النص المفهرس

صفحات 1-20

ـويـــ
دَولـ
وزارة الأوقاف والشئون الإسْلاميّة
٧
المُوسُوعي
◌ُالفِقْهِيَّة
الجزء الثالث عشر
تعلم وتعليم - تلوم
١
:

3
3
نسـ
٩١ -١
(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِمَنْفِرُواْكَافَةٌ فَلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ
فِقَةٍ مِنْهُمْ طَآئِقَةٌ لِيَتَفَقَّهُوْ فِىِ الّذِينِ وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ
إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَّرُونَ)).
( سورة التوبة آية ١٢٢ )
(( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ))
( أخرجه البخاري ومسلم )

المُؤْعَةُ الفِقْفِيَّةُ
إصدار
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت

الطبعة الثانية
١٤٠٨ هـ -١٩٨٨ مـ
طباعَة ذات السلاسل - الكويت
حقوق الطبع محفوظة للوزارة
ص.ب ١٣ - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت

تعلم وتعليم ١ - ٣
نحو ﴿أَتْعَلِّمون الله بدينكم).(١)
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي للتعليم عما
ذکر.
تعلم وتعليم
التعريف :
١ - التعلم لغة: مصدر تعلم. والتعلم مطاوع
التعليم، يقال: علمته العلم فتعلمه. والتعليم
مصدر علم: يقال: علمه إذا عرّفه، وعلمه
وأعلمه إياه فتعلمه، وعلم الأمر وتعلمه: أتقنه.
والعلم نقيض الجهل .
والعلم أيضا : هو اعتقاد الشيء على ما هو
عليه على سبيل الثقة. وجاء بمعنى: المعرفة
أيضا. (١)
قال الراغب : التعليم والإعلام في الأصل
واحد، إلا أن الإِعلام اختص بما کان بإخبار
سريع، والتعليم اختص بما يكون بتكرير
وتكثير، حتى يحصل منه أثر في نفس المتعلم.
وربما استعمل التعليم بمعنى الإِعلام إذا كان
فیه تکریر(٢)
(١) لسان العرب، والقاموس المحيط، والمصباح المنير،
والصحاح مادة: ((علم)).
(٢) مفردات الراغب ص٣٤٨ ط كراتشي، باكستان
١٣٨٠ هـ.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - التثقيف :
٢ - التثقيف: مصدر ثقف. يقال: ثقفت
الرمح: أي سويته وأزلت عوجه. ويقال: رجل
ثقف: إذا كان حاذقا فطنا سريع الفهم، وثقف
الإِنسان: أدبه وعلمه وهذبه. (٢) فالتثقيف أعم
من التعليم.
ب - التدريب :
٣ - التدريب : من الدربة، وهي: التجربة
والتعود والجرأة على الأمر. وقد دربته تدریبا،
ومنه مافي حديث الثقفي ((وكانت ناقة مدربة)»
أي مخرجة مؤدبة ((قد ألفت الركوب والسير)» أي
عودت المشي في الدروب، فصارت تألفها
وتعرفها ولا تنفر. (٣)
فالتدريب من وسائل التعليم. (٤)
(١) سورة الحجرات/ ١٦
(٢) لسان العرب، والصحاح والمعجم الوسيط مادة: ((ثقف)).
(٣) حديث : الثقفي: ((وهي ناقة مدربة)). أخرجه مسلم
(١٢٦٣/٣ ط الجمل).
(٤) لسان العرب.
- ٥ -

تعلم وتعليم ٤ - ٥
جـ - التأديب :
٤ - التأديب: مصدر أدب. يقال: أدبته أدبا من
باب ضرب، ويضاعف للمبالغة والتكثير،
فیقال: أدّبته - بالتشدید - إذا علمته رياضة
النفس ومحاسن الأخلاق. والاسم: الأدب.
قال أبو زيد الأنصاري: الأدب يقع على كل
رياضة محمودة يتخرج بها الإِنسان في فضيلة من
الفضائل. ويأتي التأديب أيضا بمعنى :
العقوبة. يقال: أدّبته تأديبا: إذا عاقبته على
إساءته، لأنه سبب يدعو إلى حقيقة الأدب. (١)
الحكم التكليفي :
أ - التعلم :
٥ - تعلم العلم تعتريه الأحكام الآتية :
قد يكون التعلم فرض عين، وهو تعلم
ما لابد منه للمسلم، لإقامة دينه وإخلاص
عمله لله تعالى أو معاشرة عباده. فقد فرض
علی کل مکلف ومکلفة ۔ بعد تعلمه ما تصح به
عقيدته من أصول الدين - تعلم ما تصح به
العبادات والمعاملات من الوضوء والغسل
والصلاة والصوم، وأحكام الزكاة، والحج لمن
وجب عليه، وإخلاص النية في العبادات لله .
ويجب تعلم أحكام البيوع على التجار ليحترزوا
عن الشبهات والمكروهات في سائر المعاملات،
(١) المصباح المنير، والصحاح مادة: ((أدب)).
وكذا أهل الحرف، وكل من اشتغل بشيء
یفرض علیه تعلم حکمه لیمتنع عن الحرام فيه.
وقد يكون التعلم فرض كفاية، وهو تعلم
كل علم لا يستغنى عنه في قيام أمور الدنيا
كالطب والحساب والنحو واللغة والكلام
والقراءات وأسانيد الحديث ونحو ذلك.
ومن التعلم ما هو مندوب، ومنه التبحر في
الفقه بالتوسع فيه، والاطلاع على غوامضه،
وكذا غيره من العلوم الشرعية .
وقد يكون التعلم حراما: ومنه تعلم
الشعوذة. (١) وضرب الرمل، (٢) والسحر وكذا
الكهانة، والعرافة .
وقد يكون التعلم مكروها، ومنه تعلم أشعار
الغزل مما فيه وصف النساء المعينات، وتفصیل
كل ما تقدم في مصطلحه الخاص.
وقد يكون التعلم مباحا، ومنه الأشعار التي
ليس فيها ما ينكر من استخفاف بأحد المسلمين
أو ذكر عوراتهم أو نحو ذلك. (٣)
(١) وهي: خفة في اليد كالسحر ترى الشيء بغير ما عليه كما في
القاموس، وفي المصباح هي: لعب يرى الإِنسان منها ما
ليس له حقيقة كالسحر، وانظر إحياء علوم الدين (١٦/١
ومابعدها).
(٢) الرمل: هو علم بضروب أشكال من الخطوط والنقط
بقواعد معلومة تخرج حروفا تجمع ويستخرج جملة دالة
على عواقب الأمور، وهو حرام قطعا، وتعلمه وتعليمه
حرام، لما فيه من إيهام العوام أن فاعله يشارك الله تعالى في
غيبه .
(٣) حاشية رد المحتار على الدر المختار، وشرح تنوير=
- ٦ -

تعلم وتعليم ٦ - ٧
ب - التعليم :
٦ - قال النووي : تعليم الطالبین فرض كفاية،
فإن لم يكن هناك من يصلح إلا واحد تعين
عليه .
وإن كان جماعة يصلحون، فطلب ذلك من
أحدهم فامتنع فهل يأثم؟ يجري في ذلك
وجهان. والأصح: لا يأثم. (١)
هذا ویلزم تعلیم العلم اللازم تعليمه،
کاستعلام کافر یرید الإِسلام عن الإِسلام، أو
استعلام حدیث عهد بالإِسلام عن صلاة حضر
وقتها، وکالمستفتي في الحلال والحرام فإنه يلزم في
هذه الأمور الإِجابة، ومن امتنع کان آثما .
وليس كذلك الأمر في نوافل العلم التي
لا ضرورة بالناس إلى معرفتها. (٢)
قال ابن الحاج: ينبغي للعالم، أويتعين
= الأبصار ٤٢/١ - ٤٧ ط مصطفى الحلبي بمصر الطبعة
الثانية، وجواهر الإكليل ٢٧٨/٢، وحاشية الشبراملسي
على نهاية المحتاج ٧/ ٣٨٠ ط المكتبة الإسلامية، والإِقناع
للشربيني ١/ ١٠ ط دار المعرفة، والمغني لابن قدامة
٨/ ١٥٠ - ١٥٥ ط الرياض، وتفسير القرطبي ٣٦/٦ -٤٠
ط دار الكتب المصرية بالقاهرة.
(١) المجموع للنووي ١/ ٥٢ نشر المكتبة العالمية بالفجالة.
(٢) المرقاة في شرح المشكاة ٢٨٦/١ ط مكتبة امدادية -
باكستان وشرح السنة للبغوي ٣٠٢/١، وشرح سنن
أبي داود للخطابي ٤ / ١٨٥ .
عليه: إذا رأى الناس قد أعرضوا عن العلم أن
يعرض نفسه عليهم، لتعليمهم وإرشادهم وإن
کانوا معرضین. (١)
٧ - وقد حث الشرع على تعليم العلوم التي
تحتاجها الأمة في دينها ودنياها، وجاءت الآيات
والأحاديث والأخبار بذلك. (٢) ومن الآيات
قول الله تعالى: ﴿فلولا نَفَرَ من كل فِرْقَةٍ منهم
طائفةٌ لِيَتَفَقَّهوا في الدين وَلِيُنْذِروا قومَهم إذا
رجعوا إليهم لعلهم يَحْذَرون﴾(٣) والمراد هو
التعليم .
وقوله جل شأنه: ﴿وإذ أخذَ الله ميثاقَ الذين
أوتوا الكتاب لَتُبيِّنْنَّه للناسِ ولا تَكْتمونه﴾ (٤)
وهو إيجاب للتعليم.
وقوله تعالى: ﴿وإن فريقا منهم لَيَكْتمون
الحقَ وهم يعلمون﴾(٥) وهو تحريم للكتمان.
وقال مَّرُ: ((من سُئل عن علم فكتمه أُلْجْم
بلجام من ناريوم القيامة)). (٦) وقال الآخر :
. (١) المدخل لابن الحاج ٨٨/٢
(٢) الإِحياء للغزالي ١٦/١ وما بعدها.
(٣) سورة التوبة / ١٢٢
(٤) سورة آل عمران/ ١٨٧
(٥) سورة البقرة/ ١٤٦
(٦) حديث: ((من سُئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من ... ))
أخرجه أحمد (٢٦٣/٢ - ط الميمنية) والحاكم (١/ ١٠١ ط.
دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي هريرة، وصححه
الحاكم ووافقه الذهبي.
- ٧ -

تعلم وتعليم ٨
((طلبُ العلم فريضة على كل مسلم، وإن
طالبَ العلم يستغفر له كلُّ شيء حتى الحيتان
في البحر))(١) وقوله عليه السلام: ((طلبُ العلم
فريضة على كل مسلم)). (٢)
والتحقيق حمل العلم في الحديثين السابقين
على المعنى العام، فيشمل علوم الشرع: علم
الكلام، والفقه، والتفسير، والحديث، وعلوم
الدنيا. ومنها الزراعة، والصناعة، والسياسة،
والحرف، والطب، والتكنولوجيا، والحساب،
والهندسة وغير ذلك من أنواع العلوم، وما يرتبط
به مصالح أمور الدنيا. (٣)
فضل التعليم والتعلم :
٨ - وردت الآيات والأخبار والآثار، وتطابقت
الدلائل الصريحة على فضيلة العلم، والحث
(١) حديث: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم، وإن طالب
العلم يستغفر ... )). أخرجه ابن عبدالبر في جامع بيان
العلم وفضله (٧/١ ط المنيرية) من حديث أنس رضي الله
عنه، وضعف ابن حجر أحد رواته وهو حسان بن سیاہ کما
في لسان الميزان (١٨٨/٢ ط. دائرة المعارف العثمانية).
(٢) حديث: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)) أخرجه
ابن ماجة (١/ ٨١ ط الحلبي) من حديث أنس رضي الله
عنه بإسناد ضعيف، وأخرجه كذلك آخرون، وحسنه
المزي لطرقه كما في المقاصد الحسنة للسخاوي (ص٢٧٥ -
٢٧٦ ط الخانجي).
(٣) الإحياء ١/ ١٦ وما بعدها.
على تحصيله، والاجتهاد في اقتباسه
وتعلیمه .(١)
فمن الآيات قوله تعالى: ﴿قُلْ هل يستوي
الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾(٢) وقوله
تعالی: ﴿وقل ربِّ زدني علما﴾(٣) وقوله تعالى:
﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (٤) وقال:
﴿هو الذي بعث في الأمیین رسولا منهم يتلو
عليهم آياتِه ويزكيهم ويُعَلّمُهُم الكتابَ
والحِكمةَ، وإن كانوا من قَبْلُ لفي ضلالٍ
مُبين﴾(٥)
ومن الأخبار قوله وآله: «مَن يُرِدِ الله به خيرا
يفقهه في الدين))(٦) وقوله :﴿ لعلي رضي الله
عنه: ((لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك
من حُمْرِ النّعم)). (٧)
وقوله ولي: ((إن الله لم يبعثني معنتا ولا
(١) إحياء علوم الدين ١٦/١ وما بعدها.
(٢) سورة الزمر / ٩
(٣) سورة طه/ ١١٤
(٤) سورة فاطر/ ٢٨
(٥) سورة الجمعة/ ٢
(٦) حديث: ((من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)) أخرجه
البخاري (الفتح ١٦٧/١ ط السلفية)، ومسلم (٧١٨/٢
ط الحلبي) من حديث معاوية رضي الله عنه.
(٧) حديث ((لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير ... )) أخرجه
مسلم (٤/ ١٨٧٢ ط الحلبي) من حديث سهل بن سعد
رضي الله عنه.
-٨ -

تعلم وتعليل ٩
متعنتا، ولکن بعثني معلما ميسرا)). (١)
ومن الآثار قول علي رضي الله عنه: کفی
بالعلم شرفا أن يدعیه من لا يحسنه، ویفرح به
إذا نسب إليه، وکفی بالجهل ذما أن يتبرأ منه من
هو فیه. وقوله: العلم يحرسك، وأنت تحرس
المال. والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو
بالإنفاق.
آداب المعلِّم والمتعلم
أ - آداب المعلم :
٩ - فصل الفقهاء القول في آداب المعلم ووظائفه
وأهمها مايلي:
- أن يقصد بتعليمه وجه الله تعالى،
ولا يقصد توصلا إلى غرض دنيوي. (٢)
- وأن يتخلق بالمحاسن التي ورد الشرع بها
وحث عليها، والخلال الحميدة والشيم المرضية
التي أرشد إليها.
- وأن يحذر من الحسد والرياء والإِعجاب
واحتقار الناس، وإن كانوا دونه بدرجات.
-وأن لا یذل العلم ولا یذهب به إلی مکان
(١) حديث: ((إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن ... )).
أخرجه مسلم (٣/ ١١٠٥ ط الحلبي) من حديث جابر بن
عبدالله رضي الله عنهما.
(٢) المجموع للنووي بتحقيق المطيعي ١/ ٥٣ نشر المكتبة
العالمية بالفجالة. وإحياء علو الدين ٥٦/١ مطبعة
الاستقامة، وجامع بيان العلم وفضله ١/ ١٩٣
ينتسب إلى من يتعلمه منه، وإن كان المتعلم
كبير القدر.(١)
- وأن يشفق على المتعلمين، وأن يجريهم
مجرى بنيه، قال رسول الله صل9: ((إنما أنا لكم
بمنزلة الوالد»(٢) بأن یقصد إنقاذهم من نار
الآخرة، وهو أهم من إنقاذ الوالدين ولدهما من
نار الدنيا. (٣)
- وأن لا يتعظم على المتعلمين، بل يلين لهم
ويتواضع. قال عمر رضي الله عنه: تواضعوا
لمن علمکم، وتواضعوا لمن تعلُّمون، ولا تكونوا
من جَبّارى العلماء. (٤)
-وأن يتفقد المتعلمین، ويسأل عمن غاب
منهم، وينبغي أن يكون باذلا وسعه في تفهیمهم
وتقريب الفائدة إلى أذهانهم. (٥)
- وأن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق
التعريض ما أمكن ولا يصرح، وبطريق الرحمة
لا بطريق التوبيخ.
- وأن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه، فلا
(١) المجموع للنووي ١/ ٥٣، ٥٤، والآداب الشرعية لابن
مفلح ٢/ ٥٦
(٢) حديث: ((إنما أنا لكم بمنزلة الوالد)). أخرجه أبو داود
(١٨/١ - ١٩ تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي
هريرة رضي الله عنه وإسناده حسن.
(٣) إحياء علوم الدين ٥٥/١.
(٤) المجموع ٥٧/١، والآداب الشرعية ٢٥٤/١
(٥) المجموع ٥٨/١
-٩-

تعلم وتعليم ١٠
یلقی إلیه ما لا يبلغه عقله، فينفره أو يخبط عليه
عقله، اقتداء في ذلك بالنبي وَلَ(١) حيث قال:
((أَنْزِلُوا الناسَ منازلهم)). (٢)
- وأن يحرضهم على الاشتغال في كل وقت،
ويطالبهم في أوقات بإعادة محفوظاتهم، ويسألهم
عما ذكر لهم من المهمات.
- وأن يقدم في تعليمهم إذا ازدحموا الأسبق
فالأسبق . (٣)
-وأن يكون عاملا بعلمه فلا یکذب قوله
فعله، لأن العلم يدرك بالبصائر والعمل يدرك
بالأبصار، وأرباب الأبصار أكثر. (٤)
ب - آداب المتعلم :
١٠ - ينبغي أن يطهر قلبه من الأدناس ليصلح
لقبول العلم وحفظه واستثماره، ففي
الصحيحين عن رسول الله رَلي: ((إن في الجسد
مُضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا
(١) إحياء علوم الدين ٥٧/١، والآداب الشرعية ٢/ ١٦٤
(٢) حديث: ((أنزلوا الناس منازلهم)) أخرجه أبو داود
(٥/ ١٧٣ تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عائشة
رضي الله عنها، وقال أبو داود: میمون - يعني ابن
أبي شبيب الراوي عن عائشة - لم يدرك عائشة رضي الله
عنها .
(٣) المجموع ٦١/١
(٤) إحياء علوم الدين ١/ ٥٨، وانظر جامع بيان العلم وفضله
للقرطبي ١/ ١٢٥ ومابعدها .
فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)). (١)
وقالوا : تطبيب القلب للعلم كتطبيب
الأرض للزراعة .
وينبغي أن يقطع العلائق الشاغلة عن كمال
الاجتهاد في التحصیل، ویرضى بما يتيسر من
القوت، ویصبر إن ضاق به العيش. (٢)
- وينبغي للمتعلم أن يتواضع لمعلمه وينظر
إليه بعين الاحترام، ويرى كمال أهليته
ورجحانه على أكثر طبقته، فذلك أقرب إلى
انتفاعه به ورسوخ ما سمعه منه في ذهنه.
- وليحذر المتعلم البسط على من يعلمه وإن
" آنسه، والإِدلال عليه وإن تقدمت صحبته،
ولا یظهر له الاستکفاء منه والاستغناء عنه، فإن
في ذلك کفرا لنعمته واستخفافا بحقه.
- ولا ينبغي أن تبعثه معرفة الحق للمعلم
على قبول الشبهة منه، ولا ينبغي له أن یعنت
معلمه بالسؤال، ولا يدعوه ترك الإِعنات
للمعلم إلى التقليد فيما أخذ عنه. وليست كثرة
(١) حديث: ((إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد
كله ... )) أخرجه البخاري (الفتح ١٢٦/١ ط السلفية)،
ومسلم (٣/ ١٢٢٠ ط الحلبي) من حديث النعمان بن بشير
رضي الله عنهما.
(٢) المجموع للنووي ٦٤/١، والمدخل لابن الحاج ٢/ ١٢٤
ط الحلبي.
- ١٠ -

1
تعلم وتعليم ١٠ - ١١
السؤال فيها التبس إعناتا، ولا قبول ماصح في
النفس تقليدا. (١)
إلا أنه لا يلح في السؤال إلحاحا مضجرا،
ویغتنم سؤ اله عند طيب نفسه وفراغه،
ويتلطف في سؤ اله ويحسن خطابه. (٢)
- وليأخذ المتعلم حظه ممن وجد طلبته عنده
من نبيه وخامل، ولا يطلب الصيت وحسن
الذكر باتباع أهل المنازل من العلماء، إذا كان
النفع بغيرهم أعم، إلا أن يستوي النفعان
فيكون الأخذ عمن اشتهر ذكره وارتفع قدره
أولى، لأن الانتساب إليه أجمل والأخذ عنه
أشهر. (٣)
- وينبغي أن يكون حريصا على التعلم
مواظبا علیه في جمیع أوقاته، ليلا ونهارا حضرا
وسفرا، ولا يذهب من أوقاته شيئا في غير العلم
إلا بقدر الضرورة لأكل ونوم قدرا ۔ لا بد منه-
ونحوهما من الضروريات.
1
- ومن آداب المتعلم: الحلم والأناة، وأن
تکون همته عالية، فلا يرضى باليسير مع إمكان
(١) المجموع ٣٦/١ ط المنيرية، وإحياء علوم الدين ١/ ٥٠،
وکتاب أدب الدنيا والدين للماوردي ص٣٢ - ٣٤، وكتاب
تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم لابن جماعة
ص٨٦ ط حيدر أباد ١٣٥٣ هـ.
(٢) المجموع ٣٧/١
(٣) کتاب أدب الدنيا والدين ص٣٤
كثير، وأن لا يسوف في اشتغاله ولا يؤخر
تحصيل فائدة، وإن قلت: إذا تمكن منها، وإن
أمل حصولها بعد ساعة، لأن للتأخير آفات،
ولأن في الزمن الثاني يحصل غيرها. (١)
تعليم الصغار :
١١ - على الآباء والأمهات وسائر الأولياء تعليم
الصغار ما يلزمهم بعد البلوغ، فيعلم الصغير
ماتصح به عقيدته من إيمان بالله وملائكته وكتبه
ورسله واليوم لآخر، وما تصح به عبادته،
ويعرفه مايتعلق بصلاته وصيامه وطهارته
ونحوها، وذلك لقول النبي وَّل: ((مُرُوا أولادكم
بالصلاة وهم أبناء سبعٍ سنين، واضربوهم
عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرِّقوا بينهم في
المضاجع)). (٢) ويعرَّفه تحريم الزنا واللواط
والسرقة وشرب المسكر والكذب والغيبة
وشبهها، كما يعُلَّم أنه بالبلوغ يدخل في
التكليف، ويعرّف ما يبلغ به .
وقيل هذا التعليم مستحب، ونقل الرافعي
عن الأئمة وجوبه على الآباء والأمهات، وهذا
ماصححه النووي . (٣)
(١) المجموع ٣٨،٣٧/١
(٢) حديث: ((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين،
واضربوهم عليها وهم ... )). أخرجه أبوداود ١/ ٣٣٤ -
تحقيق عزت عبيد دعاس) وحسنه النووي في الرياض
(ص١٤٨ - ط المكتب الإسلامي).
(٣) الفواكه الدواني ٢/ ١٦٤، والمجموع ١/ ٥٠
- ١١ -

تعلم وتعليم ١١ - ١٢
ودليل وجوب تعليم الصغير: قول الله
عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسكم
وأهليكم نارا﴾(١) قال علي بن أبي طالب
رضي الله عنه ومجاهد وقتادة: معناه علموهم
ما ینجون به من النار ((وهذا ظاهر))(٢) وثبت في
الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن
رسول الله وسلم أنه قال: ((كلكم راع ومسئول
عن رعيته))(٣)
قال القاضي أبوبكر بن العربي : إن الصبي
أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة
ساذجة خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل
لکل نقش وقابل لكل مایمال به إليه، فإن عود
الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة،
يشاركه في ثوابه أبواه وکل معلم له ومؤدب،
وإن عود الشر وأهمل شقي وهلك، وكان الوزر
في رقبة القيم به والولي علیه. ومهما كان الأب
یصون ولده من نار الدنیا فینبغي أن یصونه من
نار الآخرة، وهو أولى، وصيانته بأن يؤدبه
ويهديه ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من
قرناء السوء، ولا يعوده التنعم، ولا يحبب إليه
(١) سورة التحريم/ ٦
(٢) المجموع ١١/٣،٥٠/١، والفواكه الدواني ١٦٤/٢،
والدر المختار ١٨٩/٣
(٣) حديث: ((كلكم راع ومسئول عن رعيته)). أخرجه
البخاري (الفتح ٢ / ٣٨٠ ط السلفية)، ومسلم ١٤٥٩/٣
ط الحلبي) من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما.
الزينة وأسباب الرفاهية فيضيع عمره في طلبها
إذا كبر ويهلك هلاك الأبد. (١)
وينبغي أن يعلمه أيضا من أمور الدنيا
مايحتاج إليه من: السباحة والرمي وغير ذلك مما
ينفعه في كل زمان بحسبه. قال عمر رضي الله
عنه: علموا أولادكم السباحة والرماية، ومُروهم
فلْيَثبوا على الخيل وثبا)). (٢)
هذا وللتفصيل في العلم المحمود والعلم
المذموم، وأقسامهما وأحكامهما، وماهو يتعين
طلبه وتعلمه وما هو فرض كفاية (ر: علم).
تعليم النساء :
١٢ - لا خلاف بين الفقهاء في مشروعية تعليم
النساء القرآنَ والعلومَ والآدابَ. ومن الفقهاء
من قال بوجوب قيام المتأهلة من النساء بتعليم
علوم الشرع، كما كانت عائشة رضي الله عنها
ونساء تابعات(٣)، وقد قال الله تعالى لنساء نبيه
(١) المدخل لابن الحاج ٤/ ٣١١
(٢) أثر عمر: علموا أولادكم السباحة. أورد ابن القيم في
كتابه الفروسية (ص٦ ط. دار الكتب العلمية) عن
أبي أمامة بن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: کتب
عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجراح
رضي الله عنه: أن علموا غلمانكم العوم، ومقاتلتكم
الرمي. وعزاه إلى الطبراني في كتاب فضل الرمي.
(٣) تفسير القرطبي ١١٨/١٠، والفتاوى الحديثية لابن حجر
الهيتمي ص٨٥، والزرقاني ١٠٨/٣، وانظر الموسوعة
الفقهية ٧٦/٧، ٧٧
- ١٢ -

تعلم وتعليم ١٢ - ١٣
عليه الصلاة والسلام: ﴿وَاذکرن ما يتلى في
بُيوتكنَّ من آياتِ الله والحكمة ... ﴾(١)
ويجب أن يكون تعليم النساء مع مراعاة
آداب أمر الشارع المرأة بالتزامها للحفاظ على
عرضها وشرفها وغفتها، من عدم الاختلاط
بالرجال وعدم التبرج، وعدم الخضوع بالقول
إذا كانت هناك حاجة للكلام مع الأجانب.
وللتفصيل (ر: اختلاط، أنوثة، تبرج،
حجاب، عورة).
ويجب تعليم النساء العلوم التي تعتبر
ضرورية بالنسبة للأنثى كطب النساء. قال في
الجوهرة: إذا كان المرض في سائر بدن المرأة يجوز
النظر إليه عند الدواء، لأنه موضع ضرورة، وإن
كان في موضع الفرج فينبغي أن يعلم امرأة
تداويها .. قال ابن عابدين: والظاهر أن
((ينبغي)) هنا للوجوب. (٢)
وللتفصيل (ر: تطبيب، وتداوي).
هذا ويرى أكثر الفقهاء عدم الكراهة في
تعليم النساء الكتابة كالرجل . فقد أخرج أحمد
وأبود داود والنسائي من حديث الشفاء بنت
عبدالله رضي الله عنها. قالت: ((دخل عليّ
رسول الله وَلٍ وأنا عند حفصة فقال: ألا
(١) سورة الأحزاب / ٣٤
(٢) حاشية ابن عابدين ٥/ ٢٣٧، والفتاوى الهندية ٣٣٠/٥
تعلّمين هذه رقية النملة كما علمتها الكتابة)). (١)
قال الشيخ مجد الدين ابن تيمية في المنتقى :
وهو دليل على جواز تعلم النساء الكتابة.
وقد سرد ابن مفلح في الآداب الشرعية
الأحاديث التي يؤخذ من ظاهرها النهي عن
تعليم النساء الكتابة، إلا أنه قد ضعف هذه
الأحاديث، أو أعلها بالوضع. (٢)
الضرب للتعليم :
١٣ - للمعلم ضرب الصبي الذي يتعلم عنده
للتأديب. (٣) وبتتبع عبارات الفقهاء يتبين أنهم
يقيدون حق المعلم في ضرب الصبي المتعلم
بقیود منها :
أ۔ أن یکون الضرب معتادا للتعلیم كما وكيفا
ومحلا، يعلم المعلم الأمن منه، ويكون ضربه
بالید لا بالعصا، ولیس له أن يجاوز الثلاث،
(١) حديث: ((ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتها
الكتابة)). أخرجه أحمد (٣٧٢/٦ ط الميمنية) وأبو داود
٢١٥/٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وأخرجه الحاكم
(٤ /٥٦ - ٥٧ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه
الذهبي.
(٢) الآداب الشرعية لابن مفلح ٣٠٩/٣، ٣١٠، والفتاوى
الحديثية ص٨٥
(٣) مواهب الجليل ٤٧٢/٢، ومغني المحتاج ٤/ ١٩٣ نشر دار
إحياء التراث العربي، والمغني لابن قدامة ٥٣٧/٥
ط الریاض، وابن عابدين ٣٦٣/٥
- ١٣ -

تعلم وتعليم ١٣ - ١٥
روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لمرداس
المعلم رضي الله عنه: ((إياك أن تضرب فوق
الثلاث، فإنك إذا ضربت فوق الثلاث
اقتص الله منك)). (١)
ب۔ أن یکون الضرب بإذن الولي، لأن
الضرب عند التعليم غير متعارف، وإنما
الضرب عند سوء الأدب، فلا یکون ذلك من
التعليم في شيء، وتسلیم الولي صبیه إلى
المعلم لتعليمه لا يثبت الإِذن في الضرب،
فلهذا ليس له الضرب، إلا أن يأذن له فيه
نصا.
ونقل عن بعض الشافعية قولهم: الإجماع
الفعلي مطرد بجواز ذلك بدون إذن الولي. (٢)
جـ۔ أن یکون الصبي یعقل التأديب، فليس
للمعلم ضرب من لا يعقل التأديب من
الصبيان .
قال الأثرم: سئل أحمد عن ضرب المعلم
الصبيان، قال: على قدر ذنوبهم، ويتوقى
بجهده الضرب وإذا كان صغيرا لا يعقل فلا
يضربه . (٣)
(١) ابن عابدين ٢٣٥/١، ٣٦٣/٥، وجواهر الإكليل
٢٩٦/٢
(٢) المبسوط السرخسي ١٣/١٦، وابن عابدين ٣٦٣/٥،
وبدائع الصنائع ٣٠٥/٧، ومغني المحتاج ١٩٣/٤، وانظر
الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٣/١٠
(٣) المغني لابن قدامة ٥/ ٢٣٧، والآداب الشرعية لابن مفلح
٥٠٦/١، وغاية المنتهى ٢٨٥/٣
ضمان ضرب التعليم :
١٤ - ذهب المالكية والحنابلة إلى أن المعلم إذا
أدب صبيه الأدب المشروع فمات، فلا ضمان
عليه. (١) وبهذا قال الحنفية. إلا أنهم يشترطون
لنفي الضمان أن يكون الضرب قد حصل بإذن
الأب أو الوصي، فضلا عن كونه لم يخرج عن
الضرب المعتاد كما وكيفا ومحلا، فإذا ضرب
المعلم صبيا يتعلم منه بغير إذن الأب أو الوصي
ضمن عند الحنفية، لأنه متعد في الضرب،
والمتولد منه يكون مضمونا عليه. (٢)
وقال الشافعية : لومات المتعلم من ضرب
المعلم، فإنه يضمن وإن کان بإذن الولي وکان
مثله معتادا للتعليم، لأنه مشروط بسلامة
العاقبة إذ المقصود التأديب لا الهلاك، فإذا
حصل به هلاك تبين أنه جاوز الحد المشروع. (٣)
وللتفصيل (ر: تأديب. ضمان. قتل).
الاستئجار لتعليم القرآن والعلم الشرعي:
١٥ - لا خلاف بين الفقهاء في جواز أخذ الرزق
(١) المغني لابن قدامة ٢٣٧/٥، وغاية المنتهى ٢٨٥/٣،
وجواهر الإكليل ٢٩٦/٢ والميزان الكبرى للشعراني
١٧٢/٢
(٢) ابن عابدين ٣٦٣/٥، وبدائع الصنائع ٣٠٥/٧،
وحاشية الطحطاوي على الدر ٤ / ٢٧٥، والمبسوط
السرخسي ١٣/١٦
(٣) مغني المحتاج ١٩٩/٤، ونهاية المحتاج، وحاشية
الشبراملسي ٣٠٨/٥ ط الحلبي.
١
- ١٤ -

تعلم وتعليم ١٥
من بيت المال على تعليم القرآن وتدريس علم
نافع من حديث وفقه ونحوهما. لأن هذا الرزق
ليس أجرة من كل وجه بل هو كالأجرة. (١)
وإنما اختلفوا في الاستئجار لتعليم القرآن
والحديث والفقه ونحوهما من العلوم الشرعية :
فيرى متقدمو الحنفية - وهو المذهب عند الحنابلة
- عدم صحة الاستئجار لتعليم القرآن والعلم
الشرعي، كالفقه والحديث. (٢) لحديث
عبادة بن الصامت رضي الله عنه. قال: علّمت
ناسا من أهل الصفة القرآنَ والكتابة، فأهدى
إلي رجلٌ منهم قوسا. قال: قلت: قوس، ولیس
بمال. قال: قلت: أتقلدها في سبيل الله،
فذكرت ذلك للنبي ◌ّله﴿ وقصصت عليه القصة،
فقلت: يارسول الله، رجل أهدى إلي قوسا ممن
کنت أعلمه الکتاب والقرآن، ولیست بمال،
وأرمي عنها في سبيل الله، قال: ((إن كنت تحب
أن تطوق طوقا من نار فاقبلها)). (٣)
وحديث أبيّ بن كعب رضي الله عنه، أنه
علم رجلا سورة من القرآن، فأهدی له خميصة
(١) ابن عابدين ٣/ ٢٨٢، ومطالب أولي النهى ٣/ ٦٤١،
والمغني لابن قدامة ٤١٧/٦، وقليوبي ٢٩٦/٤،
والموسوعة الفقهية ٨/ ٢٥٢ .
(٢) بدائع الصنائع ١٩١/٤، والإنصاف ٤٥/٦، ٤٦
(٣) حديث: ((إن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها))
أخرجه أبو داود (٧٠٢/٣ تحقيق عزت عبيد دعاس)،
والحاكم (٢/ ٤١ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه
ووافقه الذهبي.
أو ثوبا، فذكر ذلك للنبي وَل﴿ فقال: ((إنك لو
لبستها لألبسك الله مكانها ثوبا من نار))(١) ولأنه
استئجار لعمل مفروض، فلا يجوز،
كالاستئجار للصوم والصلاة، ولأنه غير مقدور
الاستيفاء في حق الأجير، لتعلقه بالمتعلم،
فأشبه الاستئجار لحمل خشبة لا يقدر على
حملها بنفسه، ولأن الاستئجار على تعليم
القرآن والعلم سبب لتنفير الناس على تعليم
القرآن والعلم، لأن ثقل الأجر يمنعهم من
ذلك، وإلى هذا أشار الله جل شأنه في قوله
عز وجل: ﴿أَمْ تسألهم أجرا فهم من مَغْرَمٍ
مُثْقَلُون﴾(٢) فيؤدي إلى الرغبة عن هذه
الطاعة، وهذا لا يجوز. (٣)
وذهب متأخر والحنفية - وهو المختار للفتوى
عندهم - والمالكية في قول، وهو القول الآخر
عند الحنابلة - يؤخذ مما نقله أبو طالب عن أحمد
- إلى جواز الاستئجار على تعليم القرآن
والفقه، لخبر: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجرا
" كتاب الله))(٤) ولما روي عن عبدالجبار بن عمر
(١) حديث: ((إنك لو لبستها لألبسك الله مكانها ... )) ذكره
الفقيه مصطفى السيوطي في مطالب أولي النهى (٦٣٨/٣
ط المكتب الإسلامي) وعزاه إلى الأثرم في سننه .
(٢) سورة الطور/ ٤٠
(٣) مطالب أولي النهى ٦٣٧/٣، ٦٣٨، وبدائع الصنائع
٤ / ١٩١، والفتاوى الهندية ٤٤٨/٤
(٤) حديث: ((إن أحق ما أخذتم عليه .. )) أخرجه البخاري
(الفتح) ١٩٩/١٠ ط السلفية)
- ١٥ -
،

تعلم وتعلیم ١٥ - ١٦
أنه قال: كل من سألت من أهل المدينة لا يرى
بتعلیم الغلمان بالأجر بأسا.
ولأن الحفاظ والمعلمين - نظرا لعدم وجود
عطيات لهم في بيت المال - ربما اشتغلوا
بمعاشهم، فلا يتفرغون للتعليم حسبة، إذ
حاجتهم تمنعهم من ذلك، فلو لم يفتح لهم باب
التعليم بالأجر لذهب العلم وقل حفاظ القرآن.
قال أحمد بن حنبل : التعلیم أحب إلي من
أن يتوكل لهؤلاء السلاطين، ومن أن يتوكل
لرجل من عامة الناس في ضيعة، ومن أن
يستدين ويتجر، لعله لا يقدر على الوفاء
فيلقى الله بأمانات الناس. (١)
والمذهب عند المالكية: جواز الاستئجار على
تعليم القرآن، أما الإِجارة على تعليم الفقه
وغيره من العلوم، كالنحو والأصول والفرائض
فإنها مكروهة عندهم. وفرق المالكية بين جواز
الإِجارة على تعليم القرآن، وكراهتها على
تعليم غيره: بأن القرآن كله حق لاشك فيه،
بخلاف ماعداه مما هو ثابت بالاجتهاد، فإن فيه
الحق والباطل. وأيضا فإن تعليم الفقه بأجرة
ليس عليه العمل بخلاف القرآن، كما أن أخذ
(١) مطالب أولي النهى ٣/ ٦٣٨، والخطاب ٤١٨/٥، والمدونة
٤ / ٤١٩ نشر دار صادر بيروت، والزيلعي ٥/ ١٢٤،
١٢٥، والفتاوى الهندية ٤٤٨/٤، وابن عابدين ٣٤/٥،
٣٥
الأجرة على تعليمه يؤدي إلى تقليل طالبه. (١)
وذهب الشافعية - على الأصح - إلى جواز
الاستئجار لتعليم القرآن بشرط تعيين السورة
والآيات التي يعلمها، فإن أخل بأحدهما لم
یصح. وقيل: لا يشترط تعیین واحد منهما. أما
الاستئجار لتدريس العلم فقالوا: بعدم جوازه
إلا أن يكون الاستئجار لتعليم مسألة أو مسائل
مضبوطة، فيجوز. (٢)
وقد فصل الفقهاء القول في شروط
الاستئجار على تعليم القرآن والعلم، عند
الكلام عن الاستئجار على الطاعات، يرجع
إليها في أبواب (الإِجارة) من كتب الفقه.
الاستئجار على تعليم الحِرَف والعلوم غير
الشرعية :
١٦ - لا خلاف بين الفقهاء في جواز الاستئجار
على تعليم الحرف والصناعات المباحة التي
تتعلق بها المصالح الدنيوية، كخياطة وحدادة
وبناء وزرع ونسيج ونحو ذلك. (٣)
(١) الفواكه الدواني ٢/ ١٦٤
(٢) روضة الطالبين ٥/ ١٩٠، ومغني المحتاج ٣٤٤/٢،
والأنوار لأعمال الأبرار ٥٩٦/١
(٣) البزازية بهامش الهندية ٣٨/٥، والفتاوى الهندية
٤ /٤٤٨، والمدونة ٤/ ٤٢٠ نشر دار صادر بيروت،
والأنوار لأعمال الأبرار ٥٩٦/١، وانظر مطالب أولي النهى
٤٩٨/٢
- ١٦ -

تعلم وتعليم ١٧ - ١٨
ويرى جمهور الفقهاء صحة الإِجارة على
تعليم العلوم سوى العلوم الشرعية البحتة،
كاللغة والآداب، لأنها تارة تقع قربة وتارة تقع
غير قربة، فلم يمنع من الاستئجار عليه لفعله،
كغرس الأشجار وبناء البيوت، لكون فاعلها
لا يختص أن يكون من أهل القربة.(١)
وذهب المالكية إلى كراهة الإِجارة على
تعليم مثل هذه العلوم . (٢)
وللتفصيل في شروط الاستئجار على تعليم
الحرف والعلوم (ر: مصطلح إجارة ف١٥١
ج١).
تعليم علوم محرمة :
١٧ - لا يجوز تعليم علوم محرمة، كالكهانة
والتنجيم والضرب بالرمل وبالشعير
وبالحمص، والشعبذة، وعلوم طبائع وسحر
وطلسمات بغير العربية لمن لا يعرف معناها
وتلبيسات. فتعلیم كل ذلك محرم وأخذ العوض
عليها حرام بنص الحديث الصحيح في النهي
عن ((حلوان الكاهن)) والباقي في معناه. (٣)
(١) كشاف القناع ١٣/٤، ومطالب أولي النهى ٦٤٣/٣،
والفتاوى الهندية ٤٤٨/٤
(٢) الفواكه الدواني ١٦٤/٢
(٣) مطالب أولي النهى ٢/ ٤٩٩، وحاشية الشبراملسي مع
نهاية المحتاج ٧/ ٣٨٠، وروضة الطالبين ٢٢٥/١٠،
وأسنی المطالب ١٨٢/٤، وابن عابدين ٣٠/١ - ٣١
هذا، وليس من المنهي عنه تعليم وتعلم علم
النجوم ليستدل به على مواقيت الصلاة والقبلة
واختلاف المطالع ونحو ذلك. (١)
وللتفصيل (ر: علم).
تعليم الجوارح :
١٨ - لا خلاف بين الفقهاء في أنه يشترط لحِلّ
ماقتلته الجوارح من الصيد: كون الجارح معلّما،
لقوله تعالى: ﴿وما عَلَّمْتُم من الجوارحِ مُكَلِّبين
تُعَلِّمُونَهُنَّ مما علّمكم الله، فكلوا مما أَمْسَكْنَ
عليكم﴾(٢) حيث إن النص ينطق باشتراط
التعليم، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا
أرسلت کلابك المعلمة وذکرتَ اسم الله فكُلْ مما
أمسكن عليك، وإن قتلنَ، إلا أن يأكل
الكلب، فإني أخاف أن یکون إنما أمسكه على
نفسه، وإن خالطها كلبٌ من غيرها فلا
تأكل)). (٣)
ولأن الجارح إنما يصير آلة بالتعليم، ليكون
عاملا للصائد بما يريد من الصيد، فيسترسل
بإرساله، ويمسك الصيد على صاحبه،
لا لنفسه . (٤)
(١) ابن عابدين ١/ ٣٠، ومطالب أولي النهى ٢/ ٤٤٩، وانظر
الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي ص٤٧
(٢) سورة المائدة/ ٤
(٣) حديث: ((إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل
مما ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٦٠٩/٩ ط. السلفية).
(٤) روضة الطالبين ٢٤٦/٣، والمجموع ٩٣/٩ نشر=
- ١٧ -

تعلم وتعليم ١٨، تعمد، تعمم، تعمير، تعميم ١ - ٢
وللتفصيل في صفة الجارح الذي يصح أن
يصاد به وشروط تعليمه وضبط تعليمه ينظر:
مصطلح: (صيد).
تعميم
تعمد
انظر : عمد
تعمم
انظر : عمامة
تعمیر
انظر : عمارة
= المكتبة السلفية، والبناية شرح الهداية ٩/ ٥٧٣، ٥٧٨،
وتبیین الحقائق ٦/ ٥١، والمغني لابن قدامة ٥٤٢/٨،
والإنصاف ٤٢٧/١٠، وبداية المجتهد ٤٥٧/١ ط دار
المعرفة، والدسوقي ١٠٣/٢، والمنتقى ١٢٣/٣، وصحيح
مسلم بشرح النووي ١٣/ ٧٤ ط المطبعة المصرية.
التعريف :
١ - التعميم لغة: جعل الشيء عاما أي
شاملا، يقال: عم المطر الأرض: إذا شملها.
ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللفظ عن
الاستعمال اللغوي . (١)
الحكم الإجمالي :
التعمیم یکون في أمور منها
أ - الوضوء :
٢ - القاعدة أن كل عضو من أعضاء الجسم
يجب غسله في الوضوء يجب تعميمه بالماء، إلا في
حالة التعذر والضرورة .
واتفق الفقهاء - ماعدا الزهري - على أن
الأذنين ليستا من الوجه، فلا يجب غسلهما بالماء
في الوضوء.
وخالف الحنابلةُ الأئمةَ الثلاثة في داخل الفم
والأنف، وقالوا: إنهما من الوجه، فيفترض
غسلهما أي بالمضمضة للفم والاستنشاق
(١) محيط المحيط مادة: ((عمم))، وكشاف القناع ١٧٨/١،
ومغني المحتاج ١/ ٧٣ .
- ١٨ -

تعميم ٣ - ٤
للأنف. والمعتبر عند الأئمة الثلاثة: غسل
ظاهر الأنف.
٣ - واتفق الأئمة الأربعة على وجوب تعميم
اليدين والمرفقين بالماء، وقالوا: إذا لصق
باليدين، أو بأصل الظفر طين أو عجين، يجب
إزالته وإيصال الماء إلى أصل الظفر، وإلا بطل
وضوؤه. ويجب غسل تكاميش (تجاعيد)
الأنامل ليعمها الماء، إلا أن بعض الحنفية یری
ضرورة غسل الأوساخ اللاصقة بباطن الظفر
الطويل، فإن لم يفعل بطل وضوؤه. واغتفروا
للخباز الذي تطول أظفاره، فيبقى تحتها شيء
من العجين لضرورة المهنة.
وقال المالكية: إن وسخ الأظفار يعفى عنه إلا
إذا تفاحش وكثر، فيجب إزالته ليصل الماء إلى
ما تحت الظفر. أما الشافعية فقالوا: إن
الاوساخ التي تحت الأظفار إن منعت من وصول
الماء إلى الجلد المحاذي لها من الأصبع، فإن
إزالتها واجبة ليعم الماء الجلد، ولكن يعفى عن
العمال الذين يعملون في الطين ونحوه، بشرط
ألا یکون کثیرا یلوث رأس الأصبع. (١)
(١) حاشية ابن عابدين ٩٥/١ - ٩٨ الطبعة الثانية للحلبي
بمصر، وشرح فتح القدير ٩/١ وما بعدها، وبدائع
الصنائع ٧/٣ - الطبعة الأولى، وشرح منح الجليل ٤٥/١
وما بعدها، وحاشية الدسوقي ١/ ٨٥ ومابعدها، وشرح
الزرقاني ٥٥/١ - ٦٠، ونهاية المحتاج ١/ ١٤٠، ١٥١ -
١٦١، وحاشية الجمل على شرح المنهج ١٠٩/١ - ١١٤، -
ب - الغسل :
٤ - اتفق الفقهاء على أن تعميم الجسد كله
بالماء فرض في الغسل، لأن من أركان الغسل :
تعمیم الجسد .
واختلفوا في داخل الفم والأنف، فقال
الحنفية والحنابلة: إنه من البدن، فالمضمضة
والاستنشاق فرض عندهما في الغسل، وقال
المالكية والشافعية: إن الفرض هو غسل الظاهر
فقط، فلا تجب المضمضة والاستنشاق في
الغسل. ويجب تعميم شعره وبشره وإيصال الماء
إلى منابت شعره وإن کثف. ويجب نقض
ضفائر لا يصل الماء إلى باطنها إلا بالنقض.
وقال بعض المالکیة: يستثنی من وجوب غسل
الرأس في الغسل العروس إذا كان شعرها
مزینا، فلا يجب عليها غسله، بل یکفيها
المسح، قالوا: لما في الغسل من إضاعة المال.
كما يجب غسل ما ظهر من صماخي الأذنين،
وما يبدو من شقوق البدن التي لا غور لها.
واتفقوا على ضرورة إيصال الماء إلى مايمكن
. إيصاله إليه من أجزاء البدن، ولو كانت غائرة،
كعمق السرة ومحل العمليات الجراحية التي لها
أثر غائر. ولكن الشافعية اعتبروا شعب الأذن
يدخل فيه القرط من الباطن، لا من الظاهر،
= وشرح روض الطالب ٣١/١ - ٣٣، والمغني لابن قدامة
١٢٣/١ وما بعدها ط. الرياض، وكشاف القناع ١/ ١٥٢
ومابعدها ط. الرياض.
- ١٩ -

تعمیم ٥ - ٦
فلا يلزم إدخال الماء إليه ولو أمكن، واتفقوا على
إزالة کل حائل يمنع وصول الماء إلى ماتحته،
كعجين وعماص في العين ليحصل التعميم. (١)
جـ - التيمم :
٥ - اختلف الفقهاء في تعميم أعضاء التيمم
بالمسح.
فقال المالكية والشافعية والحنابلة: يجب
تعميم المسح على الوجه، ويدخل فيه اللحية
ولو طالت، لأنها من الوجه، لمشاركتها في
حصول المواجهة. والمعتبر توصيل التراب إلى
جميع البشرة الظاهرة من الوجه، وإلى ماظهر من
الشعر. ولا يجب إيصال التراب إلى ما تحت
الحاجبين والشارب والعذارين والعنفقة، لأن
النبي و 18 وصف التيمم، واقتصر على
ضربتین، ومسح وجهه بإحداهما، ومسح إحدی
اليدين بالأخرى. (٢) وبذلك لا يصل التراب
إلى باطن هذه الشعور للمشقة في إيصاله فسقط
(١) رد المحتار على الدر المختار ١٠٢/١، ١٠٣، ١٠٤ ط.
بيروت لبنان، والبدائع ٣٤/١، ٣٥، وحاشية الدسوقي
١٢٦/١، ١٣٤، وشرح الزرقاني ٩٤/١، ٩٥، ١٠١،
١٠٢، ونهاية المحتاج ٢٠٧/١، ٢٠٨، وشرح الروض
٦٩/١ وما بعدها، وكشاف القناع ١٥٢/١ - ١٥٥،
والمغني ٢٢٤/١ -٢٢٨
(٢) حديث: ((وصف التيمم واقتصر على ضربتين ... ))
أخرجه أبو داود (١/ ٢٣٥ - تحقيق عزت عبيد دعاس)
وضعفه ابن حجر في التلخيص (١/ ١٥١ ط شركة الطباعة
الفنية).
وجوبه، ولأن المعتبر هو تعميم المسح
لا التراب. ويجب تعمیم مسح يديه وکوعیه مع
تخليل أصابعه على الراجح عند المالكية. ويلزم
نزع الخاتم - ولو مأذونا فيه أو واسعا - وإلا كان
حائلا، وهذا عند المالكية. (١) (ر: تيمم).
وقال الحنفية : تعميم الوجه واليدين بالمسح
في التیمم شرط لا رکن. فإن کان المسح بیده،
فإنه يشترط أن یمسح بجمیع یده أو أكثرها،
والمفروض المسح باليد أوما يقوم مقامها، ويجب
مسح الشعر الذي يجب غسله في الوضوء، وهو
المحاذي للبشرة، فلا يجب مسح ماطال من
اللحية. وقالوا: إن تحريك الخاتم الضيق
والسوار یکفي في التیمم، لأن التحریك مسح لما
تحته، والمفروض هو المسح لا وصول الغبار. (٢)
د - الدعاء :
٦ - اتفق الفقهاء على أن التعميم في الدعاء من
السنة، لقوله تعالى ﴿واسْتغفر لِذَّنْبِك
وللمؤمنين والمؤمناتِ﴾(٣) ولخبر ((ما من دعاء
(١) حاشية الدسوقي ١٥٥/١، وشرح الزرقاني ١/ ١٢٠،
ونهاية المحتاج ٢٨٢/١ - ٢٨٤، والمهذب ١/ ٤٠، وشرح
الروض ٨٦/١ ط المكتبة الإسلامية، والمغني لابن قدامة
٢٥٤/١، ٢٥٥، وكشاف القناع ١٧٤/١ - ١٧٥
(٢) حاشية ابن عابدين ١/ ٢٣٠، وشرح فتح القدير ٥٠/١،
٥١، وبدائع الصنائع ٤٦/١ ومابعدها ط. أولى.
(٣) سورة محمد / ١٩، وانظر حاشية ابن عابدين ١/ ٣٥٠،
والشرح الصغير ٣٣٣/١ ط دار المعارف، والجمل على
شرح المنهج ١/ ٣٩٠، ٣٩١، وكشاف القناع ٣٦٧/١
- ٢٠ -