النص المفهرس

صفحات 141-160

بغاة ١٤
تنزيل القرآن، وعليٌّ يقاتل على تأويله))(١)
والقتال مع التأويل هو القتال مع البغاة، وذلك
كقتال أبي بكر رضي الله عنه مانعي الزكاة. (٢)
وإذا قاتلهم الإِمام فهزمهم، وولوا مدبرین،
وأمن جانبهم، أو تركوا القتال بإلقاء السلاح أو
بالهزيمة أو بالعجز، لجراح أو أسر، فإنه لا يجوز
لأهل العدل أن يتبعوهم، ولا يجهزوا على
جريجهم، ولا يقتلوا أسيرهم، لوقوع الأمن عن
شرهم، ولا تسبی لهم ذریة، ولا یقسم له مال،
لقول علي رضي الله عنه ((لا يقتل بعد الهزيمة
مقبل ولا مدبر، ولا يفتح باب، ولا يستحل فرج
ولا مال)) بل قال لهم: من اعترف شيئا
فليأخذه، أي من عرف من البغاة متاعه
استرده، وقال يوم الجمل: لا تتبعوا مدبرا، ولا
تجهزوا على جريح، ولا تقتلوا أسيرا، وإياكم
والنساء. (٣) ولأن قتالهم للدفع والرد إلى الطاعة
(١) حديث: ((أنا أقاتل على تنزيل القران وعلي يقاتل ... ))
أخرجه الدارقطني في الأفراد، وقال : تفرد به جابر الجعفي
وهو رافضي (كنز العمال ٦١٣/١١ - ط الرسالة).
(٢) البدائع ٧/ ١٤٠، والفتح ٤ /٤١١، وحاشية ابن عابدين
٣١١/٣، وتبيين الحقائق ٣/ ٢٩٤، والشرح الكبير
وحاشية الدسوقي ٢٩٩/٤، والتاج والإكليل ٦/ ٢٧٨،
والمهذب ٢١٩/٢، والمغني ١٠٨/٨
(٣) الفتح ٤/ ٤١١، والبدائع ٧/ ١٤٠ - ١٤١، وحاشية
الدسوقي ٢٩٩/٤ - ٣٠٠، والتاج والإكليل ٢٧٨/٦،
والمهذب ٢١٩/٢، ونهاية المحتاج ٣٨٦/٧، والمغني
٨/ ١١٤، ١١٦ - ١١٧، وكشاف القناع ٦/ ١٦٤
دون القتل. (١) ويقول ابن قدامة: أما غنيمة
أموالهم وسبي ذریتهم فلا نعلم في تحريمه بین
أهل العلم خلافا، لأنهم معصومون، وإنما أبيح
من دمائهم وأموالهم ما حصل من ضرورة
دفعهم وقتالهم، وما عداه يبقى على أصل
التحريم . (٢)
وذهب الشافعية إلى أنه إذا كانت لهم فئة
بعيدة ينحازون إليها، ولا يتوقع في العادة مجيئها
إليهم والحرب قائمة، وغلب على الظن عدم
وصولها لهم، فإِنه لا يقاتل مدبرهم، ولا يجهز
علی جریجهم، لأمن غائلته إلا إذا كان متحرفا
لقتال .
وأما إذا كان لهم فئة قريبة تسعفهم عادة،
والحرب قائمة، فإنه يجوز اتباعهم والإِجهاز على
جريجهم. أو كانت لهم فئة بعيدة يتوقع في العادة
مجيئها إليهم والحرب قائمة، وغلب على الظن
ذلك فالمتجه أن يقاتل . (٣)
وقريب منه ما ذهب إليه المالكية، فقد
صرحوا بأنه إذا أمن جانبهم بالظهور عليهم، لم
يتبع منهزمهم، ولم يذفف على جريجهم . (٤)
أما الحنابلة فينصون على أن أهل البغي إذا
(١) المهذب ٢١٩/٢، والمغني ٨/ ١١٥
(٢) المغني ١١٥/٨ - ١١٦
(٣) نهاية المحتاج ٣٨٦/٧
(٤) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢٩٩/٤ - ٣٠٠، والتاج
والإکلیل ٢٧٨/٦
- ١٤١ -

بغاة ١٥ - ١٦
تركوا القتال، بالرجوع إلى الطاعة، أو بإلقاء
السلاح، أو بالهزيمة إلى فئة، أو إلى غير فئة،
أو بالعجز لجراح أو مرض أو أسر فإنه يحرم قتلهم
واتباع مدبرهم. وساق ابن قدامة الآثار الواردة
في النهي عن قتل المدبر والإِجهاز على الجريح
وقتل الأسير، وهي عامة. ثم قال: لأن المقصود
كفهم وقد حصل، فلم يجز قتلهم كالصائل،
ولا يقتلون لما يخاف في التالي - إن كان لهم فئة -
كما لو لم تكن لهم فئة. (١)
أما الحنفية: فقد نصوا على أنه إذا كانت لهم
فئة ينحازون إليها - مطلقا - فإنه ينبغي لأهل
العدل أن يقتلوا مدبرهم، ويجهزوا على
جریچهم، لئلا ینحازوا إلى الفئة، فيمتنعوا بها،
فيكروا على أهل العدل. والمعتبر في جواز القتل
أمارة قتالهم لا حقيقته، ولأن قتلهم إذا كان لهم
فئة، لا يخرج عن كونه دفعا، لأنه يتحيز إلى
الفئة ویعود شره کما کان. وقالوا : إن ما قاله علي
رضي الله عنه على تأويل إذا لم تكن لهم فئة. (٢)
المرأة المقاتلة من أهل البغي :
١٥ - ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية
والحنابلة) إلى أن المرأة من البغاة - إن كانت
(١) المغني ٨/ ١١٥
(٢) البدائع ٧/ ١٤٠ - ١٤١، والفتح ٤ /٤١١
تقاتل ـ فإنها تحبس، ولا تقتل إلا في حال
مقاتلتها، وإنما تحبس للمعصية، ولمنعها من
الشر والفتنة . (١)
وقال المالكية: إن لم يكن قتالهن إلا
بالتحريض والرمي بالحجارة، فإنهن لا
يقتلن.(٢)
أموالهم بالنسبة لاغتنامها وإتلافها وضمانها :
١٦ - اتفق الفقهاء على أن أموال البغاة لا
تغنم، ولا تقسم، ولا يجوز إتلافها، وإنما يجب
أن ترد إليهم. لكن ينبغي أن يحبس الإِمام
أموالهم دفعا لشرهم بكسر شوكتهم حتى
يتوبوا، فيردها إليهم لاندفاع الضرورة، ولأنها
لا استغنام فيها، وإذا كان في أموالهم خيل
ونحوها - مما يحتاج في حفظه إلى إنفاق - كان
الأفضل بیعه وحبس ثمنه .
وفي ضمان إتلاف مالهم كلام. فإِن العادل
إذا أتلف نفس الباغي أو ماله حال القتال بسبب
القتال أو ضرورته لا يضمن. إذ لا يمكن أن
يقتلهم إلا بإِتلاف شيء من أموالهم كالخيل،
(١) فتح القدير ٤١٢/٤، وحاشية ابن عابدين ٣/ ٣١١،
وتبیین الحقائق ٢٩٥/٣، والبحر الرائق ١٥٢/٥، وحاشية
الدسوقي ٢٩٩/٤، والمهذب ٢٢١/٢، والمغني ١١٥/٨
(٢) التاج والإكليل ٦/ ٢٧٩، والشرح الصغير ٤/ ٤٣٠
- ١٤٢ -

بغاة ١٧ - ١٨
فيجوز عقر دوابهم إذا قاتلوا عليها، وإذا كانوا
لا يضمنون الأنفس فالأموال أولى .
أما في غير حال القتال وضرورته فلا تحرق
مساكنهم، ولا يقطع شجرهم، لأن الإِمام إذا
ظفر لهم بمال حال المقاتلة فإنه يحبسه حتی یرد
إليهم، فلا تؤخذ أموالهم، لأن مواريثهم
قائمة، وإنما قوتلوا بما أحدثوا من البدع، فكان
ذلك كالحد يقام عليهم. (١)
وقيد الماوردي الضمان بما إذا كان الإِتلاف
خارج القتال بقصد التشفي والانتقام، أما إذا
كان لإضعافهم أو هزيمتهم فلا ضمان(٢)
واستظهر الزيلعي وابن عابدين حمل الضمان
على ماقبل تحيزهم وخروجهم، أوبعد كسرهم
وتفرق جمعهم. (٣)
ما أتلفه أهل العدل للبغاة :
١٧ - نقل الزيلعي عن المرغيناني: أن العادل إذا
أتلف نفس الباغي أوماله لا يضمن ولا يأثم،
لأنه مأمور بقتالهم دفعا لشرهم .
وفي المحيط: إذا أتلف مال الباغي يؤخذ
بالضمان، لأن مال الباغي معصوم في حقنا،
وأمكن إلزام الضمان، فكان في إيجابه فائدة (٤)
(١) حاشية الدسوقي ٣٠٠/٤، والتاج والإكليل ٢٧٨/٦ -
٢٧٩
(٢) نهاية المحتاج ٧/ ٣٨٥
(٣) حاشية ابن عابدين ٣١٢/٣، وتبيين الحقائق ٢٩٦/٣
(٤) تبيين الحقائق ٢٩٦/٣
ما أتلفه البغاة لأهل العدل :
١٨ - إذا أتلف أهل البغي لأهل العدل مالا فلا
ضمان عليهم، لأنهم طائفة متأولة فلا تضمن
كأهل العدل، ولأنه ذو منعة في حقنا، وأما الإِثم
فإنه لا منعة له في حق الشارع، ولأن تضمينهم
يفضي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة،
لما رواه عبد الرزاق بإِسناده عن الزهري، أن
سليمان ابن هشام كتب إليه يسأله عن امرأة
خرجت من عند زوجها، وشهدت على قومها
بالشرك، ولحقت بالحرورية فتزوجت، ثم إنها
رجعت إلى أهلها تائبة، قال فكتب إليه: أما
بعد، فإِن الفتنة الأولى ثارت، وأصحاب
رسول الله { آل﴾ - ممن شهد بدرا - كثير، فاجتمع
رأيهم على ألا يقيموا على أحد حدا في فرج
استحلوه بتأويل القرآن، ولا قصاصا في دم
استحلوه بتأويل القرآن، ولا يرد مال استحلوه
بتأويل القرآن، إلا أن يوجد شيء بعينه فیرد
على صاحبه، وإني أرى أن ترد إلى زوجها،
وأن يحد من افتری علیها.
وفي قول للشافعي : يضمنون، لقول أبي
بكر «تَدَون قتلانا، ولا نَدِي - من الدية -
قتلاكم))(١) ولأنها نفوس وأموال معصومة أتلفت
(١) المغني ٨/ ١١٣.
وقد نقل ابن قدامة عن أبي بكر رجوعه عن ذلك ولم
يمضه، ولم ينقل أنه غرم أحدا شيئا من ذلك. ولو وجب
التغريم في حق المرتدين لم يلزم مثله هنا، إذ البغاة مسلمون
متأولون .
- ١٤٣ -

بغاة ١٩ - ٢٠
بغير حق ولا ضرورة دفع مباح، فوجب ضمانه،
كالتي أتلفت في غير حال الحرب. (١)
وإذا تاب البغاة ورجعوا أخذ منهم ما وجد
بأيديهم من أموال أهل الحق، وما استهلكوه لم
يتبعوا به، ولو كانوا أغنياء، لأنهم متأَولون. (٢)
وإذا قتل الباغي أحدا من أهل العدل في غير
المعركة يقتل به، لأنه قتل بإشهار السلاح
والسعي في الأرض بالفساد كقاطع الطريق،
وقيل: لا يتحتم قتله، وهو الصحيح عند
الحنابلة: لقول علي رضي الله عنه: إن شئت أن
أعفو، وإن شئت استقدت. (٣)
التمثيل بقتلى البغاة :
١٩ - التمثيل بقتلى البغاة مكروه تحريما عند
الحنفية، حرام عند المالكية، أما نقل رءوسهم،
فقد قال الحنفية: يكره أخذ رءوسهم، فيطاف
بها في الآفاق، لأنه مُثْلة. وجوزه بعض متأخري
الحنفية، إذا كان فيه طمأنينة قلوب أهل
(١) حاشية ابن عابدين ٣١٢/٣، والبدائع ٧/ ١٤١، وتبيين
الحقائق ٢٩٦/٣، وحاشية الدسوقي ٢٩٩/٤ - ٣٠٠،
والتاج والإكليل ٢٧٨/٦ - ٢٧٩، ونهاية المحتاج
٣٨٥/٧، والمغني ١١٢/٨ - ١١٣
(٢) التاج والإكليل ٢٧٨/٦ - ٢٧٩
(٣) المغني ٨/ ١١٤
العدل، أوكسر شوكة البغاة.، وجوز المالكية
رفع رءوس قتلى البغاة في محل قتلهم. (١)
أسرى البغاة :
٢٠ - أسرى البغاة يعاملون معاملة خاصة لأن
قتالهم كان لمجرد دفع شرهم، فلا يستباح معهم
إلا بقدرما يدفع القتال، ولذا فإنهم لا يقتلون
إذا لم تكن لهم فئة اتفاقا، للتعليل السابق. ولذا
لا يسترقون مطلقا، سواء أكانت لهم فئة أم لا
اتفاقا، لأنهم أحرار مسلمون، ولا تسبى لهم
نساء ولا ذرية . (٢)
أما إن كانت لهم فئة، فقد ذهب المالكية (٣)
(١) الفتح ٤١٦/٤، وحاشية ابن عابدين ٣١٢/٣، وتبيين
الحقائق ٢٩٥/٣، وحاشية الدسوقي ٢٩٩/٤، والتاج
والإكليل ٢٧٧/٦ - ٢٧٨، ونهاية المحتاج ٣٨٦/٧،
والمغني ٨/ ١١٤ - ١١٦، وكشاف القناع ١٦٤/٦
(٢) تبيين الحقائق ٢٩٥/٣، والشرح الصغير وبلغة السالك
٤١٥/٢، وحاشية الجمل ١١٧/٥، ١١٨، والفروع
٥٤/٣
قال الكمال: ولولا أن فیه إجماعا لأمكن التمسك ببعض
الظواهر في تملكه، فإِن ابن أبي شيبة (١٥/ ٢٦٤) أسند عن
أبي البختري لما انهزم أهل الجمل قال علي: لا تطلبوا من
كان خارجا من العسكر، وما كان من دابة أو سلاح فهو
لكم، وليس لكم أم ولد، وأي امرأة قتل زوجها فلتعتد
أربعة أشهر وعشرا. فقالوا يا أمير المؤمنين: تحل لنا
دماؤهم، ولا تحل لنا نساؤهم، فخاصموه فقال: هاتوا
نساءكم، وأقرعوا على عائشة فهي رأس الأمر وقائدهم.
فخصمهم (الفتح ٤ /٤١٣).
(٣) حاشية الدسوقي ٤ / ٢٩٩
- ١٤٤ _

بغاة ٢٠ - ٢٢
والشافعية(١) والحنابلة(٢) إلى أنهم لا يقتلون
أيضا. غير أن عبدالملك من المالكية قال: إن
أسر منهم أسير وقد انقطعت الحرب لا يقتل،
وإن كانت الحرب قائمة فللإمام قتله، إذا خاف
منه الضرر. (٣)
وفي بعض كتب المالكية: أنه إذا أسر بعد
انقضاء الحرب يستتاب، فإن لم يتب قتل،
وقيل: يؤدب ولا يقتل. (٤)
وقال الشافعية: إن قتله ضمنه بالدية، لأنه
بالأسر صار محقون الدم، وقيل: فيه قصاص.
وقيل: لا قصاص فيه، لأن أبا حنيفة يجيز قتله
فصار ذلك شبهة . (٥) وإن كان الأسير بالغا
فدخل في الطاعة أطلقه، وإن لم يدخل في
الطاعة حبسه إلى أن تنتهي الحرب، (٦) وإن
كان عبدا أو صبيا لم يحبس، لأنه ليس من أهل
البيعة، وقال بعض الشافعية: يحبس لأن في
حبسه كسرا لقلوبهم. (٧) وهذا ما قاله
الحنابلة . (٨)
(١) المهذب ١١٩/٢
(٢) المغني ٨/ ١١٤، وكشاف القناع ٦/ ١٦٢ - ١٦٣
(٣) التاج والإكليل ٢٧٨/٦
(٤) بداية المجتهد ٤٩٨/٢
(٥) المهذب ٢٢٠/٢
(٦) المهذب ٢/ ٢٢٠، وكشاف القناع ١٦٥/٦
(٧) المهذب ٢/ ٢٢٠، ونهاية المحتاج ٣٨٧/٧
(٨) كشاف القناع ٦/ ١٦٥
وقال الحنفية: إذا كانت للأسير فئة، فالإِمام
بالخيار إن شاء قتله، وإن شاء حبسه دفعا لشره
بقدر الإمكان، ويحكم الإِمام بنظره فيما هو
أحسن في كسر الشوكة . (١)
فداء الأسرى :
٢١ - نص الفقهاء على جواز فداء أسارى أهل
العدل بأسارى البغاة، وقالوا: إن قتل أهل
البغي أسرى أهل العدل لم يجز لأهل العدل قتل
أسراهم، لأنهم لا يقتلون بجناية غيرهم، وإن
أبي البغاة مفاداة الأسرى الذين معهم
وحبسوهم، قال ابن قدامة: احتمل أن يجوز
لأهل العدل حبس من معهم ليتوصلوا إلى
تخليص أسراهم بذلك، ويحتمل ألا يجوز
حبسهم، ويطلقون، لأن الذنب في حبس
أسارى أهل العدل لغيرهم. (٢)
وتفصيل الكلام عن أسرى البغاة في
مصطلح (أسرى).
موادعة البغاة :
٢٢ - اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز موادعة
البغاة على مال. فإِن وادعهم الإِمام على مال
بطلت الموادعة. (٣) ولو طلبوا الموادعة - أي
(١) حاشية ابن عابدين ٣/ ٣١١
(٢) المغني ١١٥/٨، وكشاف القناع ٦/ ١٦٥
(٣) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٤٠
- ١٤٥ -

بغاة ٢٣ - ٢٤
الصلح على ترك المقاتلة بغير مال - أجيبوا إليها
إن كان ذلك خيرا. فإِن بان له أن قصدهم
الرجوع إلى الطاعة ومعرفة الحق أمهلهم. وقال
ابن المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنه
من أهل العلم. فإِن كان قصدهم الاجتماع
على قتاله وانتظار مدد، أو ليأخذوا الإِمام على
غرة عاجلهم ولم ينظرهم. (١)
وإذا وقعت الموادعة فأعطى كل فريق رهنا
على أيهما غدر يقتل الآخرون الرهن، فغدر
أهل البغي وقتلوا الرهن، لا يحل لأهل العدل
قتل الرهن، بل يجبسونهم حتى يهلك أهل
البغي أويتوبوا. لأنهم صاروا آمنين بالموادعة،
أو بإعطائه الأمان لهم حين أخذناهم رهنا .
والغدرمن غيرهم لا يؤاخذون به، لکنهم
يحبسون مخافة أن يرجعوا إلى فئتهم(٢) فيكونون
لهم قوة تغريهم على المقاتلة.
٢٣ - وإن بذل البغاة لأهل العدل رهائن على
إنظارهم لم يجز أخذها لذلك، لأن الرهائن لا
يجوز قتلهم لغدر أهلهم، وإن کان في أيديهم
أسرى من أهل العدل، وأعطوا بذلك رهائن
منهم قبلهم الإِمام، واستظهر لأهل العدل. فإِن
أطلقوا أسرى أهل العدل الذين عندهم أطلق
(١) الفتح ٤ /٤١٥، وحاشية ابن عابدين ٣١١/٣، والشرح
الكبير وحاشية الدسوقي ٢٩٩/٤، والتاج والإكليل
٢٧٨/٦، والمهذب ٢١٩/٢، والمغني ١٠٨/٨
(٢) الفتح ٤ /٤١٥ - ٤١٦
رهائنهم. وإن قتلوا من عندهم لم يجز قتل
رهائنهم، لأنهم لا يقتلون بقتل غیرهم، لأنهم
صاروا آمنين. فإِذا انقضت الحرب خلي الرهائن
كما تخلى الأسرى منهم. (١)
من لا يجوز قتله من البغاة :
٢٤ - يتفق الفقهاء على أصل قاعدة: أن من
لا يجوز قتله من أهل الحرب - كالنساء والشيوخ
والصبيان والعميان - لا يجوز قتله من البغاة مالم
يقاتلوا، لأن قتلهم لدفع شر قتالهم، فيختص
ذلك بأهل القتال. وهؤلاء ليسوا من أهل
القتال عادة، فلا يقتلون إلا إذا قاتلوا(٢) ولو
بالتحريض، لوجود القتال من حيث المعنى،
فيباح قتلهم إلا الصبي والمعتوه. فالأصل أنهما
لا يقصدان القتل. فيحل قتلهما حال القتال إن
قاتلا حقيقة أو معنى . (٣)
أما الحنفية، فعلى مذهبهم في تخيير الإِمام
بين قتل أسرى البغاة أو حبسهم، يرون جواز
قتل من قاتل أو حرض من الشيوخ ونحوهم،
فيقتلون حال القتال أو بعد الفراغ منه. لكن لا
يقتل الصبي والمعتوه بعد الفراغ من القتال، لأن
(١) البدائع ٧/ ١٤١، والفتح ٤ /٤١٥، والمهذب ٢١٩/٢،
والمغني ١٠٨/٨ - ١٠٩
(٢) حاشية ابن عابدين ٣١١/٣، والبدائع ١٤١/٧، وحاشية
الدسوقي ٢٩٩/٤، والمهذب ٢/ ٢٠٠، والمغني ٨/ ١١٠
(٣) البدائع ١٠١/٧
- ١٤٦ -

بغاة ٢٥ - ٢٦
القتل بعد الفراغ والأسر بطريق العقوبة، وهما
ليسا من أهل العقوبة. وأما قتلهما حال الحرب
فدفعا لشرهم كدفع الصائل. (١)
وقال الحنابلة: إن حضر مع البغاة عبيد
ونساء وصبيان قوتلوا مقبلين، وتركوا مدبرين
كغيرهم من الأحرار والذكور البالغين، لأن
قتالهم للدفع، ولو أراد أحد هؤلاء قتل إنسان
جاز دفعه وقتاله .
وقد نص المالكية على أن البغاة لو تترسوا
بذريتهم تركوا، إلا أن يترتب على تركهم تلف
أكثر المسلمين. (٢)
حضور من لا يقاتل من القادرين على القتال
مع البغاة :
٢٥ - إذا حضر مع البغاة من لا يقاتل - برغم
قدرته على القتال - لم يجز أن يقصد بالقتل، لأن
القصد من قتالهم کفهم، وهذا قد کف نفسه
لقوله تعالى : ﴿ومن يَقْتُلْ مؤمنا مُتَعَمِّدا فَجَزَاؤُه
جَهَنَّمُ﴾(٣) فإِنه يدل على تحريم قتل المؤمن
(١) البدائع ١٠١/٧، ١٤١، وابن عابدين ٣/ ٣١١،
والمهذب ٢/ ٢٢٠، وحاشية الدسوقي ٢٩٩/٤، والتاج
والإكليل ٢٧٨/٦
(٢) كشاف القناع ١٦٣/٦، والمغني ١١٠/٨، والدسوقي
٢٩٩/٤
(٣) سورة النساء / ٩٣
عمدا علی وجه العموم، وإنما خص من ذلك
· ما حصل ضرورة دفع الباغي والصائل، ففيما
عداه يبقى على العموم، فمن لا يقاتل تورعا
عنه - مع قدرته عليه - ولا يخاف منه القتال بعد
ذلك، وهو مسلم لا يحتاج لدفع فلا يحل
دمه .(١)
وفي وجه عند الشافعية يجوز قتله، لأن عليا
نهاهم عن قتل محمد السجاد بن طلحة بن
عبيد الله ولم يكن يقاتل، وإنما كان يحمل راية
أبيه، فقتله رجل وأنشد شعرا، فلم ينكر علي
قتله. ولأنه صار ردءا لهم. (٢)
حكم قتال المحارم من البغاة :
٢٦ - اتفق الفقهاء في الجملة على عدم جواز
قتل العادل لذي رحمه المحرم من أهل البغي،
وقصر المالكية ذلك على الأبوين فقط. بل منهم
من قال بجواز قتل أبویه، وكذا في رواية عند
الحنابلة ذكرها القاضي. ومنهم من صرح
بالكراهة، وهو الأصح لقوله تعالى: ﴿وإنْ
جاهداك على أن تُشْرِكَ بي ما ليس لك به عِلمُ
فلا تُطِعْهما وصاحبْهما في الدنيا معروفا﴾(٣) ولما
روى الشافعي أن النبي و # «كف أبا حذيفة
(١) المغني ١٠٩/٨ - ١١٠
(٢) المهذب ٢١٩/٢ - ٢٢٠
(٣) سورة لقمان/ ١٥
- ١٤٧ -

بغاة ٢٦ - ٢٧
ابن عتبة عن قتل أبيه)). (١) وصرح بعضهم
بعدم الحل، لأن الله أمر بالمصاحبة بالمعروف،
والأمر يقتضي الوجوب. (٢) وللفقهاء تفصيل
وأدلة .
يقول الحنفية: لا يجوز للعادل أن يبتدىء
بقتل ذي رحم محرم من أهل البغي مباشرة، إذ
اجتمع فيه حرمتان : حرمة الإِسلام وحرمة
القرابة. وإذا أراد الباغي قتل العادل فله أن
يدفعه، وإن كان لا يندفع إلا بالقتل فيجوز له
أن يتسبب ليقتله غيره، لأن الإِسلام في الأصل
عاصم لقوله { #: ((فإِذا قالوها عَصَمُوا مني
دماءهم وأموالهم ... ))(٣) والباغي مسلم، إلا
أنه أبيح قتل غير ذي الرحم المحرم من أهل
البغي لدفع شرهم، لا لشركهم، ودفع الشر
(١) حديث: ((أن النبي 3# كف أبا حذيفة ... )) رواه الشافعي
(الأم ٢٢٢/٤ ط دار المعرفة). وأخرجه البيهقي في سننه
(١٨٦/٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) وفي إسناده محمد بن
عمر الواقدي، وهو متهم بالكذب. التهذيب لابن حجر
(٣٦٣/٩ - ط دائرة المعارف النظامية)
(٢) البدائع ٧/ ١٤١، وحاشية ابن عابدين ٣١١/٣، والفتح
٤/ ٤١٤، وتبيين الحقائق ٢٧٦/٣، وحاشية الدسوقي
٣٠٠/٤، والتاج والإكليل ٢٧٩/٦، والشرح الصغير
٤٢٩/٤، والمهذب ٢/ ٢٢٠، ونهاية المحتاج ٣٨٧/٧،
وكشاف القناع ٦/ ١٦٣، والمغني ١١٨/٨
(٣) حديث: ((فإِذا قالوها عصموا مني دماءهم ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ١١٢/٦ - ط السلفية) ومسلم (١/ ٥٣ -
ط الحلبي).
يحصل بالدفع والتسبب ليقتله غيره. (١)
وقال المالكية: كره للرجل قتل أبيه الباغي،
ومثل أبيه أمه، بل هي أولى، لما جبلت عليه من
الحنان والشفقة، ولا يكره قتل جده وأخيه
وابنه. (٢) وقال ابن سحنون: ولا بأس أن يقتل
الرجل في قتال البغاة أخاه وقرابته، فأما الأب
وحده فلا أحب قتله عمدا، وروى ابن
عبدالسلام جواز قتل الابن الباغي. وهو غير
المشهور. (٣)
وقال الشافعية: يكره أن يقصد قتل ذي رحم
محرم، كما يكره في قتال الكفار. فإن قاتله لم
يكره. وقال الحنابلة: الأصح كراهة قتل ذي
الرحم المحرم الباغي، ونقل ابن قدامة عن
القاضي أنه لا يكره، لأنه قتل بحق، فأشبه
إقامة الحد عليه . (٤)
إرث العادل من الباغي الذي قتله والعكس :
٢٧ - ذهب الحنفية والمالكية - وهو قول لأبي بكر
من الحنابلة - إلى أن العادل إذا قتل قريبه
(١) البدائع ٧/ ١٤١، وحاشية ابن عابدين ٣١١/٣، والفتح
٤/ ٤١١، وتبيين الحقائق ٢٧٦/٣
(٢) حاشية الدسوقي ٤/ ٣٠٠، والشرح الصغير ٤٢٩/٤
(٣) التاج والإكليل ٦/ ٢٧٩
(٤) المهذب ٢/ ٢٢٠، ونهاية المحتاج ٧/ ٣٨٧، وكشاف
القناع ٦/ ١٦٣، والمغني ١١٨/٨
- ١٤٨ -

بغاة ٢٧ - ٢٨
الباغي ورثه، لأنه قتْل بحق، فلم يمنع الميراث
كالقصاص، ولأن قتل الباغي واجب، ولا إثم
على القاتل بقتله، ولا يجب الضمان عليه.
فكذا لا يحرم من الإِرث. وكذا لوقتل الباغي ذا
رحمه العادل عند المالكية وأبي بكر من
الحنابلة، (١) لقولهم ((ومواريثهم قائمة)). (٢)
أما الحنفية فقالوا: لوقتل الباغي قريبه
العادل وقال: أنا على حق ورثه عند أبي حنيفة
ومحمد، خلافا لأبي يوسف. وإن قال: قتلته
وأنا على الباطل لا يرث اتفاقا بين الإِمام
وصاحبيه. واستدل ۔ أبوحنيفة - بأنه أتلف ما
أتلف عن تأويل فاسد، والفاسد منه ملحق
بالصحيح إذا انضمت إليه مَنَعة، وهو إن كان
فاسدا في نفسه فإنه يسقط به الضمان، فكذا لا
يوجب الحرمان، كما أن التأويل في اعتقاده هو
صحيح. (٣)
وذهب الشافعية، وهو قول ابن حامد من
الحنابلة إلى أنه لا يرث لعموم حديث: ((ليس
لقاتل شيء)) (٤) وكذا بالنسبة للباغي إذا قتل
(١) المغني ١١٨/٨، وكشاف القناع ٦/ ١٦٣
(٢) التاج والإكليل ٢٧٩/٦، وحاشية الدسوقي ٤/ ٣٠٠،
والشرح الصغير ٤/ ٤٢٩
(٣) الفتح ٤١٤/٤ - ٤١٥، وتبیین الحقائق ٢٩٥/٣ - ٢٩٦
(٤) حديث: ((ليس لقاتل شيء ... )) أخرجه مالك في الموطأ
(٨٦٧/١ - ط الحلبي) مرسلا. وأخرجه =
العادل، (١) ونص الشافعية: لا يرث قاتل من
مقتوله مطلقا . (٢)
ما يجوز قتال البغاة به :
٢٨ - يجوز عند الحنفية والمالكية قتال البغاة - إذا
تحصنوا - بكل مايقاتل به أهل الحرب، بالسيف
والرمي بالنبل وبالمنجنيق والحريق والتغريق،
وقطع الميرة (المؤن) والماء عنهم، وكذا إذا فعل
البغاة معهم مثل ذلك، لأن قتالهم لدفع شرهم
وكسر شوكتهم، فيقاتلون بكل ما يحصل به
ذلك. (٣) وقال المالكية: إلا أن يكون فيهم نسوة
أو ذراري، فلا نرميهم بالنار. (٤)
وقال الشافعية والحنابلة بعدم جواز قتالهم
بالنار والرمي بالمنجنيق، ولا بكل عظیم یعم،
كالتغريق وإرسال سيول جارفة، ولا يجوز
محاصرتهم وقطع الطعام والشراب عنهم إلا
لضرورة، بأن قاتلوا به، أو أحاطوا بنا ولم يندفعوا
إلا به، ويكون فعل ذلك بقصد الخلاص منهم
= البيهقي بلفظ: ((القاتل لا يرث)) وفي إسناده مقال. وقال
البيهقي: شواهده تقويه (سنن البيهقي (٦/ ٢٢٠ - ط دائرة
المعارف العثمانية).
(١) المغني ١١٨/٨
(٢) منهاج الطالبين وحاشية قليوبي ١٤٨/٣
(٣) البدائع ٧/ ١٤١، وحاشية ابن عابدين ٣١١/٣، والفتح
٤١١/٤
(٤) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢٩٩/٤، والتاج
والإکلیل ٢٧٨/٦
- ١٤٩ -

بغاة ٢٩ - ٣٠
لا بقصد قتلهم. (١) لأنه لا يجوز قتل من لا
يقاتل، ومايعم إتلافه يقع على من يقاتل ومن
لا يقاتل.
مقاتلة البغاة بسلاحهم الذي في أيدينا:
٢٩ - يجوز عند الحنفية والمالكية، وهو وجه عند
الحنابلة، قتالهم بسلاحهم وخيلهم وكل أدوات
القتال التي استولينا عليها منهم، إن احتاج أهل
العدل إلى هذا، لأن عليا رضي الله عنه قسم
ما استولى عليه من سلاح البغاة بين أصحابه
بالبصرة، وكانت قسمة للحاجة لا للتمليك.
ولأن للإِمام أن يفعل ذلك في مال أهل العدل
عند الحاجة، ففي مال الباغي أولى . (٢)
ونقل ابن قدامة عن القاضي أن أحمد أومأ
إلى جواز الانتفاع به حال التحام الحرب، ومنعه
في غير قتالهم، لأن هذه الحالة يجوز فيها إتلاف
نفوسهم، وحبس سلاحهم وكراعهم، فجاز
الانتفاع به كسلاح أهل الحرب. وقال
أبو الخطاب: في هذه المسألة وجهان. (٣)
أما الشافعية، وهو الوجه الآخر عند الحنابلة
الذي ذكره أبوالخطاب، فیر ون أنه لا يجوز لأحد
(١) نهاية المحتاج ٣٧٨/٧، ٣٨٨، والمهذب ٢/ ٢٢٠،
والمغني ٨/ ١١٠، وكشاف القناع ١٦٣/٦
(٢) الفتح والهداية ٤١٣/٤، وحاشية ابن عابدين ٣/ ٣١١،
وتبيين الحقائق ٢٩٤/٣، والمغني ١١٦/٨، والتاج
والإكليل ٢٧٨/٦، وحاشية الدسوقي ٤/ ٣٠٠
(٣) المغني ٨ / ١١٦
استعمال شيء مما استولينا عليه من سلاح البغاة
وخيلهم إلا لضرورة. ويلزم دفع أجرة المثل
لهم، كمضطر لأكل طعام غيره يلزمه ثمنه، (١)
ولقوله وَله: ((لا يَحِلُّ مالُ امرىء مسلمٍ إلا
بطيب نفسٍ منه))(٢) ولأن من لا يجوز أخذ ماله
لم يجز الانتفاع بماله من غير إذنه ومن غير
ضرورة، ولأن الإِسلام عصم أموالهم، وإنما
أبيح قتالهم لردهم إلى الطاعة، فيبقى المال
علی عصمته، ومتى انقضت الحرب وجب رده
إليهم كسائر أموالهم، ولا يرد إليهم قبل ذلك
لئلا يقاتلونا به. (٣)
الاستعانة في قتالهم بالمشركين:
٣٠ - اتفق المالكية والشافعية والحنابلة على
تحريم الاستعانة بالكفار في قتال البغاة، لأن
القصد کفهم لا قتلهم، والكفارلا يقصدون إلا
قتلهم، وإن دعت الحاجة إلى الاستعانة بهم،
فإِن كان من الممكن القدرة على كف هؤلاء
الكفار المستعان بهم جاز، وإن لم يقدر لم يجز.
(١) نهاية المحتاج ٧/ ٣٨٧، والمهذب ٢٢١/٢
(٢) حديث: ((لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب ... ))
أخرجه أحمد (٤٢٥/٥ - ط الميمنية) من حديث أبي حميد
الساعدي، وأورده الهيثمي في المجمع وقال: رواه أحمد
والبزار، ورجال الجميع رجال الصحيح. (مجمع الزوائد
١٧١/٤ - ط القدسي).
(٣) نهاية المحتاج ٧/ ٣٨٧، والمهذب ٢/ ٢٢١، وكشاف
القناع ١٦٤/٦
- ١٥٠ -

بغاة ٣١
كما نص الشافعية والحنابلة على أنه لا يجوز
الاستعانة على قتالهم بمن يرى من أهل العدل
(وهم فقهاء الحنفية) قتل البغاة وهم مدبرون،
على ماسبق بيانه .
ويتفق الحنفية مع الجمهور في أنه لا يحل
الاستعانة بأهل الشرك إذا كان حكم أهل
الشرك، هو الظاهر، أما إذا كان حكم أهل
العدل هو الظاهر فلا بأس بالاستعانة بالذميين
وصنف من البغاة، ولو لم تكن هناك حاجة، لأن
أهل العدل يقاتلون لإِعزاز الدين، والاستعانة
على البغاة بهم كالاستعانة عليهم بأدوات
القتال. (١)
قتلى معارك البغاة وحكم الصلاة عليهم :
٣١ - من قتل من أهل العدل كان شهيدا، لأنه
قتل في قتال أمر الله به، وذلك بقوله جل شأنه :
﴿فَقَاتِلوا التي تَبْغِي﴾(٢) ولا يغسّل، ولا يصلى
عليه، لأنه شهيد معركة أمر بالقتال فيها، فأشبه
شهيد معركة الكفار. وفي رواية عند الحنابلة :
يغسل ويصلى عليه، وهو قول الأوزاعي وابن
(١) حاشية ابن عابدين ٣/ ٤١٦، وحاشية الدسوقي
٢٩٩/٤، والتاج والإكليل ٢٧٨/٦، والمهذب ٢/ ٢٢٠،
ونهاية المحتاج ٣٨٧/٧، والمغني ١١١/٨، وكشاف القناع
١٦٤/٦
(٢) سورة الحجرات/ ٩
المنذر، لأن النبي محلّ قال: ((صلوا على من قال
لا إلهَ إلا الله)) (١) واستثنى قتيل الكفار في
المعركة، ففيما عداه يبقى على الأصل. (٢)
أما قتلى البغاة، فمذهب المالكية والشافعية
والحنابلة: أنهم يغسلون ويكفنون ويصلى
عليهم، لعموم قوله ◌ِ : ((صلُّوا على من قال:
لا إله إلا الله)) ولأنهم مسلمون لم يثبت لهم
حكم الشهادة، فيغسلون ويصلى عليهم.
ومثله الحنفية، سواء أكانت لهم فئة، أم لم تكن
لهم فئة على الرأي الصحيح عندهم. (٣) وقد
روي: أن عليا رضي الله عنه لم يصل على أهل
ولكنهم يغسلون ويكفنون
حروراء،
ويدفنون . (٤)
ولم يفرق الجمهور بين الخوارج وغيرهم من
البغاة في حكم التغسيل والتكفين والصلاة. (٥)
(١) حديث: ((صلوا على من قال لا إله إلا الله)) أخرجه
الدارقطني (٢ / ٥٦ - ط دار المحاسن) من حديث ابن
عمر. وقال ابن حجر: عثمان بن عبدالرحمن - يعني الذي
في إسنادهـ کذبه یحیی بن معين التلخيص (٣٥/٢ ط شركة
الطباعة الفنية).
(٢) البدائع ٧/ ١٤٢، وحاشية ابن عابدين ٣١٢/٣، وحاشية
الشلبي على تبيين الحقائق ٢٩٦/٣، والمغني ٨/ ١١٢
(٣) البدائع ١٤٢/٧، وحاشية ابن عابدين ٣١٢/٣، وحاشية
الشلبي على تبيين الحقائق ٢٩٦/٣، والمغني ١١٦/٨ -
١١٧
(٤) البدائع ٧/ ١٤٢
(٥) المغني ٨ / ١١٧
- ١٥١ -

بغاة ٣٢ - ٣٣
تقاتل أهل البغي :
٣٢ - إن اقتتل فريقان من أهل البغي، فإِن قدر
الإِمام على قهرهما، لم يعاون واحدا منهما، لأن
الفريقين على خطأ، وإن لم يقدر على قهرهما،
ولم يأمن أن يجتمعا على قتاله، ضم إلى نفسه
أقربهما إلى الحق. فإن استويا في ذلك اجتهد
رأيه في ضم أحدهما، ولا يقصد بذلك معاونته
على الآخر، . بل يقصد الاستعانة به على
الآخر. فإِذا انهزم الآخر لم يقاتل الذي ضمه
إلى نفسه حتى يدعوه إلى الطاعة، لأنه
بالاستعانة به حصل على الأمان. نص على
هذا الشافعية والحنابلة . (١)
ولم يوجد فيها رجعنا إليه من كتب الحنفية
والمالكية حكم هذه الصورة.
وجاء في كتب الحنفية: لو قتل باغ مثله عمدا
في عسكرهم، ثم ظهر أهل العدل على البغاة،
فلا شيء على القاتل، لكون المقتول مباح
الدم، إذ لو قتله العادل لا يجب عليه شيء، فلا
يجب على الباغي القاتل دية ولا قصاص، ولا
إثم عليه أيضا. ولأنه لا ولاية لإِمام العدل حين
القتل، فلم ينعقد موجبا للجزاء، كالقتل في دار
الحرب. (٢)
(١) المهذب ٢/ ٢٢٠، والمغني ١١٠/٨ - ١١١
(٢) الهداية والفتح والعناية ٤١٣/٤، والدر المختار ٣١٢/٣،
وتبيين الحقائق وحاشية الشلبي ٢٩٥/٣
وقالوا : لو غلب أهل البغي على بلد،
فقاتلهم آخرون من أهل البغي، فأرادوا أن
يسبوا ذراري أهل المدينة، وجب على أهل
البلد أن يقاتلوا دفاعا عن ذراريهم. (١)
وقال الحنفية أيضا: لوقتل تاجر من أهل
العدل تاجرا آخر من أهل العدل في عسكر أهل
البغي، أو قتل الأسير من أهل العدل أسيرا
آخر، ثم ظهر علیه فلا قصاص علیه، لأن
الفعل لم يقع موجبا للجزاء، لتعذر الاستيفاء
وانعدام الولاية، كما لو فعل ذلك في دار الحرب،
لأن عسكر أهل البغي في حق انقطاع الولاية
ودار الحرب سواء. (٢)
استعانة البغاة بالكفار:
٣٣ - ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه
إذا استعان البغاة بالحربيين وأمنوهم، أو عقدوا
لهم ذمة، لم يعتبر الأمان بالنسبة لنا إن ظفرنا
بهم، لأن الأمان من شرط صحته إلزام كفهم
عن المسلمين، وهؤلاء يشترطون عليهم قتال
المسلمين، فلا يصح الأمان لهم. ولأهل العدل
قتالهم، وحکم أسیرهم في ید أهل العدل حكم
الأسير الحربي. (٣)
(١) فتح القدير ٤١٦/٤
(٢) بدائع الصنائع ١٤١/٧ - ١٤٢
(٣) فتح القدير ٤١٦/٤، ونهاية المحتاج ٣٨٨/٧، والمغني
١٢١/٨
- ١٥٢ -

بغاة ٣٣
أما ما إذا استعان البغاة بالمستأمنين، فمتى
أعانوهم كانوا ناقضین للعهد، وصاروا کأهل
الحرب، لأنهم تركوا الشرط، وهو كفهم عن
المسلمين، وعهدهم مؤقت بخلاف الذميين،
فإِن فعلوا ذلك مكرهين، وكانت لهم منعة، لم
ينتقض عهدهم. (١)
وإن استعانوا بأهل الذمة فأعانوهم، وقاتلوا
معهم، فعند الشافعية والحنابلة وجهان :
أحدهما: ينتقض عهدهم، لأنهم قاتلوا أهل
الحق فينتقض عهدهم، كما لو انفردوا بقتالهم.
وعلى هذا يكونون كأهل الحرب، فيقتلون
مقبلين ومدبرين، ويجهز على جريجهم،
ويسترقون، وغير ذلك من أحكام قتال
الحربیین .
والوجه الثاني: أنه لا ینقض عهدهم، لأن
أهل الذمة لا يعرفون المحق من المبطل، فيكون
ذلك شبهة لهم. وعلى هذا يكونون كأهل
البغي في الكف عن قتل أسيرهم ومدبرهم
وجريحهم .
والحنفية والمالكية يتفقون مع الشافعية
والحنابلة في أن معونة الذميين للبغاة استجابةً
لطلبهم لا تنقض عهد الذمة، كما أن هذا الفعل
من أهل البغي ليس نقضا للأمان. فالذين
(١) نهاية المحتاج ٣٨٨/٧، والمهذب ٢/ ٢٢١، والمغني
٨/ ١٢١ - ١٢٢، وكشاف القناع ١٦٦/٦
انضموا إليهم من أهل الذمة لم يخرجوا من أن
يكونوا ملتزمين حكم الإسلام في المعاملات،
وأن يكونوا من أهل الدار. (١)
وإن أكرههم البغاة على معونتهم لم ينقض
عهدهم - قولا واحدا - ويقبل قولهم، لأنهم تحت
أیدیهم وقدرتهم. (٢)
ونص الحنفیة علی أنهم يأخذون حكم
البغاة، وأطلقوا هذه العبارة مما يفيد أنهم كالبغاة
في عدم ضمان ما أتلفوه لأهل العدل أثناء
القتال. (٣) وهو ما صرح به المالكية، إذ قالوا
بالنسبة للذمي الخارج مع البغاة المتأولين
استجابة لطلبهم: لا يضمن نفسا ولا مالا . (٤)
لكن الشافعية والحنابلة نصوا على أنهم
يضمنون ما أتلفوا على أهل العدل حال القتال
وغيره، إذ لا تأويل لهم. (٥)
(١) الفتح ٤١٥/٤، والتاج والإكليل ٢٧٩/٦، والشرح
الصغير ٤/ ٤٣٠، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي
٣٠٠/٤، والمهذب ٢٢١/٢، ونهاية المحتاج ٧/ ١٨٨،
والمغني ٨/ ١٢١، وكشاف القناع ١٦٦/٦
(٢) المغني ٨/ ١٢٢
(٣) فتح القدير ٤١٥/٤
(٤) الشرح الصغير ٤٣٠/٤، والشرح الكبير وحاشية
الدسوقي ٣٠٠/٤، والتاج والإكليل ٦/ ٢٧٩
(٥) المهذب ٢/ ٢٢١، ونهاية المحتاج ٧/ ١٨٨، والمغني
٨/ ١٢١، وكشاف القناع ١٦٦/٦
- ١٥٣ -

بغاة ٣٤ - ٣٥
إعطاء الأمان للباغي من العادل :
٣٤ - صرح الحنفية أنه إذا أمن رجل من أهل
العدل رجلا من أهل البغي جاز أمانه، لأنه
ليس أعلى شقاقا من الكافر الذي يجوز إعطاء
الأمان له. فكذا هذا، بل هو أولى وأحق، لأنه
مسلم، وقد يحتاج إلى مناظرته ليتوب، ولا
يتأتى ذلك ما لم يأمن كل الآخر. ولو دخل باغ
بأمان، فقتله عادل عمدا، لزمته الدية. (١)
تصرفات إمام البغاة
إذا استولى البغاة علی بلد في دار الإِسلام،
ونصبوا لهم إماما، وأحدث الإِمام تصرفات
باعتباره حاكما، كالجباية من جمع الزكاة والعشور
والجزية والخراج، واستيفاء الحدود والتعازير
وإقامة القضاة، فهل تنفذ هذه التصرفات،
وتترتب عليها آثارها في حق أهل العدل؟ بيان
ذلك فيما يأتي :
أ - جباية الزكاة والجزية والعشور والخراج:
٣٥ - ذهب الفقهاء إلى أن ما جباه أهل البغي
من البلاد التي غلبوا عليها، من الزكاة والجزية
والعشور والخارج، يعتد به، لأن مافعلوه أو
أخذوه کان بتأویل سائغ، فوجب إمضاؤه،
کالحاکم إذا حکم بما يسوغ الاجتهاد فيه، ولا
حرج على الناس في دفع ذلك إليهم، فقد كان
(١) الفتح ٤ /٤١٦، ورد المحتار وحاشية ابن عابدين ٣١٢/٣
ابن عمر إذا أتاه ساعي نجدة الحروري دفع إليه
زكاته، وكذلك سلمة بن الأكوع.
وليس الإِمام أهل العدل إذا ظهر على هذه
البلاد أن يطالب بشيء مما جبوه، ولا يرجع به
علی من أخذ منه، وقد روي نحو هذا عن ابن
عمر وسلمة بن الأكوع، ولأن ولاية الأخذ كانت
له باعتبار الحماية، ولم يحمهم، ولأن في ترك
الاحتساب بها ضررا عظيما ومشقة كبيرة، فإِنهم
قد يغلبون على البلاد السنين الكثيرة، فلولم
يحتسب ما أخذوه، أدى إلى أخذ الصدقات
منهم عن كل تلك المدة. (١)
وقال أبوعبيد: على من أخذوا منه الزكاة
الإعادة، لأنه أخذها من لا ولاية له صحيحة،
فأشبه ما لو أخذها آحاد الرعية. (٢)
وذهب فقهاء الحنفية إلى أنه إذا كان إمام
أهل البغي صرف ما أخذه في مصرفه أجزأ من
أخذ منه، ولا إعادة عليه، لوصول الحق إلى
مستحقه. وإن لم یکن صرفه في حقه فعلى من
أخذ منهم أن یعیدوا دفعه فيما بينهم وبين الله
تعالی، لأنه لم يصل إلى مستحقه. وقال الكمال
ابن الهمام: قال المشايخ: لا إعادة على
(١) الفتح ٤١٣/٤، والبدائع ١٤٢/٧، والمهذب ٢٢١/٢،
ونهاية المحتاج ٣٨٥/٧، والمغني ١١٨/٨، وكشاف القناع
١٦٥/٦، والكافي لابن عبدالبر ٤٨٦/١، ومنح الجليل
٣٣٦/١
(٢) المغني ١١٨/٨
- ١٥٤ -

بغاة ٣٥ - ٣٦
الأرباب في الخراج، لأن البغاة مقاتلة، وهم
مصرف الخراج وإن كانوا أغنياء، وكذلك في
العشر إن كانوا فقراء، أما إن كانوا أغنياء فقد
أفتوا بالإِعادة، وكذلك في زكاة الأموال كلها . (١)
وقال الشافعية والحنابلة: إن عاد بلد البغاة
إلى أهل العدل، فادعى من عليه الزكاة أنه
دفعها إلى أهل البغي قُبِل قوله. وفي استحلافه
وجهان عند الشافعية، وقال أحمد: لا يستحلف
الناس على صدقاتهم.
وإن ادعى من عليه الجزية أنه دفعها إليهم لم
يقبل قوله، لأنها عوض، فلم يقبل قوله في
الدفع، كالمستأجر إذا ادعى دفع الأجرة. وعند
الحنابلة يحتمل قبول قولهم إذا مضى الحول،
لأن الظاهر أن البغاة لا يدعون الجزية لهم،
فكان القول قولهم، لأن الظاهر معهم، ولأنه إذا
مضى لذلك سنون كثيرة شق عليهم إقامة البينة
على مدعيهم، فيؤدي ذلك إلى تغريمهم
الجزية مرتين.
وإن ادعی من علیه اخراج أنه دفعه إليهم،
ففيه وجهان: أحدهما: يقبل قوله، لأنه مسلم،
فقبل قوله في الدفع لمن عليه الزكاة. والثاني: لا
يقبل، لأن الخراج ثمن أو أجرة، فلم يقبل قوله
في الدفع، كالثمن في البيع والأجرة في
الإجارة. (٢)
(١) فتح القدير ٤/ ٤١٣
(٢) المهذب ٢/ ٢٢١
ويصح تفريقهم سهم المرتزقة على
جنودهم، لاعتقادهم التأويل المحتمل، فأشبه
الحکم بالاجتهاد، ولما في عدم الاعتداد به من
الإِضرار بالرعية، ولأن جندهم من جند
الإِسلام، ورعب الكفار قائم بهم، وسواء
أكانت الزكاة معجلة أم لا ، واستمرت شوكتهم
على وجوبها أم لا، وقيل: لا يعتد بتفرقتهم لئلا
يتقووا به علينا، (١) وإن كان من عليه الخراج
ذميا فهو كالجزية، لأنه عوض على غير
المسلم .(٢)
ب - قضاء البغاة وحكم نفاذه:
٣٦ - لو ظهر أهل البغي على بلد فولوا فيه
قاضيا من أهله، وليس من أهل البغي صح
اتفاقا، وعليه أن یقیم الحدود. أما إن كان
منهم، فإِذا ظهر أهل العدل على هذا البلد،
فرفعت أقضيته إلى قاضي أهل العدل نفذ منها
ما هو عدل، وكذا ماقضاه برأي بعض
المجتهدين، لأن قضاء القاضي في المجتهدات
نافذ، وإن كان مخالفا لرأي قاضي أهل
العدل. (٣)
وقال المالكية: إذا كان الباغي متأولا، وأقام
قاضيا، فحكم بشيء فإِنه ينفذ، ولا تتصفح
أحكامه، بل تحمل على الصحة، ویرتفع بها
(١) نهاية المحتاج ٧/ ٣٨٥، والمغني ١١٩/٨
(٢) المغني ١١٩/٨، وكشاف القناع ١٦٦/٦
(٣) الفتح ٤١٦/٤، والبدائع ١٤٢/٧، والمغني ١١٩/٨
- ١٥٥ -

بغاة ٣٦ - ٣٨
الخلاف، قال المواق: هذا في ظاهر المذهب.
أما غير المتأول فأحكامه تتعقب. وقال
ابن القاسم: لا يجوز قضاؤهم. (١)
وقال الشافعية والحنابلة: إن كان ممن يستبيح
دماء أهل العدل وأموالهم لم تنفذ أحكامه، لأن
من شرط القضاء العدالة والاجتهاد، وهذا ليس
بعدل ولا مجتهد، وإن کان ممن لا یستبیح ذلك
نفذ من حکمه ما ینفذ من حكم أهل العدل،
لأن لهم تأويلا يسوغ فيه الاجتهاد، فلم ينقض
من حکمه مايسوغ الاجتهاد فيه، ولأنه اختلاف
في الفروع بتأويل سائغ، فلم يمنع صحة
القضاء ولم يفسق كاختلاف الفقهاء، وإذا حكم
بمالا يخالف إجماعا نفذ حکمه، وإن خالف
الإجماع نقض، وإن حكم بسقوط الضمان عن
أهل البغي فيما أتلفوه حال الحرب جاز حكمه،
لأنه موضع اجتهاد، وإن كان فیما أتلفوه قبل
الحرب لم ينفذ، لأنه مخالف للإِجماع، وإن حکم
على أهل العدل بالضمان فيما أتلفوه حال الحرب
لم ینفذ حکمہ لمخالفتہ لإِجماع، وإن حکم
علیهم بوجوب الضمان فيما أتلفوه في غیر حال
الحرب نفذ حکمه. (٢)
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣٠٠/٤، والتاج
والإكليل ٢٧٩/٦، والشرح الصغير ٤٣٠/٤، ومنح
الجليل ٣٣٦/١
(٢) المهذب ٢/ ٢٢١، ونهاية المحتاج ٧/ ٣٨٤، والمغني
١١٩/٨ - ١٢٠
جـ - كتاب قاضي البغاة إلى قاضي أهل
العدل :
٣٧ - لا يقبل قاضي أهل العدل كتاب قاضي
البغاة عند الحنفية، لأنهم فسقة. (١) وعند
الشافعية والحنابلة: يجوز الحكم بكتابهم إلينا
بسماع البينة في الأصح، ويستحب عدم تنفيذه
والحکم به، استخفافا بهم حیث لا ضرر على
المحكوم له. فإِن قبله جاز، لأنه ینفذ حكمه،
فجاز الحكم بكتابه، كقاضي أهل العدل، لأنه
حكم والحاكم من أهله. بل لو كان الحكم
لواحد منا علی واحد منهم، فالمتجه وجوب
التنفيذ. وقيل: لا يجوز اعتبار کتابه، لما فيه من
إعلاء لمنصبه . (٢)
ولم نقف على نص للمالكية في هذا، لكنهم
اشترطوا في القاضي الذي يقبل كتابه:
العدالة، سواء أكان تولى القضاء من قبل الوالي
المتغلب أو من قبل الكافر، رعاية لمصالح
العباد، مما يفيد جواز قبول كتاب قاضي أهل
البغي (٣)
د - إقامتهم للحد، ووجوبه عليهم:
٣٨ - الحد الذي يقيمه إمام أهل البغي يقع
(١) الفتح ٤١٦/٤، والبدائع ١٤٢/٧
(٢) المهذب ٢/ ٢٢١، ونهاية المحتاج ٣٨٤/٧، والمغني
٨/ ١٢٠، وكشاف القناع ١٦٦/٦
(٣) التاج والإكليل ٦/ ١٤٣
- ١٥٦ -

بغاة ٣٨ - ٣٩
موقعه، ویکون مجزئا، ولا يعاد ثانيا على
المحدود إن كان غير قتل، ولا دية عليه إن كان
قتلا، لأن عليا رضي الله عنه قاتل أهل
البصرة، ولم يلغ ما فعلوه، لأنهم فعلوه بتأويل
سائغ، فوجب إمضاؤه، وهذا ما صرح به کل
من المالكية والشافعية والحنابلة. (١)
وقال الحنفية: إذا كان القاضي الذي أقامه
إمام أهل البغي من أهل البلد التي تغلبوا
عليها، وليس من البغاة، وجب عليه إقامة الحد
وأجزأ. وأما إذا كان من أهل البغي، وكانوا
امتنعوا بدار الحرب، فإِن الحد لا يجب، إذ
الفعل لم يقع موجبا أصلا لوقوعه في غیر دار
الإِسلام، لعدم الولاية على مكان وقوع
الجريمة وقت وقوعها. ولو رجع إلى دار الإِسلام
لا يقام عليه الحد أيضا. وعلى هذا لو تغلبنا
عليهم لا يقام. ولو كانوا أقاموه فإِنه لا تجب
إعادته، لعدم وجوبه أصلا. (٢)
وقال المالكية والشافعية والحنابلة : إذا ارتكبوا
حال امتناعهم مايوجب حدا، ثم قدر عليهم -
ولم يكن أقيم الحد - أقيمت فيهم حدود الله،
(١) الشرح الصغير ٤٣٠/٤، والتاج والإكليل ٢٧٩/٦،
وحاشية الدسوقي ٣٠٠/٤، والمهذب ٢٢١/٢، والمغني
١١٨/٨
(٢) الفتح ٤ /١١٥، ٤١٦، والبدائع ١٣١/٧
ولا تسقط الحدود باختلاف الدار. وهو قول ابن
المنذر لعموم الآيات والأخبار، ولأن كل موضع
تجب فيه العبادة في أوقاتها تجب الحدود فيه عند
وجود أسبابها کدار أهل العدل، ولأنه زان أو
سارق لا شبهة في زناه وسرقته، فوجب عليه
الحد كالذمي في دار العدل. (١)
شهادة البغاة :
٣٩ - الأصل قبول شهادتهم. فقد نص الحنفية
على قبول شهادة أهل الأهواء إن كانوا عدولا في
أهوائهم، إلا بعض الرافضة كالخطابية، ومن
کانت بدعته تكفر، أو کان صاحب عصبية، أو
فيه مجانة، فإِن شهادته لا تقبل لكفره
ولفسقه . (٢)
ويقول المالكية: تقبل شهادة البغاة إذا لم
يكونوا مبتدعين، ولا تقبل إذا كانوا مبتدعين
والعبرة بوقت الأداء. (٣)
وقال الشافعية: تقبل شهادة البغاة
لتأويلهم، إلا أن يكونوا ممن يشهدون لموافقيهم
بتصديقهم، فلا تقبل حينئذ لبعضهم. (٤)
(١) المغني ٨/ ١٢٠
(٢) البدائع ٦/ ٢٦٩
(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١٦٥/٤، والتبصرة
١٩٦/٢
(٤) نهاية المحتاج ٧/ ٣٨٤
- ١٥٧ -

بغاة ٣٩، بغي، بقر ١ - ٢
وقال الحنابلة: البغاة إذا لم يكونوا من أهل
البدع ليسوا بفاسقين، وإنما هم يخطئون في
تأويلهم، فهم كالمجتهدين، فمن شهد منهم
قبلت شهادته إذا كان عدلا .
ونقل عن أبي حنيفة أنهم يفسقون بالبغي
وخروجهم على الإِمام، ولكن تقبل شهادتهم،
لأن فسقهم من جهة الدين فلا ترد به
الشهادة . (١)
بغي
انظر : بغاة .
(١) المغني ١١٧/٨ - ١١٨
بقر
التعريف :
١ - البقر: اسم جنس. قال ابن سيده: ويطلق
على الأهلي والوحشي، وعلى الذكر والأنثى،
وواحده بقرة. وقيل: إنما دخلته الهاء لأنه واحد
من الجنس. والجمع: بقرات.
وقد سوى الفقهاء الجاموس بالبقر في
الأحكام، وعاملوهما كجنس واحد. (١)
زكاة البقر :
٢ - زكاة البقر واجبة بالسنة والإجماع.
أما السنة فما روى البخاري عن أبي ذر
رضي الله عنه أن رسول الله وَ ل ◌ّم قال: ((والذي
نفسي بيده، أو والذي لا إله غيره - أو كما
حلف ـ ما مِنْ رجلٍ تكون له إبلّ أو بقرٌ أو غنمٌ
لا يؤدي حقُّها إلا أتيَ بها يومَ القيامةِ أعظم
ما تكونُ وأسمَنَهُ، تطؤه بأخفافها، وتنطحه
بقرونها، كلما جازت أخراها رُدَّتْ عليه أُوْلا ها
(١) المصباح المنير ولسان العرب والقاموس المحيط في المادة.
- ١٥٨ -

بقر ٣ - ٤
حتى يقضى بين الناس)). (١) وما روى النسائي
والترمذي عن مسروق أن النبي بَّ ((بعث
معاذا إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل حالمٍ
دينارا، ومن البقر من كل ثلاثين تبيعا أو تبيعة،
ومن كل أربعین مسنة)). (٢)
وقد أجمع الصحابة ومن بعدهم على وجوب
الزكاة في الأنعام، ولم يخالف في ذلك أحد،
والبقر صنف من الأنعام، فوجبت الزكاة فيها
كالإِبل والغنم، وإنما كان الخلاف في بعض
الشروط كما سيأتي. (٣)
شروط وجوب الزكاة في البقر :
٣ - يشترط في وجوب الزكاة في البقر شروط عامة
تفصيلها في الزكاة، وهناك شروط خاصة بيانها
فيما يلي:
اشتراط السَوْم :
٤ - المراد بالسوم في زكاة الماشية: أن ترعى
الماشية أكثر أيام السنة في كلاً مباح، سواء
(١) حديث: (والذي نفسي بيده ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٣٢٣/٣ - ط السلفية) ومسلم (٦٨٦/٢ - ط
الحلبي).
(٢) حديث: ((بعث معاذا إلى اليمن ... )) أخرجه النسائي
(٢٦/٥ - ط المكتبة التجارية) والحاكم (٣٩٨/١ - ط دائرة
المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) المغني لابن قدامة ٢/ ٥٩١
أکانت ترعی بنفسها أم براعٍ يرعاها، هذا وقد
ذهب جمهور العلماء من الحنفية والشافعية
والحنابلة وغيرهم إلى أنه يشترط السوم في زكاة
الماشية، ومن بين تلك الماشية البقر، فيشترط
فيها السوم أيضا، وأما البقر العوامل والمعلوفة
فلا زكاة فيها، لانتفاء السوم.
وقال الإِمام مالك: لا يشترط السوم في زكاة
البقر، فالبقر العوامل والمعلوفة تجب فيها الزكاة
عنده .
استدل الإمام مالك لما ذهب إليه بالإِطلاق
في الأحاديث الموجبة لزكاة البقر، وهو الذي
استقر عليه عمل أهل المدينة، وعمل أهل
المدينة أحد أصول المالكية . (١)
واستدل القائلون باشتراط السوم في زكاة
الماشية بما روي عن علي رضي الله عنه، قال
الراوي أحسبه عن النبي وَلي في صدقة البقر
قال: ((وليس في العوامل شيء))، (٢) وأيضا بما
روي عن عمروبن شعيب عن أبيه عن جده عن
النبي صل﴿ قال: ((ليس في البقر العوامل
شيء))(٣) وقد حمل الجمهور النصوص المطلقة في
(١) الدسوقي ٤٣٢/١، والمغني لابن قدامة ٢/ ٥٧٦
(٢) حديث: ((ليس في العوامل شيء)) أخرجه أبوداود
(٢٢٩/٢ - ط عزت عبيد دعاس) من حديث علي بن أبي
طالب وحسنه النووي کما في نصب الراية (٣٢٨/٢ - ط
المجلس العلمي).
(٣) حديث: ((ليس في البقر العوامل شيء ... )) أخرجه =
- ١٥٩ -

بقر ٥ - ٦
البقر على النصوص المقيدة بالسوم الواردة في
الإِبل والغنم، كما استدلوا بقياس البقر على
الإِبل والغنم في اشتراط السوم. (١)
وأيضا فإن صفة النماء معتبرة في الزكاة، فلا
توجد إلا في السائمة، أما البقر العوامل فصفة
النماء مفقودة فيها، ومثلها المعلوفة فلا نماء فيها
أيضا، لأن علفها يستغرق نماءها، إلا أن يعدها
للتجارة، فيزكيها زكاة عروض التجارة. (٢)
الزكاة في بقر الوحش :
٥ - ذهب أكثر العلماء إلى عدم وجوب الزكاة في
بقر الوحش، وعند الحنابلة روايتان، فالمذهب
عندهم وجوب الزكاة فيها، لأن مطلق الخبر
الذي أوجب الزكاة في البقر- والذي سبق ذكره -
يتناولها. والرواية الثانية عندهم عدم وجوب
الزكاة فيها. قال ابن قدامة: وهي أصح، وهو
قول أكثر أهل العلم في عدم وجوب الزكاة في بقر
الوحش، (٣) لأن اسم البقر عند الإطلاق
= الدار قطني (١٠٣/٢ - ط شركة الطباعة الفنية) وأعله
الزيلعي بأن فيه غالب بن عبيدالله، قال ابن معين: لا يحتج
به. (نصب الراية ٢/ ٣٩٠ - ط المجلس العلمي).
(١) المغني لابن قدامة ٥٩٢/٢، والمجموع ٣٥٧/٥ ط
المنيرية .
(٢) المغني ٢ / ٥٧٧
(٣) الإِنصاف ٣/ ٤، ونقله عن الفروع، والمغني ٢/ ٥٩٥،
والمقنع ١١٨/١
لا ینصرف إلیھا ولا یفهم منه إذ کانت لا تسمی
بقرا بدون الإِضافة، فيقال: بقر الوحش، ولأن
العادة تنفي وجود نصاب منها موصوفا بصفة
السوم حولا کاملا، ولأنها حیوان لا يجزىء نوعه
في الأضحية والهدي، فلا تجب فيها الزكاة
كالظباء، ولأنها ليست من بهيمة الأنعام، فلا
تجب فيها الزكاة كسائر الوحوش، والسر في ذلك
أن الزكاة إنهما وجبت في بهيمة الأنعام دون غيرها
لكثرة النماء فيها، من درها ونسلها وكثرة الانتفاع
بها لكثرتها وخفة مئونتها، وهذا المعنى يختص
بها، فاختصت الزكاة بها دون غيرها. (١)
زكاة المتولد بين الوحشي والأهلي:
٦ - ذهب الحنابلة إلى وجوب الزكاة في المتولد
بين الوحشي والأهلي، سواء أكان الوحشي هو
الفحل أم الأم، واحتجوا لذلك بأن المتولد بين
الوحشي والأهلي متولد بين الذي تجب فيه الزكاة
وبين ما لا تجب فيه، فیرجح جانب الوجوب،
قياسا على المتولد بين السائمة والمعلوفة، فتجب
فيه الزكاة، فكذلك المتولد بين الوحشي
والأهلي. وعلى هذا القول تضم إلى جنسها من
الأهلي في وجوب الزكاة، ویکمل بها نصابها،
وتكون كأحد أنواعه. (٢)
(١) المغني ٢ / ٥٩٤، والمقنع ١١٨/١
(٢) المغني ٢ / ٥٩٥
- ١٦٠ -