النص المفهرس
صفحات 281-300
أيمان ٩٨ - ٩٩ والمراد بالسكوت الكثير ما كان بقدر التنفس بغير تنفس، على ما أفاده الكمال بن الهمام. والمراد بالكلام الأجنبي مالم يفد معنی جدیدا، كما لوقال: أنت طالق ثلاثا وثلاثا إلا واحدة إن شاء الله، فهذا العطف لغو، لأن الثلاث هي أكثر الطلاق فلا يصح الاستثناء.(١) ٩٨ - وهذه الشريطة إجمالا (وهي عدم الفصل بلا عذر) متفق عليها بين عامة أهل العلم، وإنما الخلاف في/الفاصل من سكوت أو کلام، متی یعد مانعا من الاستثناء ومتى لا يعد؟ والتفاصيل التي سبق ذكرها هي التي نص عليها الحنفية، وفي كتب المذاهب الأخرى تفاصيل يطول الكلام عليها، فلتراجع في مواضعها من كتب الفقه. (٢) وقد روي عن بعض الصحابة والتابعين عدم اشتراط هذه الشريطة، فقد أخرج ابن جرير والطبراني وابن المنذر وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه «كان يرى الاستثناء ولو بعد سنة ويقرأ قوله تعالى: ﴿وَلا تَقولَنَّ لشيء إني فاعلٌ ذلك غدا إلا أن يشاءَ اللهُ واذكر ربَّك إذا نَسِيتَ﴾(٣) وهو رواية عن الإِمام أحمد، وأخرج ابن المنذر عن سعید بن جبير في رجل حلف ونسي أن يستثني، قال: له ثنياه إلى شهر، وأخرج ابن أبي حاتم من (١) البدائع ١٥/٣، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٢ / ٥٠٩ - ١٠٠/٣،٥١٠ (٢) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٣/ ١٠٠، والشرح الكبير للدردير ١٢٩/٢ - ١٣٠، والشرح الصغير للدردير ٣٣١/١، وأسنى المطالب ٢٩٢/٣، ٢٤١/٤، ومطالب أولي النهى ٣٦٩/٦ (٣) سورة الكهف / ٢٣ - ٢٤ طريق عمرو بن دينار عن عطاء أنه قال: من حلف على يمين فله الثنيا حلب ناقة(١) قال: وكان طاوس يقول: مادام في مجلسه، وأخرج ابن أبي حاتم أيضا عن إبراهيم النخعي قال: يستثني مادام في كلامه. ومما يؤيد اشتراط عدم الفصل أنه لوصح جواز الفصل وعدم تأثيره في الأحكام، ولا سيما إلى الغاية المروية عن ابن عباس، لما تقرر إقرار ولا طلاق ولا عتاق، ولم يعلم صدق ولا كذب. وأيضا لوصح هذا لأقر الله نبيه أيوب عليه السلام بالاستثناء رفعا للحنث، فإنه أقل مؤنة مما أرشده سبحانه إلیه بقوله تعالى : ﴿وخُذْ بیدِك ضِغْئا فاضْرِبْ به ولا تَحْنَثْ﴾.(٢) ٩٩ - (الشريطة الثالثة) القصد: وهذه الشريطة ذكرها المالكية وعَنَوا بها: قصد اللفظ مع قصد معناه، وخرج بذلك أمران. أحدهما: أن يجري اللفظ على لسان الحالف من غير قصد، فلا يعتبر الاستثناء بإلا مخصصا، ولا الاستثناء بالمشيئة مبطلا . ثانيهما: ما لوقصد التبرك بذكر المشيئة، أو قصد الإخبار بأن هذا الأمر يحصل بمشيئة الله تعالى، ففي هذه الحال لا تبطل اليمين، بل تبقى منعقدة، وكذا لو لم يقصد شیئا، بأن قصد مجرد النطق بلفظ الاستثناء بنوعيه من غير أن ينوي تخصیص الیمین وحلها. وقد اتفق المالكية على أن قصد الاستثناء إن (١) أي في زمن مقدار الزمن الذي تحلب فيه الناقة. (٢) سورة ص / ٤٤ وانظر روح المعاني ٢٤٩/١٥ - ٢٥٠ - ٢٨١ - أیمان ١٠٠ - ١٠٢ كان مع اليمين من أولها أو في أثنائها صح الاستثناء، فإِن كان بعد الفراغ من النطق باليمين صح على المشهور، فعليه لو حلف، فذكّره إنسان قائلا: قل إن شاء الله أو إلا أن يشاء الله أو نحو ذلك، فقاله بغير فصل، ولم یکن في نیته من قبل، فإِنه يصح، ولم يذكر الحنفية هذه الشريطة. والشافعية والحنابلة شرطوا القصد مع العلم بالمعنى، وشرطوا كون القصد قبل الفراغ من اليمين، وقالوا: لولم يقصد الاستثناء إلا بعد الفراغ من اليمين لم يصح، لأنه يلزم عليه رفع اليمين بعد انعقادها، وقالوا أيضا: يصح تقديم الاستثناء وتوسيطه . (١) ١٠٠ - (الشريطة الرابعة): أن یکون حلفه في غیر توثق بحق . وهذه الشريطة نص عليها المالكية. وإيضاحها: أنه يشترط في صحة الاستثناء أن یکون الحلف الذي ذکر معه الاستثناء في غیر توثق بحق، كما لوشرط عليه في عقد نكاح ألا يضر زوجته في عشرة، أولا يخرجها من بلدها، وكأن یشرط علیه في بیع أن يأتي بالثمن في وقت كذا، وطلب منه یمین علی ذلك، فحلف واستثنى سرالم يفده الاستثناء عند سحنون وأصبغ وابن المواز، لأن اليمين على نية المستحلف عند هؤلاء، وهذا هو المشهور عند المالكية، خلافا لما قاله ابن القاسم في العتبية من أنه ينفع الاستثناء فيما ذكر، فلا تلزمه الكفارة، لكن يحرم عليه بمنعه حق الغير. (٢) (١) المغني والشرح الكبير ٢٢٨/١١ - ٢٢٩ (٢) أقرب المسالك مع بلغة السالك وحاشيته ١/ ٣٣١، والشرح الكبير بحاشية الدسوقي ١٢٩/٢ - ١٣٠ والذي يتصفح كتب المذاهب الأخرى يجد أنه ما من مذهب إلا یری أصحابه، أن الیمین تكون على نية المستحلِف في بعض الصور، وسيأتي ذلك، فيمكن التعبير عن هذه الشريطة بأن يقال: يشترط في صحة الاستثناء ألا يكون على خلاف نية المستحلف، في الصور التي يجب فيها مراعاة نیته . أحكام اليمين ١٠١ - تقدم أن اليمين إما أن تكون قَسَمية، وإما أن تكون تعلیقیة. ولكل منهما أحكام. أحكام اليمين القسمية : أحكام اليمين القسمیة تختلف باختلاف أنواعها، وفيما يلي بيان هذه الأنواع ثم بيان أحكامها. أنواع اليمين القسمية : قسّم الحنفیة الیمین بالله تعالی وما أحق بها کتعلیق الکفر۔من حیث الكذب وعدمه- إلی ثلاثة أنواع، وهي : اليمين الغموس، واليمين اللغو، واليمين المعقودة . ١٠٢ - فاليمين الغموس: هي الكاذبة عمدا في الماضي أو الحال أو الاستقبال، سواء أكانت على النفي أم على الإِثبات كأن يقول: والله مافعلت كذا، وهو يعلم أنه فعله، أو والله لقد فعلت كذا، وهو يعلم أنه لم يفعله، أو: والله مالك عليَّ دين، وهويعلم أن للمخاطب دینا علیه، أو: والله لا أموت أبدا. - ٢٨٢ - 3. أيمان ١٠٣ وكأن يقول: إن كنت فعلت كذا، أو إن لم أكن فعلته، أو إن کان لك عليّ دین، أو إن مت فأنا يهودي أو نصراني. هذا تعريفها عند الحنفية. وذهب المالكية إلى أن الغموس هي الحلف بالله مع شك من الحالف في المحلوف عليه، أو مع ظن غير قوي، أو مع تعمد الكذب، سواء أكان على ماض نحو: والله مافعلت كذا، أو لم يفعل زيد كذا، مع شگّه في عدم الفعل، أو ظنه عدمه ظنا غير قوي، أو جزمه بأنه قد فعل، أم كان على حاضر نحو: والله إن زيدا لمنطلق أو مريض، وهو جازم بعدم ذلك، أو متردد في وجوده على سبيل الشك أو الظن غير القوي، أم كان على مستقبل نحو: والله لآتینك غدا، أو لأقضینك حقك غدا وهو جازم بعدم ذلك، أو متردد في حصوله على سبيل الشك أو الظن غير القوي. (١) وقال الشافعية والحنابلة إن الغموس هي المحلوفة على ماض مع كذب صاحبها وعلمه بالحال. (٢) والحنفية والشافعية والحنابلة لا يوافقون المالكية على التوسع في تفسير الغموس. ١٠٣ - واليمين اللغو: اختلفوا في تفسيرها أيضا، فقال الحنفية: هي اليمين الكاذبة خطأ أو غلطا في الماضي أو في الحال، وهي: أن يخبر إنسان عن الماضي أو عن الحال على الظن أن المخبر به كما أخبر، وهو بخلافه، سواء أكان ذلك في النفي أم (١) الشرح الصغير بحاشية الصاوي ٣٣٠/١ (٢) أسنى المطالب ٤/ ٢٤٠، ومطالب أولي النهى ٣٦٨/٦ في الإثبات، وسواء أكانت إقساما بالله تعالى أم تعليقا للكفر، كقوله: والله ما كلمت زيدا، وفي ظنه أنه لم یکلمه، والواقع أنه کلمه. هكذا روي عن محمد، وهو الذي اقتصر عليه أصحاب المتون من الحنفية. وروى محمد عن أبي حنيفة أن اللغو: ما يجري بین الناس من قولهم لا والله وبلی والله، أي من غير قصد اليمين. والتحقيق أنه يعتبر عند الحنفية نوعا اخر من اللغو، فيكون اللغو عندهم نوعين وكلاهما في الماضي والحاضر دون المستقبل. وقال المالكية: إن اللغوهو الحلف بالله على شيء يعتقده على سبيل الجزم أو الظن القوي فيظهر خلافه سواء أكان المحلوف عليه إثباتا أم نفيا، وسواء أكان ماضيا أم حاضرا أم مستقبلا.(١) ويلاحظ أنهم مثلوا بالمستقبل بما لو قال ((والله لأفعلن كذا)) مع الجزم أو الظن القوي بفعله ثم لم يفعله. وقال الشافعية : اليمين اللغوهي التي يسبق اللسان إلى لفظها بلا قصد لمعناها، كقولهم ((لا والله)) و((بلى والله)) في نحو صلة كلام أو غضب سواء أكان ذلك في الماضي أم الحال أم المستقبل. وهم يخالفون الحنفية في هذا الأخير، وهو ماكان في المستقبل.(٢) (١) الشرح الصغير بحاشية الصاوي ٣٣١/١ (٢) أسنى المطالب ٢٤١/٤، وتحفة المحتاج ٢١٦/٨، ونهاية المحتاج ١٦٩/٨ - ١٧٠، والبجيرمي على المنهاج ٣١٦/٤، والباجوري على ابن قاسم ٣٢٤/٢ - ٢٨٣ - أيمان ١٠٤ وذهب الحنابلة إلى أن لغو اليمين كما يقول الشافعية، ووافقوهم أيضا في أن من حلف على ماض كاذبا جاهلا صِدْقَ نفسه، أو ظانا صِدْقَ نفسه، فتبین خلافه لا تنعقد یمینه، ویؤخذ من هذا أن مايسميه الحنفية وغيرهم لغوا يوافقهم الشافعية على حكمه، وإن لم يسموه لغوا. ونقل صاحب غاية المنتهى عن الشيخ تقي الدين أن من حلف على مستقبل ظانا صدق نفسه فتبين بخلافه لا تنعقد يمينه، وكذا من حلف على غيره ظانا أنه يطيعه فلم يفعل فلا كفارة فيه أيضا، لأنه لغو، ثم قال: والمذهب خلافه.(١) ثم من هؤلاء من يوجب الكفارة، لقوله تعالى في هذه الآية ﴿فَكَفّارِتُه إطعامُ عَشَرَةِ مساكينَ من أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكم أو كِسْوَتُهم أو تحریرُ رقبةٍ، فمن لم يَجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ ، ذلك كفارةُ أَيْمانِكم إذا حَلَفْتُم﴾(٢) أي حلفتم وحثتم. ومنهم من لا يوجب الكفارة لما يأتي في بیان حکم الیمین بالله تعالى . ١٠٤ - ووجه قول الشافعية ومن وافقهم: ماثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ((أنزلت هذه الآية - لا يؤاخذكم الله باللغوفي ايمانكم - في قول الرجل: لا والله وبلى والله(٣) ومعلوم أن السيدة عائشة رضي الله عنها شهدت التنزيل وقد جزمت بأن الآية نزلت في هذا المعنى، قال الشوكاني في نیل (١) مطالب أولي النهى ٦/ ٣٦٧ - ٣٦٨ (٢) سورة المائدة / ٨٩ (٣) حديث عائشة أخرجه البخاري (٢٧٥/٨ - الفتح - ط السلفية). الأوطار: إن القرآن الكريم قد دل على عدم المؤاخذة في يمين اللغو، وذلك يعم الإِثم والكفارة، فلا تَجِبَان، والمتوجه الرجوع في معرفة معنى اللغو إلى اللغة العربية، وأهل عصره وليد أعرف الناس بمعاني كتاب الله تعالى، لأنهم مع كونهم من أهل اللغة قد كانوا من أهل الشرع ومن المشاهدين للرسول ول# والحاضرين في أيام النزول، فإذا صح عن أحدهم تفسير لم يعارضه مايرجح عليه أو يساويه وجب الرجوع إليه، وإن لم يوافق مانقله أئمة اللغة في معنى ذلك اللفظ، لأنه یمکن أن يكون المعنى الذي نقله إلیه شرعیا لا لغويا، والشرعي مقدم على اللغوي كما تقرر في الأصول، فكان الحق فيما نحن بصدده، هو أن اللغو ماقالته عائشة رضى الله عنها. (١) فثبت أن اليمين اللغوهي التي لا يقصدها الحالف، وإن كانت على مستقبل. وأيضا أن الله تعالى قابل اليمين اللغوباليمين المكسوبة بالقلب بقوله عز وجل: ﴿لا يؤاخِذُكم الله باللغو في ايمانِكم ولكنْ يؤاخِذُكم بما كسبتْ قلوبكم﴾. (٢) والمكسوبة هي المقصودة، فكانت غير المقصودة داخلة في قسم اللغو بلا فصل بين ماضيه وحاله ومستقبله تحقيقا للمقابلة. ووجه قول الحنفية ومن وافقهم: أن الله عزوجل قابل اللغو بالمعقودة، وفرق بينهما بالمؤاخذة ونفيها، فوجب أن تكون اللغوغير المعقودة تحقيقا (١) نيل الأوطار ٢٣٦/٨ (٢) سورة البقرة/ ٢٢٥ - ٢٨٤ - أیمان ١٠٥ - ١٠٦ للمقابلة، واليمين على المستقبل معقودة سواء أکانت مقصودة أم لا، فلا تكون لغوا. (١) ١٠٥ - وأيضا اللغو في اللغة: اسم للشيء الذي لا حقيقة له، قال الله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فيها لَغْوا﴾(٢) أي باطلا، وقال عز وجل خبرا عن الكفرة ﴿وقال الذين كفروا: لا تَسْمعوا لهذا القرآنِ والْغَوْا فيه﴾(٣) وذلك يتحقق في الحلف على ظن من الحالف أن الأمر كما حلف عليه، والحقيقة بخلافه، وكذا ما يجري على اللسان من غير قصد لكن في الماضي أو الحال. (٤) فهو مالا حقيقة له. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: اللغو أن يحلف الرجل على الشيء يراه حقا ولیس بحق(٥) وبه تبين أن المراد من قول عائشة رضي الله عنها: أن اللغوفي الأيمان قول الرجل لا والله وبلى والله، إنما أرادت به التمثيل لا الحصر، (١) مکذا في البدائع ٤/٣، وقد يقال: لا دليل على كون اليمين المعقودة تشمل غير المقصودة، وقد يجاب بأن المعقودة هي التي علقت على أمر، فيتمكن الحالف من البر والحنث فيها، فإذا كانت غير مقصودة لم ينسد على الحالف باب البر فيها، بخلاف الماضية والحاضرة فليتأمل. (٢) سورة الواقعة / ٢٥ (٣) سورة فصلت / ٢٦ (٤) قوله لكن في الماضي والحال. كذا في البدائع. وتجري فيه المناقشة والجواب السابقان. (٥) الأثر رواه ابن جرير الطبري في تفسیرہ ٢٤٢/٢، وروى ابن جرير أيضا آثارا تشبهه عن أبي هريرة وسليمان بن يسار والحسن البصري ومجاهد وابن أبي نجيح وإبراهيم النخعي وأبي مالك وقتادة وزرارة بن أوفي والسدي ویحی بن أبي سعيد وابن أبي طلحة ومکحول رحمهم الله. وأيضا إنه خاص بالماضي والحاضر ليكون النوعان متماثلين. ١٠٦ - واليمين المعقودة : وهي اليمين على أمر في المستقبل غير مستحيل عقلا، سواء أكان نفيا أم إثباتا، نحو: والله لا أفعل كذا أو والله لأفعلن كذا. هذا قول الحنفية. (١) وأفاد المالكية أن اليمين المنعقدة هي : مالم تكن غموسا ولا لغوا. (٢) ومن تأمل في معنى الغموس واللغو عندهم لم يجد مایسمی منعقدة سوی الحلف بالله على ما طابق الواقع من ماض أو حاضر، أوما يطابقه من مستقبل، لأن ماعدا ذلك إما غموس وإما لغو، لكن يلحق بالمنعقدة الغموس واللغوفي المستقبل، وكذا الغموس في الحاضر كما سيأتي في الأحكام. وأفاد الشافعية أن کل یمین لا تعد لغوا عندهم فهي منعقدة، فيدخل فيها الغموس، كما يدخل فيها الحلف على المستقبل الممكن. وبيان ذلك أن اليمين إن كان التلفظ بها غير مقصود كانت لغوا، سواء أكانت في الماضي أم في الحال أم في المستقبل، وإن کان التلفظ بها مقصودا، وکانت إخبارا مبنيا على اليقين أو الظن أو الجهل، وتبین خلافها كانت لغوا أيضا، مالم يجزم الحالف بأن الذي حلف عليه هو الواقع، فحينئذ تکون منعقدة ويحنث فيها. وإن كانت إخبارا مبنيا على اعتقاد مخالفة الواقع يقينا أوظنا فهي غموس، وهي منعقدة أيضا. وإن كانت للحث أو المنع وكان المحلوف عليه ممكنا فإنها (١) البدائع ٢/ ٤٢٣، والدر المختار ٤٧/٣ - ٤٩ (٢) أقرب المسالك مع شرحه وحاشية الصاوي ٣٣/١ - ٢٨٥ - أيمان ١٠٧ - ١٠٩ تکون منعقدة أيضا. وأما إذا كان واجبا فإِنها صادقة قطعا ولا تعد يمينا. وإن كان مستحيلا فهي كاذبة قطعا وتكون منعقدة وحانثة . (١) وقال الحنابلة: إن اليمين على المستقبل إذا كان التلفظ بها مقصودا، وكان الحالف مختارا، وكانت علی ممكن أو على إثبات مستحيل أو نفي واجب، لكن الشيخ تقي الدين أخرج منها من حلف على مستقبل ظانا صدق نفیه فتبین بخلافه، ومن حلف على غيره ظانا أنه يطيعه فلم يطعه. (٢) ١٠٧ - وتنوع اليمين إلى الأنواع الثلاثة التي أساسها الكذب وعدمه هو اصطلاح الحنفية والشافعية وموافقوهم لا يقسمون اليمين إلى الأنواع الثلاثة، وإنما يقسمونها - من حيث القصد وعدمه - إلى قسمين فقط، وهما: اللغو والمعقودة. فاللغو هي التي لم تقصد، وكذا التي قصدت وكانت إخبارا عن الظن، والمعقودة هي التي قصدت وكانت للحمل أو المنع، أو كانت للإِخبار صدقا أو کذبا عمدا. أحكام الأيمان القسمية : حكم اليمين الغموس : الیمین الغموس لها حكمان: حکم الإِتیان بها، والحكم المترتب على تمامها. وبيان ذلك فیمايلي: حكم الإتيان بها : ١٠٨ - الإِتيان باليمين الغموس حرام، ومن الكبائر بلا خلاف، لما فيه من الجرأة العظيمة على الله (١) أسنى المطالب ٤/ ٢٤١ (٢) مطالب أولي النهى ٣٦٨/٦ تعالی، حتى قال الشيخ أبومنصور الماتريدي. کان القياس عندي أن متعمد الحلف بالله تعالى على الكذب يكفر، لأن الیمین به عز وجل جعلت لتعظيمه، والمتعمد لليمين به على الكذب مستخف به، لكنه لا يكفر، لأنه ليس غرضه الجرأة على الله والاستخفاف به، وإنما غرضه الوصول إلی مایریده من تصديق السامع له. ونظير هذا مايروى أن رجلا سأل أبا حنيفة قائلا: إن العاصي يطيع الشيطان، ومن أطاع الشيطان فقد كفر، فكيف لا يكفر العاصي؟ فقال: إن مايفعله العاصي هو في ظاهره طاعة للشيطان، ولکنه لا يقصد هذه الطاعة فلا يكفر، لأن الكفر عمل القلب، وإنما يعد مؤمنا عاصيا فقط . ثم إنه لا يلزم من كونها من الكبائر أن تكون جميعها مستوية في الإِثم، فالكبائر تتفاوت درجاتها حسب تفاوت آثارها السيئة، فالحلف الذي يترتب عليه سفك دم البرىء، أو أكل المال بغير حق أو نحوهما، أشد حرمة من الحلف الذي لا يترتب عليه شيء من ذلك. ١٠٩ - وقد ثبت عن النبي ﴿ أحاديث كثيرة في ذم الیمین الغموس وبیان أنها من الكبائر والترهيب من الإقدام عليها . منها: ماروي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﴿ قال: ((من حلفَ على مالٍ امریٍ* مسلمٍ بغير حقهِ لَقِيَ اللهَ وهو عليه غضبان))(١) قال عبدالله: ثم قرأ علينا رسول الله (١) حديث: ((من حلف ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٢٣٩/٥) ط السلفية، ومسلم (٨٥/١) نشر دار الآفاق. - ٢٨٦ - أيمان ١٠٩ - ١١١ ﴿* مصداقه من كتاب الله عز وجل: ﴿إِنَّ الذين يَشْتَرون بِعَهْدِ اللهِ وأَيْمَانِهِم ثَمَّنَا قَلَيلا﴾ إلى آخر الآ ية. (١) وعن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: ((جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي *، فقال الحضرمي : يارسول الله إن هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال النبي ﴿ للحضرمي: أَلَكَ بَيْنَةٌ؟ قال: لا، قال: فَلَكَ يمينُه، قال: يارسول الله : إنّ الرجلَ فاجر، لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع عن شيء.فقال: ليس لَكَ منه إلا يمينه. فانطلق ليحلف، فقال رسول الله وسل# لما أدبر: (٢) لئن حلف على مال ◌ِيأكله ظلما لَيَلْقَيْنّ اللهَ وهو عنه مُعرض))(٣) وقال الرسول پ# فيما رواه عنه عبدالله بن أنيس رضي الله عنه: (من أكبر الكبائر: الإِشراُ بالله، وعقوقُ الوالدين، واليمين الغموس. والذي نفسي بيده لا يحلفُ رجلٌ على مثلٍ جناح بعوضةٍ إلا كانت كيّا في قلبه يوم القيامة)). (٤) (١) سورة آل عمران / ٧٧ (٢) الظاهر أن الرجل في أثناء الدعوى كان مستقبلا للنبي ﴾. مستدبرا للقبلة، فلما توجهت عليه اليمين أدبر، ليكون عند المنبر تعظيما لليمين. وتسمى ((اليمين المعظمة)) كما سبق. (٣) حديث: ((ليس لك منه ... )) أخرجه مسلم (٨٦/١) نشر دار الآفاق. (٤) حديث: (من أكبر الكبائر: الإشراك بالله ... )) أخرجه الترمذي (٥٤٨/٤) نشر مصطفى البابي الحلبي، والحاكم (٤/ ٢٩٦) ط دار الكتاب العربي واللفظ له، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وعن جابر بن عتيك رضي الله عنه أنه سمع رسول الله وَ له يقول: ((من اقتطعَ حق امرىٍ، مسلم بيمينه فقد أوجبَ الله له النارُ وحرَّم عليه الجنةَ، فقال رجل: وإن كان شيئا يسيرا يارسول الله، قال: وإنْ كان قضيبا من أراك)).(١) الترخيص في اليمين الغموس للضرورة : ١١٠ - إن حرمة اليمين الغموس هي الأصل، فإذا عرض ما يخرجها عن الحرمة لم تكن حراما، ويدل على هذا. (أولا) قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بالله مِنْ بعد إيمانه إلا من أُكْره وقلْبُه مُطْمَئِنَّ بالإِيمانِ ولكنْ مَنْ شَرَحَ بالكفرِ صَذَرا فعليهم غَضَبٌ من الله ولهم عذابٌ عظيمٌ﴾.(٢) فإِذا كان الإكراه يبيح كلمة الكفر فإباحته للیمین الغموس أولی . (ثانيا) آيات الاضطرار إلى أكل الميتة وما شاكلها، كقول تعالى: ﴿فَمَنْ اضْطُرْ غيرَ باغٍ ولا عادٍ فلا إثمَ عليه إنَّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ﴾. (٣) فإِذا أباحت الضرورة تناول المحرمات أباحت النطق بما هو محرم. ١١١ - وإليك نصوص بعض المذاهب في بيان ماتخرج به اليمين الغموس عن الحرمة . (أ) قال الدردير في أقرب المسالك وشرحه، والصاوي في حاشيته ماخلاصته: لا يقع الطلاق على من أكره على الطلاق ولو ترك التورية مع (١) حديث: ((من اقتطع حق امرىء مسلم ... )) أخرجه مسلم (٨٥/١) نشر دار الآفاق (٢) سورة النحل / ١٠٦ (٣) سورة البقرة / ١٧٣ - ٢٨٧ - أيمان ١١١ - ١١٢ معرفته بها، ولا على من أكره على فعل ما علق محليه الطلاق. وندب أو وجب الحلف ليسلم الغير من القتل بحلفه وإن حنث هو، وذلك فيما إذا قال ظالم: إن لم تطلق زوجتك، أو إن لم تحلف بالطلاق قتلت فلانا، قال ابن رشد: إن لم يحلف لم یکن علیه حرج، أي لا إثم عليه ولا ضمان، ومثل الطلاق: النكاح والإِقرار واليمين.(١) (ب) قال النووي : الكذب واجب إن كان المقصود واجبا، فإذا اختفی مسلم من ظالم، وسأل عنه وجب الكذب بإخفائه، وكذا لو كان عنده أو عند غيره ودیعة، وسأل عنها ظالم یرید أخذها وجب عليه الكذب بإخفائها، حتى لو أخبره بوديعة عنده فأخذها الظالم قهرا وجب ضمانها على المودع المخبر، ولو استحلفه عليها لزمه أن يحلف، ویوري في يمينه، فإِن حلف ولم يُوَرّحنث على الأصل، وقيل: لا يحنث. (٢) (جـ) وقال موفق الدين بن قدامة: من الأيمان ماهي واجبة، وهي التي ينجي بها إنسانا معصوما من هلكة، كما روي عن سويد بن حنظلة قال : خرجنا نريد النبي # ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدوّله، فتحرج القوم أن يحلفوا، فحلفت أناءأنه أخي، فذكرت ذلك للنبي ﴾ فقال النبي وَارِ، (صدقت، المسلم أخو المسلم))(٣) فهذا ومثله (١) الشرح الصغير بحاشية الصاوي ١/ ٤٥٠ - ٤٥١ (٢) الأذكار للنووي ص ٣٣٦ - ٣٣٧ (٣) حديث: ((صدقت، المسلم أخو المسلم)) أخرجه أبوداود (٧٣/٣) ط عزت عبيد دعاس، وأخرجه الحاكم (٤/ ٣٠٠) ط دار الكتاب العربي وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. واجب، لأن إنجاء المعصوم واجب، وقد تعين في الیمین فیجب، وکذ لك إنجاء نفسه، مثل: أن تتوجه عليه أيمان القسامة في دعوى القتل عليه وهو بريء(١) الحكم المترتب على تمامها: ١١٢ - في الحكم المترتب على تمام الغموس ثلاثة آراء. الرأي الأول : أنها لا كفارة عليها سواء أكانت على ماض أم حاضر، وكل ما يجب إنما هو التوبة، ورد الحقوق إلى أهلها إن كان هناك حقوق، وهذا مذهب الحنفية . (٢) الرأي الثاني : أن فيها الكفارة، وهذا مذهب الشافعية، (٣) ويلاحظ أنهم في تعريف الغموس خصوها بالماضي، لكن من المعلوم أن إيجاب الكفارة في الحلف على الماضي يستلزم إيجابها في الحلف على الحاضر والمستقبل، لأنهم قالوا: إن كل ماعدا اللغو معقود. الرأي الثالث: التفصيل، وقد أوضحه المالكية بناء على توسعهم في معناها، فقالوا: من حلف على ماهو متردد فيه أو معتقد خلافه فلا كفارة عليه إن کان ماضیا، سواء أكان موافقا للواقع أم مخالفا، وعليه الكفارة إن كان حاضرا أو مستقبلا وكان في الحالين مخالفا للواقع . (٤) وإلى التفصيل ذهب الحنابلة أيضا، حيث (١) المغني على الشرح الكبير ١٦٦/١١ - ١٦٧ (٢) فتح القدير ٣/٤ (٣) أسنى المطالب ٤/ ٢٤٠ - ٢٤١ (٤) الشرح الصغير بحاشية الصاوي ٣٣٠/١ - ٣٣١ - ٢٨٨ - أیمان ١١٣ - ١١٤ اقتصروا في تعريف الغموس على ما كنت على الماضي، وشرطوا في كفارة اليمين أن تكون على مستقبل(١) فيؤخذ من مجموع كلامهم أن الحلف على الكذب عمدا لا کفارة فیه إن کان علی ماض أو حاضر، وفيه الكفارة إن كان على مستقبل. ١١٣ - احتج القائلون بوجوب الكفارة في الغموس بأنها مكسوبة معقودة، إذ الكسب فعل القلب، والعقد: العزم، ولاشك أن من أقدم على الحلف بالله تعالى كاذبا متعمدا فهو فاعل بقلبه وعازم ومصمم، فهو مؤاخذ. وقد أجمل الله عز وجل المؤاخذة في سورة البقرة فقال: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكنْ يؤاخذُكم بما كسبتْ قلوبُكم﴾(٢) وفصلها في سورة المائدة، فقال: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في ایانِکم ولکن یؤاخذُكم بما عقّدْتُم الأيمانَ، فكفارته إطعامُ عشرةٍ مساكين ... ﴾(٢) على أن اليمين الغموس أحق بالتكفير من سائر الأيمان المعقودة، لأن ظاهر الآيتين ينطبق عليها من غير تقدير، فإن الله عز وجل جعل المؤاخذة في سورة البقرة على الكسب بالقلب، وفي سورة المائدة على تعقيد الأيمان وإرادتها، وهذا منطبق أعظم انطباق على اليمين الغموس، لأنها حانثة من حين إرادتها والنطق بها، فالمؤاخذة مقارنة لها، بخلاف سائر الأيمان المعقودة، فإِنه لا مؤاخذة (١) مطالب أولي النهى ٣٦٨/٦ (٢) سورة البقرة / ٢٢٥ (٣) سورة المائدة / ٨٩ عليها إلا عند الحنث فيها، فهي محتاجة في تطبيق الآيتين عليها إلى تقدير، بأن يقال: إن المعنى : ولکن یؤاخذکم بالحنث فیما کسبت قلوبكم، وبالحنث في أيمانكم المعقودة، وكذلك قوله تعالى : ﴿ذلك كفارةُ أيمانكم إذا حلفْتُم﴾(١) معناه: إذا حلفتم وحنثتم . ١١٤ - واستدل الحنفية ومن وافقهم على عدم وجوب الكفارة في اليمين الغموس بما يأتي : أولا : قال الله تعالی: ﴿إِن الذین یشترون بِعَهْدِ الله وأيمانِهِم ثمنا قليلا، أولئك لا خَلَاقَ لهم في الآخرةِ ولا يكلمُهُمُ الله ولا ينظرُ إليهم يومَ القيامة ولا یزکیهم ولهم عذاب أليم﴾.(٢) ثانيا : ما رواه الأشعث بن قيس وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهما كل منهما عن رسول الله ﴾ أنه قال: ((من حلف على يمين صَبْ يقتطع بها مالَ امرىء مسلمٍ هو فيها فاجرٌ لقي الله وهو عليه غضبان». (٣) ووجه الاستدلال بالآية والحديثين وما معناهما: أن هذه النصوص أثبتت أن حكم الغموس . العذاب في الآخرة، فمن أوجب الكفارة فقد زاد على النصوص. ثالثا: قال رسول الله ێ: ((خمسٌ ليس لهن (١) سورة المائدة / ٨٩ (٢) سورة آل عمران / ٧٧ (٣) حديث: ((من حلف على يمين صبر ... )) أخرجه البخاري (٢١٢/٨) ط السلفية، ومسلم (٨٦/١) ط دار الآفاق. وقوله (صَبْ) بفتح الصاد وسكون الباء معناه: اليمين التي تلزم ويجبر حالفها عليها، وتسمى مصبورة أيضا: لأن القاضي يصبر صاحبها أي يحبسه حتى يؤديها. (ر: فيض القدير ٦/ ١٢٠). - ٢٨٩ - أيمان ١١٥ - ١١٦ كفارةُ: الشركُ بالله عز وجل، وقتلُ النفسِ بغيرِ حق، وبهتُ مؤمن، والفرارُ من الزحفِ، ويمينٌ صابرة يقتطع بها مالا بغير حق)). (١) حكم اليمين اللغو : ١١٥ - سبق بيان اختلاف المذاهب في تفسير يمين اللغو، فمن فسروها باليمين على الاعتقاد أو باليمين غير المقصودة ذهبوا إلى أنها لا إثم فيها من حيث ذاتها ولا كفارة لها . لكن لما فسرها المالكية بمعنى شامل للمستقبل قالوا: إنها تكفر إذا كانت على مستقبل وحنث فيها، كما لوحلف: أن يفعل كذا، أو ألا يفعل كذا غدا، وهو معتقد أن ماحلف على فعله سيحصل، وما حلف على عدم فعله لن يحصل، فوقع خلاف ما اعتقده(٢) وهم لا يخالفون الحنفية في ذلك، غير أن الحنفية لا يسمون الحلف على المستقبل لغوا كما تقدم . ومن فسروها باليمين على المعاصي اختلفوا، هل تكفر بالحنث أولا تكفر؟ فمنهم من قال : لا كفارة لها، لقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) لأن المراد أن الله عز وجل لا يؤاخذ من حلف على المعصية إذا لم ينفذ ماحلف عليه، وذلك أن التنفيذ حرام، واجتنابه واجب، فإِذا اجتنبه فقد أدى ماعليه، فلا يطالب بكفارة . ومنهم من قال: يجب على الحالف الحنث، . (١) حديث: ((خمس ليس لهن كفارة .... )) أخرجه أحمد (٣٦١/٢، ٣٦٢ ط المكتب الإسلامي) وقال السيوطي: إسناده حسن (فيض القدير ٤٥٨/٤). (٢) الشرح الصغير بحاشية الصاوي ١/ ٣٣١ وإذا حنث وجبت عليه الكفارة، لأن قوله تعالى : ﴿لا يؤاخذكم الله باللغوفي أيمانكم﴾ يراد به أن الله عز وجل لا يؤاخذ من حلف على المعصية إذا حنث ولم ينفذ، فلا يعاقبه على هذا الحنث، بل یوجبه علیه، ويأمره به، فإِذا حنث وجب عليه التكفير، عملا بقوله تعالى : ﴿ذلك كفارةُ أیمانِكم إذا حلفتم﴾ فإن المراد به: أن ماذكر هو كفارة الأيمان مطلقا لغوا ومعقودة . وهذا كله في اليمين بالله تعالى، وأما اليمين بغيره فسيأتي الكلام على اللغو فيها. أحكام اليمين المعقودة: اليمين المعقودة لها ثلاثة أحكام: حكم الإِتيان بها، وحكم البر والحنث فيها، والحكم المترتب على البر والحنث. وبیانها کمايلي : أ۔ حکم الإِتيان بها : ١١٦ - قال الحنفية والمالكية: إن الأصل في اليمين بالله تعالى الإِباحة، والإكثار منها مذموم. وهذا هو الحکم الأصلي للیمین، فلا ینافي أنه قد تعرض لليمين أمور تخرجها عن هذا الحكم، كما في المذاهب الآتية التي ذكرت الأحكام تفصيلا. وقال الشافعية: الأصل في اليمين الكراهة إلا في طاعة، أو حاجة دينية، أو في دعوى عند حاكم، أو في ترك واجب على التعيين أو فعل حرام(١) وهذا (١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٤٦/٣، وبداية المجتهد ٣٩٦/١، وتفسير القرطبي ٩٧/٣، والتحفة بحاشية الشرواني ٢١٦/٨، ونهاية المحتاج ٨/ ١٧٠، والبجيرمي على منهج الطلاب ٤/ ٣٢٠ - ٢٩٠ - أیمان ١١٦ - ١١٧ إجمال توضیحه فيما يلي: الأصل في اليمين الكراهة، لقوله تعالى : ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأيمانِكم أنْ تبرُّوا وتتقوا وتُصْلِحُوا بين الناسِ﴾(١) وقوله عز وجل: ﴿وَاحْفَظُوا أيمانكم﴾(٢) ولحديث: ((إنما الحلف حِنْثُ أوندم)). (٣) وقد يقال: إن الآية الأولى يحتمل أن يكون معناها: لا تجعلوا الحلف بالله حاجزا لما حلفتم على تركه من أنواع الخير، بناء على أن العرضة معناها: الحاجز والمانع، والأيمان معناها: الأمور التي حلفتم على تركها. ويحتمل أن يكون معناها: لا تجعلوا الله نصبا لأيمانكم، فتتبذلوه بكثرة الحلف به في كل حق وباطل، لأن في ذلك نوعَ جرأةٍ على الله تعالی . فالآية الأولى لا تدل على حكم الحلف، وعلى الاحتمال الثاني تدل على كراهة الإكثار، لا كراهة أصل الحلف. والآية الثانية: يحتمل أن يكون معناها طلب حفظ الأيمان المحلوفة عن الحنث، إذا كان الوفاء بها لا مانع منه، فتدل على كراهة الحنث أو حرمته، ولا شأن لها بالإِقدام على الحلف، ويحتمل أن يكون معناها طلب حفظ الأيمان التي في القلوب (١) سورة البقرة / ٢٢٤ (٢) سورة المائدة / ٨٩ (٣) حديث: ((إنما الحلف حنث أو ندم)) قال المناوي: أخرجه ابن ماجة (١ / ٦٨٠) وأبو يعلى كلاهما من حديث بشاربن كدام عن محمد بن زيد عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا. قال الذهبي : وبشار ضعفه أبوزرعة وغيره (ر فيض القدير ٢/ ٥٦٠). عن الإِظهار، فیکون المطلوب ترك الأیمان حذرا مما يترتب عليها من الحنث والكفارة، وعلى هذا یکون الإقدام على الیمین مکروها إلا لعارض يخرجه عن الكراهة إلى حكم آخر. والحديث المتقدم بعد الآيتين السابقتين ضعيف الإِسناد كما يؤخذ من فيض القدير، وعلى فرض صحته فالحصر فیه إنما يصح فیمن یکثر الحلف من غير مبالاة، فيقع في بعض الأحيان في الحنث، وفي بعضها يأتى بما حلف عليه كارها له مستثقلا إياه، نادما على ماكان منه من الحلف. ١١٧ - ومذهب الحنابلة شبيه بمذهب الحنفية، إذ الأصل عندهم الإِباحة، إلا أنهم فصلوا، فقالوا: تنقسم اليمين إلى واجبة، ومندوبة، ومباحة، ومكروهة، وحرام. فتجب لإِنجاء معصوم من مهلكة، ولو نفسه، كأيمان قسامة توجهت على بريء من دعوى قتل. وتندب لمصلحة، كإزالة حقد وإصلاح بين متخاصمين ودفع شر وهو صادق فيها . وتباح على فعل مباح أوتركه، کمن حلف لا يأكل سمكا مثلا أو ليأكلنه، وكالحلف على الخبر بشيء هو صادق فيه، أویظن أنه صادق. وتکره على فعل مكروه، کمن حلف ليصلين وهو حاقن(١) أو لیأکلن بصلا نيئا(٢) ومنه الحلف في (١) الحاقن: هو الذي يحبس البول. وإنما كرهت صلاته لمنعه الخشوع. (٢) النيء بكسر النون بوزن الفيل. هو الذي لم ينضج بطبخ أوشي. وقد تبدل الهمزة ياء وتدغم في الياء التي قبلها فيقال: فيّ بكسر النون وتشديد الياء. - ٢٩١ - أیمان ١١٨ البيع والشراء، لقوله ﴿: ((الحلف مَنْفَقَةٌ لِلسِلْعَةِ تَمْحَقَةً لِلْبركةِ))(١) أو على ترك مندوب كحلفه لا يصلي الضحى . وتحرم على فعل محرم، كشرب خمر، أو على ترك واجب، کمن حلف لا يصوم رمضان وهو صحيح مقیم. ثم إن إباحتها على فعل مباح أو تركه مالم تتكرر، فالتكرار خلاف السنة، فإِن أفرط فيه کره، لقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعَّ كلَّ خَلّفٍ مَهِينٍ﴾(٢) وهو ذم له يقتضي كراهة الإكثار. (٣) وهذا التقسيم لا تأباه المذاهب الأخرى. ب - حكم البر والحنث فيها : ١١٨ - اليمين المعقودة إما أن تكون على فعل واجب أو ترك معصية أوعكسهما، أو فعل ماهو أولی أو ترك ماترکه أولی أوعکسهما، أو فعل ما استوی طرفاه أو ترکه. فاليمين على فعل واجب أو ترك معصية، كوالله لأصلین الظهر الیوم، أولا أسرق اللیلة، يجب البر فيها ويحرم الحنث، ولا خلاف في ذلك كما لا يخفى . واليمين على فعل معصية أو ترك واجب، كوالله لأسرقن الليلة أولا أصلي الظهر اليوم يحرم البر فيها ويجب الحنث، وظاهر أنه لا خلاف في ذلك أيضا. (١) حديث: ((الحلف منفقة للسلعة ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٣١٥/٤) ومسلم (١٢٢٨/٣) ط عيسى البابي الحلبي (ر: فيض القدير ٤١٧/٣). (٢) سورة القلم / ١٠ (٣) مطالب أولي النهى ٣٦٥/٦، ٣٦٧ لكن ينبغي التنبه إلى أن الحلف على المعصية المطلقة عن التوقيت يلزمه فيها العزم على الحنث، لأن الحنث فيها إنما يكون بالموت ونحوه. واليمين على فعل ما فعله أولى أو على ترك ماتركه أولى - كوالله لأصلين سنة الصبح أولا ألتفت في الصلاة - يطلب البر فيها وهو أولى من الحنٹ. هكذا عبر الحنفية القدامى بالأولوية، وبحث الكمال بن الهمام في ذلك بأن قوله تعالى : ﴿واحفظوا أيمانكم﴾(١) يدل على وجوب البر وعدم جواز الحنث، ورجح ذلك ابن عابدين وغيره. وقال الشافعية والحنابلة:یسن البر ويكره الحنث في هذه الحالة. واليمين على ترك مافعله أولى، أو فعل ما تركه أولی - کوالله لا أصلي سنة الصبح أولألتفتن في الصلاة - يطلب الحنث فيها وهو أولى من البر. هذا مذهب الحنفية. وقال الشافعية والحنابلة: يسن الحنث في هذه الحالة ويكره البر . واليمين على فعل ما استوى طرفاه أو على تركه - كوالله لأتغدين هذا اليوم أولا أتغدى هذا اليوم - يطلب البر فيها، وهو أولى من الحنث. هكذا قال الحنفیة القدامى، ومقتضى بحث الكمال وجوب البر وعدم جواز الحنث. وقال الشافعية: البر أفضل، مالم يتأذ بذلك صدیقه، کمن حلف لا يأكل كذا،وكان صديقه يتأذى من ترك أكله إياه، فينعكس الحكم ويكون الحنث أفضل. (١) سورة المائدة / ٧٩ ٦ - ٢٩٢ - أيمان ١١٩ ومقصود الشافعية بالأفضلية الأولوية، وهي الاستحباب غير المؤكد، ويقال لمقابلها: خلاف الأولى أو خلاف الأفضل، وهو أقل من المكروه. وقال الحنابلة: یخیر بین البر واحنث، والبر أولى، فمذهبهم كمذهب الشافعية . (١) الحلف على الغير واستحباب إبرار القسم : ١١٩ - قد يحلف الإِنسان على فعل أو ترك منسوبين إليه، نحو: والله لأفعلن أولا أفعل، وهذا هو الغالب. وقد يحلف على فعل أوترك منسوبين إلى غيره، كقوله: والله لتفعلن أولا تفعل، وقوله: والله ليفعلن فلان كذا أو لا يفعله. وأحكام البر والحنث السابق ذكرها إنما هي فيمن حلف على فعل نفسه أو تركها. وأما من حلف على فعل غيره أو تركه،مخاطبا كان أو غائبا، فإِنه يتفق حكم التحنيث والإِبرار فيه مع حكم الحنث والبر السابقين في بعض الصور ويختلف في بعضها. أ - فمن حلف على غيره أن يفعل واجبا أو يترك معصية وجب إبراره، لأن الإِبرار في هذه الحالة إنما هو قیام بما أوجبه الله أو انتهاء عما حرمه الله عليه. ب - ومن حلف على غيره أن يفعل معصية أو يترك واجبا لم يجز إبراره، بل يجب تحنيثه، لحديث: ((لا طاعةَ لأحدٍ في معصية الله تبارك وتعالى))(٢) (١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٦٢/٣، ونهاية المحتاج ٨/ ١٧٠، ١٧١، وحاشية البجيرمي على منهج الطلاب ٤/ ٣٢٠، ومطالب أولي النهى ٦/ ٣٦٥، ٣٦٦ (٢) حديث: ((لا طاعة لأحد ... )) أخرجه أحمد (٦٦/٥)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٢٦ رواه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك من حديث ابن الحصين. ورجال = جـ ـ ومن حلف على غيره أن يفعل مكروها أو يترك مندوبا فلا يبرّه، بل يحنثه ندبا، لأن طاعة الله مقدمة على طاعة المخلوق. د - ومن حلف على غيره أن يفعل مندوبا أو مباحا، أو يترك مكروها أو مباحا فهذا يطلب إبراره على سبيل الاستحباب، وهو المقصود بحديث الأمر بإبرار القسم الذي رواه الشيخان عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: ((أُمَرَنا رسول الله ﴿ بسبع: أُمَرَنا بعيادةِ المريضِ، واتّباع الجنائز، وتَشْمِيتِ العاطس، وإبرارِ القسم، أو المقسم، (١) ونصرِ المظلومِ ، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام))(٢) وظاهر الأمر الوجوب، لکن اقتر انه بما هو متفق على عدم وجوبه - كإفشاء السلام - قرينة صارفة عن الوجوب . ومما يدل على عدم الوجوب أيضا أن النبي ﴾ لم يبرّ قسم أبي بكر رضي الله عنه، فقد روى الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما حدیثا طويلا يشتمل على رؤيا قصها أبوبكر رضي الله = أحمد رجال الصحيح (ر: فيض القدير ٤٣٢/٦) ورواه البخاري في صحيحه بلفظ: ((لا طاعة في المعصية، إنما الطاعة في المعروف)) (الفتح ٢٣٣/١٣) ط السلفية. (١) المقسم بضم الميم وكسر السين هو الحالف، ويروى بضم الميم وفتح السين على أنه مصدر ميمي كالمدخل والمخرج والمقام، بمعنى الإدخال والإخراج والإقامة، فالمقسم على هذا معناه الإقسام بكسر الهمزة (ر: منتقي الأخبار مع شرحه نيل الأوطار ٨/ ٢٤١). (٢) حديث: ((أمرنا رسول الله﴾ .... )) أخرجه البخاري (الفتح ١١٢/٣، ط السلفية) ومسلم (١٦٣٥/٣) ط عيسى البابي الحلبي، واللفظ له. - ٢٩٣ - أيمان ١٢٠ - ١٢٢ عنه، وجاء في هذا الحديث ((أنه قال لرسول الله وله بأبي أنت وأمي : أصبتُ أم أخطأتُ؟ فقال: أصبتَ بعضا وأخطأتَ بعضا. قال: فوالله لتحدثني بالذي أخطأت، قال: لا تقسم»(١) فقوله ټ﴾ ((لا تقسم)» معناه لا تكرر القسم الذي أتيت به، لأني لن أجيبك، ولعل هذا الصنيع من رسول الله ﴿ لبيان الجواز، فإِنه عليه الصلاة والسلام لا يفعل خلاف المستحسن إلا بقصد بيان الجواز، وهو يدل على أن الأمر في الحديث السابق ليس للوجوب، بل للاستحباب. (٢) جـ - الحكم المترتب على البر والحنث: ١٢٠ - اليمين المعقودة إذا بر فيها الحالف لم تلزمه كفارة كما لا يخفى، وإذا حنث - بأن انتفى ما أثبته أُو ثبت ما نفاه - لزمته الكفارة، سواء أكان حالفا على فعل معصية أو ترك واجب أم لا، وسواء أكان كاذبا عمدا أوخطأ أم لا، وسواء أكان قاصدا للحلف أم لا . هذا مذهب الحنفية ومن وافقهم، فهم یوجبون الكفارة على من حنث في اليمين بالله تعالى على آمر مستقبل ليس مستحيلا عقلا عند أبي حنيفة ومحمد، وليس مستحيلا عادة أيضا عند زفر، سواء أکان الحالف قاصدا أم غیر قاصد، وكذا من حلف بتعليق الكفر. (١) حديث: ((أصبتَ بعضا ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٤٣١/١٢) ط السلفية، ومسلم (١٧٧٧/٤، ١٧٧٨) ط عيسى الحلبي. (٢) نهاية المحتاج ١٦٩/٨، وتحفة المحتاج بحاشية الشرواني ٢١٤/٨، والمغني بأعلى الشرح الكبير ٢٤٧/١١، ومطالب أولي النهى ٦/ ٣٦٧ - ٣٦٨ ١٢١ - والمالكية يخالفون الحنفية في أمور: أحدها: أنهم یوجبون الكفارة في الغموس إذا كانت على أمر حاضر أو مستقبل، والحنفية لا يوجبون الكفارة فيها إلا إذا كانت على أمر مستقبل ممکن عقلا. ثانيها: أنهم يوجبون الكفارة في الحلف على المستقبل المستحيل عقلا إن كان عالما باستحالته أو مترددا فيها، والحنفية لا يوجبونها مطلقا. ثالثها: أنهم يفصلون في اليمين غير المقصودة، فيقولون: من أراد النطق بكلمة فنطق باليمين بدلها لخطأ لسانه لم تنعقد، ومن أراد النطق بشيء فنطق معه بالیمین زیادة بغير قصد کانت کالیمین المقصودة، فيكفرها إن كانت مستقبلية مطلقا، وكذا إن كانت غموسا حاضرة، والحنفية لم نرلهم تفصيلا في غير المقصودة، فقد أطلقوا القول بعدم اشتراط القصد. رابعها: أنهم لا يقولون بالكفارة في تعليق الكفر، والحنفية يجعلونه كناية عن اليمين بالله تعالی، فیوجبون الكفارة فیه إن کان علی أمر مستقبل غیر مستحیل عقلا . وليس المقصود بالكناية أنها تحتاج إلى النية، وإنما المقصود أنها لفظ أطلق وأريد لازم معناه، كما يقول علماء البلاغة. ١٢٢ - والشافعية يخالفون في أمور: أحدها: أنهم يحبون الكفارة في الغموس على ماض، ويلزم من ذلك إيجابها في الغموس على حاضر ومستقبل، فإن الغموس عندهم منعقدة مطلقا . ثانيها: أنهم يوجبون الكفارة في الحلف على - ٢٩٤ - أیمان ١٢٣ - ١٢٧ المستحيل عقلا، ماضیا کان أو حاضرا أو مستقبلا، إلا إن كانت اليمين غير مقصودة، أو كان جاهلا بالاستحالة. ثالثها: أنهم يقولون: إن اليمين غير المقصودة تعد لغوا مطلقا، سواء أكان معنى عدم القصد خطأ اللسان، أم كان معناه سبق اللسان إلى النطق بها، فلا كفارة فيها ولو على مستقبل. ويقولون فيمن حلف على غير الواقع، جاهلا بمخالفته للواقع: لا تنعقد یمینه، سواء أكان المحلوف عليه ماضيا أم حاضرا أم مستقبلا، إلا إذا قصد أن المحلوف عليه هو كما حلف عليه في الواقع ونفس الأمر، فتجب فيه الكفارة حينئذ. رابعها: أنهم لا يوجبون الكفارة في تعليق الكفر مطلقا . ونقل ابن قدامة عن قوم من فقهاء السلف أن من حلف على معصية فالكفارة ترك المعصية، ومعنى هذا: أن اليمين على المعصية تنعقد ويجب الحنث، وليس فيها الكفارة المعهودة. (١) الحنث في اليمين : معناه وما يتحقق به : ١٢٣ - أما معناه فهو: مخالفة المحلوف عليه، وذلك بثبوت ما حلف على عدمه، أو عدم ما حلف على ثبوته . وأما ما يتحقق به فيختلف باختلاف المحلوف عليه، وإليك البيان . المحلوف عليه إما ماض أو حاضر أو مستقبل. (١) المغني مع الشرح الكبير ١٧٣/١١ ١٢٤ - أما الماضي: فالحنفية والمالكية والحنابلة ومن وافقهم لا يعتبر ون الیمین علیه معقودة أصلا، فلا حنث فيها بالكذب عمدا أو خطأ. وأما الشافعية ومن وافقهم فيعتبرون اليمين علیه معقودة إذا کان الحالف كاذبا عمدا، وحينئذ يكون الحنث مقارنا للانعقاد، وتجب الكفارة من حين تمام الإِتيان بها . ١٢٥ - وأما الحاضر: فهو كالماضي، إلا أن المالكية متفقون مع الفريق الثاني القائل بانعقاد اليمين عليه إن كان الحالف كاذبا عمدا، ثم إنهم توسعوا فضموا إلى الكذب العمد ما تردد فيه المتكلم، بأن حلف علی مایظنه ظنا ضعيفا، أويشك فيه، أو يظن نقيضه ظنا ضعيفا، وسبق ذلك في تعريف الغموس وحکمها . ١٢٦ - وأما المستقبل: فاليمين عليه إن وجدت فيها شرائط الانعقاد، فإما أن تكون على نفي أو إثبات، وكل منهما إما مطلق وإما مقيد بوقت. أما اليمين على النفي المطلق: فالحنث فيها یتحقق بثبوت ما حلف علی نفیه، سواء أكان ذلك عقب اليمين أم بعده بزمان قصير أو طويل، وهل يمنع الحنث نسيان أو خطأ في الاعتقاد، أوخطأ لساني أو جنون أو إغماء أو إكراه؟ وهل يحنث بالبعض إذا كان المحلوف عليه ذا أجزاء أولا يحنث إلا بالجميع؟ کل ذلك محل خلاف یعلم مما يأتي في شرائط الحنث. ١٢٧ - وأما اليمين على النفي المؤقت: فالحنث فيها يتحقق بحصول الضد في الوقت، لا بحصوله قبله أو بعد تمامه. وفي النسيان ونحوه الخلاف الذي سبقت الإشارة إليه . - ٢٩٥ - أيمان ١٢٨ - ١٣٠ ١٢٨ - وأما اليمين على الإِثبات المطلق: فالحنث فيها يتحقق باليأس من البر، إما بموت الحالف قبل أن يفعل ما حلف على فعله، وإما بفوت محل المحلوف عليه، كما لو قال: والله لألبسنَّ هذا الثوب، فأحرقه هو أو غيره. (١) هذا مذهب الحنفية، وفصل عيرهم في فوت المحل بين ما كان باختيار الحالف وما كان بغير اختیاره، فما کان باختياره يحنث به، وما کان بغیر اختياره ففيه تفصيل يعلم من شرائط الحنث. وذهب المالكية إلى أن الحنث في هذه الحالة - وهي الحلف على الإِثبات المطلق - يحصل أيضا بالعزم على الضد، وذلك بأن ينوي عدم الإِتیان بالمحلوف مادام حيا، وهذا الحنث محتم لا يزول بالرجوع عن العزم على قول ابن المواز وابن شاس وابن الحاجب والقرافي، وهو ظاهر كلام خليل في مختصره والدردير في أقرب المسالك واعتمده البناني، خلافا للقائلين بالتفصيل بين الطلاق وغيره، حيث ذهبوا إلى أن الحلف بالطلاق على الإِثبات المطلق يحنث فيه بالعزم على الفوات، والحلف بالعتق وبالقربة وبالله تعالى لا يحنث الحالف بها بالعزم المذكور إلا إذا استمر عليه، فإن رجع عن عزمه رجعت اليمين كما كانت، ولم يحنث إلا بالفوات. وهذا الذي ذهب إليه المالكية لم يوافقهم عليه أحد من أهل المذاهب الأخرى. ١٢٩ - وأما اليمين على الإثبات المؤقت: فالحنث (١) ومن أمثلة فوت المحل: مالو اعتق عبدا مسلما حلف ليبيعنه لاستحالة بيعه بعد ذلك. ومن الأمثلة أيضا، ما لو حلف لیطلقن، ثم لا عنها، لأنها صارت بائنا باللعان، فلا يمكن وقوع الطلاق علیھا . فیھا یتحقق بالیاس من البر في الوقت، إن كان الحالف والمحلوف عليه قائمين، كأن قال: والله لآكلن هذا الرغيف اليوم، فغربت الشمس وهو حي والرغيف موجود ولم يأكله. وإن مات الحالف في الوقت ولم يفت محل المحلوف عليه لم يعتبر حانثا بالموت ولا بمضي الوقت بعده عند الحنفية جميعا، لأنهم يرون أن الحنث إنما يقع في آخر أجزاء الوقت في اليمين المؤقتة، والحالف ميت في هذا الجزء الأخير، ولا يوصف الميت بالحنث، ويحنث عند غيرهم على تفصيل يعلم من شرائط الحنث. وإن فات محل المحلوف عليه في الوقت، كأن أكل الرغيف إنسان آخر، ولم يمت الحالف، لم يحنث في قول أبي حنيفة ومحمد وزفر لأنهم يشترطون إمکان البر، خلافا لأبي يوسف، حيث قال بالحنث في هذه الحالة، لأنه لا يشترط هذه الشريطة. واختلفت الرواية عنه في وقت الحنث: فروي عنه أنه لا يحنث إلا آخر الوقت، وروي عنه أنه يحنث في الحال - أي حال فوت محل المحلوف عليه - وهذه الرواية الثانية هي الصحيحة عنه . وفي المذاهب الأخرى تفصيل بين فوت المحل باختيار الحالف، وفوته بغير اختياره، وبین حصول الفوت أول الوقت، أو بعد أوله، مع التفريط أو عدمه، وكل ذا يعلم من الشرائط الآتية . ١٣٠ - ومما ينبغي التنبه إليه أن المؤقتة إذا لم يبدأ وقتها من حین الحلف فمات الحالف، أوفات المحل قبل بدء الوقت فلا حنث في الصورتين، وخالف الحنابلة في الثانية، فقالوا بالحنث فيها، وذلك كما لو قال: والله لأشربن ماء هذا الکوب غدا، فمات هو أو شرب الماء إنسان آخر قبل فجر الغد، فإنه لا يعد - ٢٩٦ - أیمان ١٣١ - ١٣٢ حانثا في الحالين عند الأكثرين. ومما ينبغي التنبه له أيضا: أن التوقيت في اليمين المؤقتة يشمل التوقيت نصا، والتوقيت دلالة، كما لو قيل لإِنسان: أتدخل دار فلان اليوم؟ فقال: والله لأدخلنها، أو والله لا أدخلها، فالمحلوف عليه مؤقت باليوم دلالة، لوقوعه جوابا عن السؤال المحتوي علی قید التوقیت بالیوم، وهذا من يمين الفور، وسيأتي بيانها والخلاف فيها . شرائط الحنث : ١٣١ - الجمهور القائلون بأن الحنث هو السبب الوحيد، أو ثاني السببين للكفارة، أو شريطة لها، لم يصرحوا بشرائط للحنث، وإنما ذكروا أمورا يختلف الرأي فيها، إذا كان الحنث فعلا أو تركا، ومن هذه الأمور: العمد والطواعية والتذكر والعقل. وقد سبق أن الحنفية لا يشترطون في الحلف الطواعية ولا العمد، وهم لا يشترطونهما في الحنث أيضا، وكذلك لا يشترطون فيه التذكر ولا العقل، فمن حلف أو حنث مخطئا(١) أو مكرها وجبت عليه الكفارة. وكذا من حلف ألا يفعل شيئا ففعله وهو ذاهل أوساه أوناس(٢) أو مجنون أومغمى عليه فعليه الكفارة . فإن لم يفعل المحلوف عليه، بل فعله به غيره قهرا عنه لم يحنث، كما لو حلف ألا يشرب هذا (١) المراد بالمخطىء من أراد شيئا فسبق لسانه إلى غيره، كما لو أراد أن يقول: اسقني الماء، فقال: والله لا أشرب الماء كما تقدم. (٢) المراد بالساهي: من زال الشيء عن ذهنه. وكذلك الناسي، والذاهل والغافل، لكن فرق بعضهم بين الناسي والساهي: بأن الناسي إذا ذكرته تذكر، والسامي بخلافه. الماء، فصبه إنسان في حلقه قهرا، لأنه في هذه الحالة ليس شاربا، فلم يفعل ما حلف على الامتناع منه . ومن أمثلة النسيان في الحنث: مالوقال إنسان: والله لا أحلف، ثم حلف ناسيا لهذه اليمين، فإِنه يجب عليه کفارة بهذا الحلف الثاني من حیث کونه حنثا في اليمين الأولى، ثم إذا حنث في هذه اليمين الثانية وجبت عليه كفارة أخرى على القول بعدم تداخل الكفارات(١) وسيأتي الخلاف في ذلك. وقال المالكية: إن اليمين إما يمين بر، نحو والله لا أفعل كذا، وإما یمین حنث، نحو والله لأفعلن کذا. ١٣٢ - أما يمين البر: فيحنث فيها بفعل ما حلف على تركه - وكذا بفعل بعضه إن كان ذا أجزاء- عمدا أو نسيانا أو خطأ قلبيا، بمعنى اعتقاد أنه غير المحلوف عليه، وإنما يحنث بها إذا لم يقيد يمينه بالعمد أو العلم، فإِن قیدها بالعمد، بأن قال: لا أفعله عمدا، لم يحنث بالخطأ، وإن قید بالعلم، بأن قال: لا أفعله عالما، أولا أفعله مالم أنس لم يحنث بالنسيان . ولا يحنث في یمین البر بالخطأ اللساني، كما لو حلف: لا یذکر فلانا، ثم سبق لسانه بذكر اسمه، وكذا لا يحنث فيها بالإكراه على فعل ما حلف على الامتناع منه، وذلك بقيود ستة : أ - ألا يعلم أنه يكره على الفعل. ب- ألا یأمر غيره بإكراهه له. جـ - ألا يكون الإكراه شرعيا. (١) حاشية ابن عابدين ٤٩/٣ - ٢٩٧ - أيمان ١٣٣ - ١٣٦ د - ألا يفعل ثانيا طوعا بعد زوال الإكراه. هـ - ألا يكون الحلف على شخص بأنه لا يفعل كذا، والحالف هو المكره له على فعله. و - ألا يقول في يمينه: لا أفعله طائعا ولا مکرها . فإن وجد واحد من هذه الستة حنث بالإِكراه ووجبت الكفارة . ١٣٣ - وأما يمين الحنث: فيحنث فيها بالإِكراه علی ترك المحلوف علیه حتی یفوت، کما لو قال: واللّه لأدخلن دار زيد غدا، فمنع من دخولها بالإِکراه حتی غربت شمس الغد، فإنه يحنث. ويؤخذ من هذا: أنه يحنث أيضا بالترك ناسيا ومخطئا، بأن لم يتذكر الحلف من الغد، أو تذكره ودخل دارا أخرى يعتقد أنها الدار المحلوف عليها، ولم یتبین له الحال حتى مضى الغد. وإذا فات المحلوف علیه في یمین الحنث بمانع، فإما أن يكون المانع شرعيا أو عاديا أو عقليا . ١٣٤ - فإِن كان المانع شرعيا حنث بالفوات مطلقا، سواء أتقدم المانع على الحلف ولم يعلم به أم تأخر، وسواء أفرط فیه حتی فات أم لا، وسواء أكانت الیمین مؤقته أم لا . مثال ذلك: ما لو حلف أن یباشر زوجته غدا فطرأ الحيض، أوتبين أنه كان موجودا قبل الحلف ولم يعلم به، فیحنث عند مالك وأصبغ خلافا لابن القاسم، فإن لم يقيد بالغد لم يحنث، بل ينتظر حتى تطهر فیباشرها. ١٣٥ - وإن كان المانع عاديا، فإِن تقدم على اليمين ولم يعلم به فحلف لم يحنث مطلقا، أقّت أم لا، فرّط أم لا، وإن تأخر حنث مطلقا، خلافا لأشهب حیث قال بعدم الحنث. مثال ذلك: أن يحلف ليذبحن هذا الكبش، أو ليلبسن هذا الثوب، أو ليأكلن هذا الطعام، فسرق المحلوف عليه أو غصب، أومنع الحالف من الفعل بالإكراه، أو تبين أنه سرق قبل اليمين أو غصب ولم یکن یعلم بذلك عند الحلف. ومحل الحنث من المانع الشرعي والمانع العادي، إذا أطلق الحالف اليمين فلم يقيد بإمكان الفعل ولا بعدمه، أو قید بالإطلاق، کان قال: لأفعلن کذا وسکت، أو لأفعلن کذا قدرت علیه أم لا ، فإِن قید بالإِمکان فلا حنث، بأن قال: لأفعلنه إن أمكن، أو مالم يمنع مانع . ١٣٦ - وإن کان المانع عقلیا، فإن تقدم ولم یکن قد علم به لم يحنث مطلقا كما في المانع العادي، وإن تأخر فإما أن تكون اليمين مؤقتة أو غير مؤقتة. فإن كانت مؤقتة، وفات المحلوف عليه قبل ضيق الوقت، لم يحنث إن حصل المانع عقب الیمین، وکذا إن تأخر ولم یکن قد فرط، فإِن تأخر مع التفريط حنث. مثال ذلك: مالو حلف ليذبحن هذا الحمام أو ليلبسن هذا الثوب، فمات الحمام أو أحرق الثوب وكان قد أطلق اليمين، أو أقت بقوله: هذا اليوم، أو هذا الشهر مثلا . وصورة تقدم المانع: أن يكون غائبا عن المنزل مثلا، فيقول: والله لأذبحن الحمام الذي بالمنزل، أو لألبسن الثوب الذي في الخزانة، ثم يتبين له بعد الحلف موت الحمام أو احتراق الثوب قبل أن یحلف.(١) (١) الشرح الصغير ٣٣٤/١، ٣٣٥، الشرح الكبير بحاشية الدسوقي ١٣٤/٢، ١٤١ - ٢٩٨ - أيمان ١٣٦ - ١٣٧ وقال الشافعية: لا يحنث من خالف المحلوف عليه جاهلا أو ناسیا أو مكرها أو مقهورا، ولا تنحل اليمين في جميع هذه الصور، ولا يحنث أيضا إن تعذر البر بغير اختياره. ومن أمثلة الجهل: مالوحلف لا يسلم على زيد، فسلم عليه في ظلمة وهو لا يعرف أنه زید، وما لوحلف لا يدخل علی بکر، فدخل دارا هو فيها ولم يعلم أنه فيها. وأمثلة النسيان والإِكراه ظاهرة . ومثال القهر: مالوحلف: لا يدخل دار خالد، فحمل وأدخل قهرا، ويلحق به من حمل بغير أمره ولم يمتنع، لأنه لا یسمی داخلا، بخلاف من حمل بأمره فإنه يحنث لأنه یسمی داخلا، كما لوركب دابة ودخل بها . ومن صور تعذر البر بغير اختياره، مالوقال: والله لآكلن هذا الطعام غدا، فتلف الطعام بغير اختيار الحالف، أومات الحالف قبل فجر الغد، فإنه لا يحنث، بخلاف مالو تلف باختياره، فإنه يحنث، وفي وقت حثه خلاف، فقيل: هووقت التلف، وقيل: هو غروب شمس الغد، والراجح أن الحنث یتحقق بمضي زمن إمکان الأکل من فجر الغد. ٠ ومن صور الفوت بغير اختياره: ما لوتلف في الغد بغير اختياره، أومات في الغد قبل التمكن من أکله .(١) وقالوا أيضا: لو حلف لا يأكل هذين الرغيفين، أو لا يلبس هذين الثوبين، أو ليفعلن ذلك، تعلق الحنث والبر بالمجموع ولو متفرقا، وكذا لوعطف (١) الوجيز للغزالي ٢٢٩/٢ - ٢٣٢، وشرح الروض ٢٦٨/٤، ٢٦٩ بالواو نحو: لا أكلم زيدا وعمرا، أولا آكل اللحم والعنب، أو لأكلمن زيدا وعمرا، أو لأكلن اللحم والعنب، فإِن الحنث والبر يتعلق بهما، فلا يحنث في المثالين الأولين، ولا يبر في المثالين الأخير ين إلا بفعل المجموع ولو متفرقا. ١٣٧ - ويستثنى في حالة النفي مالوكرر حرف النفي، كأن قال: والله لا أكلم زيدا ولا عمرا. فإِنه يحنث بتکلیم أحدهما، وتبقی الیمین، فيحنث حنثا ثانیا بتكلیم الثاني. وإن قال: لا أکلم أحدهما أو واحدا منهما وأطلق، حنث بكلام واحد وانحلت اليمين. وإن قال: لا آكل هذه الرمانة فأكلها إلا حبة لم يحنث، أوقال: لآكلمن هذه الرمانة، فأكلها إلا حبة لم يبر. وخرج بالحبة: القشر ونحوه مما لا يؤكل من الرمانة عادة.(١) والحنابلة يوافقون الشافعية في كل ماسبق، ماعدا تفويت البر، فقد قالوا: لوحلف إنسان ليشربن هذا الماء غدا، فتلف قبل الغد أوفيه حنث، ولا يحنث بجنونه أو إكراهه قبل الغد مع استمرار ذلك إلى خروج الغد، ولا يحنث أيضا بموته قبل الغد. ولو حلف: ليشربن هذا الماء اليوم أو أطلق، فتلف قبل مضي وقت يسع الشرب لم يحنث، بخلاف مالوتلف بعد مضي ذلك الوقت فإِنه يحنث، وقيل: يحنث في الحالين. (٢) (١) الوجيز ٢٢٩/٢ -٢٣٢، وشرح الروض ٤/ ٢٥٤، ٢٥٥، ٢٦٨، ٢٧٢،٢٦٩ (٢) مطالب أولي النهى ٦/ ٣٦٩، ٤١٤ - ٢٩٩ - إيمان ١٣٨ - ١٤٠ بيان الكفارة : ١٣٨ - كفارة اليمين بالله تعالى إذا حنث فيها وهي منعقدة قد ذكرها الله عز وجل في كتابه العزيز حیث، قال: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغوفي ايمانِكمْ ولكنْ يؤاخذُكم بما عقّدْتُم الأيمانَ فكفَارتُه إطعامُ عَشَرةٍ مساكين من أوسطِ ماتُطْعمون أهليكم أو كِسوتُهم أو تحريرٌ رقبةٍ فمن لم يجد فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ ذلك كفارةُ أيمانِكم إذا حَلّفْتم واحفظوا أيمانكم . كذلك يُبَيُِّ الله لكم آياته لعلكم تشكرون﴾(١) فقد بينت الآية الكريمة أن كفارة اليمين المعقودة واجبة على التخيير ابتداء، والترتيب انتهاء، فالحالف إذا حنث وجب علیه إحدى خصال ثلاث: إطعام عشرة مساکین، أو کسوتهم، أو تحرير رقبة، فإِذا عجز عن الثلاث وجب عليه صيام ثلاثة أيام . ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك، لأنه نص قرآني قاطع، غير أن في التفاصيل اختلافات منشؤها الاجتهاد، وموضع بسطها (الكفارات). هل تتعدد الكفارة بتعدد اليمين؟ ١٣٩ - لا خلاف في أن من حلف یمینا فحنث فيها وأدی ماوجب عليه من الکفارة أنه لو حلف يمينا أخرى وحنث فيها تجب عليه كفارة أخرى، ولا تغني الكفارة الأولى عن كفارة الحنث في هذه اليمين الثانية . وإنما الخلاف فیمن حلف ايمانا وحنث فيها، ثم أراد التكفير، هل تتداخل الكفارات فتجزئه كفارة واحدة؟ أو لا تتداخل فيجب عليه لكل يمين کفارة؟ فإِن الكفارات تتداخل على أحد القولين عند الحنفية وأحد الأقوال عند الحنابلة، ولا تتداخل عند المالكية ولا الشافعية. وتفصيل ذلك في (الكفارات). ومثل الحلف بالله الحلف بالنذور، ومثله أيضا الحلف بالطلاق عند ابن تیمیة، كما لو قال: إن فعلت كذا فأنت طالق، قاصدا المنع، أويلزمني الطلاق إن فعلت كذا .(١) أحكام اليمين التعليقية حكم تعليق الكفر : ١٤٠ - سبق بيان الخلاف في أن تعليق الكفر على مالا يريده الإِنسان يعتبر يمينا أو لا يعتبر . فالقائلون بعدم اعتباره یمینا لا يرتبون على الحنث فيه كفارة، فيستوي عندهم أن يبر فيه وأن يحنث، لكنهم يذكرون حكم الإقدام عليه. والقائلون باعتباره يمينا يجعلونه في معنى اليمين بالله تعالى. وفي البدائع ماخلاصته: أن الحلف بألفاظ الكفر يمين استحسانا، لأنه متعارف بين الناس، فإنهم يحلفون بهذه الألفاظ من عهد رسول الله وَلقر إلى يومنا هذا من غير نكير. (٢) ولو لم يكن ذلك حلفا شرعيا لما تعارفوه، لأن الحلف بغير الله تعالى معصية، فدل تعارفهم على أنهم جعلوا ذلك كناية عن الحلف بالله عز وجل وإن لم يعقل (١) الإنصاف ٤٤/١١ - ٤٥ (٢) في هذا الكلام نظر ظاهر فليتأمل. (١) سورة المائدة / ٨٩ - ٣٠٠ -