النص المفهرس
صفحات 341-360
تسمية ٢١ - ٢٢
ونحو ذلك، ويزعمون أنه غير محرم، لأنه ليس
من العنب والتمر وهم فیه كاذبون، لأن كل
مسكر حرام، فإن المدار على حرمة المسكر،
ولهذا لا يضر شرب القهوة المأخوذة من البن
حیث لا سکر فیها مع الإِکثار منها، وإن كانت
القهوة من أسماء الخمر فالاعتبار بالمسمى . (١)
ثالثا : التسمية بمعنى تحديد العوض في
العقود :
٢١ - من أمثلة هذا المعنى عندهم: المهر، فإنه
لا تشترط تسميته في عقد النكاح فيصح النكاح
ويثبت مهر المثل بالدخول أو الموت.
ومن أمثلته أيضا: الأجرة، فإن الجمهور
يشترطون فيها مايشترط في الثمن في البيع،
فيجب العلم بالأجر، لقوله ملحجر: ((من استأجر
أجیرا فَلْيعلمه أجره»(٢) فإن کان الأجر دینا ثابتا
في الذمة مما يصح ثبوته فيها فلابد من بیان جنسه
ونوعه وصفته وقدره، فإن كان في الأجر جهالة
(١) عون المعبود ٣٢٩/٣، وبدائع الصنائع ٢٧٧/٢،
ومواهب الجليل ٤٩٩/٣، وحاشية الدسوقي ٢٩٤/٢،
وحاشية قليوبي وعميرة ٢٧٥/٣، وكشاف القناع
١٢٩/٥.
(٢) حديث: ((من استأجر ... )) أخرجه البيهقي ١٢٠/٦ ط
دائرة المعارف العثمانية من حديث أبي سعيد الخدري
رضي الله عنه مرفوعا، وأعله البيهقي بالإِرسال بين إبراهيم
النخعي وابن سعيد .
مفضية للنزاع فسد العقد، ويجب أجر المثل عند
استيفاء المنفعة . (١)
ومن أمثلته أيضا: الثمن، فإن الفقهاء
متفقون على وجوب تسميته في العقد بجواز
البيع. (٢) على تفصيل يذكر في مصطلح:
(ثمن، وبيع).
رابعا : التسمية بمعنى التعيين بالاسم مقابل
الإِبهام:
٢٢ - من أمثلته: تسمية الشهود، أوترك
تسميتهم لإِثبات عدالتهم. فالحنفية والشافعية
والحنابلة يرون أنه لابد من تسمية الشهود وبيان
أنسابهم وحلاهم وقبائلهم ومحالهم وأسواقهم،
إلى غير ذلك من الأمور، وذلك لإِثبات
عدالتهم .
وأما عند المالكية: فإنه يجوز للرجل أن يعدّل
آخر وإن لم يعرف اسمه ولا کنیته المشهور بها
ولا اللقب، وإن لم يذكر سبب عدالته، لأن
أسباب العدالة كثيرة بخلاف الجرح. (٣)
(١) انظر مصطلح: (إجارة) وماقيل في الأجرة في الموسوعة
الفقهية ٢٦٣/١ ط الأولى.
(٢) الفتاوى الهندية ١٢٢/٣، والدسوقي ١٥/٣، ومغني
المحتاج ١٦/٢، وكشاف القناع ١٧٣/٣
(٣) الفتاوى الهندية ٣٧٢/٣، وروضة الطالبين ١٦٨/١١،
١٦٩، وكشاغ القناع ٦/ ٣٥٣، وحاشية العدوي على
الرسالة ٢/ ٣١٩.
- ٣٤١ -
تسنيم ١ - ٢
تسنيم
التعريف :
١ - التسنيم في اللغة: رفع الشيء، يقال سنم
الإِناء: إذا ملأه حتى صار الحب فوقه كالسنام،
وكل شيء علا شيئا فقد تسنمه .
وسنام البعير والناقة: أعلى ظهرها، والجمع
أسنمة، وفي الحديث: ((نساء على رءوسهن
كأُسْنِمَة الْبُخْت))(١)
وقوله تعالى ﴿ومِزَاجُه من تَسْنيم﴾(٢) قالوا:
هو ماء في الجنة، سمي بذلك لأنه يجري فوق
الغرف والقصور. (٣)
والتسنيم في اصطلاح الفقهاء: رفع القبر
عن الأرض مقدار شبر أو أكثر قليلا. (٤)
وفي النظم المستعذب: التسنيم أن يجعل
(١) حديث: ((نساء على رءوسهن ... )). أخرجه مسلم
(٣/ ١٦٨٠ ط عيسى الحلبي).
(٢) سورة المطففين/ ٢٧
(٣) لسان العرب ، المصباح المنير، مختار الصحاح مادة:
((سنم)).
(٤) ابن عابدين ١/ ٦١، والعناية بهامش فتح القدير ١٠١/٢
ط دار إحياء التراث العربي.
أعلى القبر مرتفعا، ويجعل جانباه ممسوحين
مسندين، مأخوذ من سنام البعير. (١)
ويقابله تسطيح القبر، وهو: أن يجعل
منبسطا متساوي الأجزاء، لا ارتفاع فيه
ولا انخفاض كسطح البيت. (٢).
الحكم الإجمالي :
٢ - لا خلاف بين الفقهاء في استحباب رفع
التراب فوق القبر قدر شبر،(٣) ولا بأس بزيادته
عن ذلك قليلا على ما عليه بعض فقهاء
الحنفية، (٤) لیعرف أنه قبر، فیتوقی ویترحم
على صاحبه. فعن جابر رضي الله عنه ((أن
النبيِ نَّه عليه وسلم رُفع قبرُهُ عن الأرض قدر
شِبر)).(٥) وعن القاسم بن محمد قال لعائشة
رضي الله عنها: ((اكشفي لي عن قبر النبي
وصاحبيه، فكشفت عن ثلاثة قبور، لا مشرفة
(١) النظم المستعذب في شرح غريب المهذب للركبي بذيل
المهذب في فقه الإِمام الشافعي ١٤٥/١، والقواعد الفقهية
للمجددي البركتي الرسالة الرابعة ص٢٢٨
(٢) المصباح المنير، ولسان العرب، والصحاح للمرعشلي.
(٣) الفتاوى الهندية ١٦٦/١، والاختيار شرح المختار ٩٦/١
ن دار المعرفة، وجواهر الإكليل ١/ ١١١، والشرح الكبير
٤١٨/١، والمهذب في فقه الإِمام الشافعي ١٤٥/١،
وشرح روض الطالب من أسنى المطالب ٣٢٧/١
(٤) العناية بهامش فتح القدير ١٠١/٢، ومراقي الفلاح ٣٣٥
(٥) حديث ((عن جابر أن النبي ◌ُ لل رفع قبره ... )) رواه
البيهقي (٣/ ٤١٠ ط دار المعرفة) موصولا ومرسلا، ورجح
إرساله. وعزاه الزيلعي في نصب الراية (٣٠٣/٢) إلى
ابن حبان في صحيحه .
- ٣٤٢ -
تسنيم ٢
ولا لاطئة،
الحمراء)). (١)
العرصة
ببطحاء
مبطوحة
واختلفوا هل يسنم القبر أو يسطح؟ فذهب
الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه: يندب
تسنيمه كسنام البعير، لما روى البخاري عن
سفيان التمار أنه ((رأى قبر النبي وَلّ مسنما)). (٢)
وعن الحسن مثله. وما روي عن إبراهيم
النخعي أنه قال: ((أخبرني من رأى قبر النبي
وَ* وقبر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنها
مسنمة عليها فلق مدر بيض))(٣) وما رواه
سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما
((أن جبريل عليه السلام صلى بالملائكة على
آدم وجعل قبره مسنها)). (٤)
وكرهوا تسطيح القبر، لأن التسطيح يشبه
أبنية أهل الدنيا، وهو أشبه بشعار أهل البدع،
(١) حديث عن القاسم بن محمد قال لعائشة: ((اكشفي لي عن
قبر ... )) أخرجه أبو داود (٣٢٢٠/٥٤٩/٣ ط عبيد
الدعاس) والحاكم (٣٦٩/١ ط الكتاب العربي). وقال:
هذا حديث صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.
(٢) حديث عن سفيان التمار أنه ((رأى قبر النبي ◌َّر مسنما))
أخرجه البخاري (الفتح ٣/ ٣٥٠ ط السلفية).
(٣) حديث ((أخبرني من رأى قبر النبي ◌َّار ... )) أخرجه
محمد بن الحسن الشيباني في كتاب الآثار (ص ٨٠) قال
التهانوي في إعلاء السنن (٢٧١/٨). فيه مجهول.
(٤) حديث ((أن جبريل عليه السلام صلى بالملائكة على
آدم ... )) أخرجه الدار قطني (٢ /٧١ ط المدني) في سنده
عبدالرحمن بن مالك بن مغول. قال الدارقطني : متروك.
وانظر الكلام علیه في الكامل لابن عدي (١٥٩٨/٤ ط دار
الفكر).
فکان مکروها لذلك عندهم. ولما روی أن النبي
الَّ ((نهى عن تربيع القبور)). (١)
وذهب الشافعية إلى أنه یندب تسطيحه (أي
تربيعه) وأنه أفضل من تسنيمه، لما روي أن
إبراهيم ابن النبي ◌ّلير لما توفي ((جعل رسول الله
﴿ ﴿ قبره مسطحا)). (٢)
ولا يخالف ذلك قول علي رضي الله عنه:
((أمرني رسول الله و لو أن لا تدع تمثالا إلا
طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته))(٣) لأنه لم يرد
تسويته بالأرض، وإنما أراد تسطيحه جمعا بين
الأخبار. (٤)
(١) ابن عابدين ١/ ٦٠١، وفتح القدير ١٠٠/٢ - ١٠٢ دار
إحياء التراث العربي، والاختيار شرح المختار ١/ ٩٦ن دار
المعرفة، والفتاوى الهندية ١٦٦/١، ومراقي الفلاح ٣٣٥،
وجواهر الإكليل ١١١/١، والشرح الكبير ٤١٨/١،
ومواهب الجليل بشرح مختصر خليل ٢/ ٢٤٢، وكشاف
القناع ١٣٨/٢م النصر الحديثة، والمغني لابن قدامة
٥٠٥/٢م الرياض الحديثة. وحديث: ((نهى عن تربيع .. ))
أورده الزيلعي في نصب الراية (٤٠٣/١) وعزاه إلى كتاب
الآثار لمحمد بن الحسن الشيباني ولم يتكلم عليه في شيء.
(٢) حديث: ((أن إبراهيم بن النبي ◌َ الر ... )) بمعناه أن النبي
* رش على قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه حصباء
أخرجه الشافعي (٢١٥/١) ط دار الكتب الملكية المصرية
واللفظ له. والبيهقي (٤١١/٣) ط دار المعرفة. وقال
الحافظ في التلخيص الحبير (١٣٣/٢ ط المدني): رجاله
ثقات مع إرساله. وفي سند الشافعي إبراهيم بن محمد.
قال عنه الحافظ في التقريب (٤٢/١ ط المكتبة العلمية):
متروك.
(٣) حديث: ((أن لا تدع تمثالا إلا ... )) أخرجه مسلم
(٦٦٦/٢ ط عيسى البابي الحلبي).
(٤) شرح روض الطالب من أسنى المطالب ٣٢٧/١ -٣٢٨ ن =
- ٣٤٣ -
تسنيم ٣ ، تسوك، تسول، تسويد ١
هذا إذا دفن المسلم في دار الإِسلام.
٣ - أما إن دفن المسلم في غیر دار الإِسلام، بأن
دفن في بلد الكفار أو دار حرب، وتعذر نقله إلى
دار الإِسلام، فالأولى تسوية قبره بالأرض،
وإخفاؤه أولى من إظهاره وتسنيمه خوفا من أن
ینبش فیمثل به، وفي ذلك صيانة له عنهم.
وألحق به الأذرعي : الأمكنة التي يخاف نبشها
لسرقة كفنه أو لعداوة ونحوهما. (١)
وانظر باقي الأحكام المتعلقة بالقبر في
مصطلح (قبر).
تسوك
انظر : استياك
تسول
انظر : شحادة
= المكتبة الإِسلامية، والمهذب في فقه الإِمام الشافعي
١٤٥/١
(١) شرح روض الطالب من أسنى المطالب ١/ ٣٢٨ ن المكتبة
الإسلامية، وكشاف القناع ٢/ ٣٨ م النصر الحديثة.
تسويد
التعريف :
١ - التسوید مصدر سود، يقال: سود تسویدا.
والتسوید یأتي بمعنى التلوين بالسواد - وهو
ضد البياض - يقال: سود الشيء أي: جعله
أسود.
ويأتي التسويد من السيادة، فيكون بمعنى :
التشريف، يقال: سوده قومه تسويدا أي:
جعلوه سیدا عليهم.
وفي المصباح: ساد يسود سيادة، والاسم
السودد، وهو: المجد والشرف، فهو سيد
والأنثى سيدة.
والسيد: المتولي للسواد أي الجماعة، وینسب
إلى ذلك فيقال: سيد القوم. ولما كان من شرط
المتولي للجماعة أن یکون مهذب النفس، قیل
لکل من کان فاضلا في نفسه: سید.
ويطلق السيد على الرب، والمالك،
والحليم، ومحتمل أذى قومه، والزوج،
والرئيس، والمقدم.
ويأتي التسويد - أيضا - لنوع من المداواة،
قال في اللسان نقلا عن أبي عبيد: ويقال: سود
- ٣٤٤ -
تسويد ٢ - ٦
الإِبل تسويدا: إذا دق المسح البالي من شعر
فداوی به أدبارها . (١)
والتسويد في الاصطلاح يريد به الفقهاء
المعنيين الأولين غالبا.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - التبييض :
٢ - التبييض: مصدر بيض، يقال: بيض
الشيء أي جعله أبيض، ضد سوّده.
والبياض ضد السواد، والبيّاض: الرجل
الذي یبیض الثياب.
والمبيِّضة: أصحاب البياض، وهم فرقة من
الثنوية سموا كذلك لتبييضهم الثياب، مخالفة
للمسودة من العباسيين . (٢)
ب - التعظيم :
٣- التعظيم: مصدر عظّم، يقال: عظمه
تعظيما أي: کبره وفخمه.
والتعظيم يكون باعتبار الوصف والكيفية،
ويقابله التحقير فيهما بحسب المنزلة والرتبة . (٣)
(١) المصباح المنير ٢٩٤/١، ولسان العرب ٢٣٥/٢ - ٢٣٦،
وتاج العروس ٣٨٤/٢ - ٣٨٦، والمفردات في غريب
القرآن ٢٤٧
(٢) القاموس المحيط، ولسان العرب.
(٣) القاموس المحيط، ولسان العرب، والمصباح المنير،
والكليات ٩٥/١
جـ - التفضيل :
٤ - التفضيل: مصدر فضل، يقال: فضلته
على غيره تفضيلا أي: صيرته أفضل منه،
وفضله أي مزاه.
والتفضيل دون التسويد - بمعنى السيادة -
لكنه سبب له وطریق إلیه .(١)
د - التكريم :
٥ - التكريم: أن يوصل إلى الإِنسان نفع
لا يلحقه فيه غضاضة، أو أن يجعل مايوصل
إلى الإِنسان شيئا كريما أي شريفا.
وهو مصدر کرم، يقال: کرمه تکریما أي
عظمه ونزهه.
والإِكرام والتكريم بمعنى، والكرم ضد
اللؤم.(٢)
الحكم التكليفي :
٦ - يختلف حکم التسوید باختلاف معناه
ومبحثه الفقهي .
فالتسويد يأتي بمعنى : السيادة، ويبحث
حكمه في مواطن منها: تسويد النبي 18َّ في
الصلاة وفي غيرها، وتسويد غيره ێ، وتسوید
المنافق .
(١) القاموس المحيط، والمصباح المنير، ولسان العرب،
والمفردات في غريب القرآن مادة: ((فضل)).
(٢) القاموس المحيط، والمصباح المنير، ولسان العرب،
والمفردات في غريب القرآن مادة: ((كرم)).
- ٣٤٥ -
تسويد ٧ - ٨
ويأتي التسويد بمعنى : التلوين بالسواد،
ويبحث حكمه في مواطن منها: التعزير،
والخضاب، والحداد، والتعزية، واللباس
والعمامة، وشعر المبيع .
(أولا)
التسويد من السيادة
تسويد النبي رسَ ا :
اختلف الفقهاء في حكم تسويد النبي {ص184 في
الصلاة، وحكم تسويده وَّي في غير الصلاة.
أ - في الصلاة:
٧ - ورد لفظ الصلوات الإبراهيمية في كتب
الحديث والفقه مأثورا عن النبي وص ﴾ من غير ذكر
(سيدنا) قبل اسمه عليه الصلاة والسلام. وأما
إضافة لفظ (سيدنا) فرأى من لم يقل بزيادتها
الالتزام بما ورد عنه وَل ، لأن فيه امتثالا لما ورد
عنه * من غير زيادة في الأذكار والألفاظ
المأثورة عنه، كالأذان والإقامة والتشهد والصلاة
الإبراهيمية .
وأما بخصوص زيادة (سيدنا) في الصلاة
الإِبراهيمية بعد التشهد، فقد ذهب إلى
استحباب ذلك بعض الفقهاء المتأخرين
كالعزبن عبدالسلام والرملي والقليوبي
والشرقاوي من الشافعية، والحصكفي
وابن عابدين من الحنفية متابعة للرملي
الشافعي، كما صرح باستحبابه النفراوي من
المالكية .
وقالوا: إن ذلك من قبيل الأدب، ورعاية
الأدب خير من الامتثال، كما قال العزبن
عبدالسلام. (١)
ب - في غير الصلاة :
٨ - أجمع المسلمون على ثبوت السيادة للنبي
وَبير، وعلى علميته في السيادة. قال
الشرقاوي: فلفظ (سيدنا) علم عليه وآلهڑ .
ومع ذلك خالف بعضهم وقالوا: إن لفظ
السيد لا يطلق إلا على الله تعالى، لما روي عن
أبي نضرة عن مطرف قال: قال أبي : انطلقت
في وفد بني عامر إلى النبي ولا فقلنا: ((أنت
سيدنا، فقال: السيد الله تبارك وتعالى. قلنا:
وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا، قال: قولوا
بقولكم أو بعض قولكم، ولا يسخر بكم
الشيطان)). (٢) وفي حديث آخر أنه جاءه رجل
(١) رد المحتار على الدر المختار ٣٤٥/١، والفواكه الدواني
على رسالة القيرواني ٢/ ٤٦٤، والقليوبي ١/ ١٦٧،
وشرح الروض ١٦٦/١، وحاشية الشرقاوي على تحفة
الطلاب ٢١/١، ١٩٣، والمغني لابن قدامة ١/ ٥٤١ -
٥٤٢ - ٥٤٣، ونيل الأوطار ٣٢٦/٢، والقول البديع في
الصلاة على الحبيب الشفيع ص١٠١، وفتاوى ابن حجر
العسقلاني نقلا عن ((إصلاح المساجد من البدع والعوائد))
للقاسمي ١٤٠ ط (٥) المكتب الإسلامي.
(٢) حديث: ((قولوا بقولكم أو بعض قولكم ... )) أخرجه=
- ٣٤٦ -
تسويد ٨
فقال: أنت سيد قريش، فقال احالة: ((السيد
الله)). (١)
قال ابن الأثير في النهاية: أي هو الذي يحق
له السيادة، کأنه کره أن يحمد في وجهه، وأحب
التواضع. ومنه الحدیث لما قالوا: أنت سيدنا،
قال: ((قولوا بقولكم)) أي ادعوني نبيا ورسولا كما
سماني الله، ولا تسموني سيدا كما تسمون
رؤساءكم، فإني لست کأحدهم ممن يسودكم في
أسباب الدنيا.
وأضاف ابن مفلح إلى ماسبق: والسيد
يطلق على الرب، والمالك، والشريف،
والفاضل، والحكيم، ومتحمل أذى قومه،
والزوج، والرئيس، والمقدم.
وقال أبو منصور: كره النبي وب لير أن يمدح في
وجهه وأحب التواضع لله تعالى، وجعل السيادة
للذي ساد الخلق أجمعين. وليس هذا بمخالف
لقوله لسعد بن معاذ رضي الله عنه حین قال
لقومه الأنصار: ((قوموا إلى سيدكم))(٢) أراد أنه
أفضلكم رجلا وأكرمكم. وأما صفة الله جل
= أبوداود (١٥٥/٥ - ط عزت عبيد دعاس). وقال
ابن حجر في الفتح (١٧٩/٥ - ط السلفية): رجاله ثقات.
(١) حديث: ((السيد الله)) أخرجه أحمد (٢٤/٤ - ط اليمنية).
من حديث مطرف بن عبدالله بن الشخير وإسناده صحيح.
(٢) حديث: ((قوموا إلى سيدكم)) أخرجه البخاري (٦/ ١٦٥ -
الفتح - ط السلفية).
ذِكْره بالسيد فمعناه: أنه مالك الخلق والخلق
كلهم عبيده (أي فلا يطلق لفظ السيد بهذا
المعنى على غير الله تعالى)، وكذلك قوله ولائه :
((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر))(١) أراد أنه
أول شفيع، وأول من يفتح له باب الجنة، قال
ذلك إخبارا عما أكرمه الله به من الفضل
والسودد، وتحدثا بنعمة الله عنده، وإعلاما منه،
ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه، ولهذا
أتبعه بقوله: ((ولا فخر)) أي أن هذه الفضيلة
التي نلتها كرامة من الله تعالى، لم أنلها من قبل
نفسي، ولا بلغتها بقوتي، فليس لي أن أفتخر
بها .
وقال السخاوي: إنكاره و * يحتمل أن
يكون تواضعا منه وصل وكراهة منه أن يحمد
ويمدح مشافهة، أو لأن ذلك كان من تحية
الجاهلية، أولمبالغتهم في المدح، وقد صح قوله
وَلّ: ((أنا سيد ولد آدم)) وقوله للحسن رضي الله
عنه: «إن ابني هذا سيد»(٢) وورد قول سهل بن
حنيف رضي الله عنه للنبي والر: ((ياسيدي)) في
حديث عند النسائي في عمل اليوم والليلة،
(١) حديث: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر)) أخرجه
مسلم (٣/ ١٧٨٢ - ط الحلبي) دون قوله ((ولا فخر))، فهي
في الترمذي (٣٠٨/٥ - ط الحلبي).
(٢) حديث: ((إن ابني هذا سيد)) يأتي مطولا ويأتي تخريجه في
(ف ٩).
- ٣٤٧ -
تسويد ٩
وقول ابن مسعود: ((اللهم صل على سيد
المرسلين)). وفي كل هذا دلالة واضحة وبراهين
لائحة على جواز ذلك، والمانع يحتاج إلى إقامة
دلیل، سوى ما تقدم، لأنه لا ينهض دليلا مع
الاحتمالات السابقة .(١)
تسويد غير النبي 13 :
٩ - اختلف الفقهاء في جواز إطلاق لفظ السيد
على غير النبي ◌َّل: فذهب جمهورهم إلى جواز
إطلاق لفظ السيد على غير النبي (وَلچر ،
واستدلوا بقول الله تعالى في يحيى عليه السلام:
﴿ ... وسيدا وحَصُورا ونبيا من الصالحين﴾(٢)
أي أنه فاق غيره عفة ونزاهة عن الذنوب. وقوله
عز وجل في امرأة العزيز: ﴿ ... وأَلَّفَيَا سيدَها
لدى الباب﴾(٣) أي زوجها. وبما روي أن النبي
وَ* سئل: من السيد؟ قال: ((يوسف بن
يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام)»
قالوا: فما في أمتك من سيد؟ قال: ((بلى، من
(١) رد المحتار على الدر المختار ٣٤٥/١، والفواكه الدواني
على رسالة القيرواني ٢/ ٤٦٤، وحاشية الشرقاوي على
تحفة الطلاب ٢١/١، والآداب الشرعية والمنح المرعية
٤٦٤/٣ - ٤٦٥، والقول البديع في الصلاة على الحبيب
الشفيع ص١٠١، ولسان العرب ٢٣٥/٢
(٢) من الآية ٣٩ من سورة آل عمران.
(٣) من الآية ٢٥ من سورة يوسف.
آتاه الله مالا، ورزق سماحة، فأدى شكره،
وقلّت شکایته في الناس))(١)
وبقوله ﴿ للأنصار وبني قريظة: ((قوموا إلى
سیدکم»(٢) یعني سعد بن معاذ.
وقوله ګ في الحسن بن علي رضي الله عنهما -
کما ورد في الصحیحین - («إن ابني هذا سيد،
ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من
المسلمین))(٣) وكذلك كان.
وقوله و # للأنصار: ((من سيدكم؟)) قالوا:
الجد بن قيس على أنا نبخّله، قال وَلجه: ((وأي
داء أدوى من البخل)). (٤) وبقوله ◌َّ: ((كل بني
آدم سيد، فالرجل سيد أهله، والمرأة سيدة
بیتھا)). (٥)
ومنه حديث أم الدرداء رضي الله عنها:
حدثني سيدي أبو الدرداء. وبقول عمر
(١) حديث: ((سئل من السيد؟ قال: يوسف ... )). قال
الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه نافع أبو هرمز
وهو متروك (مجمع الزوائد ٢٠٢/٨ - ط القدسي).
(٢) حديث: «قوموا إلی سیدکم)) سبق تخريجه ف ٨
(٣) حديث: ((إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٣٠٧/٥ - ط السلفية).
(٤) حديث: ((من سيدكم .... )) أخرجه أبو الشيخ في الأمثال
من حدیث کعب بن مالك كما في الفتح (١٧٩/٥ وکتاب
الأمثال ط السلفية) وقال: رجال هذا الإِسناد ثقات ..
(٥) حديث: ((كل بني آدم سيد، فالرجل ... )) أخرجه ابن
عدي في الكامل (١٥٢١/٤ - ط دار الفكر). وإسناده
حسن .
- ٣٤٨ -
تسويد ٩ - ١١
رضي الله عنه لما سئل: من الذي إلى جانبك،
فأجاب: هذا سيد المسلمين أبيّ بن كعب
رضي الله عنه .
وقالوا: انه لم يرد في القرآن الكريم ولا في
حديث متواتر أن السيد من أسماء الله تعالى،
ولأن إطلاق لفظ السيد على الله عز وجل لكونه
سبحانه مالك الخلق أجمعين، ولا مالك لهم
سواه، وإطلاق هذا اللفظ على غير الله تعالى
لا يكون بهذا المعنى الجامع الكامل، بل بمعان
قاصرة عن ذلك .
وقال بعضهم: إن لفظ السيد لا يطلق إلا
على الله سبحانه وتعالى، لما ورد في حديث
مطرف الذي سبق ذكره.
وقال الخطابي: لا يقال السيد ولا المولى
على الإِطلاق من غير إضافة إلا في صفة الله
تعالی .
وقال بعضهم: إن لفظ السيد يجوز إطلاقه
علی مالك العبد أومالکته، لما روي عن
أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وله
قال: ((لا يقولَنَّ أحدُكم: عبدي وأمتي،
ولا يقولن المملوك: ربي وربتي، وليقل المالك:
فتاي وفتاتي . وليقل المملوك: سيدي وسيدتي،
فإنهم المملوكون، والرب: الله تعالى))(١) قال
(١) حديث: ((لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي ... )) أخرجه
أبو داود (٥/ ٢٥٧ - ط عزت عبيد دعاس) وأصله في مسلم
(١٧٦٤/٣ - ط الحلبي).
صاحب عون المعبود: كان بعض أكابر العلماء
يأخذ بهذا، ويكره أن يخاطب أحدا بلفظه أو
كتابته بالسيد، ويتأكد هذا إذا كان المخاطب
غير تقي .(١)
من يستحق التسويد :
١٠ - لفظ السيد مشتق من السؤدد، وهو:
المجد والشرف، ويطلق على المتولي للجماعة .
ومن شرطه وشأنه أن یکون مهذب النفس
شريفا. وعلى من قام به بعض خصال الخير من
الفضل والشرف والعبادة والورع والحلم والعقل
والنزاهة والعفة والكرم ونحو ذلك .
إطلاق لفظ السيد على المنافق :
١١ - المنافق ليس من هذه الخصال في شيء،
لأنه كاذب مدلس خائن ، لا توافق سريرته
علانيته. وفي العقيدة: يبطن الكفر ويظهر
الإِسلام. وقد ورد النهي عن إطلاق لفظ السيد
على المنافق فیما روي عن عبدالله بن بريدة عن
أبيه قال: قال رسول الله وَ له: ((لا تقولوا
للمنافق سيد، (٢) فإنه إن يك سيدكم فقد
(١) تفسير القرطبي ٧٦/٤ - ٧٧، صحيح البخاري ٧/ ١٣٠
ط. استنبول، وعون المعبود ٣٢١/١٣ -٣٢٤، والكامل
في ضعفاء الرجال ٤/ ١٥٢١، وحاشية الشرقاوي ١/ ٢١،
والآداب الشرعية ٣/ ٤٦٥ - ٤٦٧
(٢) في بعض الرواية ((سيد)) بالنصب.
- ٣٤٩ -
تسويد ١٢
أسخطتم ربكم عز وجل))(١) وذلك لأن السيد
هو المستحق للسؤدد، أي للأسباب العالية التي
تؤهله لذلك، فأما المنافق فإنه موصوف
بالنقائص، فوصفه بذلك وضع له في مكان لم
يضعه الله فیه، فلا یبعد أن يستحق واضعه
بذلك سخط الله. وقيل معناه: إن یک سیدا
لكم فتجب عليكم طاعته، فإذا أطعتموه في
نفاق فقد أسخطتم ربكم. وقال ابن الأثير: لا
تقولوا للمنافق سید، فإنه إن کان سیدکم وهو
منافق فحالکم دون حاله، والله لا يرضى لكم
ذلك. (٢)
(ثانيا)
التسويد من السواد
أ - التسويد بالخضاب :
١٢ - ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أن
خضاب الرجل بالسواد مکروه في غير الجهاد في
الجملة .
وللحنفية والمالكية في ذلك تفصيل :
قال ابن عابدين : یکره الخضاب بالسواد أي
(١) حديث: ((لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه ... )) أخرجه
أبوداود (٢٥٧/٥ - ط عزت عبيد دعاس) وصححه
النووي في رياض الصالحين (ص ٦٠٦ - ط المكتب
الإِسلامي).
(٢) عون المعبود ٣٢٤/١٣، وفضل الله الصمد في توضيح
الأدب المفرد ٢/ ٢٣٠، والآداب الشرعية ٣/ ٤٦٥،
ولسان العرب ٢٣٥/٢
لغير الحرب، قال في الذخيرة: أما الخضاب
بالسواد للغزو- ليكون أهيب في عين العدو-
فهو محمود بالاتفاق. وإن كان ليزين نفسه
للنساء فمكروه، وعليه عامة المشايخ. وبعضهم
جوزه بلا كراهة. روي عن أبي یوسف أنه قال:
كما يعجبني أن تتزين لي يعجبها أن أتزين لها .
وقال المالكية: الخضاب بالسواد إذا كان
للتغرير فهو حرام. كمن أراد نكاح امرأة فصبغ
شعر لحيته الأبيض بالسواد. وإن كان للجهاد
حتى يوهم العدو الشباب ندب. وإن كان
للتشابّ كره. وإن كان مطلقا فقولان: بالكراهة
والجواز. (١)
وقال الشافعية : إن الخضاب بالسواد حرام
في الجملة، ولهم في ذلك تفصيل وخلاف. قال
النووي في المجموع: اتفقوا على ذم خضاب
الرأس واللحية بالسواد، ثم قال: قال: الغزالي
في الإِحياء، والبغوي في التهذيب، وآخرون من
الأصحاب: هو مكروه. وظاهر عبارتهم أنه
مكروه كراهة تنزيه، والصحيح - بل الصواب -
أنه حرام. وممن صرح بتحريمه صاحب الحاوي
في باب الصلاة بالنجاسة، قال: إلا أن يكون
في الجهاد، وقال في آخر كتاب الأحكام
(١) ابن عابدين ٢٧١/٥ - ٤٨١، وكفاية الطالب الرباني
٣٥٦/٢، وكشاف القناع ٧٧/١، والآداب الشرعية
٣٥١/٣ - ٣٥٤
- ٣٥٠ -
تسويد ١٢ - ١٣
السلطانية: يمنع المحتسب الناس من خضاب
الشيب بالسواد إلا المجاهد، ودليل تحريمه
حديث جابر رضي الله عنه قال: أتي بأبي
قحافة والد أبي بكر الصديق رضي الله عنهما يوم
فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا (١) فقال
رسول الله وسلم: ((غيّروا هذا، واجتنبوا
السواد))، (٢) وعن ابن عباس رضي الله عنهما
قال: قال رسول الله وَ له: ((يكون قوم يخضبون
في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام،
لا يريحون رائحة الجنة))، (٣) ولا فرق في المنع من
الخضاب بالسواد بين الرجل والمرأة .. هذا
مذهبنا، وحكي عن إسحاق بن راهويه أنه
رخص فيه للمرأة تتزین به لزوجها.
وقال النووي في روضة الطالبين: خضاب
المرأة بالسواد إن كانت خلية من الزوج وفعلته
فهو حرام، وإن كانت زوجة وفعلته بإذنه فجائز
على المذهب، وقيل: وجهان كوصل الشعر.
وقال الرملي: يحرم على المرأة الخضاب
بالسواد، فإن أذن لها زوجها في ذلك جاز، لأن
(١) نبت يكون بالجبال غالبا إذا ييس ابيض، ويشبه به
الشيب.
(٢) حديث: ((غيروا هذا .... )) أخرجه مسلم (٣/ ١٦٦٣ -
ط الحلبي).
(٣) حديث: ((يكون قوم يخضبون في ... )) أخرجه أبو داود
(٤١٩/٤ - ط عزت عبيد دعاس). وقال ابن حجر في
الفتح (١٠ / ٤٩٩ - ط السلفية): إسناده قوي.
له غرضا في تزينها له، كما في الروضة وأصلها،
وهو الأوجه . (١)
هذا في خضب الرجل والمرأة الشعر بالسواد،
أما خضبهما الشعر بغير السواد، كالحمرة
والصفرة مثلا، وخضبهما غير الشعر كاليدين
والرجلین ففيه تفصيل يذكر في موطنه .
وقال الحافظ في الفتح: إن من العلماء من
رخص في الاختضاب بالسواد مطلقا، ومنهم من
رخص فيه للرجال دون النساء.
وتفصيل ذلك في مصطلح: (اختضاب).
ب - لبس السواد في الحداد :
١٣ - اتفق الفقهاء على أنه يجوز للمتوفى عنها
زوجها لبس السواد من الثياب ... ولا يجب
عليها ذلك، بل لها أن تلبس غيره.
واختلف فقهاء الحنفية في المدة التي يجوز لها
أن تلبس فيها السواد، فقال بعضهم: لا تجاوز
ثلاثة أيام. ولكن فقهاء المذهب - ومنهم ابن
عابدين - حملوا ذلك على ما تصبغه الزوجة
بالسواد وتلبسه تأسفا علی زوجها، أما ما كان
مصبوغا بالسواد قبل موت زوجها، فيجوز لها أن
تلبسه مدة الحداد كلها. ومنع الحنفية لبس
السواد في الحداد على غير الزوج.
(١) المجموع ٢٩٤/١، وروضة الطالبين ٢٧٦/١، ونهاية
المحتاج ٢٣/٢
- ٣٥١ -
تسويد ١٤ - ١٥
وقال المالكية: إن المحد يجوز لها أن تلبس
الأسود، إلا إذا كانت ناصعة البياض، أو كان
الأسود زينة قومها .
وقال القليوبي من الشافعية: إذا كان الأسود
عادة قومها في التزین به حرم لبسه، ونقل
النووي عن الماوردي أنه أورد في «الحاوي)» وجها
يلزمها السواد في الحداد. (١)
جـ ـ لبس السواد في التعزية:
١٤ - اتفق الفقهاء على أن تسوید الوجه حزنا
على الميت - من أهله أو من المعزين لا يجوز- لما
فيه من إظهار للجزع وعدم الرضا بقضاء الله
وعلى السخط من فعله، مما ورد النهي عنه في
الأحاديث.
وتسويد الثياب للتعزية مكروه للرجال،
ولا بأس به للنساء، أما صبغ الثياب أسود أو
أكهب(٢) تأسفا على الميت فلا يجوز(٣) على
التفصيل السابق .
(١) رد المحتار على الدر المختار ٦١٧/٢ - ٦١٩، والشرح
الكبير ٤٧٨/٢، والخرشي ١٤٨/٤، وجواهر الإكليل
٣٨٩/١، وحاشية قليوبي وعميرة ٥٢/٤، وروضة
الطالبين ٨/ ٤٠٦، والمغني لابن قدامة ٧/ ٥٢٠، والمحلى
لابن حزم ٢٧٦/١٠، والروض النضير ١٢٥/٤
(٢) الأكهب: الأغبر المشرب بالسواد.
(٣) الفتاوى الهندية ١٦٧/١، ٣٣٣/٥، وحاشية الجمل
٣١٥/٥، وأسنى المطالب ٣٣٦/١، والإقناع ١/ ١٨١،
وكشاف القناع ١٦٣/٢، ومطالب أولي النهى ١/ ٩٢٥
د - السواد في اللباس والعمامة:
١٥ - يندب لبس السواد عند الحنفية، قال ابن
عابدين: ندب لبس السواد، لأن محمدا ذكر في
السير الكبير في باب الغنائم حديثا يدل على أن
لبس السواد مستحب. (١)
أما الصبغ بالأسود، ولبس المصبوغ به فنقل
عن أبي حنيفة: أنه لا بأس به. (٢)
وقال الشافعية : يندب الإِمام الجمعة أن
يزيد في حسن الهيئة والعمة والارتداء، وترك
لبس السواد له أولى من لبسه، إلا إن خشي
مفسدة تترتب على تركه من سلطان أو غيره،
وقال ابن عبدالسلام في فتاويه: المواظبة على
لبسه بدعة، فإن منع الخطيب أن يخطب إلا به
فليفعل(٣)
وقالوا: نقل أن النبي والم لبس العمامة
البيضاء والعمامة السوداء، (٤) ولكن الأفضل في
(١) الفتاوى الهندية ٥/ ٣٣٠، وابن عابدين ٤٨١/٥
(٢) الفتاوى الهندية ٣٣٢/٥
(٣) نهاية المحتاج ٣٢٩/٢، وأسنى المطالب ٢٦٧/١،
وحاشية القليوبي وعميرة ٣٠١/٤
(٤) حديث: ((لبس العمامة البيضاء)) قال المحدث الشيخ
محمد بن جعفر الكتاني في كتابه ((الدعامة في أحكام سنة
العمامة)» (ص ٨٥): لم أر في شيء من الأحاديث التي وقفت
عليها الآن مايصرح بلبسه عليه الصلاة
والسلام للعمامة البيضاء، إلا أن المتبادر من كلامهم،
ومن إيثاره عليه الصلاة والسلام البياض على غيره في غالب
أحواله لبسه لها في الغالب، لاسيما في الجمع والأعياد
والمحافل ...
- ٣٥٢ -
تسويد ١٦، تسوية ١ - ٢
لونها البياض لعموم الخبر الصحيح الآمر بلبس
البياض، وأنه خير الألوان في الحياة والموت.(١)
وقال الحنابلة: يباح السواد ولو للجند، لأن
النبي ◌َ﴾ ((دخل مكة عام الفتح وعليه عمامة
سوداء)). (٢)
هـ - تسويد الوجه في التعزير:
١٦ - ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه لا يجوز في
التعزير تسخیم الوجه، أي دهن وجه المعزر
بالسخام، وهو السواد الذي يتعلق بأسفل القدر
ومحيطه من كثرة الدخان. (٣)
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يجوز
تسويد الوجه في التعزير، لأن الإِمام يجتهد في
جنس مايعزر به وفي قدره، ويفعل بكل معزر
مايليق به وبجنايته، مع مراعاة الترتيب
والتدریج، فلا یرقی لمرتبة وهو یری ما دونها
کافیا . (٤)
(١) حاشية الجمل ٨٨/٥ - ٨٩
(٢) كشاف القناع ٢٨٦/١
وحديث: ((إن النبي ◌َّ﴾ دخل مكة عام الفتح ... ))
أخرجه مسلم (٢ / ٩٩٠ - ط الحلبي).
(٣) المبسوط للسرخسي ١٤٥/١٦، وجواهر الإكليل ٢/ ٢٢٥
(٤) نهاية المحتاج ١٦/٨، وأسنى المطالب ١٦٢/٤، وحاشية
الجمل على شرح المنهج ١٦٤/٥، ومطالب أولى النهى
٢٢٣/٦
تسوية
التعريف :
١ - التسوية لغة: العدل والنصفة، والجور أو
الظلم ضد العدل، واستوى القوم في المال مثلا:
إذا لم يفضل أحد منهم غيره في المال.
وسواء الشيء: غيره ومثله - من الأضداد -
وتساوت الأمور: تماثلت، واستوى الشيئان
وتساويا: تماثلا .(١)
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي .
الألفاظ ذات الصلة :
القسم :
٢ - وهو مصدر قسم الشيء يقسمه قسما:
جَزّأه، والقسم: نصيب الإِنسان من الشيء.
ويقال: قسمت الشيء بين الشركاء،
وأعطیت کل شريك قسمه .
(١) لسان العرب والمصباح المنير.
- ٣٥٣ -
تسوية ٣ - ٤
ومنه التقسيم (١)
والقسمة قد تكون بالتساوي، وقد تكون
بالتفاضل .
الحكم التكليفي :
يختلف حكم التسوية باعتبار مايتعلق به
على الوجه الآتي :
تسوية الصفوف في الصلاة:
٣ - اتفق العلماء على أن من السنن المؤكدة
تسوية الصفوف في صلاة الجماعة، بحيث
لا يتقدم بعض المصلين على البعض الآخر،
والتراصَّ في الصفوف، بحيث لا يكون فيها
فرجة، (٢) للأحاديث الكثيرة التي وردت في
الحث عليها: منها قوله وَالر: ((سووا صفوفكم،
فإِن تسوية الصف من تمام الصلاة)) وفي رواية
((فإن تسوية الصفوف من إِقامة الصلاة))(٣)
وقوله ◌َلي: ((أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني
أراكم من وراء ظهري)) (٤)
(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة: ((قسم)).
(٢) مغني المحتاج ٢٤٨/١، والقوانين الفقهية ص٧٤، وسبل
السلام ٢٩/٢
(٣) حديث: ((سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف ..... ))
وفي رواية ((فإن تسوية ... )) أخرجه البخاري (الفتح -
٢٠٩/٢ ط السلفية) ومسلم (٣٢٤/١ ط عيسى البابي).
(٤) حديث: ((أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني .... )) =
وقوله ◌َّه: ((لَتُسَوُنَّ صفوفَكم أو ليخالفَنَّ الله
بین وجوهکم» (١)
وبيان ماتتحقق به التسوية في الصفوف ينظر
في مصطلح (صلاة الجماعة).
تسوية الظهر في الركوع :
٤ - اتفق الفقهاء على أن أكمل الركوع هو أن
ينحني المصلي، بحيث يستوي ظهره وعنقه، بأن
يمدهما حتى يصيرا كالصحيفة الواحدة،
وينصب ساقيه وفخذيه إلى الحقو، ولا يثني
ركبتيه حتى لا يفوت استواء الظهر به. (٢) لأن
ذلك ثبت عن النبي ◌ّ﴾، فعن أبي حميد
الساعدي رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله
(* إذا كبر جعل یدیە حَذْوَمنکبیه، وإذا ركع
أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره)) وفي
رواية ((ثم حنى غير مقنع رأسه ولا مصوبه))(٣)
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان
= أخرجه البخاري (الفتح ٢٠٨/٢ ط السلفية) ومسلم
(٣٣٤/١ عيسى البابي).
(١) حديث: ((لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله .... ))
أخرجه البخاري (٢٠٦/٢ ط السلفية)، ومسلم (١/ ٣٢٤
ط عيسى البابي).
(٢) جواهر الإكليل ٤٨/١، وتحفة المحتاج ٢/ ٦٠، وكشف
المخدرات ص ٧١، وكفاية الأخيار ١ / ٦٧، وسبل السلام
١٦١/١
(٣) حديث أبي حميد الساعدي ((رأيت رسول الله و# - إذا كبر
جعل يديه حذو ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٣٠٥/٢ ط
السلفية).
- ٣٥٤ -
تسوية ٥
رسول الله ( ير يفتتح الصلاة بالتكبير)) إلى أن
قالت: ((وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم
یصوبه، ولکن بین ذلك»(١)
وفي حديث المسيء صلاته قال النبي ◌َّ
له: «فإذا رکعت فاجعل راحتیك علی رکبتیك،
وامدد ظهرك، ومکن ركوعك))(٢)
قال الإِمام البغوي رحمه الله: السنة في
الركوع عند عامة العلماء: أن يضع راحتيه على
رکیتیه، ویفرج بین أصابعه، ويجافي مرفقیه عن
جنبيه، ويسوي ظهره وعنقه ورأسه (٣)
التسوية في إعطاء الزكاة بين الأصناف الثمانية :
٥ - اختلف العلماء في وجوب التسوية في الزكاة
بين الأصناف الثمانية، فذهب الحنفية والمالكية
والحنابلة إلى جواز الاقتصار على صنف واحد
من الأصناف الثمانية، وإلى جواز أن يعطيها
شخصا واحدا من الصنف الواحد، فلا يجب
علی الإِمام - إن کان هو الذي يوزع - ولا على
المالك أن يستوعب جميع الأصناف، ولا آحاد
(١) حديث عائشة رضي الله عنها: ((كان رسول الله وآلام يفتتح
الصلاة بالتكبير ... )) أخرجه مسلم (٣٥٧/١ ط عيسى
البابي).
(٢) حديث المسيء صلاته ((فإذا ركعت فاجعل ... )) أخرجه
البخاري (٢٧٧/٢ ط السلفية). وأحمد (٤/ ٣٤٠ ط
المكتب الإسلامي) واللفظ له .
(٣) شرح السنة للبغوي ٣/ ٩٤
كل صنف. واستدلوا لذلك بأدلة منها :
قوله وسلّ لمعاذ رضي الله عنه: ((أعلمهم أن
عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على
فقرائهم))(١) ففيه الأمر برد جملتها في الفقراء،
وهم صنف واحد، ولم يذكر سواهم. ثم أتاه
بعد ذلك مال فجعله في صنف ثان غير الفقراء،
وهم المؤلفة قلوبهم: الأقرع بن حابس،
وعيينة بن حصن، وعلقمة بن علاقة، وزيد
الخيل. حيث قسم فيهم الذهيبة التي بعث بها
إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه من
اليمن.
قال ابن قدامة: وإنما يؤخذ من أهل اليمن
الصدقة. وفي حديث سلمة بن صخر البياضي
رضي الله عنه أنه و # أمر له بصدقة قومه بقوله
عليه الصلاة والسلام: ((فانطلق إلى صاحب
صدقة بني زريق فليدفعها إليك)).(٢) لكنهم مع
ذلك يرون أنه من الأفضل في القسمة أن يقدم
الأكثر حاجة، فالذي يليه. (٣)
(١) حديث معاذ: ((أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٣٢٢/٣ ط السلفية) ومسلم
(١ / ٥٠ ط عيسى البابي).
(٢) حديث: ((فانطلق إلى صاحب ... )) أخرجه أبو داود
(٦٦١/٢ ط عبيد الدعاس). والترمذي (٥٠٣/٣ ط
الحلبي). وقال: حديث حسن. وأخرجه الحاكم
(٢٠٣/٢). وقال حديث صحيح على شرط مسلم.
(٣) البدائع ٤٦/٢، وجواهر الإكليل ١/ ١٤٠، والقوانين
الفقهية ص ١١٦، والمغني لابن قدامة ٢ /٦٦٨، وروضة
الطالبين ٣٣١/٢
- ٣٥٥ -
تسوية ٦ - ٧
فعن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا جمع
صدقات المواشي من البقر والغنم، نظر منها
ماکان منیحة اللبن، فيعطيها لأهل بيت واحد
على قدر مايكفيهم، وكان يعطي العشرة للبيت
الواحد ثم يقول: عطية تكفى خير من عطية
لا تكفي .(١)
وذهب الإِمام النخعي رحمه الله إلى أنه إن
كان المال كثيرا يحتمل الأصناف قسّمه عليهم،
وإن كان قليلا جاز وضعه في صنف واحد.
وذهب الشافعية، وهو قول عكرمة إلى
وجوب استيعاب الأصناف الثمانية إن كان
الإمام أو نائبه هو الذي یقسم، فإن فقد بعض
الأصناف فعلى الموجودين. وكذا يجب على
المالك إن تولى بنفسه القسمة أن يستوعب
الأصناف السبعة غير العامل إن انحصر
المستحقون في البلد، بأن سهل عادة ضبطهم
ومعرفة عددهم. وإن لم ينحصروا فيجب إعطاء
ثلاثة فأكثر من كل صنف، لأن الله تعالى
أضاف إليهم الزكوات بلفظ الجمع، وأقله
ثلاثة(٢)
٦ - وتجب التسوية بين الأصناف الثمانية سواء
قسم الإِمام أو المالك، وإن كانت حاجة
(١) البدائع ٢ /٤٦
(٢) تحفة المحتاج ٧/ ١٦٩، ومغني المحتاج ١١٦/٣، وروضة
الطالبين ٣٣١/٢
بعضهم أشد، لأن الله سبحانه وتعالى جمع
بينهم بواو التشريك، فاقتضى أن يكونوا
سواء. (١)
ولقوله وقيل لرجل سأله من الزكاة ((إن الله لم
يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى
حکم هو فیها، فجزاها ثمانية أجزاء، فإِن کنت
من تلك الأجزاء أعطيتك))(٢)
٧ - كما يجب على الإِمام أن يسوي بين آحاد
الصنف الواحد، إذا کانت حاجاتهم متساوية،
لأن عليه التعميم فتلزمه التسوية، ولأنه نائبهم
فيحرم عليه التفضيل. أما إذا اختلفت
حاجاتهم فعليه أن يراعيها.
ولا يجب على المالك التسوية بين آحاد
الصنف الواحد لعدم انضباط الحاجات التي من
شأنها التفاوت، لكن يسن له التسوية إن
تساوت حاجاتهم، فإن تفاوتت استحب
التفاوت بقدرها. (٣)
(١) المراجع السابقة.
(٢) حديث: (إن الله لم یرض بحكم نبي ... )) أخرجه أبو داود
(٢٨١/٢ ط عبيد الدعاس). قال الهيثمي: فيه
عبدالرحمن بن زياد بن أنعم وهو ضعيف، وقد وثقه
أحمد بن صالح ورد على من تكلم فيه. وبقية رجاله
ثقات. (مجمع الزوائد ٥/ ٢٠٤ ط دار الكتاب العربي)
وضعفه السيوطي (فيض القدير ٢٥٣/٢ ط المكتبة
التجارية).
(٣) المغني لابن قدامة ٢/ ٦٦٩، وتحفة المحتاج ١٧٢/٧،
ومغني المحتاج ١١٧/٣، وروضة الطالبين ٣٣٠/٢
- ٣٥٦ -
تسوية ٨ -٩
التسوية بين الزوجات في القسم :
٨ - اتفق الفقهاء على أن القسم بين الزوجات
واجب على الرجل وإن كان مريضا أو مجبوبا أو
عنينا، لأن من مقاصد القسم الأنس، وهو
حاصل ممن لا يطأ. فقد روت عائشة رضي الله
عنها أن رسول الله ټ لما كان في مرضه جعل
يدور على نسائه، ويقول: «أين أنا غدا؟ أين
أنا غدا؟))(١)
ويقسم للمريضة، والحائض، والنفساء،
والرتقاء، والقرناء، والمحرمة، ومن آلى منها أو
ظاهر، والشابة، والعجوز، والقديمة،
والحديثة. (٢)
لقوله تعالى: ﴿فإِنْ خِفْتم أنْ لا تعدلوا
فواحدة﴾ (٣) الآية .
وروي أن النبي ټ کان یعدل بين نسائه في
القسم ويقول: ((اللهم هذا قَسْمِي فیما أملك،
فلا تؤاخذني فيما تملك أنتَ ولا أملك)) . (٤)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله
(١) حديث: ((أين أنا غدا)) أخرجه البخاري (الفتح ١٤٤/٨
ط السلفية).
(٢) البدائع ٣٣٢/٢، وجواهر الإكليل ٣٢٦/١، والمغني
لابن قدامة ٢٨/٧، ومغني المحتاج ٢٥٢/٣
(٣) سورة النساء / ٣
(٤) حديث: ((كان يعدل بين نسائه في القسمة ويقول :... ))
أخرجه أبو داود (٢ / ٦٠٠ ط عبيد الدعاس) والترمذي
(٤٣٧/٣ ط مصطفى البابي) وهو مرسل كما قال الترمذي
والبغوي في شرح السنة (٩/ ١٥١ ط المكتب الإسلامي).
* أنه قال: ((من كان له امرأتان، فمال إلى
إحداهما دون الأخرى، جاء يوم القيامة وشِقَّه
مائل)»(١)
ويسوي في القسم بين المسلمة والكتابية لما
ذكرنا من الدلائل من غير فضل، ولأنهما
یستویان في سبب وجوب القسم وهو النكاح،
فيستويان في القسم. (٢)
وتفصيل القسم بين الزوجات في الحضر
والسفر، وفي بدء القسم، ومايختص به العروس
عند الدخول وغير ذلك، يرجع فیه إلى
مصطلح (القسم بين الزوجات).
التسوية بين المتخاصمين في التقاضي:
٩ - اتفق الفقهاء أن على القاضي العدل بين
الخصمين في كل شيء من المجلس،
والخطاب، واللحظ، واللفظ، والإِشارة،
والإقبال، والدخول علیه، والإِنصات إلیھما،
والاستماع منهما، والقيام لهما، ورد التحية
عليهما، وطلاقة الوجه لهما، للأحاديث الكثيرة
التي ثبتت عن النبي # في ذلك منها:
(١) حديث: ((من كان له امرأتان فمال إلى ... )) أخرجه
أبوداود (٢ / ٦٠٠ ط عبيد الدعاس) والترمذي (٤٣٨/٣ ط
مصطفى البابي). وصحح ابن حجر إسناده (التلخيص
الحبير ٢٠١/٣ ط شركة الطباعة الفنية).
(٢) البدائع ٣٣٢/٢، وجواهر الإكليل ٣٢٧/١، ومغني
المحتاج ٢٥٤/٣، والمغني لابن قدامة ٣٥/٧
- ٣٥٧ -
تسوية ٩ - ١٠
قوله وعمله: ((من ابتلى بالقضاء بين المسلمين،
فليعدل بينهم في لفظه وإشارته ومقعده،
ولا يرفع صوته على أحد الخصمين مالا يرفعه
على الآخر)) وفي رواية: ((فَلْيُسَوِّبينهم في النظر
والمجلس والإِشارة))(١)
وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى
الأشعري رضي الله عنه ((أن آسٍ بین الناس في
وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع
شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من
عدلك)).
ولأن مخالفة ذلك يوهم الخصم الآخرميل
القاضي إلى خصمه، فيضعفه ذلك عن القيام
بحجته، ولا یسارّ أحدهما دون الآخر، ولا يلقنه
حجته، ولا يضحك في وجهه، لأن في ذلك كله
مخالفة للمساواة المطلوبة .
ويشمل هذا الشريف والوضيع والأب
والابن، والصغير والكبير والرجل والمرأة (٢)
(١) حديث: ((من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل ... ))
أخرجه البيهقي (١٣٥/١٠ ط دار المعرفة) والدار قطني
(٤ /٢٠٥ ط المدني). وقال البيهقي: إسناده فيه ضعف
(١٣٥/١٠ ط دار المعرفة).
ولفظ الرواية الأخرى قال الهيثمي (مجمع الزوائد
١٩٧/٤): رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير باختصار،
وفيه عماد بن كثير الثقفي وهو ضعيف.
(٢) فتح القدير ٦/ ٣٧٣، والقوانين الفقهية ص٣٠٠، مغني
المحتاج ٤/ ٤٠٠، وروضة الطالبين ١٦١/١١، والمغني
لابن قدامة ٩/ ٨٠، وحاشية الطحطاوي على الدر
١٨٤/٣
كما اتفقوا على تقديم الأول فالأول، إذا
حضر القاضي خصوم وازدحموا، لأن الحق
للسابق، فإن جهل الأسبق منهم، أو جاءوا معا
أقرع بينهم، وقدم من خرجت قرعته، إذ
لا مرجح إلا بها. فإِن حضر مسافرون
ومقيمون: فإِن كان المسافرون قليلا، بحيث
لا يضر تقديمهم على المقیمین قدمهم، لأنهم
على جناح السفر، ولئلا يتضرروا بالتخلف.
وكذلك النسوة يقدمن على الرجال طلبا
لسترهن مالم يكثر عددهن أيضا.
١٠ - ولكنهم اختلفوا في حكم تسوية المسلم مع
خصمه الكافر.
فذهب الحنفية والمالكية، وهو قول مرجوح
عند الشافعية: إلى وجوب المساواة بينهما في کل
الأمور المذكورة آنفا، لأن تفضيل المسلم على
الكافر ورفعه عليه في مجلس القضاء كسر لقلبه،
وترك للعدل الواجب التطبيق بين الناس جميعا .
وذهب الشافعية في الراجح عندهم،
والحنابلة: إلى جواز رفع المسلم على خصمه
الكافر، لما روي عن علي رضي الله عنه من أنه
«خرج إلى السوق، فوجد درعه مع يهودي،
فعرفها فقال: درعي سقطت وقت كذا فقال
اليهودي : درعي وفي يدي بيني وبينك قاضي
المسلمين. فارتفعا إلى شريح رضي الله عنه،
فلما رآه شريح قام من مجلسه، وأجلسه في
موضعه، وجلس مع اليهودي بين يديه، فقال
- ٣٥٨ -
تسوية ١١
علي: إن خصمي لو کان مسلما جلست معه بین
یدیك،(١) ولكني سمعت رسول الله (# يقول:
((لا تساووهم في المجالس)) (٢) اقضِ بيني وبينه
یاشریح.
:
1
ولحديث: ((الإِسلام يعلو ولا يعلى))(٣)
التسوية بين الأولاد في العطية :
١١ - اختلف العلماء في وجوب التسوية بين
الأولاد في العطية .
فذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن
التسوية بينهم في العطايا مستحبة، وليست
واجبة .
لأن الصديق رضي الله عنه فضل عائشة
رضي الله عنها على غيرها من أولاده في هبة،
وفضل عمر رضي الله عنه ابنه عاصما بشيء من
العطية على غيره من أولاده.
ولأن في قوله {ێ في بعض روایات حدیث
(١) حاشية الطحطاوي على الدر المختار ٣/ ١٨٤، وجواهر
الإكليل ٢٢٥/٢، ومغني المحتاج ٤/ ٤٠٠، والمغني
لابن قدامة ٨٢/٩
(٢) حديث: ((لا تساووهم في المجالس)) أخرجه البيهقي
(١٣٦/١٠ ط دار المعرفة) وضعفه. وكذلك ابن حجر في
تلخيص الحبير (١٩٢/٤ ط المدني).
(٣) حديث: ((الإِسلام يعلو ولا يعلى)) أخرجه الدارقطني
(٢٥٢/٣ ط المدني) والبيهقي (٢٠٥/٦ ط دار المعرفة).
وعلقه البخاري (٢١٨/٣ ط السلفية) وحسن ابن حجر
إسناده .
النعمان بن بشير رضي الله عنهما: ((فأشهد على
هذا غيري))(١) مايدل على الجواز.
وذهب الحنابلة، وأبو يوسف من الحنفية،
وهو قول ابن المبارك، وطاووس، وهو رواية عن
الإِمام مالك رحمه الله: إلى وجوب التسوية بين
الأولاد في الهبة. فإِن خص بعضهم بعطية، أو
فاضل بينهم فيها أُثِمَ، ووجبت عليه التسوية
بأحد أمرين: إما رد ما فضل به البعض، وإما
إتمام نصيب الآخر، لخبر الصحيحين عن
النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: وهبني
أبي هبة. فقالت أمي عمرة بنت رواحة رضي
الله عنها: لا أرضى حتى تشهد رسول الله (چ ،
فأتى رسول الله وَ ل﴿ فقال: يارسول الله: إن أم
هذا أعجبها أن أشهدك على الذي وهبت
لابنها، فقال وَل﴾ ((يابشير ألك ولد سوى هذا؟
قال: نعم. قال: كلهم وهبت له مثل هذا؟
قال: لا. قال: فأرجعه)). وفي رواية قال:
((اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم)) وفي رواية
أخرى «لا تشهدني علی جور. إن لبنیك من
الحق أن تعدل بينهم)) وفي رواية: ((فأشهد على
هذا غيري)). (٢)
(١) حديث: ((فأشهد على هذا غيري)) أخرجه مسلم
١٢٤٣/٣ ط الحلبي).
(٢) حديث: ((فأرجعه)) وفي رواية ((اتقوا الله واعدلوا)) أخرجه
البخاري (٢١١/٥ ط السلفية)، ومسلم (٣/ ١٢٤١ =
- ٣٥٩ -
تسوية ١٢ - ١٣
وروى عن النبي ◌ّ أنه قال: ((سووا بين
أولادکم في العطية، ولو کنت مؤثرا أحدا لآثرت
النساء على الرجال)). (١)
١٢ - واختلفوا كذلك في معنى التسوية بين
الذكر والأنثى من الأولاد. فذهب جمهور
الفقهاء إلى أن معنى التسوية بين الذكر والأنثى
من الأولاد: العدل بينهم في العطية بدون
تفضيل، لأن الأحاديث الواردة في ذلك لم تفرق
بین الذكر والأنثى .
وذهب الحنابلة، والإِمام محمد بن الحسن من
الحنفية، وهو قول مرجوح عند الشافعية إلى أن
المشروع في عطية الأولاد القسمة بينهم على قدر
ميراثهم: أي للذكر مثل حظ الأنثيين، لأن الله
سبحانه وتعالى قسم لهم في الإِرث هكذا، وهو
خير الحاكمين، وهو العدل المطلوب بين الأولاد
في الهبات والعطايا. (٢)
= ط عيسى الحلبي). والرواية الثانية والرابعة عند مسلم
(١٢٤٣/٣ ط الحلبي)، والرواية الثالثة عند البخاري
(الفتح ٢١١/٥ ط السلفية).
والحديث عند أحمد (٢٦٩/٤ ط المكتب الإسلامي)
بلفظ: ((قال: لا. قال: فلا تشهدني إذا. إني لا أشهد على
جور، إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم)).
(١) حديث: ((سووا بين أولادكم ... )) قال الهيثمي: فيه
عبدالله بن صالح کاتب الليث. قال عبدالملك بن شعيب:
ثقة مأمون ورفع من شأنه، وضعفه أحمد وغيره (مجمع
الزوائد ١٥٣/٤ ط دار الكتاب العربي).
(٢) حاشية ابن عابدين ٤٢٢/٣، والقوانين الفقهية ص
٣٧٢، ومغني المحتاج ٢/ ٤٠١، والمغني لابن قدامة
٦١٤/٥، والإنصاف ١٣٦/٧
وإن سوی بین الذكر والأنثى، أو فضلها
عليه، أو فضل بعض البنين أوبعض البنات
على بعض، أوخص بعضهم بالوقف دون
بعض، فقال أحمد في رواية محمد بن الحكم: إن
كان على طريق الأثرة فأكرهه، وإن كان على
أن بعضهم له عيال وبه حاجة يعني فلا بأس
به .
وعلى قياس قول الإِمام أحمد: لوخص
المشتغلين بالعلم من أولاده بوقفه تحريضا لهم
علی طلب العلم، أوذا الدین دون الفساق، أو
المريض، أو من له فضل من أجل فضيلته فلا
بأس .(١)
التسوية في الشفعة بين المستحقين:
١٣ - اختلف الفقهاء في التسوية في الشفعة بين
المستحقين لها .
فذهب المالكية والشافعية والحنابلة: إلى
أنهم يأخذون بالشفعة على قدر حصصهم من
الملك، لأنه حق مستحق بالملك على قدره، فلو
كانت أرض بين ثلاثة من الشركاء مثلا: لواحد
نصفها، ولآخر ثلثها، ولثالث سدسها، فباع
الأول - وهو صاحب النصف - حصته أخذ
الثاني سهمین، والثالث سهما واحدا.
وذهب الحنفية، وهو قول مرجوح عند
-
(١) المغني ٦١٩/٥ ط الرياض.
- ٣٦٠ -