النص المفهرس
صفحات 201-220
بيع منهي عنه ٨٩ - ٩١ عنه أن النبي و ﴿ قال: ((لا تشتروا السمك في الماء، فإنه غرر)).(١) وجمهور الفقهاء متفقون على أنه لا يصح بیعه قبل اصطياده، كما لا يصح بيعه إذا صيد ثم ألقي في الماء بحيث لا يمكن أخذه إلا بمشقة، وأنه فاسد، لأنه بیع ما لم يملك، وفيه غرر كثير فلا يغتفر إجماعا، ولأنه لا يقدر على تسليمه إلا بعد اصطياده، فأشبه الطير في الهواء، كما أنه مجهول فلا يصح بيعه، کاللبن في الضرع والنوى في التمر. (٢) ومذهب الحنفية أنه باطل - باصطلاحهم فيه - ومنهم من ذهب إلى أنه فاسد، إذا بيع بعرض، لأن السمك یکون حينئذ ثمنا والعرض مبيعا، وإذا دخلت الجهالة على الثمن كان البيع فاسدا، ولم يكن باطلا. فإن بيع بالدراهم والدنانير فهوباطل، لعدم الملك في المبيع، إذ يتعين كون السمك حينئذ مبيعا، والدراهم أو الدنانير ثمنا. وفيه صور من الجواز بشروط خاصة (١) حديث: ((لا تشتروا السمك في الماء ... )) أخرجه أحمد (٣٨٨/١ ط اليمنية) وصوب الدارقطني والخطيب وقفه. (التلخيص لابن حجر ٣/ ٧ ط شركة الطباعة الفنية). (٢) تبيين الحقائق ٤٥/٤، والشرح الكبير للدردير ٣/ ٦٠، وانظر الإشارة إلى نظيره في شرح الخرشي ٥/ ٦٩، ٧٥، والمغني ٢٧٢/٤ وأحكام(١) يرجع في تفصيلها إلى موطنه من مصطلح (غرر). ٩٠ - ومثل بيع السمك في الماء ، بيع الطير في الهواء، ولا يختلف الفقهاء في فساده. وللحنفية - خلافا للشافعية والحنابلة - تفصيل بين ما إذا كان يرجع بعد الإِرسال فیصح، وبین ما إذا كان لا يرجع بعد الإِرسال، فلا يصح. أما بيعه قبل صیده، فباطل عندهم، كما هو الإجماع. (٢) وانظر بعض أحكامه، وتفصيلاته، وتعلیلات الجواز وعدمه في مصطلح (غرر، بيع) هـ - بيع العبد الآبق: ٩١ - ورد في الحديث عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله وَّر ((نهى عن شراء العبد وهو آبق))(٣) فيحرم عند الجمهور بيعه في الجملة. وأجاز الحنفية بيعه ممن هو عنده، أويقدر على أخذه. (١) الدر المختار ورد المحتار ١٠٦/٤، وحاشية القليوبي على شرح المحلي ١٥٨/٢، والمغني ٤/ ٢٧٢ (٢) الدر المختار ورد المحتار ١٠٧/٤، وتبيين الحقائق ٤/ ٤٥، ٤٦، وشرح الخرشي ٦٩/٥، وشرح المحلي وحاشية القليوبي عليه ٢/ ١٥٨، وكشاف القناع ١٦٢/٣ (٣) حديث: ((نهى عن شراء العبد وهو آبق ... )) أخرجه ابن ماجة (٢ / ٧٤٠ ط الحلبي) ونقل الزيلعي عن عبدالحق الأشبيلي أنه قال: إسناده لا يحتج به ، نصب الراية (٤ /١٥ ط المجلس العلمي بالهند). - ٢٠١ - بيع منهي عنه ٩٢ - ٩٣ وقید الشافعیة الجواز ببيعه لمن يقدر علی رده بلا مشقة لا تحتمل عادة، وبلا مؤنة لها وقع . وأطلق الحنابلة عدم الجواز، ولو علم مكانه أو قدر على تحصيله، فإن حصل في ید إنسان، جاز، لإمكان تسليمه . وقيس عليه: الجمل الشارد، والفرس العائر، (١) والضال إلا من يسهل عليه رده، والمغصوب إلا لقادر على انتزاعه عند الشافعية. وبيعه من الغاصب صحيح قطعا. (٢) وهناك فروع كثيرة، تراجع في مصطلح : (بیع، غرر). و- بيع اللبن في الضرع : ٩٢ - ورد في النهي عنه حديث ابن عباس رضي الله عنه، قال: ((نهى النبي ◌ّ أن يباع ثمر حتى يطعم، أو صوف على ظهر، أولبن في ضرع، أوسمن في لبن)). (٣) والشوكاني يصرح بأن الفقهاء مجمعون على (١) الفرس العائر: الشارد. (المصباح) (٢) الدر المختار ورد المحتار ١١٢/٤، وبدائع الصنائع ١٤٨/٥، وشرح المحلي ٢/ ٥٨، وكشاف القناع ١٦٢/٣، والمغني ٢٧١/٤ (٣) حديث: ((نهى أن يباع ثمر حتى يطعم ... )) أخرجه الدارقطني (١٤/٣ ط دار المحاسن) والبيهقي (٣٤٠/٥ ط دائرة المعارف العثمانية) وقال البيهقي : تفرد برفعه عمر بن فروخ، وليس بالقوي، ورواه غيره موقوفا، وكذا صوب الدارقطني وقفه على ابن عباس . فساده للحدیث المذكور، وعللوه بأنه مجهول الصفة والمقدار، فأشبه الحمل . . وتردد الحنفية في القول بفساده لاختلاط الملكين، أو بطلانه للشك في وجوده . ووضع ابن الهمام من الحنفية لهذا وأمثاله ضابطا، وهو: أن كل ما بيع بغلافه لا يجوز باستثناء الحبوب في قشرها، (١) وتفصيل أحكامه في (بیع، غرر). ز - بيع الصوف وهو على الظهر: ٩٣ - ورد فيه الحديث المتقدم آنفا. (ف/ ٩٢). وممن نص على فساده الحنفية، وهو المذهب عند الحنابلة . وذهب أبو يوسف إلى جوازه، وهو رواية أيضا عن الإِمام أحمد، بشرط جزه في الحال، وقال المرداوي: فيه قوة (٢) وذهب المالكية إلى جوازه بشرط جزه خلال أيام قليلة كنصف شهر. وحجة القائلين بالفساد: النهي الوارد فیه، وأنه من أوصاف الحيوان وهي لا تفرد بالبيع، واختلاط المبيع (١) نيل الأوطار ١٤٩/٥، والشرح الكبير في ذيل المغني ٢٨/٤، والمغني ٢٧٦/٤ وكشاف القناع ١٦٦/٣ ، والإنصاف ٤/ ٣٠١، والدر المختار ورد المحتار ١٠٨/٤. وانظر الهداية وشروحها ٦/ ٥٠، وتبيين الحقائق ٤٦/٤، وفتح القدير ٦/ ٥١ (٢) الإِنصاف ٣٠١/٤، وجواهر الإكليل ٢/ ١٦٦، والدسوقي ٢٠٣/٣ . - ٢٠٢ - بيع منهي عنه ٩٤ - ٩٥ بغيره لأنه ينبت من الأسفل، أو اتصاله بالحيوان فلم يجز إفراده كأعضائه، أو الجهالة والتنازع في موضع القطع . وأبو يوسف - رحمه الله - يقيسه على بيع القصيل (الفصفصة، أو البرسيم) وفسر بأنه الشعير يجز أخضر لعلف الدواب. (١) وفيه تفصيلات وصور تراجع في مصطلح (بيع، غرر، جهالة). ح - بيع السمن في اللبن : ٩٤ - ورد في النهي عنه حديث ابن عباس رضي الله عنه المتقدم (( ... أوسمن في لبن))(٢) ولا يصح هذا البيع، وذلك لاختلاط المبيع بغیرہ بحیث لا يمتاز عنه، وفيه جهالة وغرر، ثم هو من الأشياء التي في غُلُّفها، والتي لا يمكن أخذها وتسليمها إلا بإفساد الخلقة. كما يقول ابن الهمام من الحنفية باستثناء الحبوب، فلا يصح بيعه. (٣) (١) الهداية وشروحها ٦/ ٥٠، ٥١، وتبيين الحقائق ٤٦/٤، وبدائع الصنائع ١٤٨/٥، وكشاف القناع ١٦٦/٣، والمغني ٤/ ٢٧٦، ونيل الأوطار ٥/ ١٥٠، والمصباح المنير. مادة: ((فصل)). (٢) الحديث سبق تخريجه (ف ٩٢) (٣) انظر تبيين الحقائق وحاشية الشلبي علیه ٤/ ٤٦، ونيل الأوطار ٥/ ١٥٠، وفتح القدير ٦/ ٥١ ط - الثنيا ( أو استثناء المجهول في البيع): ٩٥ - ورد فيها حديث جابر رضي الله عنه أن النبي ◌َّ﴾ ((نهى عن المحاقلة، والمزابنة، والثنيا، إلا أن تعلم))(١) ومعنى الثنيا: الاستثناء، وهي في البيع: أن يبيع شيئا ويستثني بعضه، فإن كان المستثنى معلوما، كشجرة معلومة من أشجار بيعت، صح البيع. وإن كان مجهولا كبعض الأشجار، لم یصح.(٢) فوضع الفقهاء لذلك هذه القاعدة، وهي : أن ما جاز إيراد العقد عليه بانفراده صح استثناؤه منه. وعلق عليها ابن عابدين قوله : هذه قاعدة مذكورة في عامة المعتبرات، مفرع عليها مسائل. (٣) وأشار الشافعية أيضا إلى هذه القاعدة، وكذا الحنابلة، وسماها صاحب الشرح الكبير ضابطا. فقال: وضابط هذا الباب أنه لا يصح استثناء ما لا يصح بيعه منفردا . (٤) (١) حديث: ((نهى عن المحاقلة والمزابنة ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٥/ ٥٠ ط السلفية)، ومسلم (٣/ ١١٧٥ ط الحلبي) دون قوله ((والثنيا إلا أن تعلم)) وأخرج الشطر المذكور الترمذي (٥٨٥/٣ ط الحلبي). (٢) نيل الأوطار ٥/ ١٥٠ (٣) انظر الدر المختار ٤/ ٤٠، وانظرها أيضا في تبيين الحقائق ٤ / ١٣. (٤) انظر شرح المحلي على المنهاج ١٨١/٢، والشرح الكبير في ذيل المغني ٤ / ٢٩ - ٢٠٣ - بيع منهي عنه ٩٦ ٩٦ - وإليك بعض التطبيقات : (أ) لوباع هذا القطيع إلا شاة غير معينة، لم يصح في قول أكثر أهل العلم، وذلك للحديث المذكور في النهي عن بيع الثنيا إلا أن تعلم، ولأنہ مبيع مجهول فلم يصح، فصار كما لو قال: بعتك شاة تختارها من هذا القطيع. وكذلك لو باع بستانا إلا شجرة غير معينة . (١) ومالك -رحمه الله - أجاز ذلك، فللبائع عنده أن یبیع البستان، ویستثنی خمسا من شجراته، لأن البائع - في الغالب - يعرف جيد شجر بستانه وردیئه، فلا يتوهم فیه أنه يختار ثم ينتقل، بخلاف المشتري الذي يتوهم فيه التنقل من واحدة إلى أخرى، ويؤدي إلى التفاضل بين الطعامين إن كانا ربويين أو أحدهما، لأن المنتقل إليه يحتمل أن يكون أقل من المنتقل عنه أو أكثر أو مساويا، والشك في التماثل كتحقق التفاضل، ويؤدي إلى بيع الطعام قبل قبضه إن كانا مكيلين أو أحدهما . (٢) (ب) لوباع هذه الصبرة من القمح ونحوه، إلا قفيزا أو رطلا : - جاز ذلك عند الحنفية ومالك، وهو رواية عن أحمد، لأن الثنيا هنا معلومة، فصاركما لو (١) الدر المختار ورد المحتار ٤١/٤، والشرح الكبير في ذيل المغني ٢٩/٤، ٣٠ (٢) شرح الخرشي ٥/ ٧٣، ٧٤ استثنى منها جزءا مشاعا - كما سيأتي - - ومذهب أحمد أنه لا يجوز، لأن المبيع إنما علم بالمشاهدة لا بالقدر، والاستثناء يغير حكم المشاهدة، لأنه لا یدری کم یبقی في حکم المشاهدة، فلم يجز. (١) (جـ) لوباع هذا القطيع إلا شاة معينة، أو باع هذا البستان إلا شجرة بعينها جازذلك، لأن المستثنى معلوم، ولا يؤدي إلى الجهالة. والمبيع معلوم بالمشاهدة، لكون المستثنى معلوما، فانتفى المفسد. (٢) (د) - لوباع الصبرة إلا أرطالا معلومة: - جاز عند الحنفية، لأنه يصح إيراد العقد عليها، إذا علم أنه يبقى أكثر من المستثنى، ویکون استثناء القليل من الکثیر، كما لو استثنى رطلا واحدا. وكذا يصح عندهم لو كان استثناء الأرطال المعلومة من ثمر على رؤوس النخل، في ظاهر الرواية . (٣) - وعند أحمد - وهو رواية عن أبي حنيفة، وهي الأقيس بمذهبه - لا يجوز هنا كما في الصورة الأولى، إن جهل المتعاقدان كمية (١) الدر المختار ٤١/٤، والشرح الكبير في ذيل المغني ٣٠/٤. وعزاه إلى مالك وغيره. (٢) الدر المختار ٤١/٤، والشرح الكبير في ذيل المغني ٤/ ٣٠، وكشاف القناع ١٦٨/٣ (٣) رد المحتار ٤ / ٤١ - ٢٠٤ - بيع منهي عنه ٩٧ - ٩٨ أرطالها، لأن الجهل بذلك يؤدي إلى الجهل بما یبقی بعد المستثنی .(١) (هـ) لو استثنى جزءا غير معين بل شائعا، كربع وثلث، فإنه صحيح بالاتفاق، للعلم بالمبيع في أجزائه، ولصحة إيراد العقد عليها. (٢) (و) لوباعه أرضا أو دارا أو ثوبا، إلا ذراعا: - فمذهب الشافعية والحنابلة، وأحد قولين للصاحبين من الحنفية أنه: إذا كان المتعاقدان يعلمان عدة أذرع الأرض أو الدار أو الثوب، کعشرة - مثلا - صح البيع، وکان المذکور مشاعا فیها، كأنه استثنى العشر، وإن كانا لا يعلمان (كلاهما أو أحدهما) لم يصح، لأن المبيع ليس معينا ولا مشاعا، فيكون مجهولا . (٣) ٩٧ - ويمكن تطبيق قاعدة: ما جاز إيراد العقد عليه بانفراده صح استثناؤه من العقد، على هذه الصورة كما ذكرها الحنفية، وهي : ما إذا باعه عشرة أذرع من دار أو أرض هي مائة ذراع، سواء أكانت تحتمل القسمة أم لا : - فأبو حنيفة لا يجيز العقد لجهالة الموضع، لأن البیع وقع على قدر معين من الأرض (١) كشاف القناع ١٦٩/٣، وانظر الشرح الكبير في ذيل المغني ٤/ ٣٠ (٢) انظر رد المحتار ٤١/٤، وكشاف القناع ١٦٨/٣ (٣) الدر المختار ورد المحتار ٣٢/٤، وشرح المحلي على المنهاج ٢/ ١٦١، وكشاف القناع ٣/ ١٧٠، ١٧١ لا على شائع، والدار تتفاوت جوانبها وأجزاؤها، وهذه جهالة مفضية إلى النزاع، وإذا لم يصح إيراد العقد عليه لم يصح استثناؤه من العقد، بخلاف مسألة الصبرة، لعدم تفاوت أجزائها . - والصاحبان يقولان: إذا سمى جملة الذرعان صح، وإلا لم يصح، للجهالة - كما تقدم - والصحيح من مذهبهما جواز العقد، وإن لم يبينا جملة مساحة الأرض بالذرعان، لأن هذه الجهالة بيدهما إزالتها فتقاس وتعلم نسبة العشرة المبيعة منها، ويكون البيع شائعا في الأرض كلها . (١) وإذا صح إيراد العقد على العشرة، جاز استثناؤها منه .. ٩٨ - لوباع شاة واستثنى حملها لم يصح البيع اتفاقا، وكذا لواستثنى بعض أعضائها، لأنه لا يجوز إفراد المذكور بالعقد، فكذا لا يجوز استثناؤه منه، فصار شرطا فاسدا - كما يقول ابن عابدين - وفيه منفعة للبائع، فيفسد البيع.(٢) (١) انظر الدر المختار ورد المحتار ٣١/٤، ٣٢، وبدائع الصنائع ١٦٢/٥، ١٦٣. (٢) الدر المختار ورد المحتار ٤/ ٤٠ و٤١ و١٠٧، وتبيين الحقائق ٥٨/٤، والقوانين الفقهية (١٦٩)، وشرح المحلي على المنهاج ٢/ ١٨١، وتحفة المحتاج بشرح= - ٢٠٥ - بيع منهي عنه ٩٩ - ١٠١ وجوز الحنابلة استثناء رأس الحيوان المأكول، وجلده وسواقطه وسلَبه(١) وأطرافه، لأن النبي مَّ ((لما خرج من مكة - أي مهاجرا - إلى المدينة، ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة رضي الله عنهما مروا براعي غنم، فاشتريا منه شاة، وشرطا له سَلَبها))(٢) ويلحق الحضر بالسفر عندهم كما نصوا عليه. وعن مالك صحة استثناء المذكورات في السفر دون الحضر، لأن المسافر لا يمكنه الانتفاع بالجلد والسواقط، فجوز له شراء اللحم دونها . (٣) أسباب النهي غير العقدية : ٩٩ - ويراد بها: ما لا يتعلق بمحل العقد، ولا بوصف ملازم للعقد بحیث لا ينفك عنه، بل يتعلق بأمر خارج عن ذلك، فما هو بركن ولا بشرط . (٤) = المنهاج بحاشيتي الشرواني والعبادي ٤/ ٣٠٧، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٨٣/٣، وكشاف القناع ١٧٢/٣، والشرح الكبير في ذيل المغني ٣٢،٣١/٤ (١) السلب من الذبيحة: إهابها وأكرعها وبطنها. (القاموس). (٢) انظر كشاف القناع ٣/ ١٧١، والمغني ٢١٤/٤، والشرح الکبیر في ذيله ٣٢/٤ (٣) انظر كشاف القناع ١٧١/٣، والمغني ٢١٤/٤، والدسوقي ١٨/٣ (٤) قارن بحاشية الجمل على شرح المنهج (٨٥/٣) نقلا عن القليوبي. ويمكن تقسيم هذه الأسباب إلى هذين النوعين : النوع الأول : ما يؤدي إلى تضييق أو إيذاء أو ضرر: مادي أو معنوي، خاص أو عام. وذلك كالغبن، وبيع المسلم على بيع أخيه، وبيع السلاح من أهل الحرب. النوع الآخر : ما يؤدي إلى مخالفة دينية بحتة، أو عبادية محضة، كالبيع عند أذان الجمعة، وبيع المصحف من الكافر. النوع الأول : الأسباب التي تؤدي إلى الضرر المطلق ١٠٠ - من أهم ما يشمله هذا النوع، البيوع الآتية : أ - التفرقة بين الأم وبين ولدها في بيع الرقيق : ١٠١ - اتفق الفقهاء على منع هذا البيع، لثبوت النهي عنه في السنة فمن ذلك: حديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ الر ((ملعون من فرّق بين والدة وولدها)».(١) وحديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه (١) حديث ((ملعون من فرق بين والدة وولدها ... )) أخرجه الدار قطني (٣/ ٦٧ ط دار المحاسن). وقال ابن القطان : الحديث لا يصح. نصب الراية (٤ / ٢٥ ط المجلس العلمي بالهند). - ٢٠٦ - بيع منهي عنه ١٠٢ - ١٠٤ قال: سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((من فرّق بين والدة وولدها، فرّق الله بینه وبین أُحِبَّته يومَ القيامة)). (١) مذاهب الفقهاء في حكم هذا التفريق : ١٠٢ - هذا التفريق غير جائز - بوجه عام، وعلى التفصيل الآتي في أحواله - عند عامة الفقهاء : مذهب الجمهور: مالك، والشافعي وأحمد أن التفريق بالبيع حرام . وعند مالك: يجب فسخه، وإن لم یمکن جمعهما في حوز (أو ملك واحد). على تفصيل بين عقود المعاوضات وغيرها سيأتي : وعندهما (الشافعي وأحمد): البيع باطل. وفي قول للشافعية: يمنع من التفريق. ومذهب أبي حنيفة ومحمد، أن البيع جائز مفید للحكم بنفسه، لكنه مکروہ، والبائع آثم بالتفريق . ومذهب أبي يوسف أن البيع فاسد في الوالدين والمولودين، جائز في سائر ذوى الأرحام . وروي عنه أن البيع فاسد في جميع ذلك. (١) حديث: ((من فرق بين والدة وولدها ... )) أخرجه الترمذي (٥١١/٣ ط الحلبي) وصححه الحاكم (١/ ٥٥ ط دائرة المعارف العثمانية). وتفصيل أدلة هذه الاتجاهات تنظر في مصطلح (رق). ١٠٣ - هذا ومذهب الحنفية والحنابلة تعميم التحریم، بحیث یشمل کل تفریق بین کل ذي رحم محرم . ومذهب المالكية قصره على التفريق بالبيع بين الأم الوالدة وبين ولدها الصغير الذي لم يثغر (أي لم يبدل أسنانه) فقط. والشافعية قصروه على قرابة الولاد مهما نزل، إذا كان الولد صغيرا حتى يميز ويستقل بنفسه، في طعامه وشرابه، ولو لم يبلغ سبع ستین. (١) وتفصيل الأدلة في مصطلح (رق). حكم التفرقة بين الحيوان الصغير وبين أمه : ١٠٤ - الراجح عند المالكية، جواز التفرقة بین الحيوان البهيمي وبين أمه، وأن التفريق الممنوع خاص بالعاقل. ويروى عن ابن القاسم منهم : المنع من التفرقة بين الأم وبين ولدها في الحيوان أيضا، وهو ظاهر الحديث، حتى يستغني عن أمه بالرعي . (١) بدائع الصنائع ٢٣٢/٥، وتبيين الحقائق ٦٨/٤، والهداية مع شروحها ١٠٨/٦، والمغني ٣/ ٣٠٧، وكفاية الطالب ٢/ ١٤٧، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٧٢/٣، ٧٣، وتحفة المحتاج بشرح المنهاج بحاشيتي الشرواني والعبادي ٣١٩/٤، ٣٢٠ - ٢٠٧ - بيع منهي عنه ١٠٥ - ١٠٦ فعلی هذا، لو فرق بينهما بالبيع لم یفسخ، ويجبران على جمعهما في حوز، وليس هذا کتفریق العاقل .(١) ١٠٥ - وهذا الذي منع منه ابن القاسم، هو مذهب الشافعية أيضا، الذين نصوا على أن التفريق بين البهيمة وولدها حرام . ثم فصلوا في المسألة، وقالوا : يكره ذبح الأم التي استغنى الولد عن لبنها، ويحرم ذبحها إن لم يستغن عن لبنها، ولا يصح البيع ولا التصرف، ولو لم يكن الحيوان مأكولا . وذبح الصغير وهو مأكول حلال قطعا. وبيعه ممن يظن أنه يذبحه قبل استغنائه، وكذلك بنع الأم قبل استغنائه باطل - وإن قال ابن حجر بحله ۔ لأنه ربما لا يقع الذبح حالا أو أصلا، فيوجد المحذور، وشرط الذبح على المشتري غير صحيح. (٢) نعم، إذا علم المشتري أن البائع نذر ذبحه، وشرط البائع على المشتري الذبح، صح البيع، وكان ذلك افتداء، ووجب على المشتري ذبحه، فإن امتنع ذبحه القاضي، وفرقه الذابح على الفقراء. وبيع الولد المستغني عن أمه (١) كفاية الطالب وحاشية العدوي عليها ٢/ ١٤٧، والشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣/ ٦٤، وانظر شرح الخرشي وحاشية العدوي عليه ٥/ ٧٩ (٢) حاشية القليوبي على شرح المحلي ٢/ ١٨٥ مكروه إلا لغرض الذبح. وذبحهما كليهما لا محرم .(١) ولم نجد للحنفية والحنابلة كلاما في هذه المسألة . ب - بيع العصير لمن يتخذه خمرا: ١٠٦ - المراد بالعصير: عصير العنب، أي معصوره المستخرج منه . وقد ذهب الفقهاء مذاهب مختلفة في الحكم التكليفي في هذه الجزئية . فذهب المالكية والحنابلة إلى حرمة هذا البيع، وهو الأصح والمعتمد عند الشافعية إن كان يعلم أو يظن أيلولته إلى الخمر، فإن شك كره. ونحوه قول للصاحبين - أشار الحصكفي لتضعيفه - بأنه مكروه، والكراهة إن أطلقت عند الحنفية للتحريم. (٢) وعبارة المالكية: وحرم على المكلف بيع العنب لمن يعلم أنه يعصره خمرا. وقد استدلوا (١) تحفة المحتاج بشرح المنهاج وحاشيتا الشرواني والعبادي عليها ٤/ ٣٢١، وحاشية القليوبي على شرح المحلي ١٨٥/٢، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٣/ ٧٢، ٧٣ (٢) الدر المختار ورد المحتار ٥/ ٢٥٠، والهداية وشروحها ٤٩٣/٨، والشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي عليه ٧/٣، وشرح الخرشي ١١/٥. وانظر شرح المحلي على المنهاج، وحاشية القليوبي عليه ٢/ ١٨٤، والمغني ٢٨٣/٤، والإِنصاف ٤/ ٣٢٧. - ٢٠٨ - بيع منهي عنه ١٠٦ بقوله تعالى: ﴿وَلا تَعَاونوا على الإِثمِ والعُدوانِ﴾(١) قال ابن قدامة: وهذا نهي يقتضي التحریم. واستدلوا كذلك بحديث (( لعنت الخمر على عشرة أوجه: بعينها، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها، وشاربها، وساقيها)). (٢) ووجه الاستدلال كما يقول عميرة البرلسي : أنه يدل على تحريم التسبب إلى الحرام. (٣) ولما روي عن ابن سيرين، أن قّما كان لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في أرض له، فأخبره عن عنب أنه لا يصلح زبیبا، ولا يصلح أن يباع إلا لمن يعصره، فأمره بقلعه، وقال: ((بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر)). ولأنه یعقد البيع على عصر لمن يعلم أنه یریده للمعصية، فأشبه إجارة الرجل أمته لمن يعلم أنه يستأجرها ليزني بها. (٤) والقول الآخر للشافعية: أنه مكروه. والبيع صحيح على القولين. (١) سورة المائدة/ ٢ (٢) حديث: ((لعنت الخمر ... )) أخرجه ابن ماجة (٢/ ١١٢٢ ط الحليي) من حديث ابن عمر، وصححه ابن السكن، التلخيص لابن حجر (٧٢/٣ ط شركة الطباعة الفنية). (٣) انظر حاشية عميرة على شرح المحلي في ذيل حاشية القليوبي عليه ١٨٤/٢، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٩٣/٣ (٤) المغني ٤/ ٢٨٤ وذهب أبو حنيفة إلى أن هذا البيع جائز، وحكاه ابن المنذر عن الحسن وعطاء والثوري، ونقل عن هذا قوله: ((بع الحلال ممن شئت))(١) واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلّ الله البيعَ﴾(٢) وقد تم بأركانه وشروطه . ولأن المعصية لا تقوم بعينه، بل بعد تغيره بشربه، وهو فعل فاعل مختار، وليس الشرب من ضرورات الحمل، لأن الشرب قد يوجد بدون الحمل، وليس الحمل من ضرورات الشرب، لأن الحمل قد يوجد للإِراقة والتخليل بالصب في الخل، فليست المعصية من لوازم الحمل، وصار کالاستئجار لعصر العنب، وهذا قياس وقوهما استحسان كما قال الكرلا ني. لكن يبدو أن المذهب - مع ذلك - أنه مكروه تنزيها، وأنه خلاف الأولى، فقد قال صاحب الهداية: ولا بأس ببيع العصير ممن يعلم أنه يتخذه خمرا(٣) وكلمة لا بأس لكراهة التنزيه، فتركه أولی . وقول أبي حنيفة هذا، هو المذهب عند الحنفية، وهو الذي عليه المتون . (١) الدر المختار ٥/ ٢٥٠، والمغني ٤/ ٢٨٣ (٢) سورة البقرة / ٢٧٥ (٣) الهداية بشروحها ٤٩٣/٨، وانظر في التعليل والتفصيل في القياس والاستحسان شرح الكفاية على التخصيص في الموضع نفسه . - ٢٠٩ - بيع منهي عنه ١٠٧ - ١١٠ اشتراط علم البائع بقصد المشتري اتخاذ العصير للخمر: ١٠٧ - اشترط الجمهور للمنع من هذا البيع : أن يعلم البائع بقصد المشتري اتخاذ الخمر من العصير، فلولم يعلم لم یکره بلا خلاف، كما ذكره القهستاني من الحنفية، وهو صريح كلام المرغيناني الآنف الذكر. وكذلك قال ابن قدامة: إنما يحرم البيع إذا علم البائع قصد المشتري ذلك: إما بقوله، وإما بقرائن مختصة به تدل على ذلك. أما الشافعية فاكتفوا بظن البائع أن المشتري يعصر خمرا أو مسكرا، واختاره ابن تيمية(١). ١٠٨ - أما إذا لم يعلم البائع بحال المشتري، أو كان المشتري ممن يعمل الخل والخمر معا، أو کان البائع يشك في حاله، أو یتوهم: - فمذهب الجمهور الجواز، كما هو نص الحنفية والحنابلة . - ومذهب الشافعية أن البيع في حال الشك أو التوهم مكروه.(٢) (١) رد المحتار ٥/ ٢٥٠، والمغني ٤ /٢٨٤، وتحفة المحتاج ٣١٦/٤، وشرح المحلي وحاشية القليوبي عليه ٢/ ١٨٤ ، والإنصاف ٣٢٧/٤. وقال المرداوي فيه: وهو الصواب. (٢) الدر المختار ورد المحتار ٥/ ٢٥٠، والمغني ٤/ ٢٨٤، وشرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي٢/ ١٨٤، ١٨٥، وتحفة المحتاج ٣١٦/٤، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٩٣/٣ حکم بيع العصير لذمي يتخذه خمرا: ١٠٩ - إن مقتضى العموم والإِطلاق في منع بيع العصير ممن يتخذه خمرا، وكذا ما عللته الشروح - كما يقول ابن عابدين - أنه لا فرق بين المسلم والكافر في بیع العصير منهما، وأن من ذهب من الفقهاء إلى أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، يرون جواز بيع العصير من الكافر. والأصح أنهم مخاطبون ولا فرق، وصرح بذلك الحنابلة أيضا. والشافعية صرحوا بذلك، وقالوا بحرمة البيع للعاصر ولو کان کافرا، لحرمة ذلك علیه، وإن كنا لا نتعرض له بشرطه، أي عدم إظهاره. (١) الحكم في بيع العصير وشموله لغيره : ١١٠ - عمم جمهور الفقهاء الحكم في بيع العصير ممن يتخذه خمرا، ولم يقصروه على العصير، بل عدوه إلى العنب نفسه وإلی الرطب والزبيب، فهي مثل العصير في التحريم، كلما قصد بها اتخاذ الخمر والمسكر. فقال الشافعية : وبيع نحورطب، كعنب، لمتخذه مسکرا . (١) رد المحتار ٥/ ٢٥٠، وكشاف القناع ١٨١/٣، وحاشية الشرواني وابن قاسم العبادي على تحفة المحتاج ٤/ ٣١٦، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٩٣/٣. - ٢١٠ - بيع منهي عنه ١١١ - ١١٢ وقال الحنابلة : ولا يصح بيع ما قصد به الحرام، كعنب وكعصير لمتخذهما خمرا، وكذا زبیب ونحوه. (١) وقال المالكية: وكذا يمنع بيع كل شيء ، علم أن المشتري قصد به أمرا لا يجوز. وتردد الحنفية في المسألة : - فذهب صاحب المحيط منهم إلى: أن بيع العنب والکرم ممن يتخذه خمرا لا يكره. - ونقل القسهتاني عن بعضهم: أن بيع العنب هو أيضا على الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه . فعنده لا بأس به، وهو مکروه تنزيها. وعندهما یمنع، وهو مكروه تحريما .(٢) حكم بيع العصير لمتخذه خمرا، من حيث الصحة والبطلان : ١١١ - ذهب الحنفية والشافعية، والحنابلة في وجه: إلى صحة هذا البيع. وعلله الشافعية بأن النهي - المستفاد من حديث لعن العاصر(٣) وإن كان يقتضي الكراهة أو التحريم، لأن البيع (١) المنهج وشرحه بحاشية الجمل ٩٢/٣، و٩٣، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٣١٦/٤، وكشاف القناع ١٨١/٣. (٢) الشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي ٧/٣، ورد المحتار ٥/ ٢٥٠ (٣) الحديث في لعن العاصر تقدم في الفقرة (١٠٦) سبب لمعصية متحققة أو متوهمة - لا يقتضى البطلان هنا، لأنه راجع إلى معنى خارج عن ذات المنهي عنه وعن لازمها، لكنه مقتر ن به، نظير البيع بعد نداء الجمعة، فإنه ليس لذاته ولا لازمها، بل هو لخشية تفويتها. وذهب المالكية إلى : أنه يجبر المشتري على إخراجه من ملكه، من غير فسخ للبيع . (١) أما الحنابلة فنصوا على : أنه إذا ثبت التحريم، بأن علم البائع قصد المشتري الخمر بشراء العنب، بأي وجه حصل العلم، فالبيع باطل، وذلك لأنه عَقَدَ على عينٍ لمعصية الله تعالى بها فلم يصح، ولأن التحريم هنا لحقِّ الله تعالى فأفسد العقد، كبيع درهم بدرهمين. (٢) بيع ما يقصد به فعل محرم : ١١٢ - ذهب الجمهور إلی أن کل ما يقصد به الحرام، وكل تصرف يفضي إلى معصية فهو محرم، فيمتنع بيع كل شيء علم أن المشتري قصد به أمرا لا يجوز. (٣) (١) تحفة المحتاج ٣٠٨/٤، ٣٠٩، وشرح المنهج بحاشية الجمل عليه ٨٥/٣، ٩٣، وشرح المحلي على المنهاج ١٨٤/٢، ١٨٥، وشرح الدردير وحاشية الدسوقي عليه ٧/٣، وشرح الخرشي بحاشية العدوي عليه ٥/ ١١ (٢) المغني ٤/ ٢٨٤، وكشاف القناع ١٨١/٣ (٣) المغني ٤/ ٢٨٤، وتحفة المحتاج ٣١٧/٤، وشرح الدردير بحاشية الدسوقي ٧/٣ - ٢١١ - بيع منهي عنه ١١٣ - ١١٦ ١١٣ - فمن أمثلته عند المالكية: بيع الأمة لأهل الفساد، والأرض لتتخذ كنيسة أو خمارة، وبيع الخشب لمن يتخذه صليبا، والنحاس لمن يتخذه ناقوسا . قال الدسوقي : وكذا يمنع أن يباع للحربيين آلة الحرب، من سلاح أو كراع أو سرج، وكل مایتقوون به في الحرب، من نحاس أو خباء أو ماعون . وأما بيع الطعام لهم، فقال ابن يونس عن ابن حبيب: يجوز في الهدنة، وأما في غير الهدنة فلا يجوز. والذي في المعيار عن الشاطبي : أن المذهب المنع مطلقا، وهو الذي عزاه ابن فرحون في التبصرة، وابن جزي في القوانين لابن القاسم. وذكر في المعيار أيضا عن الشاطبي : أن بيع الشمع لهم ممنوع، إذا كانوا يستعينون به على إضرار المسلمين، فإن كان لأعيادهم فمكروه . (١) ١١٤ - ومن أمثلته عند الشافعية: بيع مخدر لمن يظن أنه يتعاطاه على وجه محرم، وخشب لمن يتخذه آلة هو، وثوب حریر لرجل يلبسه بلا نحو ضرورة. وكذا بيع سلاح لنحوباغ وقاطع طريق، وديك لمن يهارش به، وكبش لمن يناطح به، ودابة لمن يحملها فوق طاقتها . كما نص الشرواني وابن قاسم العبادي على منع بيع مسلم كافرا طعاما، علم أوظن أنه یأکله نهارا في رمضان، کما أفتى به الرملي، قال: لأن ذلك إعانة على المعصية، بناء على أن الراجح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة(١) ١١٥ - ومن أمثلته عند الحنابلة: بيع السلاح لأهل الحرب، أو لقطاع الطريق، أو في الفتنة، أو إجارة داره لبيع الخمر فيها، أو لتتخذ كنيسة، أو بيت نار وأشباه ذلك، فهذا حرام. قال ابن عقيل: وقد نص أحمد رحمه الله تعالى - على مسائل نبه بها على ذلك، فقال في القصاب والخباز: إذا علم أن من یشتري منه، يدعو علیه من یشرب المسكر، لا یبیعه، ومن يخترط (يصنع) الأقداح لا يبيعها ممن یشرب فيها (أي الخمر) ونهى عن بيع الديباج (أي الحرير للرجال. (٢) ١١٦ - ذهب أبو حنيفة إلى أنه: لا يكره بيع مالم تقم المعصية به، كبيع الكبش النطوح، والحمامة الطيارة، والخشب ممن يتخذ منه المعازف. بخلاف بيع السلاح من أهل الفتنة، لأن المعصية تقوم بعينه، وهي الإعانة على الإِثم. (١) تحفة المحتاج وحاشية الشرواني عليها ٣١٧/٤، وحاشية القليوبي على شرح المحلي ٢/ ١٨٤، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٩٣/٣ (٢) المغني ٤/ ٢٨٤، وكشاف القناع ٣/ ١٨١، ١٨٢، والإنصاف ٤/ ٣٢٧، و٣٢٨ (١) الدسوقي ٣/ ٧ - ٢١٢ - بيع منهي عنه ١١٦ - ١١٧ والعدوان، وإنه منهي عنه. بخلاف بيع مايتخذ منه السلاح کالحدید، لأنه ليس معدا للقتال، فلا يتحقق معنى الإعانة . وذهب الصاحبان من الحنفية، إلى أنه لا ينبغي للمسلم أن يفعل ذلك، لأنه إعانة على المعصية، فهو مكروه عندهما، خلافا للإِمام، وليس بحرام، خلافا لما ذهب إليه الجمهور. (١) وبحث الحنفية نظير هذه المسألة في الإِجارة، كما سبق عند الحنابلة، كما لو آجر شخص نفسه ليعمل في بناء كنيسة، أوليحمل خمرا لذمي بنفسه أو على دابته، أو ليرعى له الخنازير، أو آجر بیتا لیتخذ بیت نار، أو كنيسة أوبيعة، أو يباع فيه الخمر، جازله ذلك عند أبي حنيفة، لأنه لا معصية في عين العمل، وإنما المعصية بفعل المستأجر، وهو فعل فاعل مختار كشربه الخمر وبيعها، ففي هذا يقول المرغيناني: إن الإِجارة ترد على منفعة البيت (ونحوه) ولهذا تجب الأجرة بمجرد التسليم، ولا معصية فيه، وإنما المعصية بفعل المستأجر، وهو مختار فيه، فقطع نسبته عنه.(٢) (١) رد المحتار ٥/ ٢٥٠ - ٢٥١، والهداية بشروحها ٤٩٣/٨، وبدائع الصنائع ٢٣٣/٥ (٢) الهداية بشروحها ٨/ ٤٩٣، والدر المختار ٥/ ٢٥٠ ویری الصاحبان كراهة ذلك، لما فيه من الإعانة على المعصية . وطرح بعض الحنفية هذا الضابط: وهو أن ما قامت المعصية بعينه، یکره بیعه تحریما (كبيع السلاح من أهل الفتنة) ومالم تقم بعينه يكره تنزيها . حکم بيع ما يقصد به فعل محرم، من حيث الصحة والبطلان : ١١٧ - ذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والشافعية) وهو أيضا احتمال عند الحنابلة إلى : أن البيع صحيح، لأنه لم يفقد ركنا ولا شرطا. غير أن المالكية نصوا مع ذلك، في مسألة بيع السلاح، على إجبار المشتري على إخراجه عن ملكه، ببيع أو هبة أو نحوهما، من غير فسخ للبيع . يقول الدسوقي : يمنع أن يباع للحربيين آلة الحرب، من سلاح أو كراع أوسرج، وكل مايتقوون به في الحرب، من نحاس أوخباء أو ماعون، ويجبر ون على إخراج ذلك. . كما نص القلیوبي من الشافعیة، على أن من باع أمة لمن يكرهها على الزنى، ودابة لمن يحملها فوق طاقتها، فللحاكم أن يبيع هذين علی مالکھما قهرا عليه . ومذهب الحنابلة أن هذا البيع باطل، لأنه - ٢١٣ - بيع منهي عنه ١١٨ - ١١٩ عقد على عين لمعصية الله تعالى بها، فلم يصح.(١) جـ - بيع الرجل على بيع أخيه : ١١٨ - من صوره: أن يتراضى المتبايعان على ثمن سلعة، فيجيء آخر، فيقول: أنا أبيعك مثل هذه السلعة بأنقص من هذا الثمن، أو يقول: أبيعك خيرا منها بثمنها أو بدونه ۔ أي بأقل منه - أو يعرض على المشتري سلعة رغب فيها المشتري، ففسخ البيع واشترى هذه. (٢) وقد ثبت النهي في الصحيح عن ذلك في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﴿﴿ قال: ((لا يبغْ بعضكم على بيع بعض)). (٣) وفي لفظ آخر: ((لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له)). (٤) (١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ٢/ ٧، وحاشية القليوبي على شرح المحلي ٢/ ١٨٤، والمغني ٢٨٤/٤، والإنصاف ٣٢٧/٤، وكشاف القناع ١٨١/٣ (٢) فتح القدير ١٠٧/٦، ورد المحتار ١٣٢/٤، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٩١/٣، والمغني ٢٧٨/٤، وتحفة المحتاج ٤/ ٣١٤، وكشاف القناع ١٨٣/٣ (٣) حديث: ((لا يبع بعضكم على بيع بعض ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٣٧٣/٤ ط السلفية)، ومسلم (١٠٣٢/٣ ط الحلبي). (٤) حديث: ((لا يبع الرجل على بيع أخيه ... )) أخرجه مسلم (١١٥٤/٣ ط الحلبي). وفي لفظ : ((لا يبع بعضكم على بيع بعض، حتى يبتاع أويذر)). (١) وفي لفظ : ((لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له)).(٢) وفي لفظ: ((لا يبيع بعضكم على بيع أخيه)). (٣) حكمه : ١١٩ - ذهب الشافعية، وهووجه محتمل عند الحنابلة إلى: أن هذا البيع محرم، لكنه لا يبطل البيع، بل هو صحيح لرجوع النهي إلى معنى خارج عن الذات وعن لازمها، إذ لم يفقد ركنا ولا شرطا، لكن النهي لمعنى مقترن به، وهو خارج غير لازم، وهو الإِيذاء هنا. هذا تعليل الشافعية . وتعليل الحنابلة: أن المحرم هو عرض سلعته على المشتري، أو قوله الذي فسخ البيع من أجله، وذلك سابق على البيع، ولأنه إذا صح الفسخ الذي حصل به الضرر، فالبيع المحصل للمصلحة أولى، ولأن النهي لحق آدمي، فأشبه بيع النجش. (١) حديث: ((لا يبع بعضكم على بيع بعض ... )) أخرجه النسائي (٢٥٨/٧ ط المكتبة التجارية) وإسناده صحيح. (٢) سبق تخريجه . (٣) حديث: ((لا يبيع بعضكم على بيع أخيه ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٣٥٢/٤ ط السلفية). - ٢١٤ - بيع منهي عنه ١٢٠ - ١٢١ وذهب الحنفية إلى أن هذا البيع ونحوه من البياعات مكروه تحريما، قال ابن الهمام: هذه الکرامات کلها تحریمیة، لا نعلم خلافا في الإِثم، وذلك للأحاديث المذكورة، ولما فيه من الإِيحاش والإِضرار. (١) والمذهب عند الحنابلة: أنه غير جائز وهو حرام، ولا يصح هذا البيع، بل هو باطل لأنه منهي عنه، لما فيه من الإضرار بالمسلم والإِفساد عليه، والنهي يقتضي الفساد. (٢) ١٢٠ - وقيد الشافعية والحنابلة البيع المنهي عنه بمايلي: (١) أن يكون البيع على البيع قبل لزوم البيع، وذلك لبقاء خيار المجلس أو الشرط، وكذا بعد اللزوم في زمن خيار العيب، إذا اطلع المشتري على عيب، على المعتمد عندهم. وهذا معنى قول الحنابلة: أن یکون البيع زمن الخيارين، فلوحدث بعد مضي الخيار ولزوم البيع لا يحرم، لعدم تمكن المشتري من الفسخ إذاً، ولا معنی له. (٢) أن يكون البيع على البيع بغير إذنه له (١) فتح القدير ٦/ ١٠٦ - ١٠٧ وتحفة المحتاج ٣٠٨/٤ و ٣٠٩ و٣١٤، وشرح المحلي وحاشية القليوبي عليه ٢/ ١٨٢ و١٨٤، والمغني ٢٧٨/٤ - ٢٧٩ (٢) المغني ٢٧٨/٤، وكشاف القناع ١٨٣/٣، والإنصاف ٣٣١/٤ - كما قاله القاضي زكريا - (أي بغير إذن البائع الأول، للذي باع على بيع أخيه). وقيد الحنفية منع البيع على بيع غيره بما إذا تراضى المتبايعان على البيع . (١) ١٢١ - وذكر الشافعية بعض الفروع والأحكام، في هذه الجزئية، فقرروا: - أن الحرمة ثابتة، ولو كان المشتري مغبونا في صفقته، إذ النصيحة الواجبة تحصل بالتعريف من غير بيع. وقيد القليوبي الحرمة بما إذا لم يعلم الرضا باطنا . - مثل البيع على البيع، أن يبيع بائعٌ المشتريَ في زمن الخيار سلعةٌ مثل التي اشتراها. وسبب المنع الخشية من أن يرد المشتري بالخيار السلعة الأولى، كما نص عليه الشافعي رضي الله عنه. - يمنع البيع على بيع غيره إلى أن يتبين ما يؤول إليه الأمر، بأن يلزم البيع أو يعرض المشتري عن الشراء، فإن أعرض انتهت مدة المنع، وجاز للغير أن يبيعه . - مثل البيع في التحريم على البيع غيرُهُ من بقية العقود، كالإِجارة والعارية (أي (١) تحفة المحتاج ٣١٤/٤ وشرح المحلي على المنهاج مع حاشية القليوبي ١٨٣/٢ - ١٨٤، وكشاف القناع ١٨٣/٣، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٣١٤/٤، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٩١/٣، وابن عابدين ٤/ ١٣٢ - ٢١٥ - بيع منهي عنه ١٢٢ - ١٢٣ الاستعارة) والاقتراض (١) والاتهاب، والمساقاة، والمزارعة، والجعالة. قال الحنابلة: فتحرم ولا تصح إذا سبقت للغير، قياسا على البيع، لما في ذلك من الإيذاء. بل نص البرماوي من الشافعية أيضا على أن من أنعم علیه بكتاب (عارية) ليطالع فيه، حرم على غيره أن يسأل صاحبه فيه، أي يطلبه من صاحبه ليطالع فيه هو أيضا، لما فيه من الإِيذاء، وبنوا على هذا حرمة طلب العارية بعد عقدها مطلقا . (٢) د - السوم، والشراء على شراء أخيه: ١٢٢ - أما السوم على السوم فمن صوره: ما إذا تساوم رجلان، فطلب البائع بسلعته ثمنا، ورضي المشتري بذلك الثمن، فجاء مشتر آخر، ودخل على سوم الأول، فاشتراه بزيادة أو بذلك الثمن نفسه. لكنه رجل وجیه، فباعه منه البائع لوجاهته . ١٢٣ - وأما الشراء على الشراء فمن صوره: أن یأمر شخص البائع بفسخ العقد ليشتر یه هو بأكثر، أو يجيء شخص إلى البائع قبل لزوم (١) تحفة المحتاج مع حاشية الشرواني ٣١٤/٤، وحاشية القليوبي على شرح المحلي ٢/ ١٨٤ (٢) كشاف القناع ٣/ ١٨٤، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٤/ ٣١٤ العقد، فيدفع في المبيع أكثر من الثمن الذي اشتری به، لیفسخ البیع ویعقد معه. (١) وقيد الحنفية منع هذا الشراء أو السوم بما إذا اتفق المتبايعان على الثمن أوتراضيا، أو جنح البائع إلى البيع بالثمن الذي سماه المشتري، وأما إذا لم يجنح ولم يرضه، فلا بأس لغيره أن يشتريه بأزيد، لأن هذا بيع من يزيد، ولا كراهة فيه، (٢) كما سيأتي . وقيد الشافعية المنع بأن يكون الشراء قبل اللزوم، أي زمن الخيار - كما عبر القاضي -(٣) أو یکون بعد اللزوم، وقد اطلع علی عیب۔ کما مر في البيع على بيع غيره - أما الحنابلة فللسوم على السوم عندهم صور: الأولى : أن یوجد من البائع تصریح بالرضا بالبيع، فهذا يحرم السوم على غير المشتري. الثانية: أن يظهر منه مايدل على عدم الرضا فلا يحرم السوم. الثالثة: أن لا يوجد مايدل على الرضا أو (١) بدائع الصنائع ٢٣٢/٥، وفتح القدير ١٠٧/٦، وتحفة المحتاج وحاشية الشرواني عليها ٣١٤/٤، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٩١/٣، والمغني ٢٧٨/٤، وكشاف القناع ١٨٣/٣ و١٨٤ (٢) الدر المختار ١٣٢/٤، والهداية بشروحها ١٠٧/٦، وتبیین الحقائق ٦٧/٤، وبدائع الصنائع ٢٣٢/٥ (٣) شرح المنهج بحاشية الجمل ٣/ ٩١ - ٢١٦ - بيع منهي عنه ١٢٤ عدمه، فلا يجوز السوم لغيره أيضا. الرابعة : أن يظهر منه مايدل على الرضا من غير تصريح. فقال القاضي : لا يحرم السوم. وقال ابن قدامة: يحرم. (١) كما قیده الشافعية أيضا بأن يكون بغير إذن له من المشتري، فلو وقع الإِذن من أحدهما لم يحرم، لأن الحق لهما وقد أسقطاه، ولمفهوم الخبر السابق: ((حتى يبتاع أويذر)).(٢) وقرروا : أن المعتبر إذن المالك، لا الولي والوصي والوكيل، إن كان فيه ضرر على المالك، وأن موضع الجواز مع الإِذن إذا دلت الحال على الرضا باطنا، فإن دلت على عدمه، وأنه إنما أذِن ضجرا وحنقا فلا، كما قاله الأذرعي (٣) منهم . حكمه : ١٢٤ - هذا الشراء أو السوم بهذه الصور والقيود منهي عنه، غير جائز عند الجمیع، لكنه صحيح عند الجمهور، باطل عند الحنابلة إلا في وجه محتمل للصحة عندهم كالجمهور. والحنفية يعنون بعدم الجواز كراهة التحريم، لا الحرمة. أ - فدليل الشافعية، والوجه المحتمل عند (١) المغني ٢٣٦/٤ ط الرياض. (٢) الحديث تقدم (ف١١٨) وانظر حاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٤/ ٣١٥ (٣) حاشية الجمل على شرح المنهج ٣/ ٩١ و٩٢ الحنابلة على الحرمة مع صحة الشراء. حديث ((لا يبع بعضكم على بيع بعض)) المتقدم. (١) فقال المحلي: وفي معناه الشراء على الشراء. وأشار البهوتي إلى أن التحريم بالقياس على البيع، ولأن الشراء يسمى بيعا. ولأن فيه إيذاء، قال المحلي : المعنى في تحريم ذلك: الإِيذاء للعالم بالنهي عنه . ولأنه إذا صح الفسخ الذي حصل به الضرر، فالبيع المحصل للمصلحة أولى . ولأن النهي لحق آدمي، فأشبه بيع النجش.(٢) ب - ودليل الحنفية على الكراهة مع صحة الشراء: حديث أبي هريرة أن رسول الله اله ((نهى أن يتلقى الركبان، ولا يبيع حاضر لباد، وأن تسأل المرأة طلاق أختها، وعن النجش والتصرية، وأن يَسْتام الرجل على سوم أخیە». (٣) وقرر الحنفية أن هذا الحديث نص في النهي عن الاستيام، فلا حاجة - كما أوضح ابن الهمام - إلى جعل لفظ البيع في حديث: ((لا يبع أحدكم على بيع أخيه)) جامعا للبيع والشراء (١) الحديث تقدم (ف١١٨) (٢) شرح المحلي على المنهاج بحاشية القليوبي ٢/ ١٨٤، وكشاف القناع ١٨٤/٣، والمغني ٢٧٩/٤ (٣) حديث: ((نهى أن يتلقى الركبان ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٤ /٤٥١ ط السلفية)، ومسلم (١١٥٥/٣ ط الحلبي)، واللفظ للبخاري. - ٢١٧ - بيع منهي عنه ١٢٥ مجازا، إنما يحتاج إلى ذلك لولم يرد حديث الاستيام، ولأن في ذلك إيحاشا وإضرارا به فیکره . قال الكاساني : والنهي لمعنى في غير البيع، وهو الإِيذاء، فكان نفس البيع مشروعا، فيجوز شراؤه، ولکنه یکره.(١) جـ ـ ودليل الحنابلة على التحريم والبطلان، أن هذا منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد. (٢) ١٢٥ - وفيما يلي بعض الفروع والتفصيلات المتعلقة بالسوم، والشراء على شراء الآخرين: أ - نص الحنفية على أن السوم على سوم الآخرین مکروه، ولو کان المستام علیه ذميا أو مستأمنا. وقالوا: ذکر الأخ في الحديث ليس قيدا، بل لزيادة التنفير، لأن السوم على السوم يوجب إيحاشا وإضرارا، وهو في حق الأخ أشد منعا، فهو كما في قوله في الغيبة: ((ذِكْرُك أخاك بما يَكْره)»(٣) إذ لا خفاء في منع غيبة الذمي . (٤) وقرر الشافعية أن ذِكْر الرجل خرج مخرج (١) فتح القدير ١٠٨/٦، وتبيين الحقائق ٤/ ٦٧، وبدائع الصنائع ٢٣٢/٥ (٢) المغني ٢٧٨/٤. وانظر فيه تفصيلا ووجوها وصورا أربعة. (٣) حديث: ((ذكرك أخاك ... )) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠١ ط الحلبي). (٤) الدر المختار ورد المحتار ١٣٢/٤ الغالب، كما أن تخصيص الأخ الإِثارة الرقة والعطف عليه، وسرعة امتثاله، فغيرهما مثلهما . فالذمي والمعاهد والمستأمن مثل المسلم. وخرج الحربي والمرتد فلا يحرم. (١) ب - ألحق الحنفية الإِجارة بالبيع في منع السوم على السوم، إذ هي بيع المنافع. (٢) كما ألحق الحنابلة جملة من العقود، کالقرض والهبة وغيرهما، قياسا على البيع، وكلها تحرم ولا تصح للإيذاء. (٣) جـ ـ ألحق الماوردي من الشافعية بالشراء على الشراء، تحريم طلب السلعة من المشتري بأکثر - والبائع حاضر- قبل اللزوم، لأدائه إلى الفسخ أو الندم. د - وكذلك قاس الشافعية على كلام الماوردي في التحريم، ما لو طلب شخص من البائع، في زمن الخيار، شيئا من جنس السلعة المبيعة، بأكثر من الثمن الذي باع به، لاسيما إن طلب منه مقدارا لا يكمل إلا بانضمام مابيع منها . هـ ـ وصرحوا أيضا بحرمة ماذكر، سواء أبلغ المبيع قيمته أم نقص عنها - على المعتمد عندهم ۔ (١) شرح المنهج وحاشية الجمل عليه ٣/ ٩٠ (٢) رد المحتار ١٣٢/٤ (٣) كشاف القناع ١٨٤/٣ - ٢١٨ - بيع منهي عنه ١٢٦ - ١٢٧ وهذا بيع جائز بإجماع المسلمين، كما صرح به الحنابلة، فصححوه ولم يكرهوه. وقيده فيه، لأنه من النصيحة الواجبة، لكنه استظهر . الشافعية بأمرين: أن لا يكون فيه قصد الإِضرار بأحد، وبإرداة الشراء، وإلا حرمت الزيادة، لأنها من النجش.(١) و- وتكلموا أيضا في مسألة تعريف المغبون في الشراء بغبنہ، فصرح ابن حجر بأنه لا محذور أن محله في غبن نشأ عن نحو غش البائع، فلم يبال بإضراره، لأنه آثم. بخلاف ما إذا نشأ لا عن نحو تقصیر منه، لأن الفسخ ضرر علیه، والضرر لا يزال بالضرر. وصرح الشرواني بأنه إذا علم المشتري الثاني بالمبيع عيبا، وجب إعلام المشتري به، وهذا صادق بما إذا كان البائع جاهلا بالعيب، مع أنه لا تقصیر منه حینئذ، ولا فرق بین ھذا وبین الغبن، لأن الملحظ حصول الضرر، وأشار إلى أن هذا محل تأمل، ورأى أن وجوب النصيحة يقتضي وجوب تعريف المغبون، وإن نشأ الغبن من تقصيره، ولكنها تحصل بالتعريف من غير بیع .(١) ١٢٦ - واستثنى الفقهاء بيع المزايدة بالمناداة، ويسمى بيع الدلالة. (٢) ويسمى أيضا: المزايدة. استثنوها من الشراء على الشراء، ومن السوم على سوم أخيه . وهي : أن ینادی علی السلعة، ویزید الناس فيها بعضهم على بعض، حتى تقف على آخر زائد فيها فيأخذها. (١) تحفة المحتاج وحاشية الشرواني عليها ٣١٤/٤، ٣١٥ (٢) الدر المختار ١٣٣/٤ ١٢٧ - ودليل جواز بيع المزايدة: - ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلا من الأنصار أتى النبي ێ# يسأله فقال له: «ما في بيتك شيء؟ قال: بلى ! حِلْس يلبس بعضه، ويبسط بعضه، وقَعْب یشرب فيه الماء. قال: ائتني بهما. فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله ﴾﴾ وقال: من يشتري هذين؟ فقال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال: من یزید علی درهم؟ مرتين أو ثلاثا، فقال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين، فأعطاهما الأنصاري، وقال: اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوما، فائتني به. فأتاه به، فشد رسول الله ◌َّێ عودا بيده، ثم قال له: اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشريوما. فذهب الرجل يحتطب ویبیع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، (١) القوانين الفقهية (١٧٥)، والدر المختار ١٣٣/٤، وتحفة المحتاج ٣١٤/٤، والمغني ٢٧٩/٤، وكشاف القناع ١٨٣/٣، وحاشية الجمل على شروح المنهج ٣/ ٩١ - ٢١٩ - بيع منهي عنه ١٢٨ فاشترى ببعضها ثوبا، وببعضها طعاما، فقال له رسول الله : هذا خير لك من أن تجيء لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أولذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع)). (١) قال الكاساني في تعليقه على هذا الحديث: وماكان رسول الله رَّيل ليبيع بيعا مكروها. (٢) - والدليل الثاني: أن المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة. (٣) - وأنه بيع الفقراء، كما قال المرغيناني، والحاجة ماسة إليه . (٤) - ولأن النهي إنما ورد عن السوم حال البيع، وحال المزايدة خارج عن البيع. (٥) وتفصيل أحكام (المزايدة) في مصطلحها. هـ - النجش : ١٢٨ - النَجْش هوبسكون الجيم مصدر، (١) حديث: ((إن المسألة لا تصلح ... )) أخرجه أحمد (١١٤/٣ ط الميمنية) وقال ابن حجر: أعله ابن القطان بجهل حال أبي بكر الحنفي، ونقل عن البخاري أنه قال: لا يصح حديثه. التلخيص الحبير (١٥/٣ ط شركة الطباعة الفنية). (٢) بدائع الصنائع ٢٣٢/٥ (٣) كشاف القناع ١٨٣/٣ (٤) الهداية بشروحها ٦/ ١٠٨، وتبيين الحقائق ٤ / ٦٧ و٦٨ (٥) كشاف القناع ١٨٣/٣ وبالفتح اسم مصدر، (١) ومن معانيه اللغوية: الإِثارة. يقال: نَجَش الطائر: إذا أثاره من المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة. إن المسألة . مكانه. قال الفيومي : نجش الرجل ينجش نجشا: إذا زاد في سلعة أکثر من ثمنها، ولیس قصده أن يشتريها، بل ليغر غيره، فیوقعه فيه، وكذلك في النكاح وغيره. وأصل النجش: الاستتار، لأن الناجش يستر قصده، ومنه يقال للصائد: ناجش لاستتاره. (٢) وقد عرفه الفقهاء بأن يزيد الرجل في الثمن ولا يريد الشراء، ليرغب غيره. أو أن يمدح المبيع بما ليس فيه لیروجه. (٣) وقد ورد النهي عنه، في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله و لم قال: ((لا تلقوا الركبان، ولا يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبيع حاضر لباد، ولا تصروا الغنم)). (٤) (١) الدر المختار ١٣٢/٤، وتبيين الحقائق ٦٧/٤، وفتح القدير ١٠٧/٦، وشرح الدردير ٦٧/٣، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٣١٥/٤، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٣/ ٩٢ (٢) المصباح المنير، مادة: ((نجش)). (٣) الهداية بشروحها ٦/ ١٠٦، وبدائع الصنائع ٢٣٣/٥، وابن عابدين ١٣٢/٤، والشرح الكبير للدردير ٦٨/٣، وشرح الخرشي ٨٢/٥، وتحفة المحتاج ٣١٥/٤، وشرح المحلي على المنهاج ١٨٤/٢، والمغني ٢٧٨/٤ (٤) حديث: ((لا تلقوا السركبان ولا يبيع بعضكم على= - ٢٢٠ -