النص المفهرس
صفحات 261-280
تعزير ١٠ - ١١ وقد حصل الخلاف في التعزير هل هو واجب على ولي الأمر أم لا؟ فمالك، وأبو حنيفة، وأحمد قالوا بوجوب التعزير فيما شرع فيه. وقال الشافعي : إنه ليس بواجب، استنادا إلى أن رجلا قال للرسول وَله: إني لقيت امرأة فأصبت منها دون أن أطأها. فقال ◌َ(١) ((أصليتَ معنا))؟ قال نعم: فتلا عليه آية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَي النَّارِ وُزُلَفاً من الليلِ إنّ الحسناتِ يُذْهِبْنَ السيئاتِ﴾. (٢) وإلى قوله ◌ِّ في الأنصار. ((اقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم))(٣) وإلى أن رجلا قال للرسول صل# في حُكْمٍ حكَمَ به للزبير لم يرقه: أن كان (١) حديث: (( عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى رسول الله وَ ل# فذكر له، فأنزلت عليه ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل، إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ قال الرجل: ألي هذه؟ قال: لمن عمل بها من أمتي)). أخرجه البخاري (الفتح ٣٥٥/٨ - ط السلفية)، ومسلم (٢١١٥/٤ - ٢١١٦ - ط الحلبي.). وأخرج مسلم (٤ / ٢١١٧ - ط الحلبي) عن أنس رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي * فقال: يارسول الله، أصبت حدا، فأقمه علي قال: وحضرت الصلاة فصلى مع رسول الله (ص#. فلما قضى الصلاة قال: يارسول الله، إني أصبت حدا فأقم في كتاب الله، قال: ((هل حضرت الصلاة معنا؟)) قال: نعم. قال: «قد غفر لك)». (٢) سورة هود/ ١١٤ (٣) حديث. ((اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم)). أخرجه البخاري (الفتح ٧/ ١٢١ - ط السلفية)، ومسلم (١٩٤٩/٤ - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. ابنَ عمتك، فغضب. ولم ينقل أنه عزره. (١) وقال آخرون ، ومنهم بعض الحنابلة: إن ماكان من التعزير منصوصا عليه كوطء جارية مشتركة يجب امتثال الأمر فيه. أما ما لم يرد فيه نص فإنه يجب إذا كانت فيه مصلحة، أو كان لا ینزجر الجاني إلا به، فإنه يجب کالحد، أما إذا علم أن الجاني ينزجر بدون التعزير فإنه لا يجب. ويجوز للإِمام فيه العفو إن كانت فيه مصلحة، وكان من حق الله تعالى، خلاف ما هو من حق الأفراد. (٢) التعزير عقوبة مفوضة : المراد بالتفوض وأحكامه : ١١ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وهو الراجح عن الحنفية: أن التعزيز عقوبة مفوضة إلى رأي الحاكم، وهذا التفويض في التعزير من أهم أوجه الخلاف بينه وبين الحد الذي هو عقوبة مقدرة من الشارع. وعلى الحاكم في تقدير عقوبة التعزير مراعاة حال الجريمة والمجرم. أما مراعاة حال الجريمة فللفقهاء فيه نصوص كثيرة، منه قول الأستر وشني : ينبغي أن ینظر القاضي إلی سببه، فإن کان من جنس (١) حديث: ((أن رجلا قال للرسول (18 في حكم ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٢٥٤/٨ ط السلفية)، ومسلم (١٨٢٩/٤ - ط الحلبي). (٢) ابن عابدين ١٩٢/٣، والأحكام السلطانية للماوردي/ ٢٢٥ - ٢٦١ - تعزير ١١ ما يجب به الحد ولم يجب لمانع وعارض، يبلغ التعزير أقصی غایاته. وإن کان من جنس ما لا يجب الحد لا يبلغ أقصى غاياته، ولكنه مفوض إلى رأي الإِمام. (١) وأما مراعاة حال المجرم فيقول الزيلعي : إنه في تقدير التعزير ينظر إلى أحوال الجانين، فإن من الناس من ينزجر باليسير . ومنهم من لا ينزجر إلا بالكثير . ويقول ابن عابدين: إن التعزير يختلف باختلاف الأشخاص، فلا معنى لتقديره مع حصول المقصود بدونه، فيكون مفوضا إلى رأي القاضي، یقیمه بقدر ما یری المصلحة فيه . (٢) ويقول السندي : إن أدنى التعزير على ما يجتهد الإِمام في الجاني، بقدرما يعلم أنه ينزجر به، لأن المقصود من التعزير الزجر، والناس تختلف أحوالهم في الانزجار، فمنهم من يحصل له الزجر بأقل الضربات، ويتغير بذلك. ومنهم من لا يحصل له الزجر بالكثير من الضرب. (٣) ونقل عن أبي يوسف: إن التعزير يختلف على قدر احتمال المضروب . وقد منع بعض الحنفية تفويض التعزير، وقالوا بعدم تفويض ذلك للقاضي، لاختلاف حال القضاة، وهذا هو الذي قال به الطرسوسي (١) فصول الأستروشني ص١٤ (٢) ابن عابدين ٣/ ١٨٣ (٣) مطالع الأنوار للسندي ٦٠٥/٧، والأستروشني ص١٨ - ٢٠ في شرح منظومة الكنز. وقد أيدوا هذا الرأي بأن المراد من تفويض التعزير إلى رأي القاضي ليس معناه التفويض لرأيه مطلقا، بل المقصود القاضي المجتهد. وقد ذكر السندي : أن عدم التفويض هو الرأي الضعيف عند الحنفية . (١) وقال أبو بكر الطرسوسي في أخبار الخلفاء المتقدمين: إنهم كانوا يراعون قدر الجاني وقدر الجناية، فمن الجانين من يضرب، ومنهم من يحبس، ومنهم من يقام واقفا على قدميه في المحافل، ومنهم من ينتزع عمامته، ومنهم من يحل حزامه . ونص المالكية: على أن التعزير يختلف من حيث المقادير، والأجناس، والصفات، باختلاف الجرائم، من حیث کبرها، وصغرها، وبحسب حال المجرم نفسه، وبحسب حال القائل والمقول فيه والقول، وهو موكول إلى اجتهاد الإِمام . قال القرافي : إن التعزیر یختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وتطبيقا لذلك قال ابن فرحون: رب تعزير في بلد يكون إكراما في بلد آخر، كقطع الطيلسان ليس تعزيرا في الشام بل إكرام، (٢) وكشف الرأس عند الأندلسيين (١) السندي ٧/ ٦٠٣ - ٦٠٥ (٢) الطيلسان: طرحة تشبه الخمار المقور، يطرح على الكتفين، أو يلاث جزء منه على العمامة ثم يدلى = - ٢٦٢ - تعزير ١٢ - ١٣ لیس هوانا مع أنه في مصر والعراق هوان. وقال : إنه يلاحظ في ذلك أيضا نفس الشخص، فإن في الشام مثلا من کانت عادته الطيلسان وألفه ۔ من المالكية وغيرهم - يعتبر قطعه تعزيرا لهم. فما ذكر ظاهر منه: أن الأمر لم يقتصر على اختلاف التعزير باختلاف الزمان والمكان والأشخاص، مع كون الفعل محلا لذلك، بل إن هذا الاختلاف قد يجعل الفعل نفسه غير معاقب عليه، بل قد يكون مكرمة . (١) الأنواع الجائزة في عقوبة التعزير : ١٢ - يجوز في مجال التعزير: إيقاع عقوبات مختلفة، يختار منها الحاكم في كل حالة ما يراه مناسبا محققا لأغراض التعزير. وهذه العقوبات قد تنصب على البدن، وقد تكون مقيدة للحرية، وقد تصیب المال، وقد تكون غير ذلك. وفيما يلي بيان هذا الإِجمال. = عليهما، وكان لا يلبسه إلا الكبراء والقضاة. وكان خلعه والمشي بدونه أمارة الخضوع والتذلل (المصباح، المعجم المفصل بأسماء الملابس عند العرب، للمستشرق دوزي ص٢٢٩) (١) يراجع فيما سبق: فصول الأستروشني ص١٤ - ٢٠، ابن عابدين ٣/ ١٨٣ السندي ٧ / ٦٠٣ - ٦٠٥، وتبصرة الحكام ٣٦٦/٢، ونهاية المحتاج ٧ / ١٧٤ - ١٧٥، والأحكام السلطانية للماوردي ص٢٢٤، والسياسة الشرعية ص٥٣، والحسبة ص٣٨. العقوبات البدنية : أ - التعزير بالقتل : ١٣ - الأصل: أنه لا يبلغ بالتعزير القتل، وذلك لقول الله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ التي حرَّمَ الله إلّ بالحقِّ﴾(١) وقول النبي ◌َّ: «لا يحل دمُ امریء مسلمٍ إلا بإحدى ثلاث: الثّيبُ الزاني، والنفسُ بالنفس، والتاركُ لدينه المفارق للجماعة)). (٢) وقد ذهب بعض الفقهاء إلى جواز القتل تعزيرا في جرائم معينة بشروط مخصوصة، من ذلك: قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس على المسلمين، وذهب إلى جواز تعزيره بالقتل مالك وبعض أصحاب أحمد، ومنعه أبو حنيفة، والشافعي، وأبو يعلى من الحنابلة . وتوقف فيه أحمد. ومن ذلك: قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة كالجهمية . ذهب إلى ذلك كثير من أصحاب مالك، وطائفة من أصحاب أحمد. وأجاز أبو حنيفة التعزير بالقتل فیما تکرر من الجرائم، إذا کان جنسه یوجب القتل، كما يقتل من تكرر منه اللواط أو القتل (١) سورة الأنعام / ١٥١ (٢) حديث: ((لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث ... )) أخرجه البخاري (الفتح ١٢/ ٢٠١ - ط السلفية)، ومسلم (١٣٠٢/٣ - ١٣٠٣ ط الحلبي) من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه. - ٢٦٣ - تعزير ١٤ بالمثقل. (١) وقال ابن تيمية: (٢) وقد يستدل على أن المفسد إذا لم ينقطع شره إلا بقتله فإنه يقتل، لما رواه مسلم في صحيحه عن عرفجة الأشجعي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله واليوم يقول: ((من أتاكم وأمركم جمیع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه)»(٣) ب - التعزير بالجلد : ١٤ - الجلد في التعزير مشروع، ودليله قول الرسول وسلم: ((لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط، إلا في حد من حدود الله تعالى)). (٤) وفي الحريسة(٥) التي تؤخذ من مراتعها غرم ثمنها مرتین، وضرب نکال. وكذلك الحكم في سرقة التمر یؤخذ من أكمامه، حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال «سئل رسول الله (١) أحكام القرآن للجصاص ١/ ٦١، وابن عابدين ٣/ ١٨٤ - ١٨٥، والقرطبي ١٥١/٦ - ١٥٢، وتبصرة الحكام ص١٩٣، ٢٠٦، والمهذب ٢٦٨/٢، والأحكام السلطانية للماوردي ص٢١٢ - ٢١٣، وكشاف القناع ٤/ ٧٤ - ٧٦ (٢) السياسة الشرعية لابن تيمية ص٩٩ (٣) حديث: (( من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد ... )) أخرجه مسلم (٣/ ١٤٨٠ - ط الحلبي). (٤) حديث ((لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط ... )) أخرجه البخاري (الفتح ١٧٦/١٢ - ط السلفية)، ومسلم (١٣٣٣/٣ ط الحلبي) من حديث أبي بردة الأنصاري رضي الله عنه. (٥) الحريسة، هي الشاة في الجبل يدركها الليل قبل رجوعها إلی مأواها فتسرق. صلى الله عليه وآله وسلم عن التمر المعلق، فقال: من أصاب منه بفيه من ذي حاجة غیر متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع)) رواه النسائي وأبو داود. وفي رواية قال ((سمعت رجلا من مزينة يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الحريسة التي توجد في مراتعها؟ قال: فيها ثمنها مرتين، وضرب نكال. وما أخذ من عطنه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن. قال: يارسول الله، فالثمار وما أخذ منها في أكمامها؟ قال: من أخذ بفمه ولم يتخذ خبنة فليس عليه شيء، ومن احتمل فعليه ثمنه مرتین، وضرب نكال، وما أخذ من أجرانه ففيه القطع، إذا بلغ مايؤخذ من ذلك ثمن المجن)) رواه أحمد والنسائي. ولابن ماجة معناه، وزاد النسائي في آخره: ((وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثلیه، وجلدات نكال)). (١) وقد سار على هذه العقوبة في التعزير الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الحكام، ولم ينكر عليهم أحد. (٢) (١) حديث عبدالله بن عمرو: من أصاب بفيه ... )) أخرجه أبو داود (٣٣٥/٢ - ٣٣٦ - تحقيق عزت عبيد دعاس). والنسائي (٨٥/٨ - ط المكتبة التجارية) واللفظ لأبي داود، ونيل الأوطار ٧/ ٣٠٠ - ٣٠١ ط دار الجيل. (٢) المغني ٣٤٨/١٠، وتبصرة الحكام ٢/ ٢٠٠، والحسبة ٣٩ - ٢٦٤ - تعزير ١٥ مقدار الجلد في التعزير : ١٥ - مما لا خلاف فيه عند الحنفية: أن التعزير لا يبلغ الحد، لحديث: ((من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين))(١) واختلف الحنفية في أقصى الجلد في التعزير: فيرى أبو حنيفة: أنه لا يزيد عن تسعة وثلاثين سوطا بالقذف والشرب، أخذا عن الشعبي، إذ صرف كلمة الحد في الحديث إلى حد الأرقاء وهو أربعون. وأبو يوسف قال بذلك أولا ، ثم عدل عنه إلى اعتبار أقل حدود الأحرار .. وهو ثمانون جلدة. وجه ما ذهب إليه أبو حنيفة: أن الحدیث ذكر حدا منّكرا، وأربعون جلدة حدٌّ كامل في الأرقاء عند الحنفية في القذف والشرب، فينصرف إلى الأقل. وأبو يوسف اعتمد على أن الأصل في الإِنسان الحرية، وحد العبد نصف حد الحر، فليس حدا كاملا، ومطلق الاسم ينصرف إلى الكامل في كل باب. (٢) وفي عدد الجلدات روايتان عن أبي يوسف: إحداهما: أن التعزير يصل إلى تسعة وسبعين سوطا، وهي رواية هشام عنه، وقد أخذ بذلك (١) حديث: ((من بلغ حدا في غير حد ... )) أخرجه البيهقي في السنن (٣٢٧/٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما، وقال: المحفوظ: هذا الحديث مرسل. (٢) الكاساني ٧ / ٦٤ زفر، وهو قول عبدالرحمن بن أبي ليلى، وهو القياس، لأنه ليس حدا فيكون من أفراد المسكوت عن النهي عنه في حديث: ((من بلغ حدا في غير حد ... ))(١) والثانية: وهي ظاهر الرواية عن أبي يوسف: أن التعزير لا يزيد على خمسة وسبعين سوطا، وروى ذلك أثرا عن عمر رضي الله عنه، كما روي عن علي رضي الله عنه أيضا، وأنهما قالا: في التعزير خمسة وسبعون . وأن أبا يوسف أخذ بقولهما في نقصان الخمسة، واعتبر عملهما أدنى الحدود. (٢) وعند المالكية قال المازري : إن تحديد العقوبة لا سبيل إليه عند أحد من أهل المذهب، وقال: إن مذهب مالك يجيز في العقوبات فوق الحد. وحكي عن أشهب: أن المشهور أنه قد يزاد على الحد. (٣) وعلى ذلك فالراجح لدى المالكية: أن الإِمام له أن يزيد التعزير عن الحد، مع مراعاة المصلحة التي لا يشوبها الهوی. ومما استدل به المالكية: فعل عمر في معن ابن زياد لما زور كتابا على عمر وأخذ به من صاحب بيت المال مالا، إذ جلده مائة، ثم مائة (١) حديث: ((من بلغ حدا في غير ... )) تقدم تخريجه. (٢) الأستروشني ص١٦، والكاساني ٧ / ٦٤، والجوهرة ٢٥٣/٢، واللباب للميداني ٣/ ٦٥ (٣) تبصرة الحكام ٢/ ٢٠٤ - ٢٦٥ - تعزير ١٥ أخرى، ثم ثالثة، ولم يخالفه أحد من الصحابة فکان إجماعا، كما أنه ضرب صبیغ بن عسل أکثر من الحد. (١) وروى أحمد بإسناده أن عليا رضي الله عنه أتي بالنجاشي قد شرب خمرا في رمضان فجلده ثمانین (الحد) وعشرين سوطا، لفطره في رمضان . كما روي: أن أبا الأسود استخلفه ابن عباس رضي الله عنهما على قضاء البصرة فأتي بسارق قد جمع المتاع في البيت ولم يخرجه، فضربه خمسة وعشرين سوطا وخلى سبيله. (٢) وقالوا في حديث أبي بردة رضي الله عنه: ((لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله))(٣) إنه مقصور على زمن الرسول وَ*، لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر، وتأولوه على أن المراد بقوله: في حد، أي في حق من حقوق الله تعالى، وإن لم يكن من المعاصي المقدر حدودها لأن المعاصي كلها من حدود الله تعالى. (٤) وعند الشافعية: أن التعزير إن كان بالجلد فإنه يجب أن ينقص عن أقل حدود من يقع عليه (١) کان یعنت الجند بالمشتبهات والتساؤلات فضر به سيدنا عمر رضي الله عنه ونفاه إلى البصرة. (٢) تبصرة الحكام ٢/ ٢٠٤، والمغني ٣٤٨/١٠، وفتح القدير ١١٥/٥- ١١٦ (٣) حديث: ((لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد ... )» تقدم تخريجه . (٤) تبصرة الحكام ٢/ ٢٠٥ التعزير، فينقص في العبد عن عشرين، وفي الحر عن أربعين، وهو حد الخمر عندهم، وقيل بوجوب النقص فيهما عن عشرين، لحديث: ((من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين))(١) ويستوي في النقص عما ذكر جميع الجرائم على الأصح عندهم. وقيل بقياس كل جريمة بما يليق بها مما فيه أو في جنسه حد، فينقص على سبيل المثال تعزير مقدمة الزنى عن حده، وإن زاد على حد القذف، وتعزير السب عن حد القذف، وإن زاد على حد الشرب. وقيل في مذهب الشافعية: لا يزيد في أكثر الجلد في التعزير عن عشر جلدات أخذا بحديث أبي بردة: ((لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله))(٢) لما اشتهر من قول الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وقد صح هذا الحديث. (٣) وعند الحنابلة: اختلفت الرواية عن أحمد في قدر جلد التعزير، فروي أنه لا يبلغ الحد. وقد ذكر الخرقي هذه الرواية، والمقصود بمقتضاها: أنه لا يبلغ بالتعزیر أدنى حد مشروع، فلا يبلغ بالتعزير أربعين، لأن الأربعين حد العبد في (١) حديث: ((من بلغ حدا في عير حد ... )) تقدم تخريجه . (٢) حديث: ((لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد ... )) تقدم تخريجه . (٣) نهاية المحتاج ٧/ ١٧٥، والمهذب ٢٢٨/٢، ومغني المحتاج ١٩٣/٤ - ٢٦٦ - تعزير ١٥ الخمر والقذف، ولا يجاوز تسعة وثلاثين سوطاً في الحر، ولا تسعة عشر في العبد على القول بأن حد الخمر أربعون سوطا . ونص مذهب أحمد: أن لا يزاد على عشر جلدات في التعزير، للأثر: ((لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد ... )) إلا ما ورد من الآثار مخصصا لهذا الحديث، كوطء جارية امرأته بإذنها، ووطء جارية مشتركة المروى عن عمر. قال ابن قدامة: ويحتمل كلام أحمد والخرقي : أنه لا يبلغ التعزير في كل جريمة حدا مشروعا في جنسها، ويجوز أن يزيد على حد غير جنسها، وقد روي عن أحمد ما يدل على هذا. واستدل بما روي عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما فيمن وطىء جارية امرأته بإذنها: أنه يجلد مائة جلدة، وهذا تعزير، لأن عقاب هذه الجريمة للمحصن الرجم، وبما روي عن سعيد بن المسيب عن عمر رضي الله عنه في الرجل الذي وطىء أمة مشتركة بينه وآخر: أنه يجلد الحد إلا سوطا واحدا، وقد احتج بهذا الحدیث أحمد. وقد زاد ابن تيمية وابن القيم رأيا رابعا: هو أن التعزير يكون بحسب المصلحة، وعلى قدر الجريمة، فيجتهد فيه ولي الأمر على ألا يبلغ التعزير فيما فيه حد مقدر ذلك المقدر، فالتعزير على سرقة مادون النصاب مثلا لا يبلغ به القطع، وقالا: إن هذا هو أعدل الأقوال، وإن السنة دلت عليه، كما مر في ضرب الذي أحلت له امرأته جاريتها مائة لا الجد وهو الرجم، كما أن عليا وعمر رضي الله عنهما ضربا رجلا وامرأة وجدا في لحاف واحد مائة مائة، وحكم عمر رضي الله عنه فيمن قلد خاتم بيت المال بضربه ثلاثمائة على مرات، وضرب صبيغ بن عسل للبدعة ضربا کثیرا لم یعده. (١). وخلاصة مذهب الحنابلة: أن فيه من يقول بأن التعزير لا يزيد على عشر جلدات، ومن يقول: بأنه لا يزيد على أقل الحدود، ومن يقول: بأنه لا يبلغ في جريمة قدر الحد فيها، وهناك من يقول: بأنه لا يتقيد بشيء من ذلك، وأنه يكون بحسب المصلحة، وعلى قدر الجريمة، فيما ليس فيه حد مقدر. والراجح عندهم التحديد سواء أكان بعشر جلدات أم بأقل من أدنى الحدود أم بأقل من الحد المقرر لجنس الجريمة. وما ذكر هو عن الحد الأعلى، أما عن الحد الأدنی فقد قال القدوري : إنه ثلاث جلدات، لأن هذا العدد أقل مايقع به الزجر. ولكن غالبية الحنفية على أن الأمر في أقل جلد التعزير مرجعه الحاكم، بقدر مايعلم أنه يكفي للزجر. وقال في الخلاصة: إن اختيار التعزير إلى (١) الحسبة في الإِسلام ص٣٩، والسياسة الشرعية ص٥٤، والطرق الحكمية ص١٠٦ - ٢٦٧ - تعزير ١٦ القاضي من واحد إلى تسعة وثلاثين، وقريب من ذلك تصريح ابن قدامة، فقد قال: إن أقل التعزير ليس مقدراً فيرجع فيه إلى اجتهاد الإِمام أو الحاكم فيما يراه وما تقتضيه حال الشخص .(١) جـ - التعزير بالحبس : ١٦ - الحبس مشروع بالكتاب والسّنة والإِجماع: أما الكتاب فقوله تعالى : ﴿واللائي يأتين الفاحشةَ من نسائِكم فاستشهدوا عليهن أربعةً منکم فإنْ شهدوا فأمسکوهن في البیوت حتى يتوفاهن الموتُ أو يجعلَ اللّه لهن سبيلا﴾(٢) وقوله: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسولهُ وَيَسْعَوْنَ في الأرضِ فساداً أن يُقَتَّلوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّع أيديهم وأرجُلُهُمْ من خِلافٍ أو يُنْفَوْا من الأرضِ﴾. (٣) فقد قال الزيلعي: إن المقصود بالنفي هنا الحبس . وأما السنة فقد ثبت: أن الرسول ٹڑ حہس بالمدينة أناسا في تهمة دم، وحكم بالضرب (١) يراجع في التعزير بالجلد عموما الكاساني في ٧ / ٦٤، والسرخسي ٣٦/٢٤، والسندي ٥٩٩/٧ - ٦٠٠، ٦٠١، ٦٠٢، والجوهرة ٢/ ٢٥٣، واللباب لميداني ٦٥/٣، وفتح القدير ١١٥/٥ - ١١٦، والزيلعي والشلبي ٢١٠/٣، والأستروشني ص١٦، وتبصرة الحكام ٢/ ٢٠٠ - ٢٠٤، ونهاية المحتاج ١٧٥/٧، والمهذب ٢٢٨/٢، وكشاف القناع ٧٣/٤ - ٧٤، والسياسة الشرعية ص٤٧، ٤٨، ٥٣، ٥٤، ٥٥، ٥٦، والحسبة ص٣٩، والطرق الحكمية ص١٠٦، والمغني ١٠/ ٣٤٧ - ٣٤٨. (٢) سورة النساء/ ١٥ (٣) سورة المائدة/ ٣٣ والسجن، وأنه قال فيمن أمسك رجلا لآخر حتى قتله: ((اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر)). (١) وفسرت عبارة ((اصبروا الصابر)) بحبسه حتى الموت، لأنه حبس المقتول للموت بإمساکه إياه . وأما الإِجماع فقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم، ومن بعدهم، على المعاقبة بالحبس. واتفق الفقهاء على أن الحبس يصلح عقوبة في التعزير. ومما جاء في هذا المقام: أن عمر رضي الله عنه سجن الحطيئة على الهجو، وسجن صبيغا على سؤاله عن الذاريات، والمرسلات، والنازعات، وشبهه، وأن عثمان رضي الله عنه سجن ضابىء بن الحارث، وكان من لصوص بني تميم وفُتّاكهم، وأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سجن بالكوفة. وأن عبدالله بن الزبير رضي الله عنه سجن بمكة، وسجن في ((دارم)) محمد بن الحنفية لما امتنع عن بيعته . (٢) (١) حديث: ((اقتلوا القاتل واصبروا الصابر)). أخرجه البيهقي (٥١/٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث إسماعيل بن أميه مرسلا. وأورده قبله بلفظ مقارب، ولكنه رجح الإِرسال، ومن قبله الدارقطني (٣/ ١٤٠ - ط دار المحاسن). (٢) أقضية الرسول # لأبي عبد الله محمد بن فرج المالكي القرطبي ص ٥ -٦، وتبصرة الحكام ٣٧٣/٢، والزيلعي ٢٠٧/٣ و١٧٩/٤ - ١٨٠، وابن عابدين ٣٢٦/٤، وفتح القدير ٣٧٥/٦، والمغني ٣١٣/١٠ - ٣١٤ -٣٤٨، والسياسة الشرعية ص٥٤، وكشاف القناع ٤/ ٧٤، والماوردي ص٢٢٤ - ٢٦٨ - تعزير ١٧ - ١٨ مدة الحبس في التعزير : ١٧ - الأصل أن تقدير مدة الحبس يرجع إلى الحاكم، مع مراعاة ظروف الشخص، والجريمة والزمان والمكان . وقد أشار الزيلعي إلى ذلك بقوله : ليس للحبس مدة مقدرة. وقال الماوردي : إن الحبس تعزيرا يختلف باختلاف المجرم، وباختلاف الجريمة، فمن الجانين من يحبس يوما، ومنهم من يحبس أكثر، إلى غاية غير مقدرة. لكن الشربيني من الشافعية، ذكر أن شرط الحبس: النقص عن سنة، كما نص عليه الشافعي في الأم، وصرح به معظم الأصحاب. وأطلق الحنابلة في تقدير المدة. (١) د - التعزير بالنفي ( التغريب ) : مشروعية التعزير بالنفي : ١٨ - التعزير بالنفي مشروع بلا خلاف بين الفقهاء، ودليل مشروعيته: الكتاب والسنة والإِجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿أُوْيُنْفَوْا من (١) فتح القدير ٣٧٥/٦، والزيلعي ٤ / ١٧٩ - ١٨٠ و١٨١/٣ - ٢٠٨، وابن عابدين ٣٢٦/٤، والفتاوى الهندية ١٨٨/٢، والتاج والإكليل ٤٨/٥، والمدونة ٥٤/١٣ - ٥٥، وتبصرة الحكام ٣٧٣/٢، ونهاية المحتاج ٧/ ١٧٥. والأحكام السلطانية للماوردي / ٢٢٤، ومغني المحتاج ١٩٢/٤، وكشاف القناع ٧٤/٤ - ٧٥، والمغني ٣١٣/١٠ - ٣١٤ الأرضِ ﴾ ومن ثَمّ فهو عقوبة مشروعة في الحدود. وأما السنة: فإن النبي ◌ُ سهّ قضى بالنفي تعزيرا في المخنثين، إذ نفاهم من المدينة . (١) وأما الإِجماع: فإن عمر رضي الله عنه نفى نصر بن حجاج لافتتان النساء به، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة. (٢) ويجوز كون التغريب لأكثر من مسافة القصر، لأن عمر غرب من المدينة نصر بن حجاج إلى البصرة، ونفى عثمان رضي الله عنه إلی مصر، ونفى علي رضي الله عنه إلى البصرة. ويشترط أن يكون التغريب لبلد معين، فلا يرسل المحكوم عليه به إرسالا ، وليس له أن يختار غير البلد المعين لإبعاده، ولا يجوز أن يكون تغريب الجاني لبلده. (٣) ويرى الشافعي : أن لا تقل المسافة بين بلد الجاني والبلد المغرب إليه عن مسيرة يوم وليلة . (٤) ويرى ابن أبي ليلى: أن ينفى الجاني (١) أخرج أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي رضي؟ أتى بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، فقال النبي الأخيرة: ((مابال هذا؟ فقيل: يارسول الله، يتشبه بالنساء، فأمر به فنفي إلى النقيع)). أخرجه أبو داود (٢٢٤/٥ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وأعله المنذري بجهالة أحد رواته. (مختصر سنن أبي داود ٧/ ٢٤٠ - نشر المعرفة). (٢) المبسوط السرخسي ٩/ ٤٥، والزيلعي ٣/ ١٧٤ (٣) حاشية البجيرمي ٤/ ١٤٥ (٤) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢١٢ - ٢٦٩ - ٠ تعزير ١٩ - ٢٠ إلى بلد غير البلد الذي ارتكبت فيه الجريمة بحيث تكون المسافة بين البلد الذي ينفى إليه وبلد الجريمة، دون مسيرة سفر. (١) مدة التغريب : ١٩ - لا يعتبر أبو حنيفة التغريب في الزنى حدا، بل يعتبره من التعزير، ويترتب على ذلك: أنه يجيز أن يزيد من حيث المدة عن سنة. (٢) ويجوز عند مالك أن يزيد التغريب في التعزير عن سنة، مع أن التغریب عنده في الزنى حد، لأنه یقول بنسخ حدیث: «من بلغ حدا في غیر حد فهو من المعتدين)). والراجح عند المالكية : أن للإِمام أن يزيد في التعزير عن الحد، مع مراعاة المصلحة غير المشوبة بالهوى. (٣) وعلى ذلك بعض فقهاء الشافعية، والحنابلة. ويرى البعض الآخر منهم: أن مدة التغريب في التعزير لا يجوز أن تصل إلى سنة، لأنهم يعتبر ون التغريب في جريمة الزنی حدا، وإذا كانت مدته فيها عاما فلا يجوز عندهم في التعزير أن يصل التغريب لعام، لحديث: ((من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين)). (٤) وتفصيله في (نفي). (١) المبسوط السرخسي ٩/ ٤٥ (٢) معين الحكام ص١٨٤، وبداية المجتهد ٢/ ٣٦٤ - ٣٥ (٣) تبصرة الحكام ٢ / ٢٠٤، والشرح الصغير ٤/ ٥٠٤ (٤) يراجع في التغريب عموما الرخسي ٩/ ٤٥، والزيلعي ١٧٤/٣، ومعين الحكام ص١٨٢، وبداية المجتهد ٣٨١/٢ ثم ٣٦٤ - ٣٦٥، وتبصرة الحكام ٢٠٤/٢، = هـ - التعزير بالمال : مشروعية التعزير بالمال : ٢٠ - الأصل في مذهب أبي حنيفة: أن التعزير بأخذ المال غير جائز، فأبوحنيفة ومحمد لا یجیزانه،(١) بل إن محمدا لم یذکره في کتاب من كتبه. (٢) أما أبويوسف فقد روى عنه: أن التعزير بأخذ المال من الجاني جائز إن رؤيت فيه مصلحة . (٣) وقال الشبراملسي : ولا يجوز على الجديد بأخذ المال. يعني لا يجوز التعزير بأخذ المال في مذهب الشافعي الجديد، (٤) وفي المذهب القديم: يجوز. أما في مذهب مالك في المشهور عنه، فقد قال ابن فرحون: التعزير بأخذ المال قال به المالكية .(٥) وقد ذكر مواضع مخصوصة يعزر فيها = أقضية الرسول # ص٥، ونهاية المحتاج ٧/ ١٧٤ - ١٧٥، والمهذب ٢٢٨/٢، وحاشية البجيرمي ٤/ ١٥٣، وشرح الخطيب على هامشها الماوردي ص٢١٢، وكشاف القناع ٧٣/٤ - ٧٤ - ٧٦، والمغني ٣٤٧/١٠، والحسبة ص٤٠، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٤٧ (١) ابن عابدين ٣/ ١٨٤ (٢) فصول الأستروشني ص٧ (٣) ابن عابدين ٣/ ١٨٤، والزيلعي ٢٠٨/٣، والسندي ٦٠٤/٧ - ٦٠٥، وفتاوى البزازية ٢ / ٤٥٧ طبع أوروبا سنة ١٣٠٨ هـ (٤) حاشية الشبراملي على شرح المنهاج ٧/ ١٧٤، والحسبة ص٤٠. (٥) الحسبة ص ٤٠، وتبصرة الحكام ٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨ - ٢٧٠ - تعزير ٢١ بالمال، وذلك في قوله: سئل مالك عن اللبن المغشوش أيراق؟ قال: لا، ولكن أرى أن يتصدق به، إذا كان هو الذي غشه. وقال في الزعفران والمسك المغشوش مثل ذلك، سواء كان ذلك قليلا أو كثيرا، وخالفه ابن القاسم في الكثير، وقال: يباع المسك والزعفران على مايغش به، ويتصدق بالثمن أدبا للغاش . وأفتى ابن القطان الأندلسي في الملاحف الرديئة النسج بأن تحرق. وأفتى ابن عتاب: بتقطيعها والصدقة بها خرقا . (١) وعند الحنابلة يحرم التعزير بأخذ المال أو إتلافه، لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عمن یقتدى به . وخالف ابن تيمية وابن القيم، فقالا : إن التعزير بالمال سائغ إتلافا وأخذاً. (٢) واستدلا لذلك بأقضية للرسول وصلة ، كإباحته سلب من يصطاد في حرم المدينة لمن يجده، وأمره بکسر دنان الخمر، وشق ظروفها، وأمره عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بحرق الثوبين المعصفرين، وتضعيفه الغرامة على من (١) تبصرة الحكام ص٤٦٨، والطرق الحكمية ص ٢٥٠ (٢) كشاف القناع ٤ /٧٤ - ٧٥، وشرح المنتهى على هامشه ص١١٠، والحسبة ص ٤٠، والأحكام السلطانية لأبي یعلی ص٢٩٥ سرق من غير حرز، وسارق مالا قطع فيه من الثمر والكثر، (١) وكاتم الضالة. ومنها أقضية الخلفاء الراشدين، مثل أمر عمر وعلي رضي الله عنهما بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر، وأخذ شطر مال مانع الزكاة، وأمر عمر بتحريق قصر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الذي بناه حتى يحتجب فيه عن الناس. وقد نفذ هذا الأمر محمد بن مسلمة رضي الله عنه. (٢) أنواع التعزير بالمال : التعزیر بالمال یکون بحبسه أو بإتلافه، أو بتغيير صورته، أو بتمليكه للغير . أ - حبس المال عن صاحبه : ٢١ - وهو أن يمسك القاضي شيئا من مال الجاني مدة زجرا له، ثم يعيده له عندما تظهر توبته، وليس معناه أخذه لبيت المال، لأنه لا يجوز أخذ مال إنسان بغير سبب شرعي يقتضي ذلك. (٣) وفسره على هذا الوجه أبويحيى الخوارزمي. ونظيره ما يفعل في خيول البغاة وسلاحهم، فإنها تحبس عنهم مدة وتعاد إليهم (١) الكثر معناه : الجمار أي قلب النخلة ويقال: الطلع. (٢) السندي ٧/ ٦٠٤، ٦٠٥/١، والبزازية ٤٥٧/٢، وابن عابدين ٣/ ١٨٤ (٣) فصول الأستروشني ص ٧ - ٨، والبزازية ٤٥٧/٢ - ٢٧١ - تعزير ٢٢ إذا تابوا. وصوب هذا الرأي الإِمام ظهير الدين التمرتاشي الخوارزمي . أما إذا صار ميئوسا من توبته، فإن للحاكم أن يصرف هذا المال فيما يرى فيه المصلحة. (١) ب - الإِتلاف: ٢٢ - قال ابن تيمية: إن المنكرات من الأعيان والصفات يجوز إتلاف محلها تبعا لها، فالأصنام صورها منكرة، فيجوز إتلاف مادتها، وآلات اللهو يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء، وبذلك أخذ مالك، وهو أشهر الروايتين عن أحمد. ومن هذا القبيل أيضا أوعية الخمر، يجوز تكسيرها وتحريقها، والمحل الذي يباع فيه الخمر يجوز تحريقه، واستدل لذلك بفعل عمر رضي الله عنه في تحريق محل يباع فيه الخمر، وقضاء علي رضي الله عنه بتحريق القرية التي کان یباع فيها الخمر، ولأن مكان البيع كالأوعية. وقال: إن هذا هو المشهور في مذهب أحمد، ومالك، وغيرهما. (٢) ومن هذا القبيل أيضا: إراقة عمر اللبن المخلوط بالماء للبيع. ومنه مايراه بعض الفقهاء من جواز إتلاف المغشوشات في الصناعات، كالثياب رديئة النسج، بتمزيقها (١) السندي ٢/ ٦٠٤، ٦٠٥/١، فصول الأستروشني ص٨ (٢) الحسبة ص١٤٣، والطرق الحكمية ص٢٤١، وتبصرة الحكام ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٤ وإحراقها، وتحريق عبدالله بن عمر رضي اللّه عنهما الثوبه المعصفر بأمر النبي مصر.(١) وقال ابن تيمية: إن هذا الإِتلاف للمحل الذي قامت به المعصية نظيره إتلاف المحل من الجسم الذي وقعت به المعصية، كقطع يد السارق. وهذا الإِتلاف ليس واجبا في كل حالة، فإذا لم يكن في المحل مفسد فإن إبقاءه جائز، إما له أو يتصدق به. وبناء على ذلك أفتى فريق من العلماء: بأن يتصدق بالطعام المغشوش. وفي هذا إتلاف له. وكره فريق الإِتلاف، وقالوا بالتصدق به، ومنهم مالك في رواية ابن القاسم، وهي المشهورة في المذهب. وقد استحسن مالك التصدق باللبن المغشوش، لأن في ذلك عقابا للجاني بإتلافه عليه، ونفعا للمساكين بالإِعطاء لهم. وقال مالك في الزعفران والمسك بمثل قوله في اللبن إذا غشهما الجاني. وقال ابن القاسم بذلك في القليل من تلك الأموال، لأن التصدق بالمغشوش في الكثير من هذه الأموال الثمينة تضيع به أموال عظيمة على أصحابها، فيعزرون في مثل تلك الأحوال بعقوبات أخرى. وعند البعض: أن مذهب مالك (١) حديث: ((تحريق عبدالله بن عمر لثوبه المعصفر)). أخرجه مسلم (٣/ ١٦٤٧ ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما . - ٢٧٢ - تعزير ٢٣ - ٢٤ التسوية بين القليل والكثير . وروى أشهب عن مالك منع العقوبات المالية، وأخذ بهذه الرواية كل من مطرف وابن الماجشون من فقهاء المذهب، وعندهما: أن من غش أو نقص من الوزن يعاقب بالضرب، والحبس، والإِخراج من السوق، وأن ما غُشّ من الخبز واللبن، أوغش من المسك والزعفران لا يفرق ولا ينهب. (١) جـ ـ التغيير: ٢٣ - من التعزير بالتغيير نهي (٢) النبي ◌َّصلّ عن كسر سكة المسلمين الجائزة بين المسلمين، کالدراهم والدنانیر ، إلا إذا کان بها بأس، فإذا كانت كذلك كسرت، وفعل الرسول وص# في التمثال الذي كان في بيته، (٣) والستر الذي به تماثيل، (٤) إذ قطع رأس التمثال فصار (١) الحسبة ص ٤٣ - ٤٦، والطرق الحكمية ص٢٤٧ - ٢٥٨، وتبصرة الحكام ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٤ (٢) حديث ((نهى النبي ◌ِّ عن كسر ... )) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه (٣٤٦/٦ ط السعادة) من حديث علقمة بن عبدالله المزني رضي الله عنه، وفي إسناده انقطاع . (٣) حديث: ((قطع رأس التمثال فصار كالشجرة)) أخرجه أبو داود (٤ /٣٨٨ تحقيق عزت عبيد دعاس)، والترمذي (١١٥/٥ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٤) حديث ((قطع الستر إلى وسادتين منتبذتين يوطان ... )) أخرجه أحمد (٢ /٣٠٨ ط الميمنية) من حديث أبي هريرة، وأخرجه الترمذي (١١٥/٥ - ط الحلبي) وقال: حسن صحیح. كالشجرة، وقطع الستر إلى وسادتين منتبذتين(١) يوطآن . ومن ذلك: تفكيك آلات اللهو، وتغيير الصور المصورة . د - التمليك : ٢٤ - من التعزير بالتمليك: قضاء الرسول اليه فيمن سرق من الثمر المعلق قبل أن يؤخذ إلى الجرين بجلدات نكال، وغرم ما أخذ مرتين، (٢) وفيمن سرق من الماشية قبل أن تؤوى إلى المراح بجلدات نكال، وغرم ذلك مرتين، (٣) وقضاء عمر رضي الله عنه بتضعيف الغرم على كاتم الضالة، وقد قال بذلك طائفة من العلماء، منهم: أحمد، وغيره، ومن ذلك إضعاف عمر وغيره الغرم في ناقة أعرابي أخذها مماليك جياع، إذ أضعف الغرم على سيدهم، ودرأ القطع. (٤) (١) منتبذتين: ملقاتين (٢) حديث ((قضاء الرسول # فيمن سرق من الثمر المعلق ... )) تقدم تخريجه . (٣) حديث: ((قضاء الرسول # فيمن سرق من الماشية قبل ... )) تقدم تخريجه . (٤) يراجع للتعزير بالمال عموما: الزيلعي ٢٠٨/٣، والسندي ٦٠٤/٧، ٦٠٥، وابن عابدين ١٨٤/٣، وفصول الأستروشني غن ٧ -٨، وفتاوى البزازية ٢ / ٤٥، ونهاية المحتاج شرح المنهاج ٧/ ١٧٤، والحسبة ص ٤٠، ٤٤، ٤٥، ٤٦، ٤٧، والطرق الحكمية ٢٤٧ - ٢٥٨، وكشاف القناع ٤/ ٧٤ - ٧٥، وشرح المنتهى على هامشه ص ١١٠ - ٢٧٣ - تعزیر ٢٥ - ٢٧ أنواع أخرى من التعزير : هناك أنواع أخرى من التعزير غير ما سبق . منها: الإِعلام المجرد، والإِحضار لمجلس القضاء، والتوبيخ والهجر. أ - الإِعلام المجرد : ٢٥ - الإِعلام: صورته أن يقول القاضي للجاني: بلغني أنك فعلت كذا وكذا، أو يبعث القاضي أمينه للجاني، ليقول له ذلك. وقد قيد البعض الإِعلام، بأن يكون مع النظر بوجه عابس . (١) ب - الإِحضار لمجلس القضاء : ٢٦ - قال الكاساني: إن هذا النوع من التعزير يكون بالإِعلام، والذهاب إلى باب القاضي، والخطاب بالمواجهة . وقال البعض: إنه يكون بالإِعلام، والجر لباب القاضي، والخصومة فيما نسب إلى الجاني . والفرق بين هذه العقوبة والإِعلام المجرد: أن في هذه العقوبة يؤخذ الجاني إلى القاضي زيادة عن الإعلام، وذلك ليخاطبه في المواجهة . (١) الكاساني ٦٤/٧، والزيلعي ٢٠٨/٣، والجوهرة ٢٥٤/٢، والفتاوى الهندية ١٨٨/٢، ودرر الحكام ٧٥/٢. وبناء على ما ذكره الكمال بن الهمام: تتميز هذه عن الإِعلام المجرد بالخصومة فيما نسب إلى الجاني . وكثيرا ما يلجأ القاضي لهذين النوعين أو لواحد منهما إذا كان الجاني قد ارتكب الجريمة على سبيل الزلة والندور ابتداء، إذا كان ذلك زاجرا، على شريطة كون الجريمة غير جسيمة . (١) جـ - التوبيخ : مشروعية التوبيخ : ٢٧ - التعزير بالتوبيخ مشروع باتفاق الفقهاء، فقد روى أبو ذر رضي الله عنه: أنه سابٌ رجلا فعيّرّه بأمه، فقال الرسول الر: ((يا أبا ذر، أعيرته بأمه !! إنك امرؤ فيك جاهلية)). (٢) وقال الرسول وَّل: (٣) (لَيُّ الواجد يُحِل عرضه وعقوبته)). (٤) وقد فسر النيل من العرض (١) يراجع في الإعلام والإِحضار عموما: الكاساني ٧/ ٦٤، والزيلعي ٢٠٨/٣، والجوهرة ٢٥٤/٢، ودرر الحكام ٢/ ٧٥، وفتح القدير ١١٣/٥، وابن عابدين ١٨٣/٣ - ١٨٤ - ١٩٧، والسندي ٧/ ٦٦٣، والفتاوى الهندية ١٨٨/٢ ، وقاضیخان ٢/ ٤٩٣ - ٤٩٤ (٢) حديث ((يا أباذر، أعيرته بأمه؟ .... )) أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٨٤ - ط السلفية). (٣) ليّ الواجد : مطله. (٤) حديث (( ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته)). أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٢ ط اليمنية) وقال ابن حجر في الفتح (٦٢/٥ ط السلفية) إسناده حسن . - ٢٧٤ - تعزیر ٢٧ - ٢٩ بأن يقال له مثلا: ياظالم، يامعتد. وهذا نوع من التعزير بالقول. وقد جاء في تبصرة الحكام لابن فرحون: وأما التعزير بالقول فدليله ما ثبت في سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله وسل ◌ّ أتي برجل قد شرب فقال: ((اضربوه)) فقال أبو هريرة: فمِنّا الضارب بيده، ومنا الضارب بنعله، والضارب بثوبه. وفي رواية بإسناده: ثم قال رسول الله وم ﴾ لأصحابه ((بَكِّتوه)) فأقبلوا عليه يقولون: ما اتقيتَ الله، ما خشيتَ الله، ما استحييتَ من رسول الله وَ الر وهذا التبكيت من التعزير بالقول. (١) وقد عزر عمر رضي الله عنه بالتوبيخ. فقد روي عنه أنه أنفذ جیشا فغنموا غنائم، فلما رجعوا لبسوا الحرير والديباج، فلما رآهم تغير وجهه، وأعرض عنهم، فقالوا: أعرضتَ عنا، فقال: انزعوا ثياب أهل النار، فنزعوا ما كانوا (١) حديث ((بكتوه)). وقال في آخره: ((ولكن قولوا: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه)). أخرجه أبو داود (٤/ ٦٢٠ - ٦٢١ تحقيق عزت عبيد دعاس)، وإسناده حسن، والحديث لفظه في نيل الأوطار: عن أبي هريرة قال: ((أتي النبي ◌ِلّ برجل قد شرب، فقال: اضربوه فقال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله قال: لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان)) رواه أحمد والبخاري وأبو داود. (نيل الأوطار ٧/ ١٤٦) وراجع تبصرة الحكام ٢٠٠/٢، وكشاف القناع ٧٤/٤، والشرح الكبير ٤٥٨/٤، والفتاوى ١٦٧/١، ومغني المحتاج ٤/ ١٩٢ يلبسون من الحرير والديباج. وذلك فيه تعزیر لهم بالإِعراض عنهم، وفيه توبيخ لهم. (١) كيفية التوبيخ : ٢٨ - التوبيخ قد يكون بإعراض القاضي عن الجاني، أوبالنظر له بوجه عبوس، وقد يكون بإقامة الجاني من مجلس القضاء، وقد يكون بالكلام العنيف، ويكون بزواجر الكلام وغاية الاستخفاف، على شريطة أن لا يكون فيه قذف، ومنع البعض ما فيه السب أيضا. (٢) د - الهجر : ٢٩ - الهجر معناه: مقاطعة الجاني، والامتناع عن الاتصال به، أو معاملته بأي نوع، أو أية طريقة كانت. وهو مشروع بدليل قوله تعالى : ﴿واللاتي تخافونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في (١) فصول الأستروشني ص١٤، والكاساني ٧/ ٦٤ (٢) يراجع للتوبيخ: الكاساني ٧/ ٦٤، والزيلعي ٢٠٨/٣، ودرر الحكام ٢/ ٧٥، واللباب للميداني ٣/ ٦٥، والسندي ٧/ ٦٠٤، وفصول الأستروشني ص١٤، والأنقروية ١٥٨/١، والهندية ١٨٨/٢، وتبصرة الحكام ٢٠٠/٢، ونهاية المحتاج ١٧٤/٧، والأحكام السلطانية للماوردي ص٢٢٤، وكشاف القناع ٧٤/٤، والشرح الكبير ٤٥٨/٤، والحسبة ص٣٨، والسياسة الشرعية ص٥٣ - ٢٧٥ - تعزير ٣٠ - ٣٣ المضَاجِعِ﴾(١) وقد هجر النبي # أصحابه الثلاثة الذين تخلفوا عنه في غزوة تبوك. وعاقب عمر صبيغا بالهجر لما نفاه إلى البصرة، وأمر ألا يجالسه أحد. وهذا منه عقوبة بالهجر. (٢) الجرائم التي شرع فيها التعزير : ٣٠ - الجرائم التي شرع فيها التعزير قد تكون من قبيل ما شرع في جنسه عقوبة مقدرة من حد أو قصاص، لكن هذه العقوبة لا تطبق، لعدم توافر شرائط تطبيقها، ومنها ما فيه عقوبة مقدرة، ولكن هذه العقوبة لا تطبق عليها لمانع، كوجود شبهة تستوجب درء الحد، أو عفو صاحب الحق عن طلبه . وقد تكون الجرائم التعزيرية غير ما ذكر فيكون فيها التعزير أصلا. ويدخل في هذا القسم ما لا يدخل في سابقه من جرائم . وفیما یلی تفصيل ذلك . الجرائم التي يشرع فيها التعزير بديلا عن الحدود : جرائم الاعتداء على النفس، ومادونها : ٣١ - يدخل في هذا الموضوع: الكلام في جرائم (١) سورة النساء/ ٣٤ (٢) يراجع في الهجر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢٨١/٨ - ٢٨٨، وأقضية الرسول ص٥، والحسبة ص ٤٠، والسياسة الشرعية ص٥٣ الاعتداء على النفس، وهي التي يترتب عليها إزهاق الروح، والكلام في جرائم الاعتداء على ما دون النفس وهي التي تقع على البدن دون أن تؤدي لإِزهاق الروح: جرائم القتل (الجناية على النفس): القتل العمد: ٣٢ - القتل العمد العدوان موجبه القصاص، ويجب لذلك توافر شروط، أهمها: كون القاتل قد تعمد تعمدا محضا ليس فيه شبهة، وكونه مختارا، ومباشرا للقتل، وألا يكون المقتول جزء القاتل، وأن يكون معصوم الدم مطلقا. وفضلا عن ذلك يجب للقصاص: أن يطلب من ولي الدم.(١) فإذا اختل شرط من هذه الشروط امتنع القصاص، وفيه التعزير. وفي ذلك خلاف وتفصيل ينظر في (قتل - قصاص). القتل شبه العمد : ٣٣ - قال البهوتي، نقلا عن (المبدع): قد يقال بوجوب التعزير في القتل شبه العمد، لأن الكفارة حق لله تعالى وليست لأجل الفعل، بل بدل النفس الفائتة، فأما نفس الفعل المحرم - الذي هو الجناية - فلا كفارة فيه . (١) الكاساني ٧/ ٢٣٤ - ٢٧٦ - تعزير ٣٤ - ٣٦ ٣٤ - ومن الأصول الثابتة عند الحنفية: أن مالا قصاص فيه عندهم كالقتل بالمثقل (وهو القتل بمثل الحجر الكبير أو الخشبة العظيمة) يجوز للإِمام أن يعزر فيه بما يصل للقتل، إذا تكرر ارتكابه، مادامت فيه مصلحة. وبناء على هذا الأصل قالوا بالتعزير بالقتل لمن يتكرر منه الخنق، أو التغريق، أو الإِلقاء من مكان مرتفع، إذا لم يندفع فساده إلا بالقتل. (١) الاعتداء على مادون النفس : ٣٥ - إذا كانت الجناية على مادون النفس عمدا فيشترط للقصاص فضلا عن شروطه في النفس: المماثلة، وإمكان استيفاء المثل. (٢) ويرى مالك التعزير أيضا فى الجناية العمد على مادون النفس، إذا سقط القصاص، أو امتنع لسبب أو لآخر، فيكون في الجريمة التعزير مع الدية، أو الأرش، أو بدونه، نبعا للأحوال. ومثال ذلك أن تكون الجناية على عظم خطر. إذ العظام الخطرة لا قصاص فيها عنده، مثل عظام الصلب، والفخد، والعنق، ومثل المنقلة، والمأمومة، ويقال ذلك أيضا في الجائفة، (١) الكاساني ٧/ ٢٣٤، وابن عابدين ١٨٤/٣ - ١٨٥، وكشاف القناع ٤/ ٧٣، والسياسة الشرعية ص٥٥ (٢) تبصرة الحكام على هامش فتح العلي المالك ٢/ ٣٦٦ - ٣٦٧، ومواهب الجليل ٦/ ٢٤٧ لأنه لا يستطاع فيها القصاص، (١) وفي كل ماذهبت منفعته بالجناية مع بقائه قائما في الجسم، وبقاء جماله، فإذا ضربه على عينه فذهب بصرها، وبقي جمالها فلا قود فيها. ومثل ذلك اليد إذا شلت ولم تبن عن الجسم، ففي هذه ومايماثلها يعزر الجاني مع أخذ العقل منه (أي الدية). (٢) وإذا لم يترك الاعتداء على الجسم أثرا: فأغلب الفقهاء على أن في ذلك التعزير، لا القصاص. ولدى بعض المالكية القصاص في ضربة السوط، ولو لم يحدث جرحا ولا شجة، مع أنه لا قصاص عندهم في اللطمة، وضربة العصا، إلا إذا خلفت جرحا أو شجة . وروي عن مالك: أن ضربة السوط في ذلك كاللطمة فيه الأدب، ونقل ذلك ابن عرفة عن أشهب. ويرى ابن القيم وبعض الحنابلة: القصاص في اللطمة والضربة. (٣) الزنى الذي لا حد فيه، ومقدماته : ٣٦ - الزنى إذا توافرت الشرائط الشرعية لثبوته (١) مواهب الجليل ٦/ ٢٤٧، والتاج والإكليل على هامشه، والمدونة ١١٢/١٦ (٢) مواهب الجليل ٦/ ٢٤٧ - ٢٤٩ (٣) الكاساني ٧/ ٢٩٩، ومعين الحكام ص١٧٧، ومواهب الجليل ٦/ ٢٤٧، وكشاف القناع ٧٢/٤ - ٧٣، وإعلام الموقعين ٢/ ٢ - ٢٧٧ - تعزير ٣٦ فإن فيه حد الزنى، أما إذا لم يطبق الحد المقدر لوجود شبهة، (١) أو لعدم توافر شريطة من الشرائط الشرعية لثبوت الحد، فإن الفعل يكون جريمة شرع الحكم فيها - أو في جنسها - لكنه لم يطبق. وكل جريمة لا حد فيها ولا قصاص ففيها التعزير. . وبناء على ذلك: إذا كانت هناك شبهة تدرأ الحد، سواء كانت شبهة فعل، (٢) أو شبهة ملك، أو شبهة عقد، فإن الحد لا يطبق. لكن الجاني يعزر، لأنه ارتكب جريمة ليست فيها عقوبة مقدرة. وتعرف الشبهة بأنها : ما يشبه الثابت ولیس بثابت. أو: هي وجود المبيح صورة، مع عدم حکمه أو حقيقته، وتفصيل ذلك في (اشتباه). وإذا كانت المزني بها ميتة ففي هذا الفعل التعزير، لانه لا يعتبر زنى، إذ حياة المزني بها شريطة في الحد. وإذا لم يكن الفعل من رجل فلا يقام الحد، (١) درء الحد بالشبهة أساسه حديث ((ادرؤوا الحدود بالشبهات، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإِمام أن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة)). وقد أخذ الجمهور بهذا الحديث في إثبات الشبهة . والحديث المذكور رواه الترمذي قريبا من لفظه، وذكر أنه روي موقوفا، وأن الوقف اصح، وقال: إنه قد روي عن غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم أنهم قالوا مثل ذلك (نيل الأوطار ٧/ ١١٠ - ١١١). (٢) السرخسي ٩/ ١٥١، والكاساني ٧/ ٤٢ - ٤٥، ٢٣٥ بل التعزير. ومن ذلك: المساحقة. وإذا لم يكن الفعل في قبل امرأة فأبو حنيفة على عدم الحد، لكن فيه التعزير. ومن ذلك أن يكون الفعل في الدبر. وهو قول للشافعية . والقول بالقتل على كل حال مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو قول آخر للشافعية، والمذهب عند الشافعية: أنه زنی، وفيه الحد . وقال قوم : أن اللواط زنی، وفيه حد الزنى . ومن هؤلاء: مالك، وهو المشهور لدى الشافعي، وهو رأي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة. واختلفت الرواية عن أحمد: فقد روي عنه أن فيه حد الزنى. وإذا كان الفعل في زوجة الفاعل فلا حد فيه بالإجماع. والجمهور على أنه يستوجب التعزير. ومما يستوجب التعزير في هذا المجال كل ما دون الوقاع من أفعال، كالوطء فيما دون الفرج، ويستوي فيه المسلم، والكافر، والمحصَن، وغيره. ومنه أيضا: إصابة كل محرم من المرأة غير الجماع. وعناق الأجنبية، أو تقبيلها . ومما فيه التعزير كذلك: كشف العورة لآخر، وخداع النساء، والقيادة، وهي : الجمع بين الرجال والنساء للزنى، وبين الرجال والرجال للواط . (١) (١) يراجع في التعزير في مجال الزنى وما يتعلق به : = - ٢٧٨ - تعزير ٣٧ القذف الذي لا حد فيه والسب : ٣٧ - حد القذف لا يقام على القاذف إلا بشرائطه، فإذا انعدم واحد منها أو اختل فإن الجاني لا يجد. ويعزر عند طلب المقذوف، لأنه ارتكب معصية لا حد فيها. ومن شروط القذف الذي فيه الحد: كون المقذوف محصنا. (١) فإذا لم يكن كذلك فلا يجد القاذف، ولكن يعزر. ومن ذلك أن يقذف مجنونا بالزنى. أو صغيرا بالزنى. أو مسلمة قد زنت. أو مسلما قد زنى، أو من معها أولاد لا يعرف لهم أب، وذلك لعدم العفة في هذه الثلاثة الأخيرة. ومنہا کون المقذوف معلوما، فإن لم یکن كذلك فلا حد، بل التعزير، لأن الفعل معصية لا حد فيها. وبناء على ذلك يعزر - ولا يجد ۔ من قذف بالزنى جد آخر دون بيان الجد. أو · = السرخسي ٩/ ٧٧، ٧٩، ٨٥، ٨٨ و٢٤/ ٣٦، والكاساني ٣٤/٧ - ٣٥، وفتح القدير ١٤٢/٤، ١٤٧، ١٧٩/٤ - ١٨٠، واللباب للميداني ٥٨/٣ - ٥٩، والجوهرة ١٤٨، ١٥٠، وشرح الكنز للعيني ٢٢٥/١ - ٢٢٦، والزيلعي ٢٤٥/٢، ومختصر القدوري ص ١٦٠، والأشباه والنظائر ١/ ١٠٠، والخراج لأبي يوسف ص٦٦، والفتاوى الهندية ٢/ ١٥٧، وعدة أرباب الفتوی ص٧٨، وواقعات المفتين ص٥٩، والفتاوى الأسعدية ١٥٩/١، والفتاوى الأنقروية ١٥٩/١، والمدونة ٥٢/١٦،,، ١٣، ٥٨، والماوردي ص٢١٢ - ٢١٤، والمغني ٥١/١٠ - ٥٤، ١٦. (١) من شرائط الإِحصان في القذف لدى الجمهور: العقل والبلوغ والحرية والإِسلام والعفة عن الزنى (الكاساني ٧/ ٤٠، والمغني ١٠/ ٢٠٢). أخاه کذلك، وکان له أکثر من أخ. ولا حد في القذف بغير الصريح، ومن ذلك: القذف بالكناية، أو التعريض، فليس فيه عند الحنفية حد، بل التعزير، وكذلك عند الشافعية. ويرى مالك: الحد في القذف بالتعريض أو الكناية . والذين منعوا الحد قالوا بالتعزير، لأن الفعل یکون جريمة لا حد فيها . ولا حدّ إذا رماه بألفاظ لا تفيد الزنى صراحة. كقوله: يافاجر، بل يعزر. وكذلك الشأن إذا رماه بما لا يعتبر زنى، کمن رمی آخر بالتخنث. ويعزر كذلك عند أبي حنيفة من يرمي آخر بأنه يعمل عمل قوم لوط، لأن هذا الفعل لا یوجب حد الزنی عنده. أما مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد فإنهم یقولون بالحد، ومن ثم فلا تعزیر في ذلك، بل فیه حد القذف عند هؤلاء. ومرد الخلاف: هو في أن اللواط هل هوزنی أم لا؟ . فمن قالوا : بأنه زنى، جعلوا في القذف به حد القذف. ومن قالوا: بغير ذلك، جعلوا في القذف به التعزير. ومن قذف آخر قذفا مقيدا بشرط أو أجل يعزر ولا يجد. وإذا لم يكن القول قذفا، بل مجرد سب أو شتم فإنه يكون معصية لا حد فيها، ففيها التعزير. ومن ذلك قوله: يانصراني، أو - ٢٧٩ - تعزير ٣٧ - ٤٠ يازنديق، أو ياكافر، في حين أنه مسلم. وكذلك من قال لآخر: يامخنث، أويامنافق، مادام المجني علیه غير متصف بذلك. ويعزر كذلك في مثل: يا آكل الربا، أو ياشارب الخمر، أو ياخائن، أو ياسارق، وكله بشرط كون المجني . علیه غیر معروف بما نسب إليه. وكذلك من قال لآخر: یابلید، أو یاقذر، أویاسفيه، أو ياظالم، أو ياأعور، وهو صحيح، أو يامقعد، وهو صحيح كذلك على سبيل الشتم. وعلى وجه العموم يعزر من شتم آخر، مهما كان الشتم، لأنه معصية . ويرجع في تحديد الفعل الموجب للتعزير إلى العرف، فإذا لم يكن الفعل المنسوب للمجني عليه مما يلحق به في العرف العار والأذى والشين، فلا عقاب على الجاني، إذ لا يكون ثمة جريمة . (١) (١) يراجع في القذف والسب الذي فيه التعزير: السرخسي ١٠٢/١٩، ١١٨، ١٢٠ و٣٦/١٤ -٣٧، والسزيلعي ٢٠٨/٣ - ٢٠٩، والشلبي عليه، والعيني ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥، والكاساني ٤٢/٧ - ٤٦، وفتح القدير ٢٠٣/٤ - ٢٠٦، ٢١١ - ٢١٤، واللباب ٦٤/٣، ٦٦، والجامع الصغير ص٦٩، ومختصر القدوري ص١١١، والجوهرة ٢٥٣/٢، ودرر الحكام ٢/ ٩٦ - ٩٨، والفتاوى الأسعدية ١٥٧ - ١٥٩، والفتاوى الهندية ١٥٥/٢ - ١٥٦، وقاضيخان ٤٩٣/٣، والأنقروية ١٩٨/١ - ١٥٩، وكذلك المدونة ٣/١٦، ١٤، ١٧، ٢٢، ٢٤، ٣٢، ٣٤، ٣٨، وكذلك الماوردي ص٢١٧ - ٢١٨، والمغني ١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٣، ٢٢٥ السرقة التي لا حد فيها : ٣٨ - السرقة من جرائم الحدود ما دامت قد استوفت شروطها الشرعية، وأهمها: الخفية. وكون موضوع السرقة مالا ، مملوكا لغير السارق، محرزا، نصابا. فإذا تخلف شرط من شروط الحد فلا يقام، ولكن يعزر الفاعل، لأنه ارتكب جريمة ليس فيها حد مقدر. وتفصيل ذلك في مصطلح: (سرقة). قطع الطريق الذي لا حد فيه : ٣٩ - قطع الطريق كغيره من جرائم الحدود، يجب لكي يكون فيه الحد أن تتوافر شروط معينة، وإلا فلا يقام الحد، ويعزر الجاني ما دام قد ارتکب معصیة لا حد فیھا. ومن الشروط: أن يكون الجاني بالغا، ذكرا، وأن يكون المجني عليه مسلما، أوذميا، وأن تکون یده علی المال صحيحة، وأن لا يكون في القطّاع ذورحم محرم لأحد المقطوع عليه، وأن يكون المقطوع فيه مالاً متقوماً معصوماً مملوكاً، لا ملك فيه للقاطع، ولا شبهة ملك، محرزاً، نصاباً، وأن يكون قطع الطريق في غير المصر. وتفصيل ذلك في (حرابة). الجرائم التي موجبها الأصلي التعزير: بعض الجرائم التي تقع على آحاد الناس : شهادة الزور : ٤٠ - حرم قول الزور في القرآن الكريم بقوله - ٢٨٠ -