النص المفهرس
صفحات 161-180
تجسس ١ - ٤ تجسس التعريف : ١ - التجسس لغة: تتبع الأخبار، يقال: جس الأخبار وتجسسها: إذا تتبعها، ومنه الجاسوس، لأنه يتتبع الأخبار ویفحص عن بواطن الأمور، ثم استعير لنظر العين. (١) ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي . الألفاظ ذات الصلة : أ - التحسس : ٢ - التحسس هو: طلب الخبر، يقال: رجل حسّاس للأخبار أي: كثير العلم بها، وأصل الإِحساس: الإِبصار، ومنه قوله تعالى: ﴿هل تُجِسُ منهم مِنْ أَحَدٍ﴾(٢) أي: هل ترى، ثم استعمل في الوجدان والعلم بأي حاسة كانت، (١) المصباح المنير . (٢) سورة مريم / ٩٨ وقد قرىء قوله تعالى: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾(١) بالحاء ((ولا تحسسوا)) قال الزمخشري: والمعنيان متقاربان، وقيل: إن التجسس غالبا يطلق على الشر، وأما التحسس فيكون غالبا في الخير. (٢) ب - الترصد : ٣ - الترصد: القعود على الطريق، ومنه الرصدي : الذي يقعد على الطريق ينظر الناس ليأخذ شيئا من أموالهم ظلما وعدوانا. (٣) فيجتمع التجسس والترصد في أن كلا منهما تتبع أخبار الناس، غير أن التجسس يكون بالتتبع والسعي لتحصيل الأخبار ولو بالسماع أو الانتقال، أما الترصّد فهو العقود والانتظار والترقب. التنصت : ٤ - التنصت هو: التسمع. يقال: أنصت إنصاتا أي : استمع، ونصت له أي : سكت مستمعا، فهو أعم من التجسس، لأن التنصت يكون سرا وعلانية . (٤) (١) سورة الحجرات / ١٢ (٢) المصباح المنير، وتفسير الزمخشري ٣/ ٥٠١٨ (٣) المصباح المنير . (٤) المصباح المنير . - ١٦١ - تجسس ٥ -٦ حكم التجسس التكليفي : ٥ - التجسس تعتريه أحكام ثلاثة: الحرمة والوجوب والإِباحة . فالتجسس على المسلمين في الأصل حرام منهي عنه، لقوله تعالى: ﴿ولا تجسسوا﴾ لأن فيه تتبع عورات المسلمين ومعايبهم والاستكشاف عما ستروه. وقد قال السيد: ((يا معشر مَنْ آمن بلسانه ولم يدخل الإِيمانُ إلی قلبه لا تتبعوا عوراتٍ المسلمين. فإِن من تتبعَ عوراتٍ المسلمين تتبع الله عورته حتی یفضحه ولو في جوف بیته)).(١) قال ابن وهب: والستر واجب إلا عن الإِمام والوالي وأحد الشهود الأربعة في الزنى . وقد یکون التجسس واجبا، فقد نقل عن ابن الماجشون أنه قال: اللصوص وقطاع الطريق أرى أن يطلبوا في مظانهم ويعان عليهم حتى يقتلوا أوينفوا من الأرض بالهرب. (٢) وطلبهم لا يكون إلا بالتجسس عليهم وتتبع أخبارهم . ويباح في الحرب بين المسلمين وغيرهم بعث الجواسيس لتعرف أخبار جيش الكفارمن عدد وعتاد وأین یقیمون وما إلى ذلك. (١) تفسير الكشاف ٥٦٨/٣، وحديث: ((يامعشر من آمن بلسانه ... )) أخرجه الترمذي (٢٧٨/٤ - ط الحلبي) وقال: حسن غريب. (٢) تبصرة الحكام ٢/ ١٧١ وكذلك يباح التجسس إذا رفع إلى الحاكم أن في بیت فلان خمرا، فإِن شهد على ذلك شهود کشف عن حال صاحب البيت، فإِن کان مشهورا بما شهد علیه أخذ، وإن كان مستورا فلا يكشف عنه. وقد سئل الإِمام مالك عن الشرطي یأتیه رجل يدعوه إلى ناس في بیت اجتمعوا فیه علی شراب، فقال: إن کان في بيت لا یعلم ذلك منه فلا یتتبعه، وإن كان معلوما بذلك يتتبعه. وللمحتسب أن یکشف على مرتكبي المعاصي، لأن قاعدة ولاية الحسبة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (١) التجسس على المسلمين في الحرب : ٦ - الجاسوس على المسلمين إما أن يكون مسلما أو ذميا أو من أهل الحرب، وقد أجاب أبويوسف عن سؤال هارون الرشيد فيما يتعلق بالحكم فيهم فقال: وسألتَ يا أمير المؤمنين عن الجواسيس يوجودون وهم من أهل الذمة أو أهل الحرب أومن المسلمين. فإِن كانوا من أهل الحرب أومن أهلم الذمة ممن يؤدي الجزية من اليهود والنصارى والمجوس فاضرب أعناقهم، وإن كانوا من أهل الإِسلام معروفين فأوجعهم عقوبة، وأطل حبسهم حتى يحدثوا توبة . (٢) : (١) المصدر السابق . (٢) اخراج لأبي يوسف ٢٠٥ - ٢٠٦ - ١٦٢ - تجسس ٦ وقال الإِمام محمد بن الحسن: وإذا وجد المسلمون رجلا - ممن يدعى الإِسلام - عينا للمشركين على المسلمين يكتب إليهم بعوراتهم فأقر بذلك طوعا فإِنه لا يقتل، ولكن الإِمام یوجعه عقوبة. ثم قال: إن مثله لا یکون مسلما حقيقة، ولكن لا يقتل لأنه لم يترك مابه حكم بإسلامه فلا يخرج عن الإِسلام في الظاهر مالم يترك مابه دخل في الإِسلام، ولأنه إنما حمله على مافعل الطمع، لا خبث الاعتقاد، وهذا أحسن الوجهین، وبه أمرنا.قال الله تعالى: ﴿الذين يستمعون القولَ فيتَّبعون أَحْسَنَهِ﴾(١) واستدل عليه بحديث حاطب بن أبي بلتعة، فإِنه كتب إلى قريش: أن رسول الله ◌َ ل # يغزوكم فخذوا حذركم، فأراد عمر رضي الله عنه قتله، فقال الرسول لغمر: ((مهلا يا عمر! فلعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ماشئتم فقد غفرتُ لكم،))(٢) فلو كان بهذا كافرا مستوجبا للقتل ماتركه الرسول پ*، بدریا کان أو غير بدري، وكذلك لولزمه القتل بهذا حدًا ماتركه الرسول و # وفيه نزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تَتَّخِذُوا عدوي وعدوَّكم أولياء﴾(٣) فقد سماه مؤمنا، وعليه دلت قصة (١) سورة الزمر / ١٨ (٢) حديث حاطب بن أبي بلتعة أخرجه البخاري (١٤٣/٦ - الفتح ط السلفية) ومسلم (١٩٤١/٤ - ط الحلبي). (٣) سورة الممتحنة / ١ أبي لبابة حين استشاره بنو قريظة، فَأَمَرّ أصبعه على حلقه يخبرهم أنهم لونزلوا على حكم رسول الله ﴾ قتلهم، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تُخُونُوا اللّه والرسولَ﴾.(١) وكذلك لو فعل هذا ذمي فإنه يوجع عقوبة ويستودع السجن، ولا يكون هذا نقضا منه للعهد، لأنه لو فعله مسلم لم يكن به ناقضاً أمانه فإِذا فعله ذمي لا يكون ناقضا أمانه أيضا. ألا ترى أنه لو قطع الطريق فقتل وأخذ المال لم يكن به ناقضا للعهد، وإن كان قطع الطريق محاربة لله ورسوله بالنص فهذا أولى . وكذلك لو فعله مستأمن فإِنه لا يصير ناقضا لأمانه بمنزلة مالو قطع الطريق، إلا أنه يوجع عقوبة في جميع ذلك لأنه ارتكب مالا يحل له وقصد بفعله إلحاق الضرر بالمسلمين . فإن كان حين طلب الأمان قال له المسلمون: آمنّاك إن لم تكن عينا للمشركين على المسلمين، أو آمنّاك على أنك إن أخبرت أهل الحرب بعورة المسلمين فلا أمان لك - والمسألة بحالها - فلا بأس بقتله، لأن المعلق بالشرط يكون معدوما قبل وجود الشرط، فقد علق أمانه ههنا بشرط ألا يكون عينا، فإِن ظهر أنه عين كان حربيا لا أمان له فلا بأس بقتله. (١) سورة الأنفال / ٢٧ - ١٦٣ - تجسس ٦ - ٧ وإن رأى الإمام أن يصلبه حتى يعتبر به غيره فلا بأس بذلك، وإن رأی أن يجعله فيئا فلا بأس به أيضا كغيره من الأسراء، إلا أن الأولى أن يقتله ههنا ليعتبر غيره. فإِن كان مكان الرجل امرأة فلا بأس بقتلها أيضا، لأنها قصدت إلحاق الضرر بالمسلمين، ولا بأس بقتل الحربية في هذه الحالة، كما إذا قاتلت، إلا أنه يكره صلبها لأنها عورة وستر العورة أولى . وإن وجدوا غلاما لم يبلغ، بهذه الصفة، فإِنه يجعل فيئا ولا يقتل، لأنه غير مخاطب، فلا یکون فعله خیانة يستوجب القتل بها، بخلاف المرأة. وهو نظير الصبي إذا قاتل فأخذ أسيرا لم يجز قتله بعد ذلك، بخلاف المرأة إذا قاتلت فأخذت أسيرة فإنه يجوز قتلها . ٠ والشیخ الذي لا قتال عنده ولكنه صحيح العقل بمنزلة المرأة في ذلك لكونه مخاطبا. وإن جحد المستأمن أن يكون فعل ذلك، وقال: الكتاب الذي وجدوه معه إنما وجده في الطريق وأخذه، فليس ينبغي للمسلمين أن يقتلوه من غير حجة، لأنه آمن باعتبار الظاهر، فما لم يثبت عليه ما ينفي أمانه كان حرام القتل. فإِن هددوه بضرب أو قيد أو حبس حتى أقر بأنه عين فإِقراره هذا ليس بشيء، لأنه مكره، وإقرار المكره باطل سواء أكان الإِكراه بالحبس أم بالقتل، ولا يظهر كونه عينا إلا بأن يقّربه عن طوع، أو شهد عليه شاهدان بذلك، ويقبل عليه بذلك شهادة أهل الذمة وأهل الحرب، لأنه حربي فينا وإن كان مستأمنا، وشهادة أهل الحرب حجة على الحربي . وإن وجد الإِمام مع مسلم أوذمي أومستأمن کتابا فیه خطه وهو معروف، إلی ملك أهل الحرب يخبر فيه بعورات المسلمين فإِن الإِمام يحبسه، ولا يضربه بهذا القدر، لأن الكتاب محتمل فلعله مفتعل، والخط يشبه الخط، (١) فلا يكون له أن يضربه بمثل هذا المحتمل، ولكن يحبسه نظرا للمسلمين حتى يتبين له أمره: فإِن لم یتبین خلی سبیله، ورد المستأمن إلى دار الحرب، ولم يدعه ليقيم بعد هذا في دار الإِسلام يوما واحدا، لأن الريبة في أمره قد تمكنت وتطهير دار الإِسلام من مثله من باب إماطة الأذی فهو أولی. (٢) ٧ - مذهب المالكية: أن الجاسوس المستأمن يقتل، وقال سحنون في المسلم یکتب لأهل الحرب بأخبار المسلمين: يقتل ولا يستتاب ولا (١) هذا ماذهب إليه الفقهاء والمتقدمون، لأنه لم یکن لديهم وسائل تميز الخطوط. ومعرفة خواص كل خط فاحتاطوا. أما وقد كشف العلم في زماننا أن لخط كل شخص خاصية تميزه بها عن سائر الخطوط، فإن الخط يمكن الآن الاعتماد عليه واعتباره قرينة، يقضى بموجبها. وكذلك بصمة الأصبع، ونحوها مما تثبت قطعية دلالته (٢) السير الكبير ٥/ ٢٠٤٠ - ٢٤٤ ط شركة الإعلانات. - ١٦٤ - ٠ تجسس ٧ - ٩ دية لورثته كالمحارب. وقيل يجلد نكالا ويطال حبسه وينفى من الموضع الذي كان فيه، وقيل: يقتل إلا أن يتوب، وقيل: إلا أن يعذر بجهل. وقيل: يقتل إن كان معتادا لذلك، وإن كانت فلتة ضرب ونكل . (١) وقد جاء في القرطبي في تفسير قوله تعالی : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوّكم أولياء﴾(٢) مايأتي : من كثر تطلعه على عورات المسلمين وينبه علیهم ویعرف عددهم بأخبارهم لم یکن کافرا بذلك، إذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده علی ذلك سلیم، کما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ینو الردة عن الدین. وإذا قلنا: لا يكون بذلك كافرا فهل يقتل بذلك حدا أم لا؟ اختلف الناس فيه، فقال مالك وابن القاسم وأشهب: يجتهد في ذلك الإِمام. وقال عبدالملك: إذا كانت عادته ذلك قتل لأنه جاسوس. وقد قال مالك: يقتل الجاسوس - وهو صحیح - لإضراره بالمسلمین وسعيه بالفساد في الأرض، ولعل ابن الماجشون إنما اتخذ التكرار في هذا لأن حاطبا أخذ في أول فعله. فإِن كان الجاسوس كافرا، فقال الأوزاعي : يكون نقضا لعهده، وقال أصبغ : الجاسوس الحربي يقتل، والجاسوس المسلم والذمي (١) تبصرة الحكام ٢/ ١٧٧ - ١٧٨ (٢) سورة الممتحنة / ١ يعاقبان إلا إن تظاهرا على الإِسلام فيقتلان، وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي ◌َ ﴾ ((أتي بعين للمشركين اسمه فرات ابن حيان فأمر به أن يقتل، فصاح: يا معشر الأنصار أقتل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول اللّه فأمر به النبي وَ﴾ وخلى سبیلہ. ثم قال: إن منكم من أکِلُه إلى إيمانه، منهم فرات ابن حيان. ))(١) ٨ - ومذهب الشافعي وطائفة : أن الجاسوس المسلم یعزرولا يجوز قتله. وإن کان ذا هيئة (أي ماض كريم في خدمة الإِسلام) عفي عنه لحديث حاطب، وعندهم أنه لا ينتقض عهد الذمي بالدلالة على عورات المسلمين، ولو شرط عليهم في عهد الأمان ذلك في الأصح، وفي غيره ينتقض بالشرط. (٢) ٩ - وعند الحنابلة: أنه ينتقض عهد أهل الذمة بأشياء ومنها: تجسس أو آوى جاسوسا، لما فيه من الضرر على المسلمين. (٣) (١) تفسير القرطبي ١٨/ ٥٣،٥٢، وحديث علي بن أبي طالب في فرات بن حيان. أخرجه أبوداود (١١١/٣ - ط عزت عبيد دعاس) والحاكم (١١٥/٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي . (٢) عمدة القاري ١٤/ ٢٥٦ ط المنيرية، وشرح المنهج بحاشية البجيرمي ٤/ ٢٨١، والقليوبي ٢٢٦/٤، والشرقاوي على التحرير ٤١٢/٢ (٣) شرح منتهى الإرادات ١٣٨/٢ - ١٣٩ - ١٦٥ - تجسس ١٠ - ١١ ومما تقدم يتبين أن الجاسوس الحربي مباح الدم يقتل على أي حال عند الجميع، أما الذمي والمستأمن فقال أبويوسف وبعض المالكية والحنابلة: إنه يقتل. وللشافعية أقوال اصحها أنه لا ينتقض عهد الذمي بالدلالة على عورات المسلمين، لأنه لا يخل بمقصود العقد. وأما الجاسوس المسلم فإِنه يعزر ولا یقتل عند أبي يوسف ومحمد وبعض المالكية والمشهور عند الشافعية، وعند الحنابلة أنه يقتل . التجسس على الكفار : ١٠ - التجسس على الكفار في الحرب لمعرفة عددهم وعددهم ومامعھم من سلاح وغير ذلك مشروع، ودليل ذلك أن رسول الله وَ لخير في غزوة الخندق صلى هويا(١) من الليل، ثم التفت فقال: ((مَنْ رجلٌ يقوم فينظر لنا مافعل القوم - يشترط له النبي أن يرجع - أدخله الله الجنة)) قال راوي الحديث حذيفة: فما قام رجل، ثم صلى إلى . .. أن قال ذلك ثلاث مرات فما قام رجل من شدة الخوف وشدة البرد وشدة الجوع، فلما لم يقم أحد دعاني (أي دعا الرسول ( # حذيفة) فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني، فقال الرسول: ((ياحذيفة اذهب فادخل في القوم (١) الهوي: الساعة الممتدة من الليل (لسان العرب، مادة هوی). فانظر ماذا يفعلون، ولا تُحْدِثَنَّ شيئا حتى تأتینا))(١) قال فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله عز وجل تفعل بهم ماتفعل، لا تقر لهم قرارا ولا نارا ولا بناء، فقام أبوسفيان فقال: يامعشر قريش لینظر كل امریء مَنْ جلیسه، قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي إلى جنبي فقلت: من أنت؟ قال: أنا فلان بن فلان، ثم قال أبوسفيان: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نکره ... إلخ(٢) فهذا دليل جواز التجسس على الكفار في الحرب . تجسس الحاکم على رعيته: ١١ - سبق أن الأصل تحريم التجسس على المسلمين لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إنّ بعض الظن إثم، ولا تجسسوا﴾(٣) . ويتأكد ذلك في حق ولي الأمر لورود. نصوص خاصة تنهى أولياء الأمور عن تتبع عورات الناس، منها ما رواه معاوية أن رسول الله ولاده (١) حدیث غزوة الخندق أخرجه ابن إسحاق في سيرته، وفي إسناده انقطاع. (البداية والنهاية لابن كثير ١١٣/٤ - ١١٤ ط دار السعادة). (٢) تفسير ابن كثير ٥/ ٤٣٠ - ٤٣١ ط دار الأندلس. (٣) سورة الحجرات / ١٢ -١٦٦ - ٠ تجسس ١١ قال له: ((إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم))(١) فقال أبوالدرداء: کلمة سمعها معاوية من رسول الله ﴿﴿ نفعه الله بها. وعن أبي إمامة مرفوعا إلى النبي ◌َّو ((إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم)). (٢) ولكن للحاكم أن يتجسس على رعيته إذا كان في ترك التجسس انتهاك حرمة يفوت استدراكها، مثل أن يخبره من یثق بصدقه أن رجلا خلا برجل ليقتله، أو امرأة ليزني بها، فيجوز له في هذه الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذرا من فوات مالا يستدرك من انتهاك المحارم وارتكاب المحظورات، وهكذا لوعرف ذلك قوم من المتطوعة جازلهم الإقدام على الكشف والإِنکار. أما ماكان دون ذلك في الريبة فلا يجوز التجسس عليه ولا كشف الأستار عنه. وقد حكي أن عمر دخل على قوم يتعاقرون على (١) حديث: ((إنك إن اتبعت عورات الناس ... )) أخرجه أبو داود (١٩٩/٥ - ط عزت عبيد دعاس) وإسناده صحيح. (عون المعبود ٤٢٣/٤ - نشر دار الكتاب العربي). (٢) حديث: ((إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس ... )) أخرجه أبوداود (٥/ ٢٠٠ - ط عزت عبيد دعاس) من حديث أبي إمامة وصححه النووي كما في فيض القدير (٣٢٣/٢ - ط المكتبة التجارية). شراب ويوقدون في أخصاص فقال: نهيتكم عن المعاقرة فعاقرتم، ونهيتكم عن الإِيقاد في الأخصاص فأوقد تم. فقالوا: يا أمير المؤمنين قد نهى الله عن التجسس فتجسست، وعن الدخول بغير إذن فدخلت. فقال: هاتان بهاتين وانصرف ولم يعرض لهم. وقد اختلفت الرواية عن الإِمام أحمد فیما ستر من المنكر مع العلم به هل ينكر؟ فروى ابن منصور وعبد اللّه في المنكر يكون مغطى، مثل طنبور ومسكر وأمثاله فقال: إذا كان مغطى لا یکسر. ونقل عنه أنه یکسر. فإِن سمع أصوات الملاهي المنكرة من دار تظاهر أهلها بأصواتهم أنكره خارج الدار، ولم هجم بالدخول علیهم، ولیس علیه أن یکشف عما سواه من الباطن، وقد نقل عن مهنا الأنباري عن أحمد أنه سمع صوت طبل في جواره، فقام إليهم من مجلسه، فأرسل إليهم ونهاهم . وقال في رواية محمد بن أبي حرب في الرجل يسمع المنکر في دار بعض جیر انه قال: يأمره، فإِن لم يقبل جمع عليه الجيران ويهول عليه. وقال الجصاص عند قوله تعالى : ﴿ولا تجسسوا ﴾ نهى الله تعالى عن سوء الظن بالمسلم الذي ظاهره العدالة والستر، ثم قال: نهى الله تعالى عن التجسس، بل أمر بالستر على أهل المعاصي مالم یظهر منهم إصرار. ثم روى أن ابن - ١٦٧ - تجسس ١٢ - ١٣ مسعود قيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرا، فقال عبدالله: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به. (١) تجسس المحتسب : ١٢ - المحتسب هو من يأمر بالمعروف إذا ظهر تركه وينهى عن المنكر إذا ظهر فعله. قال تعالى: ﴿وَلْتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ويَنْهون عن المنكر﴾(٢) وهذا وإن صح من كل مسلم لكن المحتسب متعين علیه بحكم ولا یته، لكن غيره فرض علیه علی سبيل الكفاية . ومالم يظهر من المحظورات فليس للمحتسب أن يتجسس عنها ولا أن يهتك الأستار حذراً من الاستتار بها فقد قال ◌َله: ((اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عنها، فمن ألَّ فليستتر بستر الله)). (٣) فإِن غلب على الظن استتار قوم بها لأمارات دلت واثار ظهرت فذلك ضربان : (١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ٢٧٩ - ٢٨١، والماوردي ٢٥٢، وأحكام القرآن للجصاص ٤٠٧/٣، والقرطبي ٣٣١/١٦ (٢) سورة آل عمران / ١٠٤ (٣) حديث: ((اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عنها ... )) أخرجه الحاكم (٤/ ٢٤٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي. أحدهما: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها مثل أن يخبره من یثق به أن رجلا خلا بامرأة ليزني بها أو رجل ليقتله، فيجوز له في مثل هذه الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذرا من فوات مالا يستدرك من ارتكاب المحارم وفعل المحظورات. والضرب الثاني: ماخرج عن هذا الحد وقصر عن حد هذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه ولا كشف الأستار عنه(١) كما تقدم. (٢) عقاب التجسس على البيوت : ١٣ - روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي نزَل أنه قال: ((من اطّلع في بيت قوم من غیر إذنهم حل لهم أن يفقئوا عينه))(٣) وقد اختلف العلماء في تأويله، فقال (١) الأحكام السلطانية للماوردي في أحكام الحسبة ٢٤٠ ومابعدها . (٢) وما يجري الآن في الدول ومايطبق في التجسس على المفسدين ومن يظن فيهم الشر وهتك الأعراض واغتصاب الأموال ومخالفة الأنظمة الواجب اتباعها، وما يحصل في الكشف عمن يظن فيهم الاتجار في المحظورات كالخمر والحشيش بقرائن ظاهرة والغش في المعاملات وتعقب المجرمين والمخربين ليس فيه خروج عن أحكام الإِسلام في الجملة، بل هو الواجب لقطع دابر الفساد وللحفاظ على حقوق الناس ولاستتباب الأمن والطمأنينة . (٣) حديث: ((من اطلع في بيت قوم من غير إذنهم حل لهم أن يفقئوا عينه)) أخرجه مسلم (١٦٩٩/٣ - ط الحلبي). - ١٦٨ - تجسس ١٣ بعضهم: هو علی ظاهره، فیحل لمن اطلع عليه أن یفقأ عين المطلع حال الاطلاع، ولا ضمان، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة. وقال المالكية والحنفية: ليس هذا على ظاهره، فإِن فقأ فعليه الضمان، والخبر منسوخ، وكان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وإنْ عاقبتم فعاقبوا بمثل ماعوقبتم به﴾(١) ویحتمل أن یکون خرج علی وجه الوعید لا على وجه الحتم، والخبر إذا كان مخالفا لكتاب الله تعالى لا يجوز العمل به . وقد كان النبي 18 يتكلم بالكلام في الظاهر، وهو يريد شيئا آخر، كما جاء في الخبر أن عباس بن مرداس لما مدحه قال لبلال: ((قم فاقطع لسانه))(٢) وإنما أراد بذلك أن يدفع إليه شيئا ولم يرد به القطع في الحقيقة . وهذا أيضا يحتمل أن يكون ذكر فقء العين والمراد: أن يعمل به عملا حتى لا ينظر بعد ذلك في بيت غيره. وفي تبصرة الحكام: ولو نظر من كوة أو من باب ففقا عينه صاحب الدار ضمن، لأنه قادر على زجره ودفعه بالأخف، ولو قصد زجره (١) سورة النمل / ١٢٦ (٢) حديث: ((قال لبلال: قم فاقطع لسانه)) أخرجه ابن إسحاق في سيرته كما في سيرة ابن هشام (٢ /٤٩٣ - ٤٩٤ - ط الحلبي). بذلك فأصاب عينه ولم يقصد فقأها ففي ضمانه خلاف . وأما عند الحنفية: فإن لم يمكن دفع المطلع إلا بفقء عينه ففقأها لا ضمان، وإن أمكن بدون فقء عينه ففقأها فعليه الضمان . أما إذا تجسس وانصرف فليس للمطَّلَع عليه أن يفقأ عينه اتفاقا. وينظر للتفصيل: (دفع الصائل). (١) أما عقوبة المتجسس فهي التعزير، إذ ليس في ذلك حد معين، والتعزير يختلف والمرجع في تقديره إلى الإِمام (ر: تعزير). (٢) (١) تفسير القرطبي ٢١٢/١٢ - ٢١٣ ط دار الكتب، وتبصرة الحكام ٢/ ٣٠٤، والمغني ٣٢٥/٨، ١٨٩/٩ ومابعدها، وابن عابدين ٣٥٣/٥ (٢) ابن عابدين ٢٥١/٣، والزيلعي ٢٠٧/٣، ٢٠٨، وتبصرة الحكام بهامش فتح العلي المالك ٢/ ٨٠، ٣٠٨، وتحفة المحتاج ٩/ ١٧٥ - ١٨١، ومغني المحتاج ٤/ ١٩١، ١٩٢، ١٩٣، وحاشية القليوبي ٢٠٥/٤ - ٢٠٩، والمغني ٥٢/٥ و٣٢٥/٨، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٩٦،٢٩٥ - ١٦٩ - تجشؤ، تجمّل، تجمیل، تجهيز ١ - ٣ تجشؤ انظر : طعام تجمّل انظر : تزين . تجمیل انظر : تغيير . تجهيز التعريف : ١ - التجهيز لغة: تهيئة ما يحتاج إليه. يقال: جهزت المسافر: إذا هيأت له جهاز سفره. ويطلق أيضا على تجهيز العروس والميت والغُزاة، ويقال: جهزّت على الجريح - بالتثقيل - إذا أتممت عليه وأسرعت قتله، وذلك للمبالغة (ومثله أجهزت) وفعله من باب نفع، ويأتي علی وزن أفعل. (١) ولا يخرج استعمال الفقهاء عن المعنى اللغوي . الألفاظ ذات الصلة : أ - الإعداد : ٢ - الإعداد: التهيئة والإِحضار. فالتجهيز أعم من الإعداد، لأن التجهيز يشمل الإِعداد وغيره. ب - التزويد : ٣ - التزويد : مصدر زودته أعطيته زادا، فهو أخص من التجهيز. لأن التجهيز يكون بالطعام (١) المصباح، والصحاح، والمعجم الوسيط. - ١٧٠ - تجهيز ٤ - ٥ وغيره، أما التزويد فهو بإعداد الزاد أو إعطائه . (١) ٠٠ الأحكام المتعلقة بالتجهيز : ويتكلم الفقهاء في تجهيز العروس والمجاهدين والميت، على من يجب، والحكم فیه، ومقداره، وبيان ذلك فيما يأتى : تجهيز العروس : ٤ - مذهب الشافعي: عدم إجبار المرأة على الجهاز، (٢) وهو المفهوم من نصوص الحنابلة، فلا تجبر هي ولا غيرها على التجهيز، فقد جاء في منتهى الإِرادات: وتملك زوجة بعقد جميع المسمى، ولها نماء معین کدار والتصرف فيه. (٣) أما الحنفية: فقد نقل الحصكفي عن الزاهدي في القنية: أنه لوزفت الزوجة إلى الزوج بلا جهاز يليق به فله مطالبة الأب بالنقد. وزاد في البحر عن المنتقى : إلا إذا سکت طويلا فلا خصومة له. لکن في النهر عن البزازية: الصحيح أنه لا يرجع على الأب بشيء، لأن المال في النكاح غير مقصود. (٤) (١) المصباح . (٢) الجمل ٤/ ٢٦٤ (٣) منتهى الإرادات ٢/ ٢٠٧ نشر مكتبة دار العروبة. (٤) شرح الدر ٢/ ٣٦٧ ومفهوم هذا أن الأب هو الذي يجهز، لكن هذا إذا كان هو الذي قبض المهر، فإن كانت الزوجة هي التي قبضته فهي التي تطالب به على القول بوجوب الجهاز، وهو بحسب العرف والعادة . (١) وقال المالكية: إذا قبضت الحالّ من صداقها قبل بناء الزوج بها فإِنه يلزمها أن تتجهز به على العادة من حضر أوبدو، حتى لوكان العرف شراء دار لزمها ذلك، ولا يلزمها أن تتجهز بأزيد منه. ومثل حال الصداق ما إذا عجل لها المؤجل وكان نقدا. وإن تأخر القبض عن البناء لم يلزمها التجهيز سواء أكان حالا أم حل، إلا لشرط أو عرف. (أي فإنه يلزمها التجهيز للشرط أو العرف). (٢) تجهيز الغزاة : ٥ - يجب على المسلمين أن لا يعطلوا الجهاد في سبيل الله، وأن يجهزوا لذلك الغزاة بما يلزمهم من عدة وعتاد وزاد، لقول الله تعالى: ﴿وأَنْفِقُوا في سبيلِ الله ولا تُلقوا بأيديكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾(٣) وقوله عز وجل: ﴿وأعِدُّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رِباطِ الخيلِ تُرْهبون به عدوَّ اللّه وعدوَّكم، وآخرين من دونهم لا (١) في ابن عابدين في الموضع نفسه إشارة إلى هذا. (٢) حاشية الدسوقي ٣٢٢/٢ (٣) سورة البقرة / ١٩٥ - ١٧١ - تجهيز ٥ - ٦ تَعْلَمُونهم، اللهُ يَعْلَمهم، وماتُنفقوا من شيء في سبيلِ الله يُوَفَّ إليكم وأنتم لا تُظْلمون﴾(١) وتجهيز الغزاة واجب المسلمين جميعا، حكاما ومحكومين، وهو من أعظم القرب لقول النبي ﴿ *: ((من جَهَزَّ غازيا في سبيل الله فقد غزا))(٢) ومن المصادر التي يمكن تجهيز الغزاة منها : الزكاة من صنف (سبیل الله). وقد ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الغزاة يعطون من الزكاة مطلقا، ولو كانوا أغنياء. لكن المالکیة قیدوه بأن یکون المعطون ممن يجب عليهم الجهاد. وقيده الشافعية بألا تكون أسماؤهم في ديوان الجند. (٣) وذهب الحنفية إلى إن الغازي يعطى من الزكاة إذا كان من منقطعي الغزاة، وهم الذين عجزوا عن الالتحاق بجيش الإِسلام (٤) لفقرهم. (٤) (١) سورة الأنفال / ٦٠ (٢) حديث: ((من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا)) أخرجه البخاري ومسلم من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه مرفوعا (فتح الباري ٤٩/٦ ط السلفية، وصحيح مسلم ١٥٠٧/٣ ط الحلبي). (٣) وهم الآن من لهم في بيت المال رزق أي مرتب. (٤) البدائع ٢ / ٤٥، وابن عابدين ٢/ ٦١، والقرطبي= وسبب اختلافهم في هذا هو اختلافھم في تفسير قوله تعالى في مصارف الصدقات: ﴿وفي سبيل الله﴾(١) وفي ذلك تفصيل يرجع إليه في مصطلح (زكاة). تجهيز الميت : ٦ - يجب تجهيز الميت، لأن النبي ولار أمر به، ولأن سترته واجبة في الحياة، فهي واجبة كذلك بالکفن في الممات . واتفق الفقهاء على أن تجهيز الميت فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين. ونفقات التجهيز تكون من تركة الميت إن ترك مالا، وتقدم على ديونه ووصيته وإرثه، إلا أعيان التركة التي تعلق بها حق للغير، كعين الرهن والمبيع ونحوهما. فإن لم یکن له مال، وجب تجهيزه علی من تجب عليه نفقته في حال حیاته، فإن لم يوجد أحد من هؤلاء،. وجب تجهيزه في بيت مال المسلمين إن وجد، فإن لم يوجد أو كان موجودا ولم يمكن الأخذ فتجهيزه على المسلمين فرض كفاية . = ١٨٥/٨، ١٨٦، ومغني المحتاج ١١١/١، والمغني ٦٧٠/٢ (١) سورة التوبة / ٦٠ - ١٧٢ - تجهيز ٦ - تجهيل ١ - ٢ ولا يجب على الزوجة تجهيز زوجها المتوفى عنها بلا خلاف. (١) وفي وجوب تجهيز الزوج لزوجته المتوفاة، خلاف يرجع إليه مع تفصيل البحث في مصطلح: (جنائز). city (١) البدائع ٣٠٨/١، ٣٠٩، والشرح الكبير ٤١٣/١، ٤١٤، والمجموع ١٨٨/٥، ١٨٩، والمغني ٢/ ٥٢١ تجهیل التعريف : ١ - من معاني التجهيل في اللغة: النسبة إلى الجهل. يقال: جهّلت فلانا: إذا قلت: إنه جاهل. والجهل: نقيض العلم. ويكون الجهل أيضا نقيض الحلم، يقال: جهل فلان على فلان: إذا سفه عليه وأخطأ. (١) يقال:جھل فلان جهلا وجهالة، والجهالة : أن تفعل فعلا بغير علم. وفي الاصطلاح: أن لا يبين الأمين قبل موته حال مابيده للغير من وديعة، أو لقطة، أومال یتیم ونحوه، وکان یعلم أن وارثه لا يعلمها، ومات وهو على ذلك. (٢) الحكم الإجمالي : ٢ - التجهيل قد يرد على الوديعة، وهي المال الذي يوضع عند شخص ليحفظه. (٣) وهي (١) الصحاح، ولسان العرب، والمصباح المنير مادة: ((جهل)). (٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٤٩٥، والأشباه والنظائر لابن نجيم ١٠٩ ط المطبعة الحسينية المصرية. (٣) ابن عابدين ٤/ ٤٩٣، والمادة ٧٦٣ من مجلة الأحكام العدلية ص ١٤٤ - ١٧٣ - تجهيل ٣ - ٤ أمانة نزل في شأنها قول الله تبارك وتعالى : ﴿إِنَّ الله يأمرُكم أنْ تُؤَدوا الأماناتِ إلى أهلِها﴾(١) قيل نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي الداري قبل إسلامه، كان سادن الكعبة يوم الفتح، فلما دخل النبي صل# مكة أغلق عثمان باب الكعبة وامتنع من إعطاء مفتاحها، زاعما أنه لوعلم أنه رسول الله وَله مامنعه، فلوى علي رضي الله عنه يده، وأخذه منه، وفتح الباب ودخل ◌َله الكعبة. فلما خرج سأله العباس رضي الله عنه أن يعطيه المفتاح لتجتمع له السدانة مع السقاية، فأنزل الله تعالى الآية. فأمر # علیا أن یرده إلى عثمان ويعتذر إليه، فقال له: أكرهتَ وآذيتَ ثم جئتَ ترفق؟ فقال له: لقد أنزل الله في شأنك قرآنا وقرأ عليه الآية فأسلم، فجاء جبريل عليه السلام فقال: «مادام هذا البيت فإِن المفتاح والسدانة في أولاد عثمان .)(٢) ٣ - وقد جعل النبي ◌َّر السدانة في أولاده إلى يوم القيامة، حيث قال: ((خذوها خالدة تالدة (١) سورة النساء / ٥٨ (٢) سبب نزول آية ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ ذكره الواحدي في أسباب النزول (ص ٩٠ - ط الحلبي) بدون إسناد، وأسنده ابن مردويه في تفسيره كما في الدر المنثور للسيوطي (٢/ ٥٧٠ - ط دار الفكر) بإسناد ضعيف جدا . لا ينزعها منكم إلا ظالم)»(١) والمراد من الآية جميع الأمانات فيجب على من كانت عنده أمانة - ودیعة کانت أو غيرها - أن یبین أمرها حتى لا يفاجئه الموت ولم یعین صاحبها، فتضيع عليه، ويكون مسئولا عن تجهیلها . قال ابن عباس: ولم يرخص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة، أي يحبسها عن صاحبها عند طلبها . وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه كانت عنده ودائع، فلما أراد الهجرة أودعها عند أم أيمن، وأمر عليا أن يردها على أهلها. (٢) وروي عنه أنه قال: ((ليس على المستودَّع ضمان مالم يَتَعَدّ)). (٣) ٤ - وقد عظم الله تعالى أمر الأمانة تعظيما بليغا وأكده تأكیدا شديدا فقال عز وجل ﴿إِنّا عَرَضْنا (١) حديث: ((خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم)» أخرجه الطبراني في الكبير (١٢٠/١١ - ط وزارة الأوقاف العراقية) وأورده الهيثمي في المجمع (٢٨٥/٣ - ط القدسي) وفیه عبدالله بن المؤمل، وثقه ابن حبان وقال: يخطىء، ووثقه ابن معين في رواية، وضعفه جماعة. (٢) حديث: ((أن النبي ﴿ كانت عنده ودائع ... )) أخرجه ابن سعد في الطبقات الکبری (٢٢/٣ - ط دار صادر). (٣) حديث: ((ليس على المستودع ضمان مالم يتعد ... )) أخرجه الدارقطني مرفوعا بلفظ: ((ليس على المستعير غير المغل ضمان ولا على المستودع غیر المغل ضمان». وفي إسناده عمرو وعبيدة وهما ضعیفان وقال الدارقطني : إنما يروى هذا عن شريح غير مرفوع (سنن الدارقطني ٤١/٣ ط دار المحاسن، والتلخيص الحبير ٣/ ٩٧). - ١٧٤ - تجهیل ٥ - ٦ الأمانة على السمواتِ والأرضِ والجبالِ فَأَبَيْنَ أن يَحْمِلْنَها وأَشْفَقْنَ منها وحمَلَها الإِنسانُ إنه كان ظَلُوما جَهُولا﴾(١) أي بمشقتها التي لا تتناهى بها. (٢) وإذ كانت الوديعة أمانة كانت غير مضمونة بالهلاك مطلقا، مالم يكن المودع مفرطا أو متعديا، ومن التعدي التجهيل عن قصد. (٣) قال في البزازية: والمودع إنما يضمن بالتجهيل إذا لم يعرف الوارث الوديعة . أما إذا علم الوارث الوديعة، والمودع يعلم أن الوارث يعلم، ومات ولم يبين لم يضمن. ولو قال الوارث: أنا علمتها، وأنكر الطالب علم الوارث بها لتصیر مضمونة بالتجھیل ینظر، إن فسرها الوارث وقال: هي كذا وكذا، وهلکت صدق. ومعنى ضمانها صيرورتها دينا في تركته . (٤) ٥ - وفي حاشية ابن عابدين: قال في مجمع الفتاوى: المودع والمضارب والمستعير والمستبضع وکل من کان المال بيده أمانة إذا مات قبل (١) سورة الأحزاب / ٧٢ (٢) الزواجر عن اقتراف الكبائر للهيثمي ٢٦٦/١ ط دار المعرفة . (٣) ابن عابدين ٤٩٤/٤، والمغني لابن قدامة ٦/ ٣٨٢ - ٣٨٣ م الرياض الحديثة، وجواهر الإكليل ٢/ ١٤٠، والمهذب ٣٦٦/١ (٤) الأشباه والنظائر لابن نجيم ١٠٩. البيان، ولم تعرف الأمانة بعينها، فإِن المال يكون دينا عليه في تركته، لأنه صار مستلهكا للوديعة بالتجهیل. ومعنی موته مجهلا : أن لا یبین حال الأمانة كما في الأشباه . وقد سئل الشيخ عمر بن نجيم عما لوقال المريض: عندي ورقة في الحانوت لفلان ضمنها دارهم لا أعرف قدرها، فمات ولم توجد. فأجاب: بأنه من التجهيل، لقوله في البدائع: هو أن يموت قبل البيان ولم تعرف الأمانة بعينها . ٦ - ومن الأمانات الرهن، إذا مات المرتهن مجهلا يضمن قيمة الرهن في تركته، وكذا الوکیل إذا مات مجهلا ماقبضه.(١) وقد نصت المادة ٨٠١ من المجلة على أنه : (إذا مات المستودع ووجدت الوديعة عينا في ترکته تكون أمانة في يد وارثه، فيردها لصاحبها. وأما إذا لم توجد عينا في تركته: فإِن أثبت الوارث أن المستودع قد بین حال الوديعة في حیاته، كأن قال: رددت الوديعة لصاحبها، أو قال: ضاعت بلا تعد، فلا يلزم الضمان. وكذا لوقال الوارث: نحن نعرف الوديعة، وفسرها ببیان أوصافها، ثم قال: إنها هلكت أو ضاعت بعد وفاة المستودع صدق بیمینه ولا ضمان حينئذ، وإذا مات المستودع بدون أن یبین حال الوديعة يكون مجهلا، فتؤخذ الوديعة من تركته (١) رد المحتار وحاشية ابن عابدين ٤٩٥/٤ - ٤٩٧ - ١٧٥ - تجهیل ٧ کسائر دیونه،وكذا لو قال الوارث: نحن نعرف الوديعة بدون أن يفسرها ويصفها، لا يعتبر قوله: إنها ضاعت. وبهذه الصورة إذا لم يثبت أنها ضاعت يلزم الضمان من التركة). (١) ٧ - وقد ورد في الأشباه والنظائر لابن نجيم: الأمانات تنقلب مضمونة بالموت عن تجهيل إلا في ثلاث: الناظر إذا مات مجهلا غلات الوقف، والقاضي إذا مات مجهلا أموال اليتامى عند من أودعها، والسلطان إذا أودع بعض الغنيمة عند الغازي ثم مات ولم یبین عند من أودعها. هكذا في فتاوی قاضیخان في باب الوقف، وفي الخلاصة في باب الوديعة وذكرها الولوالجي وذكر من الصور الثلاث: أحد الشريكين المتفاوضين إذا مات ولم يبين حال المال الذي في يده، ولم يذكره للقاضي، فصار المستثنى أربعةوزاد (أي صاحب الأشباه) عليها مسائل: الأولى : الوصي إذا مات مجهلا فلا ضمان علیه کما في جامع الفصولين. الثانية: الأب إذا مات مجهلا مال ابنه ذكره فيها أيضا. الثالثة: إذا مات الوارث مجهلا ما أودع عند موته. الرابعة : إذا مات مجهلا لما ألقته الريح في بيته. الخامسة: إذا مات مجهلا لما وضعه مالکه في بیته بغیر علمه . السادسة: إذا مات الصبي مجهلا لما أودع عنده محجورا. وهذه الثلاث في تلخيص الجامع (١) مجلة الأحكام العدلية المواد ٧٧٧، ٨٠١، ٨٠٣ ص١٤٨ - ١٥٤ الكبير للخلاطي فصار المستثنى عشرة. ومعنى موته مجهلا: أن لا يبين حال الأمانة وكان يعلم أن وارثه لا يعلمها، فإِن بينها وقال في حیاته : رددتها فلا تجهيل إن برهن الوارث على مقالته، وإلا لم يقبل قوله، وإن كان يعلم أن وارثه يعلمها فلا تجهیل .(١) وعند الشافعية:إذا توفي المودع ولديه وديعة، ولم يردها لصاحبها قبل موته، ولم یوص بها، أي لم يعلم بها من يقوم بردها بعد موته من قاض أو أمين أو وارث ضمنها إن تمكن من ردها أو الإِيصاء بها ولم يفعل، بخلاف ما إذا لم يتمكن، كأن مات فجأة أوقتل غيلة أو سافربها، لعجزه عن ذلك ومحل ذلك في غير القاضي. أما القاضي إذا مات ولم يوجد مال اليتيم في تركته فلا یضمنه وإن لم یوص به، لأنه أمين الشرع، بخلاف سائر الأمناء ولعموم ولايته. ولا أثر لكتابة المودع على شيء: هذا وديعة فلان مثلا، أو في أوراقه: عندي لفلان كذا إلا إذا أقربه أو قامت به بينة أو أقر به الوارث . (٢) والمالكية كذلك في الضمان، وزادوا طول الزمن، حيث قالوا: تضمن الوديعة بموت (١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص / ١٠٩ (٢) شرح المنهج وحاشية الجمل عليه ٧٨/٤ - ٧٩، وشرح روض الطالب وأسنى المطالب ٧٧/٣ - ٧٨ نشر المكتبة الإسلامية . - ١٧٦ - تجهيل ٨، تجويد ١ المودع إذا لم يوص بها ولم توجد في تركته، فتؤخذ من تركته، لاحتمال أنه تسلفها، إلا أن يطول الزمن من يوم الإيداع لعشر سنین فلا ضمان، ويحمل على أنه ردها لربها. ومحل كون العشر السنين طوالا إذا لم تكن الوديعة ببينة مقصودة للتوثق، وإلا فلا يسقط الضمان، ولوزاد على العشرة أخذها ربها إن ثبت بكتابة عليها أنها له بخط المودع أو المودع. (١) ويرى الحنابلة: أنه إذا مات المودع وعنده وديعة ولا تتمیز من ماله فصاحبها غریم بها، فإن کان علیه دین سواها فهي والدين سواء. ٨ - هذا ولا تثبت الوديعة إلا بإقرار سابق من الميت أو ورثته أو ببینة تشهد بها، وإن وجد عليها مكتوبا وديعة لم يكن حجة عليهم، لجواز أن یکون الظرف کانت فیه ودیعة قبل هذا، أو کانت ودیعة لمورثهم عند غيره، أو كانت وديعة فابتاعها. وكذلك لو وجد في أوراق أبيه أن لفلان عندي ودیعة لم يلزمه بذلك، جواز أن یکون قد ردها ونسي الضرب على ماكتب أو غير ذلك. (٢) وتفصیل ذلك يرجع إليه في (إیضاع، رهن، عارية، مضاربة، وديعة ووقف). (١) الشرح الكبير ٤٢٥/٣ -٤٢٦، وجواهر الإكليل ١٤٢/٢ (٢) المغني لابن قدامة ٣٩٣/٦، ٣٩٤ م الرياض الحديثة. تجوید التعريف : ١ - التجويد لغة: تصيير الشيء جيدا. والجید: ضد الرديء، يقال جوّد فلان كذا : أي فعله جيدا، وجود القراءة: أي أتى بها بريئة من الرداءة في النطق . (١) واصطلاحا: إعطاء كل حرف حقه ومستحقه. والمراد بحق الحرف: الصفة الذاتية الثابتة له كالشدة والاستعلاء، والمراد بمستحق الحرف: ماينشأ عن تلك الصفات الذاتية اللازمة كالتفخيم، فإِنه ناشىء عن كل من الاستعلاء والتكرير، لأنه يكون في الحرف حال سكونه وتحريكه بالفتح والضم فقط، ولا يكون في حال الكسر. (٢) وهذا كله بعد إخراج كل حرف من مخرجه. واعتبره بعضهم غير داخل في تعريف التجويد، لأنه مطلوب لحصول أصل (١) لسان العرب، وطيبة النشر في القراءات العشر لمحمد بن محمد بن الجزري المتوفى ٨٣٣ هـ ص ٣٦ (٢) المقدمة الجزرية وشرحها لزكريا الأنصاري ولعلي القارىء ص ٢١، ونهاية القول المفيد للشيخ محمد بن مكي بن نصر ص ١١، والإتقان للسيوطي ١/ ١٠٠ - ١٧٧ - تجويد ٢ - ٤ القراءة، لكن قال الشيخ علي القاري : ولا يخفى أن إخراج الحرف من مخرجه أيضا داخل في تعریف التجويد، کما صرح به ابن الجزري في كتاب التمهيد، (١) أي لأن المعرَّف هو القراءة المجودة، وليس مطلق القراءة، وتجويد القراءة لا یکون إلا بإِخراج كل حرف من مخرجه . قال ابن الجزري : التجويد: إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها مراتبها، ورد الحرف إلى مخرجه وأصله وإلحاقه بنظيره، وتصحيح لفظه وتلطيف النطق به علی حال صيغته وکمال هيأته،من غير إسراف ولا تعسف ولا إفراط ولا تكلف. (٢) الألفاظ ذات الصلة : أ - التلاوة، والأداء، والقراءة: ٢ - التلاوة اصطلاحا: قراءة القرآن متتابعا کالأجزاء والأسداس. أما الأداء فهو: الأخذ عن الشيوخ بالسماع منهم أو القراءة بحضرتهم . وأما القراءة فهي أعم من التلاوة والأداء. (٣) ولا يخفى أن التجويد أمر زائد على هذه الألفاظ الثلاثة، فهو أخص منها جميعها . (١) شرح المقدمة الجزرية للشيخ علي القاري ص ٢١ (٢) النشر لمحمد بن محمد بن الجزري ١/ ٢١٢ (٣) شرح المقدمة الجزرية للقاضي زكريا الأنصاري، وكشاف مصطلحات الفنون ١/ ١٧١، وشرح مسلم الثبوت ١٥/٢ - ١٦ ب - الترتيل : ٣ - الترتیل لغة: مصدررتّل، يقال: رتل فلان كلامه: إذا أتبع بعضه بعضا على مكث وتفهم من غير عجل. واصطلاحا: هورعاية مخارج الحروف وحفظ الوقوف. وروي نحوه عن علي رضي الله عنه حيث قال: الترتيل تجويد الحروف ومعرفة الوقوف.(١) فالفرق بينه وبين التجويد: أن الترتيل وسيلة من وسائل التجويد، وأن التجويد يشمل ما يتصل بالصفات الذاتية للحروف، ومايلزم عن تلك الصفات، أما الترتيل فيقتصر على رعاية مخارج الحروف وضبط الوقوف لعدم الخلط بين الحروف في القراءة السريعة، ولذلك أطلق العلماء (الترتيل) على مرتبة من مراتب القراءة من حيث إتمام المخارج والمدود، وهو يأتي بعد مرتبة (التحقيق) وأدنى منهما مرتبة وسطى تسمى (التدوير) ثم (الحدر) وهو المرتبة الأخيرة. (٢) الحكم الإجمالي : ٤ - لا خلاف في أن الاشتغال بعلم التجويد فرض كفاية(٣) (١) التعريفات للجرجاني. (٢) شرح طيبة النشر ص ٣٥، وشرح الجزرية للأنصاري ص ٢٠ (٣) نهاية القول المفيد ص ٧، وشرح الجزرية للقاري ص ١٩ - ١٧٨ - ٠ تجويد ٤ أما العمل به، فقد ذهب المتقدمون من علماء القراءات والتجويد إلى أن الأخذ بجميع أصول التجويد واجب یأثم تاركه، سواء أكان متعلقا بحفظ الحروف - مما يغير مبناها أو يفسد معناها - أم تعلق بغير ذلك مما أورده العلماء في کتب التجويد، کالإدغام ونحوه. قال محمد بن الجزري في النَّشْر نقلا عن الإِمام نصر الشيرازي: حسن الأداء فرض في القراءة، ويجب على القارىء أن يتلو القرآن حق تلاوته .(١) وذهب المتأخرون إلى التفصيل بين ماهو (واجب شرعي) من مسائل التجويد، وهو مايؤدي تركه إلى تغيير المبنى أو فساد المعنى، وبين ماهو (واجب صناعي) أي أوجبه أهل ذلك العلم لتمام إتقان القراءة، وهو ماذكره العلماء في كتب التجويد من مسائل ليست كذلك، كالإِدغام والإِخفاء الخ. فهذا النوع لا یأثم تارکه عندهم. قال الشيخ علي القارى بعد بيانه أن مخارج الحروف وصفاتها ومتعلقاتها معتبرة في لغة العرب: فينبغي أن تراعى جميع قواعدهم وجوبا فيما يتغير به المبنى ويفسد المعنى، واستحبابا فيما يحسن به اللفظ ويستحسن به النطق حال الأداء. ثم قال عن اللحن الخفي الذي لا يعرفه إلا مهرة القراء: لا يتصور أن يكون فرض عين يترتب العقاب على قارئه لما فيه من حرج عظيم. (١) ولما قال محمد بن الجَزَري في منظومته في التجويد، وفي الطيبة أيضا: والَخذُ بالتجويد حتمٌ لازمُ مَنْ لم يجوِّدِ القُرآن آئِمُ قال ابنه أحمد في شرحها : ذلك واجب على من يقدر عليه، ثم قال : لأن الله تعالى أنزل به كتابه المجيد، ووصل من نبيه آلڼ متواترا بالتجويد . وكرر أحمد بن محمد بن الجزري هذا التقييد بالقدرة أكثر من مرة. (٢) ويدل لذلك الحديث الذي رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله مَّه: ((الماهرُ بالقرآنِ مع السَّفَرَةِ الكِرامِ البَرَرَةِ، والذي يقرأ القرآن ويُتَعْتِعُ فيه، وهو عليه شاقّ له أجران))(٣) وقد اعتبر ابن غازي في شرحه للجزرية(٤) (١) شرح الجزرية للشيخ علي القاري ص ٢٠، ونهاية القول المفيد ص ٢٥ (٢) شرح الطيبة لأحمد بن محمد بن الجزري المتوفى ٨٥٩ وهو ولد مصنف الجزرية والطيبة والنشر ص ٣٦ (٣) حديث: ((الماهر بالقرآن مع السفرة ... )) أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له (فتح الباري ٨/ ٦٩١ ط السلفية، وصحيح مسلم ١/ ٥٥٠ ط الحلبي). (٤) نهاية القول المفيد ص ٢٥ - ٢٦ نقلا عن شرح الجزرية لابن غازي. (١) النشر ٢١١/١ - ١٧٩ - تجوید ٤ - ٥ من الواجب الصناعي : کل ماکان من مسائل الخلاف من الوجوه المختارة لکل قارىء من القراء المشهورين، حیث یری بعضهم التفخيم ويرى غيره الترقيق في موطن واحد، فهذا لا یأثم تاركه، ولا يتصف بالفسق. وكذلك ما كان من جهة الوقف، فإنه لا يجب على القارىء الوقف على محل معین بحيث لوترکہ یأثم، ولا يحرم الوقف علی کلمة بعینها إلا إذا كانت موهمة وقَصَدها، فإِن اعتقد المعنى الموهم للكفر کفر - والعياذ بالله - کأن وقف على قوله تعالی : ﴿إن الله لا يستحي)دون قوله: ﴿أن يضرب مثلا ما﴾. أو على قوله: ﴿وما من إله﴾ دون ﴿إلا الله﴾. أما قول علماء القراءة: الوقف على هذا واجب، أولازم، أوحرام، أولا يحل، أونحو ذلك من الألفاظ الدالة على الوجوب أو التحریم فلا یراد منه ماهو مقرر عند الفقهاء، مما يثاب على فعله، ويعاقب علی ترکه، أو عكسه، بل المراد: أنه ينبغي للقارىء أن يقف عليه لمعنى يستفاد من الوقف عليه، أو لئلا يتوهم من الوصل تغيير المعنى المقصود، أولا ينبغي الوقف علیه ولا الابتداء بما بعده، لما يتوهم من تغيير المعنى أو رداءة التلفظ ونحو ذلك. وقولهم: لا يوقف على كذا، معناه: أنه لا يحسن الوقف علیه صناعة، ولیس معناه أن الوقف عليه حرام أو مكروه، بل خلاف الأولى، إلا أن تعمد قاصدا المعنى الموهم. (١) ثم تطرق ابن غازي إلى حكم تعلم التجويد بالنسبة لمريد القراءة، فقرر عدم وجوب ذلك على من أخذ القراءة على شيخ متقن، ولم يتطرق اللحن إليه، من غير معرفة علمية بمسائله، وكذلك عدم وجوب تعلمه على العربي الفصيح الذي لا يتطرق اللحن إليه، بأن كان طبعه على القراءة بالتجويد، فإِنّ تعلُّم هذين للأحكام أمر صناعي. أما من أخلّ بشيء من الأحكام المجمع عليها، أولم يكن عربيا فصيحا، فلابد في حقه من تعلم الأحكام والأخذ بمقتضاها من أفواه المشايخ. (٢) قال الإِمام الجزري في النشر: ولاشك أن الأمة كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده، كذلك هم متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة والمتصلة بالنبي وَليزر. (٣) مايتناوله التجويد من أمور : ٥ - التجويد علم من علوم القرآن، ولكنه يتميز عن غيره من تلك العلوم المتصلة بالقرآن بأنه (١) نهاية القول المفيد نقلا عن ابن غازي ص ٢٦ (٢) نهاية القول المفيد ص ٢٦ (٣) النشر الجزري ١/ ٢١٠، والإتقان للسيوطي ١٠٠/١ - ١٨٠ -