النص المفهرس

صفحات 201-220

ترك ٩
ومن المقرر أن بعض المحرمات تباح عند
الاضطرار، وقد تجب، كأكل الميتة في المخمصة
إحياء للنفس، وكشرب الخمر لإِزالة الغصة،
وذلك بالشروط المنصوص عليها في
الحالتين. (٣) وهكذا.
وينظر كل ماسبق في أبوابه .
ب - ترك الحقوق :
الحق إما أن يكون لله سبحانه وتعالى، وإما
أن يكون للعباد.
٩ - أما حق الله سبحانه وتعالى كالعبادات
مثلا، فتركها حرام بالإِجماع، ويعصي تاركها،
ویکون آثما، ویترتب عليها الكفر إن کان ترکها
جحدا لها مع كونها فرضا معلوما من الدين
بالضرورة، أو الإِثم والعقوبة إن كان تركها
کسلا . (٢)
يقول الزركشي : إذا امتنع المكلف من
الواجب، فإن لم تدخل النيابة نظر: فإِن كان
حقا لله تعالی نظر: إن کانت صلاة طولب بها
فإِن لم يفعل قتل، وإن كان صوما حبس ومنع
(١) نهاية المحتاج ٨/ ١٥٠، والمغني ٨ /٣٣٢، ٥٩٦، والأشباه
لابن نجيم / ٣٤، ومنح الجليل ٥٩٦/١، والأشباه
للسيوطي ٧٥ و٧٦، والآداب الشرعية ٥٨/١
(٢) ابن عابدين ٢٣٥/١، وجواهر الإكليل ٣٥/١، والتبصرة
لابن فرحون ١٨٨/٢، ١٩٢، ٢٩٤، والفواكه الدواني
٢٧٦/٢
الطعام والشراب ... وإن دخلته النيابة قام
القاضي مقامه، كما في عضل الولي المجبر في
النكاح، على تفصيل في ذلك وفيما تدخله
النيابة . (١)
وهذا بالنسبة للمجمع عليه. أما المختلف
فيه، فإن كان تاركه معتقدا جواز ذلك فلا شىء
فيه، وإن كان معتقدا تحريمه فهو آثم. (٢)
وكذلك يأثم المسلم المكلف بترك السنن
المؤكدة التي تعتبر من شعائر الإِسلام عند
الحنفية وفي وجه عند الشافعية، كالجماعة
والأذان وصلاة العیدین إذ في ترکها تهاون
بالشرع، ولذلك لو اتفق أهل بلدة على تركها
وجب قتالهم، بخلاف سائر المندوبات، لأنها
تفعل فرادی.
هذا ويباح ترك الواجب للضرورة، إذ
المعهود في الشريعة دفع الضرر بترك الواجب إذا
تعين طريقا لدفع الضرر. (٣) ومن ثم كانت
المسامحة في ترك الواجب أوسع من المسامحة في
فعل المحرم، واعتناء الشرع بالمنهيات فوق
اعتنائه بالمأمورات، ولهذا قال النبي صل18: ((إذا
(١) المنثور في القواعد ٣/ ١١٠، ٣٢٣
(٢) المغني ٤٤٧/٢، وجواهر الإكليل ٣٥/١، والمنثور
١٤٠/٢
(٣) الفروق للقرافي ١٢٢/٣، ١٢٣
- ٢٠١ -

ترك ١٠ - ١٢
نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر
فأتوا منه ما استطعتم))(!)
١٠ - والحدود التي تكون حقا لله تعالى، كحد
الزنى والسرقة يجب إقامتها متى بلغت الإِمام.
قال الفقهاء: الحد لا يقبل الإِسقاط بعد
ثبوت سببه عند الحاكم . وعليه بني عدم جواز
الشفاعة فيه، فإِنها طلب ترك الواجب، ولذا
أنكر رسول الله ولو على أسامة بن زيد
رضي الله عنهما حين شفع في المخزومية التي
سرقت فقال: ((أتشفعُ في حد من
حدود الله؟ ... ))(٢) ولأن الحد بعد بلوغ الإِمام
يصير حقا لله تعالى، فلا يجوز للإِمام تركه
ولا يجوز لأحد الشفاعة في إسقاطه.
١١ - أما بالنسبة للتعزير فقد ذهب الحنفية
والمالكية والحنابلة إلى: أنه إن كان الحق لله
تعالى وجب إقامته كالحدود، إن رأى الإِمام أنه
لا ينزجر إلا به، أو أن المصلحة فى إقامته.
وقال الشافعي : هو غير واجب على الإِمام،
إن شاء أقامه وإن شاء تركه. (٣)
(١) المنثور ٢٧٢/٣، ٣٩٧، ٣٩٨.
وحديث: ((إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ... )).
أخرجه البخاري (الفتح ٢٥١/١٣ - ط السلفية)، ومسلم
(٤ / ١٨٣٠ - ط الحلبي) واللفظ لمسلم.
(٢) حديث: ((أتشفع في حد من حدود الله ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٨٧/١٢ - ط السلفية) ومسلم (١٣١٥/٣
- ط الحلبي).
(٣) البدائع ٧/ ٥٥، ٥٦، وفتح القدیر ٤/٥، ١١٣، =
وینظر تفصيل ذلك في (حد - تعزير).
١٢ - وأما حق العبد، فإن كان حقا له فتركه
جائز، إذ الأصل أن كل جائز التصرف لا يمنع
من ترك حقه، ما لم يكن هناك مانع من ذلك
کتعلق حق الغير به، بل قد یکون الترك مندوبا
إذا كان قربة، كإبراء المعسر والعفو عن
القصاص.(١)
هذا إذا كان الحق قِبَل الغير، أما إذا كان
قبل نفسه فقد يكون الترك حراما كما إذا ترك
الأكل والشرب حتى هلك، وكما إذا ألقي في ماء
یمکنه الخلاص منه عادة، فمكث فیه مختارا
حتى هلك.(٢)
وقيل في التمتع بأنواع الطيبات: إن الترك
من البدع المذمومة. قال تعالى: ﴿كلوا من
طيباتِ مارزقناكم﴾(٣) وقيل: إن الترك
أفضل (٤) لقوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُم طيباتِكم في
حياتكم الدنيا﴾(٥)
= والفروق للقرافي ١٧٩/٤، والفواكه الدواني ٢٩٥/٢،
والمهذب ٢/ ٢٨٣، ٢٨٦، والمغني ٢٨٢/٨، ٣٢٦
(١) الأشباه لابن نجيم ص ٢٥٧، والمنثور في القواعد
٣٩٣/٣، ومنتهى الإرادات ٢٦٠/٢، ٤٣٩
(٢) الاختيار ١٧٢/٤، والفتاوى الهندية ٥/٦، ونهاية المحتاج
٧/ ٢٤٣، ومنتهى الإرادات ٢٦٩/٣
(٣) سورة البقرة / ١٧٢
(٤) الاختيار ١٧٤/٤، ومغني المحتاج ٤/ ٣١٠، والاختيارات
الفقهية ص ٣٢٣
(٥) سورة الأحقاف / ١٠
- ٢٠٢ -

ترك ١٣ - ١٤
١٣ - وإن كان الحق للغير، وترتب في ذمة
شخص، وأصبح ملتزما به حفظا أو أداء، فإن
ترك الحفظ أو الأداء يعتبر معصية تستوجب
التعزيز حتى يؤدي الحق لأهله، مع الضمان فيما
ضاع أوتلف.
وإن كان الحق يتعلق بنفع الغير، لكن لم
يلتزم به شخص، وكان في ترك القيام بما يحقق
النفع ضياع المال أو تلفه، كمن ترك التقاط
لقطة تضيع لوتركها، أو ترك قبول وديعة تضيع
لو لم يقبلها، فتلف المال أوضاع، فإنه یأثم
بالترك عند جمهور الفقهاء لحرمة مال الغير،
خلافا للحنابلة إذ الأخذ لیس بواجب عندهم،
بل هو مستحب، وهو قول عند الشافعية. لكن
الفقهاء يختلفون في ترتب الضمان بناء على
اختلافهم، هل يعد الترك فعلا يكلف الإِنسان
بموجبه، إذ لا تكليف إلا بفعل، أم لا يعتبر
فعلا؟
فعند الشافعية والحنابلة وجمهور الحنفية، وفي
قول عند المالكية: لا ضمان بالترك عند الضياع
أو التلف، إذ الترك في نظرهم ليس سببا
ولا تضييعا، بل هو امتناع من حفظ غير ملزم،
ولأن المال إنما يضمن باليد أو الإِتلاف، ولم يوجد
شيء من ذلك، وهذا بخلاف ما إذا التقط أو
قبل الوديعة وترك الحفظ حتى ضاع المال أو
تلف، فإنه یضمن حينئذ لتر که ما التزم به .
والمشهور عند المالكية، وهو قول عند
الحنفية: ترتب الضمان على الترك في مثل
ذلك. بناء على أن الترك فعل في المشهور من
المذهب، بل إن المالكية يضمنون الصبي في ترك
ما يجوز له فعله، فلومرّ صبي مميز على صيد
مجروح لم ينفذ مقتله، وأمكنته ذكاته، فترك
تذکیته حتی مات فعلیه قیمته مجروحا لصاحبه،
لأن الضمان من خطاب الوضع، ولأن الشارع
جعل الترك سببا في الضمان، فيتناول البالغ
وغيره. (١)
١٤ - هذا بالنسبة للمال، أما بالنسبة لترك إنقاذ
نفس من الهلاك، فالمتتبع لأقوال الفقهاء یری أن
ذلك يكون في حالتين :
إحداهما: أن يقوم شخص بعمل ضار نحو
شخص آخر یمکن أن یؤدي إلی هلاكه غالبا،
ثم يترك مايمكن به إنقاذ هذا الشخص
فيهلك.
ومثال ذلك: أن يحبس غيره في مکان،
ويمنعه الطعام أو الشراب، فيموت جوعا
وعطشا لزمن یموت فیه غالبا، وكان قد تعذر
عليه الطلب. فعند المالكية والشافعية والحنابلة :
يكون فيه القود لظهور قصد الإهلاك بذلك.
(١) البدائع ٦/ ٢٠٠، وابن عابدين ٣١٨/٣، ٣١٩،
وحاشية الدسوقي ٢/ ١١٠، ١١١، والحطاب ٢٢٤/٣،.
٢٢٥، والخرشي ٣/ ٢٠، ٢١، ونهاية المحتاج ٤٢٤/٥
و٦/ ١١٠، والمهذب ٤٣٦/١، ونيل المآرب ٤٧٦/١،
والمغني ٦٩٤/٥
- ٢٠٣ -

ترك ١٤ - ١٥
وعند الصاحبین۔ أبي يوسف ومحمد- يكون في
ذلك الدية على عاقلته. لأن حبسه هو الذي
تسبب في هلاکه، وعند أبي حنيفة: لا ضمان
عليه، لأن الهلاك حصل بالجوع والعطش
لا بالحبس، ولا صنع لأحد في الجوع
والعطش.
فإن لم يمنعه الطعام أو الشراب، بأن كان
معه فلم يتناول خوفا أو حزنا، أو كان يمكنه
الطلب فلم يفعل، فمات، فلا قصاص
ولا دية، لأنه قتل نفسه.(١)
الحال الثانية: من أمكنه إنقاذ إنسان من
الهلاك، فلم يفعل حتى مات.
ومثال ذلك: من رأی إنسانا اشتد جوعه،
وعجز عن الطلب، فامتنع من رآه من إعطائه
فضل طعامه حتى مات، أو رأى إنسانا في
مهلكة فلم ينجه منها، مع قدرته على ذلك
- فعند الحنفية والشافعية والحنابلة - عدا
أبي الخطاب لا ضمان على الممتنع، لأنه لم
بهلکه ولم يحدث فيه فعلا مهلکا، لکنه یأثم.
وهذا الحكم عند الحنابلة إذا كان المضطر لم
يطلب الطعام، أما إذا طلبه فمنعه رب الطعام
حتى مات، فإنه يضمن في هذه الحالة، لأن
(١) البدائع ٧/ ٢٣٤، وابن عابدين ٣٤٩/٥، والدسوقي
٢٤٢/٤، والتاج والإكليل بهامش الخطاب ٦/ ٢٤٠،
ومغني المحتاج ٥/٤، ونهاية المحتاج ٢٣٩/٧، وكشاف
القناع ٥٠٨/٥، ومنتهى الإرادات ٢٦٩/٣، ٢٧٠
منعه منه كان سببا في هلاکه، فضمنه بفعله
الذي تعدى به. وعند المالكية وأبي الخطاب
يضمن، لأنه لم ينجه من الهلاك مع إمكانه.
هذا ويلاحظ أنه يجوز للمضطر قتال من منع
منه فضل طعامه، فإن قتل رب الطعام فدمه
هدر، وإن قتل المضطر ففيه القصاص، لقضاء
عمر رضي الله عنه بذلك.(١)
عقوبة ترك الواجب :
١٥ - يقول ابن فرحون: التعزير يكون على ترك
الواجب، ومن ذلك ترك قضاء الدين وأداء
الأمانات: مثل الودائع وأموال الأيتام وغلات
الوقوف وماتحت أيدي الوكلاء والمقارضين،
والامتناع من رد المغصوب والمظالم مع القدرة
على الأداء، ويجبر علی ذلك إن أباه ولو بالحبس
والضرب. (٢)
ويقول الزركشي : إذا امتنع المكلف من
الواجب، فإن كان حقا لآدمي لا تدخله النيابة
حبس حتى يفعله. كما إذا امتنع المشتري من
تسليم الثمن، فإن القاضي يخير بين حبسه
وبين النيابة عنه في التسليم، كالمقربمبهم يحبس
(١) الاختيار ١٧٥/٤، ومغني المحتاج ٣٠٩/٤، والمغني
٨٣٤/٧، ٨٣٥، ومنتهى الإرادات ٣٠٤/٣، ٣٠٥،
وحاشية الدسوقي ١١٢/٢ و٢٤٢/٤
(٢) التبصرة بهامش فتح العلي ٢/ ٢٩٤، وانظر الاختيارات
الفقهية ص ٣٠١،٣٠٠
- ٢٠٤ -

ترك ١٦ - ١٧
حتى يبين. وإن كانت تدخله النيابة قام
القاضي مقامه. (١)
النية في الترك :
١٦ - ترك المنهي عنه لا يحتاج إلى نية للخروج
عن عهدة النهي. وأما لحصول الثواب، بأن
كان الترك كفا - وهو: أن تدعوه النفس إليه
قادرا على فعله، فکف نفسه عنه خوفا من ربه
- فهو مثاب، وإلا فلا ثواب على تركه، فلا
يثاب العنين على ترك الزنا، ولا الأعمى على
ترك النظر.
آثار الترك :
١٧ - تتعدد آثار الترك وتختلف باختلاف
متعلقه، وباختلاف ما إذا كان الترك عمدا أو
نسيانا أو جهلا وهكذا . وفيما يأتي بعض آثار
الترك.
أ - يسقط الحق في الشفعة بترك طلبها بلا عذر.
ويختلف الفقهاء في المدة التي يسقط بها هذا
الحق. (٣) (ر: شفعة).
ب - لا تؤكل الذبيحة إذا ترك الذابح التسمية
عمدا عند جمهور الفقهاء، وأما إن ترك نسيانا
(١) المنثور في القواعد ١٠٩/٣، ٣٢٣
(٢) الأشباه لابن نجيم ص ٢٦، والذخيرة / ٦٢، والمنثور
٢٨٨/٣
(٣) البدائع ١٧/٥، وجواهر الإكليل ٢/ ١٦٠
فتؤكل اتفاقا، وفي المسألة خلاف ينظر (ذبائح -
أضحية).
والأجير إن ترك التسمية عمدا ضمن قيمة
الذبيحة . (١)
جـ ـ ترك القيام بالدعوى بلا عذر، وبعد مضي
المدة المحددة يمنع سماعها، وهذا عند متأخري
الحنفية بناء على أمر سلطاني، وكما لا تسمع في
حياة المدعي للترك لا تسمع من الورثة.
وإذا ترك المورث الدعوى مدة وتركها الوارث
مدة، وبلغ مجموع المدتین حد مرور الزمان فلا
تسمع. (٢) (ر: دعوى).
د - يلزم الحنث والكفارة في الحلف على ترك
الواجب. (٣) (ر: أيمان).
هـ ـ ترك العبادات أوبعض أجزائها يستلزم
الجبران. والمتر وكات منها ما يجبر بالعمل البدني
كسجود السهوفي الصلاة، والقضاء أو الإِعادة
لمن ترك فرضا.
ومنها ما يجبر بالمال كجبر الصوم بالإِطعام في
(١) الاختيار ٩/٥، وابن عابدين ٢١٢/٥، ومنح الجليل
١/ ٥٨٠، وشرح منتهى الإرادات ٤٠٨/٣
(٢) تكملة حاشية ابن عابدين ٣٤٧/١، ومجلة الأحكام
العدلية المواد ١٦٦٩، ١٦٧٠، وفتح العلي المالك ٣١٥/٢
-٣٢١
(٣) نهاية المحتاج ٨/ ١٧٠
- ٢٠٥ -

ترك ١٧ ، تركة ١
حق الشيخ العاجز، والدم لترك واجب من
واجبات الحج. (١)
وينظر تفصيل ذلك في مواضعه.
هذا وقد ورد في ثنايا البحث آثار الترك،
كترتب الحد أو التعزير في ترك واجب أو عدم
ترك محرم، وكالضمان في التلف بالترك.
(١) المنثور ٨/٢، والفروق للقرافي ٢١٣/١، والوجيز ٥٠/١
تركة
التعريف :
١ - التركة لغة: اسم مأخوذ من تَرَكَ الشيء
یتر که ترکا. يقال: تركت الشيء ترکا: خلفته،
وتركة الميت: مايتركه من الميراث، والجمع
ترکات.(١)
وفي الاصطلاح، اختلف الفقهاء في
تعریفھا .
فذهب جمهور الفقهاء - المالكية والشافعية
والحنابلة - إلى أن التركة: هي كل ما يخلفه
الميت من الأموال والحقوق الثابتة مطلقا.
وذهب الحنفية إلى أن التركة: هي مايتركه
الميت من الأموال صافيا عن تعلق حق الغير
بعينه .
ويتبين من خلال التعريفين أن التركة تشمل
الحقوق مطلقا عند الجمهور، ومنها المنافع. في
حين أن المنافع لا تدخل في التركة عند الحنفية.
فإِن الحنفية يحصرون التركة في المال أو الحق
الذي له صلة بالمال فقط على تفصيل يأتي . (٢)
(١) لسان العرب والمصباح المنير. مادة: ((ترك)).
(٢) ابن عابدين ٥/ ٥٠٠ ط بولاق، وحاشية الفناري=
- ٢٠٦ -

تركة ٢ - ٣
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الإِرث :
٢ - الإِرث لغة: الأصل والأمر القديم توارثه
الآخر عن الأول. والبقية من كل شيء. (١)
ويطلق الإِرث ويراد به: الموروث، ويساويه
على هذا الإِطلاق في المعنى: التركة.
واصطلاحا: هوحق قابل للتجزي يثبت
لمستحقه بعد موت من كان له ذلك لقرابة بينهما
أو نحوها. (٢)
ماتشمله الترکة وما یورث منها:
٣ - ذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية
والحنابلة) إلى أن التركة تشمل جميع ماتركه
المتوفى من أموالٍ وحقوق.
وقد استدلوا بقوله وَ اليه: ((من مات وترك مالا
فماله لموالي العصبة، ومن ترك كَلّ أو ضَياعا فأنا
ولیه». (٣)
فقد جمع النبي وَ له بين المال والحق وجعلهما
= على شرح السراجية ص ١٣، والدسوقي ٤/ ٤٧٠،
ومغني المحتاج ٣/٣ وحاشية الرملي على أسنى المطالب
٣/٣، وكشاف القناع ٤٠٢/٤
(١) القاموس المحيط. مادة ((ورث))
(٢) العذب الفائض ١٦/١، وحاشية البقري على الرحبية ص
١٠، وابن عابدين ٤٩٩/٥، والدسوقي مع الشرح الكبير
٤/ ٤٥٦، ونهاية المحتاج ٦/ ٢
(٣) حديث: ((من مات وترك مالا فماله لموالي ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٢٧/١٢ - ط السلفية) من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه.
تركة لورثة الميت، إلا أن هذه الحقوق أنواع
مختلفة، ولکل منها حکمه من ناحية إرثه، أو
عدم إرثه وذلك تبعا لطبيعته وهي :-
أ - حقوق غير مالية: وهي حقوق شخصية لا
تتعدى إلى غير صاحبها بحال ما، فهي لا
تورث عنه مطلقا، كحق الأم في الحضانة، وحق
الأب في الولاية على المال، وحق الوصي في
الإشراف على مال من تحت وصايته.
ب - حقوق مالية، ولكنها تتعلق بشخص
المورث نفسه، وهذه لا تورث عنه أيضا،
كرجوع الواهب في هبته، وحق الانتفاع بشيء
معین یملکه الغیر، کداریسکنہا أو أرض
يزرعها، أو سيارة يركبها، فهذا ونحوه لا يورث
عن صاحبه. ومن هذا النوع الأجل في الدین،
فالدائن يمنح هذا الأجل للمدين لاعتبارات
خاصة يقدرها الدائن وحده، وذلك من الأمور
الشخصية التي لا تورث عنه. ولذلك يحل
الدين بموت المدين، ولا يرث الورثة حق
الأجل .
جـ - حقوق مالية أخرى تتعلق بمشيئة المورث
وإرادته، وهي تورث عند الجمهور.
وذهب الحنفية إلى أنها لا تورث .
وأهم هذه الحقوق حق الشفعة، وحق
الخيارات المعروفة في عقود البيع، كخيار
الشرط، وخيار الرؤية، وخيار التعيين.
- ٢٠٧ -
٠٠٦ ٠٠

تركة ٤
وللتفصيل تنظر أحكام (الخيار، والشفعة).
د - حقوق مالية تتعلق بمال المورث،
لا بشخصه ولا بإرادته ومشيئته، وهذه حقوق
تورث عنه بلا خلاف بين الفقهاء، وذلك کحق
الرهن، وحقوق الارتفاق المعروفة، كحق المرور
وحق الشرب وحق المجرى وحق التعلي.
٤ - فيدخل في التركة ما كان للإِنسان حال
حیاته، وخلّفه بعد مماته، من مال أو حقوق أو
اختصاص، كالرد بالعيب والقصاص والولاء
وحد القذف.
وكذا من أوصي له بمنفعة شيء من الأشياء
کدار مثلا، کانت المنفعة له حال حیاته ولورثته
بعد موته، إلا إذا كانت المنفعة مؤقتة بمدة
حياته في الوصية .
وصرح الشافعية بأن من التر كة أيضا مادخل
في ملکه بعد موته، بسبب کان منه في حياته،
كصيد وقع في شبكة نصبها في حياته، فإن نصبه
للشبكة للاصطياد هو سبب الملك.
وكما لومات عن خمر فتخللت بعد موته . (١).
قال القرافي: اعلم أنه يروى عن رسول الله
(١) الدسوقي ٤٦١/٤، ٤٧٠، ومغني المحتاج ٣/٣،
وبجيرمي على المنهج ٢٥٧/٣، والمهذب ٣٨٣/١،
وكشاف القناع ٤٠٢/٤، وبداية المجتهد ٢٦٠/٢،
والمغني ٣٤٦/٥ - ٣٤٧، وابن عابدين ٤٨٢/٥
ومابعدها .
وَالر أنه قال: ((من مات عن حق فلورثته))(١)
وهذا اللفظ ليس على عمومه، بل من الحقوق
ماينقل إلى الوارث، ومنها مالا ينتقل. فمن حق
الإنسان أن یلاعن عند سبب اللعان، وأن یفیء
بعد الإِيلاء، وأن يعود بعد الظهار، وأن يختار
من نسوة إذا أسلم عليهن وهن أكثر من أربع،
وأن يختار إحدى الأختين إذا أسلم عليهما، وإذا
جعل المتبايعان الخيار لأجنبي عن العقد فمن
حقه أن يملك إمضاء البیع عليهما أو فسخه،
ومن حقه مافوض إليه من الولايات والمناصب
كالقصاص والإِمامة والخطابة وغيرهما،
وكالأمانة والوكالة. فجميع هذه الحقوق لا
ينتقل للوارث منها شيء وإن كانت ثابتة
للمورث. والضابط: أنه ينتقل إليه كل ماكان
متعلقا بالمال، أويدفع ضررا عن الوارث في
عرضه بتخفيف ألمه. أما ماكان متعلقا بنفس
المورث وعقله وشهواته فلا ينتقل للوارث .
والسرفي الفرق: أن الورثة يرثون المال،
فيرثون مايتعلق به تبعا له، ولا يرثون عقله
ولا شهوته ولا نفسه، فلا يرثون مايتعلق بذلك،
ومالا یورث لا یرثون مایتعلق به، فاللعان یرجع
إلی أمریعتقدە لا يشاركه فیه غيره غالبا،
والاعتقادات ليست من باب المال، والفيئة
شهوته، والعود إرادته، واختيار الأختين والنسوة
(١) حديث: ((من مات وترك مالا فماله لموالي العصبة ... ))
أخرجه البخاري (٢٧/١٢ - الفتح - ط السلفية) من
حديث أبي هريرة.
- ٢٠٨ -

تركة ٥ - ٦
أربه وميله، وقضاؤه على المتبايعين عقله
وفكرته، ورأيه ومناصبه وولایاته وآراؤه
واجتهاداته، وأفعاله الدینیة فهو دینه، ولا ينتقل
شيء من ذلك للوارث، لأنه لم يرث مستنده
وأصله، وانتقل للوارث خيار الشرط في
البيعات، وقاله الشافعي رحمه الله تعالى .
ثم قال القرافي: إنه لم يخرج عن حقوق
الأموال - فیما یورث - إلا صورتان فيما علمت:
حد القذف وقصاص الأطراف والجرح والمنافع
في الأعضاء. فإن هاتين الصورتين تنتقلان
للوارث، وهما ليستا بمال، لأجل شفاء غليل
الوارث بما دخل على عرضه من قذف مورثه
والجناية عليه .
وأما قصاص النفس فإنه لا يورث، فإنه لم
يثبت للمجني علیه قبل موته، وإنما يثبت
للوارث ابتداء، لأن استحقاقه فرع زهوق
النفس، فلا يقع إلا للوارث بعد موت
الموروث. (١)
٥ - وعند الحنابلة أن ماكان من حقوق المورث،
ويجب له بموته، كالدية والقصاص في النفس
فللورثة استيفاؤه .
وماکان واجبا للمورث في حیاته إن کان قد
طالب به، أو هو في يده ثبت للورثة إرثه، وذلك
(١) الفروق ٢٧٥/٣ - ٢٧٩، وبداية المجتهد ٢٢٩/٢ نشر
مكتبة الكليات الأزهرية .
على تفصيل في المذهب.(١)
٦ - وذهب الحنفية إلى أن التركة هي المال
فقط، ويدخل فيها الدية الواجبة بالقتل الخطأ،
أو بالصلح عن عمد، أو بانقلاب القصاص
بعفو بعض الأولياء، فتعتبر كسائر أمواله، حتى
تقضى منها ديونه وتخرج وصاياه، ويرث الباقي
ورثته .
ولا تدخل الحقوق في التركة لأنها ليست ثابتة
بالحديث، ومالم يثبت لا يكون دليلا. ولأن
الحقوق ليست أموالا، ولا يورث منها إلا ماكان
تابعا للمال أو في معنى المال، مثل حقوق
الارتفاق والتعلي وحق البقاء في الأرض المحتكرة
للبناء والغراس، أما غير ذلك من الحقوق فلا
يعتبر تركة، كحق الخيار في السلعة التي اشتراها
المورث وكان له فيها حق الخيار - كما سبق - وحق
الانتفاع بما أوصي له به، ومات قبل مضي المدة
التي حددها الموصي . (٢)
قال ابن رشد: وعمدة المالكية والشافعية
(والحنابلة أيضا) أن الأصل هو أن تورث
الحقوق والأموال، إلا ماقام دليل على مفارقة
الحق في هذا المعنى للمال.
وعمدة الحنفية أن الأصل هو أن يورث المال
(١) القواعد لابن رجب ص ٣١٥ ومابعدها.
(٢) ابن عابدين ٤٨٣/٥، وحاشية الفناري على شرح
السراجية ص ١٣، والبدائع ٣٨٦/٧، وتبيين الحقائق
٢٥٧/٥ - ٢٥٨
- ٢٠٩ -

تركة ٧ - ٨
دون الحقوق، إلا ماقام دليله من إلحاق الحقوق
بالأموال.
فموضع الخلاف: هل الأصل أن تورث
الحقوق كالأموال أو لا؟
وكل واحد من الفريقين يشبه من هذا ما لم
یسلم له خصمه منها بما يسلمه منها له، ويحتج
علی خصمه .(١)
الحقوق المتعلقة بالتركة :
٧ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الحقوق المتعلقة
بالتركة أربعة :
وهي تجهيز الميت للدفن، وقضاء دیونه إن
مات مدینا، وتنفيذ مایکون أوصى به قبل موته
من وصايا، ثم حقوق الورثة.
وصرح المالكية، وصاحب الدر المختار من
الحنفية بأنها خمسة بالاستقراء. قال الدردير:
وغايتها - أي الحقوق المتعلقة بالتركة - خمسة:
حق تعلق بعين، وحق تعلق بالميت، وحق
تعلق بالذمة، وحق تعلق بالغير، وحق تعلق
بالوارث .
والحصر في هذه استقرائي، فإن الفقهاء
تتبعوا ذلك فلم يجدوا مايزيد على هذه الأمور
الخمسة، لا عقلي كما قيل.
وقال صاحب الدر المختار: والحقوق ههنا
(١) بداية المجتهد ٢/ ٢٣١ نشر مكتبة الكليات الأزهرية.
خمسة بالاستقراء، لأن الحق إما للميت، أو
علیه، أوْلا .
الأول: التجهيز، والثاني: إما أن يتعلق
بالذمة وهو الدين المطلق أولا، وهو المتعلق
بالعين، والثالث: إما اختياري وهو الوصية، أو
اضطراري وهو الميراث.(١)
أحكام التركة :
للتر کة أحكام خاصة بيانها فيمايلي :
ملكية التركة :
تنتقل ملكية التركة جبرا إلى الورثة، ولهذا
الانتقال شروط : (٢)
الشرط الأول - موت المورث :
٨ - اتفق الفقهاء على أن انتقال التركة من
المورث إلى الوارث يكون بعد وفاة المورث
حقیقة أو حكما أو تقدیرا.
فالموت الحقيقي : هو انعدام الحياة إما
بالمعاينة، كما إذا شوهد ميتا، أو بالبينة أو
السماع .
(١) ابن عابدين ٤٨٣/١، والدسوقي ٤٥٦/٤، وحاشية
الفناري مع شرح السراجية ص ١٠، وأسنى المطالب ٣/٣
- ٤، وكشاف القناع ٤/ ٤٠٣ - ٤٠٤
(٢) ابن عابدين ٤٨٢/٥
- ٢١٠ -

تركة ٩ - ١١
والموت الحكمي : هو أن یکون بحکم
القاضي إما مع احتمال الحياة أو تيقنها.
مثال الأول: الحكم بموت المفقود.
ومثال الثاني: حكم القاضي على المرتد
باعتباره في حكم الأموات إذا لحق بدار الحرب.
وتقسم التركة في هاتين الحالتين من وقت
صدور الحكم بالموت.
والموت التقديري : هو إلحاق الشخص
بالموتی تقدیرا، كما في الجنين الذي انفصل عن
أمه بجناية، بأن یضرب شخص امرأة حاملا،
فتلقي جنينا ميتا، فتجب الغرة، وتقدر بنصف
عشر الدية .
----
وقد اختلف الفقهاء في إرث هذا الجنين:
فذهب الجمهور إلى أنه لا يرث، لأنه لم
تتحقق حياته، ومن ثَمّ فلم تتحقق أهليته
للتملك بالإِرث، ولا يورث عنه إلا الدية فقط.
وذهب أبوحنيفة إلى أنه یرث ویورث، لأنه
يقدر أنه كان حيا وقت الجناية، وأنه مات
بسببها . (١)
وللتفصيل انظر (إرث، جنين، جناية،
موت).
الشرط الثاني - حياة الوارث :
٩ - تحقق حياة الوارث بعد موت المورث، أو
(١) ابن عابدين ٤٨٢/٥، والتحفة الخيرية ص ٤٧، والعذب
الفائض ١٦/١ - ١٧، والمغني ٦/ ٣٢٠، وكشاف القناع
٤٤٨/٤
إلحاقه بالأحياء تقديرا، فالحياة الحقيقية هي
المستقرة الثابتة للإِنسان المشاهدة له بعد موت
المورث.
والحياة التقديرية هي الثابتة تقديرا للجنين
عند موت المورث، فإِذا انفصل حيا حياة مستقرة
لوقت يظهر منه وجوده عند الموت - ولو نطفة -
فيقدر وجوده حيا حين موت المورث بولادته
حیا . (١)
وللتفصيل انظر مصطلح: (إرث).
الشرط الثالث - العلم بجهة الميراث:
١٠ - يشترط العلم بالجهة المقتضية للإِرث من
زوجية أو قرابة أوولاء، وذلك لأن الأحكام
تختلف في ذلك، ويجب أيضا أن تعين جهة
القرابة، مع العلم بالدرجة التي يجتمع الوارث
فيها مع المورث. (٢)
وللتفصيل انظر مصطلح: (إرث).
أسباب انتقال التركة :
١١ - أسباب انتقال التركة أربعة، اتفق الفقهاء
على ثلاثة منها وهي : النكاح والولاء والقرابة .
وزاد المالكية والشافعية جهة الإِسلام وهي :
بيت المال، على تفصيل ينظر في موضعه .
(١) المصادر السابقة .
(٢) المصادر السابقة .
- ٢١١ -
.

تركة ١٢ - ١٣
وكل سبب من هذه الأسباب يفيد الإرث
على الاستقلال. (١)
وللتفصيل انظر مصطلح: (إرث).
موانع انتقال الترکة بالإِرث:
١٢ - موانع انتقال التركة عن طريق الإِرث
ثلاثة: الرق، والقتل، واختلاف الدين.
واختلفوا في ثلاثة: وهي الردة، واختلاف
الدارين، والدور الحكمي . (٢)
وهناك موانع أخرى لبعض الفقهاء، مع
خلاف وتفصيل يرجع فيه إلى مصطلح
(إرث).
انتقال التركة :
١٣ - لا يشترط لانتقال التركة إلى الوارث قبول
الوراثة، ولا إلی أن یتر وی قبل أن يقبلها، بل
إنها تئول إليه جبرا بحكم الشرع من غير قبول
منه .
وقد تكون الترکة خالیة من الدیون، وقد
تكون مدینة، والدين إما أن يكون مستغرقا
أولا .
ولا خلاف بين الفقهاء في أن التركة تنتقل
(١) ابن عابدين ٤٨٦/٥، والعذب الفائض ١٨/١
ومابعدها .
(٢) العذب الفائض ٢٣/١ ومابعدها، وشرح الرحبية ص
٢٣، والسراجية ص ١٨ - ١٩
إلى الوارث، إذا لم يتعلق بها دين من حين وفاة
الميت.
واختلفوا في انتقال التركة التي يتعلق بها
الدين على ثلاثة أقوال:
أ - فذهب الشافعية، وهو أشهر الروايتين
عند الحنابلة إلى: أن أموال التركة تنتقل إلى
ملك الورثة بمجرد موت المورث، مع تعلق
الدین بها، سواء أكان الدين مستغرقا للتركة أم
غير مستغرق لها.
ب - وذهب المالكية إلى : أن أموال التركة
تبقى على ملك الميت بعد موته إلى أن يسدد
الدين، سواء أكان الدين مستغرقا لها أم غير
مستغرق، لقوله تعالى : ﴿مِنْ بعد وصيةٍ يوصِي
بها أو دين﴾(١)
جـ ـ وذهب الحنفية إلى أنه يميزبين ما إذا
کانت التر کة مستغرقة بالدین، أو كانت غير
مستغرقة به .
فإِن استغرق الدين أموال التركة تبقى أموال
التركة على ملك الميت، ولا تنتقل إلى ملك
الورثة .
وإن كان الدين غير مستغرق، فالرأي
الراجح أن أموال التركة تنتقل إلى الورثة بمجرد
موت المورث، مع تعلق الدين بهذه الأموال
على تفصيل سيأتي .
(١) سورة النساء / ١١
- ٢١٢ -

تركة ١٣ - ١٤
قال السرخسي : الدین إذا کان محيطا
بالتركة يمنع ملك الوارث في التركة، وإن لم
يكن محيطا فكذلك في قول أبي حنيفة الأول.
وفي قوله الآخر: لا يمنع ملك الوارث بحال،
لأن الوارث يخلف المورث في المال، والمال کان
مملوکا للميت في حال حیاته مع اشتغاله بالدین
کالمرهون، فكذلك یکون ملکا للوارث، قال:
وحجتنا في ذلك قوله تعالى: ﴿من بعد وصية
يُوصي بها أو دین﴾.
فقد جعل الله تعالى أوان الميراث مابعد
قضاء الدين، والحكم لا يسبق أوانه فيكون
حال الدين كحال حياة المورث في المعنى .
ثم الوارث یخلفه فیما یفضل من حاجته، فأما
المشغول بحاجته فلا يخلفه وارثه فيه.
وإذا کان الدین محيطا بتر کته فالمال مشغول
بحاجته، وقيام الأصل يمنع ظهور حكم
الخلف .
ولا نقول: یبقی مملوكا بغیر مالك، ولكن
تبقى مالکیة المدیون في ماله حكماً لبقاء حاجته.
وخلافة الوارث في التركة ناقصة في حال
تعلق الدين بها من غير استغراق، وهي صورية
إذا كانت مستغرقة بالدين، وذلك لا يعني أنه
لا قيمة لهذه الخلافة، بل لها شأنها، ويعلم ذلك
من أقوال الفقهاء.
قال ابن قاضي سماوة من الحنفية: للورثة
أخذ التركة لأنفسهم ودفع الدين والوصية من
مالهم .
ولو كانت التركة مستغرقة بدين أو غير
مستغرقة، فأداه الورثة لاستخلاص التركة يجبر
رب الدین علی قبوله، إذ لهم الاستخلاص وإن
لم يملكوها، بخلاف الأجنبي .
ولو كانت التر کة مستغرقة بالدين فالخصم في
إثبات الدين إنما هو وارثه، لأنه خلفه، فتسمع
البينة التي يتقدم بها الدائن عليه . (١)
أثر الخلاف السابق في انتقال التركة :
١٤ - أ - نماء التركة أونتاجها إذا حصل بين
الوفاة وأداء الدين، هل تضم إلى التركة
لمصلحة الدائنين أم هي للورثة؟
وذلك كأجرة دار للسكنى، أو أرض زراعية
استحقت بعد وفاته، وکدابة ولدت أو سمنت
فزادت قيمتها، وکشجر صارله ثمر. كل ذلك
نماء أو زيادة في التركة، وفيه خلاف بين الفقهاء
مبني على أن التركة قبل وفاء الدين المتعلق بها
هل تنتقل إلى الورثة أم لا؟ فمن قال: تنتقل
إلى الورثة قال: إن الزيادة للوارث وليست
(١) المبسوط ١٣٧/٢٩، وتبيين الحقائق ٢١٣/٥، وجامع
الفصولين ٢٣/٢ - ٢٤، وبداية المجتهد ٢/ ٢٨٤، وأسنى
المطالب ٤/٣، وحاشية الجمل ٣٦١/٢ - ٣٦٣، والمهذب
٣٢٧/١، وحاشية البجيرمي على شرح منهج الطلاب
١٤٣/٢ وما بعدها، والمغني مع الشرح الكبير ١٢/ ١٠٤
ومابعدها .
- ٢١٣ -

تركة ١٥ - ١٦
للدائن، ومن قال بعدم انتقالها ضمت الزيادة
إلى التركة لوفاء الدين، فإِن فضل شيء انتقل
إلى الورثة .
ب- صید وقع في شبکة أعدها المورث حال
حیاته، ووقوع الصید کان بعد وفاته، فعلى
الخلاف السابق.
وللتفصیل ینظر في مصطلح: (دین، وصید،
وإرث).
وقت انتقال التركة :
يختلف وقت وراثة الوارث لمورثه بناء على
مايسبق الوفاة .
وهنا یفرق بین حالات ثلاث :
أ - الحالة الأولى :
١٥ - من مات دون سابق مرض ظاهر، وذلك
كأن مات فجأة بالسكتة القلبية، أو في حادث
مثلا .
ففي هذه الحالة يكون وقت خلافة الوارث
لمورثه هو نفس وقت الموت، وبلا خلاف يعتد به
بين الفقهاء.
قال الفناري : فعند أبي يوسف ومحمد يخلف
الوارث مورثه في التر كة بعد موته، وعليه مشائخ
بلخ، لأنه مادام حيا مالك لجميع أمواله، فلو
ملکها الوارث في هذه الحالة أدى إلى أن يصير
الشيء الواحد مملوكا لشخصين في حالة واحدة،
وهذا غير معهود في الشرع، لكن عند محمد
ملك الوارث يتعقب الموت، وعند أبي يوسف
لا یتعقب، بل يتحقق إذا استغنى الميت عن
ماله بتجهيزه وأداء دينه، لأن كل جزء يجوز أن
يكون محتاجا إليه بتقدير هلاك الباقي .
وعن محمد ينتقل الملك إلى الوارث قبل موته
في آخر أجزاء الحياة، وعليه مشايخ العراق، لأن
الإِرث يجري بين الزوج والزوجة، والزوجية
ترتفع بالموت أو تنتهي على حسب ما اختلفوا،
فبأي سبب يجري الإِرث بينهما.
وعند البعض يجري الإِرث مع موت المورث
لا قبله ولا بعده - كما ذكره شارح الفرائض
العثمانية واختاره - لأن انتقال الشيء إلى ملك
الوارث مقارن لزوال ملك المورث عن ذلك
الشيء، فحين يتم يحصل الانتقال والإِرث. (١)
ب - الحالة الثانية :
١٦ - هي حالة من مات بعد أن كان مريضا
مرض الموت واتصلت الوفاة به .
وقد عرفت مجلة الأحكام العدلية مرض
الموت بأنه: المرض الذي يخاف فيه الموت في
الأكثر، الذي يعجز المريض عن رؤية مصالحه
الخارجية عن داره إن كان من الذكور، ويعجزه
عن رؤية المصالح الداخلية في داره إن كان من
الإِنساث، ويموت على ذلك الحال قبل مرور
سنة، کان صاحب فراش أو لم یکن. وإن امتد
(١) حاشية الفناري على شرح السراجية ص ٤٠ - ٤١
- ٢١٤ -

تركة ١٧ - ١٨
مرضه دائما على حال، ومضى عليه سنة يكون
في حکم الصحیح، وتکون تصرفاته کتصرفات
الصحیح، ما لم يشتد مرضه ویتغیر حاله،
ولكن لو اشتد مرضه وتغير حاله ومات، يعد
حاله اعتبارا من وقت التغير إلى الوفاة مرض
موت .
ويلحق بالمريض مرض الموت: الحامل إذا
أتمت ستة أشهر ودخلت في السابع، والمحبوس
للقتل، وحاضر صف القتال وإن لم يصب
بجرح كما صرح بذلك المالكية. ونحوه تصريح
الحنابلة في الحامل إذا ضربها المخاض.(١)
١٧ - وذهب الجمهور إلى أن وقت انتقال تركة
المریض مرض الموت إلی ورثته، یکون عقب
الموت بلا تراخ، وهو قول أكثر الحنفية أيضا.
وقال بعض متقدمي الحنفية: إن انتقال الملكية
في ثلثي تركة المريض مرض الموت يكون من
حين ابتداء مرض الموت، وتفصيل ذلك ودليله
ينظر في المطولات.
قالوا: ولأجل هذا منع المريض مرض الموت
من التصرف في ثلثي التركة، وترث زوجته منه
لو طلقها بائنا فيه. (٢)
(١) مجلة الأحكام العدلية م (١٥٩٥) والدسوقي ٣٠٦/٣ -
٣٠٧ ط مطبعة مصطفى الحلبي، والمغني مع الشرح الكبير
٥٠٨/٦.
(٢) البدائع ٢١٨/٣ - ٢٢٠، وكشف الأسرار للبزدودي
١٤٢٧/٤ - ١٤٣١
الحجر على المريض مرض الموت صونا للتركة
لحق الورثة :
١٨ - إذا شعر المريض بدنو أجله ربما تنطلق يده
في التبرعات رجاء استدراك ما فاته في حال
صحته، وقد يؤدي ذلك إلى تبدید ماله وحرمان
الورثة، فشرع الحجر عليه.
وقد اتفق الفقهاء على أن المريض مرض
الموت محجور عليه بحكم الشرع لحق الورثة،
والذي يحجر فيه على المريض هو تبرعاته فقط
فیما زاد عن ثلث ترکته حیث لا دين. (١)
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن هذا الحجر
على المريض مرض الموت هو في التبرع، كالهبة
والصدقة والوصية والوقف وبيع المحاباة فیما یزید
عن ثلث ماله، أي أن حکم تبرعاته حكم
وصيته: تنفذ من الثلث، وتكون موقوفة على
إجازة الورثة فيما زاد عن الثلث.
فإن برىء من مرضه صح تبر عه.
وقال المالكية: لا ينفذ من الثلث تبرع
المريض، إلا إذا كان المال الباقي بعد التبرع
مأمونا، أي لا يخشى تغيره، وهو العقار كدار
وأرض وشجر، فإن كان غیر مأمون فلا ينفذ،
وإنما يوقف ولوبدون الثلث حتى يظهر حاله من
(١) الزيلعي ٥/ ٢٣ ومابعدها، والدسوقي ٣٠٦/٣، ٣٠٧،
ومغني المحتاج ١٦٥/٢، وكشاف القناع ٤١٢/٣، والمغني
٦٥٠/٤
- ٢١٥ -

تركة ١٩ - ٢٢
موت أو حیاة، کما یمنع من الزواج بما زاد على
الثلث.(١)
قال الدسوقي : والمريض لا يحجر عليه في
تداويه ومؤنته، ولا في المعاوضة المالية ولوبكل
ماله. وأما التبرعات فيحجر عليه فيها بما زاد
عن الثلث. (٢)
وللتفصيل انظر مصطلح: (مرض الموت).
جـ - الحالة الثالثة :
١٩ - وهي حالة التركة المدینة بدین مستغرق أو
غير مستغرق لها، وقد تقدم الكلام على هذه
الحالة في ((انتقال التركة)).
زوائد التركة :
٢٠ - المراد بزوائد التركة نماء أعيانها بعد وفاة
المورث.
وقد فصل الفقهاء حكم هذه الزوائد،
آخذین بعين الاعتبار ما إذا كانت التر كة خالية
من الديون أو مدينة بدين مستغرق أو غير
مستغرق .
فإذا كانت التر کة غیر مدینة، فلا خلاف بين
الفقهاء في أن التركة بزوائدها للورثة، كلَّ
حسب حصته في الميراث.
أما إذا كانت التر کة مدینة بدین مستغرق أو
غير مستغرق، فقد اختلف الفقهاء في زوائدها
(١) المراجع السابقة .
(٢) الدسوقي ٣٠٧/٣
هل تبقى على ملك الميت، ومن ثم تصرف
للدائنين؟ أم تنتقل للورثة؟
فذهب الحنفية - في الدين المستغرق -
والمالکیة إلی: أن نماء أعیان التر کة بزيادتها
المتولدة ملك للميت، كما أن نفقات أعيان
التركة، من حفظ وصيانة ومصروفات حمل ونقل
وطعام حیوان تكون في التركة.
وذهب الحنفية في الدين غير المستغرق
والشافعية والحنابلة - في أشهر الروايتين - إلى أن
زوائد التركة التي تعلق بها دين ملك للورثة،
وعليهم ماتحتاجه من نفقات.(١)
ترتيب الحقوق المتعلقة بالتركة :
٢١ - لا خلاف بين الفقهاء في أن الحقوق
المتعلقة بالتركة ليست على مرتبة واحدة، وأن
بعضها مقدم على بعض، فيقدم من حيث
الجملة تجهيز الميت وتکفینه، ثم أداء الدین، ثم
تنفيذ وصاياه، والباقي للورثة.
أولا : تجهيز الميت وتکفینه :
٢٢ - إذا كانت التركة خالية من تعلق دين بعينها
قبل الوفاة، فقد اتفق الفقهاء على أن أول
(١) ابن عابدين ٤٨٢/٥ وما بعدها، ومغني المحتاج ٢ / ١٤٤ -
١٤٥، وحاشية بجيرمي على شرح المنهج ٢/ ٤٠٢ -
٤٠٣، وجامع الفصولين ٢٣/٢، والدسوقي ٤ / ٤٥٧
وما بعدها، والمغني مع الشرح الكبير ١٢/ ١٠٤ - ١٠٥
- ٢١٦ -

تركة ٢٢ - ٢٣
الحقوق مرتبة وأقواها هو: تجهيزه للدفن والقيام
بتكفينه وبما لابد له منه، لقوله * في الذي
وَقَصَنْه ناقتُه: ((كَفِّنوه في ثوبين))(١) ولم يسأل هل
عليه دين أم لا؟ لأنه محتاج إلى ذلك، وإنما
يدفع إلى الوارث مايستغني عنه المورث، لأنه
إذا ترك للمفلس الحي ثیاب تليق به فالميت أولی
أن یستر ویواری، لأن الحي يعالج لنفسه، وقد
كفن النبي * يوم أحد مصعبا رضي الله عنه في
بردة له، ولم يكن له غيرها، وكفن حمزة
رضي الله عنه أيضا، ولم يسأل عن دين قد
يكون على أحدهما قبل التكفين.
أما إذا لم تكن التركة خالية من تعلق حق
الغير بأعيانها قبل الوفاة، كأن كان فيها شيء
من الأعيان المرهونة، أو شيء اشتراه ولم يقبضه
ولم يدفع ثمنه، كان حق المرتهن متعلقا بعين
الشيء المرهون، وكان حق البائع متعلقا بالمبيع
نفسه الذي لا يزال تحت يده، ففي هذه الحالة
يكون الدين متقدما في الدفع على تكفين الميت
وتجهيزه عند المالكية والشافعية، وهي الرواية
المشهورة عند الحنفية .
وعند الحنابلة، وغير المشهور عند الحنفية :
أنه إذا مات الإنسان بدىء بتكفينه وتجهيزه
مقدما على غيره، كما تقدم نفقة المفلس على
(١) حديث: ((كفنوه في ثوبين)). أخرجه البخاري (الفتح
١٣٧/٣ - ط السلفية).
ديون غرمائه، ثم تقضى ديونه بعد تجهيزه
ودفنه .(١)
والتفصيل في ( جنائز، ودین).
ثانيا : أداء الدين :
٢٣ - يأتي في المرتبة الثانية أداء الديون المتعلقة
بالتركة بعد تجهيز الميت - على التفصيل السابق
- لقوله تعالى: ﴿مِن بعد وصية يوصي بها أو
دین﴾. (٢)
ويقدم الدين على الوصية باتفاق الفقهاء،
لأن الدين واجب من أول الأمر، لكن الوصية
تبرع ابتداء، والواجب يؤدى قبل التبرع.
وعن الإِمام علي رضي الله عنه أنه قال:
إنكم تقرءون الوصية قبل الدین، وقد شهدت
رسول الله لم بدأ بالدين قبل الوصية. (٣)
وهذه الديون أو الحقوق أنواع :
منها: مايكون الله تعالى، كالزكاة والكفارات
والحج الواجب .
ومنها: مایکون للعباد، كدين الصحة ودين
المرض.
وهذه الديون بشطريها، إما أن تتعلق بعين
التركة أو بجزء منها .
(١) تبيين الحقائق ٢٢٩/٥ - ٢٣٠، وابن عابدين ٤٦٣/٥،
٤٨٣، وشرح السراجية ص ٤، والشرح الكبير ٤/ ٤٥٧،
وأسنى المطالب ٣/٣، ونهاية المحتاج ٧/٦، والعذب
الفائض ١٣/١
(٢) سورة النساء / ١١
(٣) المبسوط ١٣٧/٢٩
- ٢١٧ -

ترکة ٢٤ - ٢٥
ومنها: ديون مطلقة متعلقة بالذمة وحدها .
٢٤ - وذهب الحنفية والمالكية والشافعية والثوري
والشعبي والنخعي وسوار، وهو الرواية المرجوحة
للحنابلة إلى : أن الديون التي على الميت تحل
بموته. قال ابن قدامة: لأنه لا يخلو إما أن يبقى
الدين في ذمة الميت، أو الورثة، أو يتعلق بالمال.
لا يجوز بقاؤه في ذمة الميت لخرابها وتعذر مطالبته
بها، ولا ذمة الورثة لأنهم لم يلتزموها، ولا رضي
صاحب الدين بذمهم، وهي مختلفة متباينة،
ولا يجوز تعليقه على الأعيان وتأجيله، لأنه
ضرر بالمیت وصاحب الدین ولا نفع للورثة فيه:
أما الميت فلأن النبيَ ﴾ قال: ((نَفْسُ المؤمن
معلّقة ماکان علیه دین))،(١) وأما صاحبه فيتأخر
حقه، وقد تتلف العين فيسقط حقه، وأما الورثة
فإنهم لا ينتفعون بالأعیان ولا يتصرفون فيها،
وإن حصلت لهم منفعة فلا يسقط حظ الميت
وصاحب الدين لمنفعة لهم.
والمذهب عند الحنابلة، وهو قول ابن سیرین
وعبيد الله بن الحسن العنبري وأبي عبيد: أن
الديون على الميت لا تحل بموته، إذا وثق الورثة
أو غيرهم برهن أو كفيل مليء على أقل الأمرين
من قيمة التركة أو الدين. قال ابن قدامه: لأن
الموت ماجعل مبطلا للحقوق، وإنما هو ميقات
(١) حديث: ((نفس المؤمن معلقة ... )). أخرجه أحمد
(٢/ ٤٤٠ - ط الميمنية) والحاكم (٢٦/٢ - ط دائرة المعارف
العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
للخلافة وعلامة على الوراثة، وقد قال النبي
*: ((من ترك حقا أو مالا فلورثته))،(١) فعلى هذا
يبقى الدين في ذمة الميت كما كان، ويتعلق بعين
ماله كتعلق حقوق الغرماء بمال المفلس عند
الحجر عليه، فإن أحب الورثة أداء الدين
والتزامه للغريم ويتصرفون في المال لم يكن لهم
ذلك إلا أن يرضى الغريم، أو يوثقوا الحق
بضمین مليء أورهن یثق به لوفاء حقه، فإنهم قد
لا یکونون أملیاء ولم یرض بهم الغريم، فيؤدي
إلى فوات الحق، وذكر القاضي أبو يعلى: أن
الحق ينتقل إلى ذمم الورثة بموت مورثهم من
غير أن يشترط التزامهم له. قال ابن قدامة:
ولا ينبغي أن يلزم الإِنسان دين لم يلتزمه ولم
يتعاط سببه، ولو لزمهم ذلك لموت مورثهم
للزمهم وإن لم يخلّف وفاء. (٢)
٢٥ - وقد اختلف الفقهاء في أي الدینین يؤدى
أولا إذا ضاقت الشركة عنهما. فذهب الحنفية
إلى: أن ديون الله تعالى تسقط بالموت إلا إذا
أوصی بها كما سيأتي .
(١) رواه البخاري (الفتح ٩/١٢ - ط السلفية) من حديث
أبي هريرة: ((من ترك مالا فلورثته)) وقال ابن حجر في
التلخيص (٥٦/٣ - ط شركة الطباعة الفنية). أورده الشافعي
بلفظ: ((من ترك حقا)» ولم أره. انتهى كلام ابن حجر.
(٢) بداية المجتهد ٢/ ٢٨٢، والمهذب ٣٢٧/١، والمغني
٤٨٢/٤ - ٤٨٣ ط الرياض، وكشاف القناع ٤٨٣/٣٠،
وفتح القدیر ٦/ ٢٤٤، وابن عابدين ٤٦٣/٥، ٤٨٣
- ٢١٨ -

تركة ٢٦
وذهب المالكية إلى أن حق العبد يقدم على
حق الله تعالى، لأن حقوق الله تعالى مبنية
على المسامحة، وحقوق العباد مبنية على
المشاحّة، أو لاستغناء الله وحاجة الناس.
وذهب الشافعية إلی تقدیم حقوق الله تعالی
أو ديونه على حقوق الآدمي إذا ضاقت التركة
عنهما، واستدلوا بقوله: ﴿: ((دين الله أحق أن
يقضى))(١) وقوله: ((اقضوا الله، فالله أحق
بالوفاء))(٢).
وأما الحنابلة فإنهم يقدمون وفاء الدين
المتعلق بعين التركة أوببعضها، كالدين المرهون
به شيء منها، ثم بعدها الدين المطلقة المتعلقة
بذمة المتوفى، ولا فرق في التقديم بين حق الله أو
حق العبد. (٣)
وللتفصيل انظر مصطلح: (إرث، ودين).
تعلق دين الله سبحانه بالتركة :
٢٦ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن
(١) حديث: ((دين الله أحق أن يقضى)). أخرجه البخاري
(الفتح ١٩٢/٤ ط السلفية) ومسلم (٨٠٤/٢ ط
الحلبي).
(٢) حديث: ((اقضوا الله فالله أحق بالوفاء)) أخرجه البخاري
(الفتح ٦٤/٣ ط السلفية) من حديث ابن عباس رضي الله
عنهما.
(٣) شرح السراجية للجرجاني بحاشية السجاوندي ص ٥
وما بعدها، وحاشية الدسوقي ٤٠٨/٤ ط دار الفكر، ونهاية
المحتاج ٧٦/٦ وما بعدها، والعذب الفائض ١٣/١
دين الله سبحانه وتعالى يجب أداؤه من التركة،
سواء أوصى به أم لا، على خلاف سبق في
تقديمه على دين الآدمي. وذهب الحنفية إلى
أن دين الله تعالى لا يجب أداؤه من التركة إلا
إذا أوصى به الميت، فإِن أوصى به فيخرج من
ثلث التركة.
قال الفناري في توجيه ذلك: إن أداء دين الله
عبادة، ومعنى العبادة لا يتحقق إلا بنية وفعل
ممن يجب عليه حقيقة أوحكما، كما في الإِيصاء
لتحقق أدائها مختارا، فيظهر اختياره الطاعة من
اختياره المعصية الذي هو المقصود من التكليف،
وفعل الوارث من غير أمر المبتلى بالأمر والنهي لا
يحقق اختياره، فإِذا مات من غير فعل ولا أمر به
فقد تحقق عصيانه، لخروجه من دار التكليف ولم
يمتثل، وذلك تقرير عليه موجب العصيان،
فليس فعل الوارث الفعل المأمور به، فلا يسقط
بہ الواجب، کما لو تبرع به في حال حیاته،
بخلاف حقوق العباد، فإن الواجب فيها وصولها
إلى مستحقيها لا غير، ولهذا لوظفر به الغريم
يأخذه، ويبرأ من عليه بذلك. ثم الإِيصاء
بحقوق الله تعالى تبرع، لأن الواجب في ذمة
من عليه الحق فعل لامال، والأفعال تسقط
بالموت، ولا يتعلق استیفاؤها بالترکة، لأن
التركة مال يصلح لاستيفاء المال منها لا لاستيفاء
الفعل. ألا يرى أنه إذا مات وعليه القصاص لا
يستوفى من تركته، فصارت الحقوق المذكورة
- ٢١٩ -

تركة ٢٦
كالساقط في حق الدنيا، لأنها لو لم يوص بها لم
يجب على الورثة أداؤها، فكان الإيصاء بأدائها
تبرعا، فيعتبر كسائر التبرعات من الثلث.
بخلاف ديون العباد، فإنها لا تسقط بالموت،
لأن المقصود ثمة المال لا الفعل، لحاجة العباد
إلى الأموال. وفيه بحث وهو أن الإيصاء بأداء
حقوق الله تعالى واجب كما صرح به في
الهداية، والإِيصاء بسائر التبرعات ليس بلازم،
فلا وجه لقياس الإِيصاء بأداء حقوق الله على
الإِيصاء بسائر التبرعات، فتأمل. (١)
هذا وقد اختلف الجمهور في بعض
التفصيلات.
فذهب المالكية إلى أنه بعد وفاء دین العبد
يبدأ بوفاء حق الله تعالى، فيقدم هدي التمتع
إن مات الحاج بعد رمي جمرة العقبة، أوصى به
أم لا، ثم زكاة فطر فرط فيها، وكفارات فرط
فيها أيضا، ککفارة یمین وصوم وظهار وقتل إذا
أشهد في صحته أنها بذمته، كل ذلك يخرج من
رأس المال، أوصى بإخراجها أم لم يوص. لأن
المقرر في مذهب المالكية: أن حقوق الله متى
أشهد في صحته بها خرجت من رأس المال، فإِن
أوصى بها ولم يشهد فتخرج من الثلث.
ومثل ما تقدم: زكاة النقدين التي حلت
وأوصى بها، وزكاة ماشية وجبت ولا ساعي
(١) شرح السراجية للجرجاني بحاشية الفناري ص ٣٠
لأخذها ولم توجد السن التي تجب فيها، فإن
وجدت فهو كالدين المتعلق بعين، فيجب
إخراجه قبل الكفن والتجهيز.
وذهب الشافعية إلى : أنه بعد تجهيز الميت
وتکفیینه تقضی دیونه المتعلقة بذمته من رأس
المال، سواء أكانت لله تعالى أم لآدمي، أوصى
بها أم لم يوص، لأنها حق واجب عليه. هذا وإن
محل تأخير الدين عن مؤن التجهيز إذا لم يتعلق
بعين التركة حق، فإن تعلق بعين التركة حق
قدم على التجهيز، وذلك كالزكاة الواجبة فيما
قبل موته، ولو من غير الجنس، فيقدم على
مؤن التجهيز، بل علی کل حق تعلق بها
فکانت کالمرهون بها.
وذهب الحنابلة إلى : أنه بعد التجهيز
والتكفین یوفى حق مرتهن بقدر الرهن، ثم إن
فضل للمرتهن شىء من دينه شارك الغرماء.
ثم بعد ماسبق من تسديد الديون المتعلقة
بأعيان التركة، تسدد الديون غير المتعلقة
بالأعيان، وهي التي تثبت في الذمة، ويتعلق
حق الغرماء بالتركة كلها، سواء استغرقها الدين
أم لم يستغرقها، وسواء أكان الدين لله تعالى
كالزكاة والكفارات والحج الواجب، أم كان
الآدمي كالقرض والثمن والأجرة.
فإن زادت الدیون عن التر کة، ولم تف بدین
- ٢٢٠ -