النص المفهرس

صفحات 241-260

البيع الموقوف ٦ - ٧
على المقتضى بعد حصول الموجب ليس
بشرط .(١)
ويشترط لنفاذ البيع أن يكون البائع مالكا
للمبيع، أو وکیلا لمالكه أو وصیه، وأن لا یکون
في المبيع حق آخر.
وإذا تخلف شرط منها فإن العقد يكون موقوفا
فلا يفيد الحكم إلا عند إجازة صاحب الشأن،
فإن أجاز نفذ وإلا بطل. (٢)
فقبل أن تصدر الإِجازة ممن يملكها لا يظهر
أثر البیع الموقوف، ویکون ظهور أثره موقوفا علی
الإِجازة، فبيع الفضولي مثلا لا ينفذ ابتداء
لانعدام الملك والولاية، لكنه ينعقد موقوفا على
إجازة المالك، فإن أجاز ينفذ وإلا يبطل. (٣)
(ر: بيع الفضولي)
وكذلك إذا باع الراهن الرهن بلا إذن
المرتهن، فالبيع موقوف ۔ في أصح الروايات عند
الحنفية - لتعلق حق المرتهن به فيتوقف على
إجازته، إن أجاز المرتهن أو قضى الراهن دينه
نفذ، وإذا نفذ البيع بإجازة المرتهن انتقل حقه
إلی بدله. (٤)
وللتفصيل (ر: رهن ) .
(١) فتح القدير ٦/ ١٩١ ط دار إحياء التراث العربي، وجامع
الفصولین ١/ ٢٣١ ط بولاق ١٣٠٠هـ
(٢) الفتاوي الهندية ١١٢/٣
(٣) الجوهرة النيرة ١٩٦/١ ط المطبعة الخيرية ١٣٢٢ هـ
(٤) الكفاية شرح الهداية ١٩١/٦ ط دار إحياء التراث
العربي
هذا ، وينبغي التنويه إلى أن البيع الموقوف
لا يتوقف دائما نفاذه، وظهور أثره على إجازة
شخص غير العاقد، بل هذا هو الأغلب، فقد
یکون متوقف النفاذلا على إجازة أحد، بل
على زوال حالة أوجبت عدم النفاذ، كما في بيع
المرتد عن الإِسلام، فإن نفاذ بيعه يتوقف على
عودته إلى الإِسلام عند أبي حنيفة . (١)
التصرفات الواقعة على المعقود عليه أثناء
التوقف :
٧ - التصرفات الواقعة على المعقود عليه في البيع
الموقوف أثناء التوقف منها ما يستند أثره إلى وقت
إنشاء العقد، ومنها ما يبدأ أثره من حين
الإجازة. فالإجازة تارة تكون إنشاء، وتارة
تکون إظهارا .
وفيما يلي أمثلة لهذين النوعين من التصرفات .
أولا : التصرفات التي تستند إلى وقت إنشاء
العقد :
أ - إذا أجیز بيع الفضولي لمال الغير فإنه يعتبر
نافذا مستندا حکمه إلی وقت إنشاء العقد،
فيصير المبيع ملكا للمشتري، والثمن ملكا
للمالك أمانة في يد الفضولي، لأن الإِجازة
اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة. فإذا هلك
الثمن في يد الفضولي قبل الإِجازة، ثم أجيز
(١) الفتاوى الخانية بهامش الهندية ١٨٥/٢
- ٢٤١ -

البيع الموقوف ٧
العقد لم يضمنه كالوكيل، وكذلك إذا حط البائع
الفضولي من الثمن ثم أجاز المالك البيع يثبت
البيع والحط، سواء أعلم البائع بالحط أم لم
يعلم، إلا أنه إذا علم بالحط بعد الإِجازة يثبت
له الخيار. ووجه ذلك أن الفضولي يصير
بالإِجازة كوكيل، ولو حطه الوكيل لا يتمكن
الموكل من مطالبة المشتري به، كذا هذا. (١)
ب - إذا أجاز المالك البيع الموقوف، فإن
ملك المبيع يثبت للمشتري من وقت الشراء،
ويثبت له بالتالي الحق في كل ما يحدث بالمبيع قبل
الإِجازة من نماء أو زيادة، كالكسب والولد
والأرش وما إلى ذلك. (٢)
ثانيا : التصرفات التي يقتصر حكمها على وقت
صدور الإِجازة :
أ - لا يجوز للمشتري من الفضولي التصرف
في المبيع قبل صدور الإِجازة، سواء أقبضه أم لم
يقبضه. (٣) فإذا باع المشتري من الفضولي المبيع
من غيره، ثم أجاز المالك بيع الفضولي لا ينفذ
بيع المشتري من الفضولي، كما يقول
الحنفية، (٤) لأن المشتري من الفضولي لم يملك
(١) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣٣٣/١، ٣٤٠
(٢) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣٢٨/١، ٣٤١، ومنحة
الخالق بهامش البحر الرائق ٢٨١/٥
(٣) بدائع الصنائع ١٤٨/٥، والخرشي ١٨/٥
(٤) درر الحكام في شرح غرر الأحكام ٢٥٦/٢، والفتاوى
الخانية بهامش الهندية ٢/ ١٧٧
ما اشتراه إلا بعد الإِجازة، فبيعه وقع على ما لم
يملك.
ب - إذا باع الفضولي شيئا مملوكا لغيره، فإن
طلب الشفعة في الشيء الذي باعه يكون وقت
الإجازة . (١)
299
(١) حاشية الطحطاوي على الدر ٤٨٦/٢، وحاشية ابن
عابدين ٣/ ٣٠٠
- ٢٤٢ -

بيع وشرط ١
بيع وشرط
١ - وردت في الشريعة الإسلامية نصوص
شرعية تقرر للعقود آثارها، ووردت فيها
نصوص أخرى، بعضها عام، وبعضها
خاص، فيما يتصل بمبلغ حق المتعاقدين في
تعديل آثار العقود، بالإِضافة عليها، أو النقص
منها، وذلك بشروط يشترطانها في عقودهما .
ففي القرآن الكريم، ورد قوله تعالى :
﴿يا أيها الذين آمنوا أَوْفوا بالعقود﴾، (١) وقوله
تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ، إلا
أنْ تكونَ تجارةً تراضٍ منكم﴾.(٢)
وفي السنة النبوية ورد حديث :
(( ... المسلمون على شروطهم، إلا شرطا
حرم حلالا)) وفي رواية: ((عند شروطهم))، (٣)
(١) سورة المائدة/ ١
(٢) سورة النساء/ ٢٩
(٣) حديث: ((المسلمون على شروطهم، إلا شرطا حرم
حلالا ... )) وفي رواية: ((عند شروطهم)) أخرجه الترمذي
(٦٢٥/٣ ط عيسى الحلبي)، وهو صحيح لطرقه.
(التلخيص الحبير لابن حجر ٢٣/٣ ط شركة الطباعة
الفنية).
وحديث: ((مقاطع الحقوق عند الشروط))، (١)
وحديث: ((ماكان من شرط ليس في كتاب الله،
فهو باطل))(٢) أي ليس فيما كتبه الله وأوجبه في
شريعته التي شرعها. وحديث: عمروبن
شعيب عن أبيه عن جده، عن النبي ◌َلل أنه:
((نهى عن بيع وشرط)). (٣)
فهذه النصوص - في مجموعها - تشير إلى أن
هناك: شروطا مباحة للمتعاقدین، يتخير ون
منها ما يشاءون للالتزام بها في عقودهما، وشروطا
محظورة، لا حق لأحد من المتعاقدين في
اشتراطها في عقودهما، لما أنها تناقض المقصود،
أو تخالف القواعد العامة الشرعية، أو تصادم
مقصدا من مقاصد الشريعة .
وفيما يلي تفصيل مذاهب الفقهاء في البيع
والشرط، كل مذهب على حدة للاختلاف
الشديد بينها في ذلك .
(١) حديث: ((مقاطع الحقوق عند الشروط ... )) هذا من قول
عمر. علقه البخاري (فتح الباري ٩٠/ ٢١٧ ط السلفية)
ووصله سعيد بن منصور في سننه (٦٦٢/٣) وإسناده
صحيح. (تغليق التعليق لابن حجر ٤١٩/٤ ط المكتب
الإِسلامي).
(٢) حديث: ((ماكان من شرط ليس في كتاب الله فهو
باطل ... )) أخرجه البخاري (٣٢٦/٥ فتح الباري ط
السلفية).
(٣) حديث: ((نهى عن بيع وشرط ... )) أخرجه الطبراني في
الأوسط، ونقل الزيلعي عن ابن القطان أنه ضعفه (نصب
الراية ١٨/٤ ط المجلس العلمي) وانظر العناية ٧٨/٦،
وبدائع الصنائع ١٧٥/٥، وفتح القدير ٧٦/٦، وشرح
المحلي على المنهاج ٢/ ١٧٧
-
- ٢٤٣ -

بيع وشرط ٢ - ٥
أولا : مذهب الحنفية :
٢ - وضع الحنفية هذا الضابط للشرط المنهي
عنه، الذي يفسد العقد، وهو: كل شرط
لا يقتضيه العقد، ولا يلائمه وفيه نفع
لأحدهما، أولأجنبي، أولمبيع هو من أهل
الاستحقاق، ولم يجر العرف به. ولم يرد الشرع
بجوازه . (١)
٣ - أما إذا كان الشرط مما يقتضيه العقد، أي
يجب بالعقد من غیر شرط، فإنه یقع صحيحا،
ولا يوجب فساد البيع. (٢) كما إذا اشترى بشرط
أن يتملك المبيع، أوباع بشرط أن يتملك
الثمن، أوباع بشرط أن يحبس المبيع لاستيفاء
الثمن، أو اشترى على أن يسلم إليه المبيع، أو
اشترى دابة على أن يركبها، أو ثوبا على أن
يلبسه، أو حنطة في سنبلها وشرط الحصاد على
البائع، ونحو ذلك، فالبيع جائز لأن البيع
يقتضى هذه المذكورات من غير شرط، فكان
ذكرها في معرض الشرط تقريرا لمقتضى العقد،
فلا توجب فساد العقد. (٣)
(١) رد المحتار ١٢١/٤، وانظر بدائع الصنائع ١٦٩/٥،
والهداية وشروحها ٦/ ٧٧، وتبيين الحقائق ٤/ ٥٧
(٢) رد المحتار ٢١/٤ نقلا عن البحر، وانظر الهداية بشروحها
٧٧/٦
(٣) بدائع الصنائع ٥/ ١٧١، وانظر في بعض هذه الأمثلة أيضا
الهداية بشروحها ٦/ ٧٧، وتبيين الحقائق ٤/ ٥٧، والدر
المختار ١٢٢/٤
٤ - وكذلك إذا كان الشرط ملائما للعقد، بأن
يؤكد موجبه، فإنه لا يفسد العقد، ولو كان
لا يقتضیہ العقد، لأنه یقرر حکمه من حیث
المعنى ويؤكده، فيلتحق بالشرط الذي هو من
مقتضيات العقد، كشرط رهن معلوم بالإِشارة
أو التسمية، وشرط كفيل حاضر قبل الكفالة، أو
غائب فحضر وَقَبِلَها قبل التفرق.(١)
واشتراط الحوالة كالكفالة ، فلوباع على أن
يحيل المشتري البائع على غيره بالثمن، قالوا :
فسد قياسا، وجاز استحسانا. (٢)
لكن الكاساني اعتبر شرط الحوالة مفسدا،
لأنه لا يقتضيه العقد، ولا يقرر موجبه، لأن
الحوالة إبراء عن الثمن وإسقاط له، فلم يكن
ملائما للعقد، بخلاف الكفالة والرهن. (٣)
٥ - ويشمل شرط المنفعة عندهم مايأتي :
أ - أن يكون شرط المنفعة لأحد المتعاقدين:
کما إذا باع دارا علی أن یسکنها البائع شهرا، ثم
يسلمها إليه، أو أرضا على أن يزرعها سنة، أو
دابة على أن يركبها شهرا، أو ثوبا على أن يلبسه
أسبوعا، أو على أن يقرضه المشتري قرضا، أو
على أن يهبه هبة، أويزوجه ابنته، أو يبيع منه
كذا، ونحو ذلك، أو اشترى ثوبا على أن يخيطه
(١) رد المحتار ١٢١/٤، ١٢٢، وبدائع الصنائع ١٧١/٥،
١٧٢، وانظر تبيين الحقائق ٤ / ٥٧
(٢) رد المحتار ٤/ ١٢٢، ١٢٣
(٣) بدائع الصنائع ١٧٢/٥
- ٢٤٤ -

بيع وشرط ٥ - ٦
البائع قميصا، أوحنطة على أن يطحنها، أو
ثمرة على أن يجذها، أوشيئا له حمل ومؤنة على
أن يحمله البائع إلى منزله، ونحو ذلك.
فالبيع في هذا كله فاسد، لأن زيادة منفعة
مشروطة في البيع تكون ربا، لأنها زيادة
لا يقابلها عوض في عقد البيع، وهو تفسير
الربا، والبيع الذي فيه الربا فاسد، أو فيه شبهة
الربا، وإنها مفسدة للبيع، كحقيقة الربا. (١)
ب - ويشمل ما إذا كانت المنفعة لأجنبي ،
كما إذا باع ساحة على أن يبني فيها مسجدا، أو
طعاما علی أن یتصدق به، فهو فاسد، وإن
يكن في مذهب الحنفية قولان في اشتراط
القرض ونحوه من المنفعة لأجنبي . (٢)
جـ ـ ويشمل ما إذا كانت المنفعة للمعقود
عليه، كما لوباع جارية على أن يوصي المشتري
بعتقها، فالبیع فاسد، لأنه شرط فيه منفعة
للمبيع، وإنه مفسد. وكذا لو شرط عليه أن
يعتقها في ظاهر الرواية . وكذا لو شرط عليه أن
لا يبيعها أو لا يهبها، لأن المملوك يسره أن لا
تتداوله الأيدي. (٣) وروى الحسن عن الإِمام
(١) بدائع الصنائع ١٦٩/٥، ١٧٠، وانظر أيضا الهداية
وشروحها ٧٨/٦ ومابعدها، والدر المختار ٤/ ١٢١،
١٢٢
(٢) الدر المختار ورد المحتار ١٢٢/٤
(٣) بدائع الصنائع ٥/ ١٧٠، وانظر فيه توجيه رواية الحسن
المذكورة عن الإمام أبي حنيفة
أبي حنيفة جواز اشتراط الإِعتاق على
المشتري .
أما ما لا منفعة فيه لأحد فلا يتناوله الشرط
المذكور، ولا يوجب الفساد، كما لوباعه ثوبا
وشرط علیه أن لا يبيعه، أو لا يهبه، أوباعه دابة
على أن لا يبيعها، أو طعاما على أن يأكله
ولا يبيعه، فهذا شرط لا منفعة فيه لأحد، فلا
یوجب في الصحيح الفساد، لأن الفساد في مثل
هذہ الشروط۔ کما یقول الكاساني - لتضمنها
الربا بزيادة منفعة مشروطة لا يقابلها عوض،
ولم يوجد في هذا الشرط، لأنه لا منفعة فيه
لأحد، ولا مطالب له به، فلا يؤدي إلى الربا،
ولا إلى المنازعة، فالعقد جائز، والشرط
باطل .(١)
٦ - أما ما فيه مضرة لأحدهما، كما لوباع الثوب
بشرط أن يخرقه المشتري، أو الدار على أن
يخربها، فالبيع جائز، والشرط باطل، لأن شرط
المضرة لا يؤثر في البيع. ونقل ابن عابدين أن
هذا مذهب محمد. ومذهب أبي يوسف هو
فساد البيع. (٢)
(١) بدائع الصنائع ٥/ ١٧٠، والعناية شرح الهداية ٧٨/٦.
وقارن بما نقله ابن عابدين في رد المحتار (١٢٢/٤) أن البيع
بمثل هذا الشرط - عدم البيع والهبة - فيه مضرة لأحدهما،
والبيع بمثله جائز عند الطرفين، خلافا لأبي يوسف.
(٢) بدائع الصنائع ٥/ ١٧٠، ورد المحتار ١٢٢/٤ نقلا عن
الجوهرة.
- ٢٤٥ -

بيع وشرط ٧ - ٩
وما لا مضرة ولا منفعة فیه لأحد، فهو جائز،
كما لو اشترى طعاما بشرط أكله، أو ثوبا بشرط
لبسه.
٧ - واستثنى الحنفية من شرط المنفعة المفسد،
ماجرى به العرف، وتعامل به الناس من غير
إنكار، ومثلوا له بشراء حذاء بشرط أن يضع له
البائع نعلا (أو كعبا) أو القبقاب بشرط أن يسمر
له البائع سيرا، أو صوفا منسوجا ليجعله له
البائع قلنسوة (أو معطفا) أو اشترى قلنسوة
بشرط أن يجعل لها البائع بطانة من عنده، أو
خفا أو ثوبا خلقا على أن يرفعه أو يرفوه له
البائع .
فهذا ونحوه من الشروط الجائزة عند الحنفية،
فيصح البيع بها، ويلزم الشرط استحسانا،
للتعامل الذي جری به عرف الناس.
والقياس فساده - كما يقول زفر - لأن هذه
الشروط لا يقتضيها العقد، وفيها نفع لأحد
المتعاقدين، وهو المشتري هنا، لكن الناس
تعاملوها، وبمثله يترك القیاس. (١)
٨ - ونص ابن عابدين - رحمه الله - على اعتبار
العرف الحادث. فلو حدث عرف في غير الشرط
المذكور في بيع الثوب بشرط رفوه، والنعل بشرط
حذوه، يكون معتبرا، إذا لم يؤد إلى المنازعة .
ونقل ابن عابدين - رحمه الله - عن المنح، أنه
(١) نفس المراجع السابقة.
لا يلزم من اعتبار العرف في هذه الحال أن يكون
قاضيا على حديث: ((نهي النبي وَّر عن بيع
وشرط)) لأن الحديث معلل بوقوع النزاع المخرج
للعقد عن المقصود به، وهو قطع المنازعة،
والعرف ينفي النزاع، فكان موافقا لمعنى
الحديث، فلم يبق من الموانع إلا القياس،
والعرف قاض عليه .(١)
٩ - كما يستثنى من شرط مخالفة اقتضاء
العقد، ما ورد به الشرع، وهذا كشرط
الأجل في دفع الثمن، لحاجة الناس إلى
ذلك، لكنه يشترط أن يكون معلوما لئلا
يفضي إلى النزاع. (٢) وكذا شرط الخيار في
البيع، لأنه ثبت في حديث حبان بن منقذ
رضي الله عنه المعروف: ((إذا بايعت فقل
لا خلابة))(٣) ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها
ثلاث ليال، فإن رضیت فأمسك، وإن سخطت
فاردد.
وقد عدد الحنفية اثنين وثلاثين موضعا
لا يفسد فيها البيع بالشرط. (٤)
(١) رد المحتار ١٢٣/٤
(٢) الدر المختار ٢٢/٤
(٣) حديث: ((إذا بايعت فقل لا خلابة ... )) أخرجه بهذا
اللفظ البيهقي (٢٧٣/٥ ط دائرة المعارف العثمانية - حيدر
أباد). وأصله في البخاري (فتح الباري ٤/ ٣٣٧ ط
السلفية).
(٤) تبين الحقائق ٥٧/٤، والدر المختار ١٢١/٤، ورد المحتار
٤/ ٦٢
- ٢٤٦ -

بيع وشرط ١٠ - ١١
١٠ - وهل يشترط اقتران الشرط الفاسد
بالعقد؟ وما حكم التنصيص على الشرط بعد
العقد، وما حكم ابتناء العقد عليه؟
أ - أما التحاقه بالعقد بعد الافتراق عن
المجلس، ففيه روايتان مصححتان في المذهب:
إحداهما عن أبي حنيفة: أنه يلتحق بأصل
العقد، والأخرى عن الصاحبين - وهي
الأصح - أنه لا يلتحق.
وأيدت هذه الرواية : بما لوباع مطلقا، ثم
أجل الثمن، فإنه يصح التأجيل، لأنه في حکم
الشرط الفاسد، وبما لوباعا بلا شرط، ثم ذكرا
الشرط على وجه الوعد، جاز البيع، ولزم الوفاء
بالوعد، إذ المواعيد قد تكون لازمة، فيجعل
لازما لحاجة الناس. وبما لوتبايعا بلا ذكر شرط
(الوفاء) ثم شرطاه، يكون من قبيل بيع الوفاء،
إذ الشرط اللاحق يلتحق بأصل العقد، عند
أبي حنيفة لا عند صاحبيه، والصحيح أنه لا
يشترط لالتحاقه مجلس العقد.
ب - وأما ابتناء العقد على الشرط الفاسد،
كما لو شرطا شرطاً فاسدا قبل العقد، ثم عقدا
العقد، فقد نقل ابن عابدين عن جامع
الفصولين عدم فساد العقد، لكنه حقق ابتناء
الفساد لو اتفقا على بناء العقد عليه، وذلك:
بالقياس على ما صرحوا به في بيع الهزل.
وبالقياس على ما أفتى به الرملي - نقلا عن
كتب المذهب - في رجلين تواضعا على بيع
الوفاء قبل عقده، وعقدا البيع خاليا عن
الشرط: بأنه يكون على ما تواضعا عليه. (١)
ثانيا : مذهب المالكية :
١١ - فصل المالكية في الشرط الذي يتصور
حصوله عند البيع، فقالوا: إنه إما أن لا يقتضيه
العقد وينافى المقصود منه. وإما أن يخل بالثمن.
وإما أن يقتضيه العقد، وإما أن لا يقتضيه
ولا ينافيه .
فالذي يضر بالعقد ويبطله هو الشرط الذي
فيه مناقضة المقصود من البيع، أو إخلال
بالثمن، وهذا عندهم محمل حدیث ((نهي
النبي ◌َ ﴿ عن بيع وشرط))، دون الأخيرين. (٢)
فمثال الأول، وهو الذي لا يقتضيه العقد
وینافي المقصود منه - ووصفه ابن جزي : بالذي
يقتضي التحجير على المشتري - أن يشترط
البائع على المشتري أن لا يبيع السلعة لأحد
أصلا، أو إلا من نفر قليل، أولا يهبها، أو
لا یرکبها، أولا يلبسها، أولا يسكنها، أو
لا یؤاجرها، أو علی أنه إن باعها من أحد فهو
أحق بالثمن. أو يشترط الخيار إلى أمد بعيد.
(١) رد المحتار ١٢١/٤ بتصرف.
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٦٥/٣، وشرح
الخرشي ٥/ ٨٠
- ٢٤٧ -

بيع وشرط ١٢ - ١٤
ففي هذه الأحول كلها يبطل الشرط
والبيع . (١)
١٢ - واستثنى المالكية من منافاة الشرط مقتضى
العقد بعض الصور:
الأولى : أنه لوطلب البائع من المشتري
الإقالة، فقال له المشتري: على شرط إن بعتها
غيري فأنا أحق بها بالثمن. فهذه الصورة
مستثناة من عدم البيع من أحد، وهي مع ذلك
جائزة عندهم، لأنه يغتفر في الإقالة ما لا يغتفر
في غیر ھا(٢)
الثانية : أن يشترط البائع على المشتري أن
يقف المبيع، أو أن يهبه، أو أن يتصدق به على
الفقراء، فهذه من الجائزات، لأنها من ألوان
البر الذي يدعو إليه الشرع.
الثالثة : أن يبيع أمة بشرط تنجيز عتقها،
فإنه جائز، وإن كان منافيا لمقتضى العقد، وهذا
لتشوف الشارع إلى الحرية، بخلاف اشتراط
التدبير والكتابة، واتخاذ الأمة أم ولد، فإنه
لا يجوز، لما فيه من التضييق على المشتري .
١٣ - أما الشرط الثاني، وهو الإِخلال بالثمن،
فهو مصور بأمرين :
الأول : الجهل بالثمن، وهذا يتمثل بالبيع
(١) القوانين الفقهية (١٧١)، والشرح الكبير وحاشية الدردير
عليه ٣/ ٦٦، وشرح الخرشي ٥/ ٨٠
(٢) الشرح الكبير ٦٦/٣
بشرط السلف، أي القرض من أحدهما للآخر.
فإن كان شرط السلف صادرا من المشتري،
أخل ذلك بالثمن، لأنه يؤدي إلى جهل في
الثمن، بسبب الزيادة، لأن انتفاعه بالسلف
من جملة الثمن، وهو مجهول. وإن كان شرط
السلف صادرا من البائع، أخل ذلك بالثمن،
لأنه يؤدي إلى جهل في الثمن، بسبب
النقص، لأن انتفاعه بالسلف من جملة المثمن،
وهو مجهول. (١)
الآخر : شبهة الربا، لأن البيع بشرط
السلف، يعتبر قرضا جرنفعا:
فإن كان المشتري هو المقترض، صار
المقرض له هو البائع، فينتفع البائع بزيادة
الثمن.
- وإن كان البائع هو المقترض، صار المقرض له
هو المشتري، فينتفع المشتري بنقص الثمن. (٢)
وقد صرح ابن جزي في هذا الصدد بأن
اشتراط السلف من أحد المتبايعين لا يجوز
بإجماع. (٣)
١٤ - أما الشرط الثالث، وهو الذي يقتضيه
العقد، فهو كشرط تسليم المبيع إلى المشتري،
(١) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٦٦/٣
بتصرف، وانظر أيضا شرح الخرشي ٥/ ٨١
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٣/ ٦٧
(٣) القوانين الفقهية (١٧٢)
- ٢٤٨ -

بيع وشرط ١٥ - ١٧
والقيام بالعيب، ورد العوض عند انتقاض
البيع، فهذه الأمور لازمة دون شرط، لاقتضاء
العقد إياها، فشرطها تأكيد - كما يقول
الدسوقي . (١)
١٥ - وأما الرابع من الشروط، فهو كشرط
الأجل المعلوم، والرهن، والخيار، والحميل (أي
الكفيل) فهذه الشروط لا تنافى العقد، ولا
يقتضيها، بل هي مما تعود عليه بمصلحة، فإن
شرطت عمل بها، وإلا فلا .
وصححوا اشتراط الرهن، ولو كان غائبا،
وتوقف السلعة حتى يقبض الرهن الغائب.
أما اشتراط الكفيل الغائب فجائز إن قربت
غیبته، لا إن بعدت، لأنه قد يرضى وقد يأبى،
فاشترط فيه القرب .
١٦ - وقد عرض ابن جزي لصور من الشرط،
تعتبر استثناء، أوذات حکم خاص، منها هذه
الصورة، وهي: ما إذا شرط البائع منفعة
لنفسه، كركوب الدابة أوسكنى الدارمدة
معلومة، فإن البیع جائز، والشرط صحیح. (٢)
فيبدو أن هذا كالاستثناء من التفصيل
الرباعي المتقدم. (٣) ودليله حديث جابر
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣/ ٦٥
(٢) الشرح الكبير ٣/ ٦٧، وحاشية الدسوقي عليه ٣/ ٦٥،
والقوانين الفقهية (١٧٢)
(٣) راجع (ف١١) من هذا البحث.
المعروف وهو: (أنه کان یسیر علی جمل له، قد
أعيا، فأراد أن يسيبه. قال: ولحقني النبي ◌َّ
فدعا لي، وضربه، فسار سيرا لم يسر مثله،
فقال: بعنیه، فقلت: لا . ثم قال: بعنیه،
فبعته، واستثنيتُ حملانه إلى أهلي)» وفي رواية :
((وشرطت ظهره إلى المدينة)). (١)
ويبدو أن هذا شرط جائز عند کثیر ین، فقد
علق الشوكاني على هذا الحديث بقوله: وهو
يدل على جواز البيع مع استثناء الركوب، وبه
قال الجمهور، وجوزه مالك إذا كانت مسافة
السفر قريبة، وحدها بثلاثة أيام. وقال الشافعي
وأبو حنيفة وآخرون: لا يجوز ذلك، سواء أقلت
المسافة أم کثرت.(٢)
والحديث - وإن كان في الانتفاع اليسير
بالمبيع إذا كان مما يركب من الحيوان - لكن
المالكية قاسوا عليه الانتفاع اليسير بكل مبيع
بعد بيعه، على سبيل الاستمرار، تيسيرا، نظرا
لحاجة البائعين.
١٧ - والجدير بالذكر عند المالكية، هو أنه: إن
أسقط الشرط المخل بالعقد، سواء أكان شرطا
يناقض المقصود من البيع كاشتراط عدم بيع
المبيع، أم كان شرطا يخل بالثمن كاشتراط
(١) حديث جابر ((في اشتراطه الحمل على الجمل ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣١٤/٥ ط السلفية)،
ومسلم (٢٢١/٣ ط عيسى الحلبي).
(٢) نيل الأوطار ١٧٨/٥، ١٧٩
- ٢٤٩ -

بیع وشرط ١٨ - ١٩
السلف من أحد المتبايعين، فإنه يصح البيع.
ولا يشترط في هذه الحال سوی أن یکون
الإسقاط مع قيام السلعة .
فقد علل الخرشي صحة البيع هنا، بحذف
شرط السلف، بقوله: لزوال المانع . (١)
١٨ - وهل يستوى الحكم في الإسقاط، في مثل
شرط القرض، بين أن يكون قبل التمكن من
الانتفاع به، وبین أن یکون بعد التمكن؟ قولان
لهم في المسألة:
أ - فمشهور المذهب، وهو قول ابن القاسم،
أنه: إذا رد القرض على المقرض، والسلعة
قائمة، صح البيع، ولو بعد غيبة المقترض على
القرض غيبة يمكنه الانتفاع به .
ب - وقول سحنون وابن حبيب، هو: أن
البيع ينقض مع الغيبة على القرض، ولو أسقط
شرط القرض، لوجود موجب الربا بينهما، أو
لتمام الربا بینهما ۔ کما عبر الشیخ الدردير- فلا
ينفع الإِسقاط.
والمعتمد الأول عند الدردير، کما صرح به،
ومال الدسوقي إلى الآخر، كما يبدومن كلامه
(١) انظر في هذا القوانين الفقهية (١٧٢) فقد صرح ابن جزي
هنا بقوله: خلافا لهم، وانظر الشرح الكبير للدردير
وحاشية الدسوقي عليه ٦٧/٣، وشرح الخرشي ٨١/٥
ونقله الآخر، فقد حكى تشهيره، وكذا الذي
يبدو من کلام العدوي .(١)
وهنا سؤالان يطرحان :
١٩ - السؤال الأول : ما الذي يلزم لووقع البيع
بشرط القرض، وهو الشرط المخل بالثمن،
وفاتت السلعة عند المشتري، بمفوّت البيع
الفاسد (كما لوهلكت) سواء أُسْقَطَ مشترط
الشرط شرطَه، أم لم يسقطه؟ وفي الجواب
أقوال:
الأول : وهذا في المدونة - إما أن يكون
المقرض هو المشتري أو البائع :
أ - فإن كان المشتري هو الذي أقرض
البائع، فإن المشتري يلزمه الأكثر من الثمن
الذي وقع به البيع، ومن القيمة يوم القبض.
فإذا اشتراها بعشرين والقيمة ثلاثون، لزمه
ثلاثون .
ب - وإن كان البائع هو الذي أقرض
المشتري، فعلى المشتري للبائع الأقل من
الثمن ومن القيمة، فيلزمه في المثال المذكور
عشرون، لأنه أقرض ليزداد، فعومل بنقيض
قصده .
الثاني : يقابل الذي في المدونة، وهو لزوم
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٣/ ٦٧ مع بعض
التصرف. وحاشية العدوي على شرح الخرشي ٨٢/٥
- ٢٥٠ -

بيع وشرط ٢٠ - ٢١
القيمة مطلقا، سواء أكان المسلف هو البائع أم
المشتري .
الثالث : أن تغريم المشتري الأقل، إذا
اقترض من البائع محله إذا لم يغب على
ما اقترضه، وإلا لزمه القيمة بالغة ما بلغت. (١)
وهذا کله إذا کان المبیع قیمیا، فإن کان
مثلیا، فإنما يجب فیه المثل، لأنه کعينه، فلا
کلام لواحد، فهو بمثابة ما لو کان قائما، ورد
بعينه . (٢)
السؤال الثاني :
٢٠ - ما الذي يلزم، لووقع البيع بشرط مناقض
للمقصود، وفاتت السلعة عند المشتري، سواء
أُسِقط ذلك الشرط، أم لم يسقط؟
قالوا : الحكم هو: أن للبائع الأكثر من
قيمتها يوم القبض ومن الثمن، لوقوع البيع
بأنقص من الثمن المعتاد، لأجل الشرط. (٣)
ثالثا : مذهب الشافعية :
٢١ - التزم الشافعية نهي الشارع عن بيع وشرط
في الحديث المتقدم. والتزموا حديث ابن عمر
رضي الله عنهما أن النبي وَلو قال: ((لا يحل
سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٣/ ٦٧
(٢) حاشية الدسوقي في الموضع نفسه .
(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٦٧/٣
يضمن، ولا بيع ما ليس عندك))(١) ولم يستثنوا
إلا ما ثبت استثناؤه بالشرع، وقليلا مما رأوا أنه
من مقتضيات العقد أو مصالحه، فكان مذهبهم
بذلك أضيق المذاهب الثلاثة.
ومع ذلك، فقد قسم بعضهم الشرط،
فقال:
الشرط إما أن يقتضيه مطلق العقد،
کالقبض والانتفاع والرد بالعیب، أوْلا .
فالأول: لا يضر بالعقد.
والثاني - وهو الذي لا يقتضيه العقد - إما أن
يتعلق بمصلحة العقد، كشرط الرهن،
والإِشهاد والأوصاف المقصودة - من الكتابة
والخياطة والخيار(٢) وتحو ذلك - أولا.
فالأول : لا يفسده، ويصح الشرط نفسه.
والثاني : - وهو الذي لا يتعلق بمصلحة
العقد ۔ إما أن لا یکون فیه غرض یورث تنازعا،
كشرط أن لا تأكل الدابة المبيعة إلا كذا، فهو
لاغ، والعقد صحیح، وإما أن یکون فيه غرض
يورث تنازعا، فهذا هو الفاسد المفسد، كالأمور
التي تنافي مقتضاه، نحو عدم القبض، وعدم
(١) حديث: ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع ... )).
أخرجه الترمذي (٥٣٥/٣ ط مصطفى الحلبي). وقال:
حسن صحيح.
(٢) هكذا في الأصل، وهل الصواب: والخيازة؟
(٣) حاشية الجمل على شرح المنهج ٣/ ٧٤، ٧٥
- ٢٥١ -

بيع وشرط ٢٢ - ٢٣
التصرف وما أشبه ذلك. (١)
وخلاصة هذا التقسيم :
(١) أن اشتراط ما يقتضيه العقد، أو يتعلق
بمصلحته أو بصحته، صحیح.
(٢) وأن اشتراط ما لا غرض فيه لاغ،
ولا يفسد العقد.
(٣) وأما اشتراط ما فيه غرض يورث
تنازعا، فهو الشرط المفسد، وذلك كاشتراط
ما يخالف مقتضاه. (١)
٢٢ - ومن أهم ما نصوا عليه تطبيقا للحديثين،
ولهذا التقسيم :
(١) البيع بشرط بيع، كأن يقول: بعتك
هذه الارض بألف، علی أن تبیعني دارك بكذا،
أو تشتري مني داري بکذا، فهذا شرط فاسد
مفسد، لا يقتضيه العقد .
(٢) البيع بشرط القرض، كأن يبيعه أرضه
بألف، بشرط أن يقرضه مائة، ومثل القرض
الإِجارة، والتزويج، والإِغارة. (٢)
(٣) شراء زرع بشرط أن يحصده البائع، أو
ثوب بشرط أن يخيطه، ومنه كما يقول عميرة
البرلسي : شراء حطب بشرط أن يحمله إلى
بيته، فالمذهب في هذا وأمثاله بطلان الشراء،
(١) حاشية الجمل على شرح المنهج ٣/ ٧٥ بتصرف.
(٢) تحفة المحتاج بشرح المنهاج، بحاشيتي الشرواني والعبادي
٢٩٤/٤، ٢٩٥، وشرح المحلي بحاشيتي القليوبي
وعميرة، وحاشية الجمل ٣/ ٧٤
لاشتماله على شرط عمل فیما لم يملكه بعد،
وذلك فاسد، ولأنه ۔ کما قال الأسنوي - شرط
يخالف مقتضى العقد، فيبطل البيع والشرط في
الأصح. وإن یکن عندهم قولان آخران في هذه
الجزئية :
أحدهما: أنه يصح البيع، ويلزم الشرط،
وهو في المعنى بيع وإجارة، ويوزع المسمى
عليهما باعتبار القيمة .
وثانيهما: يبطل الشرط، ويصح البيع بما
يقابل المبيع من المسمى . (١)
٢٣ - واستثنى الشافعية مسائل معدودة من
النهي (٢) صححوها مع الشرط وهي :
أ - البيع بشرط الأجل المعين، لقوله تعالى :
﴿إِذا تداينتم بِدَيْنٍ إلى أجلٍ مسمى
فاكْتبوه﴾(٣)
ب - البيع بشرط الرهن، وقيدوه بالمعلومية.
جـ - البيع بشرط الكفيل المعلوم ايضا،
لعوض ما، من مبيع أو ثمن ثابت في الذمة،
وذلك للحاجة إليهما في معاملة من لا يرضى إلا
بهما .
د - الإِشهاد على جريان البيع، للأمر به في
(١) حاشية عميرة على شرح المحلي على المنهاج ٢/ ١٧٧ ،
وشرح المنهج بحاشية الجمل ٣/ ٧٤، ٧٥
(٢) حاشية الجمل على شرط المنهج ٣/ ٧٥، ٧٦ نقلها الشيخ
الجمل عن شرح القسطلاني على البخاري نصا.
(٣) سورة البقرة ٢٨٢
- ٢٥٢ -

بیع وشرط ٢٤ - ٢٦
الآية، قال تعالى: ﴿وأَشْهدوا إذا تَبَايَعْتُم﴾. (١)
هـ ـ البيع بشرط الخيار، لثبوته بحديث
حبان بن منقذ، المعروف. (٢)
٢٤ - البيع بشرط عتق المبيع، وفيه أقوال
عندهم :
القول الأول : وهو أصحها، أن الشرط
صحیح، والبيع صحیح، وذلك لحديث عائشة
رضي الله عنها، أنها أرادت أن تشتري بريرة
للعتق، فاشترطوا ولاءها، فذكرت ذلك
لرسول الله ﴿ فقال: ((اشتريها وأعتقيها، فإنما
الولاء لمن اعتق)(٣) ولم ينكر النبي ولو أن شرط
الولاء لهم، إذ قال: ((مابال أقوام يشترطون
شروطا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطا
لیس في كتاب الله فهو باطل»(٤)
ولأن استعقاب البيع العتق عهد في شراء
القريب، فاحتمل شرطه. ولتشوف الشارع
للعتق .
على أن فيه منفعة للمشتري، دُنْيا بالولاء،
(١) سورة البقرة/ ٢٨٢
(٢) الحديث (سبق تخريجه ف٩)
(٣) حديث: ((إنما الولاء لمن أعتق ... )) أخرجه البخاري.
(فتح الباري ٣٧٦/٤ ط السلفية)، ومسلم (١١٤٥/٣ ط
عيسى الحلبي.)
(٤) حديث: ((من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو
باطل ... )) سبق تخريجه (ف١)
وأُخْرى بالثواب، وللبائع بالتسبب فيه. (١)
القول الثاني : أن الشرط باطل والبيع
باطل، كما لو شرط بيعه أو هبته.
والقول الثالث : أنه يصح البيع، ويبطل
الشرط. (٢)
٢٥ - ومما استثناه الشافعية أيضا من النهي :
شرط الولاء لغير المشتري مع العتق، في
أضعف القولين عندهم، فيصح البيع ويبطل
الشرط، لظاهر حديث بريرة في بعض رواياته،
وقوله - عليه الصلاة والسلام - لعائشة رضي
الله عنها: ((واشترطي لهم الولاء)). (٣)
لكن الأصح بطلان الشرط والبيع في هذه
الحال، لما تقرر في الشرع، من أن الولاء لمن
أعتق .
فأجاب هؤلاء عن حديث عائشة
((واشترطي لهم الولاء)) بأن الشرط لم يقع في عقد
البيع، وبأنه خاص بقضية عائشة، وبأن قوله:
(لهم)) بمعنى: عليهم (٤)
٢٦ - ومما استثنوه أيضا: شرط البراءة من
العيوب في المبيع، لأنه يحتاج البائع فيه إلى
(١) تحفة المحتاج ٤/ ٣٠٠
(٢) حاشية الجمل ٧٥/٣، ٧٦ وانظر أيضا شرح المنهج فيه
٧٦/٣
(٣) حديث: ((الولاء لمن أعتق ... )) سبق تخريجه (ف٢٤)
(٤) حاشية الجمل على شرح المنهج ٧٦/٣، وانظر شرح
المحلي على المنهاج ٢/ ١٨٠
- ٢٥٣ -

بيع وشرط ٢٧
شرط البراءة، لیثق بلزوم البيع فیما لا يعلمه من
الخفي، دون ما يعلمه، مطلقا في حيوان أو
غيره، فالبيع مع الشرط المذكور صحيح مطلقا،
سواء أصح الشرط أم لم يصح، لأنه شرط يؤكد
العقد، ويوافق ظاهر الحال، وهو السلامة من
العيوب .(١)
وتأيد هذا بما روي أن ابن عمر رضي الله
عنهما: باع عبدا له بثمانمائة درهم، بالبراءة،
فقال له المشتري : به داء لم تسمه لي. فاختصما
إلى عثمان رضي الله عنه فقضى على ابن عمر
أن يحلف: لقد باعه العبد وما به داء یعلمه،
فأبى أن يحلف، وارتجع العبد، فباعه بألف
وخمسمائة. (٢)
قالوا : فدل قضاء عثمان المشهوربين
الصحابة على جواز اشتراط البراءة من
العيب، وهو مشهور بين الصحابة، فصارمن
الإِجماع السكوتي. (٣)
٢٧ - ومما استثنوه أيضا :
أ - شرط نقل المبيع من مكان البائع، قالوا:
(١) شرح المنهج ١٣٢/٣، ١٣٣
(٢) أثر ابن عمر ((أنه باع عبدا ... الخ)) ذكره شيخ الإِسلام
زكريا الأنصاري في شرح المنهج (١٣٢/٣ ط اليمنية)،
وعزاه إلى البيهقي، ونقل عنه أنه صححه، ولم نجده في
کتاب السنن للبيهقي، فلعله في أحد کتبه الأخرى.
(٣) انظر شرح المنهج، وحاشية الجمل عليه ١٣٢/٣، وشرح
المحلي على المنهاج ١٧٨/٢
لأنه تصريح بمقتضى العقد.(١)
ب - شرط قطع الثمار أو تبقيتها بعد صلاحها
ونضجها، فهو جائز في عقد البيع، کما أنه جائز
بيعها بعد النضج مطلقا من الشرط.
لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن
النبي ◌ّ ((نهى عن بيع الثمار حتى يبدو
صلاحها)). (٢) وفي رواية عن أبي هريرة رضي
الله عنه، قال: قال رسول الله وَ ل﴾ ((لا تتبايعوا
الثمار حتى يبدو صلاحها))(٣)
فالحديث يدل على جواز بيع الثمر بعد بدو
إصلاحه، وهو صادق بكل الأحوال الثلاثة :.
بيعه من غير شرط، وبشرط قطعه، وبشرط
إبقائه. (٤)
جـ ـ شرط أن يعمل البائع عملا معلوما في
المبيع، كما لواشترى ثوبا بشرط أن يخيطه
البائع، في أضعف أقوال ثلاثة، وقد
تقدمت.(٥)
د - اشتراط وصف مقصود في المبيع عرفا،
ككون الدابة حاملا أو ذات لبن، فالشرط
(١) حاشية الجمل على شرح المنهج ٧٦/٣
(٢) حديث: ((نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٩٤/٤ ط السلفية)،
ومسلم (١١٦٧/٣ ط الحلبي)، واللفظ للبخاري.
(٣) حديث: ((لا تتبايعوا الثمار حتى يبدو صلاحها ... ))
أخرجه مسلم (١١٦٧/٣ ط الجلبي).
(٤) شرح المحلي على المنهاج ٢٣٣/٢
(٥) راجع (ف٢٢) من هذا البحث.
- ٢٥٤ -

بیع وشرط ٢٨
صحيح، وللمشتري الخيار إن تخلف الشرط.
قالوا: ووجه الصحة: أن هذا الشرط يتعلق
بمصلحة العقد.(١)
ولأنه التزام موجود عند العقد ولا يتوقف
التزامه على إنشاء أمر مستقبل، ذاك الذي هو
حقيقة الشرط، فلم يشمله النهي عن بيع
وشرط. (٢)
هـ - اشتراط أن لا يسلم المبيع حتى يستوفي
الثمن .
و - شرط الرد بالعيب، لأنه مقتضى
العقد. (٣)
ز- خيار الرؤية فيما إذا باع ما لم يره، على
القول بصحته، للحاجة إلى ذلك : (٤)
رابعا : مذهب الحنابلة :
٢٨ - قسم الحنابلة الشروط في البيع إلى
قسمین :
الأول : صحيح لازم، ليس لمن اشترط
عليه فکه .
. الآخر : فاسد يحرم اشتراطه .
(١) فالأول: وهو الشرط الصحيح اللازم،
ثلاثة أنواع :
(١) شرح المنهج بحاشية الجمل ٧٨/٣ - ٨٠، وشرح المحلي
وحاشية القليوبي عليه ٢/ ١٨٠، ١٨١
(٢) تحفة المحتاج ٣٠٥/٤، والواو الزائدة في النص من حاشية
الشر واني علیھا .
(٣) شرح المحلي على المنهاج ٢/ ١٨٠
(٤) حاشية الجمل ٧٦/٣
أحدها: ماهو مقتضى العقد بحكم
الشرع، كالتقابض، وحلول الثمن، وتصرف
كل واحد منهما فيما یصیر إليه، وخيار المجلس،
والرد بعیب قدیم.
فهذا الشرط وجوده کعدمه، لا یفید حكما،
ولا يؤثر في العقد، لأنه بيان وتأكيد لمقتضى
العقد.(١)
الثاني : شرط من مصلحة العقد، أي تتعلق
به مصلحة تعود على المشترط من المتعاقدين :
كالخيار، والشهادة، أو اشتراط صفة في الثمن،
کتأجیله كله أو بعضه، أو رهن معین به، أو
کفیل معين به، أو اشتراط صفة مقصودة في
المبيع، كالصناعة والكتابة، أو اشتراط كون
الدابة ذات لبن، أو غزيرة اللبن، أو الفهد
صيودا، أو الطير مصوتا، أو يبيض، أو يجيء
من مسافة معلومة، أوكون خراج الأرض
كذا .. فيصح الشرط في كل ماذكر، ويلزم
الوفاء به، (٢) وذلك لحديث: ((المسلمون عند
شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم
حلالا))، (٣) ولأن الرغبات تختلف باختلاف
ذلك، فلو لم يصح اشتراط ذلك لفاتت الحكمة
التي لأجلها شرع البيع.
(١) كشاف القناع ١٨٩/٣، والمغني ٢٨٥/٤
(٢) كشاف القناع ١٨٩/٣، ١٩٠، والمغني ٢٨٥/٤، ٢٨٦
(٣) حديث: ((المسلمون على شروطهم ... )) سبق تخريجه
(ف١)
- ٢٥٥ -

بيع وشرط ٢٨ - ٢٩
فهذا الشرط إن وفى به لزم، وإلا فللمشترط
له الفسخ لفواته، أو أرش فقد الصفة، فإن تعذر
الرد تعين أرش فقد الصفة، كالمعيب إذا تلف
عند المشتري . (١).
الثالث : شرط ليس من مقتضى العقد،
ولا من مصلحته، ولا ينافي مقتضاه، لكن فيه
نفعا معلوما للبائع أو للمشتري .
أ - كما لوشرط البائع سكنى الدار المبيعة
شهرا، أو أن تحمله الدابة (أو السيارة) إلى
موضع معلوم، فإنه يصح لحديث جابر رضي
الله عنه، حين باع جَمَله من النبيِ ◌ّ إذ قال:
((فبعتُه واستثنيتُ حملانه إلى أهلي))(٢)
وحديث: جابر أيضا، أن النبي ◌َّ ((نهى
عن المحاقلة والمزابنة، والثنيا إلا أن تعلم)) (٣)
والمراد بالثنيا الاستثناء .
وقياسا على ما لوباعه دارا مؤجرة.
ومثل ما تقدم أيضا: اشتراط البائع أن
يحبس المبيع حتى يستوفي ثمنه، وكذا اشتراطه
(١) كشاف القناع ١٨٩/٣، ١٩٠
(٢) حديث جابر: أخرجه البخاري (فتح الباري ٣١٤/٥ ط
السلفية)، ومسلم (١٢٢١/٣ ط عيسى الحلبي).
(٣) حديث: ((نهى عن المحاقلة والمزابنة والثنيا إلا أن
تعلم ... )) أخرجه مسلم (٣/ ١١٧٥ ط عيسى الحلبي)،
والبخاري (فتح الباري ٥/ ٥٠ ط السلفية). دون قوله
((والثنيا إلا أن تعلم)) وأخرج الترمذي (٨٥/٣ ط الحلبي)
الشطر المذكور ((والثنيا إلا أن تعلم))
المنفعة لغيره مدة معلومة، فلوتلفت العين
المشترط استثناء نفعها، قبل استيفاء البائع
النفع :
فإن كان التلف بفعل المشتري وتفريطه،
لزمه أجرة مثله، لتفويته المنفعة المستحقة على
مستحقها. وإن تلفت بغير ذلك، لم يلزمه
العوض .(١).
ب - وكما لوشرط المشتري على البائع حمل
الحطب، أو تکسیره، أو خياطة ثوب، أو
تفصيله، أو حصاد زرع، أو جز رطبه، فيصح
إن كان النفع معلوما، ويلزم البائع فعله. ولو
شرط عليه أن يحمل متاعه إلى منزله، والبائع
لا یعرفه، فلهم فیه وجهان. (٢)
ثم إن تعذر العمل المشروط بتلف المبيع، أو
استحق النفع بالإِجارة الخاصة، أو تعذر بموت
البائع، رجع المشتري بعوض ذلك النفع، کما
لو انفسخت الإِجارة بعد قبض عوضها، رجع
المستأجر بعوض المنفعة .
وإن تعذر العمل على البائع بمرض، أقيم
مقامه من يعمل، والأجرة على البائع، كما في
الإِجارة. (٣)
٢٩ - استثنى الحنابلة من جواز اشتراط النفع
(١) كشاف القناع ١٩١/٣
(٢) نفس المرجع.
(٣) كشاف القناع ١٩٢/٣
- ٢٥٦ -
٠

بيع وشرط ٣٠ - ٣١
المعلوم، ما لوجمع في الاستثناء بين شرطين،
وکانا صحیحین: کحمل الحطب وتکسیره، أو
خياطة الثوب وتفصیلہ، فإن البيع لا يصح،
لحديث: عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن
النبي ﴾ قال: ((لا يحل سلف وبيع،
ولا شرطان في بیع، ولا ربح ما لم یضمن، ولا
بيع ما ليس عندك)). (١)
أما إن كان الشرطان المجموعان من مقتضى
العقد، کاشتراط حلول الثمن مع تصرف كل
منہما فیما یصیر إلیه، فإنه يصح بلا خلاف. أو
یکونا من مصلحة البیع، کاشتراط رهن وکفیل
معینین بالثمن، فإنہ یصح، کما لو كانا من
مقتضاه. (٢)
(٢) والآخر : وهو الشرط الفاسد المحرم،
تحته أيضا ثلاثة أنواع:
النوع الأول :
٣٠ - أن يشترط أحدهما على صاحبه عقدا
آخر: كعقد سلم، أو قرض، أو بيع، أو إجارة،
أو شرکة، فهذا شرط فاسد، يفسد به البيع،
سواء أشترطه البائع أم المشتري .
وهذا مشهور المذهب، وإن كان بطلان
(١) حديث: ((لا يحل سلف وبيع ... )) سبق تخريجه (ف٢١)
(٢) كشاف القناع ١٩١/٣، ١٩٢. وانظر أيضا المغني
٤/ ٢٨٥، والشرح الكبير في ذيله ٥٣،٥٢/٤
الشرط وحده احتمالا عندهم، وهورواية عن
الإِمام أحمد. (١)
ودليل المشهور :
أ - أنه بيعتان في بيعة، وأن النبي وَ ل﴾ ((نهى
عن بيعتين في بيعة)). (٢) والنهي يقتضي الفساد.
ب - وقول ابن مسعود رضي الله عنه :
«صفقتان في صفقة ربا)).
جـ ـ ولأنه شرط عقدا في آخر، فلم يصح،
کنكاح الشغار.
وكذلك كل ما كان في معنى ذلك، مثل أن
يقول: بعتك داري بكذا على أن تزوجني
ابنتك، أو على أن تنفق على دابتي، أو على
حصتي من ذلك، قرضا أو مجانا. (٣)
النوع الثاني :
٣١ - أن يشترط في العقد ماينا في مقتضاه ..
مثل: أن يشترط البائع على المشتري أن
لا يبيع المبيع، ولا يهبه، ولا يعتقه، أويشترط
عليه أن يبيعه، أو يقفه، أو أنه متى نفق (هلك)
المبیع فبها، وإلا رده، أو إن غصبه غاصب رجع
(١) راجع الإنصاف ٤/ ٣٤٩، ٣٥٠
(٢) حديث: ((نهى عن بيعتين ... )) أخرجه أحمد (٤٣٢/٢
ط اليمنية)، والترمذي (٥٣٣/٣ ط مصطفى الحلبي).
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٣) كشاف القناع ١٩٣/٣، وانظر أيضا المغني ٢٨٦/٤،
والشرح الكبير في ذیله ٥٣/٤
- ٢٥٧ -

٠
بیع وشرط ٣٢ - ٣٤
عليه بالثمن، وإن أعتقه فالولاء له، فهذه وما
أشبهها شروط فاسدة .
وفي فساد البيع بها روايتان في المذهب.
والمنصوص عن أحمد أن البيع صحيح،
ولا يبطله الشرط، بل يبطل الشرط فقط، لأن
النبي وي أبطل الشرط في حديث بريرة
المعروف، ولم يبطل العقد. (١)
٣٢ - وقد استثنى الحنابلة من هذا الشرط
الباطل العتق، فيصح أن يشترطه البائع على
المشتري، لحديث بريرة المذكور، ويجبر
المشتري على العتق إن أباه، لأنه حق لله تعالى
كالنذر، فإن امتنع المشتري من عتقه أعتقه
الحاكم علیه، لأنه عتق مستحق عليه، لكونه
قربة التزمها، كالنذر. (٢)
٣٣ - وبناء على الحكم بصحة البيع فيما
تقدم، وبفساد الشرط فقط بناء على مذهبهم -
فإنه يجوز للذي فات غرضه بفساد الشرط، من
البائع والمشتري، سواء أعلم بفساد الشرط أم لم
یعلم - مايلي :
أ - فسخ البيع، لأنه لم يسلم له مادخل عليه
من الشرط .
ب - للبائع الرجوع بما نقصه الشرط من
الثمن بإلغاء الشرط، لأنه إنما باع بنقص، لما
(١) حديث بريرة سبق تخريجه (ف٢٤)
(٢) كشاف القناع ٣/ ١٩٤
يحصل له من الغرض الذي اشترطه، فإذا لم
يحصل له غرضه رجع بالنقص .
جـ - وللمشتري الرجوع بزيادة الثمن بإلغاء
الشرط، لأنه إنما اشترى بزيادة الثمن، لما
يحصل له من الغرض الذي اشترطه، فإذا لم
يحصل له غرضه رجع بالزيادة التي سمح بها،
کما.لو وجده معیبا .
فللبائع الخيار بين الفسخ وبين أخذ أرش
النقص.
وللمشتري الخيار بين الفسخ وبين أخذ
ما زاده على الثمن. (٢)
ومع ذلك فقد ذكر الحنابلة أيضا احتمال
ثبوت الخيار، بدون الرجوع بشيء، وذلك :
قياسا على من شرط رهنا أو ضمينا، فامتنع
الراهن والضمين. ولأنه ماينقصه الشرط من
الثمن مجهول، فيصير الثمن مجهولا . ولأن
النبي ◌َّه لم يحكم لأرباب بريرة بشيء، مع
فساد الشرط، وصحة البيع. (٢)
النوع الثالث :
٣٤ - أن يشترط البائع أو المشتري شرطا يعلق
عليه البيع والشراء، كقول البائع : بعتك إن
جئتني بكذا، أوبعتك إن رضي فلان، وكقول
(١) المرجع نفسه، وانظر المغني ٤ / ٢٨٧، والشرح الكبير في
ذيله ٤/ ٥٤
(٢) الشرح الكبير في ذيل المغني ٤ / ٥٤، ٥٥
- ٢٥٨ -

بیع وشرط ٣٥
المشتري: اشتریت إن جاء زید، فلا يصح
البيع، وذلك لأن مقتضى البيع نقل الملك حال
التبايع، والشرط هنا يمنعه. ولأنه علق البيع
على شرط مستقبل، فلم يصح، كما إذا قال:
بعتك إذا جاء آخر الشهر. واستثنوا من ذلك
قول البائع: بعتك إن شاء الله، وقول
المشتري: قبلت إن شاء الله، وبیع العربون،
فإنه يصح، لأن نافع بن الحارث اشترى لعمر
دار السجن من صفوان، فإن رضي عمر، وإلا
له کذا وكذا .(١)
(ر: مصطلح عربون)
بيعتان في بيعة :
٣٥ - ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه
قال: ((نهى النبي ◌ِّ ل عن بيعتين في بيعة)). (٢)
وورد في حديث ابن مسعود رضي الله عنه .
قال: ((نهى النبي صَلّه عن صفقتين في
صفقة)) . (٣)
والمراد بهذه المسألة: جمع بيعتين في عقد
واحد. وتسمية ذلك العقد بيعتين باعتبار تعدد
الثمن . (١)
وأشار الكمال بن الهمام من الحنفية إلى توهم
من يتكلم في الحديث: أن الحديثين بمعنى
واحد، وليس كذلك، بل حديث البيعتين
أخص من حديث الصفقتين، لأن الأول
خصوص صفقة من الصفقات، وهي البيع، (٢)
وأما حديث الصفقتين فهو أعم لشموله البيع
وغيره، كالإِجارة. واختلفت الصور التي ألقاها
الفقهاء لتصور المنهى عنه .
على تفصيل ينظر في مصطلح: (بيعتان في
بيعة).
بيع الوضيعة
انظر : وضيعة
(١) كشاف القناع ١٩٥/٣، والشرح الكبير في ذيل المغني
٥٨/٤
(٢) سبق تخريجه .
(٣) حديث: ((نهى عن صفقتين ... )) أخرجه أحمد (٣٩٨/١
ط اليمنية)، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند
(٢٩٥/٢ ط دار المعارف).
(١) حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني، في شرح
رسالة ابن أبي زيد القيرواني (٤ / ١٥٧)
(٢) فتح القدير ٦/ ٨١
- ٢٥٩ -

بیع الوفاء ١ - ٢
بيع الوفاء
التعريف :
١ - البيع هو: مبادلة مال بمال. (١)
والوفاء لغة: ضد الغدر، يقال: وفى بعهده
وأوفى بمعنى واحد، والوفاء: الخلق الشريف
العالي الرفيع، وأوفى الرجل حقه ووفاه إياه
بمعنی : أکمله له وأعطاه وافیا .
وفي اصطلاح الفقهاء، بيع الوفاء هو: البيع
بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد المشتري المبيع
إليه، وإنما سمي (بيع الوفاء) لأن المشتري
يلزمه الوفاء بالشرط .
هذا، ويسميه المالكية ((بيع الثنيا)) والشافعية
((بيع العهدة))(٢) والحنابلة ((بيع الأمانة))(٣)
ويسمى أيضا ((بيع الطاعة)) و((بيع الجائز)) وسمي
في بعض كتب الحنفية ((بيع المعاملة)) (٤)
(١) مجلة الأحكام العدلية مادة: ((١٠٥))
(٢) الخطاب ٣٧٣/٤، وبغية المسترشدين ص١٣٣
(٣) كشاف القناع ١٤٩/٣ - ١٥٠
(٤) الفتاوى الهندية ٣/ ٢٠٩
حكم بيع الوفاء :
٢ - اختلف الفقهاء في الحكم الشرعي لبيع
الوفاء.
فذهب المالكية والحنابلة والمتقدمون من
الحنفية والشافعية إلى : أن بيع الوفاء فاسد،
لأن اشتراط البائع أخذ المبيع إذا رد الثمن إلى
المشتري يخالف مقتضى البیع وحکمه، وهو
ملك المشتري للمبيع على سبيل الاستقرار
والدوام. وفي هذا الشرط منفعة للبائع، ولم يرد
دليل معين يدل على جوازه، فيكون شرطا
فاسدا یفسد البيع باشتراطه فيه.
ولأن البيع على هذا الوجه لا يقصد منه
حقيقة البيع بشرط الوفاء، وإنما يقصد من ورائه
الوصول إلى الربا المحرم، وهو إعطاء المال إلى
أجل، ومنفعة المبيع هي الربح، والربا باطل في
جميع حالاته.
وذهب بعض المتأخرين من الحنفية
والشافعیة إلی أن بیع الوفاء جائز مفيد لبعض
أحكامه، وهو انتفاع المشتري بالمبيع - دون
بعضها - وهو البيع من آخر.
وحجتهم في ذلك: أن البيع بهذا الشرط
تعارفه الناس وتعاملوا به حاجتهم إليه، فرارا
من الربا، فيكون صحيحا لا يفسد البيع
باشتراطه فیه، وإن کان مخالفا للقواعد، لأن
- ٢٦٠ -