النص المفهرس
صفحات 61-80
بِرّ ٣ - ٤
وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي مجامع حسن
الخلق. ومعنى حاك في صدرك: أي تحرك فيه
وتردد، ولم ينشرح له الصدر، وحصل في القلب
منه الشك وخوف كونه ذنبا. (١)
ويتعلق بالبر أحكام كثيرة منها:
بر الوالدين :
٣ - بر الوالدين بمعنى: طاعتهما وصلتهما وعدم
عقوقهما، والإِحسان إليهما مع إرضائهما بفعل
مايريدانه مالم يكن إثما. قال الله تعالى:
﴿وَقَضى رَبُّك أَلَّ تَعْبُدُوا إلا إيّاه وبالوالدين
إحْسَانا﴾. (٢)
وفي حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله
عنه - قال: سألت رسول اللّه وَير: أيُّ العمل
أحب إلى الله؟ قال: ((الصلاةُ على وقتها،
قلت: ثم أي؟ قال: برُّ الوالدين، قلت: ثم
أي؟ قال: الجهادُ في سبيل الله))(٣)
فهذه النصوص تدل على وجوب بر الوالدين
وتعظیم حقهما.
وللتفصيل في بيان حق الوالدين وبرهما انظر
مصطلح (بر الوالدين).
بر الأرحام :
٤ - بر الأرحام وهو بمعنى صلتهم والإِحسان
(١) النووي على مسلم ١٦/ ١١١
(٢) سورة الإسراء / ٢٣
(٣) حديث عبد الله بن مسعود: ((سألت رسول الله ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٩/٢ - ط السلفية) ومسلم
(٩٠/١ - ط الحلبي)
إليهم وتفقد أحوالهم والقيام على حاجاتهم
ومواساتهم .
قال الله تعالى: ﴿واعْبُدُوا اللهَ ولا تُشْركُوا به
شيئا وبالوالدين إحْسَانا، وبِذِي القُرْبى
واليَتّامى والمساكينِ والجارِ ذي القُرْبى والجارِ
الجُنُب والصاحبِ بالجَنْبِ وابنِ السبيلِ
وما مَلَكَتْ أيمانُكُم﴾(١)
وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - (٢)
قال: رسول الله مخل *: ((إن الله تعالى خَلقَ
الخَلْقَ، حتى إذا فرغ منهم، قامت الرحم
فقالت: هذا مقامُ العائذِ بك من القطيعة قال
نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع
من قطعك؟ قالت: بلى قال: فذلك لك .
ثم قال رسول الله وسلم: اقرءوا إن شئتم:
﴿فهل عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّتُمْ أَنْ تُفْسِدوا في الأرضِ
وتُقَطَّعُوا أرحامكم أولئكَ الذين لَعَنَهُم الله
فأصَمَّهم وأعمى أبصارهم﴾. (٣))
فهذه النصوص تدل على أن صلة الأرحام
وبرها واجب، وقطيعتها محرمة في الجملة، إلا
أنها درجات بعضها أرفع من بعض، وأدناها
ترك الهجر، والصلة بالكلام والسلام .
وتختلف هذه الدرجات باختلاف القدرة
(١) سورة النساء / ٣٦
(٢) حديث: ((إن الله تعالى خلق الخلق ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٥٧٩/٨ - ط السلفية) ومسلم (٤ /١٩٨١ - ط
الحلبي)
(٣) سورة محمد / ٢٢، ٢٣
- ٦١ -
:
پر ٥ - ٧
والحاجة، فمنها الواجب، ومنها المستحب. إلا
أنه لو وصل بعض الصلة، ولم يصل غايتها، لا
يسمى قاطعا، ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له
لا یکون واصلا .(١)
أما حد الرحم التي تجب صلتها ويحرم
قطعها: فهو القرابات من جهة أصل الإِنسان،
کأبيه وجده وإن علا، وفروعه کأبنائه وبناته وإن
نزلوا. وما يتصل بهما من حواش كالإِخوة
والأخوات والأعمام والعمات والأخوال
والخالات، ومايتصل بهم من أولادهم برحم
جامعة . (٢)
وللتفصيل انظر مصطلح (أرحام).
بر اليتامى والضعفة والمساكين :
٥ - بر اليتامى والضعفة والمساكين يكون
بالإِحسان إليهم، والقيام على مصالحهم
وحقوقهم، وعدم تضييعها. ففي حديث
سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: قال
رسول الله وَجٍ: ((أنا وكافلُ اليتيم في الجنة
هكذا. وأشار بالسبابة والوسطى وفرّج
بينهما)). (٣)
وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه قال:
رسول الله صَلى: ((الساعي على الأرملةِ
(١) دليل الفالحين ١٤٦/٢
(٢) النووي على مسلم ١٦/ ١١٢
(٣) حديث سهل بن سعد قال: قال رسول الله محلية: ((أنا
وكافل اليتيم .... )) أخرجه البخاري (الفتح ٤٣٦/١٠ -
ط السلفية).
والمسكينِ كالمجاهد في سبيل اللّه. وأحسبه قال:
وكالقائمِ الذي لا يَفْتُرُ، وكالصائم الذي
لا يُفْطِرِ)).(١)
الحج المبرور :
٦ - الحج المبرور هو: الحج المقبول الذي
لا يخالطه إثم ولا رياء.(٢)
وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -
أن رسول الله ◌َّ قال: («العمرةُ إلى العمرةِ
كفارةٌ لِماَ بَيْنَهما، والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا
الجنة)) (٣)
وللتفصيل انظر مصطلح (حج).
البيع المبرور :
٧ - البيع المبرور: هو الذي لا غش فيه ولا
خيانة .
ففي حديث أبي بردة بن نيار عن ابن عمر
قال: سئل رسول اللّه وَر: أي الكسب أفضل
قال: ((َعَمَلُ الرجلِ بيده، وكلّ بيعٍ
(٤)
مَبْ وٍ)(٤).
(١) حديث: ((الساعي على الأرملة ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٤٣٧/١٠ - ط السلفية) ومسلم (٢٢٨٦/٤ - ط
الحلبي).
(٢) فتح الباري ١/ ٧٨
(٣) حديث: ((العمرة إلى العمرة كفارة ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٥٩٧/٣ - ط السلفية) ومسلم ٩٨٣/٢ - ط
الحلبي).
(٤) حديث: أبي بردة بن نيار عن ابن عمر قال: سئل
رسول الله به: ((أي الكسب أفضل؟ ... )) رواه الطبراني
في الأوسط والكبیر ورجاله ثقات. (مجمع الزوائد للهيثمي
٦١/٤ - ط القدسي).
- ٦٢ -
بِر ٨ ، بر الوالدين ١
وللتفصيل انظر مصطلح (بيع).
بر اليمين :
٨ - بر اليمين معناه: أن يصدق في يمينه، فيأتي
بما حلف عليه .
قال الله تعالى: ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيمانَ بعدَ
تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّه عَلَيكم كَفِيلًا، إِنَّ اللّه
يَعْلُمُ ماتَفْعَلون﴾. (١)
وهو واجب في الحلف على فعل الواجب أو
ترك الحرام، فيكون يمين طاعة يجب البر به
بالتزام ماحلف عليه، ويحرم عليه الحنث فيه.
أما إن حلف على ترك واجب أو فعل محرم
فهو یمین معصية، يجب الحنث فيه.
فإِن حلف على فعل نفل، كصلاة تطوع أو
صدقة تطوع فالتزام اليمين مندوب، ومخالفته
مكروهة .
فإِن حلف على ترك نفل فاليمين مكروهة،
والإِقامة عليها مكروهة، والسنة أن يحنث فيها .
وإن كانت على فعل مباح فالحنث بها مباح (٢)
قال رسول الله بي: ((إذا حلفت على يمينٍ
فرأيتَ غيرَها خيراً منها فَأَتِ الذي هو خيرٌ،
وكَفِّرْ عن يَمينِك))(٣)
وللتفصيل انظر مصطلح (أيمان).
(١) سورة النحل / ٩١
(٢) روضة الطالبين ٢٠/٢، والمغني ٤٩٣/٩
(٣) حديث: ((إذا حلفت على يمين ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ١١/ ٦٠٨ - ط السلفية) ومسلم (١٢٧٤/٣ - ط
الحلبي) واللفظ للبخاري.
بر الوالدين
التعريف :
١ - من معاني البر في اللغة: الخير والفضل
والصدق والطاعة والصلاح(١)
وفي الاصطلاح: يطلق في الأغلب على
الإِحسان بالقول اللين اللطيف الدال على
الرفق والمحبة، وتجنب غليظ القول الموجب
للنفرة، واقترانِ ذلك بالشفقة والعطف والتودد
والإِحسان بالمال وغيره من الأفعال
الصالحات. (٢)
والأبوان: هما الأب والأم. (٣)
ويشمل لفظ (الأبوين) الأجدادَ
والجدات. (٤) قال ابن المنذر: والأجداد آباء،
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والصحاح مادة ((برر))،
والكليات لأبي البقاء ٣٩٨/١ ط دمشق. وزارة الثقافة
١٩٧٤
(٢) الفواكه الدواني على رسالة القيرواني ٣٨٢/٢ -٣٨٣،
والزواجر عن اقتراف الكبائر للهيثمي ٦٦/٢ ط دار
المعرفة ببيروت.
(٣) لسان العرب ، والصحاح ١/ ٥
(٤) حاشية ابن عابدين ٣/ ٢٢٠ (التعليق على قول الشارح له
أبوان)، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ٢٤٢/٣، =
- ٦٣ -
بر الوالدين ٢
والجدات أمهات، فلا يغزو المرء إلا بإذنهم،
ولا أعلم دلالة توجب ذلك لغيرهم من الإِخوة
وسائر القرابات . (١)
حكمه التكليفي :
٢ - اهتم الإِسلام بالوالدين اهتماما بالغا.
وجعل طاعتهما والبر بهما من أفضل القربات.
ونهی عن عقوقهما وشدد في ذلك غاية التشديد.
كما ورد في القرآن المجيد في قوله سبحانه
وتعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّك أَلا تَعْبُدُوا إِلا إيّاهُ
وبالوالدين إِحسانا، إِمّا يَبْلُغَنَّ عندَك الكِبَرَ
أحدُهما أو كلاهما فلا تَقُلْ لَما أَفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ
لَما قَوْلا كَرِیما. واخْفِضْ لهما جَنَاحَ الذُّلِّ مِن
الرَّحِمةِ وقلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَاني صَغِيرًا﴾،(٢)
فقد أمر سبحانه بعبادته وتوحيده وجعل بر
الوالدين مقرونا بذلك، والقضاء هنا: بمعنى
الأمر والإِلزام والوجوب .
کما قرن شکرهما بشکره في قوله سبحانه :
﴿أَنِ اشْكُرْلِي وَلِوَالدَيْك إليَّ المصيرُ﴾. (٣)
فالشكر لله على نعمة الإِيمان، وللوالدين على
نعمة التربية. وقال سفيان بن عيينة: من صلى
والمهذب في فقه الإِمام الشافعي ٢/ ٢٣٠، وتحفة المحتاج
=
بشرح المنهاج ٢٣٢/٩ - ٢٣٣، ومطالب أولي النهى
٥١٣/٢
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٠/ ٢٤١
(٢) سورة الإِسراء / ٢٣، ٢٤
(٣) سورة لقمان / ١٤
الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى. ومن
دعا لوالديه في أدبار الصلوات فقد شكرهما.
وفي صحيح البخاري عن عبدالله بن مسعود
قال: سألت النبي صلّ : أي الأعمال أحبُّ
إلى الله عز وجل؟ قال: ((الصلاةُ على وَقْتها)»
قال: ثم أي؟ قال: ((بِرُ الوالدين)) قال: ثم أي؟
قال: ((الجهادُ في سبيلِ الله)). (١) فأخبر _ * أن
بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي
أعظم دعائم الإِسلام. (٢)
وقدم في الحدیث بر الوالدين على الجهاد،
لأن برهما فرض عين يتعين عليه القيام به،
ولا ينوب عنه فيه غيره. فقد قال رجل
لابن عباس رضي الله عنهما: إني نذرت أن أغزو
الروم، وإن أبويّ منعاني. فقال: أطع أبويك،
فإِن الروم ستجد من يغزوها غيرك. (٣)
والجهاد في سبيل الله فرض كفاية إذا قام به
البعض سقط عن الباقين، وبر الوالدين فرض
عين، وفرض العين أقوى من فرض الكفاية .
وفي خصوص ذلك أحاديث كثيرة منها مافي
صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو قال:
جاء رجل إلى النبي 18 فاستأذنه في الغزو.
(١) حديث ابن مسعود: ((أي الأعمال أحب إلى الله ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ١٠/ ٤٠٠ - ط السلفية) ومسلم
(١/ ٩٠ - ط الحلبي).
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢٣٧/١٠ - ٢٣٨
(٣) المهذب في فقه الإِمام الشافعي ٢/ ٢٣٠
- ٦٤ -
بر الوالدين ٢ - ٣
فقال: ((أحَيٍّ والداك؟)) قال: نعم. قال:
((فَفِیهما فجاهد)). (١)
وفي سنن أبي داود عن عبدالله بن عمروبن
العاص. جاء رجل إلى رسول الله وَلجام فقال:
جئتُ أبايعك على الهجرة، وتركت أبويّ
يبكيان فقال: ((ارْجِعْ إليهما فَأَضْحِكْهُما كما
٥٤=١٠٥
أُبکْتَهُم))(٢)
وفيه عن أبي سعيد الخدري أن رجلا هاجر
إلى رسول الله وَلجر من اليمن. فقال: ((هل لك
أحدٌ باليمن))؟ قال: أبواي. قال: ((أَذِنا لك؟))
قال: لا. قال: ((فارجعْ فاستأذِنْهما فإِنْ أَذِنَالك
فَجَاهِدْ، وإلا فَبِّهما)). (٣)
هذا إذا لم يكن النفير عاما. وإلا أصبح
خروجه فرض عين، إذ يتعين على الجميع
الدفع والخروج للعدو. (٤)
وإذا كان بر الوالدين فرض عين، فإِن خلافه
(١) حديث: ((ففيهما فجاهد ... )) أخرجه البخاري (الفتح
٤٠٣/١ - ط السلفية).
(٢) حديث: (ارجع إليهما فأضحكهما ... )) أخرجه أبوداود
(٣٨/٣ - ط عزت عبید دعاس) والحاكم (٤/ ١٥٢ -ط
دائرة المعارف العثمانية) وصححه، ووافقه الذهبي.
(٣) حديث: ((هل لك أحد باليمن ... )) أخرجه أبوداود
(٣٩/٣ - ط عزت عبيد دعاس) والحاكم (١٠٣/٢ - ١٠٤
- ط دائرة المعارف العثمانية) وقال الذهبي: ودراج واء.
یعني الذي في إسناده، وتقدم شاهده.
(٤) فتح القدير على الهداية ٥/ ١٩٤، والجامع لأحكام القرآن
للقرطبي ٢٤٠/١٠
یکون حراما، مالم یکن عن أمر بشِرْك أو ارتكاب
معصية، حيث لا طاعة لمخلوق في معصية
الخالق. (١)
البر بالوالدين مع اختلاف الدين :
٣ - البر بالوالدین فرض عین کما سبق بيانه، ولا
يختص بکونهما مسلمین، بل حتى لو كانا كافرين
يجب برهما والإِحسان إليهما مالم يأمرا ابنهما بشرك
أو ارتكاب معصية. قال تعالى : ﴿لا یَنْهاكُم الله
عن الذين لمْ يُقاتِلوكم في الدِّين ولم يُخْرِجُوكم من
ديارِكم أَنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إليهم، إنَّ الله يحبُّ
المقْسِطين﴾. (٢)
فعليه أن يقول لهما قولا لينا لطيفا دالا على
الرفق بهما والمحبة لهما، ويجتنب غليظ القول
الموجب لنفرتهما، وینادیهما بأحب الألفاظ إلیھما،
ولیقل هما ما ینفعهما في أمر دينهما ودنياهما، ولا
یتبرم بهما بالضجر والملل والتأفف، ولا ينهرهما،
وليقل لهما قولا كريما.
وفي صحيح البخاري عن أسماء قالت:
قدمت أمي وهي مشركة في عهد قریش ومدتهم
إذ عاهدوا النبي ◌ِّ مع أبيها، فاستفتيتُ النبي
﴿ي* فقلت: إنّ أمي قدمتْ وهي راغبةٌ
(١) ابن عابدين ٣/ ٢٢٠، والشرح الصغير ٧٣٩/٤ - ٧٤١،
والفروق للقرافي ١/ ١٤٥
(٢) سورة الممتحنة / ٨
- ٦٥ -
بر الوالدين ٣
أَفَأَصِلُها؟ قال: ((نعم، صِلي أُمكِ))(١)
وفي رواية أخرى عنها قالت: أتتني أمي
راغبة في عهد النبي ونَ ﴿، فسألت النبي توَطّ.
FE
الصِلها؟ قال: ((نعم)) قال ابن عيينة: فأنزل الله
عز وجل فیها ﴿لا ینهاکم الله عن الذين لم
يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن
تبروهم﴾. (٢) وفي هذا المقام قال الله تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسانَ بِوَالديهِ حُسْنا، وإنْ جَاهداكَ
لِتُشْرِكَ بِي مِاَلَيْسَ لَكَ بِه ◌ِعِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُما، إليَّ
مِرْجِعُكم فَأَتِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلون﴾. (٣) قيل:
نزلت في سعد بن أبي وقاص. فقد روي أنه
قال: كنتُ بارًا بأمي فأسلمتُ فقالتْ: لتدعن
دينك أولا آكل ولا أشرب شرابا حتى أموت
فتعير بي، ويقال: يا قاتل أمه .. وبقيتْ يوما
ويوما. فقلت: يا أماه: لو كانت لك مائةُ نفسِ
فخرجتْ نفسا نفسا ما ترکتُ دیني هذا، فإِن
شئتِ فکلي، وإن شئتِ فلا تأکلي. فلما رأت
ذلك أُكَلَتْ. (٤)
هذا وفي الدعاء بالرحمة الدنيوية للوالدين
غير المسلمين حال حياتهما خلاف ذكره
القرطبي .
أما الاستغفار هما فممنوع، استنادا إلى قوله
تعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أنْ
يَسْتَغْفِرُوا لِلمشركينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبِى﴾(١)
فإنها نزلت في استغفاره ولي لعمه أبي طالب
واستغفار بعض الصحابة لأبويه المشركين.
وانعقد الإجماع على عدم الاستغفار لهما بعد
وفاتهما وحرمته، وعلى عدم التصدق على
روحهما . (٢)
أما الاستغفار للأبوين الكافرين حال الحياة
فمختلف فیه، إذ قد يُسْلمان .
ولو منعه أبواه الكافران عن الخروج للجهاد
الكفائي، مخافةً عليه، ومشقة لهما بخروجه
وتركهما، فعند الحنفية: لهما ذلك، ولا يخرج إلا
بإِذنهما بِرًا بهما وطاعة لهما، إلا إذا كان منعهما له
لكراهة قتال أهل دينهما، فإِنه لا يطيعهما ويخرج
له. (٣)
(١) حديث أسماء قالت: ((قدمت أمي وهي مشركة ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٤١٣/١٠ - ط السلفية).
(٢) سورة الممتحنة / ٨، وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي
٢٣٩/١٠، ٦٣/١٤ - ٦٥، وفتح الباري شرح صحيح
البخاري ٩/ ٤٠، والفروق للقرافي ١٤٥/١، والفواكه
الدواني ٣٨٢/٢، والشرح الصغير ٤/ ٧٤٠، والزواجر
عن اقتراف الكبائر للهيثمي ٢/ ٧٥ ط دار المعرفة.
وحدیث سعد بن أبي وقاص قال: «کنت بارا بأمي
فأسلمت ... )) أخرجه مسلم (٤/ ١٨٧٧ - ط الحلي).
(١) سورة التوبة / ١١٣
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢٤٥/١٠، والفواكه
الدواني ٣٨٤/٢، والشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه
٤ / ٧٤١، وشرح إحياء علوم الدين ٣١٦/٦
(٣) سورة العنكبوت / ٨
(٤) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٣/ ٣٢٨.
=
(٣) ابن عابدين ٢٢٠/٣
- ٦٦ -
بر الوالدين ٤
وعند المالكية والشافعية والحنابلة: يجوز له
الخروج للجهاد بغير إذنهما، لأنهما متهمان في
الدين، إلا بقرينة تفيد الشفقة ونحوها عند
المالكية. وقال الثوري : لا يغزوإلا بإذنهما إذا
كان الجهاد من فروض الكفاية .
أما إذا تعین الجهاد لحضور الصف، أو حصر
العدو، أو استنفار الإِمام له بإعلان النفير العام
فإنه يسقط الإِذن، ويجب عليه الجهاد بغیر
إذنهما، إذ أصبح واجبا عليه القيام به،
لصيرورته فرض عين على الجميع. (١)
التعارض بین بر الأب وبر الأم :
٤ - لما كان حق الوالدين على الأولاد عظيما،
فقد نزل به القرآن الكريم في مواضع كثيرة،
ووردت به السنة المطهرة، ويقضى ذلك بلزوم
برهما وطاعتهما ورعاية شئونهما والامتثال لأمرهما،
فيما ليس بمعصية، على نحو ماسبق بيانه.
ونظرا لقيام الأم بالعبء الأكبر في تربية الولد
اختصها الشارع بمزيد من البر، بعد أن أوصى
ببرهما، فقال تعالى : ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسانَ بِوالديه
حَلَتْه أمُّه وَهْنَاً على وَهْنٍ وفِصَالُه في
عَامِينٍ﴾. (٢)
(١) المهذب ٢/ ٢٣٠، وتحفة المحتاج بشرح المنهاج ٢٣٢/٩،
ومطالب أولي النهى ٥١٣/٢، والمغني ٣٥٩/٨ ط الرياض
الحديثة، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٢/ ١٧٥،
والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٠/ ٢٤٠
(٢) سورة لقمان / ١٤
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء
رجل إلى النبي ول﴾ فقال: يا رسول الله: من
أحقُّ بحسن صحابتي؟ قال: ((أمُّك)) قال: ثم
من؟ قال: ((أمك)) قال: ثم من؟ قال: ((أمك))
قال: ثم من؟ قال : =أبوك)).(١)
وقوله ٹ﴾ ((إن الله يُوصیکم بأمهاتِکم، ثم
یوصیکم بأمھاتِکم، ثم يُوصیکم بأمھاتِکم، ثم
يُوصيكم بآبائِكم، ثم يوصيكم بالأقربِ
فالأقرب)». (٢)
ومن حديث عائشة رضي الله عنها: سألتُ
النبي ◌َِّ: ((أي الناسِ أعظمُ حقا على المرأة؟
قال: زوجها. قلتُ: فعلى الرجل؟ قال
أُمُّه)). (٣)
ففیما ذکر۔ وغیرہ کثیر - مما سبق بيانه دلیل
على منزلة الأبوين، وتقديم الأم في البر على
الأب في ذلك، لصعوبة الحمل، ثم الوضع
وآلامه، ثم الرضاع ومتاعبه، وهذه أمور تنفرد
بها الأم وتشقى بها، ثم تشارك الأب في التربية،
(١) حديث: (من أحق بحسن صحابتي ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٤٠١/١٠ - ط السلفية).
(٢) حديث: ((إن الله يوصيكم بأمهاتكم ... )) أخرجه
البخاري في الأدب المفرد (ص ٢٦ - ط السلفية) والحاكم
(٤/ ٢٥١ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه
الذهبي.
(٣) حديث عائشة: ((أي الناس أعظم حقا على المرأة؟ ... ))
أخرجه الحاكم (٤/ ١٥٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) وفي
إسناده جهالة. ميزان الاعتدال للذهبي (٤ / ٥٤٩ - ط
الحلبي).
- ٦٧ -
بر الوالدين ٥
فضلا عن أن الأم أحوج إلى الرعاية من الأب،
ولا سيما حال الكبر. (١)
وفي تقديم هذا الحق أيضا: أنه لووجبت
النفقة على الولد لأبويه، ولم يقدر إلا على نفقة
أحدهما، فتقدم الأم على الأب في أصح
الروايات عند الحنفية والمالكية والشافعية، وهو
رأي عند الحنابلة، (٢) وذلك لما لها من مشقة
الحمل والرضاع والتربية وزيادة الشفقة، وأنها
أضعف وأعجز. هذا مالم يتعارضا في برهما.
٥ - فإن تعارضا فيه، بأن کان في طاعة أحدهما
معصية الآخر. فإِنه ینظر. إن كان أحدهما يأمر
بطاعة والآخر يأمر بمعصية، فإن عليه أن يطيع
الآمر بالطاعة منهما دون الآمر بالمعصية، فيما أمر
به من معصية. لقوله وَ الر: ((لا طاعةَ لمخلوقٍ في
معصية الخالق))(٣) وعليه أن يصاحبه بالمعروف
للأمر بذلك في قوله تعالى : ﴿وصاحِبھما في
(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٠/ ٤٠١ - ٤٠٢،
وشرح إحياء علوم الدين للغزالي ٣١٥/٦، والزواجر عن
اقتراف الكبائر للهيتمي ٢ / ٧١ ط دار المعرفة، والجامع
لأحكام القرآن للقرطبي ١٤/ ٦٣ - ٦٥
(٢) رد المحتار على الدر المختار ٢/ ٦٧٣، والفواكه الدواني
٣٨٤/٢، وروضة الطالبين ٩/ ٩٥ المكتب الإسلامي،
والمغني لابن قدامة ٧/ ٥٩٤ ط الرياض الحديثة.
(٣) حديث: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) أورده بهذا
اللفظ الهيتمي في المجمع وقال: رواه أحمد والطبراني
ورجال أحمد رجال الصحيح مجمع الزوائد (٢٢٦/٥ - ط
القدسي).
الدنيا معروفا﴾(١) وهي وإن كانت نزلت في
الأبوين الكافرين، إلا أن العبرة بعموم اللفظ
لا بخصوص السبب.
أما إن تعارض برهما في غير معصية، وحيث
لا يمكن إيصال البر إليهما دفعة واحدة، فقد
قال الجمهور: طاعة الأم مقدمة، لأنها تفضل
الأب في البر. (٢) وقيل: هما في البر سواء، فقد
روي أن رجلا قال مالك: والدي في السودان،
کتب إلي أن أقدم عليه، وأمي تمنعني من ذلك،
فقال له مالك: أطِعْ أباك ولا تَعْصِ أمك.
يعني أنه یبالغ في رضی أمه بسفره لوالده، ولو
بأخذها معه، ليتمكن من طاعة أبيه وعدم
عصیان أمه.
وروي أن الليث حين سئل عن المسألة بعينها
قال: أطع أمك، فإن لها ثلثي البر. كما حكى
الباجي أن امرأة كان لها حق على زوجها،
فأفتى بعض الفقهاء ابنها: بأن يتوكل لها على
أبيه، فكان يحاكمه، ويخاصمه في المجالس
تغلیبا جانب الأم. ومنعه بعضهم من ذلك،
قال: لأنه عقوق للأب، وحديث أبي هريرة إنما
دل على أن بره أقل من بر الأم، لا أن الأب
يُعَقِ. ونقل المحاسبي الإِجماع على أن الأم
مقدمة في البر على الأب. (٣)
(١) سورة لقمان / ١٥
(٢) الفواكه الدواني ٢/ ٣٨٤
(٣) الفروق للقرافي ١٤٣/١، وتهذيب الفروق بهامشه=
- ٦٨ -
بر الوالدين ٦ - ٧
بر الوالدين والأقارب المقيمين بدار الحرب :
٦ - قال ابن جرير: إن بر المؤَّمَّن من أهل
الحرب، ممن بينه وبينه قرابة نسب، أومن لا
قرابة بينه وبينه ولا نسب، غيرُ محرَّم ولا منهي
عنه، إذا لم يكن في ذلك تقوية للكفار على
المسلمين، أو دلالة على عورة لأهل الإِسلام،
أو تقوية لهم بكراع أو سلاح. (١)
وهو موافق لما نقل عن ابن الجوزي الحنبلي في
الآداب الشرعية، ولا يختلف عما ذكر، واستدل
له بإهداء عمر الحلة الحريرية إلى أخيه المشرك.
وبحديث أسماء(٢) وفيهما صلة أهل الحرب
وبرهم وصلة القريب المشرك. (٣)
ومن البر للوالدين الكافرين الوصية لهما،
لأنهما لا يرثان ابنهما المسلم.
وللتفصيل ر: (وصية).
بم یکون البر ؟
٧ -یکون بر الوالدين بالإِحسان إليهما بالقول
اللين الدال على الرفق بهما والمحبة لهما، وتجنب
غليظ القول الموجب لنفرتهما، وبمناداتهما بأحب
الألفاظ إليهما، كيا أمي ويا أبي، وليقل لهما
ما ينفعهما في أمر دينهما، ودنياهما ويعلمهما
= ص ١٦١، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري
٤٠٢/١٠ - ٤٠٣
(١) جامع البيان للطبري ٢٨/ ٦٦ ط مصطفى الحلبي.
(٢) حدیث أسماء سبق تخريجه (ف/ ٣)
(٣) الآداب الشرعية ١/ ٤٩٢ - ٤٩٣
ما يحتاجان إلیه من أمور دینهما، ولیعاشرهما
بالمعروف. أي بكل ما عرف من الشرع جوازه،
فیطیعهما في فعل جميع ما يأمرانه به، من واجب
أو مندوب، وفي ترك مالا ضرر عليه في تركه،
ولا يحاذيهما في المشي، فضلا عن التقدم عليهما،
إلا لضرورة نحو ظلام، وإذا دخل عليهما لا
يجلس إلا بإذنهما، وإذا قعد لا يقوم إلا بإذنهما،
ولا يستقبح منهما نحو البول عند كبرهما أو
مرضهما لما في ذلك من أذيتهما، قال تعالى :
﴿واعْبُدُوا الله ولا تُشْركوا به شيئا، وبالوالدين
إحْسَانا﴾.(١)
قال ابن عباس: يريد البر بهما مع اللطف
ولين الجانب، فلا يغلظ لهما في الجواب، ولا يحد
النظر إليهما، ولا يرفع صوته عليهما. (٢)
ومن البر بهما والإِحسان إليها: ألا يسيء
إليهما بسب أو شتم أو إيذاء بأي نوع من
أنواعه، فإِنه من الكبائر بلا خلاف. ففي
صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن
رسول اللّهَ بَ ◌ٌّ قال: ((إنَّ مِنَ الكبائرِ شتمُ
الرجل والديه، قالوا: يارسول الله: وهل يشتم
الرجلُ والديه؟ قال: نعمٍ يَسُبُّ الرجلُ أبا
الرجلِ فَيَسُبُّ أباه، ويسبُّ أَمَّه فيسبُّ أمَّه)) وفي
رواية أخرى: ((إن من أكبر الكبائر أن يلعن
(١) سورة الناء / ٣٦
(٢) الفواكه الدواني ٣٨٢/٢ -٣٨٣، الزواجر عن اقتراف
الكبائر ٦٦/٢
- ٦٩ -
بر الوالدين ٨ - ٩
الرجلُ والديه. قيل: يا رسول الله وکیف یلعن
الرجل والديه؟. قال: يسب أبا الرجل فيسب
الرجل أباه))(١)
٨ - ومن برهما صلة أهل ودهما، ففي الصحيح
عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله وله
يقول: ((إنَّ من أَبَرءِ البِرِّصلةَ الرجلِ أهلَ ودٌّ
أبيه بعد أنْ يُوَلِّي))(٢) فإِن غاب أومات يحفظ
أهل وده ويحسن إليهم، فإِنه من تمام الإِحسان
إليه .
وروى أبو أسيد وكان بدريا قال: كنت مع
النبي ◌َّ جالسا، فجاءه رجل من الأنصار
فقال: يارسول الله. هل بقي من بر والديّ بعد
موتهما شيء أبرّهما به؟ قال: ((نعم، الصلاةُ
عليهما، والاستغفارُ لهما، وإِنفاذ عَهْدِهما من
بعدِهما، وإِكرامُ صديقهما، وصلةُ الرحِمِ التي
لا رَحِمَ لك إلا من قِبَلِهما، فهذا الذي بَقِيَ
عليك)). (٣)
(١) الزواجر عن اقتراف الكبائر ٦٦/٢، والفواكه الدواني
٣٨٣/٢، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢٣٨/١٠
وحديث: ((إن من أكبر الكبائر أن يلعن .... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٤٠٣/١٠ - ط السلفية) ومسلم (١/ ٩٢ -
ط الحلبي).
(٢) حديث: ((إن من أبر البر صلة الرجل .... )) أخرجه
مسلم (٤ / ١٩٧٩ - ط الحلبي).
(٣) حديث: ((هل بقي من بر والدي ... )) رواه أبوداود
(٣٥٢/٥ - ط عزت عبيد دعاس) والحاكم (١٥٥/٤ -
ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
وكان * يهدى لصدائق خديجة بِرًا بها ووفاء
لها، وهي زوجته، فما ظنك بالوالدين.(١)
استئذانهما للسفر للتجارة أو لطلب العلم:
٩ - وضع فقهاء الحنفية لذلك قاعدة حاصلها :
أن كل سفر لا يؤمن فيه الهلاك، ويشتد فيه
الخطر، فليس للولد أن يخرج إليه بغير إذن
والدیه، لأنهما يشفقان على ولدهما، فيتضرران
بذلك. وكل سفر لا يشتد فيه الخطر يحل له أن
يخرج إليه بغير إذنهما، إذا لم يضيعهما، لانعدام
الضرر.
وبذا لا يلزمه إذنهما للسفر للتعلم، إذا لم
يتيسر له ذلك في بلده، وكان الطريق آمنا، ولم
يخف علیھما الضياع، لأنهما لا يتضرران بذلك،
بل ينتفعان به، فلا تلحقه سمة العقوق. أما إذا
كان السفر للتجارة، وكانا مستغنيين عن خدمة
ابنهما، ويؤمن عليهما الضياع، فإنه يخرج إليها
بغير إذنهما. أما إذا كانا محتاجين إليه وإلى
خدمته، فإنه لا يسافر بغير إذنهما . (٢)
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢٤١/١٠ (المسألة
العاشرة)، إحياء علوم الدين ٣١٦/٦، والفواكه الدواني
٣٨٣/٢
وحديث: ((كان يهدي لصدائق خديجة ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ١٣٣/٩ - ط السلفية).
(٢) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ٩٨/٧، وتبين الحقائق
شرح كنز الدقائق ٢٤٢/٣، وابن عابدين ٢٢٠/٣
- ٧٠ -
بر الوالدين ١٠ - ١٢
وفصل المالكية في السفر لطلب العلم، بأنه
إذا كان لتحصيل درجة من العلم لا تتوفر في
بلده، كالتفقه في الكتاب والسنة ومعرفة الإجماع
ومواضع الخلاف ومراتب القیاس، کان له ذلك
بغير إذنهما إن كان فيه أهلية النظر، ولا طاعة لهما
في منعه، لأن تحصیل درجة المجتهدین فرض
على الكفاية. قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكم أمةٌ
يَدْعُون إلى الخيرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمعروفِ وَيَنْهُوْن
عن المنْكَرِ﴾، (١) أما إن كان للتفقه على طريق
التقليد، وفي بلده ذلك، لم يجز له السفر إلا
بإذنهما .
وإذا أراد سفرا للتجارة يرجوبه ما يحصل له
في الإقامة فلا يخرج إلا بإِذنهما. (٢)
حكم طاعتهما في ترك النوافل أو قطعها :
١٠ - قال الشيخ أبوبكر الطرطوشي في كتاب بر
الوالدين: لا طاعة لهما في ترك سنة راتبة،
كحضور الجماعات، وترك ركعتي الفجر والوتر
ونحو ذلك، إذا سألاه ترك ذلك على الدوام،
بخلاف مالو دعواه لأول وقت الصلاة وجبت
طاعتهما، وإن فاتته فضيلة أول الوقت. (٣)
(١) سورة آل عمران / ١٠٤
(٢) الفروق للقرافي ١٤٥/١، ١٤٦، والدسوقي ١٧٢/٢ -
١٧٦، وجواهر الإكليل ٢٥٢/١
(٣) مطالب أولي النهى ٢/ ٥١٣، والمغني لابن قدامة
٣٥٩/٨، وكشاف القناع عن متن الإقناع ٣/ ٤٥،
والفروق للقرافي ١٤٣/١، ١٤٤، والشرح الصغير=
حكم طاعتهما في ترك فروض الكفاية :
١١ - سبق حديث صحيح مسلم فيمن أراد
الهجرة وَأَحَدُ والديه حي، وفيه دلالة على تقديم
صحبتهما على صحبة النبي ◌َّ﴾. وتقديم
خدمتهما - التي هي واجبة عليه وجوبا عينيا -
على فروض الكفاية، وذلك لأن طاعتهما وبرهما
فرض عین، والجهاد فرض كفاية، وفرض العين
أقوى . (١)
حکم طاعتهما في طلبهما تطليق زوجته :
١٢ - روي الترمذي عن ابن عمر قال:
كانت تحتي امرأةً أحبَّها، وكان أبي يكرهها،
فأمرني أن أطلقها، فأبيتُ، فذكرت ذلك للنبي
فقال: ((يا عبدَالله بن عمر طلَّقْ
امرأتك)». (٢)
وسأل رجل الإِمام أحمد فقال: إن أبي يأمرني
أن أطلق امرأتي. قال: لا تطلقها. قال: أليس
عمر رضي الله عنه أمر ابنه عبدالله أن يطلق
امرأته؟ قال: حتى يكون أبوك مثل عمر
= ٧٣٩/٤، والفواكه الدواني ٣٨٣/٢، والزواجر
٦٧/٢، ٧٣
(١) الفروق للقرافي ١٤٤/١ - ١٤٥، ١٥٠، والزواجر
٦٧/٢، ٧٣
(٢) حديث: ((ابن عمر: كانت تحتي امرأة .... )) أخرجه
الترمذي (٤٨٦/٣ - ط الحلبي) وقال: حسن صحيح.
وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢٣٩/١٠،
والزواجر ٧٥/٢
- ٧١ -
بر الوالدين ١٣ - ١٤
رضي الله عنه. يعني لا تطلقها بأمره حتی یصیر
مثل عمر في تحريه الحق والعدل، وعدم اتباع
هواه في مثل هذا الأمر.
واختار أبوبكر من الحنابلة أنه يجب، لأمر
النبي ◌َّ لابن عمر. وقال الشيخ تقي الدين بن
تيمية فيمن تأمره أمه بطلاق امرأته. قال: لا
يحل له أن يطلقها. بل عليه أن يبرها. وليس
تطلیق امرأته من برها. (١)
حكم طاعتهما فيما لو أمراه بمعصية أو بترك
واجب :
١٣ - قال تعالى: ﴿وَوَصَّينا الإِنسانَ بوالديه
حُسْنا، وإنْ جاهَدَاكِ لِتُشْرِكِ بِي مَا ليس لَكَ به
عِلْمٌ فلا تُطِعْهما﴾(٢) وقال: ﴿وإنْ جاهداك
على أنْ تُشْرِك بي ماليس لك به علم فلا تُطْعهما
وصاحِبْهما في الدنيا معروفا﴾(٣) ففيهما وجوب
برهما وطاعتهما والإِحسان إليهما، وحرمة عقوقهما
ومخالفتهما، إلا فيما يأمرانه به من شرك أو ارتكاب
معصية، فإِنه في هذه الحالة لا يطيعهما ولا يمتثل
لأوامرهما، لوجوب مخالفتهما وحرمة طاعتهما في
ذلك، يؤكد هذا قوله وله: ((لا طاعة لمخلوق في
(١) الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح المقدسي الحنبلي
٥٠٣/١، والزواجر ٧٢/٢
(٢) سورة العنكبوت / ٨
(٣) سورة لقمان / ١٥
معصية الخالق))(١) وللحديث المتقدم(٢) في
سعد بن أبي وقاص مع أمه فقد عصى أمرها،
حين طلبت إليه ترك دينه، وبقي على
مصاحبتها بالمعروف برا بها. وعصيانه لها فيما
أمرته به واجب، فلا تطاع في أمرها له بترك
الواجبات . (٣)
عقوق الوالدين وجزاؤه في الدنيا والآخرة:
١٤ - بالإِضافة إلى العقوق السلبي بترك برهما،
فإن هناك صورا مختلفة للعقوق بعضها فعلي
وبعضها قولي .
ومن العقوق مایبدیه الولد لأبویه من ملل
وضجر وغضب وانتفاخ أوداجه، واستطالته
عليهما بدالة البنوة وقلة الديانة خاصة في حال
كبرهما. وقد أُمِرَ أن يقابلهما بالحسنى واللين
والمودة، والقول الموصوف بالكرامة، السالم من
كل عيب، فقال تعالى: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عندك
الكِبَرَ أحدُهما أو كلاهما فلا تَقُلْ لهما أُفٍّ﴾(٤)
فنهي عن أن يقول لهما مايكون فيه أدنى تبرم .
وضابط عقوقهما - أو أحدهما - هو أن يؤذي
(١) حديث: ((لا طاعة لمخلوق .... )) سبق تخريجه ف/ ٥
(٢) ر : (ف/ ٣)
(٣) الشرح الصغير ٤/ ٧٣٩، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي
٢٣٨/١٠ (المسألة الرابعة)، و٨/١٣ من سورة
العنكبوت، و٦٣/١٤ - ٦٥، والفروق للقرافي ١٤٥/١
(٤) سورة الإسراء / ٢٣
- ٧٢ -
بر الوالدين ١٤ - ١٥
الولد أحد والدیه بما لو فعله مع غيرهما كان محرما
من جملة الصغائر، فينتقل بالنسبة إلى أحد
الوالدين إلى الكبائر. (١)
وقد روي عنه ﴿ أنه قال: ((يُراح ريحُ الجنةَ
من مسيرةٍ خمسمائةٍ عامٍ ، ولا يَجِدُ ريحَها مِنّنٌ
بعمله، ولاعاقّ، ولا مُدْمِنُ خمرٍ)»(٢) وما روي
عن عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه رضي الله
عنه قال: قال رسول الله وَ ل ـ ((ألا أنبئكم بأكبرِ
الكبائر؟ قلنا: بلی یارسول الله. قال: ثلاثا.
الإشراك بالله، وعقوقُ الوالدین، وكان مُتکِئا
فجلس، فقال: ألا وقول الزورِ وشهادة الزورِ.
ألا وقولَ الزورِ وشهادةَ الزورِ. فما زال يقولها
حتى قلت: لا يسكت)). (٣)
وقال له: «رضى الله في رضي الوالدين،
وسخطُ الله في سخطِ الوالدين)). (٤)
وقوله {َ﴾: ((كلُّ الذنوبِ يؤخرُ الله منها
ماشاءَ إلى يومِ القيامةِ إلا عقوق الوالدين،
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢٣٨/١٠، ٢٤١ - ٢٤٥
(٢) حديث: ((يراح ريح الجنة من مسيرة خمسمائة .... ))
أخرجه الطبراني في الصغير، وقال الهيثمي: فيه الربيع بن
بدر وهو متروك. مجمع الزوائد (١٤٨/٨ - ط القدسي).
(٣) حديث: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٤٠٥/١٠ - ط السلفية) ومسلم (١/ ٩١ - ط
الحلبي).
(٤) حديث: ((رضى الله في رضي الوالدين ... )) أخرجه
الترمذي (٣١١/٤ - ط الحلبي) وفي إسناده جهالة. ميزان
الاعتدال للذهبي (٧٨/٣ - ط الحلبي).
فإِنّ الله يعجِّلُه لصاحبِه في الحياةِ قبل
المماتِ».(١)
جزاء العقوق :
١٥ - جزاء عقوق الوالدين أخرويا سبق الكلام
عنه، وأما جزاؤه في الدنيا فهو من باب التعزير،
ويختلف قدره باختلاف حاله وحال فاعله.
فإن تعدى على أبويه، أو أحدهما، بالشتم
أو الضرب مثلا عزراه، أو عزره الإِمام - بطلبهما
- إن كانا مشتومين أو مضروبين معا، أو بطلب
من كان منهما معتدى عليه بذلك. فإن عفا
المشتوم أو المضروب كان ولي الأمر بعد عفوه
على خياره في فعل الأصلح من التعزير تقویما،
والصفح عنه عفوا، فإِن تعافوا عن الشتم
والضرب قبل الترافع إلى الإِمام سقط التعزير.
ويكون تعزيره بالحبس على حسب الذنب
والهفوة، أو بالضرب أو التأنيب بالكلام
العنيف، أو بغير ذلك مما به ينزجر ويرتدع. (٢)
(١) حديث: ((كل الذنوب يؤخر اللهُ منها ما شاء إلى ... ))
أخرجه الحاكم (٤/ ١٥٦ - ط دائرة المعارف العثمانية) وقال
الذهبي: بكار ضعيف.
(٢) ابن عابدين ١٧٧/٣ - ١٧٨، ١٨١ - ١٨٢، ١٨٦،
١٨٩، وکشاف القناع ٦/ ١٢١ - ١٢٢، ١٢٤ - ١٢٥،
والأحكام السلطانية للماوردي ٢٣٦ -٢٣٨، والشرح
الکبیر ٤/ ٣٥٤ - ٣٥٥
- ٧٣ -
برزة ١ - ٣
برزة
التعريف :
١ - البَرْزة هي: المرأة البارزة المحاسن، أو
المتجاهرة الكهلة الوقورة، التي تبرزللقوم
يجلسون إليها ويتحدثون، وهي عفيفة.
ويقال : امرأة برزة إذا کانت کهلة لا تحتجب
احتجاب الشواب، وهي مع هذا عفيفة عاقلة،
تجلس للناس وتحدثهم، من البروز
والخروج.(١)
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى
اللغوي .
الألفاظ ذات الصلة :
المخدَّرة :
٢ - المخدرة لغة: من لزمت الخدر، (٢) والخدر:
الستر.
وفي الاصطلاح : الملازمة للخدر، بكرا
(١) المصباح المنير، والقاموس المحيط، ولسان العرب. وترتيب
القاموس المحيط. مادة: ((برز))، وكشاف القناع عن متن
الإقناع ٦/ ٤٣٩ ط السرياض، وحاشية ابن عابدين
٣٩٣/٤ ط بيروت.
(٢) لسان العرب مادة ((خدر)).
كانت أوثيبا، ولا يراها غير المحارم من
الرجال، وإن خرجت لحاجة. (١)
وعلى هذا: فالمخدرة ضد البرزة.
الحكم الإجمالي :
٣ - يرى الحنفية والشافعية والحنابلة وجوب
حضور المرأة البرزة لأداء الشهادة، إذا تحملت
شهادة مما يجوز شهادتها به، وتوقفت الدعوى
على حضورها، ولا يقبل في هذه الحالة الشهادة
على شهادتها، إلا إذا وجد مانع من الحضور،
كمرض وسفر، فيرسل لها القاضي من يسمع
شهادتها، وتفصيله في أبحاث الشهادة. أما
المخدرة فلا يجب إحضارها إلى مجلس القضاء.
والمالكية لا يفرقون في أداء شهادة المرأة بين
البرزة وغيرها، والحكم عندهم أنها تنقل
الشهادة عنها، لما ينالها من الكشف والمشقة. (٢)
هذا في الشهادة، أما في التقاضي فقد صرح
الحنابلة أنه إن ادعي على المرأة البرزة أحضرها
القاضي، لعدم العذر، ولا يعتبر لإِحضارها في
(١) حاشية ابن عابدين ٣٤٦/٤، ٣٩٣ ط بيروت، وكشاف
القناع عن متن الإقناع ٦/ ٤٣٩ ط الرياض، وحاشية
الدسوقي على الشرح الكبير ٢٢٩/٤ ط الحلبي.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٤٦/٤، ٣٩٣ ط الحلبي، وكشاف
القناع على متن الإقناع ٦/ ٤٣٩ ط الرياض، وحواشي
الشرواني ٢٧٢/١٠، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج
٣٠٦/٨، وقليوبي وعميرة ٤/ ٣٢٩، ٣٣٠، ٣٣١ ط
الحلبي، وتبصرة الحكام ١/ ٣٥٤ ط الحلبي.
- ٧٤ -
برزة ٤، برسام ١ - ٢
سفرها هذا محرم، لتعين السفر عليها، ولأنه حق
آدمي وهو مبني على الشح والضيق، أما إن
کانت المدعى عليها مخدرة فإنها تؤمر بالتوكیل،
ولا يجب إحضارها، لما فيه من المشقة والضرر،
فإن توجهت عليها اليمين بعث القاضي أمينا -
معه شاهدان - یستحلفها بحضرتهما. (١)
مواطن البحث :
٤ - تكلم الفقهاء عن أداء المرأة البرزة
للشهادة، فيما يجوز لها أن تشهد به على النحو
المبين في مواطنه .
(١) كشاف القناع ٦/ ٣٢٩ ط عالم الكتب.
برسام
التعريف :
١ - البرسام لغة، واصطلاحا: علة عقلية ينشأ
عنها الهذيان، شبيهة بالجنون. (١)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - العَته :
٢ - العته لغة: نقص في العقل من غير جنون أو
وهن .
وهو في الاصطلاح: آفة توجب خللا في
العقل، فيصير صاحبه مختلط العقل، فيشبه
بعض كلامه كلام العقلاء، وبعضه كلام
المجانين، وتجري على المعتوه أحكام الصبي
المميز.
وأما المبرسم فإِنه تجري عليه في حال نوباته
أحكام الجنون . (٢)
(١) تاج العروس، والمصباح المنير في المادة، وحاشية ابن
عابدین ٢/ ٤٢٦
(٢) فتح القدير ٣٤٣/٣، وابن عابدين ٤٢٦/٢ - ٤٢٧،
وتعريفات الجرجاني.
- ٧٥ -
برسام ٣ - ٤، برص ١ - ٢
ب - الجنون :
٣ - الجنون کما عرفه الشرنبلالي: مرض یزیل
العقل ويزيد القوى. (١)
وهو في الجملة مما يسقط التكليف ويبطل
أهلية الأداء.
الحكم الإجمالي ومواطن البحث :
٤ - للمبرسم أحکام تتعلق به، فعقوده غیر
معتبرة في حال إصابته بالبرسام، وإقراره غیر
صحيح، وتصرفاته القولية غير معتبرة شرعا،
مثله في ذلك مثل المجنون .
أما تصرفاته الفعلية في وقت إصابته فإِنه لا
إثم عليه فيها، ولكن إذا ترتب على فعله إتلاف
مال أو نفس يجب الضمان في ماله، وعليه دیته،
أو قيمة التعويض من ماله.
وتفصيل ذلك تناوله الفقهاء عند الكلام
عن الإِتلاف ونحوه، والأصوليون في الأهلية
وعوارضها. (٢)
(١) مراقي الفلاح ص ٥٠، وانظر الصحاح، ولسان العرب
مادة: ((جنن)).
(٢) ابن عابدين ٤٢٦/٢ - ٤٢٧، وفتح القدير ٣٤٣/٣،
٧/ ٣٠١، والفتاوى الهندية ٤/ ١٧٠، والفتاوى البزازية
بهامش ذات الصفحة، وجواهر الإكليل ٢/ ١٣٤ - ١٣٥،
والشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣/ ٤٠٤،
والخرشي على مختصر سيدي خليل ٣٣/٤، والتاج
والإكليل للمواق ٤٣/٤ ط النجاح، وقليوبي وعميرة
٣٣١/٣، وشرح روض الطالب من أسنى المطالب
٢٩٩/٢، ٢٨٠/٣، والمقنع ٧٢٤/٣، والمغني لابن قدامة
١٤٩/٥ - ١٥٠، ١١٣/٧ - ١١٤ ط الرياض الحديثة.
برص
التعريف :
١ - البَرَص لغة: داء معروف، وهو بياض يقع
في ظاهر الجلد، یبقع الجلد ویذهب دمویته.
وبَرص برصا فهو أبرص، والأنثى برصاء. (١)
ولا يخرج الاستعمال الفقهي عن هذا
المعنى .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الجذام :
٢ - الجذام. مأخوذ من الجذم، وهو القطع،
سمي كذلك لأنه داء تجذم به الأعضاء أي
تتقطع .
والجذام علة محمر منها العضو، ثم يسود، ثم
ينتن ويتقطع ويتناثر، ويتصور في كل عضو غير
أنه يكون في الوجه أغلب. (٢)
(١) لسان العرب، والمغرب للمطرزي، مادة ((برص))،
وحاشية ابن عابدين ٢/ ٥٩٧ ط الحلبي، ونهاية المحتاج
٣٠٣/٦ ط المكتبة الإسلامية، وقليوبي وعميرة
٢٦١/٣ ط الحلبي.
(٢) لسان العرب مادة ((جذم))، ونهاية المحتاج ٣٠٣/٦ ط
المكتبة الإسلامية .
- ٧٦ -
برص ٣ - ٤
ب - البهق :
البهق لغة: بياض دون البرص يعتري
الجسد بخلاف لونه، وليس من البرص(١)
واصطلاحا: تغيير في لون الجلد، والشعر
النابت عليه أسود. بخلاف النابت على
البرص فإِنه أبيض. (٢)
أحکام يختص بها الأبرص
ثبوت الخيار في فسخ النكاح بسبب البرص:
٣ - أثبت المالكية والشافعية والحنابلة طلب فسخ
الزواج بوجود البرص المستحكم في الجملة:
فأجاز المالكية للزوجة فقط طلب فسخ العقد
ببرص مضر بعد العقد، سواء كان قبل الدخول
أو بعده، وذلك بعد التأجيل سنة إن رجي
برؤه.
وأجاز الشافعية والحنابلة للزوج أو اللزوجة
طلب الفسخ بالبرص قبل الدخول وبعده.
وهذا كله مع مراعاة شروط الخيار على الوجه
المبين في النكاح. (٣)
(١) لسان العرب مادة: ((بهق)).
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢/ ٢٧٧ ط الحلبي.
(٣) الشرح الصغير ٤٦٧/٢ - ٤٦٨، وجواهر الإكليل
٢٩٩/١ ط بيروت، وأسهل المدارك ٢/ ٩٤ - ٩٥ ط
الجلبي، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢/ ٢٧٨ -
٢٧٩ ط الحلبي، ونهاية المحتاج ٣٠٣/٦ - ٣٠٦ ط المكتبة
الإِسلامية، والمهذب ٤٩/٢ ط بيروت، وقليوبي وعميرة
٢٦١/٣ ط الحلبي، والمغني ٦/ ٦٥١ - ٦٥٤ ط الرياض،
وكشاف القناع ١٠٩/٥ - ١١٢ ط الرياض.
ومنع الحنفية - عدا محمد - تخيير أحد
الزوجین بعیب الآخر ولو فاحشا کبرص، وقال
محمد: يثبت الخيار بالبرص للزوجة فقط،
بخلاف الزوج لأنه يقدر على دفعه
بالطلاق. (١) ويرجع إليه في موطنه .
واستدل لثبوت الخيار بسبب البرص بما روي
عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب رضي
الله عنه قال: أيما رجل تزوج امرأة، فدخل بها
فوجد بها برصا، أو مجنونة أو مجذومة فلها الصداق
بمسيسه إياها، وهو له على من غّره منها. (٢)
وحدیث زید بن کعب بن عجرة قال: تزوج
رسول اللّه ◌َي امرأة من بني غفار فرأى بكشحها
بياضا، فقال لها النبي: ((خذي عليك ثيابك))
ولم يأخذ مما آتاها شيئا. (٣)
حكم شهود الأبرص المساجد :
٤ - ذهب المالكية إلى إباحة ترك صلاة الجمعة
(١) حاشية ابن عابدين ٢/ ٥٩٧ ط بيروت، والاختيار
١١٥/٣، وشرح فتح القدير ١٣٢/٤ ط بيروت.
(٢) حديث: ((أيما رجل تزوج امرأة فدخل بها فوجدها ... ))
أخرجه سعيد بن منصور (٢٠٣/١ - ط علمي برس-
الهند). وفي إسناده انقطاع بين سعيد بن المسيب وبين
عمر بن الخطاب. (جامع التحصيل ص ٢٢٤ - ط وزارة
الأوقاف العراقية).
(٣) حديث: ((زيد بن كعب بن عجرة ... )) أخرجه أحمد
(٤٩٣/٣ - ط اليمنية) وأورده الهيثمي في المجمع
(٤ /٣٠٠ - ط القدسي) وقال: رواه. أحمد، وجميل
ضعيف.
- ٧٧ -
برص ٥ - ٦، بَرَکة، پِرْکة
والجماعة للأبرص، إذا كان برصه شديدا، إذا لم
یوجد للبرْص موضع یتمیزون فیه، بحيث لا
يلحق ضررهم بالناس على الوجه المبين في
موطنه .(١)
وعند الحنابلة يكره حضور المسجد لصلاة
الجمعة والجماعة لمن به برص یُتأذى به .
ورخص الشافعية في ترك الجماعة لمريض
ببرص للتأذي. (٢)
مصافحته وملامسته :
انظر: تشهد، تحية .
بِرْكة
انظر: مياه .
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/ ٣٨٩ ط الحلبي،
ومنح الجليل على مختصر خليل ٢٧٢/١ ط مكتبة النجاح
بلیبیا.
(٢) نهاية المحتاج ٢/ ١٥٥ ط المكتبة الإسلامية ببيروت،
والجمل على شرح المنهج ١/ ٥١٩ ط دار إحياء التراث
الإسلامي ببيروت، وكشاف القناع ٤٩٨/١ ط مكتبة
النصر الحديثة .
(٣) قليوبي وعميرة ٢١٣/٣، وفتح الباري ١٣٠/١٠ - ١٣١
وعند الحنفية تکره إمامة أبرص شاع برصه،
وكذا الصلاة خلفه للنفرة، والاقتداء بغيره
أولی .(١)
بَرَكة
٥ - يكره عند الشافعية مصافحة أو ملامسة ذي
عاهة كالبرص، لأن في ذلك إيذاء ، ويخشى أن
ينتقل ذلك إلى السليم. (٣)
حكم إمامة الأبرص :
٦ - أجاز المالكية الاقتداء بإمام به برص، إلا إن
كان شديدا، فيؤمر بالبعد عن الناس بالكلية
وجوبا، فإن امتنع أجبر على ذلك.
(١) حاشية ابن عابدين ٣٧٨/١ ط بيروت، وجواهر الإكليل
١/ ٨٠ ط بيروت.
- ٧٨ -
برنامج ١ - ٤
برنامج
التعريف :
١ - البرنامج : الورقة الجامعة للحساب، وهو
معرب برنامه، وقال في المغرب: هي النسخة
المكتوب فيها عدد الثياب والأمتعة وأنواعها
المبعوث بها من إنسان لآخر، فتلك النسخة هي
البرنامج التي فيها مقدار المبعوث، ومنه قول
السمسار: إن وزن الحمولة في البرنامج كذا . (١)
ونص فقهاء المالكية على أن البرنامج: هو
الدفتر المكتوب فيه صفة مافي الوعاء من الثياب
المبيعة . (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
أ- الرقم :
٢ - الرقم لغة: من رقمت الشيء: أعلمته
بعلامة تميزه عن غيره كالكتابة ونحوها . (٣)
وفي الاصطلاح: علامة يعرف بها مقدار
(١) تاج العروس، ٣٢/٤، وفيه أنها بفتح الباء والميم، وقيل
بكسر الميم، وقيل بكسرهما، والمغرب مادة: ((برنامج))،
وابن عابدين ٣٢/٤
(٢) الشرح الصغير ٤١/٣
(٣) المصباح المنير مادة: ((رقم)).
مايقع به البيع، كما عرفه بذلك الحنفية. (١)
وعرفه الحنابلة بأنه : الثمن المكتوب على
الثوب . (٢)
ب - الأنموذج :
٣ - ويقال فيه أيضا: نموذج، وهو معرب، وقال
الصغاني: النموذج: مثال الشيء الذي يعمل
عليه . (٣)
ومن معانيه لغة: أنه مايدل على صفة
الشيء. كأن يريه صاعا من صبرة قمح،
ويبيعه الصبرة على أنها من جنس ذلك
الصاع.
وتفصيل أحكامه في مصطلح: (أنموذج).
الحكم الإجمالي :
٤ - أجاز المالكية البيع على رؤية البرنامج،
فيجوز شراء ثياب مربوطة في العدل، معتمدا
فيه على الأوصاف المذكورة في الدفتر. فإِن
وجدت على الصفة لزم، وإلا خُيّ المشتري إن
کانت أدنی صفة. فإِن وجدها أقل عددا وضع
عنه من الثمن بقدره. فإِن كثر النقص أكثر من
(١) حاشية ابن عابدين ٢٩/٤
(٢) المغني لابن قدامة ٢٠٧/٤ ط الرياض الحديثة، ومطالب
أولي النهى ٣/ ٤٠
(٣) المصباح المنير ٢/ ٢٩٧، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٦٦،
وقليوبي وعميرة ٢ / ١٦٥، وكشاف القناع عن متن الإقناع
١٦٣/٣
- ٧٩ -
برنامج ٤، بريد ١
النصف لم يلزمه، وكان له أن يرد البيع. وإن
وجدها أكثر عددا كان البائع شريكا معه بنسبة
الزائد. وقيل: يرد مازاد. قال ابن القاسم:
والأول أحب إلي.
ولو قبضه المشتري وغاب عليه، وادعى أنه
أدنى أو أنقص مما هو مكتوب في البرنامج.
فالقول للبائع بيمينه: أن مافي العدل موافق
للمكتوب. حيث أنکر ماادعاه المشتري. فإن
نكل ولم يحلف حلف المشتري، ورد المبيع،
وحلف: أنه مابدل فيه، وأن هذا هو المبتاع
بعینه. فإن نکل کالبائع لزمه.(١)
(١) الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ٣/ ٤١ - ٤٢،
والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٢٤/٣ - ٢٥،
وجواهر الإكليل ٢/ ٩
برید
التعريف :
١ - من معاني البريد في اللغة: الرسول، ومنه
قول بعض العرب: الحمّى بريد الموت. وأبرد
بريدا: أرسله، وفي الحديث أنه وَّ﴾ قال: ((إذا
أَبْردتم إليَّ بريدا فاجْعلوه حَسَنَ الوجهِ، حسن
الاسمِ))(١) وإبراده: إرساله.
وقال الزمخشري: البريد: كلمة فارسية
معربة، كانت تطلق على بغال البريد، ثم
سمي الرسول الذي یرکبها بريدا، وسميت
المسافة التي بين السكتين بريدا، والسكة:
موضع كان يسكنه الأشخاص المعينون لهذا
الغرض من بيت أو قبة أو رباط. وکان یرتب في
كل سكة بغال، وبُعْدُ مابين السکتین فرسخان
أو أربعة. أ. هـ. والفرسخ ثلاثة أميال، والميل
(١) حدیث ((إذا أبردتم إلي بریدا، فابعثوه حسن الوجه حسن
الاسم)). أخرجه البزار في الزوائد (٤١٢/٢ ط مؤسسة
الرسالة) عن بريدة، وأخرجه البغوي في شرح السنة
(٣٢٧/١٢) ط دار المكتب الإسلامي. عنه وعن
أبي هريرة. قال السخاوي في المقاصد الحسنة (ص ٨٢) ط
دار الكتب العلمية: وأحدها يقوي الآخر. أي طريق
بريدة وطريق أبي هريرة.
- ٨٠ -