النص المفهرس

صفحات 241-260

تعدیل ٣ - ٥
الحكم التكليفي :
أ - تعديل الشهود :
٣ - ذهب الشافعية، والحنابلة، والمالكية
وأبويوسف، ومحمد إلى أنه: يجب على
القاضي أن يطلب تعديل الشهود إذا لم يعلم
عدالتهم، سواء أطعن الخصم أم لم يطعن،
ولا يجوز له قبول شهادتهم بغير تعديل. (١)
وقال أبو حنيفة : يقبل الحاكم شهادة الشاهد
المسلم الظاهر العدالة، ولا يسأل عن حال
الشهود حتى يطعن الخصم، لقول النبي عليه
الصلاة والسلام: ((المسلمون عدول بعضهم
على بعض، إلا محدودا في فرية)). (٢)
واستثنى من هذا شهود الحدود، والقصاص
فيشترط عنده الاستقصاء، لأن الحدود تدرأ
بالشبهات . (٣)
وفي تعديل الشهود ورواة الحديث تفصيلات
وخلاف تنظر في (تزكية).
ب - تعديل الأركان في الصلاة :
٤ - اتفق الفقهاء: على وجوب تعديل الأركان
(١) روضة الطالبين ١٦٦/١١ - ١٦٧، ومعين الحكام ص
١٠٥، وابن عابدين ٣٧٢/٤، ومواهب الجليل ٦/ ١٥١،
وكشاف القناع ٣٤٨/٦
(٢) حديث: ((المسلمون عدول بعضهم على بعض ... ))
أخرجه ابن أبي شيبة (١٧٢/٦ - ط الدار السلفية - بمبي)
من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، وإسناده
حسن.
(٣) فتح القدير ٦/ ٤٥٧، وابن عابدين ٣٧٢/٤، ومعين
الحكام ص ١٠٥
في الصلاة، بمعنى الطمأنينة فيها، من ركوع،
وسجود وجلوس بين السجدتين واعتدال من
الركوع، إلا أن الحنفية قالوا بالوجوب دون
الفرضية، على اصطلاحهم - بمعنى : أنه یأثم
بترك الواجب عمدا، وتجب إعادة الصلاة،
لرفع الإِثم مع صحتها - دون الفرص.
وقال الجمهور: إن التعديل في المذكورات
واجب، بمعنى : أنه فرض وركن، تبطل
الصلاة بتركه، عمدا أو سهوا . (١)
ودليل المسألة حديث المسيء صلاته
المعروف. (٢)
جـ ـ قسمة التعديل :
٥ - وهي: أن تقسم العين المشتركة باعتبار
القيمة، لا بعدد الأجزاء، كأرض مثلا تختلف
قيمة أجزائها باختلافها في قوة الإِنبات، أو
القرب من الماء، أو بسقي بعضها بالنهر،
وبعضها بالناضح أو بغير ذلك.
فيكون ثلثها مثلا يساوي بالقيمة ثلثيها،
فتقسم قسمة التعديل. فيجعل الثلث سهماً
والثلثان سهما، إلحاقا للتساوي بالقيمة
(١) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي (١٣٥ و١٣٦)،
ومواهب الجليل ١٢٥/١، ومغني المحتاج ١٦٣/١
ومابعدها، والمغني ٥٠٨/١
(٢) حديث ((المسيء صلاته ... )) أخرجه البخاري (الفتح
٩٩/٣ - ط السلفية) ومسلم (٤٠٣/١ - ط الحلبي).
- ٢٤١ -

تعديل ٦، تعذيب ١ - ٢
بالتساوي في الأجزاء. وينظر التفصيل في
مصطلح : (قسمة).
د - التعديل في دم جزاء الصيد في المناسك:
٦ - ذهب جمهور الفقهاء: إلى أن جزاء الصيد
المثلي على التخيير والتعديل، فيجوز فيه
العدول عن المثل إلى قيمة المثل، أو قيمة
الصید، على اختلاف بينهم في ذلك، يرجع
إلى موطنه .
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين
آمنوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾(١)، أما غير
المثلي من الصيد فيتصدق بقيمته طعاما، أو
يصوم عن كل مُدّ يوما. (٢)
أما باقي الدماء الواجبة بترك واجب، أو
ارتكاب منهي، ففي جواز التعديل فيها خلاف
بين الفقهاء، وتفصيله في (إحرام).
(١) سورة المائدة / ٩٥
(٢) ابن عابدين ٢١٤/٢ و٢١٥، والقوانين الفقهية ٩٣،
ومغني المحتاج ٥٢٩/١، والمغني ٥١٩/٣
تعذيب
التعريف :
١ - التعذيب: مصدر عذب، يقال: عذبه
تعذيبا: إذا منعه، وفطمه عن الأمر. قال ابن
فارس: أصل العذاب الضرب، ثم استعير
ذلك في کل شدة، يقال منه: عذب تعذيبا.
والعذاب: اسم بمعنى النكال والعقوبة. (١)
ومنه قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لها العذابُ
ضِعْفَيْنِ﴾.(٢)
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن ذلك.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - التعزير :
٢ - التعزير: تفعيل من العزر، بمعنى: المنع
والإِجبار على الأمر، وأصله النصرة
والتعظيم. (٣)
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٩٢/١، ولسان العرب،
والمصباح المنير مادة: ((عذب))، ومعجم مقاييس اللغة
لابن فارس ٤/ ٢٦٠
(٢) سورة الأحزاب/ ٣٠
(٣) القاموس والمصباح مادة: ((عزر)).
- ٢٤٢ -

تعذیب ٣ - ٥
وفي اصطلاح الفقهاء: عبارة عن التأديب
دون الحد. وكل ماليس فيه حد مقدر شرعا
فموجبه التعزير.
والتعذیب أعم من التعزیر من وجه، لأن
التعزير لا يكون إلا بحق شرعي، بخلاف
التعذیب. فقد یکون ظلما وعدوانا.
والتعزير أعم من حيث ما یکون به التعزير.
ب - التأديب :
٣ - التأديب مصدر أدب، مضعفا، وثلاثيه:
أدب، من باب ضرب، يقال: أدبته أدبا، أي
علمته رياضة النفس، ومحاسن الأخلاق.
ويقال: أدبته تأديبا مبالغة وتكثيراً: أي عاقبته
على إساءته، لأن التأديب سبب يدعو إلى
حقيقة الأدب . (١)
والنسبة بين التعذيب والتأديب: عموم
وخصوص من وجه، يجتمعان في التعزير، لأن
فیه تعذيبا وتأديبا .
ويفترق التعذيب عن التأديب في التعذيب
الممنوع شرعا، فإنه تعذیب، ولیس تأديبا،
ويفترق التأديب عن التعذيب في التأديب
بالكلام والنصح من غیر ضرب، فإنه تأدیب ولا
يطلق عليه تعذيب.
جـ - التمثيل :
٤ - التمثيل: مصدر مثل. وأصله الثلاثي:
(١) لسان العرب المحيط، والمصباح المنير مادة: ((أدب)).
مثل، يقال: مثّلت بالقتیل: إذا جدعته،
وظهرت آثار فعلك عليه تنكيلا. والتشديد
مبالغة، والاسم المثلة - وزان غرفة - والمثلة -
بفتح الميم وضم الثاء: العقوبة .(١)
والنسبة بين التعذيب والتمثيل، عموم
وخصوص مطلق. فالتعذيب أعم من التمثيل،
فکل تمثیل تعذیب، ولیس کل تعذیب تمثيلا.
ولا فرق في ذلك بين الحي والميت، لأن الآثار
تدل: على أن الميت يتأذى بما يتأذى به الحي .
الحكم التكليفي :
٥ - يختلف حكم التعذيب باختلاف الأحوال
والأسباب. والدواعي للتعذيب بعضها يرجع
إلى قصد المعذب، سواء أكان بالطريق المباشر،
أم غير المباشر.
التعذيب في الأصل ممنوع شرعا، لقول
النبي ◌ّل: ((إن الله يعذب يوم القيامة الذين
يعذبون الناس في الدنيا». (٢)
وجمهور الفقهاء على أن الذي يتولى
القصاص فيما دون النفس: هو الإِمام، ولیس
للأولياء ذلك، لأنه لا يؤمن منهم التجاوز، أو
التعذيب. وأما في النفس، فالحنابلة اشترطوا
(١) المصباح المنير والمغرب في ترتيب المعرب، وتهذيب الأسماء
واللغات والمنجد في اللغة مادة: ((مثل)) ومعجم الفقه
الحنبلي ٢ / ٨٧٤
(٢) حديث: ((إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا)).
أخرجه مسلم (٤/ ٢٠١٧ ط الحلبي) في حديث هشام بن
حکیم بن حزام.
- ٢٤٣ -

تعذیب ٦ - ٧
حضور الإِمام، أو نائبه، للاحتراز عن
التعذيب . (١)
أنواع التعذيب :
٦ - ينقسم التعذيب إلى قسمين :
الأول: تعذيب الإِنسان. الثاني: تعذيب
الحيوان .
وكل منهما ينقسم: إلى مشروع، وغير
مشروع، فالأقسام ربعة وهي :
(١) التعذيب المشروع للإِنسان.
(٢) التعذيب غير المشروع للإِنسان.
(٣) التعذيب المشروع للحيوان
(٤) التعذيب غير المشروع للحيوان
٧ - أما الأول: فهو التعذيب الذي أمربه
الشارع على وجه الفرضية، كالحدود،
والقصاص، والتعزيرات بأنواعها. أو على وجه
الندب: كتأديب الأولاد. أو على وجه
الإِباحة، كالكي في التداوي، إذا تعين علاجا
فإنه مباح. وإذا لم تكن الحاجة لأجل التداوي
فإنه حرام، لأنه تعذيب بالنار، ولا يعذب بالنار
إلا خالقها .(٢)
ومن المشروع رمي الأعداء بالنار ولو حصل
(١) البدائع ٢٤٢/٧، ونهاية المحتاج ٣٨٦/٧، والدسوقي
٤/ ٣٥٩، والبحر الرائق ٣٣٩/٨
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٨٨/٦، والمغني لابن قدامة
١٧٦/١، ونيل الأوطار ٢١٢/٨، ٢١٥، ونهاية المحتاج
٣٠/٨
تعذيبهم بها، وذلك عند عدم إمكان أخذهم
بغير التحريق، لأن الصحابة والتابعين فعلوا
ذلك في غزواتهم، وأما تعذيبهم بالنار بعد
القدرة عليهم فلا يجوز، لما روى حمزة الأسلمي
رضي الله عنه أن رسول الله والقر أمره على سرية
وقال له: ((إن وجدتم فلانا فاحرقوه بالنار))
فوليت فناداني، فرجعت إليه فقال: ((إن وجدتم
فلانا فاقتلوه، ولا تحرقوه، فإنه لا يعذب بالنار
إلا رب النار)) (١)
وتفصيل ذلك في مصطلح (إحراق ٢ / ١٢٥)
ومن أنواع التعذيب المشروع: ضرب الأب
أو الأم ولدهما تأديبا، وكذلك الوصي، أو المعلم
بإذن الأب تعلیما .
وذكر في القنية :
له إكراه طفله على تعلم القرآن، والأدب،
والعلم، لفرضيته على الوالدين، وله ضرب
اليتيم فيما يضرب ولده، والأم كالأب في
التعليم، بخلاف التأديب، فإنه لومات الصبي
بضرب الأم تأديبا فعليها الضمان .
ومما يذكر: أن ضرب التأديب مقید بوصف
السلامة، ومحله في الضرب المعتاد، كما وكيفا
ومحلا، فلوضربه على الوجه أو على المذاكير
(١) حديث: ((إن وجدتم فلانا فأحرقوه بالنار)) أخرجه
أبو داود (١٢٤/٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وصححه
ابن حجر في الفتح (١٤٩/٦ - ط السلفية).
- ٢٤٤ -

تعذيب ٨ - ٩
يجب الضمان بلا خلاف، ولو سوطا واحدا، لأنه
إتلاف. (١)
ومن التعذيب المشروع للإِنسان ثقب أذن
الطفل من البنات، لأن الصحابة كانوا يفعلونه
في زمن رسول الله ێ، من غیر نکیر.
تعذيب المتهم :
٨ - قسم الفقهاء المتهم بسرقة ونحوها إلى ثلاثة
أقسام :
إما أن يكون المتهم معروفا بالصلاح، فلا
تجوز عقوبته اتفاقا .
وإما أن يكون المتهم مجهول الحال لا يعرف
ببر ولا فجور، فهذا يحبس حتی ینکشف حاله،
وهذا عند جمهور الفقهاء. والمنصوص عليه عند
أكثر الأئمة : أنه يحبسه القاضي والوالي، لما روى
أبو داود في سننه، وأحمد، مں حدیث بهز بن
حكيم. عن أبيه، عن جده: ((أن النبي ◌ِّ
حَبَس في تهمة)). (٢)
وإما أن يكون المتهم معروفا بالفجور،
كالسرقة، وقطع الطريق، والقتل، ونحو ذلك،
فيجوز حبسه وضربه، كما أمر النبي ◌ّ الزبير
رضي الله عنه، بتعذيب المتهم الذي غيب ماله
حتى أقر به. (٣) وقال ابن تيمية: ما علمت
(١) ابن عابدين ٣٦٣/٥
(٢) حديث: ((حبس النبي 18 في تهمة)) أخرجه الترمذي
(٢٨/٣ - ط الحلبي) وقال: حديث حسن.
(٣) حديث : أمر النبي _ الزبير بتعذيب المتهم الذي غيب=
أحدا من أئمة المسلمين يقول: إن المدعى عليه
في جميع هذه الدعاوي يحلف، ويرسل بلا
حبس، ولا غيره. وقال البجيرمي : والظاهر أن
الضرب حرام في الشقين، أي سواء كان ضرب
ليُقِر، أو ليَصْدق، خلافا لما توهم حِلّه إذا ضرب
ليصدق .
وقال ابن تيمية : واختلفوا فيه : هل الذي
يضربه الوالي دون القاضي، أو كلاهما؟ أو
لا يسوغ ضربه، على ثلاثة أقوال:
أحدها : أنه يضربه الوالي والقاضي، وهذا
قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد، منهم
أشهب بن عبدالعزيز، فإنه قال: يمتحن
بالحبس والضرب، ويضرب بالسوط مجردا .
القول الثاني : أنه يضربه الوالي دون
القاضي، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي،
وأحمد .
القول الثالث : أنه يحبس ولا يضرب، وهذا
قول أصبغ، ثم قالت طائفة، منهم عمر بن
عبدالعزيز، ومطرف، وابن الماجشون: إنه
یحبس حتی یموت .(١)
٩ - أما النوع الثاني: وهو التعذيب غير المشروع
= ماله. أورده ابن عابدين في حاشيته (١٩٥/٣). ولم نجده
فيما بين أيدينا من كتب السنة.
(١) المبسوط ١٩٥/٩ و٥١/٢٤، ٧٠، وابن عابدين
١٩٥/٣، والمدونة ٢٩٣/٦، والدسوقي ٤/ ٣٤٥،
والزرقاني ١٠٦/٨ - ١٠٧، والطرق الحكمية ١٠٠ -
١٠٤، وحاشية البجيرمي ٣/ ٧٣، ونهاية المحتاج ٧١/٥
- ٢٤٥ -

تعذيب ٩ - ١٠
للإنسان، فمنه تعذيب الأسرى، فقد ذكر
الفقهاء عدم جواز تعذيبهم، لأن الإِسلام يدعو
إلى الرفق بالأسرى، وإطعامهم، قال الله
تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ على حُبِّهِ مِسْكِيْناً
ويتيما وأسيرا﴾(١) وفي الحديث الشريف
((لا تجمعوا عليهم حر الشمس، وحر السلاح،
قیلوهم حتى يبردوا))(٢) وهذا الكلام في أسارى
بني قريظة، حينما كانوا في الشمس. (٣)
وإذا كان هناك خوف الفرار، فیصح حبس
الأسير من غير تعذيب، وإذا رجي أن يدل
على أسرار العدو جاز تهديده وتعذيبه بالقدر
الكافي، لتحقيق ذلك، ودليل ذلك: ما روي
عن الرسول وَسطور: أنه أمر الزبير بن العوام
بتعذیب من کتم خبر المال، الذي کان پے قد
عاهدهم عليه، وقال له: ((أين كنز حيي بن
أخطب؟ فقال: يامحمد، أنفذته النفقات
والحروب، فقال: المال كثير والمسألة أقرب،
وقال للزبير: دونك هذا. فمسه الزبير بشيء
من العذاب، فدلهم على المال)). (٤)
(١) سورة الإنسان / ٨
(٢) حديث: ((لا تجمعوا عليهم حر الشمس وحر السلاح)).
أخرجه الواقدي في كتاب المغازي (٢/ ٥١٤ - نشر مؤسسة
الأعلمي).
(٣) شرح السير الكبير ١٠٢٩/٣، وفتح الباري ١/ ٥٥٥،
والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٣/ ٣٥٣، والنووي
شرح صحيح مسلم ٨٧/١٣
(٤) حديث: ((أمر بتعذيب من كتم خبر المال)). أورده=
لكن إذا كانوا يعذبون أسرى المسلمين يجوز
معاملتهم بالمثل، لقوله تعالى : ﴿وإنْ عَاقْتُمْ
فَعَاقِبُوا بِمِثْل ما عُوقِبْتُمْ بِه﴾(١) وقوله أيضا
﴿والحرماتُ قصاصٌ فَمَنْ اعْتَدى عليكُم
فَاعْتَدُوا عَليْهِ بِمِثْل ما اعْتَدِى عَلَيْكُم﴾(٢)
قال الباجي : لا يمثل بالأسير، إلا أن
يكونوا مثلوا بالمسلمين.
وقال ابن حبيب : قتل الأسير بضرب عنقه،
لا يمثل به، ولا يعبث عليه. قيل لمالك:
أيضرب وسطه؟ فقال: قال الله سبحانه
﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾(٣) لا خير في العبث. (٤)
١٠ - وأما النوع الثالث: وهو التعذيب المشروع
للحیوان - فقد ذکروا له أمثلة، منها :
أ - تعذيب ماشية الزكاة والجزية بالوسم -
فقد ذهب الفقهاء إلى جوازه، لما روي من فعل
الصحابة في ماشية الزكاة والجزية .
وقال الحنفية : لا بأس بكي البهائم
للعلامة، لأنهم كانوا يفعلون ذلك في زمن
رسول الله وَلّ، من غير إنكار. (٥)
= ابن عابدين في حاشيته (١٩٥/٣) ولم نجده فيما بين
أيدينا من كتاب السنة .
(١) سورة النحل / ١٢٦
(٢) سورة البقرة/ ١٩٤
(٣) سورة محمد/ ٤
(٤) شرح السير الكبير ٣/ ١٠٢٩، وفتح الباري ١/ ٥٥٥،
والتاج والإكليل ٣/ ٣٥٣
(٥) حاشية ابن عابدين ٣٨٨/٦ ط الحلبي ١٩٦٦، والمغني
لابن قدامة ٣/ ٥٧٤، ونيل الأوطار ٨/ ٩٢/٩٠
- ٢٤٦ -

تعذيب ١٠ - ١٢
ب - إلقاء السمك الحي في النار ليصير
مشویا فإن المالکیة ذهبوا: إلی جوازه، وذهب
أحمد بن حنبل: إلى أن هذا العمل مكروه،
ومع هذا فقد رأی جواز أكله، وهذا بخلاف
شيّ الجراد حیا، فإنه يجيزه من غیر کراهة، لما
أثر أن الصحابة فعلوا ذلك، من غير نكير. (١)
جـ ـ ومن ذلك التعذيب الجائز: ضرب
الحیوان بقدر ما يحصل به التعلیم والتر ويض،
ويخاصم الضارب فيما زاد على القدر الذي
يحتاج إليه، كما في البحر الرائق. (٢)
١١ - وأما النوع الرابع: وهو التعذيب (غير
المشروع) للحيوان:
فمنه : تعذيب الحيوان بالمنع من الأكل
والشرب، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن
النبي 8 قال: ((دخلت امرأة النار في هرة
ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من
خشاش الأرض)). (٣)
ومنه : اتخاذ ذي روح غرضا، أي هدفا
للرمي . (٤)
(١) المغني ٤١/١١، والخرشي ١/ ٩٣ ط دار صادر بيروت،
وحاشية ابن عابدين ٦/ ٣٥٤، ونهاية المحتاج ١/ ١٣٢
(٢) ابن عابدين ٢٤/٥
(٣) حديث: ((دخلت امرأة النار في هرة ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٣٥٦/٦ - ط السلفية). وانظر نيل
الأوطار ٧ / ١٤٤
(٤) نيل الأوطار ٢٤٩/٨
ومنه : قطع رأس الحيوان المذبوح وسلخه
قبل أن يبرد، ويسكن عن الاضطراب. (١)
مواطن البحث :
١٢ - ذكر الفقهاء التعذيب في مواضع شتى سبق
ذكر عدد منها خلال البحث.
ومنها أيضا : الجنايات، والتعزيرات،
والتأديب، والتذكية، والأسر، والسياسة
الشرعية، والجهاد (السير).
(١) ابن عابدين ١٨٨/٥
- ٢٤٧ -

تعريض ١ - ٤
تعریض
التعريف :
١ - التعريض : لغة ضدّ التصريح، يقال:
عرّض لفلان وبفلان: إذا قال قولا عاما، وهو
يعني فلانا، ومنه: المعاريض في الكلام،
كقولهم: إن في المعاريض لمندوحة عن
الكذب. (١)
وهو في الاصطلاح : ما يفهم به السامع مراد
المتكلم من غير تصريح. (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الكناية
٢ - الكناية : وهي ذكر اللازم، وإرادة الملزوم.
والفرق بين الكناية والتعريض: أن التعريض
هو تضمين الكلام دلالة ليس فيها ذكر، كقول
المحتاج: جئتك لأسلم عليك، فيقصد من
اللفظ السلام، ومن السياق طلب الحاجة. (٣)
ب - التورية :
٣ - التورية : وهي أن تطلق لفظا ظاهرا (قريبا)
(١) مختار الصحاح مادة: ((عرض)).
(٢) تعريفات الجرجاني.
(٣) حاشية الطحطاوي ٢٢٩/٢، وشرح الزرقاني ١٦٧/٣،
والمغرب مادة: ((عرض)).
في معنی، ترید به معنی آخر (بعیدا) يتناوله
ذلك اللفظ، لكنه خلاف ظاهره. (١) والفرق
بينها وبين التعريض: أن فائدة التورية تراد من
اللفظ، فهي أخص من التعريض، الذي قد
يفهم المراد منه من السياق والقرائن، أو اللفظ،
فهو أعم .
الحكم التكليفي :
يختلف حكم التعريض بحسب موضوعه
كما يلي :
أولاً : التعريض في الخطبة :
٤ - لا خلاف بين الفقهاء في حرمة التعريض
بالخطبة لمنكوحة الغير، والمعتدة من طلاق
رجعي، لأنها في حكم المنكوحة، كما اتفق
الفقهاء على حرمة التعريض لمخطوبة من صرح
بإجابته، وعلمت خطبته، ولم يأذن الخاطب ولم
يعرض عنها. (٢) لخبر: ((لا يخطب الرجل على
خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله أو یأذن له
الخاطب))(٣) ر: مصطلح: (خِطبة).
(١) المصباح المنير.
(٢) حاشية ابن عابدين ٢/ ٦١٩، وروضة الطالبين ٧/ ٣٠ -
٣١، والمغني ١/ ٦٥٨، وحاشية الدسوقي ٢١٩/٢،
وشرح روض الطالب ١١٥/٣، شرح الزرقاني ١٦٧/٣
(٣) حديث: ((لا يخطب الرجل على خطبة أخية حتى يترك
الخاطب ... )). أخرجه البخاري (الفتح ١٩٨/٩ - ط
السلفية) ومسلم (١٠٢٩/٣ - ط الحلبي) من حديث
ابن عمر رضي الله عنهما، واللفظ للبخاري.
- ٢٤٨ -

تعريض ٥ - ٦
ثانياً : التعريض بخطبة المعتدة غير الرجعية :
٥ - ذهب جمهور الفقهاء: إلى جواز التعريض
بالخطبة للمعتدة عن وفاة، ولم نقف على خلاف
بینهم فيها، إلا قولا للشافعية، مؤداه: إن
كانت عدة الوفاة بالحمل لم يعرض لها، خوفا من
تكلف إلقاء الجنين، وهو قول ضعيف
عندهم. (١) واستدل الجمهور بقوله تعالى :
﴿وَلا جُناحَ عليكُم فيما عَرَضتُم به من خِطبةٍ
النساء أو أكْتَنْتُم في أنفسِكُم﴾. (٢) لأنها وردت
في عدة الوفاة، كما قال جمهور المفسرين.
واختلفوا في جواز التعريض للمعتدة
من طلاق بائن أو فسخ. فذهب المالكية
والشافعية في الأظهر، والحنابلة في قول: إلى أنه
يحل التعريض لبائن معتدة بالأقراء أو الأشهر،
وذلك لعموم الآية، ولانقطاع سلطة الزوج
عليها، ولا فرق في ذلك بين أن تكون بائنا بينونة
صغرى أو كبرى، أوبفسخ، أو فرقة بلعان،
أورضاع، في الأظهر عندهم. (٣) وهو مذهب
مالك، وأحمد. (٤)
ومقابل الأظهر عند الشافعية، وأحد قولي
(١) المصادر السابقة .
(٢) سورة البقرة / ٢٣٥
(٣) نهاية المحتاج ٦/ ٢٠٣، وقليوبي ٢١٣/٣ - ٢١٤،
وروضة الطالبين ٣٠/٧
(٤) المغني ٦/ ٦٠٨، وحاشية الدسوقي ٢١٩/٢
أحمد: لا يحل التعريض للبائن بطلاق رجعي ،
لأن لصاحب العدة المنتهية أن ينكحها بنكاح
جديد، فأشبهت الرجعية . (١)
وذهب الحنفية: إلى أنه لا يحل التعريض
المعتدة من طلاق بنوعيه، لإِفضائه إلى عداوة
المطلق. ونقل ابن عابدين عن الفتح ((الإِجماع))
بين فقهاء الحنفية على حرمة التعريض للمعتدة
من طلاق مطلقا، ويجوز التعريض عندهم
للمعتدة من نكاح فاسد، ووطء شبهة . (٢)
وجواز التعريض بالخطبة للمعتدة مرتبط
بجواز خروج المعتدة، فمن يجوّز لها الخروج من
بيت العدة، يجوز التعريض بالخطبة لها، ومن لا
يجوز لها الخروج لا يجوز التعريض لها عند
الحنفية . (٣)
ألفاظ التعريض بالخطبة :
٦ - التعريض: هو كل لفظ يحتمل الخطبة
وغيرها، ولكن الفقهاء يذكرون ألفاظا للتمثيل
له: كأنت جميلة، ومن يجد مثلك؟ وأن الله ساق
لك خيرا، ربّ راغب فيك، ونحو ذلك. (٤)
(١) المغني ٦١٨/٦، وروضة الطالبين ٣٠/٧ - ٣١
(٢) حاشية ابن عابدين ٢١٩/٢
(٣) المصدر السابق
(٤) نهاية المحتاج ٦/ ٢٠٣، وحاشية الدسوقي ١١٩/٢،
والمغني ٦٠٨/٦
- ٢٤٩ -

تعريض ٧ - ٩
ثالثاً : التعريض بالقذف :
٧ - اختلف الفقهاء في وجوب الحدّ بالتعريض
بالقذف، فذهب مالك: إلى أنه إذا عرَّض
بالقذف غيرُ أب يجب عليه الحدّ - إن فهم
القذف بتعريضه بالقرائن، كخصام بينهم،
ولا فرق في ذلك بين النظم والنثر، أما الأب إذا
عرَّض لولده فإنه لا يحدّ لبعده عن التهمة. (١)
وهو أحد قولين للإِمام أحمد، لأن عمر رضي الله
عنه استشار بعض الصحابة في رجل قال لآخر:
ما أنا بزان ولا أمي بزانية؟ فقالوا: إنه قد مدح
أباه وأمه، فقال عمر: قد عرّض لصاحبه،
فجلده الحدّ. (٢)
وعند الحنفية : أن التعريض بالقذف،
قذف. كقوله: ما أنا بزان، وأمي ليست بزانية،
ولكنه لا يحدّ، لأن الحدّ يسقط للشبهة،
ويعاقب بالتعزير، لأن المعنى: بل أنت زان. (٣)
والتعريض بالقذف عند الشافعية، كقوله :
ياابن الحلال، وأما أنا فلست بزان، وأمي
لیست بزانیة، فهذا کله لیس بقذف وإن نواه،
لأن النية إنما تؤثر، إذا احتمل اللفظ المنوي،
ولا دلالة هنا في اللفظ ولا احتمال، وما يفهم منه
(١) شرح الزرقاني ٨/ ٨٧
(٢) المغني ٨/ ٢٢٢
(٣) حاشية ابن عابدين ٣/ ١٩١
مستنده قرائن الأحوال. هذا هو الأصح.
وقيل: هو كناية، أي عن القذف، لحصول
الفهم والإِيذاء. فإن أراد النسبة إلى الزنى
فقذف، وإلا فلا .
وسواء في ذلك حالة الغضب وغيرها . (١)
وهو أحد قولي الإِمام أحمد.
رابعاً : التعريض للمسلم بقتل طالبه من
الكفار :
٨ - يجوز التعريض للمسلم لقتل من جاء يطلبه
ليردّه إلى دار الكفر، (٢) لأن عمر رضي الله عنه
قال لأبي جندل رضي الله عنه حين ردّ لأبيه :
((اصبر أبا جندل فإنما هم المشركون، وإنما دم
أحدهم دم كلب))(٣) يعرض له بقتل أبيه.
خامساً - التعريض للمقر بحد خالص بالرجوع:
٩ - ذهب الشافعية في الصحيح عندهم: إلى
أنه يجوز للقاضي أن يعرض له بالرجوع، كأن
يقول له في السرقة: لعلك أخذت من غیر
حرز، وفي الزنى: لعلك فاخذت أولمست، وفي
(١) روضة الطالبين ٣١٢/٨
(٢) مغني المحتاج ٤ /٢٦٤، والمغني ٨/ ٤٦٥ - ٤٦٦
(٣) قول عمر: اصبر أبا جندل ... أخرجه أحمد (٣٢٥/٢ -
ط اليمنية) والبيهقي في سننه (٢٢٧/٩ - ط دار المعارف
العثمانية) من حديث المسور بن مخرمة الزهري، ومروان بن
الحكم، وإسناده حسن.
- ٢٥٠ -

تعريض ١٠، تعريف ١ - ٢
الشرب: لعلك لم تعلم أن ما شربت مسكر(١)
لأن النبي قال لمن أقر عنده بالسرقة
((ما أخالك سرقت))(٢) فأعاد عليه مرتين أو
ثلاثا، وقال لماعز: «لعلك قبلت، أو غمزت، أو
نظرت)). (٣).
وفي قول عندهم: لا يعرض له بالرجوع،
كما لا يصرح.
وفي قول : يعرض له، إن لم يعلم أن له
الرجوع، فإن علم فلا يعرض له . (٤) وذهب
الحنفية، والإِمام أحمد: إلى أن التعريض
مندوب، لحديث ماعز وتفصيله في الحدود . (٥)
مواطن البحث :
١٠ - يذكر الفقهاء التعريض في الأبواب الآتية :
في كتاب النكاح، والعدة، وفي الحدود: في
القذف، والرجوع عن الإِقرار. وفي الهدنة:
وفي الأيمان في القضاء فقط .
(١) مغني المحتاج ٤ / ١٧٦
(٢) حديث: ((ما أخالك سرقت)) أخرجه أبوداود (٤ / ٥٤٣ -
تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي أمية المخزومي،
وفي إسناده جهالة. (التلخيص لابن حجر ٦٦/٤ - ط
شركة الطباعة الفنية).
(٣) حديث: (لعلك قبلت ... )) أخرجه البخاري (الفتح
١٣٥/١٢ - ط السلفية) من حديث ابن عباس رضي الله
عنهما .
(٤) مغني المحتاج ٤ / ١٧٦
(٥) المغني ٨/ ٢١٢، وحاشية ابن عابدين ١٤٥/٣
تعريف
التعريف :
١ - التعريف: مصدر عرف. ومن معانيه :
الإِعلام والتوضيح، (ويقابله التجهيل) وإنشاد
الضالة، والتطبيب، وهو مأخوذ من العَرْفِ(١)
أي: الرائحة، كما قال ابن عباس رضي الله
عنهما (٢) في قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلهم الجنَّةَ
عَرّفها لهم﴾(٣) أي طيبها لهم. والتعريف:
الوقوف بعرفات. ويراد به أيضا: مايصنعه
بعض الناس في بلادهم يوم عرفة، من
التجمع والدعاء، تشبّها بالحجاج، ويراد به
أيضا: ذهاب الحاج بالهدي إلى عرفات،
ليعرف الناس أنه هدي . (٤)
وأما في الاصطلاح، فللتعريف عدة
إطلاقات تبعا للعلوم المختلفة :
أ - فعند الأصوليين :
٢ - هو تحديد المفهوم الكلي، بذكر خصائصه
(١) مختار الصحاح، ولسان العرب، والمحيط مادة: ((عرف)).
(٢) تفسير القرطبي ٢٣١/١٦
(٣) سورة محمد / ٦
(٤) لسان العرب، والمحيط، ومختار الصحاح، والصحاح في
اللغة والعلوم مادة: ((عرف))، ودستور العلماء ٣١٥/١
- ٢٥١ -

تعريف ٣ - ٦
ومميزاته. والتعريف الكامل: هو مايساوي
المعرف تمام المساواة، بحیث یکون جامعا
مانعا. والحد والتعريف عند الأصوليين بمعنى
واحد، وهو: الجامع المانع، سواء أكان
بالذاتيات، أم بالعرضيات . (١)
ب - عند الفقهاء :
٣ - لم نقف للفقهاء على تعريف خاص
للتعريف، والذي يستفاد من الفروع الفقهية :
أن استعمالهم هذا اللفظ لا يخرج عن المعاني
اللغوية، لكنهم عند الإِطلاق يريدون المعنى
الاصطلاحي لدى الأصوليين.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاعلان :
ءِ
٤ - الإعلان خلاف الكتمان، والتعريف اعم،
من حيث أنه قد يكون سرا، وقد يكون
علانية . (٢)
ب - الكتمان أو الإِخفاء :
٥ - الكتمان: هو السكوت عن المعنى، أو إخفاء
الشيء وستره، وقوله تعالى: ﴿إِن الذین
يَكْتُمُونَ ما أنزلنا من البيّناتِ والهدى﴾ أي
يسكتون عن ذكره، فالتعريف مقابل الإِخفاء
والكتمان. (٣)
(١) الصحاح في اللغة والعلوم ((عرف))، والباجوري على
السلم ص٧٢
(٢) الفروق في اللغة / ٢٨١
(٣) مختار الصحاح مادة: ((خفى)) و((كتم)) - والفروق اللغة
ص٢٨١، والآية من سورة البقرة/ ١٥٩
حكمه التكليفي :
يختلف حكم التعريف باختلاف المعرّف:
أولا : التعريف في الأمصار :
٦ - هو قصد الرجل مسجد بلده يوم عرفة،
للدعاء والذكر، فهذا هو التعريف في الأمصار
الذي اختلف العلماء فیه، ففعله ابن عباس،
وعمروبن حريث رضي الله عنهم، من
الصحابة، وطائفة من البصریین، والمدنیین،
ورخص فيه أحمد، وإن كان مع ذلك
لا يستحبه. هذا هو المشهور عنه. وكرهه طائفة
من الكوفيين، والمدنيين، كإبراهيم النخعي،
وأبي حنيفة، ومالك، وغيرهم.
ومن کرهه قال: هو من البدع، فیندرج في
العموم، لفظا ومعنى. ومن رخص فيه قال:
فعله ابن عباس رضي الله عنهما بالبصرة، حين
كان خليفة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ،
ولم ينكر عليه، وما يفعل في عهد الخلفاء
الراشدين من غير إنكار لا يكون بدعة.
لكن مايزاد على ذلك: من رفع الأصوات
الرفع الشديد في المساجد بالدعاء، وأنواع من
الخطب، والأشعار الباطلة، مكروه في هذا اليوم
وغيره. قال المروذي: سمعت أبا عبدالله
يقول: ينبغي أن يسر دعاءه، لقوله: ﴿وَلا تَجْهَرْ
بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بها﴾(١) قال: هذا في
(١) سورة الإسراء/ ١١٠
- ٢٥٢ -

تعريف ٧ - ٨
الدعاء. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: وكان
يكره أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء. (١)
ثانياً - تعريف اللُّقَطة :
٧ - ذهب الأئمة الثلاثة، وهو الأصح عند إمام
الحرمين والغزالي من الشافعية: إلى أنه يجب
تعريف اللقطة، سواء أراد تملكها، أم حفظها
لصاحبها. وفيه وجه آخر عند الشافعية، وبه
قطع الأكثرون منهم، وهو: أنه لا يجب
التعريف فيما إذا قصد الحفظ أبدا، وقالوا: إن
التعريف إنما يجب لتحقيق شرط التملك. (٢)
وبیان کیفیة التعریف ومدته ومكانه یرجع
إليه في مصطلح (لُقَطة).
ثالثا - التعريف في الدعوى :
٨ - لا خلاف بين الفقهاء: في أن تعريف
الشيء المدّعي والمدعى عليه - بمعنى كونهما
معلومین - شرط لسماع الدعوى، فلابد من ذكر
مايعينهما ويعرفهما، لأن فائدة الدعوى الإِلزام
(١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٦٣٨ الطبعة الأولى، وسنن
البيهقي ١١٧/٥، والمغني والشرح الكبير ٢٥٩/٢ ط دار
الكتاب العربي - بيروت .
(٢) ابن عابدين ٣/ ٣١١، والخطاب ٦/ ٧٣، وروضة
الطالبين ٤٠٩/٥، والمغني ٦٩٣/٥
بإقامة الحجة، والإِلزام في المجهول غير
متحقق . (١)
وفي كل ذلك خلاف وتفصيل، يذكر في
موطنه في مصطلح (دعوى).
SS
(١) فتح القدير ٧/ ١٤٨، ١٤٩، ١٥٠، ١٥١، والحطاب
١٢٤/٦، وروضة الطالبين ٨/١٢، ٩، والمغني ٩/ ٨٥
- ٢٥٣ -

تعزير ١ - ٥
تعزیر
التعريف :
١ - التعزير لغة: مصدر عزر من العزر، وهو الرد
والمنع، ويقال: عزر أخاه بمعنى: نصره، لأنه
منع عدوه من أن يؤذيه، ويقال: عزرته
بمعنی : وقرته، وأيضا: أدبته، فهو من أسماء
الأضداد. وسميت العقوبة تعزيرا، لأن من
شأنها أن تدفع الجاني وترده عن ارتكاب
الجرائم، أو العودة إليها.
وفي الاصطلاح: هو عقوبة غير مقدرة
شرعا، تجب حقا لله، أو الآدمي، في كل معصية
ليس فيها حد ولا كفارة غالبا . (١)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الحد :
٢ - الحد لغة: المنع. واصطلاحاً: عقوبة مقدرة
(١) المبسوط السرخسي ٣٦/٩، وفتح القدير ٧/ ١١٩ ط
اليمنية، وكشاف القناع ٧٢/٤ ط المطبعة الشرقية
بالقاهرة، والأحكام السلطانية للماوردي ص٢٢٤ مطبعة
السعادة، ونهاية المحتاج ٧/ ٧٢، وقليوبي ٤ /٢٠٥. قال
القليوبي: هذا الضابط للغالب فقد يشرع التعزير
ولا معصية، كتأديب طفل وكافر، وكمن يكتسب بآلة لهو
لا معصية فیھا .
شرعا وجبت حقا لله تعالى كحد الزنى، أو
للعبد كحد القذف.
ب - القصاص :
٣ - القصاص لغة: تتبع الأثر. واصطلاحا: هو
أن يفعل بالجاني مثل مافعل .
جـ - الكفارة :
٤ - الكفارة لغة: من التكفير، وهو المحو،
والكفارة جزاء مقدر من الشرع، لمحو
الذنب. (١)
٥ - ويختلف التعزير عن الحد والقصاص
والكفارة من وجوه منها :
أ - في الحدود والقصاص، إذا ثبتت الجريمة
الموجبة لهما لدى القاضي شرعا، فإن عليه
الحكم بالحد أو القصاص على حسب
الأحوال، وليس له اختيار في العقوبة، بل هو
يطبق العقوبة المنصوص عليها شرعا بدون زيادة
أو نقص، ولا يحكم بالقصاص إذا عفي عنه،
وله هنا التعزير. ومرد ذلك: أن القصاص حق
للأفراد، بخلاف الحد.
وفي التعزير يختار القاضي من العقوبات
الشرعية مايناسب الحال، فيجب على الذين
لهم سلطة التعزير الاجتهاد في اختيار الأصلح،
(١) التعريفات للجرجاني، وبدائع الصنائع ٣٣/٧، وحاشية
ابنعابدين ٢/ ٥٧٨
- ٢٥٤ -

تعزير ٥
لاختلاف ذلك باختلاف مراتب الناس،
وباختلاف المعاصي. (١)
ب - إقامة الحد الواجب لحق الله لا عفوفيه
ولا شفاعة ولا إسقاط، إذا وصل الأمر
للحاكم، وثبت بالبينة، وكذلك القصاص إذا لم
يعف صاحب الحق فيه. والتعزير إذا كان من
حق الله تعالى تجب إقامته، ويجوز فيه العفو
والشفاعة إن كان في ذلك مصلحة، أو انزجر
الجاني بدونه، وإذا كان من حق الفرد فله تركه
بالعفو وبغيره، وهو یتوقف علی الدعوى، وإذا
طالب صاحبه لا يكون لولي الأمر عفو
ولا شفاعة ولا إسقاط. (٢)
جـ- إثبات الحدود والقصاص عند الجمهور
لا يثبت إلا بالبينة أو الاعتراف، بشروط
خاصة. وعلى سبيل المثال: لا يؤخذ فيه بأقوال
المجني عليه كشاهد، ولا بالشهادة السماعية،
ولا باليمين، ولا بشهادة النساء. بخلاف
التعزير فيثبت بذلك، وبغيره. (٣)
د - لا خلاف بين الفقهاء أن من حده الإِمام
فمات من ذلك فدمه هدر، لأن الإِمام مأمور
(١) سبل السلام ٤ / ٥٤ ط مصطفى الحلبي، وابن عابدين
١٨٣/٣ ط بولاق
(٢) سبل السلام ٤ / ٥٤، وحاشية الشرنبلالي على درر الحكام
٩٤/٢ - ٩٥ ط المطبعة الوهبية، وابن عابدين ١٨٣/٣،
وواقعات المفتين / ٦٠، والفتاوى الهندية ٢/ ١٦٧
(٣) الفتاوى الهندية ١٦٧/٢
بإقامة الحد، وفعل المأمور لا يتقيد بشرط
السلامة. أما التعزير فقد اختلفوا فيه، فعند
الحنفية والمالكية والحنابلة: الحكم كذلك في
التعزير. أما عند الشافعية: فالتعزير موجب
للضمان، وقد استدلوا على ذلك بفعل عمر
رضي اللّه عنه، إذ أرهب امرأة ففزعت فزعا،
فدفعت الفزعة في رحمها، فتحرك ولدها،
فخرجت، فأخذها المخاض، فألقت غلاما
جنینا، فأتي عمر رضي الله عنه بذلك، فأرسل
إلى المهاجرين فقص عليهم أمرها، فقال:
ماترون؟ فقالوا: مانرى عليك شيئا يا أمير
المؤمنين، إنما أنت معلم ومؤدب، وفي القوم
علي رضي الله عنه، وعلي ساكت. قال: فما
تقول: أنت يا أبا الحسن قال: أقول: إن كانوا
قاربوك في الهوی فقد أثموا، وإن کان هذا جهد
رأيهم فقد أخطأوا، وأرى عليك الدية يا أمير
المؤمنين، قال: صدقت، اذهب فاقسمها على
قومك .(١)
أما من يتحمل الدية في النهاية، فقيل: إنما
تكون على عاقلة ولي الأمر. وقيل : إنها تكون
في بيت المال. (٢)
(١) أثر عمر: أخرجه البيهقي (١٢٣/٦ - ط دائرة المعارف
العثمانية) من طريق الحسن البصري عن عمر بالقصة.
(٢) ابن عابدين ١٨٣/٣، وواقعات المفتين / ٦٠، وحاشية
الشرنبلالي علی هامش درر الحکام ٢ / ٩٤ -٩٥، وسبل
السلام ٤/ ٥٤، والأحكام السلطانية للماوردي/ ٢٢٦
- ٢٥٥ -

تعزير ٦ - ٧
هـ - إن الحدود تدرأ بالشبهات، بخلاف
التعزير، فإنه يثبت بالشبهة . (١)
و- يجوز الرجوع في الحدود إن ثبتت بالإِقرار،
أما التعزير فلا يؤثر فيه الرجوع .
ز - إن الحد لا يجب على الصغير، ويجوز
تعزيره .
ح - إن الحد قد يسقط بالتقادم عند بعض
الفقهاء، بخلاف التعزير. (٢)
الحكم التكليفي :
٦ - جمهور الفقهاء: على أن الأصل في التعزير
أنه مشروع في كل معصية لا حد فيها،
ولا كفارة .
ويختلف حكمه باختلاف حاله وحال
فاعله . (٣)
حكمة التشريع :
٧ - التعزير مشروع لردع الجاني وزجره،
واصلاحه وتهذيبه. قال الزيلعي: إن الغرض
من التعزير الزجر. وسمى التعزيرات: بالزواجر
غير المقدرة . (٤)
والزجر معناه: منع الجاني من معاودة
(١) أشباه ابن نجيم مع حاشية الحموي ١/ ١٦٤
(٢) رد المحتار على الدر المختار ٣/ ١٧٧
(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٣٦
(٤) الزيلعي ٢١٠/٣
الجريمة، ومنع غيره من ارتكابها، ومن ترك
الواجبات، كترك الصلاة والمماطلة في أداء
حقوق الناس . (١)
أما الإِصلاح والتهذيب فهما من مقاصد
التعزير، وقد بين ذلك الزيلعي بقوله : التعزير
للتأديب. ومثله تصريح الماوردي وابن فرحون
بأن: التعزير تأديب استصلاح وزجر. (٢)
وقال الفقهاء: إن الحبس غير المحدد المدة
حده التوبة وصلاح حال الجاني. (٣)
وقالوا: إن التعزير شرع للتطهير، لأن ذلك
سبيل لإصلاح الجاني. (٤) وقالوا: الزواجر غير
المقدرة محتاج إليها، لدفع الفساد كالحدود. (٥)
وليس التعزير للتعذيب، أو إهدار الآدمية،
أو الإِتلاف، حیث لا یکون ذلك واجبا. وفي
ذلك يقول الزيلعي : التعزير للتأديب، ولا يجوز
الإِتلاف، وفعله مقيد بشرط السلامة. ويقول
ابن فرحون: التعزير إنما يجوز منه ما أمنت
عاقبته غالبا، وإلا لم يجز. ويقول البهوتي :
(١) تبصرة الحكام ٣٦٦/١ -٣٦٨ - ٣٧٠، ونهاية المحتاج
١٧٤/٧، والأحكام السلطانية للماوردي / ٤٢٤، وكشاف
القناع ٤/ ٧٣ - ٧٥ - ٧٦
(٢) الزيلعي ٢١١/٣، والأحكام السلطانية للماوردي/ ٢٢٤ ،
والتبصرة ٣٦٦/١
(٣) ابن عابدين ١٨٧/٣
(٤) ابن عابدين ٣/ ١٨٣، والسندي ٧ / ٥٩٩
(٥) الزيلعي ٣/ ٢١٠، وابن عابدين ١٨٢/٣، وكشاف
القناع ٧٤/٤ - ٧٦، والحسبة لابن تيمية/ ٣٩
- ٢٥٦ -

تعزير ٧ - ٨
لا يجوز قطع شيء ممن وجب عليه التعزير،
ولا جرحه، لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك،
عن أحد يقتدى به، ولأن الواجب أدب،
والأدب لا یکون بالإِتلاف. (١) وکل ضرب
يؤدي إلى الإِتلاف ممنوع، سواء أكان هذا
الاحتمال ناشئا من آلة الضرب، أم من حالة
الجاني نفسه، أم من موضع الضرب، وتفريعا
على ذلك: منع الفقهاء الضرب في المواضع
التي قد يؤدي فيها إلى الإِتلاف. ولذلك
فالراجح: أن الضرب على الوجه والفرج
والبطن والصدر ممنوع. (٢)
وعلى الأساس المتقدم منع جمهور الفقهاء في
التعزير: الصفع، وحلق اللحية، وتسويد
الوجه، وإن كان البعض قال به في شهادة
الزور، قال الاستر وشني: لا يباح التعزير
بالصفع، لأنه من أعلى مايكون من
الاستخفاف. وقال: تسويد الوجه في شهادة
الزور ممنوع بالإِجماع، أي بين الحنفية. (٣) قال
البهوتي : (يحرم) التعزير (بحلق لحيته) لما فيه
من المثلة (ولا تسويد وجهه). والتعزير بالقتل
عند من يراه يشترط في آلته: أن تكون حادة من
(١) الزيلعي ٢١١/٣، وتبصرة الحكام ٢/ ٣٦٩، وكشاف
القناع ٧٤/٤ ط المطبعة الشرقية بالقاهرة، والمغني
٣٤٨/١٠
(٢) فصول الأستروشني في التعزير / ٢١ - ٢٢
(٣) فصول الأستروشني في التعزير/ ٣٠
شأنها إحداث القتل بسهولة، بحيث لا يتخلف
عنها القتل، وألا تكون كالة، فذلك من المثلة،
والرسول وَ لا يقول: ((إن الله عز وجل كتب
الإِحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا
القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد
أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته))(١) وفي ذلك أمر
بالإِحسان في القتل، وإراحة ما أحل الله ذبحه
من الأنعام، فالإِحسان في الآدمي أولى. (٢)
المعاصي التي شرع فيها التعزير:
٨ - المعصية: فعل ماحرم، وترك مافرض،
يستوي في ذلك كون العقاب دنيويا أو أخرويا.
أجمع الفقهاء على: أن ترك الواجب أو فعل
المحرم معصية فيها التعزير، إذا لم يكن هناك
حد مقدر (٣)
ومثال ترك الواجب عندهم: منع الزكاة،
(١) حديث: ((إن الله كتب الإِحسان على كل شي ... ))
أخرجه (مسلم ١٥٤٨/٣ - ط الحلبي) من حديث
شداد بن أوس رضي الله عنه .
(٢) الزيلعي ٣/ ٢١٠، والسندي ٥٩٨ - ٥٩٩، وابن عابدين
١٨٢/٣ - ١٨٧، وفصول الأستروشني ٢١ - ٣٠، وتبصرة
الحكام ٢/ ٣٦٦، ونهاية المحتاج ٧/ ١٧٤، والأحكام
السلطانية للماوردي ٢٢٤، وكشاف القناع ٤/ ٧٢ - ٧٦،
والحسبة لابن تيمية / ٣٩، والمغني ٣٤٨/١٠.
(٣) تبصرة الحكام ٣٦٦/٢ - ٣٦٧، ومعين الحكام/ ١٨٩،
وكشاف القناع ٧٥/٤، والسياسة الشرعية
لابن تيمية / ٥٥، والأحكام السلطانية للماوردي/ ١٠
- ٢٥٧ -

تعزير ٨
وترك قضاء الدين عند القدرة على ذلك، وعدم
أداء الأمانة، وعدم رد المغصوب، وكتم البائع
ما يجب عليه بيانه، كأن يدلس في المبيع عيبا
خفيا ونحوه، والشاهد والمفتي والحاكم يعزرون
على ترك الواجب. (١)
ومثال فعل المحرم : سرقة مالا قطع فيه،
لعدم توافر شروط النصاب أو الحرز مثلا،
وتقبيل الأجنبية، والخلوة بها، والغش في
الأسواق، والعمل بالربا، وشهادة الزور. (٢)
وقد يكون الفعل مباحا في ذاته لكنه يؤدي
المفسدة، وحكمه عند كثير من الفقهاء - وعلى
الخصوص المالكية - أنه يصير حراما، بناء على
قاعدة سد الذرائع، وعلى ذلك فارتكاب مثل
هذا الفعل فيه التعزير، مادام ليست له عقوبة
مقدرة .
وما ذكر هو عن الواجب والمحرم، أما عن
المندوب والمكروه - فعند بعض الأصوليين:
المندوب مأمور به، ومطلوب فعله، والمكروه
منهي عنه، ومطلوب تركه، ويميز المندوب عن
الواجب أن الذم يسقط عن تارك المندوب، لكنه
يلحق تارك الواجب. ويميز المكروه عن المحرم :
أن الذم يسقط عن مرتكب المكروه، ولکنه یثبت
على مرتكب المحرم، وبناء على ذلك ليس
(١) تبصرة الحكام ٢/ ٣٦٦، ومعين الحكام/ ١٨٩ ط بولاق،
وكشاف القناع ٧٥/٤، والأحكام السلطانية
للماوردي/ ٢١٠
(٢) تبصرة الحكام ٢/ ٣٦٧
تارك المندوب أو فاعل المكروه عاصيا، لأن
العصیان اسم ذم، والذم أسقط عنهما، ولكنهم
يعتبرون من يترك المندوب أو يأتي المكروه
مخالفا، وغير ممتثل.
وعند آخرين: المندوب غير داخل تحت
الأمر، والمكروه غير داخل تحت النهي، فيكون
المندوب مرغبا في فعله، والمكروه مرغبا عنه.
وعندهم لا يعتبر تارك المندوب وفاعل المكروه
عاصيا. وقد اختلف في تعزير تارك المندوب،
وفاعل المكروه، ففريق من الفقهاء على عدم
جوازه، لعدم التكليف، ولا تعزير بغير
تكليف. وفريق أجازه، استنادا على فعل عمر
رضي الله عنه، فقد عزر رجلا أضجع شاة
لذبحها، وأخذ يحد شفرته وهي على هذا
الوضع، وهذا الفعل ليس إلا مكروها، ويأخذ
هذا الحكم من يترك المندوب.
وقال القليوبي : قد يشرع التعزير ولا
معصیة، کتأدیب طفل، وكافر، وکمن يكتسب
بآلة لهو لا معصية فيها . (١)
(١) معين الحكام/ ١٨٩، وفتح القدير ١١٧/٤، وتبصرة
الحكام ٣٦٦/٢ - ٣٦٧، ومواهب الجليل ٦/ ٣٢٠، ونهاية
المحتاج ١٧٣/٧ - ١٧٤، والأحكام السلطانية
للماوردي/ ٢١٠، وكشاف القناع ٧٥/٤، والسياسة
الشرعية لابن تيمية / ٥٥، والإحكام السلطانية لأبي
يعلى / ٢٤٤، والمستصفى للغزالي ١ / ٧٥ - ٧٦، والإِحكام
في أصول الأحكام للآمدي ١٦٠/١، والقليوبي
٤/ ٢٠٥.
- ٢٥٨ -

تعزير ٩
اجتماع التعزير مع الحد أو القصاص أو
الكفارة :
٩ - قد يجتمع التعزير مع الحد، فالحنفية لا
يرون تغريب الزاني غير المحصن من حد
الزنى. فعندهم أن حده مائة جلدة لا غير ،
ولكنهم یجیزون تغریبه بعد الجلد، وذلك على
وجه التعزير. (١) ويجوز تعزير شارب الخمر
بالقول، بعد إقامة حد الشرب علیه، فعن أبي
هريرة رضي الله عنه أن النبي وظيفة ((أمر بتبكيت
شارب الخمر بعد الضرب)).(٢)
والتبكيت تعزير بالقول، وممن قال بذلك :
الحنفية، والمالكية . (٣)
وقال المالكية: إن الجارح عمدا يقتص منه
ويؤدب. ومن ثم فالتعزير قد اجتمع مع
القصاص في الاعتداء على ما دون النفس
عمدا. والشافعي يجيز اجتماع التعزير مع
القصاص فيما دون النفس من الجنايات على
البدن، وهو أيضا يقول بجواز اجتماع التعزير مع
الحد، مثل تعليق يد السارق في عنقه بعد قطعها
ساعة من نهار، زيادة في النكال. وقال أحمد
(١) معين الحكام/ ١٨٢، وبداية المجتهد ٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥ ط
الجمالية
(٢) حديث: ((أمر ( بتبكيت شارب الخمر بعد الضرب))
أخرجه أبو داود (٤ / ٦٢٠ - ٦٢١ تحقيق عزت عبيد
دعاس). وإسناده حسن.
(٣) معين الحكام ١٨٩، وتبصرة الحكام لابن فرحون
٢٦٦/٢، ومواهب الجليل ٦/ ٢٤٧
بذلك، لما روى فضالة بن عبيد أن الرسول وصلت
((قطع يد سارق، ثم أمر بها فعلقت في
عنقه)). (١) وأن عليا فعل ذلك، ومثل: الزيادة
عن الأربعين في حد الشرب، لأن حد الشرب
عند الشافعي أربعون. (٢)
وقد يجتمع التعزير مع الكفارة. فمن
المعاصي مافيه الكفارة مع الأدب، كالجماع في
الإِحرام، وفي نهار رمضان، ووطء المظاهر منها
قبل الكفارة إذا كان الفعل متعمدا في جميعها .
وقيل بالتعزير كذلك في حلف اليمين
الغموس عند الشافعي، خلافا للحنفية، فإنه
لا كفارة في يمين الغموس، وفيها التعزير. وعند
مالك في القتل الذي لا قود فيه، كالقتل الذي
عفي عن القصاص فيه، تجب على القاتل
الدية، وتستحب له الكفارة، ويضرب مائة،
ويحبس سنة، وهذا تعزير قد اجتمع مع
الكفارة . (٣)
وقال البعض في القتل شبه العمد : بوجوب
التعزير مع الكفارة، لأن هذه حق الله تعالى،
بمنزلة الكفارة في الخطأ، وليست لأجل الفعل،
(١) حديث فضالة بن عبيد ((أن الرسول (# قطع يد سارق)).
أخرجه النسائي (٩٢/٨ - المكتبة التجارية) وقال النسائي
عقبه: الحجاج بن أرطأة ضعيف، لا يحتج به .
(٢) نهاية المحتاج ٧/ ١٧٢ - ١٧٣، والمغني لابن قدامة
١٠ / ٢٦٦ - ٢٦٧
(٣) تبصرة الحكام ٢٣٦/٢ - ٢٣٧، ونهاية المحتاج ٧/ ١٧٢ -
١٧٣، وجواهر الإكليل ٢٧٢/٢
- ٢٥٩ -

تعزير ١٠
بل هي بدل النفس التي فاتت بالجناية. ونفس
الفعل المحرم - وهو جناية القتل شبه العمد -
لا کفارة فیه. وقد استدلوا علی ذلك: بأنه إذا
جنى شخص على آخر دون أن يتلف شيئا فإنه
يستحق التعزير، ولا كفارة في هذه الجناية.
بخلاف ما لو أتلف بلا جناية محرمة، فإن
الكفارة تجب بلا تعزير. وإن الكفارة في شبه
العمد بمنزلة الكفارة على المجامع في الصيام
والإِحرام. (١)
التعزير حق الله وحق للعبد :
١٠ - ينقسم التعزير إلى ما هو حق لله، وما هو
حق للعبد. والمراد بالأول غالبا: ما تعلق به نفع
العامة، وما يندفع به ضرر عام عن الناس، من
غير اختصاص بأحد. والتعزيرهنا من
حق اللّه، لأن إخلاء البلاد من الفساد واجب
" مشروع، وفيه دفع للضرر عن الأمة، وتحقيق
نفع عام. ويراد بالثاني: ما تعلقت به مصلحة
خاصة لأحد الأفراد.
وقد يكون التعزير خالص حق الله، كتعزير
تارك الصلاة، والمفطر عمدا في رمضان بغير
عذر، ومن يحضر مجلس الشراب.
وقد يكون لحق الله وللفرد، مع غلبة
حق الله، كنحو تقبيل زوجة آخر وعناقها.
وقد تكون الغلبة لحق الفرد، كما في السب
والشتم والمواثبة. وقد قيل بحالات يكون فيها
التعزير لحق الفرد وحده، كالصبي يشتم رجلا
لأنه غير مكلف بحقوق الله تعالى فيبقى تعزيره
متمحضا لحق المشتوم . (١)
وتظهر أهمية التفرقة بين نوعي التعزير في
أمور:
منها: أن التعزير الواجب حقا للفرد أو
الغالب فيه حقه - وهو يتوقف على الدعوى - إذا
طلبه صاحب الحق فيه لزمت إجابته، ولا يجوز
للقاضي فيه الإِسقاط، ولا يجوز فيه العفو أو
الشفاعة من ولي الأمر. أما التعزير الذي يجب
حقا الله فإن العفوفيه من ولي الأمر جائز،
وكذلك الشفاعة إن كانت في ذلك مصلحة، أو
حصل انزجار الجاني بدونه . وقد روي عن
الرسول ## قوله(٢): ((اشفعوا تؤجروا
ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء)). (٣)
(١) شرح طوالع الأنوار للسندي على الدر المختار ٧/ ٦٢١،
٦٣٦ (مخطوط) الفصول الخمسة عشر فيما يوجب التعزير
وما لا يوجب وغير ذلك، للأستروشني ص٥، والأحكام
السلطانية للماوردي ٢٢٥، والأحكام السلطانية لأبي يعلى
٢٦٥
(٢) حديث: ((اشفعوا تؤجروا ... )) أخرجه البخاري (الفتح
٢٩٩/٣ - ط السلفية)، ومسلم (٢٠٢٦/٤ ط الحلبي).
(٣) حاشية ابن عابدين ١٩٢/٣، الفصول الخمسة عشر في
التعزير ص٣، الماوردي ص٢٢٥
(١) كشاف القناع ٤/ ٧٢ - ٧٣
- ٢٦٠ -