللّه تعالى يقول:
= الهندية ٢٦٦/١، ٣١٨/٥، وفتح القدير ٤٩٧/٨ -
٤٩٨، والفتوحات الربانية على الأذكار النووية ٣٦/٥
(١) شرح المواهب ٣٠٤/٨ -٣٠٥، والمدخل ٢٤٨/١،
٢٥٢، ووفاء الوفاء ٤/ ١٣٧١ وما بعدها، والفواكه الدواني
٤٦٦/٢، وشرح أبي الحسن على رسالة القيرواني
٢/ ٤٧٨، والقوانين الفقهية ص١٤٨
﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك
فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله
توابا رحيما(١) وقد جئتك مستغفرا من ذنبي
مستشفعا بك إلى ربي. ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه
وطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه
فيه العفاف وفيه الجود والكرم
وقال العزبن عبدالسلام : ينبغي كون هذا
مقصورا على النبي وَلّ لأنه سيد ولد آدم، وأن
لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة
والأولیاء لأنهم ليسوا في درجته، وأن یکون
مما خص به تنبيها على علو رتبته .
وقال السبكي : ويحسن التوسل والاستغاثة
والتشفع بالنبي إلى ربه.
وفي إعانة الطالبين :.... وقد جئتك
مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك إلى ربي . (٢)
ما تقدم أقوال المالكية والشافعية .
وأما الحنابلة فقد قال ابن قدامة في المغني بعد
أن نقل قصة العتبي مع الأعرابي: ((ويستحب
لمن دخل المسجد أن يقدم رجله اليمنى ...
إلى أن قال: ثم تأتي القبر فتقول :... وقد
(١) سورة النساء ٦٤.
(٢) المجموع ٨/ ٢٧٤، وفيض القدير ٢ / ١٣٤ - ١٣٥ وإعانة
الطالبين ٣١٥/٢، ومقدمة التجريد الصريح بتحقيق
الدکتور مصطفی دیب البغاص.
- ١٥٧ -
توسل ١١
أتيتك مستغفرا من ذنوبي مستشفعا بك إلى
ربي ... )).
ومثله في الشرح الكبير. (١)
وأما الحنفية فقد صرح متأخروهم أيضا
بجواز التوسل بالنبي وَّار. قال الكمال بن الهمام
في فتح القدير: ثم يقول في موقفه: السلام
عليك يا رسول الله ... ويسأل الله تعالى
حاجته متوسلا إلى الله بحضرة نبيه عليه الصلاة
والسلام .
وقال صاحب الاختيار فيما يقال عند زيارة
النبي الر .... جئناك من بلاد شاسعة ....
والاستشفاع بك إلى ربنا .... ثم يقول:
مستشفعین بنبيك إليك.
ومثله في مراقي الفلاح والطحطاوي على
الدر المختار والفتاوى الهندية.
ونص هؤلاء: عند زيارة قبر النبي دَل
اللهم ... وقد جئناك سامعين قولك طائعين
أمرك مستشفعین بنبيك إليك.
وقال الشوكاني: ويتوسل إلى الله بأنبيائه
والصالحين. (٢).
(١) كشاف القناع ٦٨/٢، والمبدع ٢٠٤/٢، والفروع
١٥٩/٢ والمغني مع الشرح ٥٨٨/٣ وما بعدها، والشرح
الكبير مع المغني ٤٩٤/٣ - ٤٩٥، والإنصاف ٢/ ٤٥٦
(٢) الاختيار ١٧٤/١ - ١٧٥، وفتح القدير ٢/ ٣٣٧ ومراقي
الفلاح بحاشية الطحطاوي ص٤٠٧، وحاشية الطحطاوي
على الدر المختار ٥٦٢/١، والفتاوى الهندية ٢٦٦/١،
وتحفة الأحوذي ١٠/ ٣٤ وتحفة الذاكرين للشوكاني (٣٧).
وقد استدلوا لما ذهبوا إليه بما يأتي : (١)
أ - قوله تعالى: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾. (٢)
ب - حديث الأعمى(٣) المتقدم وفيه: ((اللهم
إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي
الرحمة ... )).
فقد توجه الأعمى في دعائه بالنبي عليه
الصلاة والسلام أي بذاته .
جـ - قوله # في الدعاء لفاطمة بنت أسد:
((اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ووسع عليها
مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي
فإنك أرحم الراحمين)). (٤)
د - توسل آدم بنبينا محمد عليهما الصلاة
والسلام :
روى البيهقي في ((دلائل النبوة)) والحاكم
وصححه عن عمر بن الخطاب قال: قال
رسول الله صل# ((لما اقترف آدم الخطيئة قال:
(١) المراجع السابقة، والمدخل ٢٤٨/١ ومابعدها، وشرح
المواهب ٣٠٤/٨، وجلاء العينين ص٤٣٣ وما بعدها،
وقاعدة جليلة ص٦٥ ومابعدها، وحقيقة التوسل والوسيلة
ص٣٨ ومابعدها لمؤلفه موسى محمد علي، والتوسل وأنواعه
وأحكامه للألباني ص٥١ ومابعدها .
(٢) سورة المائدة / ٣٥
(٣) حديث الأعمى سبق تخريجه ف/ ٨
(٤) حديث دعاء النبي # لفاطمة بنت أسد: أخرجه الطبراني
في الکبیر والأوسط کما في مجمع الزوائد للھیثمي (٩/ ٢٥٧ -
ط القدسي)، وقال: فيه روح بن صلاح، وثقه ابن حبان
والحاكم وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح.
- ١٥٨ -
توسل ١١
يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي
فقال الله تعالى: يا آدم كيف عرفت محمدا ولم
أخلقه؟
قال: يا رب إنك لما خلقتني رفعت رأسي
فرأيت على قوائم العرش مكتوبا ((لا إله إلا الله
محمد رسول الله)) فعلمت أنك لم تضف إلى
اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله
تعالى: صدقت ياآدم، إنه لأحب الخلق إلي، وإذ
سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما
خلقتك)). (١)
هـ - حديث الرجل الذي كانت له حاجة
عند عثمان بن عفان رضي الله عنه: روى
الطبراني والبيهقي أن رجلا كان يختلف إلى
عثمان بن عفان رضي الله عنه في زمن خلافته،
فکان لا يلتفت ولا ينظر إليه في حاجته، فشكا
ذلك لعثمان بن حنيف، فقال له: ائت الميضأة
فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل، ثم قل : اللهم إني
أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة .
یامحمد إني أتوجه بك إلى ربك فيقضی لي
حاجتي، وتذكر حاجتك، فانطلق الرجل فصنع
(١) حديث لما اقترف آدم الخطيئة .... )) أخرجه الحاكم
(٦١٥/٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) وعنه البيهقي في
دلائل النبوة (٤٨٩/٥ - ط دار الكتب العلمية) وقال
البيهقي: «تفرد به عبدالرحمن بن زيد بن أسلم من هذا
الوجه، وهو ضعيف)» وتعقب الذهبي تصحيح الحاكم في
تلخيص المستدرك بقوله: ((بل موضوع، وعبدالرحمن
واه)).
ذلك ثم أتى باب عثمان بن عفان رضي الله
عنه، فجاء البواب فأخذ بيده، فأدخله على
عثمان رضي الله عنه فأجلسه معه وقال له: اذكر
حاجتك، فذكر حاجته فقضاها له، ثم قال :
مالك من حاجة فاذكرها .
ثم خرج من عنده فلقي ابن حنيف فقال
له: جزاك الله خيرا ما كان ينظر لحاجتي حتى
كلمته لي، فقال ابن حنيف، والله ماكلمته
ولكن شهدت رسول اللّه وَله وأتاه ضرير فشكا
إليه ذهاب بصره. (١) إلى آخر حديث الأعمى
المتقدم .
قال المباركفوري : قال الشيخ عبدالغني في
إنجاح الحاجة : ذكر شيخنا عابد السندي في
رسالته والحديث - حديث الأعمی - يدل على
جواز التوسل والاستشفاع بذاته المكرم في
حياته، وأما بعد مماته فقد روى الطبراني في
الکبیر عن عثمان بن حنيف أن رجلا كان يختلف
إلى عثمان .. إلى آخر الحديث.
وقال الشوكاني في تحفة الذاكرين: وفي
الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله بله
إلى الله عز وجل مع اعتقاد أن الفاعل هو الله
(١) حديث الرجل الذي كانت له حاجة عند عثمان بن عفان
أخرجه الطبراني في معجمه الصغير (١٨٣/١ - ط المكتبة
السلفية) وقد تكلم الذهبي في ميزان الاعتدال (٢٦٢/٢ -
ط الحلبي) في رواية شعيب بن سعيد بما يقتضي تضعيف
زيادته في هذا الحديث .
- ١٥٩ -
توسل ١٢
. سبحانه وتعالى وأنه المعطي المانع ما شاء كان
وما لم يشأ لم يكن. (١)
القول الثاني في التوسل بالنبي ◌ُّسير بعد وفاته:
١٢ - جاء في التاترخانية معزيا للمنتقى: روى
أبو يوسف عن أبي حنيفة: لا ينبغي لأحد أن
يدعو الله إلا به (أي بأسمائه وصفاته) والدعاء
المأذون فيه المأمور به ما استفيد من قوله تعالى :
﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾. (٢)
وعن أبي یوسف أنه لا بأس به، وبه أخذ أبو
الليث للأثر.
وفي الدر: والأحوط الامتناع لكونه خبر
واحد فيما يخالف القطعي، إذ المتشابه إنما يثبت
بالقطعي . (٣)
أما التوسل بمثل قول القائل: بحق رسلك
وأنبيائك وأوليائك، أو بحق البيت فقد ذهب
أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى كراهته. قال
الحصكفي : لأنه لا حق للخلق على الله تعالى
وإنما يخص برحمته من يشاء من غير وجوب
عليه .
قال ابن عابدين: قد يقال: إنه لا حق لهم
(١) تحفة الأحوذي ١٠/ ٣٤
(٢) سورة الأعراف / ١٨٠
(٣) ابن عابدين ٢٥٤/٥ والفتاوى الهندية ٢٦٦/١،
٣١٨/٥، وفتح القدير ٤٩٧/٨ - ٤٩٨، وحاشية
الطحطاوي على الدر المختار ٤/ ١٩٩
وجوبا على اللّه تعالى لكن الله سبحانه وتعالى
جعل لهم حقا من فضله، أويراد بالحق الحرمة
والعظمة، فيكون من باب الوسيلة، وقد قال
تعالى: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾(١)
وقد عد من آداب الدعاء التوسل على ما في
((الحصن))، وجاء في رواية ((اللهم إني أسألك
بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي إليك ، فإني لم
أخرج أشرا ولا بطرا))(٢) الحديث.
ويحتمل أن يراد بحقهم علينا وجوب الإِيمان
بهم وتعظيمهم. وفي ((اليعقوبية)): يحتمل أن
يكون الحق مصدرا لا صفة مشبهة، فالمعنى
بحقية رسلك، فليتأمل اهـ. أي: المعنى
بکونهم حقالا بکونهم مستحقین. أقول (أي
ابن عابدين): لكن هذه كلها احتمالات مخالفة
لظاهر المتبادر من هذا اللفظ، ومجرد إيهام اللفظ
ما لا يجوز كاف في المنع ... فلذا والله أعلم
أطلق أئمتنا المنع، على أن إرادة هذه المعاني مع
هذا الإِيهام فيها الإِقسام بغير الله تعالى وهو
مانع آخر، تأمل. (٣)
هذا ولم نعثر في كتب الحنفية على رأي
لأبي حنيفة وصاحبيه في التوسل إلى الله
(١) سورة المائدة / ٣٥
(٢) حديث: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك ... ))
سبق تخريجه ف/ ٧
(٣) ابن عابدين ٢٥٤/٥، والفتاوى الهندية ٢٦٦/١،
٣١٨/٥، وفتح القدير ٤٩٧/٨، ٤٩٨، والطحطاوي
على الدر ٤/ ١٩٩
- ١٦٠ -