النص المفهرس

صفحات 41-60

تشهير ٤
﴿إِنّ الذين يُحِبّون أن تشيع الفاحشة.﴾.(١)
وقد ذم الله سبحانه وتعالى الذين فعلوا
ذلك، وتوعدهم بالعذاب العظیم، وذلك في
الآيات التي نزلت في شأن السيدة عائشة
رضي الله تعالى عنها حين رماها أهل الإِفك
والبهتان بما قالوه من الكذب والافتراء، وهي
قوله تعالى: ﴿إن الذين جَاءوا بالإِفْكِ عُصْبَةٌ
منكم).(٢)
وقال ابن كثير في قوله تعالى : ﴿والذين
يُؤْذُونِ المؤمنين والمؤمناتِ بغير ما اكْتَسَبُوا فقد
احْتَمَلُوا بُهتانا وإثماً مُبِينا﴾(٣) أي ينسبون إليهم
ماهم برآء منه لم يعملوه ولم يفعلوه، يحكون على
المؤمنين والمؤمنات ذلك على سبيل العيب
والتنقص منهم، وقد قال رسول الله وَ الر: ((أربى
الربا عند الله استحلال عرض امرىء مسلم .
ثم قرأ: ﴿والذين يؤذون المؤمنين
والمؤمنات﴾ (٤) وقد قيل في معنى قوله بَ له: ((من
(١) حديث: ((أيما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة .... ))
أخرجه الطبراني بلفظ مقارب وإسناده جيد كما في الترغيب
والترهيب للمنذري (١٥٧/٥ ط التجارية).
(٢) سورة النور/ ١١، وانظر الجامع لأحكام القرآن
٢٠٦/١٢، ومختصر تفسير ابن كثير ٢/ ٥٩١، ٥٩٢.
وحديث الإِفك. أخرجه البخاري (٤٥٢/٨ط.
السلفية)، ومسلم (٢١٢٩/٤ط. عيسى الحلبي).
(٣) سورة الأحزاب / ٥٨
(٤) حديث: ((أربى الربا عند الله استحلال ... )) .. أخرجه
أبو يعلى بهذا اللفظ، ورواته رواة الصحيح كما قال =
سَمَّع سمَّعَ الله به)) أي من سمّع بعيوب الناس
وأذاعها أظهر الله عيوبَه. (١)
ومن ذلك: الهجو بالشعر. قال ابن قدامة :
ما كان من الشعر يتضمن هجو المسلمين والقدح
في أعراضهم فهو محرم على قائله. (٢)
ب - إذا کان المشهر به یتصف بما يقال عنه،
ولكنه لا يجاهر به، ولا یقع به ضرر علی غیره.
فالتشهير به حرام أيضا، لأنه يعتبر من الغيبة
التي نهى الله سبحانه وتعالى عنها في قوله:
﴿وَلا يَغْتَبْ بعضُكم بعضَا﴾. (٣) وقد روى
أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صل﴾
قال: «أتدرون ما الغِيبة؟ قالوا: الله ورسوله
أعلم. قال: ذِكْرُك أخاك بما يَكْره. قيل:
أفرأيتَ إن كان في أخي ما أقولُ؟ قال: إن كان
فيه ما تقولُ فقد آغْتبتَه، وإن لم يكن فيه ماتقول
فقد بَهَنّه)). (٤)
= المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ٥٠٤ ط مصطفى
الحلبي)، ورواه أبو داود (١٩٣/٥ ط عزت عبيد
الدعاس)، وأحمد (١/ ١٩٠ المكتب الإسلامي) بلفظ
مقارب، وحسن إسناده السيوطي (فيض القدير
٥٣١/٢).
(١) مختصر تفسير ابن كثير ٣/ ١١٤، وفتح الباري ١١/ ٣٣٧
وحديث: ((من سمّع سمع الله به)) أخرجه البخاري
(فتح الباري ١٢٨/١٣ط. السلفية)، ومسلم (٢٢٨٩/٤
ط. عيسى الحلبي).
(٢) المغني ١٧٨/٩، ومغني المحتاج ٤/ ٤٣١
(٣) سورة الحجرات / ١٢
(٤) حديث: ((أتدرون ما الغيبة؟ ... )) أخرجه مسلم
(٤ / ٢٠٠١ط. عيسى الحلبي).
- ٤١ -
HI

تشهير ٤ - ٥
ومن ذلك: قول العالم: قال فلان كذا مريدا
التشنيع عليه. أوقول الإِنسان: فعل كذا بعض
الناس، أو بعض من يدّعي العلم، أو بعض
من ينسب إلى الصلاح والزهد، أو نحوذلك إذا
كان المخاطب يفهمه بعينه، ونحو ذلك.
ومن المقرر شرعا: أن الستر على المسلم
واجب لمن ليس معروفا بالأذى والفساد. فقد
قال النبيِ وَل﴾: ((من ستر مسلما سَتَرَه الله عزّ
وجلّ يومَ القيامة)) (١) قال في شرح مسلم: وهذا
الستر في غير المشتهرين. وقال ابن العربي : إذا
رأيت إنسانا على معصية فعظه فيما بينك وبينه،
ولا تفضحه. (٢)
جـ - ويحرم كذلك تشهیر الإِنسان بنفسه، إذ
المسلم مطالب بالستر على نفسه. ففي
الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
قال: سمعت رسول الله وَ ل يقول: ((كلَّ أمتي
مُعَافى إلا المجاهرين، وإن من الإِجهار أن يعمل
العبد بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره
عليه الله، فيقول: يافلان! عملتُ البارحة كذا
وكذا. وقد بات يستره الله عز وجل ويصبح
(١) حديث: ((من ستر مسلما ستره الله عز وجل ... )) أخرجه
البخاري (فتح الباري ١٩٧/٥ ط. السلفية)، ومسلم
(١٩٩٦/٤ط. عيسى الحلبي).
(٢) الأذكار ص ٢٨٨ - ٢٩٠، والآداب الشرعية لابن مفلح
٢٦٦/١، والخطاب ٦/ ١٦٤، والمواق بهامش الخطاب
١٦٦/٦، والزواجر ٢/ ٦، والفواكه الدواني ٣٦٩/٢
یکشف ستر الله عز وجل عنه))(١)
والستر واجب على المسلم في خاصة نفسه
إذا أتى فاحشة، لقول النبي ◌َّ: ((من أصاب
من هذه القاذورات شيئا فَلْيستَترْ بستر الله)). (٢)
٥ - ويكون التشهير جائزا في الأحوال الآتية :
أ - بالنسبة لمن يجاهر بالمعصية، فيجوز ذكر
من يتجاهر بفسقه، لأن المجاهر بالفسق
لا يستنكف أن يذكر به، ولا يعتبر هذا غيبة في
حقه، لأن من ألقى جلباب الحياء لا غيبة له.
قال القرافي: المعلن بالفسوق - كقول امرىء
القيس: فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع، فإِنه
يفتخر بالزنا في شعره - فلا يضر أن يحكى ذلك
عنه، لأنه لا يتألم إذا سمعه، بل قد يسربتلك
المخازي، وكثير من اللصوص يفتخر بالسرقة
والاقتدار على التسور على الدور العظام
والحصون الكبار، فذكر مثل هذا عن هذه
الطوائف لا يحرم .
(١) حديث: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين ... )) أخرجه
البخاري (فتح الباري ١٠/ ٤٨٦ط. السلفية)، ومسلم
(٢٢٩١/٤ ط. عيسى الحلبي).
(٢) الآداب الشرعية ٢٦٧/١، والمواق بهامش الحطاب
١٦٦/٦، ومغني المحتاج ٤/ ١٥٠
وحديث: ((من أصاب من هذه القاذورات شيئا ... ))
أخرجه مالك في الموطأ (٨٢٥/٢ط. فؤاد عبدالباقي)،
والبيهقي (٣٣٠/٨ط. دار المعرفة)، والحاكم
(٤/ ٢٤٤ط. دار الكتاب العربي). وقال حديث صحيح
على شرط الشيخين، وأقره الذهبي.
- ٤٢ -

تشهير ٥ - ٦
وفي الإِكمال في شرح حديث مسلم: ((من
ستر مسلما ستره الله))(١) قال: وهذا الستر في
غير المشتهرين. وقال الخلال: أخبر ني حرب:
سمعت أحمد يقول: إذا كان الرجل معلنا بفسقه
فلیست له غيبة .
وذكر ابن عبد البر في كتاب بهجة المجالس
عن النبيِ وَ له: «ثلاثةٌ لا غِيبة فيهم: الفاسقُ
المعلن بفسقه، وشارب الخمر، والسلطان
الجائر))(٢).
٦ - ب - إذا كان التشهير على سبيل نصيحة
المسلمين وتحذيرهم، وذلك كجرح الرواة
والشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف
والأيتام، والتشهير بالمصنفين والمتصدين لإِفتاء
أو إقراء مع عدم أهلية، أو مع نحو فسق أوبدعة
يدعون إليها، وأصحاب الحديث وحملة العلم
المقلَّدين، هؤلاء يجب تجريحهم وكشف أحوالهم
(١) حديث: ((من ستر مسلما ستره الله)) سبق تخريجه ف / ٤
(٢) الفروق للقرافي ٢٠٦/٤، ٢٠٧، والزواجر ١٣/٢،
والآداب الشرعية ٢٧٦/١، ٢٧٧، والفواكه الدواني
٣٨٩/٢، ٣٩٠، والخطاب ١٦٤/٦، والأذكار / ٢٩٣
وحديث: ((ثلاثة لا غيبة لهم ... )) عزاه السيوطي في
جمع الجوامع (٤٩١/١ نسخة مصورة عن دار الكتب
المصرية) إلى الديلمي عن الحسن عن أنس رضي الله عنه.
وفي فيض القدير (٣٢٣/٣ط. المكتبة التجارية) بلفظ
((ثلاثة لا يحرم عليك أعراضهم: المجاهر بالفسق، والإِمام
الجائر، والمبتدع)) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة عن
الحسن مرسلا.
السيئة لمن عرفها ممن یقلّد في ذلك ویلتفت إلى
قوله، لئلا يغتر بهم ویقلد في دین الله من
لا يجوز تقليده، وليس الستر هنا بمرغب فيه
ولا مباح. على هذا اجتمع رأي الأمة قديما
وحدیثا . (١).
يقول القرافي: أرباب البدع والتصانيف
المضلة ينبغي أن يشهّر الناس فسادها وعيبها .
وأنهم على غير الصواب، ليحذرها الناس
الضعفاء فلا يقعوا فيها، وينفر عن تلك المفاسد
ما أمكن، بشرط أن لا يتعدى فيها الصدق،
ولا يفترى على أهلها من الفسوق والفواحش
ما لم يفعلوه، بل يقتصر على ما فيهم من
المنفرات خاصة، فلا يقال في المبتدع: إنه
يشرب الخمر، ولا أنه يزني، ولا غير ذلك مما
لیس فیه .
ويجوز وضع الكتب في جرح المجروحين من
رواة الحديث والأخبار بذلك لطلبة العلم
الحاملين لذلك لمن ينتفع به وينقله، بشرط أن
تكون النية خالصة لله تعالى في نصيحة
المسلمين في ضبط الشريعة .
أما إذا كان لأجل عداوة أو تَفَگُّهٍ بالأعراض
وجريا مع الهوى فذلك حرام، وإن حصلت به
المصلحة عند الرواة . (٢)
(١) الزواجر ١٣/٢، والخطاب ١٦٤/٦، والآداب الشرعية
٢٦٦/١
(٢) الفروق للقرافي ٤/ ٢٠٦، ٢٠٧
- ٤٣ -

تشهیر ٦ - ٧
ويقول الخطيب الشربيني: لو قال العالم
لجماعة من الناس: لا تسمعوا الحديث من فلان
فإنه يخلط، أو لا تستفتوا منه فإنه لا يحسن
الفتوى فهذا نصح للناس. نص عليه في الأم.
قال: وليس هذا بغيبة إن كان يقوله لمن يخاف أن
يتبعه ويخطىء باتباعه. (١) ومثله في الفواكه
الدواني. (٢)
ويقول النووي : يجوز تحذير المسلمين من
الشر ونصيحتهم، وذلك من وجوه منها : جرح
المجروحين من الرواة للحديث والشهود، وذلك
جائز بإِجماع المسلمين، بل واجب للحاجة.
ومنها: إذا استشارك إنسان في مصاهرته أو
مشاركته أو إيداعه أو الإِيداع عنده أو معاملته
بغير ذلك، وجب عليك أن تذکر له ماتعلمه منه
على جهة النصيحة . (٣)
وفي مغني المحتاج: ينكر على من تصدى
للتدریس والفتوى والوعظ وليس هو من أهله،
ويشهّر أمره لئلا يغتر به . (٤)
ثانيا: التشهير من الحاكم :
تشهير الحاكم لبعض الناس يكون في الحدود
أو في التعزير.
(١) مغني المحتاج ٤/ ٤٣٥
(٢) الفواكه الدواني ٢/ ٢٧٠
(٣) الأذكار للنووي / ٢٩٢
(٤) مغني المحتاج ٢١١/٤
أ - بالنسبة للحدود:
٧ - قال الفقهاء: ينبغي أن تقام الحدود في ملأ
من الناس، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عذابَهما
طائفةٌ من المؤمنين﴾(١)، قال الكاساني:
والنص وإن ورد في حد الزنى، لكن النص
الوارد فیه یکون واردا في سائر الحدود دلالة، لأن
المقصود من الحدود كلها واحد، وهو زجر
العامة، وذلك لا يحصل إلا وأن تكون الإِقامة
على رأس العامة، لأن الحضور ينزجرون
بأنفسهم بالمعاينة، والغائبين ينزجرون بإخبار
الحضور، فيحصل الزجر للكل. (٢)
وقال عبدالملك بن حبيب: ينبغي أن يكون
إقامة الحد علانية وغير سر، ليتناهى الناس عما
حرم الله عليهم. (٣) .
وقال مطرف: ومن أمر الناس عندنا الشهر
لأهل الفسق رجالا ونساء، والإِعلام بجلدهم
في الحدود وما يلزمهم من العقوبة وكشف وجه
المرأة . (٤)
وسئل الإِمام مالك عن المجلود في الخمر
والفِرية: أترى أن يطاف بهم وبشُرّاب الخمر؟
قال: إذا کان فاسقا مدمناً فاری أن یطاف بهم،
(١) سورة النور/ ٢
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٦١،٦٠
(٣) التبصرة بهامش فتح العلي المالك ٢/ ٢٦٩
(٤) التبصرة ١٨٣/٢
- ٤٤ -

تشهیر ٧ - ٨
ونعلن أمرهم ويفضحون. (١)
وفي حد السرقة قال الفقهاء: يندب أن يعلق
العضو المقطوع في عنق المحدود، لأن في ذلك
ردعا للناس، وقد روی فضالة بن عبيد رضي
الله عنه أنّ النبي ◌َ﴾ ((آتيَ بسارق قطعت يده،
ثم أمربها فعلقت في عنقه)) وفعل ذلك علي
رضي الله عنه. (٢)
وذكر في الدر المختار حديث: ((مابالُ العاملِ
نبعثه، فيأتي فيقول: هذا لك وهذا لي. فهلا
جلس في بيت أبيه وأمه فينظرُ أَيهدى له أم لا؟
والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم
القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له
رُغاء، أو بقرة لها خُوار، أو شاة تْعَرُ)). (٣)
قال ابن عابدين: ويؤخذ من هذا الحديث
- كما قال ابن المنير - أن الحكام أخذوا
بالتجريس بالسارق ونحوه من هذا الحديث. (٤)
كذلك قال الفقهاء في قاطع الطريق إذا
صلب: يصلب ثلاثة أيام ليشتهر الحال ويتم
(١) التبصرة ٢/ ١٧٧
(٢) المهذب ٢/ ٢٨٤، ومغني المحتاج ١٧٩/٤، والمغني
٢٦١/٨، وحديث فضالة أخرجه أبوداود (٤ / ٥٦٧ -
تحقيق عزت عبيد دعاس) والنسائي (٩٢/٨ - ط المكتبة
التجارية).
وقال النسائي: احجاج بن أرطأة - يعني الذي في
اسناده : - ضعيف، ولا يحتج بحديثه .
(٣) حديث: ((ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول ... )) أخرجه
البخاري (فتح الباري ١٦٤/١٣ ط. السلفية)، ومسلم
(١٤٦٣/٣ ط عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري.
(٤) ابن عابدين ١٩٢/٣. والتجريس بالسارق: التسميع به.
النكال. قال ابن قدامة: إنما شرع الصلب ردعا
لغيره ليشتهر أمره. (١)
ب - بالنسبة للتعزير:
٨ - التشهير نوع من أنواع التعزير، أي أنه
عقوبة تعزيرية .
ومعلوم أن التعزير يرجع في تحديد جنسه
وقدره إلی نظر الحاكم، فقد یکون بالضرب أو
الحبس أو التوبيخ أو التشهير أو غير ذلك،
حسب اختلاف مراتب الناس، واختلاف
المعاصي، واختلاف الأعصار والأمصار.
وعلى ذلك فالتعزير بالتشهير جائز إذا علم
الحاكم أن المصلحة فيه، وهذا الحكم هو
بالنسبة لكل معصية لا حدّ فيها ولا كفارة في
الجملة .
يقول الماوردي: للأمير إذا رأى من الصلاح
في ردع السفلة: أن يشهرهم وينادي عليهم
بجرائمهم، ساغ له ذلك. (٢)
ويقول: يجوز في نكال التعزير أن يجرد من
ثيابه، إلا قدر ما يستر عورته، ويشهر في
الناس، وينادى عليه بذنبه إذا تكرر منه ولم
یتب. (٣)
(١) مغني المحتاج ١٨٢/٤، والمغني ٢٨٨/٨، ٢٩١
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٢١
(٣) المرجع السابق / ٢٣٩
- ٤٥ -

تشهير ٨
وفي التبصرة لابن فرحون: إن رأى القاضي
المصلحة في قمع السفلة بإِشهارهم بجرائمهم
فعل. (١)
ويقول ابن فرحون أيضا: إذا حكم القاضي
بالجور، وثبت ذلك عليه بالبيئة، فإنه يعاقب
العقوبة الموجعة، ويعزل ويشهّر ويفضح. (٢)
وفي كشاف القناعِ: القوّادة - التي تفسد
النساء والرجال - أقلّ ما يجب فيها الضرب
البليغ، وينبغي شهرة ذلك بحیث یستفیض في
الرجال والنساء لتجتنب. (٣)
غير أنه يلاحظ أن الفقهاء دائما يذكرون
التشهير في تعزير شاهد الزور مما يوحي بأن
التشهير واجب بالنسبة لشاهد الزور، وذلك
لاعتبار هذه المعصية من الكبائر.
قال الإِمام أبو حنيفة في شاهد الزور في
المشهور: یطاف به ویشهر، ولا یضرب استنادا
إلى ما فعله القاضي شريح، وزاد الصاحبان
ضربه وحبسه . (٤)
ويذكر ابن قدامة حديث النبي مطير: ((ألا
أُنَبِّئُكُم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسولَ الله .
قال: الإِشراك بالله وعقوق الوالدين، وكان
(١) التبصرة بهامش فتح العلي ٢ / ١٤٦
(٢) المرجع السابق ٣١٥/٢
(٣) كشاف القناع ٦/ ١٢٧
(٤) ابن عابدين ١٩٢/٣، ٣٩٥/٤، والبدائع ٢٨٩/٦
متكئا فجلس، فقال: ألا وقولُ الزور وشهادة
الزور. فما زال يكررها حتى قلنا: ليته
سکت)». (١)
ثم يقول ابن قدامة: فمتى ثبت عند الحاكم
عن رجل أنه شهد بزور عمدا عزره وشهره في
قول أكثر أهل العلم. روي ذلك عن عمر
رضي الله تعالى عنه، وبه يقول شريح
والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله والأوزاعي
وابن أبي ليلى ومالك والشافعي وعبدالملك بن
يعلى قاضي البصرة. (٢)
وفي كشاف القناع: إذا عزر من وجب عليه
التعزير وجب على الحاكم أن يشهره لمصلحة
کشاهد زور لیجتنب. (٣)
وجاء في التبصرة: التعزير لا يختص بالسوط
واليد والحبس، وإنما ذلك موكول إلى اجتهاد
الإِمام. قال أبوبكر الطرطوشي في أخبار الخلفاء
المتقدمين: إنهم كانوا يعاملون الرجل على قدره
وقدر جنایته، فمنهم من يُضرَب، ومنهم من
يحبس، ومنهم من يقام واقفا على قدميه في
المحافل، ومنهم من تنزع عمامته .
(١) حديث: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا ... )) أخرجه
البخاري (فتح الباري ٤٠٥/١٠ط. السلفية)، ومسلم
(٩١/١ط. عيسى الحلبي).
(٢) المغني ٩/ ٢٦١
(٣) كشاف القناع ١٢٥/٦ - ١٢٧
- ٤٦ -

تشهير ٨
قال القرافي: إن التعزير يختلف باختلاف
الأعصار والأمصار، فَرُبَّ تعزیر في بلد یکون
إكراما في بلد آخر، كقطع الطيلسان ليس تعزيرا
في الشام فإنه إكرام، وکشف الرأس بالأندلس
ليس هوانا وبمصر والعراق هوان .
ثم قال صاحب التبصرة: والتعزير لا يختص
بفعل معين ولا قول معين، فقد عزر رسول الله
﴿ ﴿ بالهَجْر، وذلك في حق الثلاثة الذين ذكرهم
الله تعالى في القرآن الكريم، فهجروا خمسين
يوما لا يكلمهم أحد. (١).
وعزر رسول اللّه وَل بالنفي، فأمر بإِخراج
المخنثين من المدينة ونفيهم. (٢)
وفي مغني المحتاج: يجتهد الإِمام في جنس
التعزير وقدره، لأنه غير مقدر شرعا، فيجتهد في
سلوك الأصح، فله أن يشهر في الناس من أدى
اجتهاده إليه. ويجوز له حلق رأسه، ويجوز أن
یصلب حيّا، وهو ربطه في مكان عال لما لا يزيد
عن ثلاثة أيام ثم يرسل، ولا يمنع في تلك المدة
عن الطعام والشراب والصلاة. (٣)
(١) التبصرة ٢٩٥/٢، ٢٩٦
وحديث: ((هجر الثلاثة الذين تخلفوا ... )) أخرجه
البخاري (فتح الباري ٣٤٢/٨ط. السلفية). ومسلم
(٤/ ٢١٢٠ ط. عيسى الحلبي).
(٢) حديث: ((الأمر بإِخراج المخنثين من المدينة ونفيهم))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠/ ٣٣٣ط. السلفية).
(٣) مغني المحتاج ٤/ ١٩٢
وهذه النصوص تدل على أنه يجوز أن یکتفی
بالتشهير كعقوبة تعزيرية إذا رأى الإِمام ذلك،
ويجوز أن يضم إليه عقوبة أخرى كالضرب
والحبس.
وقد كان أبوبكر البحتري - وهو أمير المدينة -
إذا أتي برجل، قد أخذ معه الجرة من المسكر،
أمر به فصب على رأسه عند بابه، کیما يعرف
بذلك ویشهر به . (١)
22.
(١) التبصرة ٢/ ١٨٣
- ٤٧ -

تشوف ١ - ٣
تشوف
التعريف :
١ - التشوف لغة: مصدر تشوف. يقال:
تشوّفتِ الأوعالُ: إذا علت روءوس الجبال تنظر
السهل وخلوه مما تخافه لتَرَدَ الماء. ومنه قيل:
تشوف فلان لكذا: إذا طمح بصره إليه. ثم
استعمل في تعلق الآمال، والتطلب.
والُشوّفة من النساء: التي تظهر نفسها ليراها
الناس .
وتشوفت المرأة: تزينت وتطلعت
للخطاب -(١) من شفت الدرهم: إذا جلوته.
ودينار مشوف: أي مجلو - وهو أن تجلو المرأة
وجهها وتصقل خديها . (٢)
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي لِلَفظ تشوف
عن معانيه الواردة في اللغة .
وقيل: التشوف بمعنى التزين خاص
بالوجه، والتزين عام يستعمل في الوجه
وغيره. (٣)
(١) المصباح المنير، ولسان العرب، ومحيط المحيط، ومعجم
متن اللغة مادة: ((شوف)).
(٢) فتح القدير ٣/ ١٧٢ والعناية عليه .
(٣) شرح فتح القدير ٣/ ١٧٢ ط دار صادر.
الحكم الإجمالي :
أ - تشوف الشارع لإثبات النسب:
٢ - من القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية:
أن الشارع متشوف للحاق النسب، (١) لأن
النسب أقوى الدعائم التي تقوم عليها الأسرة،
ويرتبط به أفرادها، قال تعالى : ﴿وهو الذي
خَلَقَ من الماء بَشَرا فجعله نَسَباً وصِهْرا، وكان
رُبُّك قديرا﴾. (٢)
ولاعتناء الشريعة بحفظ النسب وتشوفها
لإثباته تكرر فيها الأمر بحفظه عن تطرق الشك
إليه، والتحذير من ذرائع التهاون به .
ولمراعاة هذا المقصد اتفق الفقهاء على اعتبار
الأحوال النادرة في إلحاق النسب، لتشوف
الشارع لإثباته . (٣)
وللتفصيل (ر: نسب).
ب - التشوف إلى العتق :
٣ - من محاسن الإِعتاق أنه إحياء حكمي،
يخرج العبد من كونه ملحقا بالجمادات إلى كونه
أهلا للكرامات البشرية، من قبول الشهادة
(١) رد المحتار على الدر المختار ٤/ ٤٤٤، ٦٢٤، ٦٢٧،
والبدائع ٣٢٩/٤، وحاشية الدسوقي ٤١٢/٣، وشرح
الزرقاني ١٠٥/٦، والكافي لابن عبدالبر ٩١٦/٢
ومابعدها .
(٢) سورة الفرقان / ٥٤
(٣) القرافي في الفروق - الفرق ١٧٥، ٢٣٩
- ٤٨ -

تشوف ٤
والولاية والقضاء. ويقع العتق عند الفقهاء من
كل: مكلف مسلم - ولوسكران أوهازلا ولو
دون نية - لتشوف الشارع إلى الحرية بلا خلاف
بين الفقهاء. وقد أجمعوا على أنه من حيث
الأصل تصرف مندوب إلیه، ويجب لعارض،
ويحصل به القربة(١) لقوله تعالى: ﴿فتحريرُ رَقَبَةٍ
مُؤْمِنِةٍ﴾(٢) وقوله عز وجل ﴿فَكُّ رقبةٍ﴾. (٣)
ولخبر ((أيما مسلمٍ أعتق مؤمنا أعتقَ الله بكل
عضوٍ منه عضواً من النار)) (٤) (ر: عتق،
إعتاق).
جـ - التشوف في العدة :
٤ - المطلقة الرجعية لها أن تتزين، لأنها حلال
للزوج، لقيام نكاحها مادامت في العدة،
والرجعة مستحبة، والتزين حامل عليها فيكون
مشروعا. وهذا عند الحنفية، والمالكية،
والحنابلة .
أما الشافعية: فيرون أنه يستحب لها
الإِحداد. فلا يستحب لها التزين. ومنهم من
(١) شرح فتح القدير ٤٣٩/٥، ٤٤٢ ط دار صادر، وحاشية
الدسوقي ٥٩/٤ وشرح الزرقاني وحاشية البناني عليه
٧/ ١٢٠ ط دار الفكر، وحواشي الشرواني وابن قاسم
العبادي على تحفة المحتاج ٣٥٦/١٠ ط دار صادر، ونهاية
المحتاج ٣٥٦/٨، ٣٥٧ ط الحلبي بمصر، ومطالب أولي
النهى ٤/ ٦٩١ ومابعدها
(٢) سورة النساء / ٩٢
(٣) سورة البلد / ١٣
(٤) متفق عليه .
قال: الأولى أن تتزين بما يدعو الزوج إلى
رجعتها(١). (ر: عدة)
ولا خلاف بين الفقهاء في تحريم الزينة على
المتوفى عنها زوجها مدة عدتها، لوجوب الإِحداد
عليها .
وأما المبانة في الحياة بينونة كبرى، فقد
اختلف الفقهاء فيها على أقوال: فذهب
الحنفية، والشافعية في قول إلى أنه يحرم عليها
الزينة، حدادا وأسفا على زوجها، وإظهارا
للتأسف على فوت نعمة النكاح، الذي هو
سبب لصونها وكفاية مئونتها، ولحرمة النظر
إليها، وعدم مشروعية الرجعة.
وقال الشافعية: يستحب لها الإِحداد. وفي
قول: الإِحداد واجب على ماتقدم،
وأما المالكية فقالوا: لا إحداد إلا على المتوفى
عنها زوجها فقط. ومفاده: لا إحداد على المبانة
وإن استحب لها في عدتها .
ولا يسن لها الإِحداد عند الحنابلة، ولهذا
لا يلزمها أن تتجنب مايرغّب في النظر إليها من
الزينة . (٢)
وللتفصيل (ر: عدة).
(١) ابن عابدين ٥٣٦/٢، ٦١٦ -٦١٨ ط بيروت، وبدائع
الصنائع ٣/ ١٨٠ ط أولى، وشرح فتح القدير ١٧٢/٣ ط
دار صادر، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٤ / ٤٥٧ -
٤٥٩، ونهاية المحتاج ٧/ ١٤٠ وما بعدها، وروضة
الطالبين ٤٠٥/٨ - ٤٠٧، والشرح الكبير ٤٧٨/٢ -
٤٧٩، والمغني ٢٧٩/٧، ٥١٧ - ٥١٩
(٢) المراجع السابقة.
- ٤٩ -

تشوف ٥، تشييع الجنازة
د - التشوف للخطاب:
٥ - يرى الفقهاء أنه لا يجوز للتي تكون صالحة
للخطبة والزواج أن تتزين استعدادا لرؤية من
يرغب في خطبتها والزواج بها.
وأجمعوا على أنه يجوز للخاطب أن يرى
بنفسه من يرغب في زواجها لكي يقدم على
العقد إن أعجبته، ویحجم عنه إن لم تعجبه،
لخبر ((إذا خطبَ أحدُكم امرأةً، فإِن استطاع أن
ينظر منها إلى مايدعوه إلى نكاحها فليفعل))(١)
وذلك لأنه من أسباب الألفة والوئام.
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه
خطب امرأة، فقال له النبي وَلاير: ((أنظرتَ
إليها؟ قال: لا. فقال: اذهب فانظر إليها، فإنه
أحری أن يُؤْدَم بینکما))(٢).
ويرى أكثر الفقهاء أن للخاطب أن ينظر إلى
الوجه والكفين فقط، لأن رؤيتهما تحقق المطلوب
من الجمال وخصوبة الجسد وعدمها. فيدل
الوجه على الجمال أو ضده لأنه مجمع المحاسن،
والكفان على خصوبة البدن .
وأجاز بعض الحنفية النظر إلى الرقبة
(١) حديث: ((إذا خطب أحدكم امرأة فإِن ... )) أخرجه
أبو داود (٥٦٥/٢ - ٥٦٦ - ط عزت عبيد دعاس) وحسنه
ابن حجر في الفتح (١٨١/٩ - ط السلفية).
(٢) حديث: ((اذهب فانظر إليها فإنه أحرى ... )) أخرجه
ابن ماجة (٦٠٠/١ - ط الحلبي) وقال البوصيري في
الزوائد: إسناده صحيح.
والقدمين. وأجاز الحنابلة النظر إلى مايظهر عند
القيام بالأعمال، وهي ستة أعضاء: الوجه،
والرأس، والرقبة، واليد، والقدم، والساق،
لأن الحاجة داعية إلى ذلك، ولإِطلاق
الأحاديث السابقة . (١)
وللتفصيل (ر: نكاح، خطبة).
تشييع الجنازة
انظر : جنازة
(١) بداية المجتهد ٢ / ٤ ط م الكليات الأزهرية، وحاشية ابن
عابدين ٨/٣ ومابعدها ط مصطفى الحلبي بمصر، وحاشية
الدسوقي ٢١٥/٢، ونهاية المحتاج ١٨٣/٦، والمغني
٥٥٣/٦ وما بعدها، والمبدع في شرح المقنع ٧/٧
ومابعدها.
- ٥٠ -

تصادق ١ - ٦
تصادق
التعريف :
١ - التصادق لغة واصطلاحا: ضد التكاذب.
يقال: تصادقا في الحديث والمودة ضد تكاذبا.
ومادة تفاعل لا تكون غالبا إلا بين اثنين. يقال:
تحابا وتخاصما، أي أحب أو خاصم كل منهما
الآخر.
واستعمل المالكية أيضا (التقارر) بمعنى
التصادق . (١)
حكم التصادق :
٢ - حكم التصادق في الجملة - في حق
المتصادقين إذا تعلقت به حقوق العباد، أو كان
في حقوق الله التي لا تدرأ بالشبهات - اللزوم،
وهو أبلغ من الشهادة، لأنه نوع من الإقرار.
قال أشهب: قول كل أحد على نفسه أوجب
من دعواه على غيره.
أما بالنسبة لحقوق الله تعالى التي تدرأ
بالشبهات فليس بلازم. (٢)
(١) تاج العروس، والدسوقي ٣٣١/٢، وحاشية القليوبي
٣٠٩/٢، وتبصرة الحكام ٣٦/٢
(٢) تبصرة الحكام ٣٦/٢
من یعتبر تصادقه :
٣ - التصادق الذي يعتد به ویترتب علیه حکم
يكون من البالغ العاقل المختار، فلا يعتبر
تصديق الصغير وغير العاقل.
صفة التصادق :
٤ - صفة التصديق لفظ أو مايقوم مقامه يدل
على توجه الحق قبل المقِر (المصدق).
ويقوم مقام اللفظ: الإِشارة والكتابة
والسكوت. فالإِشارة من الأبكم ومن المريض.
فإِذا قيل للمريض: لفلان عندك كذا، فأشار
برأسه أن نعم، فهذا تصديق إذا فهم عنه
مراده.(١)
ما يشترط في المصادَق :
٥ - يشترط في المصادق أن يكون أهلا
للاستحقاق، وألا یکذبه المصادق، فإذا كذب
المصادِق المصادق ثم رجع لم یفد رجوعه، إلا أن
يرجع المصادَق إلى ما أقر به .
محل التصادق :
٦ - يكون التصديق في النسب والمال.
والتصديق في النسب ينظر تحت عنوان
(نسب).
(١) تبصرة الحكام ٣٦/٢، ٣٨
- ٥١ -

تصادق ٧ - ٨
والتصديق في المال نوعان: مطلق ومقيد.
فالمطلق: ما صدر غیر مقترن بما يقيده أو يرفع
حکمه أو حکم بعضه، فإِذا كان التصديق على
هذا الوجه فهو ملزم لمن صَدَّق، وعليه أداء
ماصدّق فيه، ولا يجوز له الرجوع عنه.
وإذا كان التصديق مقيدا بقيد ففي لزومه أو
عدمه تفصيل ينظر في مصطلح (إقرار).
التصادق في حقوق الله تعالى :
٧ - إذا تصادق اثنان أو أكثر على إسقاط حق
من حقوق الله تعالى فلا عبرة بتصادقهم،
ولا يترتب عليه حكم، إلا إذا قامت بينة على
هذا التصادق، فيكون الحكم في هذه الحال ثابتا
بالبينة لا بالتصادق، ويتضح ذلك من الأمثلة
الآتية :
إن طلق الزوج زوجته قبل الدخول، وكان
قد خلا بها، لزمتها العدة إن كان الزوج بالغا،
وكانت المرأة مطيقة للوطء، سواء أكانت خلوة
اهتداء أم خلوة زيارة. وهذا عند الحنفية
والمالكية والحنابلة. وتجب العدة حينئذ ولو
تصادقا على نفي الوطء، لأن العدة حق الله
تعالى، فلا تسقط بالتصادق.
ويؤخذ بتصادقهما على نفي الوطء فيما هو
حق لهما: فلا نفقة لها، ولا يتكمل لها الصداق،
ولا رجعة له عليها. أي كل من أقر منهما أخذ
بإقراره اجتماعا أو انفرادا. ويترتب على قبول
التصادق أورده أحكام كثيرة، کثبوت النسب
من تاريخ الخلوة، وتأكيد المهر، والنفقة والسكن
والعدة، وحرمة نكاح أختها في عدتها وأربع
سواها. وفي هذه المذاهب اختلاف في الحقوق
التي تترتب على الخلوة. تفصيله في باب:
(النكاح).
وعند الشافعية في القديم قولان أحدهما :
الخلوة مؤثرة، وتصدق المرأة في ادعاء الإِصابة
(الوطء) والقول الثاني أنها كالوطء. وفي
الجديد: إن الخلوة وحدها لا تؤثر في المهر.
وعلى هذا لواتفقا على حصول الخلوة، وادعت
الإِصابة لم يترجح جانبها، بل القول قوله
بیمینه .
ويفهم من ذلك أنه لو صدقها يتقرر المهر
کلہ .(١)
التصادق في النكاح :
٨ - لا يثبت النكاح بالتصادق، لأن الشهادة
شرط فيه، ووقتها عند غير المالكية وقت العقد،
وعند المالكية يندب الإِشهاد وقت العقد، فإن لم
يشهد عند العقد اشترط وجوبا عند الدخول،
ولا حدّ عندهم إن فشا النكاح بولیمة أو ضرب
دف أودخان، أو كان على العقد أو الدخول
(١) ابن عابدين ٣٣٨/٢ - ٣٤١، والشرح الكبير ٤٦٨/٢،
والمغني ٦/ ٧٠٤ ط الرياض، والروضة ٢٦٣/٧
- ٥٢ -

تصادق ٩ - ١٠
شاهد واحد غير الولي، لصحة النكاح في هذه
الصور.(١)
وقال المالكية: تثبت الزوجية بالتقارر (أي
التصادق) في حق الزوجین إذا كانا بلدیین، أو
كان أحدهما بلديا، وأما الطارئان (أي من لم
يكونا من أهل البلد، سواء قدما معا أو مفترقين)
فلا تثبت الزوجية بينهما بمجرد التصادق. (٢)
حكم تصادق الزوجين على طلاق سابق :
٩ - إذا أقر رجل في حالة الصحة بطلاق بائن أو
رجعي متقدم علی وقت إقراره، ولا بينة له،
استأنفت امرأته العدة من وقت إقراره، فيصدق
في الطلاق، لا في إسناده للوقت السابق ولو
صدقته، لأنه يتهم على إسقاط العدة وهي حق
الله تعالى. فإن كانت له بينة، فالعدة من الوقت
الذي أسندت إليه البينة.
هذا بالنسبة للعدة لأنها حق الله تعالى . أما
بالنسبة لحقوق الزوجين فيعامل كل حسب
إقراره، فلوماتت الزوجة، وكانت العدة قد
انقضت بحسب إقراره، فلا يرثها لأنها صارت
أجنبیة علی مقتضی دعواه، ولا رجعة له عليها
إن كان الطلاق رجعيا، وورثته إن مات في العدة
(١) البدائع ٢٥٦/٢، والشرح الكبير ٢١٧/٢، ونهاية
المحتاج ٢١٣/٦، ٤٥/٧
(٢) الدسوقي على الشرح الكبير ٣٣١/٢ - ٣٣٢
المستأنفة، حيث كان الطلاق رجعيا إن لم
تصدقه. ولا يتزوج أختها ولا أربعا سواها في
العدة، ولو صادقته على حصول الطلاق في
الماضي نفيا لتهمة التواطؤ بينهما. وإن صدقته
فلا نفقة لها معاملة لها بتصديقها إياه. وهذا عند
الحنفية والمالكية . (١)
وعند الشافعية: أنه لو أسند الزوج الطلاق
إلى زمن ماض، وصدقت الزوجة الزوج في
الإِسناد، فالعدة من التاريخ الذي أسند إليه
الطلاق، ولو لم يقم على ذلك بينة . (٢)
والمفهوم من كلام الحنابلة أن الحكم عندهم
كذلك. فقد جاء في شرح منتهى الإِرادات: لو
جاءت امرأة حالٍما وادعت أن زوجها طلقها
وانتهت عدتها، فله تزويجها بشرطه إن ظن
صدقها، ولا سيما إن كان الزوج لا يعرف، لأن
الإِقرار (أي بالزوجية) لمجهول لا يصح. وأيضا
الأصل صدقها (أي فيما ادعته من خلوها عن
الزوجية) ولا منازع. (٣)
حكم مصادقة الزوجة على إعسار الزوج:
١٠ - يكتفى بتصديق الزوجة زوجها في دعواه
الإعسار، وتصديقها يقوم مقام البينة، ويترتب
(١) ابن عابدين ٢/ ٦١٠، والشرح الكبير ٢/ ٤٧٧
(٢) نهاية المحتاج ١٨/٧
(٣) شرح منتهى الإرادات ١٨٨/٣، والمغني ٦/ ٤٥٠ -
٤٥١، وكشاف القناع ٤٢٤/٥
- ٥٣ -

تصادق ١١
عليه مايترتب على ثبوت الإِعسار بالبينة من
حيث الحكم بالتطليق بشروطه المفصلة في
أبوابها(١) وينظر (إعسار، نفقة، مهر).
الرجوع في التصديق :
١١ - تقدم أن التصديق ملزم لمن صدق، وعلى
ذلك فلايجوز الرجوع فيه بالنسبة لحقوق العباد
وحقوق الله التي لا تدرأ بالشبهات، کالزكاة،
فمن صدق المدعي فیما ادعاه عليه من حق فلا
يجوز له الرجوع متى توافرت شروط التصديق .
ولو أقر بنسب، وصدقه المقر له، ثم رجع
المقر عن إقراره لا يقبل منه الرجوع.
أما بالنسبة لحقوق الله تعالى التي تدرأ
بالشبهات کالحدود فإنه إذا ثبت الحد بالإقرار
فقط، فإِنه يجوز للمقر الرجوع، سواء أكان
الرجوع قبل الحد أم بعده، ويسقط الحد، لأن
النبي ◌َّ عرّض لماعز بالرجوع، فلولا أنه يفيد
لما عرض له به .
وعلل الفقهاء عدم جواز الرجوع في
التصديق بحقوق الآدميين وحقوق الله التي
لا تدرأ بالشبهات: بأن رجوعه نقض لما صدر
منه وتعلق به حق الغير، فإِذا قال: هذه الدار
لزيد، لا بل لعمرو، أو ادعى زيد على ميت
(١) الشرح الكبير ٢٩٩/٢، ٥١٩، وقليوبي مع عميرة
٨٣/٤، والمغني ٧/ ٥٧٣، والدر وابن عابدين ٢/ ٦٥٦
شيئا معینا من ترکته فصدقه ابنه، ثم ادعاه
عمرو فصدقه، حكم به لزيد، ووجبت عليه
غرامته لعمرو، وهذا ظاهر أحد قولي الشافعي .
وفي القول الآخر: لا يغرم لعمروشيئا، وهو
قول أبي حنيفة، لأنه أقر له بما عليه الإِقرار به
وإنما منعه الحكم من قبوله وذلك لا يوجب
الضمان. (١)
(١) المغني ٥/ ١٦٤ ط الرياض، ونهاية المحتاج ٧/ ٤٣،
والشرح الكبير ٣١٨/٤، والبدائع ٧/ ٦١
- ٥٤ -

تصحيح ١ - ٥
تصحيح
التعريف :
١ - التصحيح لغة: مصدر صحح، يقال:
صححت الكتاب والحساب تصحيحا: إذا
أصلحت خطأه، وصححته فصح. (١)
والتصحيح عند المحدثين هو: الحكم على
الحديث بالصحة، إذا استوفى شرائط الصحة
التي وضعها المحدثون. (٢)
ويطلق التصحيح أيضا عندهم على كتابة
(صح) على كلام يحتمل الشك بأن كرر لفظ
مثلا لا يخل ترکه. (٣)
والتصحيح عند أهل الفرائض : إزالة
الكسور الواقعة بين السهام والرءوس . (٤)
والتصحيح عند الفقهاء هو: رفع أو حذف
ما يفسد العبادة أو العقد.(٥)
(١) لسان العرب مادة: ((صحح)).
(٢) تدريب الراوي / ٢٤
(٣) کشاف اصطلاحات الفنون ٨١٩/٣
(٤) التعريفات للجرجاني.
(٥) البدائع ١٣٩/٥، ١٧٨، والاختيار ٢٦/٢، ومغني
المحتاج ٤٠/٢، ومنح الجليل ٢/ ٥٧٠ - ٥٧١، وبداية
المجتهد ١٦٢/٢ ط عيسى الحلبي.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - التعديل :
٢ - التعديل: مصدر عدل، يقال: عدلت
الشيء تعدیلا فاعتدل: إذا سويته فاستوى.
ومنه قسمة التعديل. وعدلت الشاهد: نسبته
إلى العدالة. وتعديل الشيء: تقويمه. (١)
ب - التصويب :
٣ - التصويب: مصدر صوب من الصواب،
الذي هو ضد الخطأ، والتصويب بهذا المعنى
يرادف التصحيح، وصوبت قوله: قلت: إنه
صواب. (٢)
جـ ـ التهذيب :
٤ - التهذيب كالتنقية، يقال: هذب الشيء،
إذا نقاه وأخلصه. وقيل: أصلحه. (٣)
د - الإصلاح :
٥ - الإصلاح ضد الإِفساد، وأصلح الشيء بعد
فساده: أقامه، وأصلح الدابة: أحسن
إليها . (٤)
(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة: ((عدل)).
(٢) لسان العرب والمصباح المنير مادة: ((صوب)).
(٣) لسان العرب مادة: ((هذب)).
(٤) لسان العرب مادة: ((صلح)).
- ٥٥ -

تصحيح ٦ - ٨
هـ - التحرير :
٦ - تحرير الكتابة: إقامة حروفها وإصلاح
السقط .
وتحرير الحساب: إثباته مستويا لا غلت
فيه، (١) ولا سقط ولا محو. وتحرير الرقبة:
عتقها . (٢)
الحكم التكليفي :
٧ - تصحيح الفساد والخطأ أمر واجب شرعا متى
عرفه الإِنسان، سواء أكان ذلك في العبادات:
کمن اجتهد في معرفة القبلة وصلى، ثم تبین
الخطأ أثناء الصلاة، فيجب تصحيح هذا الخطأ
بالاتجاه إلى القبلة، وإلا فسدت الصلاة. أم
كان ذلك في المعاملات: كالبيع بشرط مفسد
للعقد، فيجب إسقاط هذا الشرط ليصح
البيع، وإلا وجب فسخ البيع دفعا للفساد. (٣)
ما يتعلق بالتصحيح من أحكام :
أولا : تصحيح الحديث :
٨ - تصحيح الحديث هو: الحكم عليه بالصحة
لتوافر شروط خاصة اشترطها علماء الحديث.
وقد يختلف المحدثون في صحة بعض الأحاديث
(١) الغلت: الغلط في الحساب (القاموس المحيط).
(٢) لسان العرب مادة: ((شهد)).
(٣) الهداية ٤٥/١، وابن عابدين ١٣٣/٤، والزيلعي ٤/ ٦٤
لاختلافهم في بعض الشروط، وفي تقديم
بعضها على بعض.
فقد قرر ابن الصلاح والنووي وغيرهما أنه
يحكم بصحة الحديث المسند الذي يتصل
إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط
إلى منتهاه، ولا يكون شاذا ولا معلّلاً.
قال ابن الصلاح : فهذا هو الحديث الذي
يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث.
فإذا وجدت الشروط المذكورة حكم
للحديث بالصحة، ما لم يظهر بعد ذلك أن فيه
شذوذا .
والحكم بتواتر الحدیث حكم بصحته.
وقال بعض المحدثين: يحكم للحديث
بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول، وإن لم يكن له
إسناد صحيح. قال ابن عبد البر - لما حكى عن
الترمذي أن البخاري صحح حديث البحر:
((هو الطهور ماؤه الحل ميتته))(١) وأهل الحديث
لا یصححون مثل إسناده - لکن الحدیث عندي
صحيح، لأن العلماء تلقوه بالقبول.
وقال الأستاذ أبو إسحاق الإِسفراييني : تعرف
صحة الحدیث إذا اشتهر عند أئمة الحديث بغیر
(١) حديث: ((هو الطهور ماؤه والحل ميتته)). أخرجه مالك
(الموطأ ٢٢/١ - ط عيسى الحلبي) وعنه الترمذي (١٠١/١
- ط مصطفى الحلبي) وصححه البخاري. (التلخيص
الحبير ٩/١ - شركة الطباعة الفنية المتحدة).
- ٥٦ -

تصحيح ٩ - ١٠
نکیر منهم. وقال نحوه ابن فورك. (١)
على أن هناك من اشترط غير ذلك للحكم
بالصحة، كاشتراط الحاكم أن يكون راوي
الحديث مشهورا بالطلب (أي طلب الحديث
وتتبع رواياته) وعن مالك نحوه، وكاشتراط
أبي حنيفة فقه الراوي، وکاشتراط بعض
المحدثین العلم بمعاني الحدیث، حیث یروی
بالمعنى، قال السيوطي : وهو شرط لا بد منه،
لكنه داخل في الضبط، وكاشتراط البخاري
ثبوت السماع لكل راو من شيخه، ولم يكتف
بإمكان اللقاء والمعاصرة. (٢)
أثر عمل العالم وفتياه في التصحيح:
٩ - قال النووي والسيوطي : عمل العالم وفتياه
على وفق حديث رواه ليس حكما منه بصحة
الحديث ولا بتعديل رواته، لإمكان أن يكون
ذلك منه احتياطا، أو لدليل آخر وافق ذلك
الخبر .
وصحح الآمدي وغيره من الأصوليين أنه
حکم بذلك.
وقال إمام الحرمين : إن لم يكن في مسالك
الاحتياط (أي لم تكن الفتيا بمقتضى صحة
الحديث، بل للاحتياط).
وفرق ابن تیمیة بین أن یعمل به في الترغيب
وغيره.
(١) تدريب الراوي ص ٢٢ - ٢٥
(٢) تدريب الراوي ص ٢٦
كما أن مخالفة العالم للحديث لا تعتبر قدحا
منه في صحته ولا في رواته، لإِمکان أن یکون
ذلك لمانع من معارض أو غيره.
وقد روى الإِمام مالك حديث الخيار، ولم
يعمل به لعمل أهل المدينة بخلافه، ولم یکن
ذلك قدحا في نافعٍ راویه .
ومما لا يدل على صحة الحديث أيضا - كما
ذكر أهل الأصول - موافقة الإِجماع له على
الأصح، لجواز أن يكون المستند غيره.
وقيل: يدل على صحة الحديث. (١)
تصحيح المتأخرين من علماء الحديث :
١٠ - يرى الشيخ ابن الصلاح أنه قد انقطع
التصحيح في هذه الأعصار، فليس لأحد أن
يصحح، بل يقتصر في الحكم بصحة الحديث
علی ما اعتمده السابقون، کما یری عدم اعتبار
الحديث صحيحا بمجرد صحة إسناده ما لم
يوجد في مصنفات أئمة الحديث المعتمدة
المشهورة، فأغلب الظن أنه لوصح عندهم لما
أهملوه لشدة فحصهم واجتهادهم. (٢)
وقد خالف الإِمام النووي ابن الصلاح في
ذلك، فقال: والأظهر عندي جوازه لمن تمكن
وقویت معرفته .
(١) تدريب الراوي ص ٢٠٩
. (٢) تدريب الراوي ص ٥١ - ٥٣، ٧٩، وعلوم الحديث ص
١٣
- ٥٧ -

تصحيح ١١
قال الحافظ العراقي : وهو الذي علیه عمل
أهل الحديث.
وقد صحح جماعة من العلماء المتأخرين
أحاديث لم يعرف تصحيحهما عن الأقدمين. (١)
ثانياً : تصحيح العقد الفاسد :
١١ - الفقهاء عدا الحنفية لا يفرقون في الجملة
بين العقد الباطل والعقد الفاسد، فالحكم عند
الشافعية والحنابلة: أن العقد لا ینقلب صحيحا
برفع المفسد. ففي كتب الشافعية: لو حذف
العاقدان المفسد للعقد - ولو في مجلس الخيار - لم
ينقلب العقد صحيحا، إذ لا عبرة بالفاسد. (٢)
وفي المغني لابن قدامة : لوباعه بشرط أن
يسلفه أو يقرضه، أو شرط المشتري ذلك عليه،
فهو محرم والعقد باطل، لما روى عبدالله بن
عمرو رضي الله عنهما أن النبي ◌َّ ((نهى عن
ربح ما لم يُضْمن، وعن بيع ما لم يقبض، وعن
بيعتين في بيعة، وعن شرطين في بيع، وعن بيع
(١) تدريب الراوي ص ٧٨ ومابعدها.
(٢) أسنى المطالب ٣٧/٢، ومغني المحتاج ٢/ ٤٠، وروضة
الطالبين ٣/ ٤١٠، وحاشية الجمل ٣/ ٨٤ - ١١٥،
والمنثور في القواعد ٢/ ١٥٠
وسلف)). (١) ولأنه اشترط عقدا في عقد ففسد
کبیعتین في بیعة. ولأنه إذا اشترط القرض زاد في
الثمن لأجله، فتصير الزيادة في الثمن عوضا
عن القرض وربحاله، وذلك ربا محرم، ففسد
كما لوصرح به. ولأنه بيع فاسد فلا يعود
صحيحا كما لو باع درهما بدرهمين ثم ترك
أحدهما. (٢)
وفي باب الرهن قال: لو بطل العقد لما عاد
صحيحا . (٣)
وفي شرح منتهى الإرادات : العقد الفاسد
لا ينقلب صحيحا . (٤)
وعند المالكية يصح العقد إذا حُذف الشرط
المفسد للعقد، سواء أكان شرطا ینافي مقتضى
العقد، أم كان شرطا يخل بالثمن في البيع، إلا
أربعة شروط فلا يصح البيع معها ولو حذف
الشرط، وهي :
(١) حديث: ((نهى عن ربح مالم يضمن وعن بيع مالم
يقبض ... )). رواه الطبراني من حديث حكيم بن حزام
قال في مجمع الزوائد (٤/ ٨٥) وروى النسائي بعضه، وفي
سنده عند الطبراني العلاء بن خالد الواسطي وثقه
ابن حبان، وضعفه موسى بن إسماعيل.
وروي بلفظ ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع،
ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك)). أخرجه
الترمذي (٥٣٥/٣ -٥٣٦ - ط الحلبي) من حديث
عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، وقال: حديث حسن
صحیح.
(٢) المغني ٤ / ٢٥٩ - ٢٦٠
(٣) المغني ٤/ ٣٧٩
(٤) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٥٠
- ٥٨ -

تصحيح ١١ - ١٢
أ - من ابتاع سلعة بثمن مؤجل على أنه إن
مات فالثمن صدقة علیه، فإنه یفسخ البيع ولو
أسقط هذا الشرط لأنه غرر، وكذا لوشرط: إن
مات فلا یطالب البائع ورثته بالثمن .
ب - شرط ما لا يجوز من أمد الخيار، فيلزم
فسخه وإن أسقط جواز كون إسقاطه أخذا به.
جـ ــ من باع أمة وشرط على المبتاع أن
لا يطأها، وأنه إن فعل فهي حرة، أو علیه دینار
مثلا، فيفسخ ولو أسقط الشرط لأنه يمين.
د - شرط الثنيا يفسد البيع ولو أسقط
الشرط .
وزاد ابن الحاجب شرطا خامسا وهو:
هـ- شرط النقد (أي تعجيل الثمن) في بيع
الخيار قال ابن الحاجب: لو أسقط شرط النقد
فلا يصح.(١)
وفي الإِجارة جاء في الشرح الصغير : تفسد
الإجارة بالشرط الذي يناقض مقتضى العقد،
ومحل الفساد إن لم يسقط الشرط، فإِن أسقط
الشرط صحت. (٢)
ويوضح ابن رشد سبب اختلاف الفقهاء في
صحة العقد بارتفاع المفسد أو عدم صحته .
فيقول: هل إذا لحق الفساد بالبيع من قبل
الشرط يرتفع الفساد إذا ارتفع الشرط، أولا
(١) منح الجليل ٢/ ٥٧٠ - ٥٧١
(٢) الشرح الصغير ٢٧٧/٢ ط الحلبي.
يرتفع؟ كما لا يرتفع الفساد اللاحق للبيع
الحلال من أجل اقتران المحرم العین به، کمن
باع غلاما بمائة دينار وزق خمر، فلما عقد البيع
قال: أدع الزق. وهذا البيع مفسوخ عند العلماء
بإجماع.
وهذا أيضا ينبني على أصل آخر. هو: هل
هذا الفساد معقول المعنى أو غير معقول؟
فإِن قلنا: هو غير معقول المعنى، لم يرتفع
الفساد بارتفاع الشرط. وإن قلنا: معقول،
ارتفع الفساد بارتفاع الشرط.
فمالك رآه معقولا، والجمهور رأوه غير
معقول، والفساد الذي يوجد في بيوع الربا
والغرر هو أكثر ذلك غير معقول المعنى، ولذلك
ليس ينعقد عندهم أصلا، وإن ترك الربا بعد
البيع وارتفع الغرر. (١)
١٢ - ويفرق الحنفية بين العقد الباطل والعقد
الفاسد فيصح عندهم - خلافا لزفر - تصحيح
العقد الفاسد، بارتفاع المفسد دون الباطل،
ويقولون في عقد البيع: إن ارتفاع المفسد في
الفاسد يرده صحيحا، لأن البيع قائم مع
الفساد، ومع البطلان لم يكن قائما بصفة
البطلان، بل كان معدوما .
وعند زفر: العقد الفاسد لا يحتمل الجواز
برفع المفسد.
(١) بداية المجتهد ٢/ ١٦٢ ط عيسى الحلبي.
- ٥٩ -

تصحيح ١٢
لكن تصحيح العقد الفاسد عند الحنفية
مقيد بما إذا كان الفساد ضعيفا. يقول
الكاساني: الأصل عندنا أنه ينظر إلى الفساد،
فإن كان قويا بأن دخل في صلب العقد - وهو
البدل أو المبدل - لا يحتمل الجواز برفع المفسد،
كما إذا باع عبدا بألف درهم ورطلٍ من خمر،
فحط الخمر عن المشتري فهو فاسد ولا ينقلب
صحيحا .
وإن كان الفساد ضعيفا، وهوما لم يدخل في
صلب العقد، بل في شرط جائز يحتمل الجواز
برفع المفسد، كما في البيع بشرط خيار لم يوقت،
أو وقّت إلى وقت مجهول كالحصاد، أولم يذكر
الوقت، وكما في البيع بثمن مؤجل إلى أجل
مجهول، فإذا أسقط الأجل من له الحق فيه قبل
حلوله وقبل فسخه جاز البيع لزوال المفسد، ولو
كان إسقاط الأجل بعد الافتراق على ماحرره
ابن عابدين.
وعلى هذا سائر البياعات الفاسدة بسبب
ضرر يلحق بالبائع في التسليم إذا سلم البائع
برضاہ واختیارہ۔۔ کما إذا باع جذعا له في سقف،
أو آجرًا له في حائط، أو ذراعا في ديباج - أنه
لا يجوز لأنه لا يمكنه تسليمه إلا بالنزع والقطع،
وفيه ضرر بالبائع، والضرر غير مستحق
بالعقد، فكان هذا على التقدير بيع ما لا يجب
تسلیمه شرعا، فیکون فاسدا. فإِن نزعه البائع
أو قطعه وسلمه إلى المشتري قبل أن يفسخ
المشتري البيع جاز البيع، لأن المانع من الجواز
ضرر البائع بالتسلیم، فإِذا سلم باختياره ورضاه
فقد زال المانع، فجاز البيع ولزم. (١)
وعلى هذا سائر العقود الفاسدة عند الحنفية
طبقا لقاعدة: إذا زال المانع مع وجود المقتضي
عاد الحكم.
ومن ذلك أن هبة المشاع فاسدة، فإن قسمه
وسلمه جاز. واللبن في الضرع، والصوف على
ظهر الغنم، والزرع والنخل في الأرض، والتمر
في النخيل بمنزلة المشاع، لأنها موجودة، وامتناع
الجواز للاتصال، فإذا فصلها وسلمها جاز لزوال
المانع. (٢)
ومثل ذلك: إذا رهن الأرض بدون البناء، أو
بدون الزرع والشجر، أورهن الزرع والشجر
بدون الأرض، أورهن الشجر بدون الثمر، أو
رهن الثمر بدون الشجر أنه لا يجوز، لأن
المرهون متصل بما ليس بمرهون، وهذا يمنع
صحة القبض. ولوجذ الثمر وحصد الزرع
وسلم منفصلا جاز لزوال المانع. (٣)
(١) البدائع ١٦٨/٥، ١٧٨ - ١٧٩، وابن عابدين ١١٩/٤،
والاختیار ٢/ ٢٥ - ٢٦
(٢) البدائع ٦/ ١١٩، والزيلعي ٥/ ٩٤
(٣) البدائع ٦/ ١٤٠
- ٦٠ -