النص المفهرس
صفحات 101-120
٠٠٠
تَبْغ ١ -٥
تَبْغ
التعريف :
١ - التبغ (بتاء مفتوحة) لفظ أجنبي دخل
العربية دون تغيير، وقد أقره مجمع اللغة
العربية. وهو نبات من الفصيلة الباذنجانية
يستعمل تدخينا وسعوطا ومضغا، ومنه نوع
يزرع للزينة، وهو من أصل أمريكي، ولم يعرفه
العرب القدماء.
ومن أسمائه: الدّخان، والتُّتْن، والتنباك.
لكن الغالب إطلاق هذا الأخير على نوع
خاص من التبغ كثيف يدخن بالنارجيلة لا
باللفائف .
٢ - ومما يشبه التبغ في التدخين والإِحراق:
الطّبّاق، وهو نبات عشبي معمر من فصيلة
المركبات الأنبوبية الزهر، وهو معروف عند
العرب، خلافا للتبغ، والطباق: لفظ معرَّب.
وفي المعجم الوسيط: الطباق: الدخان،
يدخّن ورقه مفروما أو ملفوفا. (١)
(١) المعجم الوسيط (تبغ - طبق) ولسان العرب المحيط قسم
المصطلحات، وتهذيب الفروق ٢١٦/١
٣ - وقال الفقهاء عن الدخان: إنه حدث في
أواخر القرن العاشر الهجري وأوائل القرن
الحادي عشر، وأول من جلبه لأرض الروم (أي
الأتراك العثمانيين) الإِنكليز، ولأرض المغرب
ہودي زعم أنه حکیم، ثم جُلب إلى مصر،
والحجاز، والهند، وغالب بلاد الإِسلام. (١)
الأحكام المتعلقة بالتبغ :
حکم استعماله :
٤ - منذ ظهور الدخان - وهو الاسم المشهور
للتبغ - والفقهاء يختلفون في حكم استعماله،
بسبب الاختلاف في تحقق الضرر من استعماله،
وفي الأدلة التي تنطبق عليه، قياسا على غيره،
إذ لا نص في شأنه.
فقال بعضهم: إنه حرام، وقال آخرون: إنه
مباح، وقال غيرهم: إنه مكروه .
وبكل حكم من هذه الأحكام أفتى فريق من
کل مذهب، وبيان ذلك فيما يلي :
القائلون بتحريمه وأدلتهم :
٥ - ذهب إلى القول بتحريم شرب الدخان من
الحنفية: الشيخ الشرنبلالي، والمسيري،
(١) فتح العلي المالك ١ / ١٩٠،١١٨. الطبعة الأخيرة
للحلبي، وتهذيب الفروق ٢١٦/١. والدر المختار وحاشية
ابن عابدین علیه ٢٩٥/٥
- ١٠١ -
تَبْغ ٦ -٨
وصاحب الدر المنتقى، واستظهر ابن عابدين أنه
مكروه تحريما عند الشيخ عبد الرحمن العمادي .
وقال بتحريمه من المالكية: سالم
السنهوري، وإبراهيم اللقاني، ومحمد بن
عبدالكريم الفكون، وخالد بن أحمد، وابن
حمدون وغيرهم.
ومن الشافعية : نجم الدين الغزي،
والقليوبي، وابن علّان، وغيرهم.
ومن الحنابلة الشيخ أحمد البهوتي، وبعض
العلماء النجديين.
ومن هؤلاء جميعا من ألف في تحريمه
كاللقاني والقليوبي ومحمد بن عبدالكريم
الفکون، وابن علان.(١)
واستدل القائلون بالحرمة بما يأتي :
٦ - أ - أن الدخان يسكر في ابتداء تعاطيه
إسکارا سریعا بغيبة تامة، ثم لا يزال في كل مرة
ينقص شيئا فشيئا حتى يطول الأمد جدا،
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢٩٥/٥، ٢٩٦،
وتهذيب الفروق بهامش الفروق ٢١٧،٢١٦/١، وفتح
العلي المالك ١١٨/١، ١٨٩، ١٩٠، الطبعة الأخيرة
للحلبي، وبغية المسترشدين ص ٢٦٠، وحاشية القليوبي
٦٩/١، وحاشية الجمل ١/ ١٧٠، وحاشية الشرواني
٤/ ٢٣٧، ومطالب أولي النهى ٦/ ٢١٧ إلى ٢١٩،
والفواكه العديدة في المسائل المفيدة ٧٨/٢، ورسالة إرشاد
السائل إلى دلائل المسائل ص ٥٠، ٥١، من مجموعة
الرسائل السلفية في إحياء سنة خير البرية للشوكاني ط دار
الكتب العلمية .
فيصير لا يحس به، لكنه يجد نشوة وطربا أحسن
عنده من السكر. أو أن المراد بالإِسكار: مطلق
المغطي للعقل وإن لم يكن معه الشدة المطربة،
ولا ريب أنها حاصلة لمن يتعاطاه أول مرة. وهو
على هذا یکون نجسا، ويحد شاربه، ويحرم منه
القليل والكثير .
٧ - ب - إن قيل: إنه لا يسكر، فهو يحدث
تفتيرا وخدرالشاربه، فيشارك أولية الخمر في
نشوته، وقد قالت أم سلمة رضي الله تعالى
عنها: ((نهى رسول الله وَل عن كل مسكر
ومفتر))(١) قال العلماء: المفتر: مايحدث الفتور
والخدر في الأطراف وصيرورتها إلى وهن
وانكسار، ویکفي حديث أم سلمة حجة،
ودليلا على تحريمه .
ولكنه على هذا لا يكون نجسا ولا يحد
شاربه، ويحرم القليل منه كالكثير خشية الوقوع
في التأثير، إذ الغالب وقوعه بأدنى شيء منها،
وحفظ العقول من الكليات الخمس المجمع
عليها عند أهل الملل. (٢)
٨ - جـ ـ أنه يترتب على شربه الضرر في البدن
والعقل والمال، فهو يفسد القلب، ويضعف
(١) حديث: ((نهى رسول الله (خلية عن كل مسكر ومفتر ... ))
أخرجه أبوداود (٤ / ٩٠ - ط عزت عبيد دعاس) وإسناده
ضعيف (عون المعبود ٣٧٤/٣ - ط نشر دار الكتاب
العربي).
(٢) ابن عابدير ٢٩٦/٥، وتهذيب الفروق ٢١٧/١، ٢١٨،
والفواكه العديدة في المسائل المفيدة ٢ / ٨٠، ٨١
- ١٠٢ -
تَبْغ ٨ - ٩
القوى، ويغير اللون بالصفرة، ويتولد من
تكاثف دخانه في الجوف الأمراض والعلل،
كالسعال المؤدي لمرض السل، وتكراره يسود
مايتعلق به، وتتولد منه الحرارة، فتكون داء
مزمنا مهلكا، فيشمله قوله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا
أنفسَكم﴾(١) وهو يسد مجاري العروق، فيتعطل
وصول الغذاء منها إلى أعماق البدن، فیموت
مستعمله فجأة . (٢)
ثم قالوا: والأطباء مجمعون على أنه مضر،
قال الشيخ عليش: أخبر بعض مخالطي
الإِنكليز أنهم ماجلبوا الدخان لبلاد الإِسلام إلا
بعد إجماع أطبائهم على منعهم من ملازمته،
وأمرهم بالاقتصار على اليسير الذي لا يضر،
لتشريحهم رجلا مات باحتراق كبده وهو
ملازمه، فوجدوه ساریا في عروقه وعصبه،
ومسوّدا مخ عظامه، وقلبه مثل إسفنجة يابسة،
فمنعوهم من مداومته، وأمروهم ببيعه
للمسلمين لإِضرارهم ... قال الشيخ عليش:
فلو لم يكن فيه إلا هذا لكان باعثا للعقل على
اجتنابه، (٣) وقد قال رسول الله وَالقول: ((الحلال
(١) سورة النساء / ٢٩
(٢) فتح العلي المالك ١١٨/١، ١٢٣، وحاشية قليوبي
٦٩/١، والبجيرمي على الخطيب ٢٧٦/٤، والفواكه
العديدة في المسائل المفيدة ٢/ ٨١
(٣) فتح العلي المالك ١٢٢/١، والفواكه العديدة ٨١/٢
بَيْنٌ والحرام بَيْنٌ، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن
كثير من الناس، فمن اتقى الشبهاتِ استبرأ
لدینه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في
الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن
یرتع فیه)).(١)
هذا وفي المراجع الحديثة مايثبت ضرر
التدخين. (٢)
٩ ۔د۔في التدخین إسراف وتبذیر وضياع للمال،
قال الشيخ عليش: لوسئل الفقهاء - الذين
قالوا: السفه الموجب للحجر تبذير المال في
اللذات والشهوات - عن ملازم استعمال
الدخان، لما توقفوا في وجوب الحجر عليه
وسفهه، وانظر إلى مايترتب على إضاعة
الأموال فيه من التضييق على الفقراء
والمساكين، وحرمانهم من الصدقة عليهم بشيء
مما أفسده الدخان على المترفهين به، وسماحة
أنفسهم بدفعها للكفار المحاربين أعداء الدين،
(١) حديث: ((الحلال بين والحرام بين ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٤/ ٢٩٠ - ط السلفية) ومسلم (٣ /١٢١٩ - ط
الحلبي) واللفظ لمسلم.
(٢) تذكر المراجع الحديثة أن التقارير عن التدخين أثبتت
ضرره، وأنه مصدر خطر على الصحة، ويؤدي إلى مرض
السرطان، وأن نسبة المتوفين من المدخنين أعلى منها بين غير
المدخنين. انظر في هذا دائرة المعارف البريطانية ط
١٩٦٨ م مادة (TOBACCO) وكتاب التدخين
وسرطان الرئة للدكتور نبيل الطويل ص ٣٠
- ١٠٣ -
تَبْغ ١٠ - ١٣
ومنعها من الإِعانة بها على مصالح المسلمين
وسد خلة المحتاجين. (١)
١٠ - هـ ـ صدر أمر سلطاني من الخليفة العثماني
في وقته - بناء على فتاوى علماء عصره - بمنع
استعمال الدخان ومعاقبة شاربیه، وحرق ماوجد
منه. فيعتبر من وجوه تحريمه: الخروج عن
طاعة السلطان، فإِن امتثال أمره واجب في غير
ما أجمع على تحريمه، ومخالفته محرمة. (٢)
١١ - و- رائحة الدخان منتنة مؤذية، وكل
رائحة مؤذية فهي ممنوعة، والدخان أشد من
البصل والثوم في الرائحة، وقد ورد منع من
تناولهما من دخول المسجد، وفرق بين الرائحة
المنتنة والرائحة الكريهة، والبصل والثوم ريحهما
مكروه وليس منتنا، والدخان ريحه منتن. (٣)
١٢ - ز- من زعم استعماله تداويا لم يستعمله
استعمال الأدوية، وخرج به إلى حد التفكه
والتلذذ، وادعى التداوي تلبيسا وتسترا حتى
وصل به إلى أغراض باطنة من العبث واللهو
والإِسطال، ومذهب الحنفية حرمته، وعرفوا
العبث: بأنه فعل لغير غرض صحيح،
(١) فتح العلي المالك ١٢٢/١، ١٨٩، وتهذيب الفروق
٢١٧/١، ٢١٨
(٢) ابن عابدين ٢٩٦/٥، والدر المنتقى بهامش مجمع الأنهر
٥٧٢/٢، وفتح العلي المالك ١/ ١٢٠
(٣) فتح العلي المالك ١/ ١٢٠، ١٢١
والسفه: بأنه فعل لا غرض فيه أصلا،
واللعب: فعل فيه لذة. وممن صرح بحرمة
العبث في غير الصلاة صاحب كتاب
الاحتساب(١) متمسكا بقول الله سبحانه
وتعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُم أنما خلقناكم عَبَثًا﴾(٢)
وصاحب الكافي متمسكا بقول رسول الله (صالآن:
((كلُّ شيء يلهوبه الرجلُ باطلٌ إلا رمية الرجل
بقوسه، وتأدیبه فرسه، وملاعبته امرأته، فإنهن
من الحق)). (٣)
القائلون بإِباحته وأدلتهم :
١٣ - ذهب إلى القول بإباحة شرب الدخان من
الحنفية: الشيخ عبدالغني النابلسي، وقد ألف
في إباحته رسالة سماها (الصلح بين الإِخوان في
إباحة شرب الدخان) ومنهم صاحب الدر
المختار، وابن عابدين، والشيخ محمد العباسي
المهدي صاحب الفتاوى المهدية، والحموي
شارح الأشباه والنظائر.
ومن المالكية: علي الأجهوري، وله رسالة
في إباحته سماها (غاية البيان لحل شرب
(١) فتح العلي المالك ١/ ١١٩
(٢) سورة المؤمنون / ١١٥
(٣) حديث: ((كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رمية الرجل
بقوسه ... )) أخرجه أحمد (٤ / ١٤٤ - ط الميمنية) والحاكم
(٩٥/٢ - ٠ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه
الذهبي.
- ١٠٤ -
تبغ ١٤ - ١٥
مالا يغيب العقل من الدخان) ونقل فيها الإِفتاء
بحله عمن يعتمد عليه من أئمة المذاهب
الأربعة، وتابعه على الحل أكثر المتأخرين من
المالكية، ومنهم: الدسوقي، والصاوي،
والأمیر، وصاحب تهذیب الفروق.
ومن الشافعية: الحفني، والحلبي،
والرشيدي، والشبراملسي، والبابلي،
وعبد القادر بن محمد بن يحيى الحسيني الطبري
المكي، وله رسالة سماها (رفع الاشتباك عن
تناول التنباك).
ومن الحنابلة: الكرمي صاحب دليل
الطالب، وله رسالة في ذلك سماها (البرهان في
شأن شرب الدخان).
كذلك قال الشوكاني بإباحته.(١)
وقد استدل القائلون بإباحته بما يأتي :
١٤ - أ - أنه لم يثبت إسكاره ولا تخديره،
ولا إضراره (عند أصحاب هذا الرأي) وقد
عرف ذلك بعد اشتهاره، ومعرفة الناس به،
(١) ابن عابدين ٢٩٥/٥، ٢٩٦، والفتاوى المهدية ٢٩٨/٥،
والحموي على الأشباه ٩٨/١، وفتح العلي المالك
١٨٩/١، ١٩٠، وتهذيب الفروق ٢١٧/١ -٢١٩،
والدسوقي ١/ ٥٠، والشرح الصغير ١٩/١، ٣٢٣،
والشرواني على تحفة المحتاج ٣٠٩/٨، وحاشية الجمل
١/ ١٧٠، ومطالب أولي النهى ٢١٧/٦، والفواكه العديدة
في المسائل المفيدة ٢/ ٨٠، ٨١، ورسالة إرشاد السائل
للشوكاني ص ٥١،٥٠
فدعوى أنه يسكر أو يخدر غير صحيحة، فإن
الإِسكار غيبوبة العقل مع حركة الأعضاء،
والتخدير غيبوبة العقل مع فتور الأعضاء،
وكلاهما لا يحصل لشاربه. نعم من لم يعتده
يحصل له إذا شربه نوع غشیان. وهذا لا يوجب
التحريم. كذا قال الشيخ حسن الشطي
وغیره.(١)
وقال الشيخ علي الأجهوري : الفتور الذي
يحصل لمبتدىء شربه ليس من تغييب العقل في
شيء، وإن سلم أنه مما يغيب العقل فليس من
المسكر قطعا، لأن المسكر يكون معه نشوة
وفرح، والدخان لیس کذلك، وحينئذ فيجوز
استعماله لمن لا يغيب عقله، وهذا يختلف
باختلاف الأمزجة، والقلة والكثرة، فقد یغیب
عقل شخص ولا یغیب عقل آخر، وقد یغیب
من استعمال الکثیر دون القليل. (٢)
١٥ - ب - الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد
نص بالتحریم، فیکون في حد ذاته مباحا،
جريا على قواعد الشرع وعموماته، التي يندرج
تحتها حیث کان حادثا غیر موجود زمن الشارع،
ولم یوجد فیہ نص بخصوصه، ولم يرد فيه نص في
القرآن أو السنة، فهو مما عفا الله عنه، ولیس
(١) الحاشية على مطالب أولي النهى ٦/ ٢١٧، وابن عابدين
٢٩٦/٥، وتهذيب الفروق ٢١٩/١
(٢) تهذيب الفروق ٢١٧/١
- ١٠٥ -
تَبْغ ١٦ - ١٩
الاحتياط في الافتراء على الله تعالى بإثبات
الحرمة أو الكراهة اللذين لا بد هما من دليل، بل
في القول بالإِباحة التي هي الأصل، وقد توقف
النبي ◌َّ - مع أنه هو المشرع في تحريم الخمر أم
الخبائث - حتى نزل عليه النص القطعي،
فالذي ينبغي للإنسان إذا سئل عنه أن يقول هو
مباح، لكن رائحته تستكرهها الطباع، فهو
مكروه طبعا لا شرعا.(١)
١٦ - جـ ـ إن فرض إضراره لبعض الناس فهو
أمر عارض لا لذاته، ويحرم على من يضره دون
غيره، ولا يلزم تحريمه على كل أحد، فإن
العسل يضر بعض الناس، وربما أمرضهم، مع
أنه شفاء بالنص القطعي . (٢)
١٧ - د- صرف المال في المباحات على هذا
الوجه ليس بسرف، لأن الإِسراف هو التبذير،
وفسر ابن مسعود التبذير بأنه إنفاق المال في غير
حقه، فإِذا کان الإِنفاق في حقه ولو مباحا فلیس
بسرف، ودعوى أنه إسراف فهذا غير خاص
بالدخان . (٣)
(١) ابن عابدين ٢٩٦/٥، وتهذيب الفروق ٢١٧/١،
ومطالب أولي النهى ٢١٧/٦، ٢١٨، والفواكه العديدة
٨٤/٢، وحاشية الجمل ٢٤/٣
(٢) ابن عابدين ٢٩٦/٥، وتهذيب الفروق ٢١٨/١،
ورسالة إرشاد السائل للشوكاني ص ٥١،٥٠، والفواكه
العديدة ٢ / ٨٤
(٣) تهذيب الفروق ٢١٨/١، ومطالب أولي النهى ٢١٧/٦
١٨ - هـ ـ اتفق المحققون على أن تحكيم العقل.
والرأي بلا مستند شرعي باطل، إذ ليس
الصلاح بتحريمه، وإنما الصلاح والدين
المحافظة بالاتباع للأحكام الواردة بلا تغيير
ولا تبديل، وهل الطعن في أكثر الناس من أهل
الإِيمان والدين، والحكم عليهم بالفسق
والطغیان بسبب شربهم الدخان، وفي العامة من
هذه الأمة فضلا عن الخاصة، (١) صلاح أم
فساد؟
١٩ - و- حرر ابن عابدين أنه لا يجب تقليد من
أفتى بحرمة شرب الدخان، لأن فتواهم إن
کانت عن اجتهاد فاجتهادهم لیس بثابت،
لعدم توافر شروط الاجتهاد، وإن كانت عن
تقليد لمجتهد آخر، فليس بثابت كذلك لأنه لم
ينقل مايدل على ذلك، فكيف ساغ لهم الفتوى
وكيف يجب تقليدهم؟.
ثم قال: والحق في إفتاء التحليل والتحريم
في هذا الزمان التمسك بالأصلين اللذين ذكرهما
البيضاوي في الأصول، ووصفهما بأنهما نافعان
في الشرع.
الأول : أن الأصل في المنافع: الإِباحة،
والآيات الدالة على ذلك كثيرة.
الثاني: أن الأصل في المضار: التحريم والمنع
لقول النبي قال: ((لا ضرر ولا ضرار)). (٢)
(١) مطالب أولي النهى ٢١٨/٦
(٢) حديث: ((لا ضرر ولا ضرار .. )) أخرجه ابن ماجة =
- ١٠٦ -
تَبْغ ٢٠ - ٢٢
ثم قال: وبالجملة إن ثبت في هذا الدخان
إضرار صرف عن المنافع فيجوز الإِفتاء
بتحريمه، وإن لم يثبت إضراره فالأصل الحل .
مع أن الإِفتاء بحله فيه دفع الحرج عن
المسلمين، فإِن أكثرهم يبتلون بتناوله، فتحليله
أيسر من تحريمه، فإثبات حرمته أمر عسير
لا يكاد يوجد له نصير. نعم لو أضر ببعض
الطبائع فهو علیه حرام، ولو نفع ببعض وقصد
التداوي فهو مرغوب .
قال ابن عابدين: كذا أجاب الشيخ محبي
الدين أحمد بن محيي الدين بن حيدر الكردي
الجزري رحمه الله تعالى : (١)
وفي تهذيب الفروق: من عافاه الله من شربه
واستعماله بوجه من الوجوه، لا ينبغي أن يحمل
الناس على مختاره، فيدخل عليهم شغبا في
أنفسهم وحيرة في دينهم، إذ من شرط التغيير
لأمر ما أن يكون متفقا على إنكاره. (٢)
القائلون بالكراهة وأدلتهم :
٢٠ - ذهب إلى القول بكراهة شرب الدخان
من الحنفية : ابن عابدين ، وأبوالسعود ،
= (٧٨٤/٢ - ط الحلبي) وقال ابن رجب الحنبلي في جامع
العلوم والحكم ( ص ٢٨٦ - ط الحلبي) : له طرق يقوي
بعضها بعضا.
(١) تهذيب الفروق ١/ ٢٢٠، وتنقيح الفتاوى الحامدية
٣٦٥/٢، ٣٦٦
(٢) تهذيب الفروق ١/ ٢٢١
واللكنوي .
ومن المالكية: الشيخ يوسف الصفتي.
ومن الشافعية: الشرواني.
ومن الحنابلة: البهوتي، والرحيباني،
وأحمد بن محمد المنقور التميمي . (١)
واستدلوا بما يأتي :
٢١ - أ - كراهة رائحته، فيكره قياسا على
البصل النيء والثوم والكرات ونحوها .
٢٢ - ب - عدم ثبوت أدلة التحريم، فهي
تورث الشك، ولا يحرم شيء بمجرد الشك،
فيقتصر على الكراهة لما أورده القائلون
بالحرمة . (٢)
(١) ابن عابدين ٢٩٦/٥، وتهذيب الفروق ٢١٩/١،
والشرواني على تحفة المحتاج ٢٣٧/٤، ومطالب أولي
النهى ٢١٧/٦ - ٢١٩، والفواكه العديدة ٢/ ٨٠
(٢) ترى لجنة الموسوعة أن الدخان يحرم إذا ثبت ضرره لبعض.
الناس ضررا صرفا خاليا من المنافع، سواء أكان الضرر في
العقل أو البدن، أو کان شار به مضطرا إلى صرف ثمنه في
حاجاته وحاجات عياله الأساسية، فإن لم يكن كذلك فهو
مکر وه، لأن رائحته كريهة منتنة، ولأنه لا يخلو من نوع
ضرر، ولا سيما الإكثار منه، فإِن ضرره الصحي والمالي
حينئذ محقق، والقليل منه يجر إلى الكثر. وخبث رائحته
التي لا يشبهها سواها هو أهون مضاره الصحية والنفسية
والمالية التي لا تحصى، مبتدئة من دخانه الذي يزعج من
حول الشخص المدخن ويفسد هواء البيوت والأمكنة
المغلقة، إلى التهابات قصبات الرئة والسعال الشديد بفعل
التسمم البطىء الذي يحدثه في الجسم بفعل مافيه من
القطران وبالمادة السمية التي کشفها التحليل الکیماوي فيه،
المسماة (بالنيكوتين) إلى سرطان الرئة هذا المرض الشنيع
المميت الذي يقف الطب حتى اليوم تجاهه =
- ١٠٧ -
تَبْغ ٢٣ - ٢٤
حكم شرب الدخان في المساجد ومجالس القرآن
والعلم والمحافل :
٢٣ - لا يجوز شرب الدخان في المساجد باتفاق،
سواء قیل بإباحته أو كراهته أو تحریمه، قياسا
على منع أكل الثوم والبصل في المساجد، ومنع
آكلهما من دخول المساجد حتى تزول رائحة
فمه، وذلك لكراهة رائحة الثوم والبصل،
فيتأذى الملائكة والمصلون منها، ويلحق الدخان
بهما لكراهة رائحته - والمساجد إنما بنيت لعبادة
اللّه، فيجب تجنيبها المستقدرات والروائح
الكريهة - فعن جابر رضي الله تعالى عنه أن
النبي ◌ِ﴾ قال: ((من أكل البصل والثومَ
والكرات فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة
تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)» .(١) .
قال ابن عابدين: يمنع في المسجد أكل نحو
ثوم وبصل ونحوه مما له رائحة كريهة، للحديث
الصحيح في النهي عن قربان آكل الثوم والبصل
عاجزا حيران. هذا بالإضافة إلى غلاء أثمانه بسبب تركيز
=
الحكومات عليه بالضرائب الباهظة التي قد تبلغ أضعاف
قيمته الأصلية، وكانت قد وضعته أصلا بغية صرف الناس
عنه، لكن الحكومات استمرأت جباية المال من طريق
: انتشاره فنشرت بذلك آفة التدخين بين الناس وما فيها من
ضراوة لا يتمكن معها المعتاد من ترك التدخين إلا نادرا،
حتى لقد يبلغ الأمر ببعض المدخنين أن ينفق أحدهم على
التدخين مايكفي إعاشة أسرة متوسطة .
(١) حديث: ((من أكل البصل والثوم والكرات ... )) أخرجه
مسلم (٣٩٥/١ - ط الحلبي).
المسجد .- قال الإِمام العيني في شرحه على
صحيح البخاري: قلت: علة النهي أذى
الملائكة وأذى المسلمين .
قال ابن عابدين: ويلحق بما نص عليه في
الحديث: كل ماله رائحة كريهة مأكولا أو غيره.
ونقل ابن عابدين عن الطحطاوي: أن
الدخان ملحق بالبصل والثوم في هذا الحكم.
وقال الشيخ عليش المالكي : لاشك في
تحريم شرب الدخان في المساجد والمحافل لأن له
رائحة كريهة، ونقل عن مجموع الأمير في باب
الجمعة: أنه يحرم تعاطي ماله رائحة كريهة في
المسجد والمحافل.
وفي الشرواني على تحفة المحتاج: يمنع من
دخول المسجد ذو الرائحة الكريهة، كآكل
البصل والثوم، ومنه ريح الدخان المشهور
الآن. (١)
٢٤ - كذلك لا يجوز لشارب الدخان دخول
المسجد حتى تزول الرائحة من فمه، قياسا
على منع آكل الثوم والبصل من دخول المسجد
حتى تزول الرائحة. واعتبر الفقهاء أن وجود
الرائحة الكريهة، عذر في التخلف عن الجمعة
(١) ابن عابدين ٤٤٤/١، ٢٩٦/٥، ٢٩٧، وفتح العلي
المالك ١٨٩/١، ١٩١، وحاشية الشرواني على تحفة
المحتاج ٠٢٧٥/٢ ٢٧٦، وكشاف القناع ٤٩٧/١
و٢ /٣٦٥
- ١٠٨ -
تبْخ ٢٥ - ٢٨
والجماعة، إذا لم يفعل ذلك قصدا لإسقاط
الجماعة .
ولا يختص المنع بالمساجد، بل إنه يشمل
مجامع الصلاة غير المساجد، كمصلى العيد
والجنائز ونحوها من مجامع العبادات، وكذا
مجامع العلم والذكر ومجالس قراءة القرآن
ونحوها .
٢٥ - هذا مع اختلاف الفقهاء في منع من في
فمه رائحة الدخان من دخول المسجد، أو مجامع
العبادات، ومجالس القرآن، فحرمه الحنفية
والمالكية، وكرهه الشافعية والحنابلة.
كذلك اختلف الفقهاء بالنسبة للمجامع
التي ليست للصلاة أو الذكر أو قراءة القرآن .
وذلك كالولائم ومجالس القضاء.
فأفتى بإباحته في مجالس القضاء الشيخ محمد
مهدي العباسي الحنفي شيخ الأزهر ومفتي
الديار المصرية .
وقال الشيخ عليش المالكي : يحرم تعاطيه في
المحافل .
وكرهه الشافعية والحنابلة .
٢٦ - أما الأسواق ونحوها، فقد قال الإِمام
النووي: يلحق بالثوم والبصل والكرات كل
ماله رائحة كريهة من المأكولات وغيرها، وقاس
العلماء على المساجد مجامع العبادات ومجامع
العلم والذکر والولائم ونحوها.
ثم قال: ولا يلتحق بها الأسواق ونحوها. (١)
حکم بيع الدخان وزراعته :
٢٧ - كان الاختلاف بين الفقهاء بالنسبة
للدخان هو في بیان حکم شربه، هل هو حرام أو
مباح أو مكروه، وكان التعرض لبيان حكم بيعه
أو زراعته قليلا .
على أنه يمكن أن يقال في الجملة: إن
الذین حرموه یستتبع ذلك عندهم حرمة بيعه
وزراعته، والذين أباحوه يباح عندهم بيعه
وزراعته. يقول الشيخ عليش من المالكية:
الحاصل أن الدخان في شربه خلاف بالحل
والحرمة، فالورع عدم شربه، وبيعه وسيلة
لشربه، فيعطى حكمه. (٢)
ونورد فيما يلي ما أمكن العثور عليه من أقوال
في ذلك :
٢٨ - من الحنفية نقل ابن عابدين عن
(١) ابن عابدين ٤٤٤/١، ٢٩٦/٥، ٢٩٧، والطحطاوي
على الدر ١/ ٢٧٨، وفتح العلي المالك ١/ ١٨٩، ١٩١،
والشرح الصغير ١٨٤/١، والشرواني ٢٧٦/٢، ومغني
المحتاج ٢٣٦/١، ونهاية المحتاج ١٥٥/٢، والبجيرمي
على الخطيب ٢/ ١١٤، وصحيح مسلم بشرح النووي
٥ /٤٨، ٤٩ ط ثالثة نشر دار إحياء التراث، وكشاف
القناع ١/ ٤٩٧، ٤٩٨، ٣٦٥/٢، ١٩٥/٦، والفتاوى
المهدیة ٢٩٨/٥
(٢) فتح العلي المالك ١/ ١٩٠
- ١٠٩ -
تَبْغ ٢٨
الشرنبلالي: أنه يمنع من بيع الدخان، (١)
ومن المالكية، ذكر الشيخ عليش : مايفيد
جواز زراعته وبيعه، فقد سئل في الدخان الذي
یشرب في القصبة، والذي يستنشق به، هل کل
منهما متمول؟ فإذا أتلف شخص شيئا من
أحدهما مملوكا لغيره يكون عليه الضمان، أو
كيف الحال؟ .
فأجاب: نعم كل منهما متمول، لأنه طاهر
فيه منفعة شرعیة لمن اختلت طبيعته باستعماله
وصار له كالدواء، فكل منهما كسائر العقاقير التي
يتداوى بها من العلل، ولا يرتاب عاقل متشرع
في أنها متمولة، فکذلك هذان، کیف والانتفاع
على الوجه المذكور والتنافس حاصلان
بالمشاهدة .
فإذا أتلف شخص شيئا من أحدهما مملوكا
ءِ
لغيره كان عليه الضمان، وقد أفتى بعض
المتأخرين بجواز بيع مغيب العقل بلا نشوة، لمن
يستعمل منه القدر اليسير الذي لا يغيب عقله،
واستظهر فتواه سيدي إبراهيم اللقاني. (٢)
كذلك سئل الشيخ عليش: عن رجل تعدى
على بصل لآخر أو جزر أوخس أودخان أو
مطلق زرع قبل بدو صلاحه، فماذا يلزمه؟ وهل
يعتبر وقت الحصاد، أو مايقوله أهل المعرفة؟
وإن كان بعد بدو الصلاح فما الحكم؟
(١) ابن عابدين ٢٩٥/٥
(٢) فتح العلي المالك ٢/ ١٨١
فأجاب: إن تعدى على الزرع قبل بدو
الصلاح أغرم قيمته يوم التعدي على الرجاء
والخوف، وإن تأخر الحكم عليه بالغرم حتى
رجع الزرع لحاله سقطت عنه القيمة ويؤدب
المفسد، وإن تعدى بعد بدو الصلاح أغرم قيمته
يوم التعدي على البت. (١)
ومن الشافعية: جاء في حاشية الشبراملسي
على نهاية المحتاج: يصح بيع الدخان المعروف
في زماننا، لأنه طاهر منتفع به(٢) أي عند بعض
الناس.
وجاء في حاشية الشرواني على تحفة المحتاج
ما ملخصه جواز بيعه. للخلاف في حرمته
ولانتفاع بعض الناس به. كما إذا كان يعلم
الضرر بتركه، وحينئذ فيصح بيعه. (٣)
ولم نعثر على نص في مذهب الحنابلة، لكن
جاء في كشاف القناع ما يمكن أن يستفاد منه
جواز بيعه قياسا. قال: السم من الحشائش
والنبات، إن كان لا ينتفع به، أو كان يقتل
قليله، لم يجز بيعه، وإن انتفع به وأمكن
التداوي بيسيره جاز بيعه، لما فيه من النفع
المباح . (٤)
(١) فتح العلي المالك ٢ / ١٧٩
(٢) نهاية المحتاج وحاشية الشبر املسي عليه ٣١٨/٣
(٣) حاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٤/ ٢٣٧. وحاشية
الجمل ٣/ ٢٤
(٤) كشاف القناع ١٥٥/٣
- ١١٠ -
تَبْغ ٢٩ - ٣٠
حكم الدخان من حيث الطهارة والنجاسة :
٢٩ - صرح المالكية والشافعية بطهارة الدخان.
قال الدردير: من الطاهر الجماد، ويشمل النبات
بأنواعه، قال الصاوي: ومن ذلك الدخان(١)
وفي نهاية المحتاج قال الشبراملسي في الحاشية :
يصح بيع الدخان المعروف في زماننا، لأنه طاهر
منتفع به. وورد مثل ذلك في حاشية الجمل
وحاشية الشرواني وحاشية القليوبي . (٢)
هذا وقد ذكر القرافي في الفرق الأربعين :
((قاعدة المسكرات والمرقدات والمفسدات))
(تنبيه) تنفرد المسكرات عن المرقدات
والمفسدات بثلاثة أحكام: الحد، والتنجيس،
وتحريم اليسير. والمرقدات والمفسدات لا حد
فيها ولا نجاسة، فمن صلى بالبنج معه أو
الأفيون لم تبطل صلاته إجماعا(٣). هذا وبعض
من حرم الدخان وعلل حرمته بالإِسكار فهي
عنده نجسة قياسا على الخمر. (٤)
ولم نعثر على نص في مذهب الحنفية، إلا أن
قواعدهم تدل على أن الدخان طاهر، فقد قال
ابن عابدين: الأشربة الجامدة كالبنج والأفيون
(١) الشرح الصغير ١٩/١ ط الحلبي.
(٢) نهاية المحتاج ٣١٨/٣، وحاشية الجمل ١/ ١٧٠، وحاشية
الشرواني ٢٨٨/١، ٢٨٩، ٢٣٧/٤، وحاشية القليوبي
٦٩/١
(٣) الفروق للقرافي ٢١٨/١
(٤) هامش الفروق ١/ ٢١٧
لم نر أحدا قال بنجاستها، ولا يلزم من الحرمة
نجاسته، كالسم القاتل، فإنه حرام مع أنه
طاهر. (١)
كذلك لم نعثر على نص في مذهب الحنابلة،
إلا أنه جاء في نيل المآرب: المسكر غير المائع
طاهر. (٢)
تفطير الصائم بشرب الدخان :
٣٠ - اتفق الفقهاء على أن شرب الدخان
المعروف أثناء الصوم يفسد الصيام لأنه من
المفطرات، كذلك يفسد الصوم لو أدخل
الدخان حلقه من غير شرب، بل باستنشاق له
عمدا، أما إذا وصل إلى حلقه بدون قصد،
كأن كان يخالط من يشربه فدخل الدخان حلقه
دون قصد، فلا يفسد به الصوم، إذا لا يمكن
الاحتراز من ذلك.
وعند الحنفية والمالكية: إن تعمد ذلك فعليه
القضاء والكفارة. وعند الشافعية والحنابلة عليه
القضاء فقط، إذ الكفارة عندهم تكون بالجماع
فقط في نهار رمضان . (٣)
وكذلك يفطر الصائم بمضغ الدخان أو
(١) ابن عابدين ٢٩٣/٥
(٢) نيل المآرب بشرح دليل الطالب ١/ ١٠٠
(٣) ابن عابدين ٩٧/٢، ٩٨، والشرح الصغير ٢٤٦/١ ط
الحلبي، وفتح العلي المالك ١/ ١٧٩، والشرواني على تحفة
المحتاج ٣/ ٤٠٠، والبجيرمي على الإقناع ٣٢٨/٢،
وكشاف القناع ٣٢٠/٢
- ١١١ -
تبغ ٣١ - ٣٣
نشوقه، لأنه نوع من أنواع التکییف، ويصل
طعمه للحلق، ویتکیف به الدماغ مثل تكيفه
بالدخان الذي یمص بالعود.
وهذا ماصرح به المالكية، وقواعد المذاهب
الأخرى لا تأباه . (١)
حق الزوج في منع زوجته من شرب الدخان :
٣١ - يرى جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية وأحد
وجهين عند الشافعية والحنابلة) أن للزوج منع
زوجته من كل ماله رائحة كريهة، كالبصل
والثوم، ومن ذلك شرب الدخان المعروف، لأن
رائحته تمنع كمال الاستمتاع، خصوصا إذا كان
الزوج لا يشربه .
والوجه الثاني عند الشافعية والحنابلة : أنه
ليس له منعها من ذلك لأنه لا يمنع الوطء. (٢)
التبغ في نفقة الزوجة :
٣٢ - يرى بعض الشافعية والحنابلة أن الزوجة
إن اعتادت شرب الدخان تفكها وجب على
الزوج توفيره لها ضمن حقها في النفقة .
(١) فتح العلي المالك ١/ ١٧٩
(٢) ابن عابدين ٢/ ٤٠٢، ٢٩٥/٥، والشرح الصغير
٥٢٠/١ ط الحلبي، ومنح الجليل ٤٣٥/٢، والبجيرمي
على الخطيب ٤٠٧/٣، والمهذب ٦٧/٢، والمجموع
٢٨٣/١٥، ٢٨٦ ط المطيعي، والإنصاف ٣٥٢/٨، ونيل
المآرب ٢١٧/٢، والمغني ٧/ ٢٠، وكشاف القناع
١٩٠/٥، ومطالب أولي النهى ٢٦٤/٥
ويرى الحنفية أنه لا يلزمه ذلك وإن تضررت
بتر که، قال ابن عابدين: لأن ذلك إن كان من
قبيل الدواء أو من قبيل التفكه، فكل من الدواء
والتفكه لا يلزمه .
ولم يصرح المالكية بذلك، إلا أن قواعدهم
كالحنفية في أن الدواء والتفكه لا يلزم الزوج. (١)
حكم التداوي بالتبغ :
٣٣ - من القواعد العامة التي أجمع عليها الفقهاء
أن الأشياء المحرمة النجسة المنصوص عليها
کالخمر لا يجوز التداوي بها .
أما مالا نص فيه فإنه يختلف باختلاف
اجتهاد الفقهاء .
فمن قال بنجاسة الدخان وأنه یسکر کالخمر
لا يجوز عنده التداوي به .
لكنه عند جمهور الفقهاء طاهر ويجوز التداوي
به، كما يؤخذ ذلك من نصوصهم. وهذا إذا
کان یمکن التداوي به .
قال الشيخ عليش المالكي : الدخان
متمول، لأنه طاهر فيه منفعة شرعية لمن اختلت
(١) ابن عابدين ٢/ ٦٤٩، والشرح الصغير ٥١٩/١،
وحواشي تحفة المحتاج للشرواني ٣٠٩/٨، والجمل على
شرح المنهج ٤/ ٤٩٠، ومطالب أولي النهى ٢١٩/٦
الحاشية .
- ١١٢ -
تبغ ٣٤، تبکیر ١ - ٣
طبیعته باستعماله وصار له کالدواء، فهو کسائر
العقاقير التي يتداوى بها من العلل. (١)
إمامة شارب الدخان :
٣٤ - نقل ابن عابدين عن الشيخ العمادي أنه
يكره الاقتداء بالمعروف بأكل الربا، أو شيء من
المحرمات، أو يداوم الإصرار على شيء من
المكروهات، كالدخان المبتدع في هذا
الزمان . (٢)
(١) ابن عابدين ٢٩٣/٥، ٢٩٤، وفتح العلي المالك
١٨١/٢، ومغني المحتاج ٣٠٦/٤، وحاشية الشرواني
٣٨٨،٣٨٧/٩، والبجيرمي على الإقناع ٣٢٨/٢،
وكشاف القناع ١٥٥/٣، ومجموعة فتاوى ابن تيمية
١٩٨/٣٤
(٢) ابن عابدين ٢٩٦/٥
تبکیر
التعريف :
١ - التبکیر: مصدر بگّر بالتشديد، وأصله من
الخروج بُكْرة أول النهار، ويكون أيضا بمعنى :
التعجيل والإسراع أيّ وقت كان، يقال: بكّر
بالصلاة أي : صلاها لأول وقتها، ويقال:
بكّروا بصلاة المغرب أي : صلوها عند سقوط
القرص، وكل من أسرع إلى شيء فقد بكر
إليه .
ولم يخرج الفقهاء في استعمالهم عن هذين
المعنيين . (١)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - التغليس :
٢ - التغليس في صلاة الفجر: فعلها أول طلوع
الفجر قبل انتشار الضوء.
ب - الإِسفار :
٣ - الإِسفار معناه: الوضوح والظهور، يقال:
أسفر الصبح: انكشف وأضاء، والإِسفار
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والنهاية لابن الأثير،
والنظم المستعذب بهامش المهذب ١١٤/١ ط الحلبي،
والمغني ٢/ ٢٩٩ ط الرياض.
- ١١٣ -
تبکیر ٤ - ٧
بصلاة الصبح في عرف الفقهاء هو:فعلها عند
انتشار ضوء الفجر. (١)
الحكم التكليفي :
٤ - التبكير بأداء العبادات في أول أوقاتها
مستحب لتحصيل الفضل والثواب، لما روي
عن النبي ◌َّ - حين سئل عن أفضل الأعمال -
قال: ((الصلاة في أول وقتها))(٢) وهذا على
الجملة عند الفقهاء .
٥ - ويستثنى من هذا الحكم مانص على تأخيره
السبب، كالإِبراد بصلاة الظهر في وقت الحر،
لقول النبي وَلّ: ((إذا اشتد الحر فأبردوا
بالصلاة)). (٣)
كذلك استثنى الحنابلة والحنفية صلاة
العشاء، لما روي عن النبي والر أنه قال: ((لولا
أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بتأخير
العشاء))(٤) وهو أيضا قول عند المالكية
(١) اللسان، والمصباح المنير.
(٢) حديث: ((أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها ... )).
أخرجه البخاري (الفتح ٣/٦ - ط السلفية)، ومسلم
(٨٩/١ - ط الحلبي).
(٣) حديث: ((إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة ... )). أخرجه
البخاري (الفتح ٢ / ٢٠ - ط - السلفية).
(٤) حديث: ((لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بتأخير
العشاء)) أخرجه أبوداود (١٠/ ٤٠ - ط عزت عبيد دعاس)
من حديث أبي هريرة، وأصله في صحيح البخاري (الفتح
٢ / ٥٠ - ط السلفية) من حديث ابن عباس.
والشافعية، وزاد الحنفية صلاة العصر. (١)
٦ - أما التبكير بمعنى الخروج أول النهار فهو
وارد في صلاة الجمعة والعيدين. فقد استحب
التبكير لهما من أول النهار الحنفيةُ والشافعية
والحنابلة، لقول النبي مرحلة: ((من غسّل يوم
الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر كان له بكل
خطوة يخطوها أجر سنة، صيامها وقيامها))(٢)
وقال الإِمام مالك: لا يستحب التبكير
خشية الرياء. (٣)
التبكير لطلب الرزق :
٧ - يستحب التبكير بطلب الرزق والتجارة فقد
روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال
رسول اللّه ◌َ ل: ((باكروا للغدو في طلب الرزق،
فإِن الغدوبركة ونجاح)) (٤).
(١) ابن عابدين ٢٥٦/١، ٢٥٧ ط بولاق الثالثة، والاختيار
١/ ٤٠ ط دار المعرفة، والدسوقي ١٧٩/١، ١٨٠ ط دار
الفكر، والمغني ٣٨٨/١، ومغني المحتاج ١٢٥/١،
١٢٦ ط مصطفى الحلبي.
(٢) حديث: ((من غسّل يوم الجمعة ... )) أخرجه الترمذي
(٣٦٨/٢ - ط الحلبي) وحسنه.
(٣) مغني المحتاج ٢٩٢/١، والدسوقي ٣٨١/١، ٣٩٩،
والمهذب ١١٤/١ ط الحلبي، والمغني ٢٩٩/٢، ٣٧٣،
وحاشية الطحطاوي على الدر ٣٤٧/١ ط دار المعرفة
بيروت، والفتاوى الهندية ١٤٩/١ ط المكتبة الإسلامية -
ترکیا .
(٤) حديث: ((باكروا طلب الرزق، فإِن الغدو بركة
ونجاح ... )) أخرجه البزار والطبراني في الأوسط، وقال=
- ١١٤ -
تبكير ٨
قال ابن العربي: يروى عن ابن عباس
وغيره أن مابعد صلاة الصبح وقت يقسم الله فيه
الرزق بين العباد، وثبت أنه وقت ینادي فیه
الملك: ((اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا
تلفا)). (١) وهو وقت ابتداء الحرص ونشاط
النفس وراحة البدن وصفاء الخاطر، فيقسم
لأجل ذلك كله وأمثاله. (٢)
التبكير بالتعليم :
٨ - ينبغي التبكير بتعليم الصبيان مافرض الله
على العباد من قول وفعل، لكي يأتي عليهم
البلوغ وقد تمكن ذلك في قلوبهم، وسكنت إليه
أنفسهم، وأنست بما يعلمون به من ذلك
جوارحهم .
وقد قال النووي : الصحيح أنه يجب على
الآباء والأمهات تعليم الأولاد الصغار ماسيتعين
عليهم بعد البلوغ من: الطهارة، والصلاة،
والصوم، وتحريم الزنى واللواط والسرقة وشرب
المسکر والكذب، ونحوها .
= الهيثمي: فيه إسماعيل بن قيس بن سعد بن زيد بن
ثابت، وهو ضعيف، مجمع الزوائد (٤ /٦١ - ط
القدسي).
(١) حديث: ((اللهم أعط منفقا .. )) أخرجه البخاري (الفتح
٢٤١/٣ ط السلفية) ومسلم (٢/ ٧٠٠ ط الحلبي).
(٢) تحفة الأحوذي ٤٠٣/٤ ط السلفية، وصحيح الترمذي
بشرح ابن العربي ٢١٥/٥، ٢١٦ ط المطبعة الأزهرية
١٣٥٠ هـ.
واستدل على ذلك بقوله تعالى : ﴿يا أيها
الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾(١) قال
علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومجاهد
وقتادة: معناه علموهم ماینجون به من النار.
وتعليم الصبيان يرد العذاب الواقع
بإرادة الله تعالى عن آبائهم، أو عمن تسبب في
تعليمهم، أو عن معلمهم، أو عنهم فيما
يستقبل، أو عن المجموع، أو يرد العذاب
عموما . (٢)
(١) سورة التحريم / ٦
(٢) كفاية الطالب الرباني ١/ ٣٠ - ٣٦ نشر دار المعرفة،
والمجموع للنووي ٢٦/١ ط المنيرية.
- ١١٥ -
تبليغ ١ - ٣
تبليغ
التعريف :
١ - التبليغ: مصدر بلغ، أي : أوصل، يقال
بلغه السلام: إذا أوصله. وبلغ الكتاب بلوغا:
وصل.(١)
والتبليغ في الاصطلاح أخص من ذلك، إذ
يراد به: الإِعلام والإِخبار، لأنه إيصال
الخبر. (٢)
والتبليغ يكون شفاها وبالرسالة والكتابة .
وأغلب تبليغ الرسل كان مشافهة. والتبليغ
بالرسالة : أن یرسل شخص رسولا إلی رجل،
ويقول للرسول مثلا: إني بعت عبدي هذا من
فلان الغائب بکذا، فاذهب إليه، وقل له : إن
فلانا أرسلني إليك، وقال لي: قل له: إني قد
بعت عبدي هذا من فلان بکذا، فإِن ذهب
الرسول وبلغ الرسالة، فقال المشتري في مجلسه
ذلك: قبلت، انعقد البيع، لأن الرسول سفير
ومعبر عن كلام المرسل، ناقل كلامه إلى المرسل
إلیه، فكأنه حضر بنفسه فأوجب البيع، وقبل
(١) المصباح .
(٢) ابن عابدين ٣١٩/١
الآخر في المجلس. فالرسالة بعض وسائل
التبليغ . (١)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الكتابة :
٢ - الكتابة هي : أن يكتب الرجل إلى رجل إني
بعت منك فرسي - ويصفه - بمبلغ كذا، فبلغ
الكتاب المرسل إليه، فقال في مجلسه:
اشتريت، تم البيع. لأن خطاب الغائب
كتابُه، فكأنه حضر بنفسه وخاطب بالإِيجاب
وقبل الآخر في المجلس، فالكتابة أيضا أخص
من التبليغ(٣).
الحكم التكليفي :
تبليغ الرسالات :
٣ - أوجب الله علی رسله تبلیغ رسالاته إلی من
أرسلوا إليهم، لئلا يكون لهم على الله حجةٌ،
قال تعالى: ﴿رُسُلا مبشِّرين ومنذرين لئلا
يكون للناس على الله حُجةٌ بعد الرسُل﴾(٣)
وقال تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلِّغْ ما أنزل إليك
من ربك، وإن لم تفعل فما بلغتَ رسالته، والله
يَعْصِمُك من الناس﴾. (٤)
قال ابن عباس: المعنى بلغ جميع ما أنزك
(١) البدائع ١٣٨/٥
(٢) المرجع السابق.
(٣) سورة النساء / ١٦٥
(٤) سورة المائدة / ٦٧
- ١١٦ -
تبلغ ٤ -٥
إليك من ربك، فإِن کتمت شيئا منه فما بلغت
رسالته. وهذا تأديب للنبي # وتأديب لحملة
العلم من أمته ألا يكتموا شيئا من أمر شريعته.
وفي صحيح مسلم عن مسروق عن عائشة
رضي الله عنها أنها قالت: من حدثك أن محمدا
(* كتم شيئا من الوحي فقد كذب، والله تعالى
يقول: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من
ربك وإنْ لم تفعل فما بلغت رسالته﴾(١)
وعن أبي جحيفة قلت لعلي رضي الله
عنه : هل عندكم شيء من الوحي ماليس في
القرآن؟
فقال: «لا . والذي فلق الحبة وبرأ النسمة،
إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه
الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال:
العقل، وفكاك الأسير، وألّ يقتل مسلم
بكافر)). (٢)
تبليغ الدعوة الإسلامية :
٤ - تبليغ الدعوة الإِسلامية لغير المسلمين
واجب على الكفاية، فقد أرسل الرسول والده
إلى الملوك غير المسلمين يدعوهم إلى الإِسلام،
(١) حديث: ((من حدثك أن محمدا ثي كتم شيئا ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٢٧٥/٨ - ط السلفية). ومسلم
(١٦٠/١ ط عيسى البابي).
(٢) تفسير القرطبي ٢٤٠/١ - ٢٤٣
وحديث: ((أبي جحيفة قلت لعلي ..... )) أخرجه
البخاري (١٢ /٢٦٠ - الفتح - ط السلفية).
فكتب إلى المقوقس وغيره، وجرى على ذلك
أصحابه .(١)
التبليغ خلف الإِمام :
٥ - من سنن الصلاة جهر الإِمام بالتكبير
والتسميع والسلام بقدر الحاجة ليسمع
المأمومين، فإِن زاد على الحاجة زيادة كبيرة
كره .
والتكبير للإِعلام بالدخول في الصلاة
والانتقال فيها یکون من الإِمام، فإِن کان صوته
لا يبلغ من وراءه فينبغي التبليغ عنه من أحد
المأمومين، والمراد من التكبير مايشمل تكبيرة
الإِحرام وغيرها. وقال ابن قدامة : يستحب
للإِمام أن يجهر بالتكبير، بحيث يسمع
المأمومون ليكبروا، فإنهم لا يجوز لهم التكبير إلا
بعد تکبیره، فإِن لم یمکنه إسماعهم جھر بعض
المأمومنين ليسمعهم، أو ليسمع من لا يسمع
الإِمام. لما روى جابر رضي الله عنه قال:
((صلى بنا رسول اللّه وَ له وأبوبكر خلفه، فإِذا
كبر رسول الله ( # كبر أبوبكر ليسمعنا))(٢) وفي
(١) تفسير الألوسي ٢٨/٤
وحديث: ((أرسل الرسول { إلى المقوقس ... )) في
البداية والنهاية لابن كثير (٤ /٢٧١ - ٢٧٢ ط دار الكتب
العلمية) وعزاه إلى البيهقي.
(٢) المغني ٤٦٢/١ ط الرياض.
وحديث جابر: ((صلى بنا رسول اللّه ◌ُل# وأبوبكر
خلفه ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٢/ ٢٠٤ - ط السلفية)
ومسلم (٣١٣/١ - ٣١٤ - ط عيسى البابي الحلبي).
- ١١٧ -
تبلیغ ٥ - ٦
كل مذهب تفصيل :
فعند الحنفية والشافعية: أن الإِمام إذا کبر
للافتتاح فلا بد لصحة صلاته من قصده
بالتکبیر الإِحرام بالصلاة، وإلا فلا صلاة له إذا
قصد الإِعلام فقط. فإِن جمع بين الأمرين بأن
قصد الإِحرام والإِعلام فذلك هو المطلوب منه
شرعا. وكذلك المبلغ إذا قصد التبليغ فقط
خاليا عن قصد الإِحرام فلا صلاة له، ولا لمن
يصلي بتبليغه في هذه الحالة، لأنه اقتدى بمن لم
يدخل في الصلاة. فإن قصد بتكبيره الإِحرام
مع التبليغ للمصلين، فذلك هو المقصود منه
شرعا.
ووجهه: أن تكبيرة الإحرام شرط أوركن،
فلابد في تحققها من قصد الإِحرام أي الدخول
في الصلاة .
وأما التسميع من الإِمام، والتحميد من
المبلغ، وتکبیرات الانتقالات منهما، إذا قصد بما
ذكر الإِعلام فقط، فلا فساد للصلاة. والفرق
أن قصد الإِعلام غیر مفسد، كما لوسبح ليعلم
غيره أنه في الصلاة. ولما كان المطلوب هو
التكبير على قصد الذکر والإعلام، فإِذا محض
قصد الإِعلام فكأنه لم يذكر، وعدم الذكر في
غير التحريمة غير مفسد. (١)
(١) ابن عابدين ١/ ٣١٩، وتنبيه ذوي الأفهام على أحكام
التبليغ خلف الإمام (مجموعة رسائل ابن عابدين
١٣٨/١). والمجموع ٣٩٨/٣
وعند المالكية أنه يجوز اتخاذ شخص معين
ليسمع الناس، وتصح صلاته، ولو قصد
بتکبیره وتحمیده مجرد إسماع المأمومين .
وعندهم أنه يصح أن يكون المسمع (المبلغ)
صبيا أو امرأة أو محدثا، وذلك مبني على أن
المسمع علامة على صلاة الإِمام، وذلك هو
اختيار المازري واللقاني .
وفي رأي: أن المسمع نائب ووكيل عن
الإِمام، فلا يجوز له التسميع حتى يستوفي
شرائط الإمام .(١)
وعند الحنابلة: أنه يستحب الجهر من الإِمام
ليسمع المأمومين انتقالاتِه في الصلاة، كالجهر
بتكبيرة الإحرام، فإِن لم يجهر الإِمام بحيث
يسمع الجميع استحب لبعض المأمومين رفع
صوته ليسمعهم. (٢)
تبليغ السلام :
٦ - أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سنة
مرغب فيها، ورده فريضة لقوله تعالى: ﴿وإذا
حُيِّتم بتحيةٍ فحَيُّوا بأحسنَ منها أو ردُّوها﴾(٣)
فقد أمر الله بالتحية بأحسن منها أو بالرد. والأمر
(١) حاشية الدسوقي ٣٣٧/١
(٢) المغني ١/ ٤٩٦ ط الرياض.
(٣) سورة النساء / ٨٦
- ١١٨ -
تبليغ ٧
للوجوب مالم يصرفه صارف، والظاهر أن الحكم
كذلك في المكاتبة، أو بالطلب إلى رسول تبليغ
السلام، كما ينبغي لمن تحمل السلام أن يبلغه.
قالت عائشة رضي الله عنها: ((وعليه السلام
ورحمة الله)) حين أخبرها النبي وَلّ أن جبريل
عليه السلام يقرأ عليها السلام. (١)
قال القرطبي : وفي حديث عائشة من الفقه
أن الرجل إذا أرسل إلى رجل بسلامه، فعليه أن
يرد كما يرد عليه إذا شافهه. وجاء رجل إلى
النبي ◌َّ﴾ فقال: إن أبي يقرئك السلام.فقال
((وعليك السلام، وعلى أبيك السلام)). (١)
تبليغ الوالي عن الجناة المستترين:
٧ - المنصوص عليه في المذاهب أن مالم يظهر من
المحظورات، فليس لأحد - محتسبا كان أو
غیرہ ۔ أن یتجسس عنها، ولا أن يهتك الأستار،
فقد قال رسول اللّه وله: ((من أصاب من هذه
القاذورات شيئا فليستتر بستر الله تعالى، فإِنه
من يُبْدِ لَنَا صفحته نقم عليه كتاب اللّه
(١) حديث: ((إخبار عائشة بسلام جبريل ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ١٠٦/٧ ط السلفية). ومسلم
(٤ /١٨٩٦ ط عيسى البابي الحلبي).
(١) القرطبي ٣٠١/٥
وحديث: ((وعليك السلام وعلى أبيك السلام)) أخرجه
أبوداود (٣٩٨/٥، ط عزت عبيد الدعاس). وقال
المنذري: وهذا الإِسناد فيه مجاهيل.
تعالى)). (١) وأما عند الظهور ففيه تفصيل ينظر
في مصطلح (تجسس وشهادة) .
(٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٨٠، والأحكام
السلطانية للماوردي ص ٢٥٢
وحديث: ((من أصاب من هذه القاذورات شيئا ... ))
أخرجه مالك في الموطأ (ص ٧١٥ ط دار الآفاق) مرسلا عن
زيد بن أسلم. وأخرجه البيهقي (٨/ ٣٣٠ ط دار المعرفة)
موصولا عن ابن عمر بلفظ ((اجتنبوا هذه القاذورات التي
نهى الله عنها، فمن ألم فليستتر بستر الله عز وجل، وليتب
إلى الله، فإِنه من يبد لنا صفحته نقم كتاب الله عليه))
وأخرجه الحاكم (٢٤٤/٤ ط دار الكتاب العربي). وقال:
حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي
- ١١٩ -
تبني ١ - ٣
تبني
التعريف :
١ - التبني: اتخاذ الشخص ولد غیرہ ابنا له،(١)
وكان الرجل في الجاهلية يتبنى الرجل، فيجعله
کالابن المولود له، ويدعوه إليه الناس، ويرث
ميراث الأولاد. (٢)
وغلب في استعمال العرب لفظ (ادعاء) على
القبني، (٣) إذا جاء في مثل (ادعى فلان فلانا)
ومنه (الدعيّ) وهو المتبنى، قال الله تعالى:
﴿وما جَعَل أَدْعِيَاءَكم أبناءَ كم﴾. (٤)
ولا يخرج استعمال الفقهاء للفظ التبني عن
المعنى اللغوي .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاستلحاق :
٢ - ألحق القائف الولد بأبيه: أخبر أنه ابنه لشبه
(١) القاموس مادة: ((بنى)).
(٢) الخازن ٤٥١/٣
(٣) المصباح المنير مادة: ((دعا)).
(٤) سورة الأحزاب / ٤
بينهما يظهر له، واستلحقت الشيء: ادعيته،
وفي القاموس: استلحق فلانا: ادعاه، (١)
والاستلحاق يختص بالأب وحده، وهو الإِقرار
بالنسب عند الحنفية، ولا يقع الاستلحاق إلا
على مجهول النسب
فالاستلحاق لا يكون إلا بالنسبة لمجهول
النسب، في حين أن التبني يكون بالنسبة لكل
من مجهول النسب ومعلوم النسب، وتفصيل
ذلك في مصطلح: (٢) (استلحاق).
ب - البنوة :
٣ - الابن: الذكر من الأولاد، والاسم:
البنوة . (٣)
وفي اصطلاح الفقهاء: يطلق الابن على
الابن الصلبي من نسب حقيقي، فتكون البنوة
من نسب أصلي، ويطلق الابن على ابن الابن
وإن نزل مجازا .
فالفرق بين البنوة والتبني : أن البنوة ترجع
إلى النسب الأصلي، أما التبني فهو ادعاء الرجل
أو المرأة من ليس ولدا لهما. وتفصيل ذلك في
مصطلح: (بنوة).
(١) مختار الصحاح والقاموس المحيط مادة: ((لحق)).
(٢) انظر الفروع ٥١٨/٥
(٣) القاموس المحيط .
- ١٢٠ -