النص المفهرس

صفحات 241-260

تکفین ٨ - ١٠
والثاني: مایستر جمیع بدنه إلا رأس المحرم
ووجه المحرمة .(١)
والمستحب أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب :
إزار ولفافتين بيض، ليس فيها قميص
ولا عمامة، (٢) لما روت عائشة رضي الله عنها،
قالت: ((كفن رسول الله # في ثلاثة أثواب
سحولية(٣) ليس فيها قميص ولا عمامة)). (٤)
والبالغ والصبي في ذلك سواء، وإن کفن في
خمسة أثواب لم يكره، لأن ابن عمر رضي الله
عنهما کان یکفن أهله في خمسة أثواب فيها
قميص وعمامة، ولأن أكمل ثياب الحي خمسة،
ويكره الزيادة على ذلك، لأنه سرف.
وأما المرأة فإنها تكفن عند الشافعية في خمسة
أثواب: إزار ودرع (قميص) وخمار ولفافتين،
لأنه عليه الصلاة والسلام كفن فيها ابنته
أم كلثوم. لما روت أم عطية أن النبي ◌َّ: ناولها
إزارا ودرعا وخمارا وثوبين، (٥) ويكره مجاوزة
(١) روضة الطالبين ٢٨٣/١، ١١٠/٢ - ١١١ ط المكتب
الإسلامي.
١
(٢) نهاية المحتاج ٢/ ٤٥٠ ط المكتبة الإسلامية، والمجموع
١٤٤/٥ - ١٤٦
(٣) سحولية نسبة إلى بلد باليمن كانت تجلب منها الثياب.
(المصباح، سحل)
(٤) حديث عائشة: كفن رسول الله18 في ثلاثة أثواب))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣/ ١٤٠ ط السلفية)،
ومسلم (٢/ ٦٥٠ ط عيسى الحلبي).
(٥) حديث أم عطية : سبق تخريجه ف٣
الخمسة في الرجل والمرأة، والخنثى كالمرأة.
٩ - وقال الحنابلة: الكفن الواجب ثوب يستر
جميع بدن الميت رجلا كان أو امرأة، والأفضل أن
يكفن الرجل في ثلاث لفائف، وتكره الزيادة
على ثلاثة أثواب في الكفن لما فيه من إضاعة
المال، وقد نهى النبي ◌َ ◌ّر عنه.
ويجوز التكفين في ثوبين لقول النبي ( * في
المحرم الذي وقصته دابته: «اغسلوه بماء وسدر
وكفنوه في ثوبین))، (١) وكان سويد بن غفلة
يقول: یکفن في ثوبین.
وقال أحمد: یکفن الصبي في خرقة (أي ثوب
واحد) وإن كفن في ثلاثة فلا بأس. (٢)
تعميم الميت :
١٠ - الأفضل عند الشافعية والحنابلة أن يكفن
الرجل في ثلاث لفائف بیض ليس فيها قميص
ولا عمامة، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من
أصحاب النبي ټ وغيره، فإن كان في الكفن
عمامة لم یکره، لكنه خلاف الأولى .
وعند المالكية الأفضل أن يكفن الرجل
بخمسة أثواب وهي : قميص وعمامة وإزار
ولفافتان. وأما عند الحنفية فتكره العمامة في
(١) حديث: ((اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين)). أخرجه
البخاري (فتح الباري ٣/ ١٣٧ ط السلفية) من حديث
عبدالله بن عباس.
(٢) المغني ٢ / ٤٦٤ - ٤٧١
- ٢٤١ -

تكفين ١١ - ١٢
الأصح، لأنها لم تكن في کفن النبي (ێے، ولأنها
لو وجدت العمامة لصار الكفن شفعا، والسنة أن
يكون وترا، واستحسنها المتأخرون من الحنفية،
لما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يعمم
الميت من أهله ويجعل العذبة على وجهه.(١)
على من يجب الكفن :
١١ - ذهب جمهور الفقهاء إلی أن کفنالميت فيماله
إن كان له مال ويكفن من جميع ماله إلا حقا تعلق
بعين كالرهن(٢) ويقدم على الوصية والميراث، لأن
هذا من أصول حوائج الميت فصار كنفقته في
حال حياته وهي مقدمة على سائر الواجبات،
وإن لم يكن له مال فكفنه على من تجب عليه
نفقته - وإذا تعدد من وجبت النفقة عليه فیکون
كفنه عليهم، على مايعرف في باب النفقات -
کما تلزم کِسْوته في حال حیاته، وإن لم یکن له
مال ولا من ينفق عليه فكفنه في بيت المال،
كنفقته في حال حياته لأنه أعد لحوائج المسلمين.
وإن لم يكن في بيت المال فعلى المسلمين
تكفينه، فإن عجزوا سألوا الناس، وإن لم يوجد
ذلك غسل وجعل عليه الإِذخر (أو نحوه من
النبات) ودفن ويصلى على قبره.
(١) حاشية الطحطاوي ٣١٥، ومواهب الجليل ٢٢٥/٢،
والشرح الصغير ٥٥٠/١، ونهاية المحتاج ٢/ ٤٥٠،
والمجموع ١٤٤/٥، والمغني ٢ / ٤٦٤ - ٤٦٥
(٢) الاختيار ٥/ ٨٥
وعلى الزوج تكفين زوجته عند الحنفية على
قول مفتى به، والمالكية في قول، والشافعية في
الأصح، لأن نفقة الزوجة واجبة على زوجها في
حال حياتها، فكذلك التکفین وعللوا ذلك بأن
التفريق في هذا بين الموت والحياة غير معقول.
وأما عند المالكية والحنابلة ومحمد من الحنفية ،
فلا يلزم الزوجَ كفنُ امرأته ولا مؤنة تجهيزها،
لأن النفقة والكسوة وجبا في حالة الزواج وقد
انقطع بالموت فأشبهت الأجنبية.
ولا يجب على المرأة كفن زوجها بالإجماع،
كما لا يجب عليها كسوته في حال الحياة . (١)
کیفیة تکفین الرجل :
١٢ - ذهب الفقهاء إلى أن الأكفان تجمر أي
تطیب أولا وتراً قبل التکفین بها، لما روي عن
رسول الله ﴿﴿ أنه قال: ((إذا أجْرْتُم الميت
فأجمروا وترا))(٢) ولأن الثوب الجديد أو الغسيل مما
(١) بدائع الصنائع ٣٠٨/١ ط دار الكتاب العربي، والفتاوى
الهندية ١٦١/١ ط دار إحياء التراث العربي، وفتح القدير
٤٥٢/١ ط المطبعة الأميرية ببولاق، والشرح الصغير
٥٥١/١ ط دار المعارف بمصر، والدسوقي ٤١٣/١،
٤١٤/١ ط دار الفكر بيروت لبنان، وروضة الطالبين
١١٠/٢، والمجموع ١٨٩/٥ ط دارة الطباعة المنيرية،
وكشاف القناع ٢/ ١٠٤ ط مكتبة النصر الحديثة.
(٢) حديث ((إذا أجمرتم الميت فاجمروا وترا)) أخرجه أحمد
(٣٣١/٣ ط الميمنية) والحاكم (٣٥٥/١ ط دائرة المعارف
العثمانية) من حديث جابر بن عبدالله. وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي.
- ٢٤٢ -

تكفين ١٢
يطيب ويجمر في حالة الحياة، فكذا بعد الممات،
ثم المستحب أن تؤخذ أحسن اللفائف وأوسعها
فتبسط أولاً ليكون الظاهر للناس حسنها، فإن
هذا عادة الحي يجعل الظاهر أفخر ثيابه. ويجعل
عليها حنوط، ثم تبسط الثانية التي تليها في
الحسن والسعة عليها، ويجعل فوقها حنوط
وكافور ثم تبسط فوقهما الثالثة ويجعل فوقها حنوط
وكافور، ولا يجعل على وجه العليا ولا على
النعش شيء من الحنوط، لأن أبا بكر الصديق
رضي الله عنه قال: ((لا تجعلوا على أكفاني
حنوطا)) ثم يحمل الميت مستورا بثوب ويترك
على الكفن مستلقيا على ظهره بعدما يجفف،
ويؤخذ قطن فيجعل فيه الحنوط والكافور ويجعل
بین ألیتیه ویشد علیه كما يشد التبان. (١)
ويستحب أن يؤخذ القطن ويجعل عليه
الحنوط والكافور ويترك على الفم والمنخرين
والعینین والأذنین وعلى جراح نافذة إن وجدت
عليه ليخفي مايظهر من رائحته، ويجعل الحنوط
والكافور على قطن ويترك على مواضع
السجود، كما روي عن عبدالله بن مسعود
رضي الله عنه أنه قال: ((تتبع مساجده
بالطيب))(٢) ولأن هذه المواضع شرفت بالسجود
فخصت بالطيب.
(١) التبان: سروال صغير مقدار شبر يستر العورة المغلظة وقد
یکون للملاحين (مختار الصحاح).
(٢) فسر صاحب البدائع - المساجد هنا - بأنها مواضع =
ويستحب أن يحنط رأسه ولحيته بالكافور،
كما يفعل الحي إذا تطيب، ثم يلف الكفن عليه
بأن یثنی من الثوب الذي يلي الميت طرفه الذي
يلي شقه الأيسر على شقه الأيمن ، والذي يلي
الأيمن على الأيسر، كما يفعل الحي بالقباء، ثم
يلف الثانى والثالث كذلك، وإذا لف الكفن
عليه جمع الفاضل عند رأسه جمع العمامة، ورد
علی وجهه وصدره إلى حيث بلغ، وما فضل
عند رجليه يجعل على القدمين والساقين، ثم
تشد الأکفان علیه بشداد خيفة انتشارها عند
الحمل، فإذا وضع في القبر حل الشداد، هذا
عند الشافعية والحنابلة. أما عند الحنفية فكذلك
إلا أنه يلبس القميص أولا إن کان له قمیص ثم
يعطف الإِزار عليه بمثل ماسبق ثم تعطف
اللفافة وهي الرداء كذلك.
أما عند المالكية فيكون الإِزار من فوق السرة
إلى نصف الساق تحت القميص واللفائف فوق
ذلك على ما تقدم ويزاد عليها الحفاظ وهي
خرقة تشد على قطن بين فخذيه خيفة ما يخرج
من المخرجين، واللثام وهو خرقة توضع على
قطن يجعل على فمه وأنفه خيفة ما يخرج
منهما .(١)
= السجود وهي جبهته وأنفه ويداه ور کبتاه وقدماه-
البدائع ٣٠٨/١
(١) البدائع ٣٠٨/١، والمغني ٤٦٤/٢، ٤٦٥ ومابعدها،
والمجموع ١٤٩/٥، وروضة الطالبين ١١٣/٢، وكفاية
الطالب ١/ ٣٢٠، وشرح منح الجليل ٢٩٨/١
- ٢٤٣ -

تكفين ١٢ - ١٣
كيفية تكفين المرأة :
١٢ م - وأما تكفين المرأة فقال الحنفية: تبسط لها
اللفافة والإِزار على ماتقدم في الرجل، ثم توضع
على الإِزار وتلبس الدرع، ويجعل شعرها
ضفيرتين على صدرها فوق الدرع، ويسدل
شعرها مابین ثدييها من الجانبین جمیعا تحت
الخمار، ولا يسدل شعرها خلف ظهرها، ثم يجعل
الخمار فوق ذلك، ثم يعطف الإِزار واللفافة كما
قالوا في الرجل: ثم الخرقة فوق ذلك تربط فوق
الأكفان فوق الثدیین والبطن . (١)
وذهب المالكية إلى أنها تلبس الإِزار من تحت
ابطيها إلى كعبيها، ثم تلبس القميص، ثم تخمر
بخمار يخمر به رأسها ورقبتها، ثم تلف بأربع
لفائف، ويزاد عليها الحفاظ واللثام. (٢)
وعند الشافعیة علی المفتى به تؤزر بازار، ثم
تلبس الدرع ،ثم تخمربخمار، ثم تدرج في ثوبین،
قال الشافعي رحمه الله: ويشد على صدرها
ثوب ليضم ثيابها فلا تنتشر. (٣)
وأما عند الحنابلة ، فتشد الخرقة على فخذيها
أولا ، ثم تؤزر بالمئزر، ثم تلبس القميص، ثم
تخمر بالمقنعة ثم تلف بلفافتين على الأصح. (٤)
(١) الفتاوى الهندية ١/ ١٦١، والبدائع ٣٠٧/١، ٣٠٨
(٢) منح الجليل ٢٩٨/١
(٣) المجموع ٢٠٧/٥، وروضة الطالبين ٢/ ١١٢
(٤) المغني ٢ / ٤٧٠
كيفية تكفين المحرم والمحرمة :
١٣ - قال الشافعية والحنابلة: (١) إذا مات
المحرم والمحرمة حرم تطبيبهما وأخذ شيء من
شعرهما أو ظفرهما، وحرم ستر رأس الرجل
وإلباسه مخيطا. وحرم ستر وجه المحرمة لما روى
ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ◌َّ قال في
المحرم الذى وقصته ناقته فمات: ((اغسلوه بماء
وسدر وکفنوه في ثوبیه اللذین مات فیھما، ولا
تمسوه بطیب، ولا تخمروا رأسه، فإنه یبعث يوم
القيامة ملبيا)). (٢)
وعند الحنفية والمالكية يكفن المحرم والمحرمة ،
کما یکفن غير المحرم أي یغطى رأسه ووجهه
ويطيب، لما روى عن عطاء عن ابن عباس عن
النبي ول أنه قال في المحرم يموت خمروهم
ولا تشبهوهم باليهود. (٣) وروى عن علي
رضي الله عنه أنه قال في المحرم: إذا مات انقطع
(١) المجموع ١٥٧/٥، والمغني وشرح الكبير ٣٣٢/٢ ط دار
الكتاب العربي، والإنصاف ٤٩٨/٢
(٢) حديث ((اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه،
ولا تمسوه ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٦٤ ط
السلفية) من حديث ابن عباس.
(٣) حديث (( خمروا وجوه موتاكم ولا تشبهوا باليهود)». أخرجه
.
الطبراني (١٨٣/١١ ط وزارة الأوقاف العراقية)، وفي
إسناده انقطاع. مجمع الزوائد (٢٥/٣ ط القدسي).
- ٢٤٤ -

تكفين ١٤
إحرامه ولأن النبي ◌َ ◌ّ قال: ((إذا مات ابن آدم
انقطع عمله إلا من ثلاث،ولدصالح يدعوله، أو
صدقة جارية ،أو علم ينتفع به)). (١)
والإِحرام ليس من هذه الثلاثة. (٢)
تكفين الشهيد :
١٤ - ذهب الحنفية إلى أن شهيد المعركة - الذي
قتله المشركون، أو وجد بالمعركة جريحا، أو قتله
المسلمون ظلما ولم يجب فیه مال۔یکفن في ثيابه،
لقول النبي ێر: «زملوهم بدمائهم)) وقد روى
في ثيابهم، (٤) وعن عمار وزيد بن صوحان أنهما
قالا : لا تنزعوا عني ثوبا .. الحديث، غير أنه
ينزع عنه الجلود والسلاح والفرو والحشو والخف
والمنطقة والقلنسوة. لما روي عن علي رضي الله
عنه أنه قال: تنزع عنه العمامة والخفان
والقلنسوة، ولما روى عن ابن عباس رضي الله
(١) حديث ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا
من صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)).
أخرجه مسلم (١٢٥٥/٣ ط عيسى الجلبي) من حديث
أبي هريرة.
(٢) البدائع ٣٠٧/١، ٣٠٨، والخرشي ١٢٧/٢ ط دار صادر
بیروت، وشرح منح الجليل ٢٩٨/١
(٣) حديث ((زملوهم بدمائهم)) أخرجه أحمد (٤٣١/٥ ط
اليمنية) من حديث جابر بن عبدالله. وإسناده صحيح.
نصب الراية (٢ / ٣٠٧ ط المجلس العلمي بالهند).
عنهما قال: أمر رسول الله وَلل بقتلى أحد أن
ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم
وثيابهم، (١) ولأن هذه الأشياء التي أمر بنزعها
ليست من جنس الكفن، ولأن المراد من قوله
﴾ («زملوهم بثیابهم)) الثياب التي یکفن بها
وتلبس للستر، ولأن الدفن بالسلاح وماذكر
معه كان من عادة أهل الجاهلية، فإنهم كانوا
يدفنون أبطالهم بما علیهم من الأسلحة وقد نهينا
عن التشبه بهم. (٢)
ويجوز أن يزاد في أكفانهم أوينقص على أن لا
يخرج عن كفن السنة، لما روى عن خباب أن
حمزة رضي الله عنه لم يوجد له كفن إلا بردة
ملحاء إذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه
حتى مدت على رأسه وجعل على قدميه
الأذخر)). (٣)
وذاك زيادة، ولأن الزيادة على ما عليه حتى
يبلغ عدد السنة من باب الكمال وأما النقصان
فهو من باب دفع الضرر عن الورثة لجواز أن
(١) حديث ((أمر بقتلى أحد أن ينتزع عنهم الحديد ... ))
أخرجه أبو داود (٤٩٨/٣ تحقيق عزت عبيد دعاس)
وضعفه ابن حجر في التلخيص (١١٨/٢ ط شركة الطباعة
الفنية).
(٢) بدائع الصنائع ٣٢٤/١
(٣) حديث: ((عن خباب أن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة
ملحاء ... )) أخرجه أحمد (١١١/٥ ط اليمنية).
- ٢٤٥ -

تکفین ١٤
يكون عليه من الثياب مايضر بالورثة تركه
عليه .
وعند المالكية. أن شهيد المعركة يدفن بثيابه
التي مات فيها وجوبا إن كانت مباحة وإلا فلا
يدفن بها، ويشترط أن تستره كله فتمنع الزيادة
عليها، فإن لم تستره زيد عليها مايستره، فإن
وجد عریانا ستر جمیع جسده. قال ابن رشد :
من عرّاه العدو فلا رخصة في ترك تکفینه بل
ذلك لازم. وأما الزيادة على ثيابه إذا كان فيها
ما يجزيه فلا بأس بها، وليس لوليه نزع ثيابه
وتکفینه بغیرها .
ويندب دفنه بخف وقلنسوة ومنطقة (ما يحتزم
به في وسطه) إن قل ثمنها وخاتم قَلّ ثمنه،
ولا يدفن الشهيد بآلة حرب قتل وهي معه
کدرع وسلاح. (١)
وقال الحنابلة (٢): إن شهيد المعركة يجب دفنه
في ثيابه التي قتل فيها ولو كانت حريرا على ظاهر
المذهب. وينزع السلاح والجلود والفرو والخف
لحديث ابن عباس رضي الله عنه السابق،
ولا يزاد في ثياب الشهيد ولا ينقص منها، ولو لم
يحصل المسنون بها لنقصها أو زيادتها .
وذكر القاضي في تخريجه أنه لا بأس بهما،
وجاء في المبدع: فإن سلب ما على الشهيد من
(١) شرح منح الجليل ٣١٢/١، وحاشية الدسوقي ٤٢٥/١
(٢) كشاف القناع ٩٩/٢ - ١٠٠، ومنتهى الإرادات ١٥٥/١
الثياب، كفن بغيرها وجوبا كغيره.
وقال الشافعية: يكفن شهيد المعركة ندبا في
ثيابه لخبر أبي داود بإسناد حسن عن جابر
رضي الله عنه قال: رمى رجل بسهم في صدره
أو في حلقه فمات فأدرج في ثيابه كما هو قال:
ونحن مع النبي وَلّ. (١) والمراد ثيابه التي مات
فيها واعتاد لبسها غالبا، وإن لم تكن ملطخة
بالدم، ويفهم من عبارتهم أنه لا يجب تكفينه في
ثيابه التي كانت عليه وقت استشهاده بل هو أمر
مندوب إليه فيجوز أن يكفن كسائر الموتى، فإن
لم یکن ما علیه سابغا أي ساترا جمیع بدنه تمم
وجوبا، لأنه حق للميت، ويندب نزع آلة
الحرب عنه كدرع وخف، وكل ما لا يعتاد لبسه
غالبا كجلد وفرو وجبة محشوة. (٢)
وأما شهداء غير المعركة كالغريق والحريق
والمبطون والغريب فيكفن كسائر الموتى وذلك
باتفاق جميع الفقهاء. (٣)
(١) حديث جابر: رمى رجل بسهم ... )) أخرجه أبو داود
(٤٩٧/٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس). وقال ابن حجر:
((على شرط مسلم)). التلخيص (١١٨/٢ - ط شركة
الطباعة الفنية).
(٢) مغني المحتاج ١/ ٣٥١ ط الحلبي، وشرح التحرير بحاشية
الشرقاوي ٣٣٧/١، وروضة الطالبين ١٢٠/٢
(٣) بدائع الصنائع ٣٢٤/١، وشرح منح الجليل ٣١٢/١،
وكشاف القناع ٩٩/٢ - ١٠٠، ومغني المحتاج ٣٥١/١
- ٢٤٦ -

تکفین ١٥ - ١٧
إعداد الكفن مقدما :
١٥ - في البخاري : عن ابن أبي حازم عن سهل
رضي الله عنه: ((أن امرأة جاءت الى النبي وَلّ
ببردة منسوجة فيها حاشیتها ... فحسنها فلان
فقال: أكسنيها ما أحسنها. قال القوم: ما
أحسنت، لبسها النبي ◌ّ﴿ محتاجا إليها، ثم
سألته، وعلمت أنه لا يرد، قال: اني والله
ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون کفني، قال
سهل: فکانت کفنه». (١) وهذا الحديث دلیل
على الجواز، لعدم إنكار النبي # لذلك. (٢)
وفي حاشية ابن عابدين. وينبغي أن لا يكره
تهيئة الكفن لأن الحاجة إليه متحققة غالبا.
وقال الشافعية : لا یندب أن یعد لنفسه كفنا
لئلا يحاسب على اتخاذه إلا أن يكون من جهة
حل أو أثر من ذي صلاح فحسن إعداده، لكن
لا يجب تکفینه فیه كما اقتضاه كلام القاضي
أبي الطيب وغيره، بل للوارث إبداله. ولهذا لو
نزعت الثياب الملطخة بالدم عن الشهيد وكفن
في غيرها جاز مع أن فيها أثر العبادة الشاهدة له
بالشهادة، فهذا أولى .
(١) حديث سهل بن سعد: أن امرأة جاءت النبي وَير
ببردة ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٤٣/٣ ط
السلفية).
(٢) فتح الباري ١٤٣/٣، وابن عابدين ٦٠٦/١، ونهاية
المحتاج ٤٥٦/٢، والجمل شرح المنهج ١٥٦/٢، وشرح
التحرير بحاشية الشرقاوي ٣٣٧/١، والمجموع
٢١١/٥، والمغني لابن قدامة ٤٦٧/٢ ط الرياض.
اعادة تكفين الميت :
١٦ - اتفق الفقهاء على أنه لو كفن الميت فسرق
الکفن قبل الدفن أوبعده کفن کفنا ثانیا من ماله
أو من مال من عليه نفقته أو من بيت المال، لأن
العلة في المرة الاولى الحاجة وهي موجودة في
الحالة الثانية. (١)
القطع بسرقة الكفن :
١٧ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة
وأبو يوسف من الحنفية إلى قطع النباش إذا
تحققت شروط القطع في السرقة، لما روى البراء
ابن عازب رضي الله عنه أن النبي وَ لّ قال: ((من
حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه، ومن نبش
قطعناه)). (٢) ولما روى عن عائشة رضي الله عنها
قالت: ((سارق أمواتنا كسارق أحيائنا)) لأن القبر
حرز للکفن، وإن کان الكفن زائدا على كفن
السنة أو دفن في تابوت فسرق التابوت لم يقطع،
لأن مازاد على المشروع في الكفن لم يجعل القبر
حرزا له وكذلك التابوت.
وقال أبو حنيفة ومحمد والشافعية: لاقطع على
النباش مطلقا. لقوله جل لا قطع على المختفي
(١) الفتاوى الهندية ١/ ١٦١، وشرح منح الجليل ١/ ٢٩٤ ط
مكتبة النجاح، والمجموع ١٥٨/٥، وكشاف القناع
١٠٨/١ ط مكتبة النصر الحديثة.
(٢) حديث البراء بن عازب: من حرق حرقناه ومن غرق
غرقناه ... )). أخرجه البيهقي في المعرفة كما في نصب الراية
للزيلعي (٣٦٦/٣ ط المجلس العلمي بالهند) ونقل
الزيلعي عن ابن عبدالهادي أن في إسناده من يجهل حاله.
- ٢٤٧ -

تكفين ١٨، تكليف ١ - ٢
(وهو النباش بلغة أهل المدينة) (١) ولأن الشبهة
تمكنت في الملك لأنه لا ملك للميت حقيقة
ولا للوارث لتقدم حاجة الميت، فتمكنت
الشبهة المسقطة للقطع، ووافقهما الشافعية إذا
كان الميت مدفونا في برية لعدم الحرز. (٢)
الكتابة على الكفن :
١٨ - جاء في الجمل على شرح المنهج، لا يجوز
له أن يكتب عليها شيئا من القرآن أو الأسماء
المعظمة صيانة لها من الصديد، وبه قال ابن
الصلاح. (٣)
(١) حديث (( لا قطع على المختفى)) قال الزيلعي:
((غريب)) يعني لا أصل له كما نص عليه في مقدمة كتابه
نصب الراية (٣٦٧/٣ ط المجلس العلمي بالهند).
(٢) البحر الرائق ٥/ ٦٠، والبناية ٥٥٧/٥، والمهذب
٢٧٩/٢، وجواهر الإكليل ٢٩٢/٢، والمغني ٢٧٢/١
(٣) الجمل على شرح المنهج ١٦٢/٢ ط دار إحياء التراث
العربي - بيروت لبنان، وقلیوبي ٣٢٩/١
تكلیف
التعريف :
١ - التكليف لغة: مصدر كلّف. تقول: كلّفت
الرجل: إذا ألزمته مايشق عليه . (١)
قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ
وُسْعَهَا﴾(٢).
وفي الاصطلاح: طلب الشارع مافيه كلفة
من فعل أو ترك، وهذا الطلب من الشارع
بطريق الحكم، وهو الخطاب المتعلق بأفعال
المكلفين بالاقتضاء أو التخيير. (٣)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الأهلية :
٢ - أهلية الإنسان للشىء صلاحيته لصدور
ء
ذلك الشيء وطلبه منه . (٤)
قال الأصوليون: إنه لابد في المحكوم عليه
(١) تاج العروس، مادة: ((كلف)).
(٢) سورة البقرة / ٢٨٦
(٣) جمع الجوامع ١/ ١٧١، وإرشاد الفحول ص٦، والتلويح
على التوضيح ١٣/١
(٤) كشف الأسرار ٤/ ٢٣٧
- ٢٤٨ -

تكليف ٣ - ٤
(المخاطب) من أهليته للحکم (الخطاب) وإنها
لا تثبت إلا بالبلوغ والعقل وهي على قسمين:
أهلية الوجوب، وأهلية الأداء. (١)
أما أهلية الوجوب فعبارة عن صلاحية
الشخص لوجوب الحقوق المشروعة، بحیث
تثبت له حقوق، وتجب عليه واجبات
والتزامات .
وأهلية الأداء عبارة عن صلاحيته لصدور
الفعل على وجه يعتد به شرعا، والآثار الشرعية
تترتب على هذه الأهلية، (٢) وبهذا يعرف أن
الأهلية مناط التكليف. وتفصيل ذلك في
مصطلح: (أهلية).
ب - الذمة :
٣ - الذمة في اللغة: العهد والضمان والأمان،
وفي الاصطلاح: وصف يصير به الشخص
أهلا للإلزام والالتزام، وهي من لوازم أهلية
الوجوب، لأن أهلية الوجوب تثبت بناء على
الذمة، فالفرق بين التكليف والذمة أن
التكليف أعم، لأنه يتعلق بأهلية الوجوب
والأداء معا. (٣)
(١) كشف الأسرار ٢٣٨/٤
(٢) شرح التلويح على التوضيح ١٦٤/٢ وإرشاد الفحول
ص١١
(٣) الموسوعة الجزء السابع ص١٥٢ مصطلح (أهلية)،
والتلويح على التوضيح ٢/ ١٦١ - ١٦٢
الحكم الإِجمالي ومواطن البحث:
٤ - أورد علماء الفقه أحكام التكليف والأهلية في
باب الحجر، وتكلم عنه علماء أصول الفقه في
بيان الحكم، والحاكم، والمحكوم عليه،
والمحكوم به، وفي مواضع أخرى يحتاج البحث
فيها إلى ذكر التكليف.
والتكليف يتوقف على مايتوقف عليه الحكم
من :
الحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم به : وفيما يلي
بيان ذلك :
أ - علاقة التكليف بالحاكم والشارع علاقة
الفعل (المصدر) بفاعله لأن التكليف يقع من
الحاكم على المكلفين اقتضاء أو تخييرا.
ب۔ صلة التكليف بالمحكوم به :
أورد علماء الأصول أن الأحكام التكليفية
خمسة. قال الغزالي: أقسام الأحكام الثابتة
لأفعال المكلفين خمسة: الواجب، والمحظور،
والمباح، والمندوب، والمكروه.
ووجه هذه القسمة أن خطاب الشرع إما أن
يرد باقتضاء الفعل، أو اقتضاء الترك، أو
التخيير بين الفعل والترك، فإن ورد باقتضاء
الفعل فهو أمر، فإما أن يقترن به الإِشعار
بعقاب على الترك فيكون واجبا، أولا يقترن
فيكون ندبا. والذي ورد باقتضاء الترك فإن
أشعر بالعقاب على الفعل فحظر، وإلا
فكراهية، وإن ورد بالتخییر فهو مباح.
- ٢٤٩ -

تکلیف ٤، تکنی، تلاوة ١ - ٢
ولاشك أن تسمية الخمسة تكلیفیة تغليب إذ
لا تكليف في الإباحة ولا في الندب والكراهة
التنزيهية عند الجمهور.
ومن ناحية أخرى اشترطوا في التكليف أن
یکون الفعل الذي وقع التكليف به ممكنا.
جـ ـ ويشترط في التكليف بالنظر إلى
المکلف وهو المحكوم عليه فهم المكلف لما کلف
به. بمعنى قدرته على تصور ذلك الأمر والفهم
من خطاب الله جل جلاله بقدر يتوقف عليه
الامتثال لأن التكليف استدعاء حصول الفعل
على قصد الأمتثال، وهو محال عادة وشرعا ممن
لا شعور له بالأمر، كما اشترطوا البلوغ وجعلوا
الجنون والعته من عوارض الأهلية. (١)
وللتفصيل ينظر الملحق الأصولي.
تکني
انظر: كنية .
(١) إرشاد الفحول ص٦، والمستصفى ١٠٥/١، وكشف
الأسرار ٢٤٨/٤، وفواتح الرحموت ١٤٣/١ - ١٤٤ ط
بولاق.
تلاوة
التعريف :
١ - التلاوة: من تلا بمعنى قرأ، ويأتي هذا .
الفعل بمعنی تبع. (١)
وفي الاصطلاح: التلاوة القراءة. قال
تعالى: ﴿يَتْلوا عليهم آياته﴾(٢) وفسر قوله
تعالى: ﴿يتلونَه حقَّ تلاوته﴾(٣)، باتباع الأمر
والنهي، بتحليل حلاله وتحريم حرامه والعمل
بما تضمنه. (٤)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الترتيل :
٢ - الترتيل: لغة التمهل يقال: رتلت القرآن
ترتيلا أي: تمهلت في القراءة ولم أعجل. (٥)
وفي الاصطلاح: التأني في القراءة والتمهل
(١) المصباح، والقاموس، مادة: ((تلو).
(٢) سورة آل عمران / ١٦٤، وانظر تفسير القرطبي
(٤ / ٢٦٤).
(٣) سورة البقرة/ ١٢١
(٤) تفسير القرطبي ٨٦/٢
(٥) المصباح مادة: ((رتل)).
- ٢٥٠ -

تلاوة ٣ - ٥
وتبيين الحروف والحركات تشبيها بالثّغر
المرتّل . (١)
والنسبة بين الترتيل والتلاوة (بمعنى
القراءة): أن التلاوة أعم، والترتيل اخص،فكل
ترتیل تلاوة ولا عکس.
ب - التجويد :
٣ - التجويد: إعطاء كل حرف حقه ومستحقه،
والمراد بحق الحرف، الصفة الذاتية الثابتة له،
كالشدة والاستعلاء.
والمراد بمستحق الحرف، ماينشأ عن
الصفات الذاتية اللازمة، كالتفخيم وغيره.
وهو أخص من التلاوة. (ر: تجويد).
جـ - الحذر :
٤ - الحدر هو: الإسراع في القراءة.
فهو أخص من التلاوة أيضا.
الحكم الإجمالي:
٥ - المسلمون متعبدون بفهم معاني القرآن
الكریم وتطبيق أحكامه وإقامة حدوده، وهم
متعبدون كذلك بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه
على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة
بالنبي ◌َ﴾، وقد عد العلماء القراءة بغير تجويد
لحنا، فقسموا اللحن إلى جلي وخفي .
(١) تفسير القرطبي ١/ ١٧ دار الكتب.
فاللحن: خلل يطرأ على الألفاظ فيخل، إلا
أن الجلي يخل إخلالا ظاهرا يشترك في معرفته
علماء القراءة وغيرهم، وهو الخطأ في الإِعراب،
والخفي يخل إخلالا يختص بمعرفته علماء القراءة
وأئمة الأداء الذين تلقوه من أفواه العلماء
وضبطوه من ألفاظ أهل الأداء. (١)
والفقهاء متفقون على أن قراءة القرآن في
الصلاة ركن، لقوله تعالى: ﴿فاقرءوا ماتيسر
منه﴾(٢) وإن اختلفوا في تعيين الفاتحة لهذه
الفريضة.
ويستحب الإكثار من قراءة القرآن وتلاوته
خارج الصلاة. قال تعالى مثنيا على من كان
ذلك دأبه: ﴿يتلون آياتِ الله آناء الليلِ﴾،(٣)
وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله
عنهما ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الکتاب
وقام به آناء الليل وآناء النهار))، (٤) وروى الترمذي
من حديث ابن مسعود: ((من قرأ حرفا من كتاب
الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها)). (٥)
(١) الإتقان ١/ ١٠٠ ط مصطفى الحلبي.
(٢) سورة المزمل/ ٣٠
(٣) سورة آل عمران/ ٩٠
(٤) حديث: ((لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الكتاب وقام
به آناء الليل )). أخرجه البخاري (الفتح ٧٣/٩ - ٧٧
السلفية).
(٥) حديث: ((من قرأ حرفا من كتاب الله، فله به حسنة
والحسنة بعشر أمثالها)» أخرجه الترمذي (١٧٥/٥ ط
الحلبي) وقال: ((حسن صحيح)).
- ٢٥١ -

تلاوة ٦
وفي حديث أبي سعيد عن النبي مطار:
((يقول الربّ عز وجل من شغله القرآن وذكري
عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين،
وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله
على خلقه)). (١)
آداب تلاوة القرآن :
٦ - يستحب الوضوء لقراءة القرآن، لأنه أفضل
الأذكار، وقد قال النبي ◌َله: ((إني كرهت أن
أذكر الله عز وجل إلا على طهر)). (٢)
قال إمام الحرمين: لكن تجوز القراءة
للمحدث حدثا أصغر لأنه صح أن النبي ◌َالڼ
كان يقرأ مع الحدث. (٣)
(١) الإتقان ١/ ١٠٤، والتبيان في آداب حملة القرآن للنووي
ص٧ ومابعدها.
وحديث: ((يقول الرب عز وجل من شغله
القرآن ... )) أخرجه الترمذي (١٨٤/٥ ط الحلبي) وحسنه
(٢) حديث: ((إني كرهت أن اذكر الله عز وجل إلا على طهر))
أخرجه أبو داود (١/ ٢٣ تحقيق عزت عبيد دعاس)
وصححه ابن حبان (٨٨/٢ الإحسان ط دار الكتب
العلمية).
(٣) حديث: ((كان يقرأ مع الحدث)) .. لم نعثر عليه في كتب
السنن والآثار بهذا اللفظ إلا أنه يستدل عليه بحديث
عائشة: كان يذكر الله على كل أحيانه. أخرجه مسلم
(٢٨٢/١ ط الحلبي) وأورده البخاري معلقا، وقال
العيني: أراد البخاري بإيراد هذا وبما ذكره في الباب
الاستدلال على جواز قراءة الجنب والحائض لأن الذكر أعم
من أن يكون بالقرآن أو بغيره (عمدة القاري ٣/ ٢٧٤ ط
المنيرية).
وإذا كان يقرأ فعرضت له ريح أمسك عن
القراءة حتى يتم خروجها، وأما الجنب
والحائض فتحرم عليهما القراءة، ويجوز لهما النظر
في المصحف وإمراره على القلب، ولم ير
ابن عباس بالقراءة للجنب بأسا، وبه قال
الطبري وابن المنذر. (١) وأما متنجس الفم
فتكره له القراءة، وقيل تحرم كمس المصحف
باليد النجسة، وتسن القراءة في مكان نظيف
وأفضله المسجد، وكره قوم القراءة في الحمام
والطريق، وعند النووي أنه لا تكره القراءة
فيهما، وعن الشعبي أنه تكره القراءة في الحشّ
(بيت الخلاء) وفي بيت الرحا وهي تدور،
ويستحب أن يجلس القارىء مستقبلا القبلة في
خشوع ووقار مطرقا رأسه، ويسن أن يستاك
تعظیما وتطهیرا، وقد روى ابن ماجه عن علي
موقوفا والبزار بسند جيد عنه رَّله مرفوعا: ((إن
أفواهكم طرق للقرآن فطيبوها بالسواك))(٢) ولو
قطع القراءة وعاد عن قرب فمقتضى استحباب
التعوذ إعادة السواك أيضا، ويسن التعوذ قبل
القراءة لقوله تعالى: ﴿فَإِذا قرأْتَ القرآن
(١) عمدة القاري ٣/ ٢٧٤ ط المنيرية.
(٢) حديث: ((إن أفواهكم طرق للقرآن فطيبوها بالسواك))
أخرجه ابن ماجه (١٠٦/١ ط الحلبي) عن علي موقوفا،
وقال البوصيري: ((إسناده ضعيف))، وأخرجه مرفوعا البزار
بألفاظ مقاربة كما في كشف الأستار (٢٤٢/١ ط الرسالة)
وقال الهيثمي: رجاله ثقات. المجمع (٩٩/٢ - ط
القدسي).
1
- ٢٥٢ -

تلاوة ٦ - ٧
فاستعذ بالله مِنَ الشيطانِ الرجيم﴾(١) يعني إذا
أردت قراءة القرآن .
وذهب قوم إلى وجوب التعوذ لظاهر الأمر
فإن كان يقرأ وهو ماش فسلم على قوم وعاد إلى
القراءة كان حسنا إعادة التعوذ. وصفته
المختارة: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) وكان
جماعة من السلف يزيدون بعد لفظ الجلالة:
السميع العليم، وعن حمزة أستعيذ ونستعيذ
واستعذت، واختاره صاحب الهداية من الحنفية
لمطابقة لفظ القرآن، وهناك صيغ أخرى
للاستعاذة. (٢)
قال الحلواني في جامعه : ليس للاستعادة حد
ينتهي إليه، من شاء زاد ومن شاء نقص، وفي
النشر لابن الجزري: المختار عند أئمة القراءة
الجهربها، وقيل: يسر مطلقا، وقيل: فيما عدا
الفاتحة، وقد أطلقوا اختیار الجهر بها، وقيده
أبوشامة بقید لا بد منه، وهو أن يكون بحضرة
من يسمعه، قال: لأن في الجهر بالتعوذ إظهار
شعار القراءة، كالجهر بالتلبية وتكبيرات العيد.
ومن فوائد الجهر أن السامع ينصت للقراءة
من أولها لا يفوته منها شيء، وإذا أخفى التعوذ لم
(١) سورة النحل/ ٩٨
(٢) الإتقان ص١٠٤ - ١٠٥، والبرهان في علوم القرآن
١/ ٤٥٩ - ٤٦٠ نشر دار المعرفة، وانظر مصطلح استعاذة
ف١١ ٨/٤
والتبيان في آداب حملة القرآن ص٣٩ و٤٤
يعلم السامع بها إلا بعد أن يفوته من المقروء
شيء، وهذا المعنى هو الفارق بين القراءة في
الصلاة وخارجها. قال: واختلف المتأخرون في
المراد بإخفاء الاستعاذة، فالجمهور على أن المراد
به الإِسرار فلابد من التلفظ وإسماع نفسه،
وقيل: الكتمان بأن يذكرها بقلبه بلا تلفظ،
قال: وإذا قطع القراءة إعراضا أو بكلام أجنبي
ولوردا للسلام استأنفها، وإذا كان الكلام
بالقراءة فلا. قال: وهل هي سنة كفاية أوعين
حتى لو قرأ جماعة جملة، فهل يكفي استعاذة
واحد منهم كالتسمية على الأكل أولا؟ لم أرفيه
نصا، والظاهر الثاني، لأن المقصود اعتصام
القارىء والتجاؤه بالله من شر الشيطان، فلا
یکون تعوذ واحد منهم كافيا عن آخر. (١)
البسملة :
٧ - ومن آداب التلاوة أن يحافظ على قراءة
البسملة أول كل سورة غير براءة، لأن أكثر
العلماء على أنها آیة، فإذا أخل بها کان تاركا
لبعض الختمة عند الأكثرين، فإن قرأ من أثناء
سورة استحب له أيضا، نص عليه الشافعي فيما
نقله العبادي. قال القراء: ويتأكد عند قراءة
نحو: ﴿إِليهِ يُرَدُّ عِلمُ السَّاعَةِ﴾، (٢) ﴿وهو الذي
(١) البرهان في علوم القرآن ١/ ٤٦٠، والإتقان ١٠٥/١،
وانظر مصطلح (إسرار) ف١٦ - ١٧٢/٤
(٢) سورة فصلت/ ٤٧
- ٢٥٣ -

تلاوة ٨ - ٩
أنشأُ جناتٍ﴾(١) كما في ذكر ذلك بعد الاستعاذة
من البشاعة وإيهام رجوع الضمير إلى
الشيطان، قال ابن الجزري : والابتداء بالآي
وسط براءة قلّ من تعرض له، وقد صرح
بالبسملة أبوالحسن السخاوي، ورد عليه
الجعبري .(٢)
النية :
٨ - لا تحتاج قراءة القرآن إلى نية كسائر الأذكار،
إلا إذا نذرها خارج الصلاة، فلابد من نية النذر
أو الفرض. (٣)
الترتيل :
٩ - يسن الترتيل في قراءة القرآن قال تعالى:
﴿وَرَتِّل القرآن ترتيلاً﴾(٤) وروى أبو داود وغيره
عن أم سلمة ((أنها نعتت قراءة رسول الله وله
قراءة مفسرة حرفا حرفا)). (٥) وفي البخاري عن
أنس ((أنه سئل عن قراءة رسول الله و * فقال
كانت مدا، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم
(١) سورة الأنعام/ ١٤١
(٢) البرهان في علوم القرآن ١/ ٤٦٠، والإتقان ١٠٥/١ .
١٠٦، وانظر النشر في القراءات العشر ٢٥٩/١
(٣) الإتقان ١٠٥/١ - ١٠٦
(٤) سورة المزمل / ٤
(٥) حديث: أم سلمة أنها نعتت قراءة رسول الله تحمل#. أخرجه
أبو داود (٤ /٢٩٤ تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم
(٢٣١/٢ - ٢٣٢ ط دائرة المعارف العثمانية؛ وصححه
ووافقه الذهبي.
یمد الله، ویمد الرحمن، ویمد الرحیم. (١)
وفي الصحيحين عن ابن مسعود ((أن رجلا
قال له إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة، فقال:
هذاً كهذّ الشعر (يعني الإِسراع بالقراءة) إن قوما
يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع
في القلب فرسخ فيه نفع)). (٢) وأخرج الآجري
في حملة القرآن عن ابن مسعود، وقال: لا تنثروه
نثر الدّقل (أي التمر) ولا تهذّوه كهذّ الشعر، قفوا
عند عجائبه، وحرکوا به القلوب، ولا یکون ھم
أحدكم آخر السورة.
واتفقوا على كراهة الإِفراط في الإِسراع،
قالوا: وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة
جزأين في قدر ذلك الزمان بلا ترتیل.
ويستحب الترتيل للتدبر، لأنه أقرب إلى
١
الإِجلال والتوقير وأشد تأثيرا في القلب، ولهذا
يستحب الترتيل للأعجمي الذي لا يفهم
معنى القرآن.
واختلف القرّاء ، هل الأفضل الترتيل وقلة
القراءة، أم السرعة مع كثرتها؟ وأحسن بعض
(١) حديث أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله صل﴿ه. أخرجه
البخاري (الفتح ٩١/٩ ط السلفية).
(٢) حديث: قول ابن مسعود هذا كهذّ الشعر. عن أبي وائل
- شقيق بن سلمة - جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: قرأت
المفصل الليلة في ركعة. فقال: هذا كهذّ الشعر. أخرجه
البخاري (الفتح ٢ /٢٥٥ ط السلفية)، ومسلم (١ / ٥٦٤-
ط الحلبي).
- ٢٥٤ -

تلاوة ١٠ - ١٢
٠.٠٠
الأئمة فقال: إن ثواب قراءة الترتیل أجل قدرا،
وثواب الكثرة أكثر عددا، لأن بكل حرف عشر
حسنات.
وکمال الترتیل كما قال الزركشي : تفخيم
ألفاظه، والإبانة عن حروفه، وألا يدغم حرف
في حرف مما ليس حقه الإدغام، وقيل هذا أقله،
وأكمله أن يقرأه على منازله إنْ تهديداً لَفَظَ بِه لَفْظ
التهديد، أو تعظيما لَفَظَ به على التعظيم. (١)
التدبر :
١٠ - تسن القراءة بالتدبر والتفهم، فهو المقصود
الأعظم، والمطلوب الأهم، وبه تنشرح
الصدور، وتستنير القلوب. قال تعالى :
﴿كَتَابٌ أنزلناهُ إِلَيْكَ مباركٌ لَيَدَّبروا آياته﴾(٢)
وقال: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرون القرآن أم على قلوبٍ
أقفَالها﴾(٣) وصفة ذلك أن يشغل قلبه بالتفكر في
معنی ما يلفظ به فیعرف معنی کل آية، ويتأمل
الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك، فإن كان
مما قصر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مر
بآية رحمة استبشر وسأل، أو عذاب أشفق وتعوذ،
أو تنزيه نزه وعظم، أودعاء تضرع وطلب. (٤)
(١) النشر في القراءات العشر ٢٠٧/١ وما بعدها، والإتقان
١٠٦/١، والتبيان ص٤٨
(٢) سورة ص/ ٢٩
(٣) سورة محمد/ ٢٤
(٤) الإتقان ص١٠٦، والبرهان في علوم القرآن ١/ ٤٥٥، ،
والتبيان في آداب حملة القرآن ص٤٥
تكرير الآية :
١١ - لا بأس بتكرير الآية وترديدها، روى
النسائي وغيره عن أبي ذر ((أن النبي ◌َّ قام
بآية يرددها حتى أصبح: ﴿إِن تعذيّهُمْ فإنهمْ
عبادك﴾ .(١)
البكاء عند التلاوة :
١٢ - يستحب البكاء عند قراءة القرآن والتباكي
لمن لا يقدر عليه والحزن والخشوع، قال تعالى :
﴿وَيُخْرُّونَ لِلأَذْقَان يبكونَ ويزيدُهمْ خشوعاً﴾(٢)
وفي الصحيحين حديث قراءة ابن مسعود
على النبي ◌َ﴿، وفيه ((فإذا عيناه تذرفان)). (٣)
وعن سعد بن مالك مرفوعا: ((إن هذا القرآن
نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا
فتباکوا)»(٤)
(١) سورة المائدة/ ١١٨
وحديث: ((قام بآية يرددها حتى أصبح ... )) أخرجه
ابن أبي شيبة (٢ /٤٧٧ نشر الدار السلفية ) ، والحاكم
(٢٤١/١ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي.
وانظر الاتقان ١٠٧/١ والتبيان في آداب حملة القرآن ص٤٦
(٢) سورة الإسراء/ ١٠٩
(٣) حديث: ((قراءة ابن مسعود ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٩/ ٩٤ ط السلفية).
(٤) حديث: ((إن هذا القرآن نزل بحزن)) أخرجه ابن ماجه
(٤٢٤/١ ط الحلبي) من حديث سعد بن أبي وقاص، =
- ٢٥٥ -

تلاوة ١٣ - ١٤
تحسين الصوت :
١٣ - يستحب تحسين الصوت بالقراءة وتزیینها،
لحديث ابن حبان وغيره، وزينوا القرآن
بأصواتكم». (١)
وقال الشافعي : القراءة بالألحان لا بأس
بها، وفي رواية الربيع الجيزي : إنها مكروهة،
قال الرافعي : فقال الجمهور:ليست على قولين:
بل المكروه أن يفرط في المدوفي إشباع الحركات،
حتى يتولد من الفتحة ألف، ومن الضمة واو،
ومن الكسرة ياء، أو يدغم في غير موضع
الإِدغام، فإن لم ينته إلى هذا الحد فلا كراهة،
وقال في زوائد الروضة: والصحيح أن الإفراط
على الوجه المذكور حرام، يفسق به القارىء،
ويأثم المستمع غير المستنکر، لأنه عدل به عن
نهجه القويم، قال: وهذا مراد الشافعي
بالكراهة. وفيه حديث ((اقرءوا القرآن بلحون
العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الكتابين
وأهل الفسق، فإنه سيجيء بعدي قوم يرجعون
بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية لا يجاوز
= وقال البوصيري في الزوائد: ((في إسناده أبو رافع، اسمه
إسماعيل بن رافع، ضعيف متروك))، والإتقان ١/ ١٠٧
والتبيان في آداب حملة القرآن ص٤٧
(١) حديث: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) أخرجه أبو داود
(١٥٥/٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث البراء بن
عازب، والدارقطني في الإفراد من حديث ابن عباس
بإسناد حسن، كذا في الفتح لابن حجر (٥١٩/١٣ ط
السلفية)
حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم
شأنهم)).(١)
قال النووي : ويستحب طلب القراءة من
حسن الصوت، والإِصغاء إليها للحديث
الصحيح، ولا بأس باجتماع الجماعة في القراءة
ولا بإدارتها، وهي أن يقرأ بعض الجماعة قطعة
ثم البعض قطعة بعدها.(٢)
تفخيم التلاوة :
١٤ - تستحب قراءة القرآن بالتفخيم لحديث:
((أنزل القرآن بالتفخيم)) (٣) قال الحليمي :
ومعناه أنه يقرأه على قراءة الرجال، ولا يخضع
الصوت فیه ککلام النساء، قال: ولا يدخل في
هذا كراهة الإِمالة التي هي اختيار بعض القراء،
ويجوز أن يكون القرآن نزل بالتفخيم، فرخص
مع ذلك في إمالة ما تحسن إمالته. (٤)
(١) حديث: ((أقرءوا القرآن بلحون العرب)). أورده الهيشمي
في مجمع الزوائد (١٦٩/٧ ط القدسي) وقال: ((رواه
الطبراني في الأوسط، وفيه راولم يسم وبقية أيضا)).
(٢) الإتقان ١/ ١٠٧، والتبيان في آداب حملة القرآن ص٦١
(٣) حديث: (( أنزل القرآن بالتفخيم)) أخرجه الحاكم
(٢٣١/٢ ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث زيد بن
ثابت، وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: ((لا والله،
العوفي ۔ یعني محمد بن عبدالعزیز - مجمع على ضعفه،
وبكار - يعني ابن عبدالله - ليس بعمدة والحديث واه
منکر)).
(٤) الإتقان ١٠٧ ومابعدها، والبرهان في علوم القرآن
٤٦٧/١
- ٢٥٦ -

تلاوة ١٥ - ١٦
الجهر بالقراءة :
١٥ - وقد وردت أحاديث باستحباب الجهر
بالقرآن، وأخرى باستحباب الإِخفاء، فمن
الأول حديث الصحيحين: ((ما أذن الله لشيء
ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر
به»(١) ومن الثاني حديث أبي داود والترمذي
والنسائي: ((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة،
والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة»(٢) قال النووي :
والجمع بينهما أن الإِخفاء أفضل، حیث خاف
الرياء، أو تأذی مصلون أو نیام بجهره، والجهر
أفضل في غیر ذلك لأن العمل فيه أكثر، ولأن
فائدته تتعدى إلى السامعين، ولأنه يوقظ قلب
القارىء ويجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه
إليه، ويطرد النوم ويزيد في النشاط، ويدل لهذا
الجمع حديث أبي داود بسند صحيح عن
أبي سعيد ((اعتكف رسول الله صل* في المسجد
فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال:
((ألا إن کلکم مناج لربه، فلا يؤذين بعضكم
بعضا، ولا يرفع بعضكم على بعض في
القراءة))(٣)
(١) حديث: ((ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت))
أخرجه البخاري (الفتح ٥١٨/١٣ ط السلفية)، ومسلم
(١/ ٥٤٥ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٢) حديث: ((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة)) أخرجه
الترمذي (١٨٠/٥ ط الحلبي) من حديث عقبة بن عامر،
وحسنه .
(٣) حدیث: ألا إن کلکم مناج لربه)) أخرجه أبو داود (٨٣/٢
تحقيق عزت عبيد دعاس) وصححه ابن =
وقال بعضهم يستحب الجهر ببعض القراءة
والإِسرار ببعضها، لأن المسر قد يمل فيأنس
بالجهر، والجاهر قد يكل فيستريح
بالإِسرار. (١)
المفاضلة بين قراءة القرآن في المصحف وقراءته
عن ظهر قلب:
١٦ - للفقهاء في المفاضلة بين قراءة القرآن في
المصحف، وقراءته عن ظهر قلب، ثلاثة
اتجاهات :
أ - أن القراءة من المصحف أفضل لأن النظر
فيه عبادة فتجتمع القراءة والنظر.
بهذا قال القاضي حسين والغزالي. روی
الطبراني من حديث أبي سعيد بن عون المكي
عن عثمان بن عبيد الله بن أوس الثقفي عن
جده قال: قال رسول الله وَ له((قراءة الرجل في
غير المصحف ألف درجة، وقراءته في المصحف
تضاعف على ذلك ألفي درجة)).(٢)
وعن عائشة مرفوعا: ((النظر في المصحف
عبادة، ونظر الولد إلى الوالدين عبادة)). (٣)
= عبد البر كما في شرح الزرقاني على موطأ مالك (١٣٨/١
ط المكتبة التجارية الكبرى).
(١) الإتقان ص١٠٧ - ١٠٨، والبرهان في علوم القرآن
٤٦٣/١، ٠٤٦٤
(٢) حديث: ((قراءة الرجل في غير المصحف ... )) أورده
الهيثمي في المجمع (٧/ ١٦٥ ط القدسي). وقال: رواه
الطبراني وفيه أبو سعيد بن عون، وثقه ابن معبد في رواية
وضعفه في أخرى، وبقية رجاله ثقات)).
(٣) حديث: ((النظر في المصحف عبادة، ونظر الولد إلى =
- ٢٥٧ -
:

تلاوة ١٧ - ٢٠
ب - يرى أبو محمد بن عبد السلام أن القراءة
عن ظهر قلب أفضل، لأن المقصود من القراءة
التدبر لقوله تعالى: ﴿ليدبروا آياته﴾(١) والعادة
تشهد أن النظر في المصحف يخل بهذا المقصود
فکان مرجوحا .
جـ - قال النووي في الأذكار: إن كان
القارىء من حفظه يحصل له من التدبر والتفكر
وجمع القلب أكثر مما يحصل له من المصحف،
فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن استويا فمن
المصحف أفضل. قال وهو مراد السلف. (٢)
قطع القرآن لمكالمة الناس :
١٧ - يكره قطع القراءة لمكالمة أحد، قال
الحليمي : لأن كلام الله لا ينبغي أن يؤثر عليه
كلام غيره، وأيده البيهقي بما في الصحيح ((كان
ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ
منه))، وكره أيضا الضحك والعبث والنظر إلى
مایلهي . (٣)
= الوالدين عبادة)) أخرجه ابن أبي الفرائي كما في اللآلىء
للسيوطي (٣٤٦/١ نشر دار المعرفة) وفي إسناده محمد بن
زكريا الغلابي، وهو متهم بالوضع، كذا في ميزان الاعتدال
للذهبي (٣/ ٥٥٠ ط الحلبي).
(١) سورة ص/ ٢٩
(٢) البرهان في علوم القرآن ١/ ٤٦١ - ٤٦٣، والإتقان
ص١٠٨
(٣) البرهان في علوم القرآن ١/ ٤٦٤، والإتقان ١٠٩/١
قراءة القران بالعجمية :
١٨ - لا يجوز قراءة القرآن بالعجمية مطلقا،
سواء أحسن العربية أم لا في الصلاة أم
خارجها. وعن أبي حنيفة أنه يجوز مطلقا، وعن
أبي يوسف ومحمد يجوز لمن لا يحسن العربية،
لكن في شرح البزدوي أن أبا حنيفة رجع عن
ذلك، ووجه المنع أنه يذهب إعجازه المقصود
منه، وعن القفال: أن القراءة بالفارسية
لا تتصور، قیل له فإذا لا يقدر أحد أن یفسر
القرآن، قال: ليس كذلك لأن هناك يجوز أن
يأتي ببعض مراد الله ويعجز عن البعض، أما
إذا أراد أن يقرأه بالفارسية فلا يمكن أن يأتي
بجميع مراد الله تعالى، لأن الترجمة إبدال لفظة
بلفظة تقوم مقامها، وذلك غير ممكن بخلاف
التفسير. (١)
وللتفصيل ر: ترجمة ف٥ (١٦٨/١١)
القراءة بالشواذ :
١٩ - نقل ابن عبد البر الإجماع على عدم جواز
القراءة بالشاذ، لكن ذكر موهوب الجزري
جوازها في غیر الصلاة قياسا على رواية الحديث
بالمعنى . (٢)
ترتيب القراءة :
٢٠ - الأولى أن يقرأ القارىء على ترتيب
(١) الإتقان ١/ ١٠٩، والبرهان في علوم القرآن ١/ ٤٦٤
ومابعدها، والتبیان ص٥٢
(٢) البرهان في علوم القرآن ١/ ٤٦٧، والإتقان ١٠٩/١
- ٢٥٨ -

تلاوة ٢٠ - ٢٢
المصحف، لأن ترتيبه لحكمة، فلا يترك
الترتيب إلا فيما ورد فيه الشرع، كصلاة صبح
يوم الجمعة و﴿ألم تنزيل﴾، و﴿هل أتى﴾
ونظائره، فلو فرق السور أوعكسها جاز وترك
الأفضل، وأما قراءة السورة من آخرها إلى
أولها. فمتفق على منعه، لأنه یذهب بعض نوع
الإعجاز ويزيل حكمة الترتيب. لما روي عن
ابن مسعود أنه سئل عن رجل يقرأ القرآن
منكوسا؟ قال: ذاك منكوس القلب، وأما خلط
سورة بسورة فإِنَّ تركه من الآداب، لما أخرج
أبو عبيد عن سعيد بن المسيب أن رسول الله وَلقتل
قال لبلال: «یابلال قد سمعتك وأنت تقرأ من
هذه السورة ومن هذه السورة)). قال: كلام
طيب يجمع الله تعالى بعضه إلى بعض. فقال
النبي ێ﴾ ((کلکم قد أصاب».(١)
وأخرج عن ابن مسعود قال: ((إذا ابتدأت في
سورة فأردت أن تتحول منها إلى غيرها فتحول
إلا قل هو الله أحد، فإذا ابتدأت بها فلا تتحول
عنها حتى تختمها)).
وقد نقل القاضي أبوبكر الإجماع على عدم
جواز قراءة آية آية من كل سورة. قال البيهقي
وأحسن ما يحتج به أن يقال: إن هذا التأليف
لكتاب الله مأخوذ من جهة النبي قل﴾ وأخذه عن
(١) حديث: قال لبلال: قد سمعتك يابلال وأنت تقرأ من هذه
السورة ... )) أخرجه أبو داود (٢ / ٨٢ تحقیق عزت عبيد
دعاس) من حديث أبي هريرة وإسناده حسن.
جبريل، فالأولى للقارىء أن يقرأه على
التأليف المنقول. (١)
استماع التلاوة :
٢١ - يسن الاستماع لقراءة القرآن وترك اللغط
والحديث لحضور القراءة. قال تعالى: ﴿وإذا
قرىء القرآنُ فاستَمِعُوا له وأنصِتُوا لعلكُمْ
تُرْجَمونَ﴾(٢)
قال الشيخ أبو محمد بن عبد السلام:
والاشتغال عن السماع بالتحدث بما لا يكون
أفضل من الاستماع، سوء أدب على الشرع،
وهو يقتضي أنه لا بأس بالتحدث
للمصلحة . (٣)
وللتفصيل ر: استماع (٨٥/٤)
السجود للتلاوة :
٢٢ - في القرآن الكريم أربع عشرة آية فيها
السجود: في الأعراف، والرعد، والنحل،
والإِسراء، ومريم، والحج، وفيها سجدتان في
بعض المذاهب، وفي الفرقان، والنمل،
والسجدة (ألم تنزيل) و(ص) وفصلت،
والنجم، والانشقاق، واقرأ، وزاد بعضهم آخر
(١) البرهان في علوم القران ٤٦٨/١ وما بعدها، والإتقان
١٠٩/١، والتبيان ص٥٣ ومابعدها.
(٢) سورة الأعراف/ ٢٠٤
(٣) الإِتقان ص١١٠، والبرهان في علوم القرآن ١/ ٤٧٥
- ٢٥٩ -

تلاوة ٢٢، تلبية ١
الحجر، والسجود عند الجمهور بقراءة آيات
السجدة مسنون، وواجب عند الحنفية . (١)
وتفصيل مواضع السجود، وعلى من يجب،
وشروط السجود، كل ذلك تفصيله في مصطلح
(سجود التلاوة).
تلبية
التعريف :
١ - التلبية لغة: إجابة المنادى، وهي إما في الحج
وإما في غيره كالوليمة والتلبية في غير الحج. وقد
سبق الكلام عنها في مصطلح (إجابة)
ج١ ص٢٥١
وأما في الحج فالمراد بها قول المحرم: لبيك
اللهم لبيك. أي : إجابتي لك يارب. يقال:
لبى الرجل تلبية: إذا قال لبيك. ولبّى بالحج
كذلك. قال الفراء: معنى لبيك إجابة لك بعد
إجابة. وفي حديث الإِهلال بالحج: ((لبيك
اللهم لبيك)): هو من التلبية، وهي إجابة
المنادى أي: إجابتي لك يارب. وعن الخليل أن
تثنية كلمة (لبيك) على جهة التوكيد.(١)
والإِجابة وإن كانت لا تخرج في معناها
الاصطلاحي عن هذا إلا أنه قد ورد في الخرشي
على مختصر خليل: أن معنى التلبية الإِجابة :
أي: إجابة بعد إجابة وذلك أن الله تعالى قال:
(١) المرجع السابق، ومراقي الفلاح ص ٢٦٠
(١) لسان العرب، وتاج العروس، ومحيط المحيط، والمصباح
المنير مادة: ((لبى)).
- ٢٦٠ -