النص المفهرس
صفحات 21-40
بدعة ١ - ٢
بدعة
التعريف :
١ - البدعة لغة: من بدع الشيء يبدعه بدعا،
وابتدعه: إذا أنشأه وبدأه.
والبدع : الشيء الذي يكون أولا ، ومنه قوله
تعالى: ﴿قُلْ: ماكنتُ بِدْعا من الرُّسُلِ﴾(١) أي
لست بأول رسول بعث إلى الناس، بل قد
جاءت الرسل من قبل، فما أنا بالأمر الذي لا
نظير له حتى تستنكروني.
والبدعة : الحدث، وما ابتدع في الدین بعد
الإِکمال.
وفي لسان العرب: المبتدع الذي يأتي أمرا
على شبه لم یکن، بل ابتدأه هو.
وأبدع وابتدع وتبدع: أتى ببدعة، (٢) ومنه
قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيّةً ابْتَدَعوها ماكَتَبْنَاها
عليهم إلا ابْتِغَاءَ رِضْوانِ الله﴾(٣) وبدّعه: نسبه
إلى البدعة، والبديع: المحدث العجيب،
وأبدعت الشيء: اخترعته لاعلى مثال،
(١) سورة الأحقاف / ٩
(٢) لسان العرب والصحاح مادة: ((بدع)).
(٣) سورة الحديد / ٢٧
والبديع من أسماء الله تعالى، ومعناه: المبدع،
لإبداعه الأشياء وإحداثه إياها.
أما في الاصطلاح، فقد تعددت تعريفات
البدعة وتنوعت، لاختلاف أنظار العلماء في
مفهومها ومدلولها .
فمنهم من وسع مدلولها، حتى أطلقها على
كل مستحدث من الأشياء، ومنهم من ضيق
ماتدل عليه، فتقلص بذلك مايندرج تحتها من
الأحكام .
وسنوجز هذا في اتجاهين.
الاتجاه الأول :
٢ - أطلق أصحاب الاتجاه الأول البدعة على
كل حادث لم يوجد في الكتاب والسنة، سواء
أكان في العبادات أم العادات، وسواء أكان
مذموما أم غير مذموم .
ومن القائلين بهذا الإِمام الشافعي، ومن
أتباعه العزبن عبدالسلام، والنووي،
وأبوشامة. ومن المالكية: القرافي، والزرقاني.
ومن الحنفية: ابن عابدين. ومن الحنابلة: ابن
الجوزي. ومن الظاهرية : ابن حزم.
ويتمثل هذا الاتجاه في تعريف العزبن
عبدالسلام للبدعة وهو:
أنها فعلُ مالم يُعْهد في عهد رسول الله وَه .
وهي منقسمة إلى بدعة واجبة، وبدعة محرمة،
وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة
- ٢١ -
بدعة ٢
مباحة، (١) وضربوا لذلك أمثلة :
فالبدعة الواجبة: كالاشتغال بعلم النحو
الذي يفهم به كلام الله ورسوله، وذلك واجب،
لأنه لابد منه لحفظ الشريعة، وما لا يتم
الواجب إلا به فهو واجب.
والبدعة المحرمة من أمثلتها: مذهب
القدرية، والجبرية، والمرجئة، والخوارج.
والبدعة المندوبة: مثل إحداث المدارس،
وبناء القناطر، ومنها صلاة التراويح جماعة في
المسجد بإمام واحد.
والبدعة المكروهة : مثل زخرفة المساجد،
وتزويق المصاحف.
والبدعة المباحة : مثل المصافحة عقب
الصلوات، ومنها التوسع في اللذيذ من المآكل
والمشارب والملابس. (٢)
واستدلوا لرأيهم في تقسيم البدعة إلى
الأحكام الخمسة بأدلة منها :
(أ) قول عمر رضي الله عنه في صلاة
التراويح جماعة في المسجد في رمضان («نِعْمتِ
(١) قواعد الأحكام العزبن عبد السلام ٢/ ١٧٢ ط
الاستقامة، والحاوي للسيوطي ١/ ٥٣٩ ط محيي الدين،
وتهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢٢ القسم الثاني ط
المنيرية، وتلبيس إبليس لابن الجوزي ص ١٦ ط المنيرية،
وابن عابدين ٣٧٦/١ ط بولاق، والباعث على إنكار
البدع والحوادث لأبي شامة ١٣ - ١٥ ط المطبعة العربية.
(٢) قواعد الأحكام ١٧٢/٢، والفروق ٢١٩/٤
البدعةُ هذه)). (١) فقد روي عن عبدالرحمن بن
عبد القارىّ أنه قال: ((خرجت مع عمر بن
الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى
المسجد، فإِذا الناس أوزاعٌ متفرقون، يصلي
الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته
الرهْطُ. فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء
على قارىء واحد لكان أمثل، ثم عزم،
فجمعهم على أبيّ بن كعب، ثم خرجت معه
لیلة أخری، والناس يصلون بصلاة قارئھم،
قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها
أفضل من التي يقومون. يريد آخر الليل. وكان
الناس يقومون أوله)).
(ب) تسمية ابن عمر صلاة الضحى جماعة
في المسجد بدعة، وهي من الأمور الحسنة.
روي عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن
الزبير المسجد، فإِذا عبدالله بن عمر جالس إلى
حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في المسجد
صلاة الضحى، فسألناه عن صلاتهم - فقال:
((بدعة)). (٢)
(جـ) الأحاديث التي تفيد انقسام البدعة
إلى الحسنة والسيئة، ومنها ماروي مرفوعا: ((من
سَنَّ سُنَّةً حَسَنةً، فله أجرُها وأجر من عمل بها
(١) حديث عمر في التراويح أخرجه البخاري (الفتح ٤/ ٢٥٠
- ط السلفية).
(٢) قول ابن عمر في صلاة الضحى. أخرجه البخاري (الفتح
٥٩٩/٣ -٢٠
- ٢٢ -
بدعة ٣
إلى يوم القيامة، ومن سنَّ سُنةً سيئةً، فعليه
وِزْرُها ووِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يوم القيامة))(١)
الاتجاه الثاني :
٣ - اتجه فريق من العلماء إلى ذم البدعة،
وقرروا أن البدعة كلها ضلالة، سواء في
العادات أو العبادات. ومن القائلين بهذا الإِمام
مالك والشاطبي والطرطوشي . ومن الحنفية:
الإِمام الشمنى، والعيني. ومن الشافعية:
البيهقي، وابن حجر العسقلاني، وابن حجر
الهيثمي. ومن الحنابلة: ابن رجب،
وابن تيمية . (٢)
وأوضح تعريف يمثل هذا الاتجاه هو تعريف
الشاطبي ، حيث عرف البدعة بتعريفين:
الأول أنها: طريقة في الدين مخترعة،
تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة
في التعبد لله سبحانه. وهذا التعريف لم يدخل
العادات في البدعة، بل خصها بالعبادات،
(١) حديث: ((من سن سنة حسنة ... )) أخرجه مسلم
(٧٠٥/٢ ط الحلبي).
(٢) الاعتصام للشاطبي ١/ ١٨، ١٩ ط التجارية، والاعتقاد
على مذاهب السلف للبيهقي ص ١١٤ ط دار العهد
الجديد، والحوادث والبدع للإِمام الطرطوشي ص ٨ ط
تونس، واقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ص ٢٢٨ ،
٢٧٨ ط المحمدية، وجامع بيان العلوم والحكم ص
١٦٠ ط الهند، وجواهر الإكليل ١١٢/١ ط شقرون،
وعمدة القاري ٣٧/٢٥ ط المنيرية، وفتح الباري ١٥٦/٥
ط الحلبي.
بخلاف الاختراع في أمور الدنيا.
الثاني أنها: طريقة في الدين مخترعة تضاهي
الشريعة يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة
الشرعية. (١) وبهذا التعريف تدخل العادات في
البدع إذا ضاهت الطريقة الشرعية، كالناذر
للصيام قائما لا يقعد متعرضا للشمس لا
يستظل، والاقتصار في المأكل والملبس على
صنف دون صنف من غير علة. (٢)
واستدل القائلون بذم البدعة مطلقا بأدلة
منها :
(أ) أخبر الله أن الشريعة قد كملت قبل وفاة
الرسول صل﴾. فقال سبحانه: ﴿اليومَ أَكْمِلتُ
لكم دينكم وأتممتُ عليكم نِعْمتي ورضيتُ لكم
الإِسلامَ دِينا﴾(٣) فلا يتصور أن يجيء إنسان
ويخترع فيها شيئا، لأن الزيادة عليها تعتبر
استدراكا على الله سبحانه وتعالى. وتوحي بأن
الشريعة ناقصة، وهذا يخالف ماجاء في
كتاب الله.
(ب) وردت آيات قرآنية تذم المبتدعة في
الجملة، من ذلك قوله تعالى: ﴿وأنَّ هذا
(١) الاعتصام للشاطبي ١/ ١٩ ط التجارية.
(٢) التعريف الأول للشاطبي خص البدعة بالاختراع في
الدين، بخلاف الاختراع في الدنيا فلا يسمى بدعة، وبهذا
القيد تنفصل العلوم الخادمة للدين عن البدعة، مثل علم
النحو والصرف .
(٣) سورة المائدة/ ٣
- ٢٣ -
بدعة ٣ - ٦
صراطي مستقيما فأَتَّبِعوه، ولا تَتَّبِعُوا السُبُلَ
فَتَفَرَّقَ بكم عن سبيلِهِ﴾(١)
(جـ) كل ماورد من أحاديث عن رسول الله
* في البدعة جاء بذمها، من ذلك حديث
العرباض بن سارية: ((وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِوَه
موعظةً بليغة، ذَرَفتْ منها العيونُ، وَوَجلَتْ منها
القلوبُ. فقال قائل: يارسولَ الله كأنها موعظةُ
مودِّعٍ فما تَعْهَد إلينا. فقال: أوصيكم
بتقوى الله والسمع والطاعة لولاة الأمرِ، وإن
کان عبدا حبشیا، فإنه من يعش منكم بعدي
فسیری اختلافا کثیرا، فعليكم بسنتي وسنة
الخلفاء الراشدين المهديين، تمسّكوا بها، وعضّوا
عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحْدَثاتِ الأمورِ. فإِنَّ
كل مُخْدَثَةٍ بِدعةٌ، وكل بدعة ضلالة))(٢)
(د) أقوال الصحابة في ذلك، من هذا
ماروي عن مجاهد قال: دخلت مع عبدالله بن
عمر مسجدا، وقد أُذن فیه، ونحن نريد أن
نصلي فیه، فثوب المؤذن، فخرج عبدالله بن
عمر من المسجد، وقال: ((اخرج بنا من عند
هذا المبتدع)) ولم يصل فيه. (٣)
(١) سورة الأنعام/ ١٥٣
(٢) حديث العرباض أخرجه ابن ماجة (١٦/١ - ط الحلبي)
وأبوداود (١٦/٥ - ط عزت عبيد دعاس) والحاكم (١ / ٩٦
- ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه وافقه الذهبي.
(٣) أثر عبدالله بن عمر أخرجه الطبراني (مجمع الزوائد
٢٠٢/٢)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - المحْدَثات :
٤ - الحديث نقيض القديم، والحدوث: كون
شيء بعد أن لم يكن.
ومحدثات الأمور: ما ابتدعه أهل الأهواء من
الأشياء التي كان السلف الصالح على غيرها.
وفي الحديث: ((إياكم ومحدثات الأمور))(١)
والمحدثات جمع محدثة بالفتح، وهي: مالم یکن
معروفا في كتاب ولا سنة ولا إجماع. (٢) وعلى
هذا المعنى تلتقي المحدثات مع البدعة على
المعنى الثاني.
ب - الفِطْرة :
٥ - الفطرة : الابتداء والاختراع. وفطر الله
الخلق: خلقهم وبدأهم، ويقال: أنا فطرت
الشيء أي: أول من ابتدأه. (٣) وعلى هذا
الوجه يلتقي مع البدعة في بعض معانيها
اللغوية .
جـ - السُّنة :
٦ - السنة في اللغة : الطريقة، حسنةً كانت أو
سيئة. (٤) قال عليه الصلاة والسلام: ((من سَنَّ
(١) حديث: ((إياكم ومحدثات الأمور ... )) سبق مطولا
وتخريجه ورد في ف / ٣
(٢) لسان العرب والصحاح للجوهري مادة: ((حدث)).
(٣) لسان العرب والصحاح مادة: ((فطر)).
(٤) لسان العرب والصحاح والمصباح والمغرب مادة: ((سنن))
- ٢٤ -
بدعة ٧ - ٨
سُنّةً حسنةً فله أجرُها وأجرُ من عَمِل بها إلى يوم
القيامة، ومن سَنَّ سنة سيئة فعليه وَزْرها وَوِزْرُ
مَن عَمِل بها إلى يوم القيامة)). (١)
وفي الاصطلاح: هي الطريقة المسلوكة
الجارية في الدين المأثورة عن رسول الله ود ليل أو
صحبه. لقوله وَل: ((عليكم بسنتي وسنة
الخلفاء الراشدين من بعدي)) وهي بهذا المعنى
مقابلة للبدعة ومضادة لها تماما .
وللسنة إطلاقات أخرى شرعية اشتهرت
بها، منها :
أنها تطلق على الشريعة كلها، كقولهم:
الأَوْلى بالإِمامة الأعلمُ بالسنة. ومنها: ماهو
أحد الأدلة الأربعة الشرعية، وهوماصدر عن
رسول الله - غير القرآن - من قول أو فعل أو
تقریر. ومنها: ما يعم النفل، وهو مافعله خیر
من ترکه من غیر افتراض ولا وجوب . (٢)
د - المعصية :
٧ - العصيان: خلاف الطاعة يقال: عصى
العبد ربه إذا خالف أمره، وعصی فلان أمیره :
إذا خالف أمره.
وشرعا: عصيان أمر الشارع قصدا، وهي
ليست بمنزلة واحدة .
(١) حديث: ((من سن سنة حسنة ... )) سبق تخريجه (ف/ ٢)
(٢) التهانوي ٧٠٣/٣، ودستور العلماء ١٨٢/٢ ط الأعلى
للطباعة .
فهي إما كبائر وهي : مایترتب عليها حد، أو
وعيد بالنار أو اللعنة أو الغضب، أوما اتفقت
الشرائع على تحريمه، على اختلاف بين العلماء
في تحديدها .
وإما صغائروهي : ما لم يترتب عليها شيء
مما ذكر إذا اجتنب الإصرار عليها، لقوله تعالى :
﴿إِنْ تَحْتَنِبُوا كَبَائِرَ ماتُنْهُوْنَ عنه نُكَفِّرْ عنكم
سيآتِكم﴾(١) وعلى هذا تكون البدعة أعم من
المعصية، حيث تشمل المعصية، كالبدعة
المحرمة والمكروهة كراهة تحريم، وغيرَ المعصية
كالواجبة والمستحبة والمباحة. (٢)
هـ - المصلحة المرسلة :
٨ - المصلحة لغة كالمنفعة وزنا ومعنى، فهي
مصدر بمعنى الصلاح، أوهي اسم للواحد من
المصالح.
والمصلحة المرسلة اصطلاحا هي: المحافظة
على مقصود الشرع المنحصر في الضروريات
الخمس، كما قال الإِمام الغزالي رحمه الله، أو
هي اعتبار المناسب الذي لا يشهد له أصل معين
عند الشاطبي، أوهي أن يرى المجتهد أن هذا
الفعل فيه منفعة راجحة وليس في الشرع ماينفيه
عند ابن تيمية. أوهي أن يناط الأمر باعتبار
(١) سورة النساء / ٣١
(٢) المغني لابن قدامة ٩/ ١٦٧، وحاشية ابن عابدين
٤/ ٣٧٧، ومغني المحتاج ٤/ ٤٢٧
- ٢٥ -
بدعة ٩ - ١٠
مناسب لم يدل الشرع على اعتباره ولا إلغائه إلا
أنه ملائم لتصرفات الشرع، (١) إلى غير ذلك
من التعريفات الأخرى التي يرجع لتفاصيلها
إلى مصطلح (مصلحة مرسلة).
حكم البدعة التكليفي :
٩ - ذهب الإِمام الشافعي والعزبن عبد السلام
وأبوشامة، والنووي من الشافعية، والإِمام
القرافي والزرقاني من المالكية، وابن الجوزي من
الحنابلة، وابن عابدين من الحنفية إلى تقسيم
البدعة تبعا للأحكام الخمسة إلى : واجبة أو
محرمة أو مندوبة أو مكروهة أو مباحة. (٢)
وضربوا لكل من هذه الأقسام أمثلة :
فمن أمثلة البدعة الواجبة: الاشتغال بعلم
النحو، الذي يفهم به كلام الله وكلام رسوله
وَالر، لأن حفظ الشريعة واجب، ولا يتأتى
حفظها إلا بمعرفة ذلك، ومالا يتم الواجب إلا
به فهو واجب. وتدوين الكلام في الجرح
(١) المستصفى ٢٨٦/١ والاعتصام ٩٥/٢، ومجموع فتاوى
ابن تیمیة ٣٤٢/١١، وإرشاد الفحول ص ٢٤٢
(٢) قواعد الأحكام للعز بن عبدالسلام ٢/ ١٧٢ ط دار الكتب
العلمية بيروت، ودليل الفالحين ٤١٦/١، والحناوي
للسيوطي ٥٣٩/١ ط محيي الدين، وتهذيب الأسماء
واللغات للنووي ٢٢/١ القسم الثاني ط المنيرية، وتلبيس
إبليس لابن الجوزي ص ١٦ ط المنيرية، وحاشية ابن
عابدين ٣٧٦/١ ط بولاق، والباعث على إنكار البدع
والحوادث لأبي شامة ص ١٣ - ١٥ ط المطبعة العربية،
والمنثور في القواعد ٢١٨/١
والتعديل لتمييز الصحيح من السقيم، لأن
قواعد الشريعة دلت على أن حفظ الشريعة
فرض كفاية فيما زاد على القدر المتعين،
ولا یتأتی حفظها إلا بما ذكرناه.
ومن أمثلة البدعة المحرمة : مذهب القدرية
والخوارج والمجسمة .
ومن أمثلة البدعة المندوبة: إحداث المدارس
وبناء القناطر وصلاة التراويح في المسجد
جماعة .
ومن أمثلة المكروهة: زخرفة المساجد وتزويق
المصاحف .
وأما أمثلة البدعة المباحة فمنها: المصافحة
عقيب صلاة الصبح والعصر، ومنها التوسع في
اللذيذ من المآكل والمشارب والملابس.(١)
هذا وقد قسم العلماء البدعة المحرمة إلى
بدعة مكفرة وغير مكفرة، وصغيرة وكبيرة على
ما سيأتي .
البدعة في العقيدة :
١٠ - اتفق العلماء على أن البدعة في العقيدة
محرمة، وقد تتدرج إلى أن تصل إلى الكفر.
فأما التي تصل إلى الكفر فهي أن تخالف
معلوما من الدين بالضرورة، كبدعة الجاهليين
التي نبه عليها القرآن الكريم في قوله تعالى :
(١) قواعد الأحكام ٢/ ١٧٢، والفروق ٢١٩/٤، والمنثور في
القواعد ٢١٩/١
- ٢٦ -
بدعة ١١ - ١٢
﴿مَاجَعَلَ اللّهُ من بَحِيرَةٍ ولا سَائِبَةٍ ولا وَصِيلَةٍ
ولا حَامٍ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وقالوا ما في بطونٍ
هذه الأنعامِ خالصةٌ لِذُكورنا ومُحرَّمُ على أزواجنا
وإنْ يكن مَيْتَةً فهم فيه شركاءُ﴾(٢) وحددوا
كذلك ضابطا للبدعة المكفرة، وهي : أن يتفق
الكل على أن هذه البدعة كفر صراح لا شبهة
فیه . (٣)
البدعة في العبادات :
اتفق العلماء على أن البدعة في العبادات
منها مايكون حراما ومعصية، ومنها مايكون
مکروها .
أ - البدعة المحرمة :
١١ - ومن أمثلتها : بدعة التبتل والصيام قائما في
الشمس، والخصاء لقطع الشهوة في الجماع
والتفرغ للعبادة. لما جاء عن رسول الله به في
حديث الرهط الذين فعلوا ذلك: ((جاء ثلاثةٌ
رَهْطٍ إلى بيوتِ أزواج رسولِ الله ◌ِله، يسألون
عن عبادته، فلما أُخبِرُوا كَأنهم تَقَالَوها، فقالوا:
وأينَ نحنُ مِن النبي ◌ِ ﴿ قد غفر الله له ماتَقَدّمَ
من ذنبه وماتَأُخّرَ. قال أحدُهم: أما أنا فإِنِي
أصلي الليلَ أبدا، وقال الآخر: أنا أصومُ الدهرَ
ولا أفطرُ، وقال الآخر: أنا أعتزلُ النساءَ فلا
(١) سورة المائدة / ١٠٣
(٢) سورة الأنعام / ١٣٩
(٣) قواعد الأحكام ٢/ ١٧٢، والاعتصام ٣٢،٣١/٢
أتزوجُ أبدا، فجاء رسول الله وسلم فقال: أنتم
الذين قلتم كذا وكذا، أَمَا والله إني لَأَخَشَاكم ◌ِله
وأَتقاكُم له. لكني أصومُ وأفطرُ، وأصلي وأرقدُ،
وأتزوجُ النساء، فَمَنْ رغِبَ عن سنتي فليس
مني)).(١)
ب - البدعة المكروهة :
١٢ - قد تكون البدعة في العبادات من
المكروهات، مثل الاجتماع عشية عرفة للدعاء
لغير الحجاج فيها، (٢) وذكر السلاطين في خطبة
الجمعة للتعظيم، أما للدعاء فسائغ، وكزخرفة
المساجد. (٣)
جاء عن محمد بن أبي القاسم عن أبي
البحتري قال: ((أخبر رجل عبد الله بن مسعود
أن قوما يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم
رجل يقول: كبروا الله كذا وكذا، وسبحوا الله
كذا وكذا، واحمدوا الله كذا وكذا، قال عبد الله :
فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبر في
بمجلسهم، فأتاهم فجلس، فلما سمع
مايقولون قام فأتى ابن مسعود فجاء - وكان
رجلا حديدا - فقال أنا عبدالله بن مسعود،
(١) حديث: ((جاء ثلاثة رهط ... )) أخرجه البخاري (الفتح
١٠٤/٩ - ط السلفية) ومسلم (١٠٢٠/٢ - ط الحلبي).
(٢) البدع والنهي عنها للوضاح القرطبي ص ٤٦، ٤٧ ط
الاعتدال دمشق ١٣٤٩ هـ
(٣) قواعد الأحكام ١٧٢/٢، والاعتصام ٣٢،٣١/٢،
وإنکار البدع والحوادث ص ٢٣، ٢٥
- ٢٧ -
بدعة ١٣ - ١٦
والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلما،
ولقد فضلتم أصحاب محمد بشير علما. فقال
عمروبن عتبة: أستغفر الله . فقال:عليكم
بالطريق فالزموه، ولئن أخذتم يمينا وشمالا
لتضلن ضلالا بعيدا)).(١)
البدعة في العادات :
١٣ - البدعة في العادات منها المكروه،
کالإسراف في المآكل والمشارب ونحوها . ومنها
المباح، مثل التوسع في اللذيذ من المآكل
والمشارب والملابس والمساكن، ولبس الطيالسة،
وتوسیع الأكمام، من غیر سرف ولا اختيال.
وذهب قوم إلى أن الابتداع في العادات التي
ليس لها تعلق بالعبادات جائز. لأنه لو جازت
المؤاخذة في الابتداع في العادات لوجب أن تعد
کل العادات التي حدثت بعد الصدر الأول - من
المآكل والمشارب والملابس والمسائل النازلة - بدعا
مكروهات، والتالي باطل، لأنه لم يقل أحد بأن
تلك العادات التي برزت بعد الصدر الأول
مخالفة لهم، ولأن العادات من الأشياء التي تدور
مع الزمان والمكان. (٢)
دواعي البدعة وأسبابها :
١٤ - دواعي البدعة وأسبابها وبواعثها كثيرة
(١) تلبيس إبليس ١٦ - ١٧ ط النهضة، والآداب الشرعية
١١٠/٢ ط الرياض، وإنكار البدع والحوادث لأبي شامة
ص ٢٣
(٢) قواعد الأحكام ٢/ ١٧٢، ١٧٣، والاعتصام للشاطبي
٣٢،٣١/٢
ومتعددة، يصعب حصرها، لأنها تتجدد وتتنوع
حسب الأحوال والأزمان والأمكنة والأشخاص،
وأحكام الدين وفروعه كثيرة، والانحراف عنها
واتباع سبل الشيطان في كل حكم متعدد
الوجوه. وکل خروج إلى وسيلة من وسائل
الباطل لابد له من باعث. ومع ذلك فمن
الممكن إرجاع الدواعي والأسباب إلى ما يأتي :
أ - الجهل بوسائل المقاصد :
١٥ - أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن عربيا
لا عجمة فيه، بمعنى أنه جار في ألفاظه ومعانيه
وأساليبه على لسان العرب، وقد أخبر الله
تعالى بذلك فقال: ﴿إِنا أُنْزَلناه قُرآنًا
عَرَبياً﴾ . (١)
وقال: ﴿قُرآنًا عربيا غيرَ ذِي عِوَج﴾(٢)
ومن هذا يعلم أن الشريعة لا تفهم إلا إذا
فهم اللسان العربي، لقوله تعالى : ﴿وكذلك
أنزلناه حُكْما عربيا﴾(٣) والإِخلال في ذلك قد
يؤدي إلى البدعة .
ب - الجهل بالمقاصد :
١٦ - ماينبغي للإنسان أن يعلمه ولا يجهله من
المقاصد أمران :
(١) أن الشريعة جاءت کاملة تامة لا نقص
فيها ولا زيادة، ويجب أن ينظر إليها بعين الكمال
(١) سورة يوسف / ٢
(٢) سورة الزمر / ٢٨
(٣) سورة الرعد / ٣٧
- ٢٨ -
بدعة ١٦ - ١٧
لا بعين النقص، وأن يرتبط بها ارتباط ثقة
وإذعان، في عاداتها وعباداتها ومعاملاتها، وألا
يخرج عنها البتة. وهذا الأمر أغفله المبتدعة
فاستدركوا على الشرع، وكذبوا على رسول الله
وَسير. وقيل لهم في ذلك فقالوا: نحن لم نكذب
على رسول الله وإنما كذبنا له. وحكي عن
محمد بن سعيد، المعروف بالأردني،أنه قال: إذا
کان الكلام حسنا لم أرفیه بأسا، أجعل له
إسنادا إلى رسول الله وله .
(٢) أن يوقن إيقانا جازما أنه لا تضاد بين
آيات القرآن الكريم وبين الأحاديث النبوية
بعضها مع بعض، أوبينها وبين القرآن الكريم .
لأن النبع واحد، وما كان الرسول ◌َله ينطق عن
الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وإن قوما
اختلف عليهم الأمر لجهلهم، هم الذين عناهم
الرسول بقوله: ((يقرءون القرآنَ لا يجاوِزُ
حناجرهم .))
فيتحصل مما قدمنا كمال الشريعة وعدم
التضاد بين نصوصها .
أما كمال الشريعة فقد أخبرنا الله تعالى
بذلك: ((اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ
علیکم نعمتي ورضيتُ لكم الإِسلام دينا)). (١)
وأما عدم التضاد في اللفظ أو المعنى فقد بين
الله أن المتدبر لا يجد في القرآن اختلافا، لأن
الاختلاف مناف للعلم والقدرة والحكمة(١)
((أفلا يَتَدَبَّرُونَ القرآنَ ولو كانَ من عندٍ غيرِ الله
لَوجدوا فيه اختلافا كثيرا)). (٢)
جـ - الجهل بالسنة :
١٧ - من الأمور المؤدية إلى البدعة الجهل
بالسنة .
والجهل بالسنة يعني أمرين :
الأول : جهل الناس بأصل السنة .
والثاني: جهلهم بالصحيح من غيره،
فيختلط عليهم الأمر.
أما جهلهم بالسنة الصحيحة، فيجعلهم
يأخذون بالأحاديث المكذوبة على رسول الله
. 機
وقد وردت الآثار من القرآن والسنة تنهي عن
ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مالیس لَكَ بِهِ
عِلْمٌ، إنَّ السمعَ والبصرَ والفؤادَ كلُّ أولئك كان
عنه مَسْئولا﴾(٣) وقول رسول الله وَليقول: ((من
كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدا فَلْيَتَبَواْ مَقْعدَه من النارِ)). (٤)
(١) الاعتصام ٢٦٨/٢، والفخر الرازي ١٩٦/١٠، ١٩٧
(٢) سورة النساء / ٨٢
(٣) سورة الإسراء / ٣٩
(٤) حديث: ((من كذب علي متعمدا ... )). أخرجه البخاري
(الفتح ٢٠٢/١ ط السلفية) من حديث أبي هريرة،
ومسلم (٢٢٩٨/٤، ٢٢٩٩ ط الحلبي) من حديث
أبي سعيد الخدري.
(١٠) سورة المائدة / ٣
- ٢٩ -
بدعة ١٨ - ١٩
ومن جهلهم بالسنة، جهلهم بدورها في
التشريع، وقد بين الله سبحانه وتعالى مكانة
السنة في التشريع: ﴿وَمَا آتاكم الرسولُ فَخُذُوه
وما نَّهَاكم عنه فانتهوا﴾. (١)
د - تحسين الظن بالعقل :
١٨ - عد العلماء من دواعي البدعة تحسين الظن
بالعقل، ويتأتى هذا من جهة أن المبتدع يعتمد
على عقله، ولا يعتمد على الوحي وإخبار
المعصوم وَّر، فيجره عقله القاصر إلى أشياء
بعيدة عن الطريق المستقيم، فيقع بذلك في
الخطأ والابتداع، ويظن أن عقله موصله، فإِذا
هو مهلکه .
وهذا لأن الله جعل للعقول في إدراكها حدا
تنتهي إليه لا تتعداه، من ناحية الكم ومن ناحية
الكيف. أما علم الله سبحانه فلا يتناهى،
والمتناهي لا يساوي مالا يتناهى. ويتخلص من
ذلك:
(١) أن العقل مادام على هذه الصورة لا
يجعل حاكما بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم
بإطلاق، وهو الشرع، والواجب عليه أن يقدم
ماحقه التقديم، ويؤخر ماحقه التأخير.
(٢) إذا وجد الإِنسان في الشرع أخبارا
يقتضي ظاهرها خرق العادة المألوفة - التي لم
يسبق له أن رآها أو علم بها علما صحيحا -
لا يجوز له أن يقدم بین یدیه لأول وهلة الإِنکار
بإطلاق، بل أمامه أحد أمرين:
الأول : إما أن يصدق به وَيَكِلَ العلم فيه
للراسخين في العلم والمتخصصين فيه متمثلا
بقوله تعالى: ﴿والراسخون في العلمِ يقولون
آمَنّا به كُلٌّ من عند ربنا﴾(١)
الثاني : يتأول على مايمكن حمله عليه من
الآراء بمقتضى الظاهر. (٢) ويحكم هذا كله قولُه
تعالى: ﴿ثم جَعَلْناك على شَرِيعةٍ من الأمْر
فأَتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهواءَ الذينَ لا يعلمون﴾(٣)
وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعُوا الله وأَطيعُوا
الرسولَ وأُولي الأمرِ منكم، فإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شيءٍ
فَرُدُوهُ إلى الله والرسولِ إنْ كنتم تُؤْمنونَ بالله
واليومِ الآخر ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلا﴾. (٤)
هـ - اتباع المتشابه :
١٩ - قال بعض العلماء : المتشابه هوما اختلف
فيه من أحكام القرآن، وقال آخرون: هو
ماتقابلت فيه الأدلة. (٥) وقد نهى الرسول مثل
عن اتباع المتشابه بقوله: ((إذا رأيتم الذينَ
يَتَّبِعُون ماتَشَابَهَ منه فأولئك الذين سمّى اللّه
(١) سورة ال عمران / ٧
(٢) الاعتصام للشاطبي ٢/ ٢٧٥ - ٢٨٤، وإعلام الموقعين
٤٧/١ ط دار الجيل، والموافقات ٨٧/١
(٣) سورة الجاثية / ١٨
(٤) سورة النساء / ٥٩
(٥) أحكام القران للجصاص ٢/٣ ط دار الكتب، وتفسير
الطبري ١٧٣/٣ ط الحلبي، والاعتصام ١/ ١٧٤
(١) سورة الحشر / ٧
- ٣٠ -
بدعة ٢٠ - ٢١
فاحذَرُوهم))(١) وقد ذكرهم القرآن في قوله
تعالى: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتابَ مِنْهُ
آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أَمُّ الكتاب وَأَخَرُ مُتَشَابهاتٌ،
فَأَمَا الذينَ في قُلوِهِم زَيْغٌ فَتَبِعُون ماتَشَابِه
مِنْه﴾. (٢) فليس نظرهم في الدليل نظر المستبصر
حتی یکون هواه تحت حکمه، بل نظر من حکم
بالهوى. ثم أتى بالدليل كالشاهد له . (٣)
و - اتباع الهوى :
٢٠ - يطلق الهوى على ميل النفس وانحرافها
نحو الشيء، ثم غلب استعماله في الميل المذموم
والانحراف السيىء. (٤)
ونسبت البدع إلى الأهواء، وسمي أصحابها
بأهل الأهواء، لأنهم اتبعوا أهواءهم فلم يأخذوا
الأدلة مأخذ الافتقار إليها والتعويل عليها، بل
قدموا أهواءهم واعتمدوا على آرائهم، ثم
جعلوا الأدلة الشرعية منظورا فيها من وراء
ذلك .
٢١ - مداخل هذه الأهواء : (٥).
أ - اتباع العادات والآباء وجعلها دينا. قال
(١) حديث: ((إذا رأيتم الذين يتبعون ماتشابه منه ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٨ /٢٠٩ - ط السلفية) ومسلم
(٢٠٥٣/٤ ط الحلبي) واللفظ لمسلم
(٢) سورة آل عمران / ٧
(٣) الاعتصام ١/ ١٧٥
(٤) المصباح في المادة .
(٥) الاعتصام للشاطبي ٢٩٣/٢ - ٣١٣، واقتضاء الصراط
المستقيم ص ١٤ - ٣٥
تعالى في شأن هؤلاء: ﴿إِنا وَجَدنا آباءنا على
أَمَّةٍ وإنا على آثارِهِم مُهْتَدون))(١)
فقال الحق على لسان رسوله: ((قال أَوَلَوْ
جِثْتُكُم بِأَهْدَى مما وَجَدْتُم عليه آباءَكم))(٢)
ب - رأي بعض المقلدين في أئمتهم
والتعصب لهم، فقد يؤدي هذا التغالي في
التقليد إلى إنكار بعض النصوص والأدلة أو
تأويلها، وعد من يخالفهم مفارقا للجماعة .
جـ ـ التصوف الفاسد وأخذ مانقل عن
المتصوفة من الأحوال الجارية عليهم، أو الأقوال
الصادرة عنهم دينا وشريعة، وإن كانت مخالفة
للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة.
د - التحسين والتقبيح العقليان. فإن محصول
هذا المذهب تحكيم عقول الرجال دون الشرع،
وهو أصل من الأصول التي بنى عليها أهل
الابتداع في الدين، بحيث أن الشرع إن وافق
آراءهم قبلوه وإلا رد.
هـ ـ العمل بالأحلام. فإِن الرؤيا قد تكون
من الشيطان، وقد تكون من حديث النفس،
وقد تكون من أخلاط مهتاجة. فمتى تتعين
الرؤيا الصالحة النقية حتى يحكم بها؟!
(١) سورة الزخرف / ٢٢
(٢) سورة الزخرف / ٢٤
- ٣١ -
بدعة ٢٢ - ٢٣
أنواع البدعة :
تنقسم البدعة من حيث قربها من الأدلة أو
بعدها عنها إلى حقيقية وإضافية.
البدعة الحقيقية :
٢٢ - هي التي لم يدل عليها دليل شرعي، لا من
کتاب ولا سنة ولا إجماع ولا استدلال معتبر عند
أهل العلم، لا في الجملة ولا في التفصيل،
ولهذا سميت بدعة حقيقية، لأنها شيء مخترع
على غير مثال سابق، وإن كان المبتدع يأبى أن
ينسب إليه الخروج عن الشرع، إذ هو مدع أنه
داخل بما استنبط تحت مقتضى الأدلة، ولكن
ثبت أن هذه الدعوی غیر صحیحة، لا في نفس
الأمر ولا بحسب الظاهر، أما بحسب نفس
الأمر فبالعرض، وأما بحسب الظاهر فإِن أدلته
شبه وليست بأدلة، ومن أمثلتها: (١) التقرب إلى
الله تعالى بالرهبانية وترك الزواج مع وجود
الداعي إليه وفقد المانع الشرعي، كرهبانية
النصارى المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً
ابْتَدَعُوها ماكتَبْنَاها عليهم إلا ابتغاءَ
رِضْوانِ الله﴾(٢) فهذه كانت قبل الإِسلام، أما
في الإِسلام فقد نسخت في شريعتنا بمثل قوله
﴿َّ ((فمن رَغِبَ عن سُنّي فليسَ مِنّ)). (٣)
(١) الاعتصام ٢٣٢/١
(٢) سورة الحديد / ٢٧
(٣) حديث: ((فمن رغب ... )) أخرجه البخاري (الفتح
٩/ ١٠٤ ط السلفية).
ومنها: أن يفعل المسلم مثل مايفعل أهل
الهند في تعذيب النفس بأنواع العذاب الشنيع
والقتل بالأصناف التي تفزع منها القلوب وتقشعر
منها الجلود، مثل الإِحراق بالنار على جهة
استعجال الموت لنیل الدرجات العليا والقربى
من الله سبحانه في زعمهم .
البدعة الإِضافية :
٢٣ - وهي التي لها شائبتان: إحداهما لها من
الأدلة متعلق، فلا تكون من تلك الجهة بدعة،
والثانية ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة
الحقيقية. ولما كان العمل له شائبتان، ولم
يتخلص لأحد الطرفين، وضعت له هذه
التسمية، لأنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة
لاستنادها إلى دليل، وبالنسبة إلى الجهة
الأخرى بدعة لاستنادها إلى شبهة لا إلى
دليل، أو لأنها غير مستندة إلى شيء، وهذا
النوع من البدع هو مثار الخلاف بين المتكلمين
في البدع والسنن. وله أمثلة كثيرة، منها: صلاة
الرغائب، وهي : اثنتا عشرة ركعة في ليلة
الجمعة الأولى من رجب بكيفية مخصوصة، وقد
قال العلماء: إنها بدعة قبيحة منكرة. وكذا
صلاة ليلة النصف من شعبان، وهي : مائة
ركعة بكيفية خاصة. وصلاة بر الوالدين.
ووجه كونها بدعة إضافية: أنها مشروعة،
باعتبار النظر إلى أصل الصلاة، لحديث رواه
- ٣٢ -
بدعة ٢٤ - ٢٥
الطبراني في الأوسط ((الصلاةُ خيرٌ موضوع))(١)
وغير مشروعة باعتبار ماعرض لها من التزام
الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة.
فهي مشروعة باعتبار ذاتها، مبتدعة باعتبار
ماعرض لها. (٢)
البدع المكفرة وغير المكفرة :
٢٤ - البدع متفاوتة، فلا يصح أن يقال: إنها
على حكم واحد هو الكراهة فقط، أو
التحريم فقط. فقد وجد أنها تختلف في
أحكامها، فمنها ماهو كفر صراح، كبدعة
الجاهلية التي نبه القرآن عليها كقوله تعالى :
﴿وَجَعَلوا لله مما ذَرَأْ من الخَرْثِ والأنعامِ نَصيبا،
فقالوا: هذا الله - بِزَعْمِهِمْ - وهذا لِشُرَكائِنَا﴾(٣)
الآية، وقوله تعالى: ﴿وقالوا: مافي بُطونِ هذه
الأَنْعامِ خالصةٌ لِذكورِنا ومحرّمٌ على أزواجِنا.
وإنْ يكنْ مَيْتَةً فهم فيه شُرَكَاءٍ﴾ (٤) وقوله تعالى :
﴿مَاجَعَلِ اللّهُ من بَحِيرَةٍ ولا سَائِبَةٍ ولا وَصِيلٍ
ولا حَامٍ﴾. (٥)
(١) حديث: ((الصلاة خير موضوع)) أخرجه ابن حبان (ص
٥٢ - موارد الظمآن ط السلفية).
(٢) ابن عابدين ٤٦١/١، والاعتصام للشاطبي ١/ ٢٣٢،
والمجموع للنووي ٥٦/٤، وإنکار البدع والحوادث ص
٦٣ - ٦٧
(٣) سورة الأنعام / ١٣٦.
(٤) سورة الأنعام / ١٣٩
(٥) المائدة / ١٠٣، وانظر القرطبي ٧/ ٣٣٥ ط دار الكتب،
والفخر الرازي ١٠٩/١٢، ٢٠٤/١٣ ط عبدالرحمن محمد
وكذلك بدعة المنافقين الذين اتخذوا الدين
ذريعة لحفظ النفس والمال وما أشبه ذلك
﴿يقولونَ بِأَقْواهِهِمْ ماليسَ في قُلُوبِهِم﴾(١) فهذا
وأضرابه لا يشك أحد في أنه کفر صراح،
لابتداعه أشياء أنكرتها النصوص وتوعدت
عليها .
ومنها ماهو كبيرة ولیس بكفر، أو يختلف فيه
هل هو كفر أم لا؟ كبدع الفرق الضالة. ومنها
ماهو معصية وليس بكفر اتفاقا، كبدعة التبتل
والصيام قائما في الشمس، والخصاء بقطع شهوة
الجماع، الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك،
وقد سبق بعض منها ولقوله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا
أَنْفُسَكم إنَّ الله كانَ بِكم رَحيما﴾.(٢)
تقسيم البدع غير المكفرة إلى كبيرة وصغيرة:
٢٥ - إن المعاصي منہا صغائر ومنها كبائر،
ويعرف ذلك بکونها واقعة في الضروریات أو
الحاجيات أو التحسينيات، فإن كانت في
الضروريات فهي أعظم الكبائر، وإن وقعت في
التحسینیات فهي أدنی رتبة بلا إشكال، وإن
وقعت في الحاجيات فمتوسطة بين الرتبتین،
لقوله تعالى: ﴿الذين يَجْتَنِبُوُن كَبَائِرَ الإِثمِ
والفَوَاحِشَ إلا اللمَمَ﴾(٣) وقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا
(١) سورة آل عمران / ١٦٧
(٢) سورة النساء/ ٢٩، وانظر أحكام أهل الذمة ٢ /٦٧٣
(٣) سورة النجم / ٣٢
- ٣٣ -
بدعة ٢٥ - ٢٦
كَبَائِرَ ماتُنْهَوْنَ عنه نُكَفِّرْ عنكم سيئاتِكم
ونُدْخِلْکم مُدْخَلا کریما﴾،(١) وإذا كانت لیست
رتبة واحدة فالبدع من جملة المعاصي، وقد ثبت
التفاوت في المعاصي، فكذلك يتصور مثله في
البدع، فمنها مايقع في الضروریات، ومنها
مايقع في رتبة الحاجيات، ومنها مايقع في رتبة
التحسینیات.
ومايقع في رتبة الضروريات، منه مايقع في
الدين، أو النفس، أو النسل، أو العقل، أو
المال. (٢)
فمثال وقوعه في الدين: اختراع الكفار
وتغییر هم ملة إبراهيم عليه السلام في نحو قوله :
﴿ماجَعَلَ اللهُ من بَحِيرٍ ولا سَائبةٍ ولا وَصِيلةٍ
ولا حامٍ﴾(٣) وحاصل ما في الآية تحريم ما
أحل الله على نية التقرب به إليه، مع كونه
حلالا بحكم الشريعة المتقدمة.
ومثال مایقع في النفس : ماعلیه بعض نحل
الهند، من تعذيبها أنفسها بأنواع العذاب
واستعجال الموت، لنيل الدرجات العلى على
زعمهم.
ومثال مايقع في النسل: ماكان من أنكحة
الجاهلية التي كانت معهودة ومعمولا بها ومتخذة
(١) سورة النساء / ٣١
(٢) الاعتصام للشاطبي ٢/ ٣١، وقواعد الأحكام ١/ ١٩،
وابن عابدين ٣/ ٣٠٩، ٣١٠
(٣) سورة الأنعام / ١٣٩
٠
كالدين، وهي لا عهد بها في شريعة إبراهيم
عليه السلام ولا غيره، بل كانت من جملة
ما اخترعوه. من ذلك ماروته عائشة رضي الله
عنها في حديث أنكحة الجاهلية . (١)
ومثال مايقع في العقل: مايتناول من
المسكرات والمخدرات بدعوى تحصيل النفع
والتقّوي على القيام ببعض الواجبات المشروعة
في ذاتها .
ومثال مايقع في المال: قولهم ﴿إِنّمَا البَيْعُ مِثْلُ
الربا﴾ فإنهم احتجوا بقياس فاسد. (٢) وكذلك
سائر ما يحدث الناس بينهم من البيوع المبنية على
المخاطرة والغرر.
٢٦ - هذا التقسيم من حيث اعتبار البدعة كبيرة
أو صغيرة مشروط بشروط :
الأول : ألا يداوم عليها، فإِن الصغيرة من
المعاصي لمن داوم عليها تكبر بالنسبة إليه، لأن
ذلك ناشىء عن الإصرار عليها، والإِصرار على
الصغيرة يصيرها كبيرة، ولذلك قالوا: لا
صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار.
فكذلك البدعة من غیر فرق.
الثاني : ألا يدعو إليها. فإِذا ابتلي إنسان
ببدعة فدعا إليها تحمل وزرها وأوزار الآخرين
معه، مصداقاً لقول رسول الله بَ له: ((من سَنّ
-
(١) حديث عائشة في أنكحة الجاهلية أخرجه البخاري (الفتح
١٨٢/٩ - ١٨٣ - ط السلفية).
(٢) الاعتصام للشاطبي ٢/ ٣١ - ٥٩
- ٣٤ -
بدعة ٢٧ - ٢٨
سُنةً سيئةً فعليه وِزْرُها ووزْرُ من عَمِل بها إلى
يومِ القيامةِ))(١)
الثالث: ألّ تفعل في الأماكن العامة التي
يجتمع فيها الناس، أو المواضع التي تقام فيها
السنن، وتظهرُ فيها أعلام الشريعة، وألا يكون
ممن يقتدى به أو يحسن به الظن، فإِن العوام
يقتدون - بغير نظر - بالموثوق بهم أو بمن
يحسنون الظن به، فتعم البلوى ويسهل على
الناس ارتكابها. (٢)
تقسيم المبتدع إلى داعية لبدعته وغير داعية :
٢٧ - المنسوب إلى البدعة في العرف لا يخلو أن
يكون مجتهدا فيها أو مقلدا، والمقلد إما أن يكون
مقلدا مع الإِقرار بالدليل الذي زعمه المجتهد
المبتدع، وإما أن يكون مقلدا من غير نظر،
كالعامي الصرف الذي حسن الظن بصاحب
البدعة، ولم يكن له دليل على التفصيل يتعلق
به، إلا تحسين الظن بالمبتدع خاصة. وهذا
القسم كثير في العوام، فإذا تبين أن المبتدع آثم،
فليس الإِثم الواقع عليه على رتبة واحدة. بل
هو على مراتب مختلفة، من جهة كون صاحب
البدعة داعيا إليها أم لا، لأن الزيغ في قلب
الداعي أمكن منه في قلب المقلد، ولأنه أول من
(١) حديث: ((من سن سنة سيئة ... )) سبق تخريجه ف/ ٢
(٢) الاعتصام ٢/ ٥٧، وابن عابدين ٢/ ١٤٠، والزواجر
٤/١، وقواعد الأحكام لابن عبدالسلام ٢٢/١ ط
الاستقامة .
سن تلك السنة، ولأنه يتحمل وزر من تبعه،
مصداقا لحديث: ((من سن سنة سيئة فعليه
وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)).
كما يختلف الإِثم بالنسبة إلى الإِسرار
والإعلان، لأن المسر ضرره مقصور عليه
لا يتعداه، بخلاف المعلن.
كما يختلف كذلك من جهة الإصرار عليها أو
عدمه، ومن جهة كونها حقيقية أو إضافية، ومن
جهة كونها كفرا أو غير كفر. (١)
رواية المبتدع للحديث :
٢٨ - رد العلماء رواية من كَفَرَ ببدعته، ولم يحتجوا
به في صحة الرواية .
ولكنهم شرطوا للكفر بالبدعة، أن ينكر
المبتدع أمرا متواترا من الشرع معلوما من الدين
بالضرورة .
أما من لم يكفر ببدعته، فللعلماء في روايته
ثلاثة أقوال :
الأول : لا يحتج بروايته مطلقا، وهورأي
الإِمام مالك، لأن في الرواية عن المبتدع ترويجا
لأمره وتنويها بذكره، ولأنه أصبح فاسقا ببدعته .
الثاني : يحتج به إن لم يكن ممن يستحل
الكذب في نصرة مذهبه، سواء أكان داعية أم
لا ، وهو قول الشافعي وأبي يوسف والثوري .
(١) الاعتصام ١٢٦/١، ١٢٩، ١٣٠، وابن عابدين
٢٩٧/٣، ٤٤٦/٥، والاعتصام ١٢٩/١، ١٣٠
- ٣٥ -
بدعة ٢٩ - ٣٠
الثالث : قیل يحتج به إن لم یکن داعيا إلى
بدعته، ولا يحتج به إن کان داعية إليها .
قال النووي والسيوطي : هذا القول هو
الأعدل والأظهر، وهو قول الكثير أو الأكثر،
ويؤيده احتجاج البخاري ومسلم في
الصحيحين بكثير من المبتدعة غير الدعاة.
شهادة المبتدع :
٢٩ - رد المالكية والحنابلة شهادة المبتدع، سواء
أكفر ببدعته أم لا، وسواء أكان داعيا لها أم لا .
وهو رأي شريك وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور،
وعللوا ذلك بأن المبتدع فاسق ترد شهادته
للآية: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكم﴾(١) ولقوله
تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسقٌ بِنَبَأْ فَتَبَيِّنُوا﴾(٢) وقال
الحنفية والشافعية في الراجح عندهم: تقبل
شهادة المبتدع مالم يكفر ببدعته، كمنكر
صفات الله وخلقه لأفعال العباد، لأنهم
يعتقدون أنهم مصيبون في ذلك لما قام عندهم
من الأدلة .
وقال الشافعية في المرجوح عندهم: لا تقبل
شهادة المبتدع الداعي إلى البدعة. (٣)
(١) سورة الطلاق / ٢
(٢) سورة الحجرات / ٦
(٣) تدريب الراوي شرح التقريب للنووي ص ٢١٦، ٢١٧،
ط المكتبة العلمية، والكفاية في علم الرواية للخطيب
البغدادي ص ١٢٥ - ١٣٢، وقواعد التحديث ١٩٤ ..
١٩٥ ط عيسى الحلبي، والجمل شرح المنهج ٣٨٥/٥، =
الصلاة خلف المبتدع :
٣٠ - اختلف العلماء في حكم الصلاة خلف
المبتدع. فذهب الحنفية، والشافعية، وهو رأي
للمالكية إلى جواز الصلاة خلف المبتدع مع
الكراهة مالم يكفر ببدعته، فإِن کفر ببدعته فلا
تجوز الصلاة خلفه. واستدلوا لذلك بأدلة منها :
قوله {َ ﴿ ((صَلُّوا خلْفَ مَنْ قال لَا إِلهَ إِلا الله))(١)
وقوله: ((صَلُّوا خلفَ كلِّ بَرِّ وفاجٍ)).(٢)
وما روي من أن ابن عمر رضي الله عنهما كان
يصلي مع الخوارج وغيرهم زمن عبدالله بن
الزبير وهم يقتتلون، فقيل له: أتصلي مع
هؤلاء ومع هؤلاء، وبعضهم يقتل بعضا؟
فقال: ((من قال حيّ على الصلاة أجبتُه، ومن
قال: حيّ على الفلاح أجبته. ومن قال: حيّ
على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله قلت: لا)).
ولأن المبتدع المذكور تصح صلاته، فصح
= ٣٨٦، والمغني ١٦٦/٨ ط السعودية، وحاشية الدسوقي
٤ /١٦٥ ط دار الفكر، والشرح الصغير ٤/ ٢٤٠ ط
المعارف، والمجموع للنووي ٤/ ٢٥٤ ط المنيرية والسلفية .
(١) حديث: ((صلوا خلف من قال لا إله إلا الله)). أخرجه
الدار قطني (٢ / ٥٦ - ط دار المحساسن) من حديث ابن
عمر، وقال ابن حجر: عثمان بن عبدالرحمن - يعني الذي في
إسناده - كذبه يحيى بن معين. (التلخيص ٣٥/٢ - ط شركة
الطباعة الفنية).
(٢) حديث: ((صلوا خلف كل بر وفاجر)). أخرجه أبوداود
(٣٩٨/١ - ط عزت عبيد دعاس) والدارقطني (٢ /٥٦ ط
دار المحاسن) واللفظ له، وقال ابن حجر: منقطع
(التلخيص ٣٥/٢ ط شركة الطباعة الفنية).
- ٣٦ -
.....
بدعة ٣١ - ٣٢
الائتمام به كغيره.
وذهب المالكية والحنابلة إلى أن من صلى
خلف المبتدع الذي يعلن بدعته ويدعو إليها
أعاد صلاته ندبا، وأما من صلى خلف مبتدع
يستتر ببدعته فلا إعادة عليه. (١) واستدلوا بقوله
وَله : ((لا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رجلا، ولا فاجرٌ مؤمنا إلا
أن يَقْهَرَهُ بسلطانٍ، أو يخافَ سوطَه أو سيفَه)). (٢)
ولاية المبتدع :
٣١ - اتفق العلماء على أن من شروط أصحاب
الولايات العامة - كالإمام الأعظم الخليفة وأمراء
الولايات والقضاة وغيرهم - العدالة، وألا
يكونوا من أصحاب الأهواء والبدع، وذلك
لتكون العدالة وازعة عن التقصير في جلب
المصالح ودرء المفاسد، وحتى لا يخرجه الهوى
من الحق إلى الباطل، وقد ورد: حبّك الشيء
يعمي ويصم. (٣) ولكن ولاية المتغلب على
(١) المغني لابن قدامة ٢/ ١٨٥، ومغني المحتاج ٢٤٢/١،
وفتح القدير ٣٠٤/١، وحاشية ابن عابدين ٣٧٦/١،
وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣٢٩/١
(٢) حديث: ((لا تَؤْمَنَّ امرأة رجلا ... )) أخرجه ابن ماجة
(٣٤٣/١ - ط الحلبي) وفي السزوائد: إسناده ضعيف
لضعف علي بن زيد بن جدعان وعبدالله بن محمد
العدوي.
(٣) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ٢/ ٧٥، ونخبة الفكر
١٥٩/١، ومغني المحتاج ٤/ ١٣٠، ٣٧٥، وحاشية ابن
عابدين ٢٩٨/٤، والمغني لابن قدامة ٩/ ٣٩، والأحكام
السلطانية للماوردي ص٩
الإِمامة أو غيرها من الولايات تنعقد،وتجب
طاعته فيما يجوز من أمره ونهيه وقضائه باتفاق
الفقهاء، وإن كان من أهل البدع والأهواء، مالم
يكفر ببدعته، درءا للفتنة، وصونا لشمل
المسلمين، واحتفاظا بوحدة الكلمة. (١)
الصلاة على المبتدع :
٣٢ - اختلف الفقهاء في الصلاة على المبتدع
الميت، فذهب جمهور العلماء إلى وجوب الصلاة
على المبتدع الذي لم يكفر ببدعته، لقول النبي
وَ﴿: ((صَلُّوا على من قال لا إله إلا الله)). (٢)
إلا أن المالكية يرون كراهية صلاة أصحاب
الفضل على المبتدع، ليكون ذلك ردعا وزجرا
لغيرهم عن مثل حالهم، ولأن النبي وَ ل ﴾ ((أَتِيّ
برجل قَتَلَ نفسَه فلم يصلُّ عليه)). (٣)
وذَهَب الحنابلة إلى منع الصلاة على
المبتدع، لأن النبي وَل﴾(« ترك الصلاة على
صاحب الدين وقاتل نفسه)) وهما أقل جرما من
المبتدع . (٤)
(١) مغني المحتاج ١٣٢/٤، والأحكام السلطانية للماوردي ص
٣٣
(٢) حديث: ((صلوا على من قال لا إله إلا الله)). سبق تخريجه
ف/ ٣٠
(٣) حديث: ((أتي برجل قتل نفسه فلم يصل عليه)) أخرجه
مسلم (٢/ ٦٧٢ ط الحلبي).
(٤) حديث: ((تَرَكَ الصلاة على صاحب الدين)) أخرجه
البخاري (الفتح ٤/ ٤٦٧ ط السلفية).
- ٣٧ -
بدعة ٣٣ - ٣٤
توبة المبتدع :
٣٣ - اختلف العلماء في قبول توبة المبتدع المكفَّر
ببدعته، فقال جمهور كل من الحنفية والمالكية
والشافعية والحنابلة بقبول توبته، لقوله تعالى :
﴿قُلْ لِلذين كَفَروا إِنْ يَنْتُهُوا يُغْفَرْ لهم ماقَدْ
سَلَفَ﴾(١)
ولقوله {َله: ((أُمِرْتُ أنْ أُقاتلَ الناسَ حتى
يقولُوا: لا إلهَ إلا الله، فإِذا قالوها فقد عَصَمُوا
مني دماءهم وأموالهم إلا بِحَقُّها، وحسابُهم
على الله))(٢)
ومن الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة من
يرى أن توبة المبتدع لا تقبل إذا كان ممن يظهر
الإِسلام ويبطن الكفر، كالمنافق والزنديق
والباطني، لأن توبته صدرت عن خوف، ولأنه
لا تظهر منه علامة تبین صدق توبته، حیث کان
مظهرا للإِسلام مسرا للكفر، فإِذا أظهر التوبة لم
يزد على ماكان منه قبلها، واستدلوا لذلك
ببعض الأحاديث، ومنها قوله مَّ: ((سيخرجُ في
أمتي أقوامٌ تجاري بهم تلك الأهواءُ، كما يتجارى
الكلبُ بصاحبه، لا يبقى منه عرقٌ ولا مفصلٌ
إلا دَخَلَه)). (٣)
(١) سورة الأنفال / ٣٨
(٢) حديث: ((أمرت أن أقاتل الناس .... )) أخرجه البخاري
(الفتح ١١٢/٦ - ط السلفية) ومسلم (٥٣/١ - ط
الحلبي).
(٣) حديث: ((سيخرج في أمتي أقوام .... )) أخرجه أحمد
(١٠٢/٤ - ط اليمنية) وأبوداود (٥/٥ - ط عزت عبيد=
وهذا الخلاف بين العلماء في قبول توبة
المبتدع ينحصر فيما يتعلق بأحكام الدنيا في
حقه، أما مايتعلق بقبول الله تعالى لتوبته
وغفرانه لذنبه إذا أخلص وصدق في توبته فلا
خلاف فیه . (١)
ما يجب على المسلمين تجاه البدعة :
٣٤ - ينبغي على المسلمين تجاه البدعة أشياء
لمنع الوقوع فيها - منها:
أ - تعهد القرآن وحفظه وتعلیمه وبیان
أحكامه، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا إليك الذِّكرَ
لِتُبَيِّنَّ للناسِ مانُزِّلَ إليهم﴾(٢) ولقول الرسول
اللّهِ وَّ: ((خيركم من تعلَّمَ القُرآنَ وعلَّمَه))(٣)
وفي رواية ((أَفْضَلُكم من تعلمَ القُرآنَ وعلّمَه))(٤)
وقوله وَله: «تَعَاهَدُوا القرآنَ فوالذي نفسي بيده
لَهُوَ أشدُّ تَفَصِّياً من الإِبِلِ فِي عُقُلِها))(٥) لأن في
دعاس) وحسنه ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف
=
(٨٣/٢ - ط دار الكتاب العربي).
(١) الاعتصام ٢/ ٢٣٠، والأم للإِمام الشافعي ٦/ ١٦٥،
والمغني لابن قدامة ١٢٦/٨، ومغني المحتاج ٤/ ١٤٠،
والجمل شرح المنهج ١٢٦/٥، وحاشية ابن عابدين
٢٩٧/٣
(٢) سورة النحل / ٤٤
(٣) حديث: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)) أخرجه
البخاري (الفتح ٩/ ٧٤ ط السلفية).
(٤) حديث: ((أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه)) أخرجه
البخاري (الفتح ٩ / ٧٤ ط السلفية).
(٥) حديث: ((تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٩/ ٧٩ ط السلفية).
- ٣٨ -
بدعة ٣٤
تعليم القرآن وبيان أحكامه قطع الطريق على
المبتدعين بإظهار الأحكام الشرعية .
ب - إظهار السنة والتعريف بها: لقوله
تعالى: ﴿وما آتاكم الرسولُ فَخُذُوه وما نَهَاكم
عنه فانْتَهُوا﴾(١) وقوله تعالى: ﴿وما كان
لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمنةٍ إذا قَضَى اللهُ ورسولُه أمراً أن
يكون لهم الخِيرَةُ من أمرِهم، ومن يعص الله
ورسولَه فقد ضلَّ ضَلالا مُبینا﴾ (٢)
وعن رسول الله بحث: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأْ سَمِع
منا حديثاً فَحَفِظَهُ حتى يُبَلِّغَهُ غيرَه)) . (٣)
وعن رسول اللّهَ بَثّل: ((ما أحدثَ قومٌ بِدْعةً
إلا رُفِعَ مِثْلُها من السُّنِةِ)). (٤)
جـ - عدم قبول الاجتهاد ممن لا يتأهّل له،
ورد الاجتهاد في الدين من المصادر غير المقبولة،
لقوله تعالى: ﴿فَاسْألوا أهل الذِّكْرِ إنْ كُنْتُم
لا تَعْلَمون﴾(٥) وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُم في شيءٍ
فَرُدُّوهُ إلى اللهِ والرَّسولِ﴾(٦) وقوله : ﴿ومايَعْلمُ
(١) سورة الحشر / ٧
(٢) سورة الأحزاب / ٣٦
(٣) حديث: ((نضر الله امرأ سمع منا حديثا ... )) أخرجه
أبوداود (٤ / ٦٩ - ط عزت عبيد دعاس) وصححه ابن
حجر كما في فيض القدير (٢٨٥/٦ - ط المكتبة التجارية).
(٤) حديث: ((ما أحدث قوم بدعة إلا ... )). أخرجه أحمد
(٤ /١٠٥ - ط اليمنية) وقال الهيثمي: فيه أبو بكر بن أبي
مريم وهو منكر الحديث (مجمع الزوائد ١٨٨/١ - ط
القدسي).
(٥) سورة النحل / ٤٣
(٦) سورة النساء / ٥٩
تَأْوِيلَه إلا اللهُ والراسخون في العلمِ﴾.(١)
د - نبذ التعصب لرأي من الآراء أو اجتهاد
من الاجتهادات، مالم يكن مؤيدا بالحق من
الأدلة الشرعية لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أضلُّ مِمّن
اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغيرِ هُدئٌ من اللهِ﴾. (٢)
هـ - منع العامة من القول في الدين، وعدم
الاعتداد بآرائهم مهما كانت مناصبهم وتقواهم
إلا بالدليل. يقول أبو يزيد البسطامي : لو
نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى
يرتقي في الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا
كيف تجدونه عن الأمر والنهي وحفظ الحدود
وأداء الشريعة . (٣)
وقال أبوعثمان الحيري: من أمّر السنة على
نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى
على نفسه نطق بالبدعة . (٤)
قال تعالى : ﴿وَإِنْ تُطِيعوهُ تَهْتَدُوا﴾. (٥)
و- صد التيارات الفكرية المضللة التي
تشكك الناس في الدين، وتحمل بعضهم على
التأويل بغير دليل لقوله تعالى : ﴿يا أيها الذين
آمنوا إن تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الذينَ أُوتوا الكِتابَ
(١) سورة آل عمران / ٧
(٢) سورة القصص / ٥٠
(٣) الرسالة القشيرية ٨٢/١
(٤) المصدر السابق ١/ ١١
(٥) سورة النور / ٥٤
- ٣٩ -
بدعة ٣٥ - ٣٧
يُرُدُّوكُمْ بعدَ إِیانِكُمْ كافرين﴾ . (١)
ما يجب على المسلمين تجاه أهل البدعة :
٣٥ - يجب على المسلمين من أولي الأمر وغيرهم
أن يأمروا أهل البدع بالمعروف وينهوهم عن
المنكر، ويحضوهم على اتباع السنة والإِقلاع عن
البدعة والبعد عنها. لقوله تعالى: ﴿ولْتَكُنْ
منكم أُمّةٌ يَدْعون إلى الخير وَيَأْمرون بالمعروفِ
ويَنْهَونَ عن المنكَرِ وأولئكَ هُمُ المفلحون﴾(٢)
ولقوله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمناتُ بعضُهمْ
أَوْلِياءُ بعضٍ يَأْمُرُونَ بِالمعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عن
المنكَرِ﴾(٣).
٣٦ - مراحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لمنع البدعة :
أ - التعريف ببيان الصواب من الخطأ
بالدلیل.
ب - الوعظ بالكلام الحسن مصداقا لقوله
تعالى: ﴿ُدْعُ إلى سبيلِ ربك بالحِكْمَةِ
والَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ (٤)
جـ - التعنيف والتخويف من العقاب
الدنيوي والأخروي، ببيان أحكام ذلك في أمر
بدعته .
(١) سورة آل عمران / ١٠٠
(٢) سورة آل عمران / ١٠٤
(٣) سورة التوبة / ٧١
(٤) سورة النحل / ١٢٥
د - المنع بالقهر، مثل كسر الملاهي وتمزيق
الأوراق وفض المجالس.
هـ - التخويف والتهديد بالضرب الذي
يصل إلى التعزير. وهذه المرتبة لا تنبغي إلا
للإِمام(١) أو بإِذنه، لئلا يترتب عليها ضرر أكبر
منها .
وللتفصيل يرجع إلى مصطلح (الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر).
معاملة المبتدع ومخالطته :
٣٧ - إذا كان المبتدع غیر مجاهر ببدعته ینصح،
ولا يجتنب ولا يشهر به، لحديث الرسول رسله:
((مَنْ سَتَرَ مُسْلِما سَتَرَهُ اللهُ في الدنيا
والآخرة)). (٢)
وأما إذا كان مجاهرا بشيء منهي عنه من
البدع الاعتقادية أو القولية أو العملية - وهو يعلم
ذلك - فإنه یسن هجره، وقد اشتهر هذا عند
العلماء، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه أن رسول الله وَ ﴾ قال: ((لا تُجَالِسُوا أهلَ
القَدَر، ولا تُفَائِحُوهم)»(٣) وقال ابن مسعود: ((من
(١) إحياء علوم الدين ٢/ ٣٠٦، ٣١٥، وفتاوى ابن تيمية
٢٨/ ٢١٩، والسياسة الشرعية ص ١٠٢
(٢) حديث: ((من ستر مسلما ستره الله)) أخرجه مسلم
(٤ /١٩٩٦ - ط الحلبي).
(٣) حديث: ((لا تجالسوا أهل القدر ولا ... )) أخرجه أبوداود
(٥/ ٨٤ - ط عزت عبيد دعاس) وفي إسناده جهالة. (عون
المعبود ٤ /٣٦٥ - نشر دار الكتاب العربي).
- ٤٠ -