النص المفهرس
صفحات 181-200
بيع منهي عنه ٦١ کما عبر الحصکفي (أي التقابض) أويدا بيد، كما عبر الكاساني - وقال: هو الصحيح - والبابرتي . أما نسیئة فلا يجوز، لأنهما عندئذ سَلَم، وهو في کل منہما غیر صحیح، کما نقله ابن عابدين عن النهر. لکن الإمام محمدا، شرط في جواز بيع اللحم بحیوان من جنسه، أن یکون اللحم المفرز أکثر من الذي في الشاة، ليكون لحم الشاة بمقابلة مثله من اللحم، والباقي بمقابلة الاسقاط، إذ لو لم یکن کذلك یتحقق الربا، فلا يجوز عنده، وذلك عملا بالحديث المتقدم. ولأنهما جنس واحد، ولهذا لا يجوز بيع أحدهما بالآخر نسیئة، فکذا متفاضلا، كالزيت بالزيتون . (١) ثالثا : بيع اللحم بحیوان من غیر جنسه : ٦١ - كبيع الشاة الحية بلحم الإِبل أو البقر عند غير المالكية، وكبيع الشاة الحية بلحم طير أو سمك عند المالكية . (٢) أجاز هذه الصورة جمهور الفقهاء، من الحنفية والمالكية، وهو غير الأظهر عند (١) بدائع الصنائع ١٨٩/٥، وانظر الهداية وشروحها ١٦٦/٦، ١٦٧، والدر المختار ورد المحتار ١٨٤/٤، وانظر تبيين الحقائق ٤/ ٩١ (٢) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣/ ٥٥ الشافعية، اختاره القاضي من الحنابلة، ورواية عن الإِمام أحمد، عليها متن الإقناع. وعلل ذلك الحنفية، بأنهما أصلان مختلفان، فهما جنسان مختلفان فيجوز بيعهما (مطلقا) مجازفة، نقدا ونسیئة، لانعدام الوزن والجنس، فلا يتحقق الربا أصلا.(١) ومع أن المالكية أجازوا - على اصطلاحهم في أجناس اللحوم - بيع اللحم بغير جنسه مطلقا، لكنهم قیدوه بأن یکون حالا . أما إن كان إلى أجل فلا يجوز، إذا كان الحيوان لا يراد للقنية، وإلا فيجوز بيعه بلحم من غير جنسه لأجل. كما قرر الشافعية أن القول بالجواز مبني على أن اللحوم أجناس، وعللوا الجواز بأنه قیاس على بيع اللحم باللحم. قالوا: وهذا في المأکول، وأما في غيره فوجه الجواز فيه هو: أن سبب المنع بيع مال الربا بأصله المشتمل عليه، ولم یوجد ذلك هنا. وعلل من قال من الحنابلة بجوازه: بأنه مال الربا بیع بغیر أصله فجاز، کما لو باعه بالأثمان. ولم يجز هذه الصورة - أعني بيع اللحم بحيوان من غير جنسه ـ الشافعية في الأظهر من (١) انظر بدائع الصنائع ١٨٩/٥، وشرح المحلي على المنهاج ١٧٥/٢، والمغني ١٤٦/٤ - ١٥٠، والشرح الكبير ٤/ ١٤٦، وكشاف القناع ٣/ ٢٥٥ - ١٨١ - بيع منهي عنه ٦٢ - ٦٣ أقوالهم، ولا الحنابلة في الظاهر من مذهبهم، وصرحوا بالبطلان، وذلك: لعموم نص الحديثين السابقين. ولأن اللحم کله جنس واحد. (١) ويلاحظ أن صاحب الشرح الكبير الحنبلي صرح بأن سبب الاختلاف في بيع اللحم بغير جنسه، مبني على الاختلاف في اللحم، فإن القائلین بأنه جنس واحد لا يجيزون البيع، والقائلون بأنه أجناس يجيزونه. (٢) كما يلاحظ أن الشافعية : أطلقوا اللحم في الحديث، حتى لو كان لحم سمك أو ألية أو كبداً أو طحالا . وأطلقوا الحيوان، حتى لو كان سمكا أو جرادا، مأكولا كالإِبل، أو غير مأكول كالحمار، فبيع اللحم بالحيوان عندهم باطل مطلقا في الأظهر. (٣) رابعا : بيع اللحم بحيوان غير مأكول. ٦٢ - الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة (١) كفاية الطالب وحاشية العدوي عليه ١٥٧/٢، وحاشية الدسوقي ٣/ ٥٥، وشرح المحلي على المنهاج ٢/ ١٧٤، ١٧٥، والمغني ١٤٩/٤ - ١٥٠، والشرح الكبير في ذيله ١٤٦/٤، وكشاف القناع ٢٥٥/٣، وتحفة المحتاج ٢٩٠/٤ (٢) الشرح الكبير في ذيل المغني ٤/ ١٤٦ (٣) تحفة المحتاج ٤/ ٢٩٠، وشرح المحلي على المنهاج ١٧٤/٢، ١٧٥، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٦٦/٣، ٦٧ على جواز هذه الصورة، وهو قول عند الشافعية . قال ابن قدامة: وإن باعه بحيوان غير مأکول جاز في ظاهر قول أصحابنا، وهو قول عامة الفقهاء. (١) . كما علل الشافعية ماذهب إليه بعضهم من الجواز في هذه الصورة: بأن سبب المنع هوبيع مال الربا بأصله المشتمل عليه، ولم يوجد ذلك هنا. لكن الأظهر عندهم - كما تقدم آنفا - تحريم بيع اللحم بالحيوان بإطلاق للحديث. (٢) بيع الرطب بالتمر : ٦٣ - ورد النهي عن بيع الرطب بالتمر في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أن النبي وَلجر: ((سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذا))(٣) وفي رواية أنه قال: (( لا يباع رطب بيابس)) (٤) (١) المغني ٤/ ١٥٠، والشرح الكبير في ذيله ٤ / ١٤٦، وانظر كشاف القناع ٣/ ٢٥٥، ويؤخذ أيضا من الدر المختار ١٨٤/٤، والشرح الكبير للدردير ٥٥/٣ (٢) شرح المحلي على المنهاج ٢/ ١٧٥ (٣) حديث سعد بن أبي وقاص: ((سئل عن بيع الرطب بالتمر، فنهى عن ذلك)). أخرجه النسائي (٧/ ٢٦٩ ط المكتبة التجارية) ونقل ابن حجر تصحيح ابن المديني له في بلوغ المرام (ص ١٩٣ ط عبدالمجيد حنفي). (٤) حديث: ((لا يباع رطب بيابس ... )) أخرجه البيهقي =. - ١٨٢ - ٠ بيع منهي عنه ٦٣ - ٦٤ ولا يستجيز جمهور الفقهاء: مالك والشافعي وأحمد والصاحبان من الحنفية هذا البيع، ونحوه: كالعنب بالزبيب، واللبن بالجبن، والحنطة الرطبة باليابسة، وذلك: للحديث المذكور، قالوا: وفيه إشارة إلى أن المماثلة تعتبر عند الجفاف، وإلا فالنقص أوضح من أن يسأل عنه، وهي مجهولة الآن. (١) ولأنه جنس فیه الربا، بیع بعضه ببعض، على وجه ينفرد أحدهما بالنقصان، فلم يجز. وعبارة الخرقي ولا يباع شيء من الرطب بيابس من جنسه، إلا العرايا. (٢) وربما اعتبره بعض المالكية من المزابنة، وهي - بتفسير ابن جزي - بيع شيء رطب بیابس من جنسه، سواء أكان ربويا أم غير ربوي، فتمتنع في الربوي، لتوقع التفاضل والغرر، وتمتنع في = (٢٩٥/٥ ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبدالله بن أبي سلمة مرسلا. ونقل الزيلعي عن ابن عبدالهادي أنه قال: وهذا مرسل جيد، وهو شاهد لحديث سعد بن أبي وقاص يعني المتقدم. (نصب الراية ٤/ ٤٣ ط المجلس العلمي بالهند) وهو كلام البيهقي كذلك. (١) شرح المحلي على المنهاج ٢/ ١٧٠، وتحفة المحتاج ٢٨١/٤ (٢) المغني ١٣٢/٤. وقارنها بعبارة المنهاج في المصدرين السابقين وهي: ((لا يباع رطب برطب ولا بتمر، ولا عنب بعنب ولا بزبيب»، وعبارة المنهج: ((فلا يباع رطب برطب ولا بجاف)) انظر شرح المنهج بحاشية الجمل ٥٦/٣، والشرح الکبیر للدردير ٣/ ٥٢ غير الربوي للنهي الوارد عنها في الحديث، وللغرر. (١) ٦٤ - وتفرد أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - بالقول بالجواز - كما يقول الكمال بن الهمام ومتون الحنفية عليه . ونص الحصكفي على أنه: يجوز بيع رطب برطب، أوبتمر متماثلا .. في الحال لا المآل، خلافا لهما، فلوباع مجازفة لم يجز اتفاقا . (٢) وقد استدل أبو حنيفة بحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ويقول: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا کیف شئتم، إذا كان يدا بيد)). (٣) ففي وجه الاستدلال بهذا الحديث يقول أبو حنيفة : الرُّطَب: إما أن يكون تمرا، أولا يكون. فإن کان تمرا، جاز العقد علیه، لقوله في أول الحديث: ((التمر بالتمر))، وإن كان غير تمر، جاز العقد عليه أيضا، لقوله في آخر الحديث: (١) المغني ٤/ ١٣٢، والقوانين الفقهية ص١٦٨، ١٦٩ (٢) الدر المختار ٤ /١٨٥ (٣) حديث عبادة بن الصامت: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة ... )) أخرجه مسلم (٢/ ١٢١١ ط الحلبي). - ١٨٣ - بيع منهي عنه ٦٥ ((إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم)). ولم يأخذ بحديث النهي السابق لأنه دائر على زيد بن عياش، وزيد بن عياش ممن لا يقبل حديثه وهو مجهول(١) وعلى تقدير صحته، فقد ورد بلفظ ((نهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة))(٢) وهذه زيادة يجب قبولها. (٣) ولاستكمال مبحث بيع الرطب بالتمر، ومايتصل به من التفاصيل والأحكام. يراجع مصطلح (ربا). بيع وسلف : ٦٥ - ورد فيه حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال: قال رسول الله دوله ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح مالم يضمن، ولا بيع ماليس عندك))(٤) وفي رواية عن عبدالله بن عمروبن العاص ٠ (١) فتح القدير ١٦٨/٦، ١٦٩، وانظر الهداية وشروحها في الموضع نفسه، وتبيين الحقائق ٩٢/٤، ٩٣ وبدائع الصنائع ١٨٨/٥ (٢) حديث: ((نهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة)) أخرجه أبوداود (٦٥٨ ط عزت عبيد دعاس) وأعله الدارقطني والزيلعي بجهالة أحد رواته. (نصب الراية ٤٣/٤ ط المجلس العلمي). (٣) فتح القدير ٦/ ١٦٩ (٤) حديث ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع)) أخرجه الترمذي (٥٣٥/٣ ط الحلبي) وقال: حسن صحيح. رضي الله عنهما أنه قال: يارسول الله: ((إنا نسمع منك أحاديث، أفتأذن لنا بكتابتها؟ قال: نعم. فكان أول ماكتب النبي ◌َّ إلى أهل مكة: لا يجوز شرطان في بيع واحد، ولا بيع وسلف جميعا، ولا بيع مالم يضمن ... )) الحديث. (١) وقد فسر محمد بن الحسن رحمه الله تعالى السلف والبيع بأنه قول الرجل للرجل: أبيعك داري هذه بكذا وكذا، على أن تقرضني كذا وكذا . وبهذا تؤول المسألة إلى موضوع البيع بشرط، ولا يختلف الفقهاء في فساد البيع بذلك، في الجملة . وصرح ابن جزي بأن البيع باشتراط السلف من أحد المتبايعين لا يجوز بإجماع، وإن يكن بطلان الشرط وحده رواية واحتمالا عند الحنابلة . (٢) والمالكية، حينما تحدثوا عن بيوع الآجال - وهي بيوع ظاهرها الجواز، لكنها تؤدي إلى (١) حديث: ((لا يجوز شرطان في بيع واحد ... )) أخرجه النسائي كما في نصب الراية (١٩/٤ ط المجلس العلمي بالهند) عن عطاء عن عبدالله بن عمرو، وقال: هذا خطأ، وعطاء هذا هو الخراساني، ولم يسمع من عبدالله بن عمرو. (٢) نصب الراية ١٩/٤، والقوانين الفقهية ص١٧٢، والمغني ٢٨٦/٤، والشرح الكبير في ذيله ٤/ ٥٣ ,٥٤ - ١٨٤ - بيع منهي عنه ٦٥ - ٦٧ ممنوع - منعوا بيع ماكثر قصد الناس إليه، توصلا إلى الربا الممنوع، وإن كان جائزا في الظاهر، وذلك للتهمة، وسد الذريعة، ومثلوا لها: باجتماع بيع وسلف، أوسلف جر منفعة، أو ضمان بجعل. وصوروا البيع والسلف بصور ثلاث: الأولى : بیع جائز في الظاهر یؤدي - كما يقول الدردير - إلى بيع وسلف، فإنه يمنع للتهمة، على أنهما قصدا البيع والسلف الممنوع. وذلك کان یبيع سلعتین بدينارين لشهر، ثم · يشتري إحداهما بدينار نقدا، فآل الأمر إلى أن البائع أخرج من يده سلعة ودينارا نقدا، لأن السلعة التي خرجت من يده ثم عادت إليها ملغاة كما يقول الدسوقي (١) ثم أخذ عنهما عند الأجل دينارين، أحدهما عن السلعة وهو بيع، والآخر عن الدينار وهو سلف. فهذه الصورة تؤدي إلى بيع وسلف، وهو جائز في ظاهره، ولا خلاف في المذهب في منعه، صرح بذلك ابن بشير وتابعوه، وغيرهم. (٢) وحيث تكرر في هذه الصورة البيع، منعت عندهم، لتهمة قصد البيع والسلف. الثانية : بيع وسلف بشرط من البائع أو المشتري. وهذه الصورة ممنوعة غير جائزة، لأن (١) الشرح الكبير للدردير ٧٦/٣ (٢) الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ٧٦/٣ الانتفاع بالقرض هو من جملة الثمن، إن كان شرط السلف صادرا من البائع، أوهو من جملة المثمن - أي المبيع - إن كان شرط السلف صادرا من المشتري، ففيه سلف جر نفعا. الثالثة : بيع وسلف بلا شرط، لا صراحة ولا حكما، وهي جائزة على المعتمد.(١) بيع وشرط : ٦٦ - ورد النهي في السنة عن (بيع وشرط) ومن ذلك حدیث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ◌َّر ((نهى عن بيع وشرط)). (٢) وينظر ٤ تفصيله في مصطلح: (بيع، وشرط) أسباب النهي المتعلقة بالغرر ٦٧ - هذا هو السبب الثاني من أسباب النهي عن البيع، مما يتعلق بلازم العقد، وكان الأول هو الربا. وقد ورد النهي عن بيوع الغرر، في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي وَّ ((نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر.))(٣) وغيره مما سيأتي . (١) شرح الدردير وحاشية الدسوقي ٣ /٦٦، ٦٧، ٧٦ (٢) حديث: ((نهى عن بيع وشرط ... )) أخرجه الطبراني في الأوسط، ونقل الزيلعي عن ابن القطان أنه ضعفه (نصب الراية ١٨/٤ ط المجلس العلمي) (٣) حديث: ((نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر ... )) أخرجه مسلم (٣/ ١١٥٣ ط الحلبي). - ١٨٥ - بيع منهي عنه ٦٨ - ٦٩ والغرر في اللغة هو: الخطر. وله في اصطلاح الفقهاء تعريفات شتى . فهو عند الحنفية: ماطوي عنك علمه. وعند بعض المالكية: التردد بين أمرين : أحدهما على الغرض، والثاني على خلافه. وعند الشافعية : ما انطوت عنا عاقبته، أو: ما تردد بين أمرين أغلبهما أخوفهما. ويرى بعض المالكية أن الغرر والخطر لفظان مترادفان بمعنى واحد، وهو ما جهلت عينه. ویری المحققون منهم أنهما متباينان: فالخطر: ما لم يتيقن وجوده، كما لوقال: بعني فرسك بما أربح غدا .. والغرر: ما يتيقن وجوده، ويشك في تمامه، کبیع الثمار قبل بدو صلاحها .(١). ٦٨ - وقد تقدمت صورينطبق عليها الغرر، عند الكلام عن شروط انعقاد البيع، منها: كون المبيع مالا موجودا مملوكا مقدور التسليم، فلا يصح بيع الحمل في بطن أمه، ولا ما سيخرجه الصياد في شبكته، ولا الطير في الهواء، ولا الجمل الشارد. الخ. (١) انظر المصباح المنير ومختار الصحاح. مادة ((غرر))، وفتح القدير ١٣٦/٦، وشرح العناية على الهداية ٦/ ١٣٦، ١٣٧، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣/ ٥٥، وانظر تعريفا آخر لابن عرفة في حاشية العدوي على كفاية الطالب ١٣٧/٢، وحاشية القليوبي على شرح المحلي ١٦١/٢ والغرر نوعان : أحدهما : مايرجع إلى أصل وجود المعقود عليه، أوملكية البائع له، أو قدرته على تسليمه، فهذا يوجب بطلان البيع، فلا ينعقد البيع اتفاقا في شيء من ذلك. والآخر: ما يرجع إلى وصف في المعقود عليه أو مقداره، أو يورث فيه أو في الثمن أو في الأجل جهالة . فهذا محل خلاف . تفصيله في مصطلح (غرر). وفيما يلي صور الغرر التي ورد النهي فيها بخصوصها، والحكم الفقهي فيها، من البطلان أو الفساد. إذ النهي عن بيع الغرر - كما يقول النووي - أصل من أصول الشرع، يدخل تحته مسائل كثيرة جدا. (١) منها : بيع الحصاة وبيع الملامسة وبيع المنابذة. وتنظر في مصطلحاتها. ومنها مايلي : أ - بیع الجنين وهو في بطن أمه : ٦٩ - وهو بيع الحمل، كما عبرت بعض المراجع الفقهية . (٢) والجنين هو: الولد مادام في بطن أمه، ويجمع على أجِنّة، كدليل وأدلة. ومثل الجنين أيضا: الملقوح والملقوحة، وجمعهما ملاقيح، وهي : (١) انظر نيل الأوطار ١٤٨/٥ (٢) انظر على سبيل المثال الهداية وشروحها ٦/ ٥٠ - ١٨٦ - بيع منهي عنه ٦٩ - ٧٠ ما في الأرحام والبطون من الأجنة، بتفسير الحنفية والجمهور، خلافا للمالكية في تفسير الملاقيح بما في ظهور الفحول. (١) وورد النهي في الحديث عن بيع الجنين مادام مجتنا حتی یولد، عن أبي سعيد رضي الله عنه، قال: ((نهى النبي وَ ل﴾ عن شراء مافي بطون الأنعام حتى تضع)). (٢) وتقدم الإجماع - كما صرح ابن المنذر - على بطلان هذا البیع (ر: ف ٥) للنهي عنه في الحديث وللغرر، فعسى أن لا يولد، ولأن فیه جهالة في صفته وحياته، ولأنه غير مقدور على تسليمه . وذكره هنا للغرر فقط، لكنه من النوع الأول منه، وهو الغرر المتعلق بالمعقود علیه نفسه، من حيث أصل وجوده، ولهذا كان النهي عنه مستوجبا للبطلان عند الجميع، حتى في اصطلاح الحنفية، الذين يفرقون بين البطلان وبین الفساد. (١) شرح الكفاية على الهداية ٦/ ٥٠، والعناية في الموضع نفسه، والدر المختار ورد المحتار ١٠٢/٤، وانظر الشرح الكبير للدردير ٣/ ٥٧، وشرح المحلي على المنهاج ٣/ ٧٠، والمغني ٢٧٦/٤، والشرح الكبير في ذيله ٢٧/٤ (٢) حديث: (( نهى عن شراء مافي بطون الأنعام حتى تضع ... )) أخرجه ابن ماجة (٢/ ٧٤٠ ط الحلبي) ونقل الزيلعي عن عبدالحق الأشبيلي أنه قال: إسناده لا يحتج به .. )) نصب الراية (١٥/٤ ط المجلس العلمي بالهند). ب - بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه : ٧٠ ۔ ویسمی أيضا المخاضرة، کما ورد في بعض النصوص. وورد النهي عن ذلك في أحاديث كثيرة منها : حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي وَ له((نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع))(١) وفي لفظ آخر: ((نهى عن بيع النخل حتى تزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة)). (٢) وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ◌َ﴾ ((لا تبتاعوا الثمار حتى يبدو صلاحها)) .(٣) وجاء مفسرا في حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ◌َّ نهى عن ((بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن بیع النخل حتی یزهو»، قيل: مايزهو؟ قال: يَجْمارّ أو يَصْفارّ. (٤) وفي بعض (١) حديث: ((نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ... )). أخرجه البخاري (الفتح ٣٩٤/٤ ط السلفية)، ومسلم (١١٦٥/٣ ط الحلبي). (٢) حديث: ((نهى عن بيع النخل حتى تزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة ... )) أخرجه مسلم (١١٦٥/٣ ط الحلبي). (٣) حديث: ((لا تبتاعوا الثمار حتى يبدو صلاحها ... )) أخرجه مسلم (١١٦٧/٣ ط الحلبي). (٤) حديث: ((نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها .. )) أخرجه البخاري (الفتح ٣٩٧/٤ ط السلفية)، ومسلم (١١٦٥/٣ ط الحلبي). - ١٨٧ - بيع منهي عنه ٧٠ - ٧١ الروايات عن أنس حتى تُزهى، فقيل له: وماتزهى؟ قال: تحمر. (١) کما جاء بدو الصلاح مفسرا في حدیث "ابن عمر رضي الله عنهما، قال: نهى النبي وَليه عن «بیع الثمرة حتی یبدو صلاحها)). وكان إذا سئل عن صلاحها، قال: حتى تذهب عاهتها . (٢) وفي حديث أنسٍ رضي الله عنه أن النبي ◌َّر نهى عن ((بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد)). (٣) وورد في الصحیح التعبیر بلفظ ثالث، وهو: التشقيح، وهذا في حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: ((نهى النبي و ﴾ أن تباع الثمرة حتى تشقح)) فقيل: ما تشقح؟. قال: تحْمار وتصفار، ويؤكل منها . (٤) (١) رواية: ((حتى تزهى، فقيل: وماتزهى؟ ... )) أخرجها البخاري (الفتح ٣٩٨/٤ ط السلفية). (٢) حديث: (( كان إذا سئل عن صلاحها قال: حتى تذهب عاهتها ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٣/ ٣٥١ ط السلفية) ومسلم (١١٦٦/٣ ط الحلبي). (٣) حديث: ((نهى عن بيع العنب حتى يسودٌ، وعن بيع الحب حتى يشتد)) أخرجه أبوداود (٦٦٨/٣ تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (٢/ ١٩ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي. (٤) حديث: ((نهى أن تباع الثمرة حتى تشقح ... )). أخرجه البخاري (الفتح ٤/ ٣٩٤ ط السلفية). معنى بدو الصلاح : ٧١ - فسر الفقهاء بدو الصلاح بمعان شتی : فالحنفية قالوا في تفسيره: أن تؤمن العاهة والفساد، وإن كان بعضھم ۔ کالکرلاني - فسره بأن تصلح الثمرة لتناول بني آدم، وعلف الدواب. (١) والمالكية فسروه تفسيرا مختلفا نسبيا: فهو في التمر: أن يحمر ويصفر ويزهو، وفي العنب: أن يسود وتبدو الحلاوة فیه، وفي غير هما من الثمار: حصول الحلاوة، وفي الخس والعصفر: أن ينتفع بهما، وفي سائر البقول: أن تطيب للأكل، وفي الزرع والحب: أن ييبس ويشتد.(٢) وأرجع الشافعية بدو الصلاح في الثمر وغيره كالزرع، إلى ظهور مبادىء النضج والحلاوة، فیما لا يتلون منه، أما فيما يتلون فبأن يأخذ في الحمرة أو السواد أو الصفرة. وذكروا ثماني علامات يعرف بها بدو الصلاح. أحدها : اللون، في کل ثمر ماکول ملون، إذا أخذ في حمرة، أو سواد أو صفرة، كالبلح والعناب والمشمش والإِجاص. (١) رد المحتار ٣٨/٤، وانظر حاشية الشلبي على تبيين الحقائق ١٢/٤، وفتح القدير ٤٨٩/٥، وشرح الكفاية على الهداية ٤٨٨/٥ (٢) انظر شرح الدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣/ ١٧٦ والقوانين الفقهية ١٧٢، ١٧٣ - ١٨٨ - بيع منهي عنه ٧١ - ٧٢ ثانيها : الطعم ، كحلاوة القصب وحموضة الرمان . ثالثها : النضج واللين، كالتين والبطيخ. رابعها : بالقوة والاشتداد ، كالقمح والشعير . خامسها : بالطول والامتلاء، كالعلف والبقول. سادسها : الکبر کالقثاء ، بحيث يؤكل. سابعها : انشقاق أکمامه، كالقطن والجوز. ثامنها: الانفتاح، كالورد. وما لا أكمام له كالياسمين، فظهوره، ويمكن دخوله في الأخير. ووضع له القليوبي هذا الضابط، وهو: بلوغ الشيء إلى صفة أي حالة يطلب فيها غالبا. (١) ووضع الحنابلة هذا الضابط : ماكان من المثمرة يتغير لونه عند صلاحه، كثمرة النخل والعنب الأسود والإِجاص، فبدو صلاحه بتغیر لونه، وإن کان العنب أبیض فصلاحه بتموهه، وهو: أن يبدو فيه الماء الحلو ويلين ويصفر لونه . وإن کان مما لا يتلون کالتفاح ونحوه، فبأن يحلو ویطیب. وإن كان بطيخا أو نحوه، فبأن يبدو فیه النضج. وإن کان مما لا يتغير لونه، ویؤ کل (١) شرح المحلي على المنهاج ٢٣٥/٢، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٣/ ٢٠٤ طيبا صغارا وكبارا، كالقثاء والخيار، فصلاحه بلوغه أن يؤكل عادة.(١) وحكمة النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه: هي خوف تلف الثمرة، وحدوث العاهة عليها قبل أخذها. (٢) وثبت في حديث أنس رضي الله عنه ((أرأیت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخیە؟))(٣) حکم بيع الثمر قبل بدو صلاحه : ٧٢ - جمهور الفقهاء - بوجه عام - على أن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، غير جائز ولا صحيح. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحديث(٤) ومع ذلك فقد فصلوا فيه القول، تبعا لتقييد العقد بشرط وإطلاقه، ولا يخلوبيع الثمرة من هذه الأحوال: الأولى : أن يبيعها قبل الظهور والبروز، أي قبل انفراك الزهر عنها وانعقادها ثمرة، فهذا البيع لا يصح اتفاقا . الثانية : أن يبيعها بعد الظهور، قبل بدو (١) المغني ٤/ ٢٠٧ (٢) المغني ٢٠٢/٤ وحاشية القليوبي على شرح المحلي ٢٣٣/٢ (٣) حديث: ((أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟)) . أخرجه البخاري (الفتح ٣٩٨/٤ ط السلفية) ومسلم (٣/ ١١٩٠ ط الحلبي). (٤) المغني ٢٠٢/٤ - ١٨٩ - بیع منهي عنه ٧٢ - ٧٣ الصلاح، بشرط الترك والتبقية على الشجر حتى تنضج، فلا يصح هذا البيع إجماعا، لأنه شرط لا يقتضيه العقد، وهو شغل ملك الغير . أو هو صفقة في صفقة أوهو إعارة أو إجارة في بيع. وعلله ابن قدامة بالنهي عنه في الحديث المذكور، والنهي يقتضي الفساد. قالوا: ومثل بيع الثمرة قبل بدو الصلاح بشرط الترك، بيع الزرع قبل أن يشتد. (١) الثالثة : أن يبيعها بعد الظهور، قبل بدو الصلاح بشرط القطع في الحال، فهذا البيع صحيح بالإِجماع، ولا خلاف في جوازه، (٢) وعلله الحنابلة بأن المنع من البيع قبل بدو الصلاح، إنما كان خوفا من تلف الثمرة، وحدوث العاهة عليها قبل أخذها، بدليل حديث أنس المار، وقول النبي وَلّ فيه: ((أرأيت إذا مَنَعَ اللّه الثمرةَ، بِمَ يأخذُ أحدُكم مالَ أخيه؟))(٣) وهذا مأمون فيما يقطع، فصح بيعه كما لوبدا صلاحه . (١) الدر المختار ورد المحتار ٣٨/٤، وانظر فتح القدير ٤٨٨/٥ - ٤٩٠، وتبيين الحقائق ١٢/٤، والشرح الكبير بحاشية الدسوقي ١٧٧/٣، وانظر شرح المحلي على المنهاج ٢٣٣/٢، والمغني ٤/ ٢٠٢ ومابعدها . (٢) فتح القدير ٤٨٨/٥، والمغني ٢٠٢/٤، وكشاف القناع ٢٨١/٣ (٣) حديث: ((أرأيت إذا منع الله الثمرة ... )) تقدم تخريجه في التعليق على فقرة (٧١). قالوا: والإِجماع على صحة البيع في هذه الحال، مخصص لعموم المنع في مفهوم الحديث السابق. وفارق مابعد بدو الصلاح، لأمن العامة فیه غالبا، بخلاف ماقبل بدو الصلاح، وبهذا الفارق يشعر الحديث الوارد في وضع الجوائح،(١) وهو: (لو بعت من أخیك ثمرا، فأصابته جائحة (أي آفة أهلكت الثمرة) فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق)). (٢) ٧٣ - غير أن الفقهاء قيدوا هذا الحكم، وهو جواز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع في الحال، بقيود بعضها متفق عليه، وبعضها انفرد به فريق من الفقهاء، نشير إليها فیما يلي : الشرط الأول : أن يكون الثمر منتفعا به : أ - فالحنفية - في الأصح من مذهبهم - وكذا المالكية على إطلاق الانتفاع به، وصرح الحنفية بشمول الانتفاع لما هو في الحال أو في الزمان الثاني، وهو المآل، أو في ثاني الحال - كما يعبرون . فمثل الفصيل (وهو الفصفصة التي يعلف بها الحيوان) والحصرم مما يجوز بيعه، الانتفاع (١) المغني ٢٠٢/٤، وكشاف القناع ٢٨١/٣، ٢٨٢، وشرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي عليه ٢/ ٢٣٣ (٢) حديث: ((لو بعت من أخيك ثمرا ... )) أخرجه مسلم (١١٩٠/٣ ط الحلبي). - ١٩٠ - بيع منهي عنه ٧٣ - ٧٤ الحيوان وانتفاع الإِنسان به.(١) ب - والشافعية والحنابلة ، قيدوا الجواز بالانتفاع به في الحال، وزاد الشافعية تقييد المنفعة بأن تکون مقصودة لغرض صحیح، وإن لم یکن بالوجه الذي يراد بالانتفاع به منه كما في الحصرم، بخلاف الكمثرى، لأن قطعه في الحال إضاعة مال - كما علله المالكية - وبخلاف ثمرة الجوز، وزرع الترمس، فإنه لا يصح بيعه بالشرط المذكور نفسه، لعدم النفع بالمبيع - كما علله الحنابلة . (٢) الشرط الثاني: أن يحتاج إليه المتبايعان أو أحدهما . الشرط الثالث: أن لا يكثر ذلك بين . الناس، ولا يتمالؤوا عليه . وهذان الشرطان نص عليهما المالكية، فإن تخلف واحد، منع البيع، (٣) كما يمنع بشرط التبقية المار أو الإِطلاق، كما يأتي. الشرط الرابع: نص عليه الحنابلة، وهو أن لا يكون مابيع قبل بدو صلاحه مشاعا، بأن (١) فتح القدير ٤٨٨/٥، والشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي ١٧٦/٣، والقوانين الفقهية (١٧٣). (٢) شرح المحلي على المنهاج ٢٣٣/٢، وشرح المنهج وحاشية الجمل عليه ٣/ ٢٠١، ٢٠٢، وكشاف القناع ٢٨٢/٣، والشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي عليه ١٧٦/٣ (٣) الشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي عليه ٣/ ١٧٦ يشتري نصف الثمرة قبل بدو صلاحها مشاعا بشرط القطع، وذلك لأنه لا يمكنه قطع ما يملكه، إلا بقطع ما لا يملكه، وليس له ذلك.(١) ٧٤ - وقد أجاز الفقهاء أيضا، إضافة إلى هذه الصورة الجائزة، وهي بيع مالم يبد صلاحه بشرط القطع في الحال، هذه الصور: (١) أن يبيع الثمرة التي لم يبد صلاحها مع الشجر، أو الزرع الأخضر مع الأرض، ولا يختلف فيها الفقهاء، لأن الثمر فيها والزرع تابعان للشجر والأرض، اللذين لا تعرض لهما عاهة، كما يقول الشافعية . (٢) أن يبيع الثمرة لمالك الأصل وهو الشجر، أو يبيع الزرع لمالك الأرض، لأنه إذا بيع مع أصل دخل تبعا في البيع، فلم يضر احتمال الغرر فيه، كما احتملت الجهالة في بيع اللبن في الضرع مع الشاة . نص على هذه الصورة الحنابلة، كما نص على الأولى الجميع، وزاد المالكية الصورة التالية : (٣) أن يبيع الأصل، وهو الشجر أو الأرض، ثم بعد ذلك بفترة ما، قربت أو بعدت، وقبل (١) كشاف القناع ٢٨٢/٣ - ١٩١ - بيع منهي عنه ٧٥ - ٧٦ خروجهما من يد المشتري، يلحق الثمر أو الزرع بالأصل المبيع قبله .(١) ٧٥ - الرابعة من أحوال بيع الثمرة: أن يبيعها بعد بدو الصلاح - على الخلاف في تفسيره: بظهور النضج والحلاوة والتموه ونحوها عند الجمهور. وبأمن العاهة والفساد عند الحنفية ولا خلاف في جواز البيع في هذه الحال كما هو نص ابن الهمام، ومفهوم الحديث أيضا عند من يقول بالمفهوم. وسيأتي بعض التفصيل المذهبي فيما إذا تناهى عظم الثمرة أو لم يتناه. غير أن المالكية قيدوا الجواز في هذه الحال - زيادة علی بدو الصلاح بتفسيره عندهم - بأن لا یستتر بأکمامه، کالبلح والتین والعنب، والفجل والكرات والجزر والبصل. فهذا النوع يجوز بيعه جزافا، ووزنا بالأولى . أما ما استتر بأکمامه۔ أي بغلافه - کالقمح في سنبله، فإنه لا يجوز بيعه وحده جزافا، ويجوز کیلا. وإن بيع بقشره أي تبنه، جاز جزافا، وكذا کیلا بالأولى . أما ما استتر بورقه كالفول، فلا يجوز بيعه (١) انظر رد المحتار ٣٨/٤، وتبيين الحقائق ١٢/٤، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١٧٦/٣ ، وشرح الخرشي ٥/ ١٨٥، وتحفة المحتاج ٤/ ٤٦٣، ٤٦٤، وكشاف القناع ٢٨٢/٣، وتحفة المحتاج ٤٦/٤ جزافا، لا منفردا ولا مع ورقه، ويجوز کیلا. (١) ٧٦ - الخامسة : أن يبيع الثمرة قبل بدو الصلاح مطلقا، فلا يشترط قطعا ولا تبقية، وهذه الصورة محل خلاف بين الفقهاء : (أ) فعند الشافعية والحنابلة، والقول المعتمد عند المالكية، ۔ وإن صرح ابن جزي بأن فیه قولين - أن بيعها كذلك باطل: الإِطلاق النهي في الحديث المذكور عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، ولأن العاهة تسرع إلیه حينئذ، لضعفه، فيفوت بتلفه الثمن، من غير مقابل .(٢) (ب) وفصل الحنفية في هذه المسألة، فقرروا أنه : إن کان الثمر بحال لا ينتفع به في الأکل ولا في علف الدواب، ففيه خلاف بين المشايخ: قيل : لا يجوز، ونسبه قاضیخان لعامة مشایخ الحنفیة للنهي ، ولأن البيع يختص بمال متقوم، والثمر قبل بدو الصلاح ليس كذلك. والصحيح: أنه يجوز، لأنه مال منتفع به في ثاني الحال (أي المآل) إن لم يكن منتفعا به في الحال. (١) فتح القدير ٤٨٨/٥ و٤٨٩، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١٧٦/٣ (٢) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣/ ١٧٧، وشرح الخرشي ٥/ ١٨٥، والقوانين الفقهية (ص١٧٣) وشرح المحلي على المنهاج ٢٣٣/٢، والمغني ٤/ ٢٠٢ ، وتحفة المحتاج ٢٦١/٤ - ١٩٢ - بيع منهي عنه ٧٧ وإن كان بحيث ينتفع به، ولو علفا للدواب، فالبیع جائز باتفاق أهل المذهب، إذا باع بشرط القطع، أو مطلقا .(١) وقد نص المالكية أيضا على جواز البيع قبل بدو الصلاح في المسائل الثلاث السابقة . وذكر بعض الفقهاء، كالحنفية والحنابلة، هذه الصورة أيضا . ٧٧ - السادسة: إذا اشترى الثمرة، وقد بدا صلاحها ونضجها، ولم يتناه عظمها، وشرط الترك والتبقية إلى أن يتناهى عظمها: (أ) فمذهب الجمهور - كما ينص ابن قدامة - جواز البيع في هذه الصورة، بل جوازه بإطلاق. - لأن الحديث نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، فمفهومه إباحة بيعها بعد بدو صلاحها، والمنهي عنه قبل بدو الصلاح عندهم البيع بشرط التبقیة، فیجب أن یکون ذلك جائزا بعد بدو الصلاح، وإلا لم يكن بدو الصلاح غاية، ولا فائدة في ذكره. - ولأن النبي ◌َّ ((نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وتأمن العاهة) وتعلیله بأمن العاهة يدل على التبقية، لأن ما يقطع في الحال لا يخاف العاهة عليه، وإذا بدا الصلاح فقد أمنت العاهة، فيجب أن يجوز بيعه مبقی، لزوال علة المنع . (١) فتح القدير ٤٨٩/٥، ورد المحتار ٣٨/٤، والعناية بشرح الهداية للبابرتي ٤٨٨/٥، ٤٨٩ ولأن النقل والتحويل يجب في المبيع بحكم العرف، فإذا شرطه جاز، كما لوشرط نقل الطعام من ملك البائع . (١) (ب) والحنفية قرروا مفصلين في هذه المسألة : إذا شرط الترك، ولم يتناه العظم والنضج، فقد شرط فيه الجزء المعدوم، وهو الذي يزيد بمعنى من الأرض والشجر، وهذه الزيادة تحدث بعد البيع من ملك البائع، فكأنه ضم المعدوم إلى الموجود، واشتراهما، فيفسد العقد. (٢) وإذا شرط الترك، وقد تناهى عظمها، فکذلك الحكم عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو أنه يفسد العقد أيضا، وهو القياس، لأنه شرط لا يقتضيه العقد، وهو شغل ملك غيره، ولأحد المتعاقدین فیه منفعة، ومثله يفسد العقد، وهذا لأنه يحصل في المبيع زيادة جودة وطراوة، وللمشتري فيه نفع . وأما محمد بن الحسن فقد استحسن في هذه الصورة، وقال كما قال الأئمة الثلاثة: لا يفسد العقد، لتعارف الناس ذلك، بخلاف ما إذا لم يتناه عظمها، لأنه شرط في الجزء المعدوم . ومع أن البابرتي والكرلاني، من شراح الهداية، لم يسلما بالتعامل في اشتراط الترك، بل (١) المغني ٤/ ٢٠٥ (٢) الهداية وشرحها: الكفاية للكرلاني ٤٨٩/٥ - ١٩٣ - بيع منهي عنه ٧٨ - ٧٩ قررا أن المعتاد هو الترك بلا شرط، والإذن في تركه بلا شرط في العقد، لا شرط الترك. فقد نقل الكرلاني عن الأسرار أن الفتوى على قول محمد، وهو الذي اختاره الطحاوي، لعموم "البلوى. (١) ٧٨ - وإذا اشترى الثمرة مطلقا، فلم يشترط الترك ولا القطع، ولم يتناه عظمها، ثم تركها : فإن كان الترك بإذن مجرد من البائع، طاب له الفضل والأكل. وإن كان الترك بإذن في ضمن الإِجارة، بأن استأجر الأشجار إلى وقت الإِدراك، طاب له الفضل أيضا، لأن الإِجارة باطلة، لعدم التعارف بين الناس على استئجار الأشجار، ولعدم حاجة المشتري إلى استئجار الأشجار، لأنه يمكنه شراء الثمار مع أصولها، والأصل في القياس بطلان الإِجارة، وأجيزت شرعا للحاجة فيما فيه تعامل، ولا تعامل في إجارة الأشجار المجردة، فبقي الإِذن. أما لو ترکها بغير إذنه، فإنه یتصدق بما زاد في ذاته، لحصوله بجهة محظوره، وهي حصولها بقوة الأرض المغصوبة، فيقوم ذلك قبل الإِدراك وبعده، ويتصدق بفضل مابينهما . أما إذا اشترى الثمرة بعدما تناهى عظمها، وتركها، فإنه لا يلزمه أن يتصدق بشيء، لأن (١) الهداية وشروحها ٥/ ٤٨٩، وتبيين الحقائق ١٢/٤، والدر المختار، ورد المحتار ٣٩/٤ هذا تغیر حالة، لا تحقق زیادة. (١) هل يشترط لصحة بيع الثمر بدو صلاح كله؟ ٧٩ - يمكن القول بوجه عام، أنه يكفي لصحة البيع بدو صلاح بعضه - وإن قل - لبيع كله، بشرط اتحاد العقد والجنس والبستان، والحمل عند بعض الفقهاء - كالشافعية - أو الجنس عند آخرين - كالمالكية - وإن شرط بعضهم خلافا لآخرين صلاحَ كله، فلا يجوز عنده إلا بيع ما بدا صلاحه. (٢) وفي المسألة تفصيل نذكره فيما يلي: أولا : إن كانت شجرة واحدة، وبدا الصلاح في بعض ثمرها، جاز بيع جميعها بذلك، قال ابن قدامة: ولا أعلم فيه اختلافا. ثانيا : وإن بدا الصلاح في شجرة واحدة، فهل يجوز بيع سائر ما في البستان من ذلك النوع؟ فيه قولان : الأول : مذهب الجمهور، ومنهم مالك والشافعي ومحمد بن الحسن، وهو الأظهر من مذهب الحنابلة: أنه يجوز بيع جميع الثمر من ذلك النوع، ووجهه : (١) الهداية وشروحها ٥/ ٤٨٩، ٤٩٠، وتبيين الحقائق ١٢/٤، وبدائع الصنائع ١٦٦/٥ (٢) شرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي عليه ٢٣٦/٢، وانظر تحفة المحتاج بشرح المنهاج، وحاشية الشرواني ٤ /٤٦٧، والشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي عليه ١٧٧/٣، والمغني مع الشرح الكبير ٢٠٥/٤، والدر المختار ورد المحتار ٣٩/٤ - ١٩٤ - بيع منهي عنه ٨٠ - أنه بدا الصلاح من نوعه من البستان الذي هو فيه، فجاز بيع جميعه، كالشجرة الواحدة . - وأن اعتبار بدو الصلاح في جميعه يشق، ويؤدي إلى الاشتراك واختلاف الأيدي، فوجب أن يتبع الذي لم يبد صلاحه مابدا صلاحه . والمالكية شرطوا في هذه الصورة، أن لا تكون النخلة باكورة، وهي التي تسبق بالزمن الطويل، بحيث لا يحصل معه تتابع الطيب، فإن كانت باكورة لم يجزبيع ثمار البستان بطيبها، ويجوز بيعها وحدها. (١) الآخر : هورواية عن الإِمام أحمد (وهو المتبادر من كلام الحنفية، والمعتمد عند الشافعیة) أنه لا يجوز إلا بیع مابدا صلاحه. لأن ما لم ييد صلاحه داخل في عموم النهي ، ولأنه لم يبد صلاحه، فلم يجز بيعه من غير شرط القطع ، فأشبه الجنس الآخر ، وأشبه الجنس الذي في البستان الآخر (٢) - كما سيأتي - ٨٠ - ثالثا : إن بدا الصلاح في شجرة واحدة، أو أشجار من نوع ما، فهل يجوز بيع ما في البستان من نوع آخر من ذلك الجنس؟ (١) المغني ٢٠٥/٤، ٢٠٦، وانظر أيضا كشاف القناع ٢٨٧/٣، وشرح المحلي على المنهاج ٢/ ٢٣٦، والقوانين الفقهية ١٧٣، وشرح الخرشي ١٨٥/٥، وكفاية الطالب وحاشية العدوي عليه ٢/ ١٥٤، ١٥٥ (٢) المغني ٢٠٥/٤، ٢٠٦، وشرح المحلي على المنهاج وحاشية ٠ القليوبي علیه ٢٣٦/٢، ورد المحتار ٣٩/٤ في هذه الصورة أوجه : الوجه الأول : لبعض أصحاب الشافعي، وهو قول القاضي من الحنابلة، أنه لا يتبعه، وقرر ابن قدامة أنه الأولى، وذلك : - لأن النوعين قد يتباعد إدراكهما، فلم يتبع أحدهما الآخر في بدو الصلاح، كالجنسين . - ولأن المعنى هنا هو تقارب إدراك أحدهما من الآخر، ودفع الضرر الحاصل بالاشتراك، واختلاف الأيدي، ولا يحصل ذلك في النوعین، فصارا في هذا كالجنسين . الوجه الثاني : لمحمد بن الحسن، وهو أن ما كان متقارب الإدراك، فبدو صلاح بعضه يجوز به بیع جمیعه، وإن كان يتأخر إدراك بعضه تأخرا كثيرا، فالبيع جائز فيما أدرك، ولا يجوز في الباقي .(١) الوجه الثالث : لبعض أصحاب الشافعي، ولأبي الخطاب من الحنابلة، وهو أنه يجوز بيع ما في البستان من ذلك الجنس، قاسوه على إكمال النصاب في الزكاة، فإن الجنس الواحد يضم بعضه إلى بعض في التكميل، فيتبعه في (١) المغني ٢٠٦/٤ . وقد ذكر ابن قدامة هذا الوجه لمحمد بن الحسن، ولم أره في كتب الحنفية التي بين يدي، لكن تقدم أن محمدا يفتى بجواز العقد إذا برز بعض الثمر دون بعضه الآخر، ولو شرط المشتري تركها إذا تناهت للعرف استحسانا، وهو قول الأئمة الثلاثة، وقالوا : به يفتى لعموم البلوى، انظر الدر المختار ورد المحتار (٣٩/٤) - ١٩٥ - بيع منهي عنه ٨١ - ٨٢ جواز البيع، ويصبح كالنوع الواحد. (١) ٨١ - رابعا: إن بدا صلاح الثمر في أحد بستانين (متقاربين) من دون الآخر، وقد باعهما في عقد واحد، والثمرة من نوع واحد، ففيه وجهان : أحدهما : مذهب مالك، وقول للشافعية، وهو رواية عن الإِمام أحمد: أن بدو الصلاح في شجرة من القراح (المزرعة) صلاح له ولما قاربه وجاوره، فيتبعه، وذلك: لأنهما يتقاربان في الصلاح، فأشبها القراح الواحد. ولأن المقصود الأمن من العاهة، وقد وجد. ولاجتماعهما في صفقة واحدة . والمالكية فسروا القرب هنا والجوار، بتلاحق الطيب بالطيب عادة، أو بقول أهل المعرفة . وابن كنانة منهم عمم الحكم في البساتين، وإن كان مما لا يتلاحق طيبه بطيبه . وابن القصار عمم الحكم في غير المتجاورات من البساتين، فشمل البلد. ولهم قولان في اشتراط تلاصق البساتين، لكنهم استظهروا أنه لا يشترط أن تكون البساتين المجاورة ملكا لصاحب البستان الذي فيه الشجرة الباكورة التي بدا صلاحها. لكنهم قصروا هذا الحكم على الثمار، ومثلها المقتأة، (١) المغني ٢٠٦/٤. وانظر حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (٤ /٤٥٧، ٤٥٨) فقد علق اشتراط اتحاد المجلس في التبعية بقوله : أي لا نوع. أما الزروع فلابد فيها من يبس جميع الحب. (١) الآخر : أن لا يتبع أحد البستانين الآخر، وهذا هو الأصح والمعتمد عند الشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة، ولو كانا متقاربين، وذلك : - لأن من شأن اختلاف البقاع اختلاف وقت التأبير - كما يقول الشافعية - فلابد من شرط القطع في البستان الآخر. - أن إلحاق ما لم يبد صلاحه بالذي بدا صلاحه، هو لدفع ضرر الاشتراك، واختلاف الأيدي، وهذا الضرر منتف في البستان الآخر، فوجب امتناع التبعية، كما هو الشأن في البستانين المتباعدين. (٢) ٨٢ - خامسا: إن بدا الصلاح في جنس من الثمر، لم یکف في حل بيع ما لم يبد صلاحه من جنس آخر، فبدو صلاح البلح لا یکفي في حل بيع نحو العنب، وإذا كان في البستان عنب ورمان، فبدا صلاح العنب، لا يجوز بيع الرمان (١) المغني ٢٠٦/٤، وانظر القوانين الفقهية (١٧٣) وشرح المحلي على المنهاج ٢٣٦/٢، والشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ١٧٣/٣، وشرح الخرشي على مختصر سیدي خلیل، وحاشية العدوي علیه ١٨٥/٥ (٢) تحفة المحتاج ٤/ ٤٥٧، وشرح المحلي على المنهاج ٢٣٦/٢، والمغني ٢٠٦/٤، ٢٨٨، وحاشية العدوي على شرح كفاية الطالب ٢/ ١٥٤، والقوانين الفقهية (١٧٣)، وشرح المحلي على المنهاج ٢٣٦/٢ - ١٩٦ - بيع منهي عنه ٨٣ - ٨٤ حتى يبدو صلاحه،-نص على هذا المالكية، وهو متفق عليه، فلوباع كذلك وجب شرط القطع في ثمر الآخر. ٨٣ - ألحق الفقهاء المقائىء بالثمر، في الاكتفاء يبدو بعضها، جواز بيع کلها، وذلك بأن تکبر وتطيب للأكل، وصرح المالكية بأن هذا الحكم مختص بهما، فأما الزرع فلا يكفي في حل بيعه یبس بعضه، بل لابد من یبس جمیع حبه، وذلك : - لأن حاجة الناس لأكل الثمار رطبة للتفكه بها أكثر. - ولأن الثمر إذا بدا صلاح بعضه، يتبعه الباقي سريعا غالبا، ومثله نحو القثاء، بخلاف الزرع، وليست الحبوب كذلك، لأنها للقوت لاللتفکه. (١) وبقي الشافعية والحنابلة على الأصل، وهو الاكتفاء في الحب ببدو صلاح بعضه وإن قل، بل صرح ابن حجر بالاكتفاء باشتداد بعض الحب، ولو سنبلة واحدة، ووجهه: أن الله تعالى امتن علينا بطيب الثمار على التدريج، إطالة لزمن التفكه، فلوشرط طيب جمیعه، لأدى إلى أن لا يباع شيء، لأن السابق قد يتلف، أو تباع الحبة، بعد الحبة، وفي کل حرج شدید. (٢) (١) شرح الخرشي ١٨٥/٥، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣/ ١٧٧ . (٢) تحفة المحتاج ٤ / ٤٦٤، وحاشية الجمل على شرح= ٨٤ - ولم يواجه الحنفية هذه المسألة، وهي اشتراط بدو صلاح كل الثمر لصحة بيعه، ولا التفصيلات التي تندرج فيها، لأن مذهبهم في أصلها، وهو بيع الثمر قبل بدو صلاحه (وكذا الحب ونحوه) أنه إن کان بحیث ینتفع به، ولو علفا للدواب، فالبيع جائز باتفاق أهل المذهب إذا باع بشرط القطع أو مطلقا، ويجب قطعه على المشتري في الحال . وكل الذي تقدم من خلاف الأئمة الثلاثة في اشتراط صلاح كل الثمر، وصلاح كل الحب، إنما هو فيما ينتفع به عند الحنفية، وكله جائز البيع عندهم . وإنما اختلف الحنفية فيما لا ينتفع به، أكلا ولا علفا، قبل بدو الصلاح: فذهب السرخسي وشيخ الإِسلام (خواهر زاده) إلى عدم الجواز في هذه الجزئية، للنهي وعدم التقوم . والصحيح في المذهب - والأصح عند المرغيناني - جواز بيعه أيضا، لأنه ينتفع به مآلا ، وإن لم ينتفع به حالا ، باعتباره مالا. (١) لهذا لم يبحث الحنفية شرطية بدو صلاح كل = المنهج ٢٠٤/٣ . وانظر أيضا في التعليل حاشية عميرة على شرح المحلي ٢/ ٢٣٦، وكشاف القناع ٢٨٧/٣ (١) الهداية وشروحها ٤٨٨/٥ و٤٨٩، وتبيين الحقائق ١٢/٤ - ١٩٧ - بیع منهي عنه ٨٥ - ٨٦ الثمر ولا بعضه (وكذا الحب) وعبارة متونهم في هذا صريحة، ونصها : ومن باع ثمرة لم يبد صلاحها، أو قد بدا، جاز البيع، وعلى المشتري قطعها في الحال، وإن شرط تركها على النخل فسد البيع، وقيل: لا إذا تناهت، وبه يفتى(١) بيع المتلاحق من الثمر ونحوه : ٨٥ ۔ ویتصل ببيع الثمر قبل بدو صلاحه ـ على الخلاف الذي فیه ۔مسألة ما إذا باع ثمرة قد بدا صلاحها، وكانت مما تطعم بطنا بعد بطن، ویغلب تلاحق ثمرها، ويختلط مايحدث منها بالموجود، كالتين والقثاء والبطيخ ، وكذا في الزرع كالبرسيم (وهو الفصفصة) وكذا في الورد ونحوه، وتعرف بمسألة الثمر المتلاحق، وفيها بعض الخلاف. (أ) فمذهب جمهور الفقهاء، من الشافعية والحنابلة، وظاهر الرواية عند الحنفية، وهو الأصح عندهم قياسا: أنه لا يصح بيعه، وذلك : لعدم القدرة على التسليم لتعذر التمييز، فأشبه هلاكه قبل التسليم، كما يقول المرغيناني والكمال من الحنفية، واقتصر على صدر التعليل (١) شروح الهداية ٤٨٨/٥، ٤٨٩، ومتن تنوير الأبصار بشرحه الدر المختار ورد المحتار عليه ٤ / ٣٩ القاضي زكريا الأنصاري من الشافعية، وعلله السرخسي بأنه جمع في العقد بين الموجود والمعدوم، والمعدوم لا يقبل البيع، وحصة الموجود غير معلومة . (١) وعلله الحنابلة بأنه ثمرة لم تخلق، فلم يجز بيعها، كما لوباعها قبل ظهور شيء منها، والحاجة تندفع ببيع أصوله . وما لم يخلق من ثمرة النخل، لا يجوز بيعه تبعا لما خلق، وإن كان ما لم يبد صلاحه يجوز بیعه تبعا لما بدا صلاحه، لأن ما لم يبد صلاحه يجوز إفراده بالبيع في بعض الأحوال كما تقدم، وأما ما لم يخلق فلا. (٢) ٨٦ - (ب) ومذهب مالك جوازه، وهو أيضاما أفتى به بعض الجنفية كالحلواني وأبي بكر محمد بن الفضل البخاري وآخرين استحسانا، وذلك بجعل الموجود أصلا في العقد، ومايحدث بعده تبعا له، من غير تقييد بكون الموجود وقت العقد أکثر. ورجحه ابن عابدين ووجهه . ووجه الاستحسان هو تعامل الناس، فإنهم تعاملوا ببيع ثمار الكرم بهذه الصفة، ولهم في (١) شرح المحلي على المنهاج ٢٣٧/٢، والمغني ٤/ ٢٠٧، وكشاف القناع ٢١٢/٣، والدر المختار ٣٨/٤، والهداية وفتح القدير ٥/ ٤٨٩، ٤٩٢، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٢٠٦/٣ (٢) المغني ٤/ ٢٠٧ - ١٩٨ - بيع منهي عنه ٨٦ - ٨٧ ذلك عادة ظاهرة، وفي نزع الناس من عادتهم حرج. وقد روي عن الإِمام محمد - رحمه الله - أنه أجاز بيع الورد على الأشجار، ومعلوم أن الورد لا يتفتح جملة، بل يتلاحق بعضه إثر بعض. (١) وبدا من هذا أن جواز بيع المتلاحقات هومن قبیل استحسان الضرورة، عند من أفتى به من الحنفية . والذین ذهبوا مذهب الجمهور في عدم جواز هذا البيع تمسكوا بالنصوص، ونفوا الضرورة هنا : - لجواز أن يبيع البائع الأصول. - أو يشتري المشتري الموجود ببعض الثمن، ويؤخر العقد في الباقي إلى وقت وجوده . - أويشتري الموجود بجميع الثمن، ويبيح البائع للمشتري الانتفاع بما يحدث منه. ولهذا قرروا أنه لا ضرورة إلى تجويز العقد في المعدوم مصادما للنص، وهو: النهي عن بيع ما ليس عند الإِنسان. (٢) وفي هذا يقول ابن عابدين رحمه الله تعالى : لا يخفى تحقق الضرورة في زماننا، ولاسيما في مثل دمشق الشام، كثيرة الأشجار والثمار، فإنه (١) القوانين الفقهية (١٧٣)، والشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي ١٨٧/٣. قارن بالدر المختار ورد المحتار ٣٨/٤و٣٩، وتبيين الحقائق ١٢/٤، وشرح الكفاية على الهداية ٤٨٩/٥، وفتح القدير ٤٩٢/٥ (٢) تبيين الحقائق ١٢/٤، وانظر رد المحتار ٣٩/٤ لغلبة الجهل على الناس، لا يمكن إلزامهم بالتخلص بأحد الطرق المذكورة، وإن أمكن ذلك بالنسبة إلى بعض أفراد الناس لا يمكن بالنسبة إلى عامتهم، وفي نزعهم عن عادتهم حرج - كما علمت - ويلزم تحريم أكل الثمار في هذه البلدان، إذ لا تباع إلا كذلك. والنبي ◌َّه إنما رخص في السلم للضرورة، مع أنه بيع المعدوم، فحيث تحققت الضرورة هنا أيضا، أمكن إلحاقه بالسلم بطريق الدلالة، فلم يكن مصادما للنص، فلهذا جعلوه من الاستحسان، لأن القياس عدم الجواز. وظاهر كلام الفتح الميل إلى الجواز، ولذا أورد له الرواية عن محمد، بل إن الحلواني رواه عن أصحابنا، وماضاق الأمر إلا اتسع، ولا يخفى أن هذا مسوغ للعدول عن ظاهر الرواية. (١) ٨٧ - والمالكية ، القائلون بالجواز، قسموا هذه المتلاحقات، وهي ذات البطون، إلى قسمين: - ماتتميز بطونه . - وما لا تتميز بطونه . والذي لا تتمیز بطونه قسمان: ما له آخر، وما لا آخر له. وفيما يلي أحكامها : أولا : ما تتميز بطونه، وهو المنفصل غير المتتابع. وذلك في الشجر الذي يطعم في السنة بطنين متميزين. فهذا لا يجوز أن يباع البطن (١) انظر فتح القدير ٤٩٢/٥، ورد المحتار ٣٩/٤ - ١٩٩ - بيع منهي عنه ٨٧ - ٨٩ الثاني بعد وجوده وقبل صلاحه ببدو صلاح البطن الأول، وإن كان لا ينقطع الأول حتى يبدو طيب الثاني. وهذا هو المشهور عندهم. وحكى ابن رشد قولا بالجواز، بناء على أن البطن الثاني يتبع الأول في الصلاح، لكن ابن جزي جعل عدم الجواز في هذه الصورة اتفاقا . (١) ثانيا : ما يخلف ويطعم بطنا بعد بطن، ولا تتميز بطونه، وله آخر. (أي نهاية ينتهي إليها) كالورد والتين، وكالمقائىء من الخيار والقثاء والبطيخ والجميز والباذنجان وما أشبه ذلك، فهذا يجوز بيع سائر البطون ببدو صلاح الأول. قال ابن جزي: خلافا لهم، أي للأئمة الثلاثة. فمن اشترى شيئا من المذكورات، يقضى له بالبطون كلها، ولو لم يشترطها في العقد . ولا يجوز في هذا التوقيت بشهر ونحوه، لاختلاف حملها بالقلة والكثرة. (٢) ثالثا : ما يخلف ويطعم بطنا بعد بطن، ولا تتميز بطونه وهي متتابعة، لكن لا آخر ولا (١) الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي عليه ٣/ ١٧٧، و٨٧٨، وشرح الخرشي ٥/ ١٨٥، ١٨٦، والقوانين الفقهية (١٧٣) (٢) القوانين الفقهية (١٧٣)، والشرح الكبير للدردير ١٧٨/٣، وشرح الخرشي ١٨٦/٥ نهاية له، أي إن إخلافه مستمر، فكلما قطع منه شيء خلفه غيره، وليس له آخرينتهي إليه، وهو مستمر طول العام، کالموز- في بعض الأقطار۔ فهذا النوع لا يجوز بيعه إلا بضرب من الأجل، وهو غاية ما يمكن، ولوكثر الأجل ۔ علی المشهور- خلافا لابن نافع الذي حصر الجواز بسنة واحدة، ولمن نفى الزيادة على سنتين . ومثل ضرب الأجل في الجواز، استثناء بطون معلومة . (١) جـ - بيع السنين : ٨٨ - روى جابر رضي الله عنه أن النبي ((نهى عن بيع السنين)). (٢) والمراد به أن يبيع ما سوف تثمره نخلة البائع سنتين أو ثلاثا أو أكثر، وذلك لما فيه من الغرر، فهو أولى بالمنع من منع بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها. (٣) د - بيع السمك في الماء : ٨٩ - ومما ورد النهي عن بيعه للغرر: السمك في الماء. وذلك في حديث ابن مسعود رضي الله (١) نفس المراجع . (٢) حديث: ((نهى عن بيع السنين)) أخرجه مسلم (١١٧٨/٣ ط الحلبي). (٣) فيض القدير للمناوي ٣٠٧/٦ - ٢٠٠ -