النص المفهرس

صفحات 241-260

تزكية ٥ - ٦
متى تسقط التزكية :
٥ - قال إسماعيل بن حماد ناقلا عن أبي حنيفة :
أربعة شهود لا يُسْأل عن عدالتهم: شاهدا رد
الظنة، وشاهدا تعديل العلانية، وشاهدا
الغربة، وشاهدا الأشخاص.(١)
وقال المالكية: إن الشاهد المبرز في العدالة -
أي الفائق أقرانه فيها - لا يعذر فيه لغير
العداوة، ويعذر فيه فيها. ومثلها القرابة.
ومنها أن المحکوم علیه إذا كان يخشى منه
علی من شهد علیه، فإنه لا يعذر إليه فیمن
شهد علیه . (٢)
ونقل صاحب المغني عن مالك: أنه يقبل
شهادة المتوسمین، وذلك إذا حضر مسافران،
فشهدا عند حاکم لا يعرفهما، یقبل شهادتهما إذا
رأى فيهما سيما الخير، لأنه لا سبيل إلى معرفة
عدالتهما، ففي التوقف عن قبولها تضييع
الحقوق، فوجب الرجوع فيهما إلى السيما
الجميلة . (٣)
ومعنى هذا أن الشهود المذکورین لا یسمون
لمن شهدوا علیه لیزکیھم أویطعن فيهم، بل
يحكم بشهادتهم من غير تزكية، للأسباب التي
أوردوها .
(١) معين الحكام ص ١٠٦
(٢) الخرشي ٧/ ١٥٩
(٣) المغني ٩/ ٧٠
أقسام التزكية :
٦ - التزكية نوعان: تزكية السر، وتزكية
العلانية .
أما تزكية السر، فينبغي للقاضي أن يختار
للمسألة عن الشهود من هو أوثق الناس
وأورعهم ديانة وأعظمهم دراية وأكثرهم خبرة
وأعلمهم بالتمييز فطنة، فیولیه البحث عن
أحوال الشهود، لأن القاضي مأمور بالتفحص
عن العدالة، فيجب عليه المبالغة في الاحتياط
فيه. وبعد أن يختار، يكتب في رقعة أسماء
الشهود جملة بأنسابهم وقبائلهم ومحالهم
ومصلاهم، وعلى الجملة كل ما يميزهم عن
غيرهم تمييزا لا تتمكن معه الشبهة، فقد يتفق
أن تتحد الأسماء وتتفق الأوصاف وغير ذلك.
فإذا كتب القاضي دفع المكتوب إلى من يستأمنه
علی ذلك، وأخفاه عن کل من سواه، لئلا يعلم
أحد فيخدع الأمين، وعلى المرسل أمين
القاضي أن يتعرف أحوال الشهود ممن يعرف
حالهم، فيسأل عنهم أهل الثقة من جيرانهم
وأهل محلاتهم، وأن يسأل أهل أسواقهم.
أما تزكية العلانية، فتكون بعد تزكية السر.
وكيفيتها: أن يحضر القاضي المزكي بعدما
زکی، ليزكي الشهود أمامه .
وهل يلزم أن يجمع بين التزكية في السر
والتزكية في العلانية؟ اختلف الفقهاء في ذلك.
- ٢٤١ -

تزكية ٧ - ٨
قال الحنفية: اليوم وقع الاكتفاء بتزكية
السر، لما في تزكية العلانية من بلاء وفتنة. (١)
وقال المالكية: يندب للقاضي تزكية السر مع
تزكية العلانية. فإِن اقتصر على تزكية السر
أجزأه قطعا كالعلانية على الراجح. (٢)
وقال الشافعية: بعد تزكية السريشافه
المبعوث الحاكم بما سمعه من المبعوث إليه.
وقيل: يشافه المبعوث إليه بما يعلمه المبعوث من
جهة الحاكم. وقيل: تكفي كتابته. (٣)
والظاهر من كلام الحنابلة أنه يكتفى بتزكية
السر. (٤)
٧ - ثم هل المعتبر قول المرسل إليه (المزكي) أو
قول المرسلين، ويسمون أصحاب المسائل؟
قال بعض الشافعية: المعول عليه شهادة
المزكي. ونقل الشيخان من الشافعية: أنهما نقلا
عن جمع من الأصحاب أن المعول على قول
أصحاب المسائل، خلافا لأبي إسحق، وأن
ابن الصباغ اعتذر عن قبولها، وهي شهادة على
شهادة - والأصل حاضر - لمكان الضرورة. (٥)
(١) معين الحكام ص ١٠٧
(٢) الشرح الكبير ٤/ ١٧٠ - ١٧١
(٣) قليوبي وعميره ٣٠٧/٤
(٤) المغني ٩/ ١٥
(٥) قليوبي وعميرة ٣٠٦/٤
التعارض بين التزكية والجرح:
اختلف فقهاء الحنفية في التعارض بين
التزكية والجرح، فقد نقل معين الحكام عن
المبسوط أنه لو عدله واحد، وجرحه آخر، أعاد
المسألة. وهذا قول محمد. لأن العدالة والجرح
لا يثبت عنده بقول الواحد فصارا متساويين.
وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: الجرح أولى،
لأن الجرح والتعديل يثبت يقول الواحد
عندهما، وترجح الجرح على التعديل، لأن
الجارح في الجرح اعتمد على الدليل، وهو
العيان والمشاهدة، فإن سبب الجرح ارتكاب
الكبيرة.
ولو جرحه واحد وعدله اثنان، فالتعدیل
أولى. ولو عدله جماعة وجرحه اثنان فالجرح
أولى، لأنه لا يثبت الترجيح بزيادة العدد على
الاثنین. (١)
٨ - وعند المالكية لو عدل شاهدان رجلا وجرحه
آخران، ففي ذلك قولان.
قيل: يقضى بأعدلهما، لاستحالة الجمع
بینھما .
وقيل : یقضی بشھود الجرح، لأنهم زادوا
على شهود التعديل، إذ الجرح مما يبطن فلا
يطلع عليه كل الناس، بخلاف العدالة.
وللخمي تفصیل، قال:
(١) معين الحكام / ١٠٧
- ٢٤٢ -

تزكية ٨ - ١٠
إن کان اختلاف البینتین في فعل شيء في
مجلس واحد، كدعوى إحدى البينتين أنه فعل
كذا في وقت كذا، وقالت البينة الأخرى: لم
يكن ذلك، فإنه يقضي بأعدلهما. وإن كان ذلك
في مجلسین متقاربين قضي بشهادة الجرح، لأنها
زادت علما في الباطن. وإن تباعد مابين
المجلسين قضي بآخرهما تاريخا، ويحمل على أنه
كان عدلا ففسق، أو كان فاسقا فتزكى، إلا أن
یکون في وقت تقیید الجرح ظاهر العدالة فبينة
الجرح مقدمة، لأنها زادت. (١)
وعند الشافعية: أنه يقدم الجرح على
التعديل لما فيه من زيادة العلم.
فإن قال المعدِّل: عرفت سبب الجرح وتاب
منه وأصلح، قدم قوله على قول الجارح. (٢)
أما الحنابلة فقد قال في المغني: فإذا رجع
أصحاب مسألة فأخبر اثنان بالعدالة، قَبِلَ
القاضي شهادته. وإن أخبرا بالجرح رد شهادته
وإن أخبر أحدهما بالعدالة والآخر بالجرح بعث
آخرين، فإن عادا فأخبرا بالتعديل تمت بينة
التعديل، وسقط الجرح لأن بينته لم تتم، وإن
أخبرا بالجرح ثبت ورد الشهادة. وإن أخبر
أحدهما بالجرح والآخر بالتعديل تمت البينتان
ويقدم الجرح. (٣)
(١) فتح العلي المالك ١/ ٢٥٩
(٢) قليوبي وعميرة ٤/ ١٠٧
(٣) المغني ٦٥/٩، ٦٦ ط الرياض.
وقت التزكية :
٩ - اتفق الفقهاء على أن التزكية تكون بعد
الشهادة لا قبلها .(١)
عدد من يقبل في التزكية :
١٠ - تقدم أن التزكية نوعان: تزكية السر،
وتزكية العلانية.
فبالنسبة لتزكية السر، قال أبوحنيفة
وأبويوسف ومالك في أحد قوليه: إن القاضي
يجتزىء بواحد في تزكية السر، لأنها ليست
شهادة بل هي إخبار.
والقول الآخر لمالك، وهو مذهب الشافعية
والحنابلة: أنه لا بد من اثنین.
أما بالنسبة لتزكية العلانية، فالأئمة الثلاثة،
وهو المشهور عند المالكية: أنه لا يقبل فيها إلا
اثنان، لأنها شهادة.
وقال ابن كنانة من المالكية: لابد من ثلاثة.
وعن ابن الماجشون: أن أقل مايزكي الرجل
أربعة شهود. وقال ابن حبيب في الواضحة:
والتزكية تختلف، فتكون بالواحد والاثنين
والجماعة، بقدر مايظهر للحاكم ويتأكد عنده.
قال المتيطي: وما كثر من الشهود فهو
أحسن، إلا أن تكون التزكية في شاهد شهد
(١) ابن عابدين ٥٧٣/٤، وتبصرة الحكام ١/ ٢٥٧، وقليوبي
وعميرة ٣٠٦/٤، والمغني ٦٣/٩
- ٢٤٣ -

تزكية ١١ - ١٣
بزنا، فإِن مُطَرِّفا روى عن مالك: أنه لا يزكيه
إلا أربعة . (١)
من تقبل تزکیته :
١١ - فقهاء المذاهب - عدا الحنفية - قالوا:
يشترط في شاهد التزكية أن یکون مبر زا ناقدا
فَطِنا، لا يخدع في عقله، ولا تخفى عليه شروط
التعديل. ولا تقبل التزكية من الأبله والجاهل
بشروط العدالة، وإن كان في نفسه عدلا مقبولا
في غير ذلك. ولا يقبل قول من یری تعدیل کل
مسلم.
وقال أبوحنيفة وأبويوسف: تعديل السريقبل
فیه تعدیل الوالد لولده وکل ذي رحم محرم
لرحمه، لأن تعديل السر ليس بشهادة.
وقال محمد: هو شهادة فلابد من شهادة
اثنین .
١٢ - وقال الحنفية: يقبل تعديل المرأة لزوجها
وغيره، إذا كانت امرأة برزة تخالط الناس
وتعاملهم، لأن لها خبرة بأمورهم فيفيد
السؤال. قالوا: وتجوز تزكية السر من الأعمى
والصبي والمحدود في قذف. وهذا خلافا
لمحمد .
وقال المالكية: لا تقبل تزكية النساء، لا في
حق الرجال ولا في حق النساء.
(١) معين الحكام ١٠٤، وتبصرة الحكام ١/ ٢٥٦، وقليوبي
وعميرة ٣٠٦/٤، والمغني ٩/ ٦٧ ومابعدها.
قال ابن رشد: إن التزكية يشترط فيها
التبريز في العدالة، وهي صفة تختص بالرجال.
قال: وقد قيل : إنهن يزكين الرجال إذا شهدوا
فيما تجوز شهادتهن فيه، وهو قول ابن نافع
وابن الماجشون في المبسوطة. والقياس جواز
تزکیتهن للنساء . (١)
تزکیة المشهود علیه للشاهد :
١٣ - قال الحنفية : إذا عدل المدعى عليه شهود
المدعي، بأن قال: صدقوا في شهادتهم، أو
قال: هم عدول في شهادتهم، يقضى عليه
بالمال بإقراره لا بالشهادة، لأن ذلك إقرار منه
بالمال.
وإن قال: هم عدول، ولم يزد عليه، ذكر في
الجامع الصغير: أنه لا يصح هذا التعديل، لأن
من زَعْمِ المدعي وشهوده أن المدعى عليه في
الجحود ظالم وكاذب، فلا تصح تزکیته.
وقال في كتاب التزكية: ويجوز تعديل المشهود
عليه إذا كان من أهله، لأن تعديل المشهود عليه
بمنزلة تعديل المزكي، وإقراره بكون الشاهد
عدلا لا يكون إقرارا بوجوب الحق على نفسه
لا محالة. (٢)
وعند المالكية: لو أقر الخصم المشهود عليه
(١) تبصرة الحكام ١/ ٢٥٥، ومعين الحكام ١٠٦، وقليوبي
وعميرة ٣٠٦/٤، والمغني ٩/ ٦٣ - ٦٤
(٢) معين الحكام ص ١٠٦ - ١٠٧
- ٢٤٤ -

تزكية ١٣ - ١٤
بالعدالة لمن شهد عليه يحكم القاضي بهذا
الإقرار، ولو علم خلاف ذلك، لأن إقراره
بعدالته كإقراره بالحق، حتى لوشهدت بينة
بخلاف عدالة الشاهد. (١)
أما الشافعية والحنابلة: فإذا شهد عند
القاضي مجهول الحال، فقال المشهود عليه: هو
عدل، فعند الشافعية: فيه قولان، وهما وجهان
عند الحنابلة.
أولا - لا يكفي في الأصح في التعديل قول
المدعى عليه: هو عدل، وقد غلط في شهادته
علي.
وقيل: یکفي في حقه، لأنه اعترف بما لو
ثبت بالبينة يقضى عليه(٢)
والقولان هما الوجهان عند الحنابلة.
الأول: أنه يلزم الحاكم الحكم بشهادته،
لأن البحث عن عدالته لحق المشهود علیه، وقد
اعترف بها، ولأنه إذا أقر بعدالته فقد أقر بما
يوجب الحكم لخصمه عليه، فيؤخذ بإقراره
کسائر أقاريره.
والوجه الثاني: أنه لا يجوز الحكم بشهادته،
لأن في الحکم بها تعدیلا له، فلا يثبت بقول
واحد، ولأن اعتبار العدالة في الشاهد حق لله
تعالى، ولهذا لورضي الخصم أن يحكم عليه
(١) الشرح الكبير ٤/ ١٥٩
(٢) قليوبي وعميرة ٣٠٧/٤
بقول فاسق لم يجز الحكم به. لأنه لا يخلو إما أن
يحكم عليه مع تعديله أو مع انتفائه: لا يجوز أن
يقال مع تعديله، لأن التعديل لا يثبت بقول
الواحد. ولا يجوز مع انتفاء تعديله، لأن الحكم
بشهادة غیر العدل غير جائز، بدلیل شهادة من
ظهر فسقه. فإِن قلنا بالأول فلا يثبت تعديله في
حق غير المشهود عليه، لأنه لم توجد بينة
التعديل، وإنما يحكم عليه لإقراره بوجود شروط
الحکم، وإقراره یثبت في حقه دون غيره كما لو
أقر بحق عليه وعلى غيره ثبت في حقه دون
غيره . (١)
تجديد التزكية :
١٤ - قال الأمام أحمد: ينبغي للقاضي أن يسأل
عن شهوده كل قليل، لأن الرجل ينتقل من حال
إلی حال. قال ابن قدامة: هل هذا مستحب أو
واجب؟ فیه وجهان:
أحدهما: أنه مستحب لأن الأصل بقاء
ما کان، فلا یزول حتی یثبت الجرح.
والثاني: يجب البحث كلما مضت مدة یتغیر
الحال فيها، لأن العيب يحدث، وذلك على
مايراه الحاكم.
ولأصحاب الشافعي فيه وجهان مثل
هذین.(٢)
(١) المغني ٩/ ٦٦ - ٦٧
(٢) المغني ٩/ ٧١
- ٢٤٥ -

تزكية ١٤ - ١٦
ويرى الحنفية: أنه متى ثبتت العدالة عند
القاضي، ثم شهد الشهود في حادثةأخرى، فلا
يشتغل بتعديلهم إن كان العهد قريبا، وإلا
سأل عنهم .
وفي الحد الفاصل بينهما قولان، أحدهما: أن
القريب مقدر بستة أشهر. والثاني: أنه مفوض
إلى رأي القاضي. (١)
وعند المالكية: أنه لو شهد المزکی ثانیا قبل
عام من تاريخ شهادته السابقة، وجهل حاله،
ولم یکثر معدّلوه، ووجد من يعدله عند شهادته
ثانیا، فقد اختلفوا فيه على قولين:
الأول: ما قاله أشهب عن مالك أنه لا يحتاج
إلى تزكية .
والقول الثاني لسحنون: أنه يحتاج إلى
تزكية .
فإِن فقد قيدٌ من الثلاثة الأخيرة: بأن لم
يجهل حاله، أو كثر معدلوه، أو لم يوجد من
يعدله ثانيا لم يحتج إلى تزكية أخرى اكتفاء
بالتزكية السابقة اتفاقا بين المالكية. أما لو فقد
القید الأول، کما لو شهد مجهول الحال بعد تمام
سنة، ولم يكن زكاه قبله كثيرون احتاج لإِعادة
التزكية اتفاقا. (٢)
(١) معين الحكام ص ١٠٦، وشرح أدب القاضي للصدر
الشهید ٣/ ٤٢ بغداد نشر وزارة الأوقاف.
(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ١٧١
بيان سبب الجرح والتعديل :
١٥ - قال أبو حنيفة والمالكية: يقبل الجرح
المطلق، وهو: أن یشهد أنه فاسق، أو أنه لیس
بعدل. وعن أحمد مثله. لأن التعديل يسمع
مطلقا فكذلك الجرح، لأن التصريح بالسبب
يجعل المجرِّح فاسقا، ويوجب عليه الحد في
بعض الحالات. وهو أن يشهد عليه بالزنى،
فيفضي الجرح إلى جرح الجارح، وتبطل
شهادته، ولا يتجرح بها المجروح.
وقال الشافعية: يجب ذكر سبب الجرح
للاختلاف فيه، بخلاف سبب التعديل.
واستدل من قالوا باشتراط بيان سبب الجرح بأن
الناس يختلفون في أسباب الجرح، كاختلافهم
في شارب النبيذ، فوجب ألا يقبل مجرد الجرح،
لئلا يجرحه بما لا يراه القاضي جرحا، ولأن
الجرح ينقل عن الأصل، فإِن الأصل في
المسلمين العدالة والجرح ينقل عنها، فلابد أن
يعرف الناقل، لئلا يعتقد نقله عن أصل العدالة
بما لا يراه الحاكم ناقلا. (١)
الفرق بين شهود الدعوى وشهود التزكية :
١٦ - يختلف شهود التزكية عن شهود الدعوى في
أمور، ويتفقان في أمور:
فيتفقان في الجملة في اشتراط العقل الكامل
(١) معين الحكام ص ١٠٥، والمغني ٦٨/٩ - ٦٩، وتبصرة
الحكام ٤٥٨/١، وقليوبي وعميرة ٣٠٧/٤
- ٢٤٦ -

تزكية ١٦ - ١٨
والضبط والولاية والعدالة والبصر والنطق، وألا
يكون الشاهد محدودا في قذف، وعدم القرابة
المانعة من قبول الشهادة، وألا تجرّ الشهادة على
الشاهد نفعا. وهذه الشرائط هي في الجملة، إذ
في كل مذهب تفصيل. وهذا في تزكية العلانية.
أما في تزكية السر، فقد تقدم الكلام عمن
تقبل شهادتهم فيها، ومن ذلك يعلم الفرق بين
شهود تزكية السر والشهادة أمام القاضي .
ويختلفان في أن شاهد التزكية في العلانية
يشترط أن يكون: مبرزا في العدالة فطنا حذرا
لا يخدع ولا یستغفل.
قال محمد بن الحسن في النوادر: كم من
رجل أقبل شهادته ولا أقبل تعدیله، لأنه يُحْسن
أن يؤدي ماسمع ولا يحسن التعديل.(١)
وفي كتاب (المتيطية) من كتب المالكية:
شهود التزكية بخلاف شهود الحقوق. قال
مالك: قد تجوز شهادة الرجل ولا يجوز تعديله،
ولا يجوز إلا تعديل العارف.
وقال سحنون: لا يجوز في التعديل إلا العدل
المبرز الفطن الذي لا يخدع في عقله ولا يستزل
في رأيه. وعلى هذا أكثر أصحاب مالك، وبه
جرى العمل. وروي عنه أيضا: شهود التزكية
کشهود سائر الحقوق. (٢)
(١) معين الحكام ص ١٠٦
(٢) تبصرة الحكام ٢٥٥/١
١٧ - ومثل ما تقدم ما قاله الشافعية: أنه يشترط
في المزكي مايشترط في الشاهد ويزيد عليه
أمران :
أحدهما: معرفة أسباب الجرح والتعديل،
لأنه یشهد بهما.
والأمر الثاني : خبرة باطن من يعدله أو
يجرحه، بصحبة أو جوار أو معاملة، لیتأتى له بها
التعديل أو الجرح. (١)
ولا يخرج كلام الحنابلة عن ذلك. فقد
قالوا: لا يقبل التعديل إلا من أهل الخبرة
الباطنة والمعرفة المتقادمة، ولأن عادة الناس
إظهار الصالحات وإسرار المعاصي، فإِذا لم يكن
ذا خبرة باطنة ربما اغتر بحسن ظاهره، وهو في
باطنه فاسق. (٢)
تزكية الشهود الذميين لمثلهم :
١٨ - إذا ترافع الذميون أمام قاض مسلم،
وطلبوا منه الفصل فيما شجر بينهم، وأحضر
المدعي شهوده الذميين على المدعى عليهم
الذميين، فقد قال الحنفية: التزكية للذمي
تكون بالأمانة في دينة ولسانه ويده، وأنه
صاحب يقظة . فإن لم يعرفه المسلمون سألوا عنه
عدول الذميين. (٣)
(١) قليوبي وعيمرة ٤/ ٣٠٧
(٢) المغني ٦٨/٩ - ٦٩
(٣) ابن عابدين ٤/ ٣٧٥
- ٢٤٧ -

تزکیة ١٩ - ٢٠
ولم يعثر على حكم تزكية الذميين في المذاهب
الأخرى.
رجوع المزكي عن التزكية:
١٩ - يرى أبو حنيفة أنه لورجع المزكون عن
تزكيتهم للشهود، بأن قالوا مثلا: إن الشهود
عبید أو مجوس، وقد زکیناهم ونحن نعلم ذلك،
فالدیة علی المزکین عند أبي حنيفة، ولا يقتص
منهم لو رجم المشهود علیه بالزنا وهو محصن.
وقال الصاحبان: بل يقتص منهم وأما إذا
قالوا: أخطأنا في التزكية فلا شيء عليهم.
وقيل: الخلاف بین الإِمام وصاحبیه فيما إذا
أخبر المزكون أن الشهود أحرار، فإذا هم عبيد.
أما إذا قالوا: هم عدول، فبانوا عبيدا
لا يضمنون إجماعا، لأن العبد قد يكون
عدلا . (١)
ومذهب المالكية: أنه لورجع المزكي لشهود
الزنا أوقتل العمد عن تزكيتهم، بعد رجم
المشهود عليه، أو قتله قصاصا، فلا يغرم المزكي
شيئا من الدية، سواء رجع الشهود الأصول
أم لا.(٢)
وقال الشافعية في الوجه الأصح عندهم: إنه
(١) ابن عابدين ٣٩٨/٤
(٢) التاج والإكليل ٢٤٥/٢
يتعلق بالمزكي الراجع القصاص والضمان، لأنه
ألجأ القاضي إلى الحكم المفضي إلى القتل.
وفي وجه آخر: لا، لأنه لم يتعرض للمشهود
عليه، وإنما أثنى على الشاهد، والحكم يقع
بالشاهد، فكان كالممسك مع القاتل.
وفي وجه ثالث: يتعلق به الضمان دون
القصاص. قال القفال. الخلاف فيما إذا قال
المزکیان: علمنا کذب الشاهدین. فإن قالا :
علمنا فسقهما فلا شيء علیھما، لأنهما قد يكونان
صادقين مع الفسق، وطرد الإِمام الخلاف في
الحالين. (١)
وعند الحنابلة أن المزكيين إذا رجعا عن
التزكية ضمنا، لأنهما تسببا في الحكم غير الحق،
فيضمنان كرجوع شهود الإِحصان. (٢)
تزكية الشهود بعضهم لبعض:
٢٠ - يكفي عند الحنفية تزكية أحد الشاهدين
صاحبه في الأصح، لأن العدل لا يتهم بمثله.
وغاية مافيه أن فيه منفعة من حيث القضاء
بشهادته، ولكن العدل لا یتهم بمثله كما
لا يتهم في شهادة نفسه. وفي الفتح أن بعضهم
قال: لا يجوز، لأنه متهم، حیث کان بتعديله
رفيقه يثبت القضاء بشهادته. ولكن الصحيح
(١) روضة الطالبين ٢٩٨/١١ ط المكتب الإسلامي.
(٢) الكافي ٣/ ٥٦١ ط المكتب الإسلامي.
- ٢٤٨ -

تزكية ٢١ - ٢٢
ما ذكر، لأن شهادته تتضمن مثل هذه المنفعة
وهي القضاء بها، فكما أنه لم يعتبر الشرع مع
عدالته ذلك مانعا، كذلك تعديله لمن شهد
معه .(١)
وعند المالكية: أن الشاهد لا یزكي من شهد
معه، ولا تقبل معه شهادته في ذلك الحق.
وأجاز سحنون إذا شهدت طائفة بعد ذلك أن
تزكي كل طائفة صاحبتها، وهو عنده بمنزلة
ما لوشهدتا في حقین مختلفین. وروي عنه أن
ذلك لا يجوز ولو شهدتا في حقین مختلفين. (٢)
وعند الشافعية: أنه لا يجوز أن يزكي أحد
الشاهدين الآخر، وفيه وجه ضعيف أنه
يجوز. (٣)
التزكية تكون على عين المزكي:
٢١ - التزكية التي تشترط وتقبل تكون على عين
المزكي، وذلك في تزكية العلانية. وصفتها: أن
يحضر القاضي المزكي - بعدما زكى الشهود في
السر - ليزكيهم علانية بين يديه، ويشير إليهم
فيقول: هؤلاء عدول عندي، إزالة للالتباس،
واحترازا عن التبديل والتزوير.
قال ابن فرحون: لا يزكى الشاهد إذا لم
يعرفه القاضي إلا على عينه، وليس على
(١) ابن عابدين ٣٩٤/٤
(٢) تبصرة الحكام ٢٥٨/١
(٣) روضة الطالبين ١٧٢/١١، والمغني ١ /٦٣، ٦٧
القاضي أن يسأل المزكي عن تفسير العدالة إذا
كان المزكي عالما بوجوهها، ولا عن الجرحة إذا
كان عالما بها. (١)
ولم يصرح الحنابلة بتكرار سؤال المزكي أمام
الشهود وإشارته إلى عين من يزكيهم. (٢)
الإعذار إلى المدعى عليه في تزكية المزكين:
٢٢ - هل على القاضي أن يعذر إلى المدعى
عليه فيمن زكى من شهد عليه من تلقاء نفسه؟
أو يطلب من المدعى عليه أولا يعذر أصلا.
الذي یفیده كلام الحنفية: أنه لا یعذر إلى
المدعى عليه فيمن زكى شهود المدعي. إذ
قالوا: اليوم وقع الاكتفاء بتزكية السر، لما في
تزكية العلانية من بلاء وفتنة. (٣)
وقال المالكية: مما لا يعذر فيه مزكي السر،
وهو من يخبر القاضي في السربحال الشهود من
عدالة أوجرح. ولوسأل الطالب المقيم للبينة
عمن جرحها لا يلتفت إلى سؤ اله. وكذلك لو
سأل المطلوب عمن زكي بينة الطالب، فإنه
لا یلتفت إلیه، لأنه لا یقیم لذلك إلا من يثق
به، فهو قائم مقام القاضي فلا يعذر في نفسه.
(١) معين الحكام ص ١٠٥، وتبصرة الحكام ٢٥٦/١،
والروضة ١٦٩/١١، ومغني المحتاج ٤/ ٤٠٣
(٢) المغني ١٠/ ٦٠، مكتبة القاهرة، والإنصاف ٢٨٦/١١،
وكشاف القناع ٦/ ٣٥٠ - ٣٥١
(٣) معين الحكام ص ١٠٥
- ٢٤٩ -

تزكية ٢٣
وكذلك الشاهد المبرز في العدالة الفائق أقرانه
فيها لا يعذر فيه لغير العداوة، ويعذر فيه فيها،
ومثلها القرابة. وكذلك المحكوم عليه إذا كان
يخشى منه على من شهد عليه، فإنه لا يعذر إليه
فيمن شهد عليه، ومعناه أن الشاهد على من
پخشی منه لا یسمی له .(١)
ومؤدى ذلك أن غير المذكورين يعذر فيهم
إلى المشهود عليه .
وقال الشافعية: بعد السؤال والبحث
ومشافهة المزکي بما عنده، فإن کان جرحا ستره،
وقال للمدعي : زدني في شهودك، أوتعديلا
عمل بمقتضاه. (٢)
وظاهر ذلك أنه يعمل بمقتضى الجرح
والتعديل، من غير أن يقول للمدعي الذي
أحضر الشهود: إن شهودك قد جرحهم فلان
وفلان، ولا يقول للمدعى عليه: إن من شهدوا
علیك قد عدهم فلان وفلان.
هذا ولم نطلع على حكم ذلك عند
الحنابلة .
تزكية رواة الأحاديث :
٢٣ - الأحكام التي تقدمت هي في شهود
الدعاوى.
أما بالنسبة لرواة الأحاديث فقد أجمع جماهير
(١) الخرشي ١٥٨/٧ - ١٥٩
(٢) نهاية المحتاج ٢٦٥/٨ ط البابي الحلبي.
أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج
بروايته: أن یکون عدلا ضابطا لما يرويه، بأن
يكون مسلما بالغا عاقلا، سالما من أسباب
الفسق ومايخل بالمروءة متيقظا غير مغفل،
حافظا إن حدث من حفظه، ضابطا لکتابه إن
حدث من كتابه. وإن كان يحدث بالمعنى
اشترط فيه مع ذلك: أن يكون عالما بما يحيل
المعاني.
وعدالة الراوي تارة تثبت بتنصيص معدلين
على عدالته، وتارة تثبت بالاستفاضة، فيمن
اشتهرت عدالته من أهل النقل أو نحوهم من
أهل العلم، ومن شاع الثناء عليه بالثقة والأمانة
استغني فيه بذلك عن بينة شاهدة بعدالته
تنصيصا، وهذا هو الصحيح في مذهب
الشافعي، وعلیه الاعتماد في فن أصول الفقه.
وذلك مثل الإِمام مالك وأبي بكر الخطيب
الحافظ .
والتعديل مقبول من غير ذكر سببه على
المذهب الصحيح المشهور، لأن أسبابه كثيرة
يصعب حصرها، بخلاف الجرح، فإنه لا يقبل
إلا مفسرا مبين السبب، لأن الناس يختلفون فيما
يجرح ولا يجرح. (١)
وهناك تفصيلات وأحكام أخرى يرجع
إليها في الملحق الأصولي، وفي علم مصطلح
الحدیث.
(١) علوم الحديث لابن الصلاح ٩٤ - ٩٦
- ٢٥٠ -

تزکیة ٢٤، تزویج ١ - ٢
تزكية الإنسان نفسه :
٢٤ - نهى الله عز وجل عن تزكية الإِنسان نفسه
بقوله تعالى : ﴿فلا تُزَكُوا أنفسكم هو أعلمُ بمن
اتَّقَى﴾(١) وقال تعالى: ﴿ألم تَرَ إلى الذين
يُزَكُّون أنفسَهم بل اللهُ يُزَكِّي من يشاء﴾.(٢)
وليس من التزكية المذمومة بيان الإِنسان
لبعض صفاته علی سبیل التعريف، حيث
يحتاج إلى ذلك في تولیته، کما حصل لنبي الله
يوسف عليه السلام حيث قال: ﴿اجعلني على
خَزَائنِ الأرضِ إني حفيظُ عليمٌ﴾. (٣)
والتفصيل في مصطلح: (مدح).
(١) سورة النجم / ٣٢
(٢) سورة النساء / ٤٩
(٣) سورة يوسف / ٥٥
تزويج
التعريف :
١ - التزويج لغة: مصدر زوج. يقال: تزوجت
امرأة، وزَّوجه امرأة أي : قرنه بها . وفي التنزيل :
﴿وزوجناهم بحورعين﴾(١) أي قرناهم بهن،
وكل شيئين اقترن أحدهما بالآخر فهما
زوجان، (٢) والاسم من التزويج: الزواج.
وهو في الاصطلاح كما عرفه الحنفية: عقد
يفيد ملك استمتاع الرجل بالمرأة، وحل
استمتاع المرأة بالرجل على وجه مشروع. (٣)
الحكم التكليفي :
٢ - التزويج لیس له حکم واحد ينطبق عليه في
جمیع الحالات بل يختلف حكمه باختلاف
الناس من ناحية قدرتهم على مطالب الزواج
واستعدادهم للقيام بالحقوق الزوجية.
(١) سورة الدخان/ ٥٤
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير مادة ((زوج)).
(٣) المغني لابن قدامة ٤٤٥/٦ ط الرياض، والشرح الصغير
٣٣٢/٢، وابن عابدين ٢٥٨/٢ ط الأميرية.
- ٢٥١ -

تزويج ٣
فیکون فرضا أو واجبا أو حراما أو مكروها أو
مندوبا أو مباحا.
فيكون فرضا أوواجبا : إذا كان الشخص في
حالة پتيقن فيها الوقوع في الزنی إن لم يتزوج،
وكان قادرا على النفقة والمهر وحقوق الزواج
الشرعية، ولا يستطيع الاحتراز عن الوقوع في
الزنی ونحوه .
ويكون حراما : إذا كان المرء في حالة یتیقن
فيها عدم القيام بأمور الزوجية والإِضرار بالمرأة
إذا هو تزوج.
ويكون مكروها : إذا خاف الشخص
الوقوع في الجور والضرر إن تزوج، لعجزه عن
الإِنفاق أو عدم القيام بالواجبات الزوجية.
ويكون مندوبا : في حالة الاعتدال، وهي
أن يكون الشخص معتدل الطبيعة، بحيث
لا يخشى الوقوع في الزنی إن لم يتزوج،
ولا يخشی أن یظلم زوجته إن تزوج، وهذا عند
جمهور الفقهاء. وقال الشافعية: إن الزواج في
هذه الحالة مباح، يجوز فعله وتركه. (١).
مَنْ له ولاية التزويج :
٣ - اتفق الفقهاء على أن الرجل الحر البالغ
العاقل الرشيد له أن یزوج نفسه، وأن یباشر
عقد النكاح دون إذن من أحد، لما له من حرية
(١) المغني ٦/ ٤٤٦ ط الرياض، وابن عابدين ٢٦٠/٢،
٢٦١، ومغني المحتاج ١٢٤/٣، والشرح الصغير
٣٣٠/٢، وحاشية الدسوقي ٢١٤/٢، ٢١٥
التصرف في خالص حقه. كما أن له أن یوکل
غيره في تزويجه، وأن يزوج غيره بالولاية أو
الوكالة .
أما الصغير والمجنون فلا ولاية لهما على
أنفسهما، وإنما يزوجهما الولي أبا أوجدا، أو
الوصي عليهما. ولا يجوز الصغير والمجنون
مباشرة عقد النكاح لعدم أهليتهما .
والسفیہ لا یصح له الزواج بدون إذن القيم
عليه عند المالكية والشافعية، خلافا للحنفية
والحنابلة فيجوز له أن يتزوج بلا إذن ولیه، وأن
يباشر العقد عند الحنفية، لأنه عقد غير مالي
فصح منه، وإن لزم منه المال، فحصوله بطريق
الضمن، فلا يمنع الحجر عليه من العقد. وقال
ابن قدامة في تزويج القيم للسفيه: إن تزوج
صح النكاح بإذن ولیه وبغير إذنه. وقال
أبو الخطاب: لا یصح بغير إذن وليه .
والولاية على الصغير والمجنون ولاية إجبار،
فيجوز للولي تزوجھما، بدون إذنهما، إذا كان في
ذلك مصلحة. وهذا بلا خلاف. (١)
(١) الهداية ١٩٠/١، ١٩٩، ٢١٥، ٢١٦، والاختيار
٩٤/٢، ٩٦، ٩٧، والبدائع ٢/ ٢٤١، وجواهر الإكليل
٢٧٤/١، ٢٨٥، ٢٨٦، والكافي لابن عبدالبر ٥٢٩/٢،
٥٤٥، ومنح الجليل ٤٣٩/٣، ٤٤٠، والمهذب ٣٤/٢،
٣٦، ٣٧، ٤١، ونهاية المحتاج ٦/ ٢٢٣، ٢٢٤، ٢٤١،
٢٤٢، ٢٤٣، ٢٤٤، ومنتهى الإرادات ١٣/٣، ١٤،
١٥، ١٩، ٢٠، والمغني ٦ /٤٦٩، ٤٧٠، ٥٠٢، ٥١٥،
٥٢٣/٤
- ٢٥٢ -

تزويج ٤
لكن الاختلاف فيمن له ولاية الإِجبار، هل
الأب فقط أو الأب والجد، أو الأب والجد
والوصي أو غيرهما. وينظر تفصيل ذلك في
(ولاية).
تزويج المرأة نفسها :
٤ - المرأة البالغة العاقلة الحرة الرشيدة لا يجوز لها
تزويج نفسها، بمعنى أنها لا تباشر العقد
بنفسها، وإنما يباشره الولي عند جمهور الفقهاء،
لحديث ((لا نكاح إلا بولي))(١) وروي عن عائشة
رضي الله عنها عن النبي ◌َّلهم أنه قال: ((أيما امرأة
نگحت بغیر إذن ولیھا فنکاحها باطل، فنكاحها
باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر
بما استحل من فرجها، فإن تشاجروا فالسلطان
ولي من لا ولي له))(٢) ولقوله {َّير ((لا تنكح المرأةُ
المرأةَ، ولا تنكح المرأة نفسها)). (٣)
(١) حديث ((لا نكاح إلا بولي)) أخرجه أبو داود (٥٦٨/٢ - ط
عزت عبيد دعاس) وأحمد (٣٩٤/٤ - ط اليمنية). وقال
الحاكم: وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي ◌َثار.
(المستدرك ٢ / ١٧٠ - ط دائرة المعارف العثمانية).
(٢) حديث ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها
باطل ... )) أخرجه أبو داود (٥٦٨/٢ - ط عزت عبيد
دعاس، والترمذي ٣/ ٤٠٧ ط عزت عبيد دعاس)
وصححه ابن معين كما في الكامل لابن عدي (١١١٥/٣ -
ط دار الفكر).
(٣) حديث ((لا تنكح المرأة المرأة ولا تنكح المرأة نفسها)) أخرجه
ابن ماجة (٦٠٦/١ - ط الحلبي) والدارقطني (٢٢٨/٣ ط =
ولا يجوز لها أن تزوج غيرها، وسواء أكانت
المرأة بكرا أم ثيبا. وقالوا: البكر يجبرها الولي
على النكاح، لكن يستحب إذنها. أما الثيب
إن كانت صغيرة فلا يجوز تزويجها حتى تبلغ،
وتستأذن. وذلك عند الشافعية. وفي وجه عند
الحنابلة، وهو ظاهر قول الخرقي، واختاره
ابن حامد وابن بطة والقاضي. وعند المالكية،
وهو الوجه الثاني عند الحنابلة: أن لأبيها
تزويجها، ولا يجب أن يستأمرها، وهو أيضا قول
للحنفية. والعلة عندهم هي الصغر، ولذلك له
ولاية إجبارها .
أما الثیب الکبیرہ۔ فإنها وان كانت لا تلي
عقد نكاحها بنفسها عند الجمهور - إلا أنه
لا يجوز تزويجها بدون إذنها ورضاها(١) لما روت
الخنساء بنت خدام الأنصارية أن أباها زوجها
وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله وَله
فرد نكاحه. (٢) ولحديث ((الثيب أحق بنفسها من
(٣)
ولیھا» (٣)
= دار المحاسن) واللفظ للدارقطني. وإسناده حسن.
(التلخيص لابن حجر ١٥٧/٣ ط شركة الطباعة الفنية).
(١) جواهر الإكليل ٢٧٨/١، والمهذب ٣٨/٢، ونهاية
المحتاج ٢١٩/٦، ٢٢٣، ٢٢٤، والمغني ٦/ ٤٨٦،
٤٨٨، ٤٩٠، ٤٩٣، وشرح منتهى الإرادات ١٣/٣،
١٤، ونيل الأوطار ٦/ ١٢٠ - ١٢١
(٢) أخرجه البخاري (الفتح ١٩٤/٩ ط السلفية).
(٣) حديث ((الثيب أحق بنفسها من وليها)) أخرجه بهذا اللفظ
الدارقطني (٣/ ٢٤٠ ط دار المحاسن). وأخرجه مسلم
(١٠٣٧/٢ ط الحلبي) بلفظ: ((الأيم)).
- ٢٥٣ -

تزويج ٤، تزوير ١
أما الحنفية: فإنه لا يجوز عندهم إجبار
البالغة على النكاح بكرا كانت أم ثيبا، (١) ولها
أن تعقد النكاح بنفسها. ففي الهداية: ينعقد
نكاح الحرة العاقلة البالغة برضاها، وإن لم يعقد
عليها ولي، بكرا كانت أو ثيبا عند أبي حنيفة
وأبي يوسف في ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف
أنه لا ينعقد إلا بولي. وعند محمد ينعقد موقوفا.
ووجه الجواز: أنها تصرفت في خالص حقها
وهي من أهله، لكونها عاقلة بالغة مميزة، وإنما
يطالب الولي بالتزويج كيلا تنسب إلى
الوقاحة. (٢)
والثیب من باب أولى إذا كانت كبيرة، فإنها
تعقد على نفسها. أما الصغيرة سواء أكانت
بکرا أم ثیبا فلولیھا إجبارها على النكاح، لأن
ولاية الإِجبار تدور مع الصغر وجودا وعدما. (٣)
وأما المجنونة فللولي إجبارها على النكاح
مطلقا، وهذا باتفاق . (٤)
وفي كل ما مر تفصيل ينظر في (نكاح -
ولاية).
(١) بدائع الصنائع ٢/ ٢٤١
(٢) الهداية ١٩٦/١
(٣) البدائع ٢٤١/٢
(٤) البدائع ٢/ ٢٤١، والهداية ٢١٦/١، وجواهر الإكليل
٢٧٧/٢، ٢٧٨، ونهاية المحتاج ٦/ ٢٢٤، ٢٤١،
والمهذب ٣٨/٢، ومنتهى الإرادات ١٤/٣، ١٥
تزوير
التعريف :
١ - التزوير في اللغة: مصدر زوّر، وهو من
الزور، والزور: الكذب، قال تعالى: ﴿والذين
لا يَشْهدون الزورَ﴾(١) وزوّر كلامه: أي
زخرفه، وهو أيضا: تزيين الكذب. وزوّرت
الكلام في نفسي : هیأته، ومن ذلك قول عمر
رضي الله عنه: مازورت كلاما لأقوله إلا سبقني
إليه أبوبكر. أي: هيأته وأتقنته.
وله في اللغة معان أخرى. (٢)
وفي الإصطلاح :
تحسین الشيء ووصفه بخلاف صفته، حتى
یخیل إلی من سمعه أورآه أنه بخلاف ماهو عليه
في الحقيقة. فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه
حق. (٣)
(١) سورة الفرقان / ٧٢
(٢) تاج العروس ومختار الصحاح. مادة: ((زور)).
(٣) سبل السلام ٤/ ١٣٠ ط الكتب العلمية ببيروت.
- ٢٥٤ -

تزوير ٢ - ١٠
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الكذب :
٢ - الكذب هو: الإخبار بما ليس مطابقا
للواقع. وبينه وبين التزوير عموم وخصوص
وجهي، فالتزويريكون في القول والفعل،
والكذب لا يكون إلا في القول.
والكذب قد يكون مزينا أو غير مزين،
والتزوير لا يكون إلا في الكذب المموه. (١)
ب - الخلابة :
٣ - الخلابة هي: المخادعة، وتكون بستر
العیب، وتكون بالكذب وغيره. (٢)
جـ - التلبيس :
٤ - التلبيس من اللّبْس، وهو اختلاط الأمر،
وهو ستر الحقيقة وإظهارها بخلاف ماهي
عليها. (٣)
د - التغرير :
٥ - التغرير هو: الخديعة والإِيقاع في الباطل
وفيما انطوت عاقبته .
هـ ـ الغش :
٦ - الغش مصدر غشه إذا لم يمحضه النصح،
بل خدعه .
(١) تاج العروس.
(٢) اللسان وتاج العروس والمصباح.
(٣) التعريفات للجرجاني .
والغش يكون بالقول والفعل، فالتزوير
والغش لفظان متقاربان .
و۔ التدليس :
٧ - التدلیس: كتمان العيب. وهو في البيع کتمان
عيب السلعة عن المشتري .
والتدليس أخص من التزوير، لأنه خاص
بكتمان العيب في السلعة المبيعة، أما التزوير فهو
أعم، لأنه يكون بالقول والفعل وفي السلعة
المبيعة وغيرها.
ز - التحريف :
٨ - التحريف : تغيير الكلام عن مواضعه
والعدول به عن حقيقته.
حـ - التصحيف :
٩ - والتصحيف: هو تغيير اللفظ حتى يتغير
المعنى المراد.
وقد تقدمت الألفاظ ذات الصلة وما يتعلق
بها من أحكام في مصطلح (تدليس)
و(تحريف).
الحكم التكليفي :
١٠ - الأصل في التزوير أنه محرم شرعا في
الشهادة لإِبطال حق أو إثبات باطل. (١)
والدليل على حرمته قول تعالى : ﴿فاجتنبوا
(١) المغني ٩/ ٢٦٠
- ٢٥٥ -

تزوير ١١
الرِّجْسَ من الأوثان واجتنبوا قولَ الزور﴾ (١)
ومن السنة قوله وله: ((ألا أنبئكم بأكبر
الكبائر؟ قالوا: بلى يارسول الله. قال:
الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وجلس وكان
متکئا، ثم قال: ألا وقول الزور. فما يزال
یکررها حتی قلنا: لیته سكت)». (٢)
١١ - وقد استثني من حرمة التزوير أمور:
منها الكذب في الحرب، وتطييب خاطر
زوجته ليرضيها، والإصلاح بين الناس. (٣)
واستدلوا بحديث: أسماء بنت يزيد مرفوعا:
((لا يحل الكذب إلا في ثلاث: يحدث الرجل
امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب
ليصلح بين الناس))(٤) ومنه: الكذب لدفع ظالم
على مال له أو لغيره أو عرض، وفي ستر معصية
منه أو من غيره. (٥) وقد نقل عن النووي :
الظاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور الثلاثة،
ولكن التعریض أولى .
(١) سورة الحج / ٣٠
(٢) حديث: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ... )) أخرجه البخاري
(فتح الباري ٤٠٥/١٠ ط السلفية)، ومسلم (١/ ٩١ ط.
عيسى الحلبي).
(٣) فتح الباري ٦/ ١٥٩
(٤) حديث: ((لا يحل الكذب إلا في ثلاث ... )) أخرجه أحمد
(٤٥٩/٦، ٤٦١ ط. المكتب الإسلامي)، والترمذي (تحفة
الأحوذي ٦/ ٧٠ ط الليثي). واللفظ له وقال: هذا حديث
حسن.
(٥) قلیوہي ٢١٥/٣
وقال ابن العربي: الكذب في الحرب هومن
المستثنى الجائز بالنص.(١)
قال ◌َ له: ((الحرب خدعة))، (٢) وفيه: الأمر
باستعمال الحيلة في الحرب مهما أمكن ذلك.
وفيه: التحريض على أخذ الحذر في الحرب،
والندب إلى خداع الكفار.
وقال النووي: اتفقوا على جواز خداع
الكفار في الحرب کیفما أمكن، إلا أن یکون فيه
نقض عهد أو أمان، فلا يجوز. وأصل الخدع
إظهار أمر وإضمار خلافه . (٣)
وجاء في حديث جابر بن عبدالله رضي الله
عنهما: ((أن النبي وَل﴾ قال: مَنْ لكعب بن
الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله؟ قال
محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله يارسول الله؟
قال: نعم. قال: فأتاه، فقال: هذا - يعني
النبي ◌َ ◌ّ - قد عنّانا وسألنا الصدقة. قال:
وأيضا والله لتُمُلُنَّه قال: فإنا اتبعناه فنكره أنه
ندعه حتى ننظر إلى مايصير أمره. قال: فلمْ
يزلْ يكلمه حتى استمكن منه فقتله)). (٤)
(١) فتح الباري ١٥٨/٦ - ١٥٩، والمغني ٣٦٩/٨
(٢) حديث: ((الحرب خدعة ... )) أخرجه البخاري (فتح
الباري ١٥٨/٦) ط السلفية.
(٣) المراجع السابقة .
(٤) حديث: (مَنْ لكعب بن الأشرف ... ؟)) أخرجه البخاري
(فتح الباري ٦/ ١٥٩ط السلفية).
- ٢٥٦ -

تزوير ١١
فقوله: عنّانا أي: كلفنا بالأوامر والنواهي،
وقوله: سألنا الصدقة أي: طلبها منا ليضعها
مواضعها، وقوله: نکره أن ندعه أي نكره
فراقه. فقوله له من قبيل التعريض والتمويه
والتزوير، حتی یأمنه فیتمکن من قتله.
وجاء في رواية: ((ائذن لي أن أقول. قال:
قل)) فيدخل فيه الكذب تصريحا وتلويحا. (١)
وفي سيرة ابن هشام: أتى نُعَيِمُ بن مسعود
رسول الله ﴾﴾ فقال: ((يارسول الله، إني قد
أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإِسلامي، فمرني
بما شئت، فقال رسول الله (صل﴾: إنما أنت فينا
رجل واحد، فخذّل عنا إن استطعت، فإن
الحرب خدعةٌ. فخرج نعيم بن مسعود حتی
أتى بني قريظة، فقال لهم: لا تقاتلوا مع القوم
- الأحزاب - حتى تأخذوا منهم رهنا من
أشرافهم، یکونون بأیدیکم ثقة لكم علی أن
تقاتلوا معهم محمدا، حتی تناجزوه، فقالوا له:
لقد أشرت بالرأي .
ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لهم: قد
عرفتم ودّي لکم وفراقي محمدا، وإنه قد بلغني
أمر قد رأيت عليّ حقا أن أبلغكموه، نصحا
لكم. تعلّموا أن معشر يهود قد ندموا على
ماصنعوا فیما بینهم وبین محمد، وقد أرسلوا إليه:
(١) وفي رواية: ((ائذن لي أن أقول. قال: قل)) أخرجه
البخاري (فتح الباري ٧/ ٣٣٦) ط السلفية.
إنا قد ندمنا على مافعلنا، فهل يرضيك أن
نأخذ لك من القبيلتين، من قریش وغطفان،
رجالا من أشرافهم فنعطيكهم، فتضرب
أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم
حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم: أن نعم. فإن
بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رُهُنا من
رجالکم فلا تدفعوا إليهم منکم رجلا واحدا.
ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال لهم مثل
ماقال لقريش، وحذرهم ماحذرهم.
وأرسل أبوسفيان بن حرب ورءوس غطفان
إلى بني قريظة: فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا
ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم : ولسنا
بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رُهُنا من
رجالکم، یکونون بأیدینا ثقة لنا، حتی نناجز
محمدا، فإِنا نخشى إن ضرّستكم الحرب واشتد
علیکم القتال أن تنشمروا إلی بلادكم وتتر کونا،
والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك منه. فلما
رجعت إليهم الرسل بما قالت بنوقريظة، قالت
قريش وغطفان: والله إن الذي حدثكم
نعيم بن مسعود لحق. فأرسلوا إلى بني قريظة :
إنا والله لا ندفع إلیکم رجلا واحدا من رجالنا،
فإِن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا.
فقالت بنوقريظة، حين انتهت الرسل إليهم
بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق،.
مايريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة
انتهزوها وإن كان غير ذلك انشمروا إلى
- ٢٥٧ -

تزوير ١٢ - ١٣
بلادهم، وخلوا بینکم وبین الرجل في بلدكم،
فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل
معکم محمدا حتی تعطونا رُهُنا. فأبوا علیھم،
وخذل الله بينهم، وبعث الله عليهم الريح في
ليال شاتية باردة شديدة البرد، فجعلت تكفأ
قدورهم، وتطرح أبنيتهم.))(١)
ثانيا : القضاء بشهادة الزور:
١٢ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة
وأبو يوسف ومحمد وزفر، وهو المفتى به عند
الحنفية، إلى أن قضاء الحاكم بشهادة الزور
ينفذ ظاهرا لا باطنا، ولا يزيل الشيء عن صفته
الشرعية سواء العقود من النكاح وغيره
والفسوخ، ويستوي في ذلك الأملاك المرسلة
(أي التي لم يبين سبب ملكها من إرث أو شراء)
وغير المرسلة. (٢) واستدلوا: بخبر: ((إنما أنا
بشر، وإنکم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن
(١) السيرة النبوية لابن هشام ٣/ ٢٤٠ - ٢٤٢ وحديث:
«نعيم بن مسعود أتى رسول الله ټ فقال: يارسول الله اني قد
أسلمت وإن قومي ... )) سيرة ابن هشام ٣/ ٢٤٠ ط
مصطفى الحلبي) رواه عن ابن إسحاق. وساقه
ابن إسحاق من غير إسناد ، وقال ابن كثير في البداية
والنهاية (١١٤/٤). وهذا الذي ذكره ابن اسحاق من قصة
نعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن عقبة. وانظر
دلائل النبوة للبيهقي (٣٩٨/٣ ط. دار الكتب العلمية).
(٢) المغني ٥٨/٩، والأم للشافعي ٧/ ٤٠، وقليوبي
٣٠٤/٤، والشرح الصغير ٢٩٥/٢
یکون أَحْنَ بحجته من بعض، فأقضي له على
نحوما أسمع، فمن قضیت له من حق أخيه
شيئا فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من
النار))(١).
وذهب أبوحنيفة إلى أن القضاء بشهادة
الزور ينفذ ظاهرا وباطنا في الفسوخ والعقود،
حيث كان المحل قابلا، والقاضي غير عالم.
لقول علي رضي الله عنه لامرأة أقام عليها رجل
بينة على أنه تزوجها، فأنكرت، فقضى له
عليّ. فقالت له: لم يتزوجني، فأما وقد قضيت
عليّ فجدد نکاحي، فقال: لا أجدد نكاحك،
الشاهدان زوجاك. (٢)
ومحل تفصيل هذا في مصطلح: (قضاء)
و(شهادة).
التزوير في الأيمان :
١٣ - الأصل أن التزوير في اليمين حرام، وهي
اليمين الغموس: وهي التي يكذب فيها الحالف
عامدا عالما عند الجمهور. وعند المالكية التي
يكذب فيها الحالف عمدا، أويشك في المحلوف
عليه، أو يظن منه ظنا غير قوي .
وقد یکون تزویر الیمین جائزا أو واجبا - على
(١) حديث: ((إنما أنا بشر .... )) أخرجه البخاري (فتح
الباري ١٢/ ٣٣٩ ط السلفية).
(٢) ابن عابدين ٣٣٣/٤ - ٣٣٤
- ٢٥٨ -

تزوير ١٤
الخلاف بين الفقهاء - فيما إذا تعين تزوير اليمين
عند الإِكراه عليها أو الاضطرار إليها، لدفع
الأذى عن نفسه أو عن مظلوم.
وقد تقدم تفصيل أحكام اليمين الغموس في
مصطلح: (أيمان)(١)
تضمین شهود الزور :
١٤ - يضمن شهود الزور ماترتب على شهادتهم
من ضمان، فإن كان المحكوم به مالا رد إلى
صاحبه، وإن كان إتلافا فعلی الشهود ضمانه،
لأنهم سبب إتلافه.
وذهب الشافعية، (٢) والحنابلة(٣) إلى وجوب
القصاص على شهود الزور، إذا شهدوا على
رجل بما یوجب قتله، كان شهدوا علیه بقتل
عمد عدوان، أو بردة، أو بزنی وهو محصن،
فقتل بشهادتهما، ثم رجعا، وأقرا بتعمد قتله
بتلك الشهادة، لعلمهما أنه یقتل بشهادتهما.
فيجب القصاص عليهما لتعمد القتل بتزوير
الشهادة، لأن شهادتهما سبب القتل، ولا يجب
القصاص بنفس التزوير والكذب.
وتجب عليهما الدية المغلظة إذا آل الأمر إليها
بدل القصاص. وكذلك الحكم إذا شهدا زورا
(١) الموسوعة الفقهية ٧/ ٢٨٢، ٢٨٦، ٢٨٧
(٢) نهاية المحتاج ٣١١/٨
(٣) المغني ٩/ ٢٦٢، ٦٤٥/٨
بما يوجب القطع قصاصا فقطع، أو في سرقة
لزمهما القطع، وإذا سرى أثر القطع إلى النفس
فعلیھما القصاص في النفس. كما يجب
القصاص على القاضي إذا قضی زورا
بالقصاص، وکان یعلم بكذب الشهود.
وذهب المالكية (١) والحنفية: (٢) إلى أن
الواجب هو الدية لا القصاص. لأن القتل
بشهادة الزور قتل بالسبب، والقتل تسبباً
لا يساوي القتل مباشرة، ولذا قصر أثره فوجبت
به الدية لا القصاص. ومحل وجوب القصاص
أو الدیة إذا تبین کذب الشهود، أورجعوا عن
شهادتهم بعد استيفاء القصاص. أما إذا رجعوا
قبله وبعد الحكم فينقض الحكم، ولا غرم على
الشهود، بل يعزرون.
ويجب حد القذف على شهود الزور إذا
شهدوا بالزنى، ويقام عليهم الحد سواء تبين
كذبهم قبل الاستيفاء أو بعده، إلا أنه يجب
عليهم القصاص مع حد القذف إذا شهدوا
بالزنى على محصن، فرجم بسبب شهادتهم. (٣)
وللتفصيل في أحكام القصاص والقذف ينظر
مصطلح (جناية، حدود، قصاص)، وكذلك
(شهادة)، و(قضاء).
(١) الشرح الصغير ٢٩٥/٤
(٢) بدائع الصنائع ٢٣٩/٧
(٣) المغني ٢١٥/٨، ونهاية المحتاج ٣١١/٨
- ٢٥٩ -

تزوير ١٥ - ١٦
التزوير بالأفعال :
١٥ - يقع التزوير في البيوع بإخفاء عيوب
السلعة وتزيينها وتحسينها، لإظهارها بشكل
مقبول ترغيبا فيها، كتصرية الحيوان ليظن
المشتري كثرة اللبن، أو صبغ المبيع بلون
مرغوب فيه، وکالكذب في سعر السلعة في بيوع
الأمانات وهي : المرابحة والتولية والحطيطة .
ويقع التزوير كذلك بمحاكاة خط القاضي أو
تزوير توقيعه أو شهادة الشهود في سجلات
القضاء بما يسلب الحقوق من أصحابها.
کما یقع التزوير في النكاح بأن یکتم أحد
الزوجين عيبا فيه عن الآخر.
وقد يقع التزوير بتسويد الشعر بقصد التغرير
والكذب.
وهذه الأنواع من التزوير هي من التزوير
المحرم، وهي داخلة في عموم قوله تليفون: ((من
غشنا فليس منا)»(١)
وللتفصيل ينظر مصطلح: (تدليس،
تسوید، بیع، نكاح، شهادة، قضاء وعيب).
التزوير في النقود والموازين والمكاييل:
١٦ - التزوير فيها يكون بالنقص من مقاديرها،
بغشها أو تغيير أوزانها أو أحجامها، كأن تخلط
(١) حديث: (من غشنا فليس منا)) أخرجه مسلم (١/ ٩٩ ط.
عيسى الحلبي).
دنانير الذهب أودراهم الفضة بمعادن أخرى
كالنحاس والرصاص، رغبة في نقص مقدار
الذهب أو الفضة الخالصين، أو بالنقص من
حجم الدينار أو الدرهم.
أو أن ينقص من وزن الصنج التي يستعملها
في الموازين، أو حجم المكيال، رغبة في زيادة
الربح وتقليل المبيع الموزون أو المكيل.
والتزوير في النقود والموازين والمكاييل محرم
داخل في قوله تعالى: ﴿ويلٌ للمطففين، الذين
إذا اکتالوا على الناس يستوفون، وإذا کالوهم أو
وزنوهم يُخْسرون﴾ .(١)
وداخل في عموم قوله عليه: ((من غشنا فليس
منا)) كما أن فيه إفسادا للنقود، وإضرارا بذوي
الحقوق، وإغلاء الأسعار، والنقص من
الصدقات، وانقطاع ما يجلب إلى البلاد من
حوائج الناس.
ولذلك كان من وظيفة المحتسب أن يتفقد
عيار المثاقيل والصنج، وعليه أن يعير أوزانها
ويختمها بختمه، حتى يأمن تزويرها وتغيير
مقاديرها .
كما تدخل في وظيفته مراقبة مقادیر دنانير
الذهب ودراهم الفضة وزنا وحجما. ولا يجوز
للإِمام ضرب الدراهم المغشوشة، وحرمته في
حق غير الإِمام أشد، لأن الغش فيها يخفى
(١) سورة المطففين / ١ - ٣
- ٢٦٠ -