النص المفهرس

صفحات 81-100

تغییر ٣٤، تداخل ١ - ٢
القصاصُ في القتلى﴾(١) مما يعين القصاص.
فهو إخبار عن كون القصاص هو الواجب،
وهذا يبطل القول بأن الدية واجبة كذلك. ولما
كان القتل لا يقابل بالجمع بين القصاص
والدية، كان القصاص هوعين حق الولي والدية
بدل حقه، ولیس لصاحب الحق أن یعدل من
عين الحق إلى بدله من غير رضا من عليه
الحق، ولهذا لا يجوز اختيار الدیة من غير رضا
القاتل.
وأما دليل الشافعية والحنابلة فهو ماتقدم من
أدلة جواز العفو إلی الدیة، وقوله تعالى: ﴿فمن
عُفِيَ له من أخيه شيء فاتباعٌ بالمعروف وأداءً
إليه بإحسان﴾(٢) فأوجب سبحانه على القاتل
أداء الدية إلى الولي مطلقا عن شرط الرضا،
دفعا للهلاك عن نفسه .
ولما كان المقصود من تشريع القصاص والدية
هو الزجر، فکان ينبغي الجمع بينهما، کما في
شرب خمر الذمي، إلا أنه تعذر الجمع، لأن
الدية بدل النفس، وفي القصاص معنى البدلية
كما في قوله تعالى: ﴿أَنَّ النفس بالنفس﴾(٣)
والباء تفيد البدلية، فيؤدي إلى الجمع بين
البدلین، وهو غير جائز، فخیر ولي الدم بينهما.
تداخل
التعريف :
١ - التداخل في اللغة: تشابه الأمور والتباسها
ودخول بعضها في بعض . (١)
وفي الاصطلاح: دخول شيء في شيء آخر
بلا زيادة حجم ومقدار. وتداخل العددين أن
يعدّ أقلّهما الأكثر، أي يفنيه، مثل ثلاثة
وتسعة . (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاندراج :
٢ - الاندراج مصدر اندرج، ومن معانيه في
اللغة: الانقراض.
ويستعمله الفقهاء بمعنى دخول أمر في أمر
آخر أعم منه، كالحدث الأصغر مع الجنابة في
الطهارة . (٣)
(١) سورة البقرة / ١٧٨
(٢) سورة البقرة / ١٧٨
(٣) سورة المائدة / ٤٥
(١) الصحاح والقاموس واللسان والمصباح مادة: ((دخل)).
(٢) التعريفات للجرجاني / ٧٦ ط دار الكتاب العربي.
(٣) المنثور ١/ ٢٧١ ط الأولى.
- ٨١ -

تداخل ٣ - ٦
ب - التباين :
٣ - معنى التباين في اللغة: التهاجر
والتباعد. (١)
وفي الاصطلاح: عبارة عما إذا نسب أحد
الشيئين إلى الآخر لم يصدق أحدهما على شيء
مما صدق عليه الآخر، فإن لم يتصادقا على شيء
أصلا فبينهما التباين الكلي، وإن صدقا في
الجملة فبينهما التباين الجزئي. كالحيوان
والأبيض وبينهما العموم من وجه.
والفرق بينه وبين التداخل واضح، إذ
التداخل إنما يكون في الأمور المتشابهة
والمتقاربة، أما التباين فيكون في الأمور المتفاوتة
كليا أو جزئيا. (٢)
جـ - التماثل:
٤ - التماثل: مصدر تماثل، ومادة مَثَلَ في اللغة
تأتي بمعنى الشبه، وبمعنى نفس الشيء
وذاته .
والفقهاء يستعملون التماثل بمعنى
التساوي، كما في تماثل العددين في مسائل
الإِرث.(٣)
(١) الصحاح والقاموس مادة: ((بين)).
(٢) التعريفات للجرجاني ص ٧٢ ط دار الكتاب العربي.
(٣) المصباح واللسان مادة: ((مثل))، والاختيار ١٢٢/٥ ط دار
المعرفة، والزرقاني ٨/ ٢٢٠ ط، الفكر، ومغني المحتاج
٣٣/٣ - ٣٤ ط الحلبي.
د - التوافق :
٥ - معنى التوافق في اللغة: الاتفاق
والتظاهر.(١)
وتوافق العددين: ألا يَعُدّ أقلهما الأكثر،
ولكن يعدهما عدد ثالث، كالثمانية مع
العشرين، يعدهما أربعة، فهما متوافقان
بالربع، لأن العدد العاد مخرج لجزء الوفق. (٢)
محل التداخل :
٦ - ذكر الحنفية أن التداخل: إما أن يكون في
الأسباب: وإما أن يكون في الأحكام. والأليق
بالعبادات الأول، وبالعقوبات الثاني، وذلك ما
جاء في العناية: أن التداخل في العبادات إذا
كان في الحكم دون السبب كانت الأسباب باقية
على تعددها، فيلزم وجود السبب الموجب
للعبادة بدون العبادة، وفي ذلك ترك الاحتياط
فيما يجب فيه الاحتياط، فقلنا بتداخل الأسباب
فيها ليكون جميعها بمنزلة سبب واحد ترتب عليه
حكمه إذا وجد دليل الجمع وهو اتحاد المجلس،
وأما العقوبات فليس مما يحتاط فيها، بل في درئها
احتياط فيجعل التداخل في الحكم، ليكون
عدم الحكم مع وجود الموجب مضافا إلى
(١) القاموس مادة: ((وفق)).
(٢) التعريفات للجرجاني ص ٩٥ ط. دار الكتاب العربي،
وحاشية قليوبي ١٥٣/٣ ط الحلبي.
- ٨٢ -

تداخل ٦ - ٧
عفو الله وكرمه، فإنه هو الموصوف بسبوغ العفو
وكمال الكرم .
وفائدة ذلك تظهر فيما لو تلا آية سجدة في
مکان فسجدها، ثم تلاها فيه مرات فإنه يكفيه
تلك الواقعة أولا، إذ لولم يكن التداخل في
السبب لكانت التلاوة التي بعد السجدة سببا،
وحکمه قد تقدم، وذلك لا يجوز.
وأما في العقوبات: فإنه لوزنى، ثم زنى ثانية
قبل أن يحد الأولى، فإن عليه حدا واحد،
بخلاف ما لو زنى فحد، ثم زنى فإنه يجد
ثانیا . (١)
وذكر صاحب الفروق من المالكية أن
التداخل محله الأسباب لا الأحكام، ولم يفرق في
ذلك بين الطهارات والعبادات ، كالصلاة
والصيام والكفارات والحدود والأموال. بل ذكر
أن الحدود المتماثلة إن اختلفت أسبابها كالقذف
وشرب الخمر، أو تماثلت كالزنى مرارا والسرقة
مرارا والشرب مرارا قبل إقامة الحد عليه،
فإنها من أولى الأسباب بالتداخل، لأن
تکررها مهلك.(٢)
ويظهر مما ذكره الحنابلة في الطهارات وكفارة
الصیام، فيما لو تکرر منه اجماع في يوم واحد قبل
(١) العناية مع فتح القدير ونتائج الأفكار ١/ ٣٩٠ ط الأميرية،
والبحر الرائق ١٣٥/٢ ط العلمية.
(٢) الفروق للقرافي، الفرق السابع والخمسون ٢٩/٢ -
٣٠ ط دار المعرفة .
التکفیر، وفي الحدود إن کانت من جنس واحد
أو أجناس أن التداخل عندهم أيضا إنما يكون
في الأسباب دون الأحكام. (١)
هذا ويظهر مما ذكره الزركشي في المنثور أن
التداخل إنما يكون في الأحكام دون الأسباب،
ولا فرق في ذلك بين العبادات والعقوبات
والإِتلافات. (٢)
آثار التداخل الفقهية ومواطنه :
٧ - ذكر القرافي في الفروق أن التداخل وقع في
الشريعة في ستة أبواب، وهي الطهارات
والصلوات والصيام والكفارات والحدود
والأموال . (٣)
وذكر الزركشي في المنثور أنه يدخل في
ضروب، وهي: العبادات والعقوبات
والإِتلافات . (٤)
وذكر السيوطي وابن نجيم أنه إذا اجتمع
أمران من جنس واحد، ولم يختلف مقصودهما،
دخل أحدهما في الآخر غالبا، كالحدث مع
الجنابة . (٥)
(١) كشاف القناع ١٥٦/١ و٣٢٦/٢ و٨٥/٦ -٨٧ ط
النصر، والمغني ٢١٣/٨ ط الرياض، والإنصاف
٣/ ٣٢٠ ط النصر، والكافي ١/ ٦١ ط المكتب الإسلامي،
ومنتهى الإرادات ٣٢/١ ط العروبة.
(٢) المنثور ٢٦٩/١ - ٢٧٧ ط الأولى.
(٣) الفروق للقرافي، الفرق السابع والخمسون ٢٩/٢ -
٣٠ ط دار المعرفة .
(٤) المنثور للزركشي ٢٦٩/١ - ٢٧٧ ط الأولى.
(٥) الأشباه والنظائر للسيوطي / ١٢٦ ط العلمية، والأشباه
والنظائر لابن نجيم / ١٣٢ ط الهلال.
- ٨٣ -

تداخل ٨
هذا والتداخل يذكره الفقهاء في الطهارة
والصلاة والصوم والحج، والفدية والكفارة
والعِدَد، والجناية على النفس والأطراف
والديات، والحدود والجزية، وفي حساب
المواريث. وبيان ذلك فيما يلي :-
أولاً - الطهارات :
٨ - لا خلاف بين الفقهاء في أن من سنن
الغسل: الوضوء قبله، لأنه صفة غسل النبي
وَل﴿ كما في حديث عائشة وميمونة رضي الله
عنهما. ونص حديث عائشة رضي الله عنها أن
النبي # ((كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ
فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله
فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم
يأخذ الماء ويدخل أصابعه في أصول الشعر،
حتى إذا رأى أن قد استبرأ، حفن على رأسه
ثلاث حثيات، ثم أفاض علی سائر جسده، ثم
غسل رجليه)). (١)
هذا عن تحصيل السنة. أما الإِجزاء فيرى
الحنفية والمالكية أن الطهارات كالوضوء والغسل
إذا تكررت أسبابهما المختلفة كالحيض والجنابة،
أو المتماثلة كالجنابتين والملامستين، فإن تلك
الأسباب تتداخل، فيكفي في الجنابتين، أو في
(١) حديث: ((كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ١/ ٣٦٠ - ط السلفية) ومسلم
(٢٥٣/١ ط الحلبي) واللفظ لمسلم.
الحيض والجنابة، أو في الجنابة والملامسة غسل
واحد، لا يحتاج بعده إلى وضوء، لاندراج سببه
في السبب الموجب للغسل . (١)
وذكر الزركشي في المنثور أن الفعلين في
العبادات، إن كانا في واجب ولم يختلفا في
القصد، تداخلا، كغسل الحيض مع الجنابة،
فإذا أجنبت ثم حاضت، كفى لهما غسل
واحد. (٢)
هذا وقد ذكر الشافعية والحنابلة في تداخل
الوضوء والغسل إذا وجبا علیه - كما لو أحدث ثم
أجنب أوعكسه - أربعة أوجه، انفرد الشافعية
بأولها، واتفقوا مع الحنابلة في الباقي .
أحدها، وهو المذهب عند الشافعية، وقد
انفرادوا فيه عن الحنابلة، لكن ابن تيمية
اختاره: أنه يكفيه الغسل، نوی الوضوء معه أو
لم ينوه، غَسَلَ الأعضاء مرتبة أم لا، لأنهما
طهارتان، فتداخلتا. (٣)
والثاني، وذهب إليه أيضا الحنابلة في إحدى
الروايات عن أحمد، وهو من مفردات المذهب
عندهم: أنه يجب عليه الوضوء والغسل، لأنهما
(١) الفروق للقرافي، الفرق السابع والخمسون ٢٩/٢ ط دار
المعرفة، والأشباه لابن نجيم / ١٣٢ ط الهلال.
(٢) المنثور ٢٦٩/١ ط الأولى.
(٣) نهاية المحتاج ٢١٣/١، ٢١٤ ط المكتبة الإسلامية، وتحفة
المحتاج ٢٨٦/١ ط دار صادر، وحاشية قليوبي ٦٨/١ ط
دار المعرفة، والمنثور ١/ ٢٦٩ ط الأولى، والمهذب ٣٩/١
ط دار المعرفة .
- ٨٤ -

تداخل ٨ - ١٠
حقان مختلفان يجبان بسببين مختلفين، فلم
يدخل أحدهما في الآخر كحد الزنى والسرقة،
فإن نوی الوضوء دون الغسل أو عکسه، فلیس
له غیر مانوی. (١)
الثالث، واختاره أيضا أبوبكر من الحنابلة،
وقطع به في المبهج: أنه يأتي بخصائص
الوضوء، بأن يتوضأ مرتبا، ثم يغسل سائر
البدن، لأنهما متفقان في الغسل ومختلفان في
الترتيب، فما اتفقا فيه تداخلا، وما اختلفا فيه لم
يتداخلا. (٢)
الرابع، وهو ماحكاه أبوحاتم القزويني من
الشافعية، وهو المذهب مطلقا عند الحنابلة،
وعلیه جماهیر أصحابهم، وقطع به کثیر منهم :
أنهما يتداخلان في الأفعال دون النية، لأنهما
عبادتان متجانستان صغری وکبری، فدخلت
الصغرى في الكبرى في الأفعال دون النية،
كالحج والعمرة. (٣)
هذا، وجاء في الإِنصاف عن الدينوري في
وجه حكاه: أنه إن أحدث ثم أجنب فلا
(١) المهذب ٣٩/١ ط. دار المعرفة، والكافي ١/ ٦١ ط المكتب
الإسلامي، ومنتهى الإرادات ٣٢/١ ط العروبة،
والإنصاف ٢٥٩/١ ط التراث.
(٢) المهذب ٣٩/١ ط. دار المعرفة، والإنصاف ٢٥٩/١ط
التراث.
(٣) المهذب ٣٩/١ط دار المعرفة، والمجموع ٢/ ١٩٤ -
١٩٥ ط السلفية، والإنصاف ١/ ٢٥٩ط التراث، وكشاف
القناع ١/ ١٥٦ط النصر.
تداخل، وجاء فيه أيضا أن من أحدث ثم
أجنب، أو أجنب ثم أحدث يكفيه الغسل على
الأصح، وهو مماثل لما حكاه الشافعية في الوجه
الأول.(١)
ثانيا : التداخل في الصلاة وله أمثلة :
. أ - تداخل تحية المسجد وصلاة الفرض:
٩ - ذكر ابن نجيم في الأشباه، والقرافي في
الفروق: أن تحية المسجد تدخل في صلاة
الفرض مع تعدد سببهما، فإن سبب التحية هو
دخول المسجد، وسبب الظهر مثلا هو الزوال،
فیقوم سبب الزوال مقام سبب الدخول،
فیکتفی به .
وذكر الزركشي في المنثور أن التداخل في
العبادات إن كان في مسنون، وكان ذلك
المسنون من جنس المفعول، دخل تحته، كتحية
المسجد مع صلاة الفرض.
وذهب الحنابلة إلى أن تحية المسجد تدخل في
الفرض والسنة الراتبة . (٢)
ب - تداخل سجود السهو :
١٠ - جاء صريحا في حاشية ابن عابدين - من
الإنصاف ٢٥٩/١
(١) الإ
(٢) الفروق للقرافي، الفرق السابع والخمسون ٢٩/٢ ط دار
المعرفة، والأشباه لابن نجيم / ١٣٢ط. الهلال، والمنثور
٢٦٩/١ - ٢٧٠ ط الأولى، وكشاف القناع ٣٢٤/١
و٤٦/٢
- ٨٥ -

تداخل ١٠ - ١١
كتب الحنفية - فيمن تكرر سهوه بحيث أدى
ذلك إلى ترك جميع واجبات الصلاة، فإنه
لا يلزمه إلا سجدتان.
وقريب من ذلك ما جاء في المدونة من كتب
المالكية فيمن نسي تكبيرة أو تكبيرتين، أو نسي
((سمع الله لمن حمده)) مرة أو مرتين، أو نسي
التشهد أو التشهدین .
وجاء في المنثور والأشباه من كتب الشافعية أن
جبرانات الصلاة تتداخل لاتحاد الجنس،
فسجود السهو وإن تعدد سجدتان، لأن القصد
بسجود السهو إرغام أنف الشيطان، وقد حصل
بالسجدتين آخر الصلاة، بخلاف جبرانات
الإِحرام فلا تتداخل، لأن القصد جبر النسك
وهو لا يحصل إلا بالتعدد. (١)
وقال صاحب المغني : إذا سها سهوين أو
أكثر من جنس كفاه سجدتان للجميع، لا نعلم
أحدا خالف فيه .. وإن كان السهو من جنسين،
فكذلك، حكاه ابن المنذر قولا لأحمد، وهو قول
أكثر أهل العلم، منهم: النخعي والثوري
ومالك والليث والشافعي وأصحاب الرأي .
وذكر أبوبكر من الحنابلة فيه وجهين :
أحدهما : ما ذكرنا.
(١) ابن عابدين ٤٩٧/١ ط بولاق، والمدونة ١٣٨/١ ط. دار
صادر، والمنثور ١/ ٢٧٠ ط. الأولى، والأشباه للسيوطي
/ ١٢٦ ط العلمية.
والثاني: يسجد سجودين، قال الأوزاعي
وابن أبي حازم وعبد العزيز بن أبي سلمة: إذا
كان عليه سجودان، أحدهما قبل السلام،
والآخر بعده سجدهما في محليهما، لقول النبي
م *: ((لكل سهو سجدتان)). (١) وهذان
سهوان، فلكل واحد منهما سجدتان، ولأن کل
سهویقتضی سجودا، وإنما تداخلا في الجنس
الواحد لاتفاقهما، وهذان مختلفان. (٢)
جـ - التداخل في سجود التلاوة :
١١ - ذكر الحنفية أن سجدة التلاوة مبناها على
التداخل دفعا للحرج.
والتداخل فيها تداخل في السبب دون
الحكم، لأنها عبادة، فتنوب الواحدة عما قبلها
وعما بعدها، ولا یتکرر وجوبها إلا باختلاف
المجلس أو اختلاف التلاوة (أي الآية) ، أو
السماع، فمن تلا آية واحدة في مجلس واحد مرارا
تكفيه سجدة واحدة وأداء السجدة بعد القراءة
الأولى أولى .
٠
والأصل في ذلك ما روي أن جبريل عليه
السلام ((كان ينزل بالوحي فيقرأ آية السجدة
(١) حديث: ((لكل سهو سجدتان)). أخرجه أبوداود
(١٠٣٨/١ - ط تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث
ثوبان، وأصله في صحيح مسلم (١/ ٤٠٢ - ط الحلبي) من
حدیث عبدالله بن مسعود.
(٢) المغني ٢/ ٣٩ - ٤٠ ط الرياض.
- ٨٦ -
.

تداخل ١١
على رسول الله وح له، ورسول الله (شال# كان
يسمع ويتلقن، ثم يقرأ على أصحابه، وكان
لا یسجد إلا مرة واحدة. (١)
وإن تلاها في غیر الصلاة فسجد، ثم دخل
في الصلاة فتلاها فيها، سجد أخرى. ولو لم
يسجد أولا كفته واحدة، لأن الصلاتية أقوى
من غيرها، فتستتبع غيرها وإن اختلف
المجلس. ولو لم يسجد في الصلاة سقطتا في
الأصح. (٢)
وأما المالكية فقاعدة المذهب عندهم تكرير
سجدة التلاوة، إن كرر حزبا فيه سجدة،
ولا تكفيه السجدة الأولى، لوجود المقتضي
للسجود، باستثناء المعلم والمتعلم فقط عند
الإِمام مالك وابن القاسم، واختاره المازري،
خلافا لأصبغ وابن عبد الحكم القائلين بعدم
السجود عليهما ولا في أول مرة.
ومحل الخلاف كما في حاشية الدسوقي إذا
حصل التكرير لحزب فيه سجدة، وأما قارىء
(١) حديث: ((كان يسمع ويتلقن ثم يقرأ ... )» يدل على ذلك
حديث البخاري عن ابن عباس ((كان رسول الله صل# إذا أتاه
جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ( # كما
قرأه». فهذا شامل للآيات التي فيها سجدات وقد كان
یسجد فيها سجدة واحدة. (فتح الباري ٢٩/١).
(٢) ابن عابدين ١/ ٥٢٠، ٥٢١ط. بولاق، بدائع الصنائع
١٨١/١ ط. الجمالية، وتبيين الحقائق ١/ ٢٠٧ط. دار
المعرفة، والبحر الرائق ١٣٥/٢، ١٣٦ط. العلمية،
والاختيار ٧٦/١ط دار المعرفة.
القرآن بتمامه فإنه يسجد جميع سجداته في غیر
الصلاة وفي الصلاة، حتى لو قرأه كله في ركعة
واحدة، سواء أكان معلما أم متعلما اتفاقا . (١)
وجاء في الروضة وغيرها من كتب الشافعية :
أنه إذا قرأ آيات السجدات في مكان واحد،
سجد لكل واحدة، ومثل ذلك قراءته الآية
الواحدة في مجلسین .
فلوكرر الآية الواحدة في المجلس الواحد
نظر، إن لم يسجد للمرة الأولى كفاه سجود
واحد، وإن سجد للأولى فثلاثة أوجه: أصحها
يسجد مرة أخرى لتجدد السبب، والثاني تكفيه
الأولی، والثالث إن طال الفصل سجد أخرى،
وإلا فتکفیه الأولى .
ولو كرر الآية الواحدة في الصلاة، فإن كان
في رکعة فکالمجلس الواحد، وإن کان في ركعتين
فكالمجلسين. ولو قرأ مرة في الصلاة، ومرة
خارجها في المجلس الواحد وسجد للأولى، فلم
ير النووي فيه نصا للأصحاب، وإطلاقهم
يقتضي طرد الخلاف فيه. (٢)
(١) جواهر الإكليل ٧٣/١ط دار المعرفة، والدسوقي
٣١١/١ط الفكر، والزرقاني ٢٧٧/١، ٢٧٨ ط الفكر،
ومواهب الجليل مع التاج والإكليل ٦٥/٢، ٦٦ط
النجاح.
(٢) روضة الطالبين ٣٢٠/١ - ٣٢١ط. المكتب الإسلامي،"
وحاشية قليوبي ٢٠٨/١ ط. الحلبي، ونهاية المحتاج
٩٧/٢ط المكتبة الإِسلامية .
- ٨٧ -

تداخل ١٢ - ١٣
وتذكر كتب الحنابلة أيضا أن سجود التلاوة
يتكرر بتكرر التلاوة، حتى في طواف مع قصر
فصل .
وذكر صاحب الإِنصاف وجهين في إعادة
سجود من قرأ بعد سجوده، وكذا يتوجه في تحية
المسجد إن تکرر دخوله.
وقال ابن تمیم: وإن قرأ سجدة فسجد، ثم
قرأها في الحال مرة أخرى، لا لأجل السجود،
فهل يعيد السجود؟ على وجهين. وقال
القاضي في تخريجه: إن سجد في غير الصلاة ثم
صلى فقرأها فيها أعاد السجود، وإن سجد في
صلاة ثم قرأها في غير صلاة لم يسجد. وقال:
إذا قرأ سجدة في ركعة فسجد، ثم قرأها في
الثانية، فقيل يعيد السجود، وقيل لا. (١)
ثالثا : تداخل صوم رمضان وصوم الاعتكاف :
١٢ - من المقرر عند المالكية والحنفية، وفي رواية
عن أحمد اشتراط الصوم لصحة الاعتكاف
مطلقا، وبناء على ذلك ذكر القرافي أن صوم
الاعتكاف يدخل في صوم رمضان، وذلك لأن
الاعتكاف سبب لتوجه الأمر بالصوم، ورؤ ية
هلال رمضان هي سبب توجه الأمر بصوم
رمضان، فيدخل السبب الذي هو الاعتكاف في
(١) كشاف القناع ٤٤٩/١ ط. النصر، ومنتهى الإرادات
١٠٣/١ دار العروبة، والإنصاف ١٩٥/٢، ١٩٦ ط
التراث.
السبب الآخر وهورؤية الهلال فيكتفى به
ويتداخل الاعتكاف ورؤية الهلال. (١)
رابعا : تداخل الطواف والسعي للقارن:
١٣ - ذهب المالكية والشافعية والإِمام أحمد فيما
اشتهر عنه إلى أن من قرن بين الحج والعمرة في
إحرام واحد، فإنه يطوف لهما طوافا واحدا،
ويسعى لهما سعيا واحدا، وهو قول ابن عمر
وجابر بن عبدالله رضي الله عنهم، وبه قال
عطاء بن أبي رباح والحسن ومجاهد وطاوس
وإسحاق وأبو ثور، لحديث عائشة رضي الله
عنها قالت: ((خرجنا مع رسول الله وَّر في حجة
الوداع فأهللنا بعمرة ... )). (٢) الحديث.
وفيه: ((وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما
طافوا طوافا واحدا)).
ولأن الحج والعمرة عبادتان من جنس واحد،
فإذا اجتمعتا دخلت أفعال الصغرى في الكبرى
كالطهارتين .
وأيضا فإن الجامع بينهما ناسك یکفیه حلق
واحد ورمي واحد، فكفاه طواف واحد وسعي
واحد کالفرد.
(١) الفروق للقرافي، الفرق السابع والخمسون ٢٩/٢ط، دار
المعرفة .
(٢) حديث: ((خرجنا مع رسول الله وَ الر في حجة الوداع ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٤٩٤/٣ - ط السلفية).
- ٨٨ -

تداخل ١٣ - ١٤
وذهب الحنفية والإِمام أحمد في رواية أخرى لم
تشتهر إلی أن عليه طوافين وسعيين، وقد روي
هذا القول عن علي وابن مسعود رضي الله
عنهما، وبه قال الشعبي وابن أبي ليلى مستدلين
بقوله تعالى: ﴿وأتموا الحجّ والعُمْرَةَ الله﴾(١)
وتمامهما أن يأتي بأفعالهما على الكمال بلا فرق
بين القارن وغيره .
وبما روي عن النبي وَلل أنه قال: ((من جمع
بين الحج والعمرة فعليه طوافان))(٢) ولأنهما
نسکان، فكان لهما طوافان، كما لو كانا
منفردین.
وأثر هذا الخلاف يظهر في القارن إذا قتل
صيدا فإنه يلزمه جزاء واحد عند القائلين
بالتداخل . (٣)
(١) سورة البقرة/ ١٩٦
(٢) حديث: ((من جمع بين الحج والعمرة فعليه طوافان ... )).
ورد من فعله * ولم يرد من قوله، أخرجه الدارقطني في
سننه (٢٥٨/٢ - ط شركة الطباعة الفنية) وقال: لم يروه
عن الحكم - يعني ابن عتيبة - غير الحسن بن عمارة، وهو
متروك الحديث.
(٣) مسلم الثبوت ٤٨/٢ط. الأميرية، وابن عابدين
١٩٢/٢ ط المصرية، والخرشي ٢ / ٣٠٩ط دار صادر،
والدسوقي ٢٨/٢ط. الفكر، وجواهر الإكليل ١/ ١٧١ط
دار المعرفة، والقرطبي ٢/ ٣٦٩ط دار الكتب، وروضة
الطالبين ٤٤/٣ ط. المكتب الإسلامي، والمنثور للزركشي
٢٧٢/١ط. الأولى، وفتح الباري ٤٩٣/٣، ٤٩٤ط،
الرياض، وكشاف القناع ٤١٢/٢ط. النصر، والمغني
٣/ ٤٦٥، ٤٦٦ ط الرياض.
خامسا : تداخل الفدية :
١٤ - ذكر الحنفية والشافعية أن الفدية تتداخل .
وقد صرح الحنفية بأن من قلّم أظافر يديه
ورجلیه في مجلس واحد، وهو محرم، فإن عليه
دما واحدا، لأنها من المحظورات، لما فيه من
قضاء التفث، وهي من نوع واحد، فلا يزاد
على دم واحد. وإن كان قلّمها في مجالس،
فكذلك عند محمد، لأن مبناها على التداخل
ككفارة الفطر.
وعند أبي حنيفة وأبي یوسف یجب لكل يد
دم، ولكل رجل دم إذا تعدد المجلس، لأن
الغالب في الفدية معنى العبادة فيتقيد التداخل
باتحاد المجلس كما في آية السجدة، ولأن هذه
الأعضاء متباينة حقيقة، وإنما جعلت الجناية ۔
وهي تقليم الأظافر في مجلس واحد - جناية
واحدة في المعنى لاتحاد المقصود وهو الرفق. (١)
وصرح الشافعية بمثل ذلك فیمن فعل شيئا
من مقدمات الجماع، وجامع بعده، فقد ذكروا
أن فدية المقدمة تدخل في البدنة الواجبة جزاء
عن الجماع.(٢)
وقريب من ذلك ما ذكره الحنابلة فيمن حلق
شعر رأسه وبدنه، بأن عليه فدية واحدة في أصح
(١) تبيين الحقائق ٢ / ٥٥ط دار المعرفة، والاختيار ١/ ١٦٢ط،
دار المعرفة .
(٢) حاشية قليوبي ١٣٧/٢ ط. الحلبي، والمنثور ٢٧٢/١ط
الأولى، ونهاية المحتاج ٣٢٩/٣ط. المكتبة الإسلامية.
- ٨٩ -

تداخل ١٤ - ١٦
الروايتين عن أحمد، وهو الصحيح من المذهب
أيضا، لأن شعر الرأس والبدن واحد، وفي رواية
أخری عنه: إن لكل منهما حكما منفردا، وكذا لو
لبس أو تطيب في ثوبه وبدنه ففیه الروايتان،
والمنصوص عن أحمد أن عليه فدية واحدة. (١).
وأما المالكية فإنهم وإن لم يصرحوا بتداخل
الفدية، إلا أنهم أوردوا أربع صور تتحد فيها
الفدية وهي أن يظن الفاعل الإِباحة :
أ - بأن يعتقد أنه خرج من إحرامه فيفعل أمورا
كل منها يوجب الفدية.
ب - أو يتعدد موجبها من لبس وتطيب وقلم
أظفار وقتل دواب بفور.
جـ - أويتراخى ما بين الفعلين، لكنه عند
الفعل الأول أو إرادته نوى تكرار الفعل الموجب
لها.
د - أويتراخى ما بين الفعلين، إلا أنه لم ينو
التكرار عند الفعل الأول منهما، لكنه قدم ما
نفعه أعم، كتقديمه لبس الثوب على لبس
السراويل. (٢)
وتفصيله في محظورات الحج من كتب الفقه.
(١) الإِنصاف ٤٥٨/٣، ٤٥٩ط. التراث، وكشاف القناع
٤٢٣/٢ ط. النصر.
(٢) الدسوقي ٦٥/٢، ٦٦ط. الفكر، وجواهر الإكليل
١٩١/١ ط. دار المعرفة .
سادسا : تداخل الكفارات :
أ - تداخلها في إفساد صوم رمضان بالجماع:
١٥ - لا خلاف بين الفقهاء في وجوب كفارة
واحدة على من تكرر منه الجماع في يوم واحد من
أيام رمضان لأن الفعل الثاني لم يصادف صوما،
وإنما الخلاف بينهم فيمن تكرر منه ذلك الفعل
في یومین، أو في رمضانین، ولم یکفر للأول،
فذهب محمد من الحنفية، والحنابلة في وجه،
والزهري والأوزاعي إلى أنه تكفيه كفارة
واحدة، لأنها جزاء عن جناية تكرر سببها قبل
استيفائها، فتتداخل کالحد.
وذهب الحنفية في ظاهر الرواية الذي اختاره
بعضهم للفتوى وهو الصحيح، والمالكية
والشافعية ،وهو أيضا المذهب عند الحنابلة : إلى
أن الكفارة الواحدة لا تجزئه، بل علیه کفارتان،
لأن كل يوم عبادة منفردة، فإذا وجبت الكفارة
بإفساده لم تتداخل كالعمرتين والحجتين، (١)
والتفصيل في مصطلح: (كفارة).
ب - تداخل الكفارات في الأيمان:
١٦ - لا خلاف في أن من حلف يمينا فحنث
(١) ابن عابدين ٢/ ١١٠ط. بولاق، والفروق للقرافي
٢٩/٢، الفرق السابع والخمسون ط. دار المعرفة،
والأشباه والنظائر للسيوطي ١٢٧ ط. العلمية. وحاشية
قليوبي ٢/ ٧١ط. الحلبي، والمهذب للشيرازي
١٩١/١ ط. دار المعرفة، والإنصاف ٣١٩/٣ط. التراث،
وكشاف القناع ٢٣٢/٦ ط. النصر، والمغني ١٣٢/٣،
١٣٣ط. الرياض.
- ٩٠ -

تداخل ١٧
فيها وأدى ماوجب عليه من الكفارة، أنه لو
حلف یمینا أخری وحنث فيها تجب عليه كفارة
أخرى، ولا تغني الكفارة الأولى عن كفارة
الحنث في هذه اليمين الثانية، وإنما الخلاف
فيمن حلف أيمانا وحنث فيها. ثم أراد التكفير ،
هل تتداخل الكفارات فتجزئه كفارة واحدة؟ أو
لا تتداخل فيجب عليه لكل يمين كفارة؟
تتداخل الكفارات على أحد القولين عند
الحنفية، وأحد الأقوال عند الحنابلة،
ولا تتداخل عند المالكية ولا الشافعية، (١)
وتفصيل ذلك في الكفارات.
سابعا : تداخل العدتين :
١٧ - معنى التداخل في العدد: أن تبتدىء المرأة
عدة جديدة وتندرج بقية العدة الأولى في العدة
الثانیة، والعدتان إما أن تكونا من جنس واحد
لرجل واحد أو رجلين، وإما أن تكونا من
جنسین کذلك أي لرجل واحد أورجلین، وعلى
هذا فإن المرأة إذا لزمها عدتان من جنس واحد،
وكانتا لرجل واحد، فإنهما تتداخلان عند الحنفية
والشافعية والحنابلة لاتحادهما في الجنس
والقصد. مثال ذلك: مالو طلق زوجته ثلاثا،
ثم تزوجها في العدة ووطئها، وقال: ظننت أنها
تحل لي. أو طلقها بألفاظ الكناية، فوطئها في
(١) الموسوعة الفقهية ٧/ ٣٠٠ نشر وزارة الأوقاف الكويتية.
العدة، فإن العدتين تتداخلان، فتعتد ثلاثة
أقراء ابتداء من الوطء الواقع في العدة، ويندرج
مابقي من العدة الأولى في العدة الثانية. أما إذا
كانتا لرجلين فإنهما تتداخلان عند الحنفية، لأن
المقصود التعرف على فراغ الرحم، وقد حصل
بالواحدة فتتداخلان، ومثاله: المتوفي عنها زوجها
إذا وطئت بشبهة، فهاتان عدتان من رجلین ومن
جنسين. ومثال العدتین من جنس واحد ومن
رجلين: المطلقة إذا تزوجت في عدتها فوطئها
الثاني، وفرق بينهما، تتداخلان وتعتد من بدء
التفريق، ويندرج مابقي من العدة الأولى في
العدة الثانية .
وأما عند الشافعية والحنابلة فلا تتداخلان،
لأنهما حقان مقصودان لآدمیین، فلم يتداخلا
كالدَّينين، ولأن العدة احتباس يستحقه الرجال
على النساء، فلم يجز أن تكون المرأة المعتدة في
احتباس رجلين كاحتباس الزوجة .
وأما إذا اختلفت العدتان في الجنس، وكانتا
لرجلين، فإنهما تتداخلان أيضا عند الحنفية،
لأن كلا منهما أجل، والآجال تتداخل.
ولا تداخل بينهما عند الشافعية والحنابلة،
لأن كلا منهما حق مقصود للآدمي، فعليها أن
تعتد للأول لسبقه، ثم تعتد للثاني، ولا تتقدم
عدة الثاني على عدة الأول إلا بالحمل.
وإن كانتا من جنسين لشخص واحد تداخلتا
أيضا عند الحنفية، وفي أصح الوجهين عند
- ٩١ -

تداخل ١٧ - ١٨
الشافعية، وفي أحد الوجهين عند الحنابلة،
لأنهما لرجل واحد. ولا تداخل بينهما على مقابل
الأصح عند الشافعية، وعلى الوجه الثاني عند
الحنابلة لاختلافهما في الجنس. (١)
وأما المالكية فقد لخص ابن جزي مذهبهم في
تداخل العدد بقوله: فروع في تداخل العدتين:
(الفرع الأول) من طلقت طلاقا رجعيا، ثم
مات زوجها في العدة انتقلت إلى عدة الوفاة،
لأن الموت يهدم عدة الرجعي بخلاف البائن.
(الفرع الثاني) إن طلقها رجعیا ثم ارتجعها في
العدة، ثم طلقها، استأنفت العدة من الطلاق
الثاني، سواء كان قد وطئها أم لا، لأن الرجعة
تهدم العدة، ولو طلقها ثانية في العدة من غير
رجعة بَنَتْ اتفاقا، ولو طلقها طلقة ثانية ثم
راجعها في العدة أو بعدها، ثم طلقها قبل
المسيس بَنَتْ على عدتها الأولى، ولو طلقها بعد
الدخول استأنفت من الطلاق الثاني .
(١) الأشباه لابن نجيم ص ١٣٤ ط. الهلال، وابن عابدين
٦٠٨/٢، ٦٠٩ط بولاق، وتبيين الحقائق ٣/ ٣١ط. دار
المعرفة، وفتح القدير ٢٨٣/٣، ٢٨٤ط. الأميرية،
والأشباه والنظائر للسيوطي / ١٢٨ ط. العلمية، وحاشية
قليوبي ٤٦/٤، ٤٧ ط. الحلبي، وروضة الطالبين
٣٨٤/٨ - ٣٩٤ط. المكتب الإسلامي، والمهذب
للشيرازي ١٥١/٢ - ١٥٣ط. دار المعرفة، والمنثور
للزركشي ٢٧٦/١، ٢٧٧ط. الأولى، ونهاية المحتاج
١٣٢/٧ - ١٣٥ط. المكتب الإسلامي، والكافي ٣١٦/٣ -
٣٢٠ط. المكتب الإسلامي، وكشاف القناع ٤٢٥/٢ -
٤٢٨ ط. النصر، والمغني ٧/ ٤٨٢ ط. الرياض.
(الفرع الثالث) إذا تزوجت في عدتها من
الطلاق، فدخل بها الثاني، ثم فرق بينهما،
اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من
الثاني، وقيل: تعتد من الثاني وتجزيها
عنهما، وإن كانت حاملا فالوضع يجزي عن
العدتين اتفاقا. (١)
والتفصيل في مصطلح: (عدة).
ثامنا: تداخل الجنايات على النفس
والأطراف :
١٨ - ذكر الحنفية أن الجنايات على النفس
والأطراف إذا تعددت، كما لوقطع عضوا من
أعضائه، ثم قتله، فإنها لا تتداخل إلا في حالة
اجتماع جنايتين على واحد، ولم يتخللهما برء،
وصورها ست عشرة، كما ذكر ابن نجيم في
الأشباه، لأنه إذا قطع ثم قتل، فإما أن يكونا
عمدين أو خطأين، أو أحدهما عمدا والآخر
خطأ، وكل من الأربعة إما على واحد أواثنين،
وكل من الثمانية. إما أن يكون الثاني قبل البرء أو
بعده. (٢)
(١) القوانين الفقهية لابن جزي ص ١٥٧، والدسوقي
٤٩٩/٢ ط. الفكر، والزرقاني ٢٣٥/٤ط. الفكر،
وجواهر الإكليل ٣٩٨/١ط. دار المعرفة، والخرشي
١٧٢/٤ - ١٧٥ ط. دار صادر، ومواهب الجليل ٤ / ١٧٦ -
١٧٨ ط النجاح.
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم / ١٣٤ ط. الهلال.
- ٩٢ -

تداخل ١٨
وذكر المالكية أن الجناية على الطرف تندرج
في الجناية على النفس، أي في القصاص، إن
تعمدها الجاني، سواء أكان الطرف للمقتول أم
لغيره بأن قطع يد شخص عمدا، وفقا عین آخر
عمدا، فيقتل فقط ولا يقطع شيء من أطرافه
ولا تفقأ عينه، إن لم يقصد الجاني بجنایته على
الطرف مثلة - أي تمثيلا وتشويها - فإن قصدها
فلا يندرج الطرف في القتل، فيقتص من
الطرف، ثم يقتل.
أما إذا لم يتعمد الجاني الجناية على الطرف،
فإنها لا تندرج في الجناية على النفس، كما لو
قطع ید شخص خطأ، ثم قتله عمدا عدوانا،
فإنه يقتل به، ودية اليد على عاقلته. (١)
وذكر الشافعية أن الجناية على النفس
والأطراف إذا اتفقتا في العمد أو الخطأ، وكانت
الجناية على النفس بعد اندمال الجناية على
الطرف، وجبت دية الطرف بلا خلاف. أما إذا
كانت الجناية على النفس قبل اندمال الجناية
على الطرف فوجهان، أصحهما: دخول الجناية
"على الطرف في الجناية على النفس، بحيث
لا يجب إلا ما يجب في النفس كالسراية،
وثانيهما: عدم التداخل بين الجنایتین، خرجه
ابن سريج، وبه قال الاصطخري، واختاره
إمام الحرمين .
(١) جواهر الإكليل ٢٦٥/٢ط. دار المعرفة.
أما إذا كانت إحداهما عمدا والأخرى خطأ،
وقلنا بالتداخل عند الاتفاق، فهنا وجهان :
أحدهما التداخل أيضا.
وأصحهما: لا، لاختلافهما. (١)
والحنابلة يقولون: التداخل في القصاص في
إحدى الروايتين عن أحمد فيما لوجرح رجل
رجلا، ثم قتله قبل اندمال جرحه، واختار الولي
القصاص، فعلى هذه الرواية ليس للولي إلا
ضرب عنقه بالسيف. لقوله وَ له: ((لا قَوَد إلا
بالسيف))، (٢) وليس له جرحه أو قطع طرفه،
لأن القصاص أحد بدلي النفس، فدخل الطرف
في حكم الجملة كالدية .
والرواية الثانية: أن للولي أن يفعل بالجاني
مثلما فعل، لقوله تعالى: ﴿وإنْ عاقبتم فَعَاقِبُوا
بِمِثْلِ ماعُوِقَبْتُم به﴾(٣)
أما إذا عفا الولي عن القصاص، أو صار
الأمر إلى الدية لكون الفعل خطأ أو شبه عمد،
فالواجب حينئذ دية واحدة، لأنه قتل قبل
استقرار الجرح، فدخل أرش الجراحة في أرش
النفس(٤) والتفصيل في مصطلح: (جناية).
(١) روضة الطالبين ٩/ ٣٠٧ط. المكتب الإسلامي.
(٢) حديث: ((لا قود إلا بالسيف)) أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨٨٩
- ط. الحلبي) وقال ابن حجر في التلخيص (٤ / ١٩ - ط
شركة الطباعة الفنية): إسناده ضعيف .
(٣) سورة النحل / ١٢٦
(٤) المغني ٧/ ٦٨٥، ٦٨٦ط. الرياض.
- ٩٣ -

تداخل ١٩ - ٢٠
تاسعا : تداخل الديات :
١٩ - لا خلاف بين الفقهاء في أن الدیات قد
تتداخل، فيدخل الأدنى منها في الأعلى، ومن
ذلك دخول دية الأعضاء والمنافع في دیة النفس،
ودخول أرش الموضحة المذهبة للعقل في دية
العقل، ودخول حكومة الثدي في دية الحلمة
إلى غير ذلك من الفروع. (١) والتفصيل في
مصطلح: (دية).
عاشرا : تداخل الحدود:
٢٠ - اتفق الفقهاء على أن الحدود- کحد الزنى
والسرقة والشرب - إذا اتفقت في الجنس
والموجب أي الحد فإنها تتداخل، فمن زنی
مرارا، أوسرق مرارا، أو شرب مرارا، أقيم عليه
حدّ واحد للزنى المتكرر، وآخر للسرقة المتكررة،
وآخر للشرب المتكرر، لأن ما تكرر من هذه
الأفعال هو من جنس ماسبقه، فدخل تحته.
ومثل ذلك حدّ القذف إذا قذف شخصا
واحدا مرارا، أو قذف جماعة بكلمة واحدة، فإنه
یکتفی فیه بحد واحد اتفاقا، بخلاف ما لو
(١) ابن عابدين ٣٧٤/٥ط. المصرية، وتبيين الحقائق
١٣٥/٦ط. دار المعرفة، والفروق للقرافي ٢/ ٣٠ط. دار
المعرفة، وروضة الطالبين ٩/ ٢٨٥ و٣٠٦ - ٣٠٧ط.
المكتب الإسلامي، والمهذب ٢/ ١٩٢ ط. دار المعرفة،
والمغني ٨/ ٣٨ط الریاض.
قذف جماعة بكلمات، أو خص كل واحد منهم
بقذف.
واتفق الفقهاء أيضا على أن من زنی أوسرق
أو شرب، فأقيم علیه الحد، ثم صدر منه أحد
هذه الأفعال مرة أخرى، فإنه يحد ثانیا،
ولا يدخل تحت الفعل الذي سبقه، واتفقوا
أيضا على عدم التداخل بين هذه الأفعال عند
اختلافها في الجنس والقدر الواجب فيها، فمن
زنى وسرق وشرب حدّ لكل فعل من هذه
الأفعال، لاختلافها في الجنس والقدر الواجب
فيها، فلا تتداخل. أما إذا اتحدت في القدر
الواجب واختلفت في الجنس، كالقذف والشرب
مثلا، فلا تداخل بينها عند غير المالكية، وأما
عند المالكية فتتداخل، لاتفاقها في القدر
الواجب فيها، وهو الحد، فإن الواجب في
القذف ثمانون جلدة وفي الشرب أيضا مثله،
فإذا أقيم عليه أحدهما سقط عنه الآخر.
ولو لم يقصد عند إقامة الحد إلا واحدا فقط،
ثم ثبت أنه شرب أو قذف، فإنه يكتفى بما
ضرب له عما ثبت.
ومثل ذلك عندهم - أي المالكية - ما لوسرق
وقطع یمین آخر، فإنه یکتفی فیه بحد واحد.
وهذا كله إذا لم يكن في تلك الحدود القتل، فإن
كان فيها القتل، فإنه يكتفى به عند الحنفية
والمالكية والحنابلة، لقول ابن مسعود: ماكانت
حدود فيها قتل إلا أحاط القتل بذلك كله ،
- ٩٤ -

تداخل ٢١
ولأن المقصود الزجر وقد حصل. واستثنى
المالكية من ذلك حدّ القذف، فقد ذكروا أنه
لا يدخل في القتل، بل لا بد من استيفائه قبله.
وأما الشافعية فإنهم لا يكتفون بالقتل، ولم
يقولوا بالتداخل في هذه المسألة، بل يقدمون
الأخف ثم الأخف، فمن سرق وزنى وهو
بكر، وشرب ولزمه قتل بردة، أقيمت عليه
الحدود الواجبة فيها بتقديم الأخف ثم.
الأخف.(١)
الحادي عشر : تداخل الجزية :
٢١ - ذهب أبو حنيفة إلى أن الجزية تتداخل كما
إذا اجتمع على الذمي جزية عامين، فلا يؤخذ
منه إلا جزية عام واحد، لأن الجزية وجبت
عقوبة لله تعالى تؤخد من الذمي على وجه
الإذلال. والعقوبات الواجبة لله تعالى إذا
اجتمعت، وکانت من جنس واحد، تداخلت
(٢) الأشباه لابن نجيم / ١٣٣ط. الهلال، والاختيار ٤ / ٩٦ -
٩٧ط. دار المعرفة، وفتح القدير مع العناية ٢٠٨/٤ -
٢٠٩ ط. الأميرية. وجواهر الإكليل ٢/ ٢٩٤ط. دار
المعرفة، والخرشي ٨/ ١٠٣ ط. دار صادر، الدسوقي
٣٤٧/٤ - ٣٤٨ط. الفكر، والفروق للقرافي ٣٠/٢
الفرق السابع والخمسون ط. دار المعرفة، والأشباه
للسيوطي / ١٢٦ ط. العلمية، وروضة الطالبين
١٦٦/١٠ ط. المكتب الإسلامي، والمنثور ٢٧٠/١ -
٢٧١ ط. الأولى، وكشاف القناع ٦/ ٨٥ - ٨٦ط. النصر،
والمغني ٢١٣/٨ - ٢١٤ ط. الرياض.
كالحدود، ولأنها وجبت بدلا عن القتل في حقهم
وعن النصرة في حقنا، لكن في المستقبل لا في
الماضي، لأن القتل إنما يستوفى لحراب قائم في
الحال، لا لحراب ماض، وكذا النصرة في
المستقبل لأن الماضي وقعت الغُنْية عنه.
وذهب الشافعية والحنابلة وأبويوسف ومحمد
إلى أنها لا تتداخل، ولا تسقط بمضي المدة،
لأن مضي المدة لا تأثير له في إسقاط الواجب
کالدیون .
وأما خراج الأرض فقيل على هذا الخلاف،
وقيل لا تداخل فيه بالاتفاق. (١)
وأما المالكية فإنهم لم يصرحوا بتداخل
الجزية، ولكن يفهم التداخل من قول أبي
الوليد ابن رشد: ومن اجتمعت عليه جزية
سنین، فإن کان ذلك لفراره بها أخذت منه لما
مضى، وإن كان لعسره لم تؤخد منه،
ولا يطالب بها بعد غناه. (٢) والتفصيل في
مصطلح: (جزية).
(١) فتح القدير ٣٧٦/٤، ٣٧٧ط. الأميرية، وتبيين الحقائق
٢٧٩/٣ط. دار المعرفة، وابن عابدين ٣/ ٢٧٠ط.
بولاق، والاختيار ١٣٩/٤ط. دار المعرفة، وروضة
الطالبين ٣١٢/١٠ط. المكتب الإسلامي، والمغني
٥١٢/٨ ط. الرياض.
(٢) الدسوقي ٢٠٢/٢ط. الفكر، والحطاب ٣٨٢/٣،
وجواهر الإكليل ٢٦٧/١ط. دار المعرفة، والخرشي
١٤٥/٣، ١٤٦ط. دار صادر.
- ٩٥ -

تداخل ٢٢
الثاني عشر : تداخل العددين في حساب
المواريث :
٢٢ - العددان في حساب المواريث إما أن يكونا
متماثلين، وإما أن يكونا مختلفين. وفي حال
اختلافهما إما أن يفنى الأكثر بالأقل، وإما أن
يفنيهما عدد ثالث، وإما أن لا يفنيهما إلا واحد
لیس بعدد، بل هو مبدؤه، فهذه أربعة أقسام.
وقد وقع التداخل في القسم الثاني منها، وهوما
إذا اختلفا وفني الأكثر بالأقل عند إسقاطه من
الأکثر مرتین فأکثر منهما، فيقال حينئذ: إنهما
متداخلان، كثلاثة مع ستة أو تسعة أو خمسة
عشر، فإن الستة تفنى بإسقاط الثلاثة مرتین،
والتسعة بإسقاطها ثلاث مرات، والخمسة عشر
بإسقاطها خمس مرات، لأنها خمسها، وسميا
متداخلين لدخول الأقل في الأكثر.
وحكم الأعداد المتداخلة: أنه يكتفى فيها
بالأكبر ويجعل أصل المسألة.
أما في الأقسام الأخرى، وهي الأول والثالث
والرابع، فلا تداخل بين العددين فيها، لأن
العددين إن كانا متماثلين - كما في القسم الأول -
فإنه يكتفى بأحدهما، فيجعل أصلا للمسألة
كالثلاثة والثلاثة مخرجي الثلث والثلثين، لأن
حقيقة المتماثلين إذا سلط أحدهما على الآخر
أفناه مرة واحدة .
وإن كانا مختلفين، ولا يفنيهما إلا عدد ثالث
- وهو القسم الثالث - فهما متوافقان،
ولا تداخل بينهما أيضا، لأن الإِفناء حصل
بغيرهما، كأربعة وستة بينهما موافقة بالنصف،
لأنك إذا سلطت الأربعة على الستة يبقى منهما
اثنان، سلطهما على الأربعة مرتين تفنى بهما،
فقد حصل الإِفناء باثنين وهو عدد غير الأربعة
والستة، فهما متوافقان بجزء الاثنين وهو
النصف. وحكم المتوافقين: أن تضرب وفق
.أحدهما في كامل الآخر، والحاصل أصل
المسألة. وإن كانا مختلفين لا يفنى أكثرهما بأقلهما
ولا بعدد ثالث، بأن لم یفنهما إلا الواحد كما في
القسم الرابع فهما متباينان، ولا تداخل بينهما
أيضا كثلاثة وأربعة، لأنك إذا أسقطت الثلاثة
من الأربعة يبقى واحد، فإذا سلطته على
الثلاثة فنيت به. وحكم المتباینین أنك تضرب
أحد العددين في الآخر. (١) والتفصيل في باب
حساب الفرائض، وينظر مصطلح: (إرث).
(١) الاختيار ١٢٢/٥ - ١٢٤ ط. دار المعرفة، وتبيين الحقائق
٢٤٥/٦ ط. دار المعرفة، والزرقاني ٨/ ٢٢٠. ط الفكر،
والدسوقي ٤ /٤٧٦ وما بعدها ط الفكر، وجواهر الإكليل
٣٣٤/٢، ٣٥٥ط. دار المعرفة، ومغني المحتاج ٣٣/٣ -
٣٤ط. الحلبي، ونهاية المحتاج ٣٥/٦ط المكتبة
الإِسلامية، وحاشية قليوبي ٣/ ١٥٣ - ١٥٤ ط الحلبي،
وحاشية الجمل على المنهج ٤/ ٣٥ط اليمنية، وروضة
الطالبين ٦/ ٦٩ - ٧٣ط المكتب الإسلامي، والكافي
٥٣٩/٢ط المكتب الإسلامي.
- ٩٦ -

تدارك ١ - ٢
تدارك
التعريف :
١ - التدارك: مصدر تدارك، وثلاثيه: درك،
ومصدره الدرك بمعنى : اللحاق والبلوغ. ومنه
الاستدراك.
وللاستدراك في اللغة استعمالان :
الأول: أن يستدرك الشيء بالشيء.
الثاني: أن يتلافى مافرط في الرأي أو الأمر من
الخطأ أو النقص. (١)
وللاستدراك في الاصطلاح معنيان أيضا :
الأول، للأصوليين والنحويين: وهو رفع
مایتوهم ثبوته، أو إثبات ما یتوهم نفيه .
· والثاني، يرد في كلام الفقهاء: وهو إصلاح
ماحصل في القول أو العمل من خلل أو قصور أو
فوات .
وقد ورد في كلام الفقهاء التعبير بالتدراك في
موضع الاستدراك، الذي هو بمعنى فعل
الشيء المتروك بعد محله، سواء أترك سهوا أم
عمدا، ومن ذلك قول الرملي: إذا سلم الإِمام
(١) لسان العرب والمعجم الوسيط مادة: ((درك)).
من صلاة الجنازة، تدارك المسبوق باقي
التكبيرات بأذكارها. (١) وقوله: لو نسي
تکبیرات صلاة العيد فتذكرها قبل ركوعه، أو
تعمد تركها بالأولى - وشرع في القراءة وإن لم يتم
فاتحته - فاتت في الجديد فلا يتداركها. (٢)
ومن ذلك أيضا ماذكره البهوتي، من أنه لو
دفن الميت قبل الغسل، وقد أمكن غسله، لزم
نبشه، وأن يخرج ويغسل، تداركا لواجب
غسله . (٣)
وعلى هذا يمكن تعريف التدارك في
الاصطلاح الفقهي بأنه: فعل العبادة، أو فعل
جزئها إذا ترك المكلف فعل ذلك في محله المقرر
شرعا مالم يفت.
وبالتتبع وجدنا الفقهاء لا يطلقون التدارك
إلا على ماكان استدراكا في العبادة.
الألفاظ ذات الصلة :
٢ - منها القضاء والإِعادة والاستدراك، وكذلك
الإصلاح في اصطلاح المالكية وقد سبق بيان
معانيها، والتفريق بينها وبين التدارك في
مصطلح (استدراك).
(١) نهاية المحتاج ٢/ ٤٧٣ ط مصطفى الحلبي.
(٢) نهاية المحتاج ٣٧٩/٢
(٣) كشاف القناع ٨٦/٢
- ٩٧ -

٠
تدارك ٣ - ٤
الحكم التكليفي :
٣ - الأصل أن تدارك ركن العبادة المفروضة
قرض، وذلك إن فات الركن لعذر - كنسيان أو
جهل - مع القدرة عليه، أو فعل على وجه غير
مجزىء .
ولا يحصل الثواب المرتب على الركن مع
تركه، لعدم الامتثال. ولا تصح العبادة إلا
بالتدارك .
فإن لم يتدراك الركن في الوقت الذي يمكن
تداركه فيه فسدت العبادة، ووجب الاستدراك
باستئناف العبادة أو قضائها، بحسب اختلاف
الأحوال.
وأما تدارك الواجبات والسنن ففيه تفصيل.
ويتضح ذلك من الأمثلة المختلفة، وبها يتبين
الحكم .
التدارك في الوضوء:
أ - التدارك في أركان الوضوء:
٤ - أركان الوضوء يتحتم الإِتيان بها، فإن تَرَكَ
غسل عضومن الثلاثة أو جزءاً منه، أو ترك مسح
الرأس، فإنه لابد من تداركه، بالإِتيان بالفائت
من غسل أومسح ثم الإِتيان بها بعده، فمن
نسي غسل اليدين، وتذكره بعد غسل
الرجلين، لم يصح وضوؤه حتى يعيد غسل
الیدین ویمسح برأسه ويغسل رجليه.
وهذا على قول من يجعل الترتيب فرضا في
الوضوء، وهم الشافعية، وعلى القول المقدم
عند الحنابلة .
أما من أجازوا الوضوء دون ترتيب، وهم
الحنفية والمالكية، فيجزىء عندهم التدارك
بغسل المتروك وحده. وإعادة ما بعده مستحب،
ولیس واجبا .
ولو ترك غسل اليمنى من اليدين أو
الرجلين، وتذكره بعد غسل اليسرى، أجزأه
غسل اليمنى فقط، ولا يلزمه غسل اليسرى
اتفاقا، لأنهما بمنزلة عضو واحد ..
وإنما يجزىء التدارك بالإِتيان بالفائت
وما بعده، أو بالفائت وحده - على القولين
المذكورين - إن لم تفت الموالاة عند من أوجبها،
فإن طال الفصل، وفاتت الموالاة، فلابد من
إعادة الوضوء كله. أما من لم يوجب الموالاة -
وذلك مذهب الحنفية والشافعية - فإنه يجزیء
عندهم التدارك بغسل الفائت وحده. (١)
وفي المسألة تفصيلات يرجع إليها في
(وضوء).
(١) ابن عابدين ٨٣/١، والدسوقي على الشرح الكبير
٩٩/١، ونهاية المحتاج ١٧٨/١ ط مصطفى الحلبي،
وكشاف القناع ١٠٤/١
- ٩٨ -

تدارك ٥ - ٦
ب - التدارك في واجبات الوضوء:
٥ - لیس للوضوء ولا للغسل واجبات عند بعض
الفقهاء. (١)
ومن واجبات الوضوء عند الحنابلة مثلا
التسمية في أوله - وليست ركنا في الوضوء عندهم
- قالوا: وتسقط لوتركها سهوا. وإن ذكرها في
أثناء الوضوء سمّى وبنى، أي فلا يلزمه
الاستئناف. قالوا: لأنه لما عفي عنها مع السهو
في جملة الطهارة، ففي بعضها أولى. وهو
المذهب خلافا لما صححه في الإِنصاف. (٢)
جـ - التدارك في سنن الوضوء :
٦ - أما سنن الوضوء فقد صرح المالكية
والشافعية والحنابلة بعدم مشروعية تدارکها إذا
فات محلها .
فيرى المالكية أن سنة الوضوء يطالب
بإعادتها لو نکسها سهوا أو عمدا، طال الوقت أو
قصر. (٣) أما لو ترکها بالکلیة عمدا أو سهوا ۔
وذلك منحصر عندهم في المضمضة والاستنشاق
ومسح الأذنین - قال الدردير: يفعلها استنانا
دون مابعدها طال الترك أو لا . وإنما لم تجب
إعادة ما بعده لندب ترتيب السنن في نفسها، أو
(١) الدر المختار بهامش ابن عابدين ١/ ٧٠، والشرح الكبير
للدردير ٩٦/١ حيث لم يذكر واجبات للوضوء.
(٢) كشاف القناع ١/ ٩١
(٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/ ٩٩
مع الفرائض. والمندوب - كما قال الدسوقي - إذا
فات لا يؤمر بفعله لعدم التشديد فیه، وإنما
يتداركها لما يستقبل من الصلوات، لا إن أراد
مجرد البقاء على طهارة، إلا أن يكون بالقرب،
أي بحضرة الماء وقبل فراغه من الوضوء. (١)
وكذلك عند الشافعية: لوقدم مؤخرا، كأن
استنشق قبل المضمضة - وهما عندهم سنّان -
قال الرملي : يحتسب ما بدأ به، وفات ما كان
محله قبله على الأصح في الروضة، خلافا لما في
المجموع، أي فلا يتدارکه بعد ذلك، وهذا
قولهم في سنن الوضوء بصفة عامة، فيحسب
منها ما أوقعه أولا ، فكأنه ترك غيره، فلا يعتد
بفعله بعد ذلك. (٢)
لكن في التسمية في أول الوضوء - وهي سنة
عندهم - قالوا: إن تركها عمدا أو سهوا (أو في
أول طعام أو شراب كذلك) يأتي بها في أثنائه
تداركا لما فاته، فيقول: بسم الله أوله وآخره،
ولا يأتي بها بعد فراغه من الوضوء، بخلاف
الأكل، فإنه يأتي بها بعده. (٣)
وشبیه بهذا ما عند الحنفية. حيث قالوا: لو
نسيها، فسمّى في خلال الوضوء لا تحصل
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١/ ١٠٠
(٢) نهاية المحتاج ١/ ١٧١
(٣) نهاية المحتاج ١٦٩/١
- ٩٩ -

تدارك ٧ - ٨
السنة، بل المندوب، (١) فيأتي بها لئلا يخلو
وضوؤه منها .
وأما في الطعام فتحصل السنة في باقيه. وهل
تكون التسمية أثناءه استدراکا لما فات،
فتحصل فیه، أم لا تحصل؟
قال شارح المنية: الأولى أنها استدراك،
لقول النبي وسلم: ((إذا أكل أحدكم فليذكر
اسمَ الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسمَ اللّه في
أوله فليقل: بسم الله أوله وآخره)).(٢) وقال ابن
عابدين: إذا قال في الوضوء بسم الله أوله
وآخره، حصل استدراك السنة أيضا، بدلالة
النص.(٣)
٧ - أما المضمضة والاستنشاق في الوضوء عند
الحنابلة ففعلهما فرض، لأن الفم والأنف من
أجزاء الوجه، وليسا من سنن الوضوء، ولذا فلا
يجب الترتيب فيما بينهما. ويجب أن يتدارك
(١) السنة عند الحنفية: هي التي واظب عليها النبي مميز مع
الترك بلا عذر مرة أو مرتين، وحكمها الثواب، وفي تركها
العتاب لا العقاب. وأما المندوب عندهم: فهو ما فعله
النبي * مرة أو مرتين ولم يواظب عليه. وحكمه الثواب
بفعله وعدم اللوم على تركه. (مراقي الفلاح بحاشية
الطحطاوي ص٤٢)
(٢) حديث: ((إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى ... ))
أخرجه أبوداود (٤ / ١٤٠ - ط عزت عبيد دعاس) والترمذي
(٢٨٨/٤ ط الحلبي) من حديث عائشة رضي الله عنها،
وصححه الحاكم (١٠٨/٤ ط دائرة المعارف العثمانية)
ووافقه الذهبي .
(٣) رد المحتار ٧٤/١ و٧٥
المضمضة بعد الاستنشاق، أو بعد غسل
الوجه، وحتى بعد غسل سائر الأعضاء، (١) إلا
أنه إن تذکرهما بعد غسل الیدین تدارکھما وغسل
مابعدهما كما تقدم.
التدارك في الغسل :
٨ - الترتيب والموالاة في الغسل غير واجبين عند
جمهور الفقهاء.
وقال الليث: لابد من الموالاة. واختلف فيه
عن الإِمام مالك، والمقدم عند أصحابه:
وجوب الموالاة، وفيه وجه لأصحاب الإِمام
الشافعي .
فعلى قول الجمهور: إذا توضأ مع الغسل لم
يلزم الترتيب بين أعضاء الوضوء.
من أجل ذلك فإنه لو ترك غسل عضو أو لمعة
من عضو، سواء أكان في أعضاء الوضوء أم في
غيرها، تدارك المتر وك وحده بعد، طال الوقت
أو قصر، ولو غسل بدنه إلا أعضاء الوضوء
تداركها، ولم يجب الترتيب بينها. (٢)
ومن أجل ذلك قال الشافعية: لوترك
الوضوء في الغسل، أو المضمضة أو الاستنشاق
کړه له، ويستحب له أن يأتي به ولو طال الفصل
(١) كشاف القناع ١/ ٩٣، ٩٤
(٢) شرح منية المصلي ص ٥٠، وحاشية الدسوقي ١/ ١٣٣،
والمغني ١/ ٢٢٠، وكشاف القناع ٥٣/١
- ١٠٠ -