النص المفهرس

صفحات 261-280

أيمان ٤٢ - ٤٥
إن فعلت كذا، ثم فعله، وجبت عليه كفارة اليمين
على الأرجح عندهم.
ز- عليّ کفارة نذر :
٤٢ - سبق حكم القائل: عليَّ نذر.
ويؤخذ منه أن من قال: علي كفارة نذر تجب
عليه كفارة يمين عند الحنفية والمالكية والشافعية
والحنابلة، وقد صرح الشافعية بمقتضى ذلك،
فقالوا: من قال: علي كفارة نذر، وجبت عليه كفارة
يمين منجزة في الصيغة المنجزة، ومعلقة في الصيغة
المعلقة . (١)
ح - علي كفارة :
٤٣ - سبق أن المالكية يوجبون كفارة يمين على من
قال: عليَّ كفارة من غير أن يضيف الكفارة إلى
اليمين أو النذر أو غيرهما.
ولم نجد في المذاهب الأخرى حكم هذه الصيغة
عند الإطلاق، ولاشك أن حكمها عند النية هو
وجوب مانوى مما يصدق عليه اسم الكفارة.
ط - تحريم العين أو الفعل :
٤٤ - ذهب الحنفية إلى أن تحريم الإِنسان العين أو
الفعل على نفسه يقوم مقام الحلف بالله تعالى،
وذلك كأن يقول: هذا الثوب عليَّ حرام، أولبسي
لهذا الثوب عليَّ حرام، سواء أكانت العين التي
نسب التحريم إليها أو الى الفعل المضاف لها مملوكة
له أم لا، كأن قال متحدثا عن طعام غيره: هذا
الطعام عليَّ حرام، أو أكل هذا الطعام علي حرام،
وسواء أكانت العين المذکورة من المباحات أم لا ،
كأن قال: هذه الخمر عليَّ حرام، أو شرب هذه
الخمر عليَّ حرام.
فكل صيغة من هذه الصيغ تعتبر یمینا، لكن
إذا كانت العين محرمة من قبل، أو مملوكة لغيره لم
تکن الصیغة يمينا إلا بالنية، بأن ينوي إنشاء
التحريم. فإِن نوى الإخبار بأن الخمر حرام عليه
شرعا، أوبأن ثوب فلان حرم عليه شرعا، لم تكن
الصيغة يمينا، وكذا إن أطلق، لأن المتبادر من
العبارة هو الإِخبار.
ثم إن تحريم العين لا معنى له إلا تحريم الفعل
المقصود منها، كما في تحريم الشرع لها في نحو قوله
تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عليكم أمّهاتُكم﴾(١) وقوله
﴿حُرِّمَتْ عليكم الميتةُ وِالدمُ ولحم الخنزير﴾.(٢)
وقوله :﴿: ((كلُّ مسكرٍ حرامٌ))(٣) فتحريم
الأمهات ونحوهن ينصرف إلى الزواج. وتحريم
الميتة ونحوها والمسکر ینصرف کله إلى التناول بأکل
أو شرب.
٤٥ - وفيما يلي أمثلة لصيغ التحريم التي تعتبر
أیمانا، مع بیان مایقع به حنث في کل منها:
(١) لوقال: هذا الطعام أو المال أو الثوب أو
الدار عليَّ حرام، حنث بأكل الطعام، وإنفاق
المال، ولبس الثوب، وسكنى الدار، وعليه
(١) سورة النساء / ٢٣
(٢) سورة المائدة / ٣
(٣) حديث: ((كل مسكر حرام)) أخرجه مسلم (١٥٨٨/٣ - ط
الحليي)، من حديث ابن عمر، وأخرجه البخاري (١٠/ ٤١ -
الفتح - ط السلفية) بلفظ: ((كل شراب أسكر فهو حرام)) من
حديث عائشة.
(١) نهاية المحتاج ٢٠٨/٨
- ٢٦١ -

أیمان ٤٥
الكفارة، ولا يحنث بهبة شيء من ذلك،
ولا بالتصدق به .
(٢) لو قالت امرأة لزوجها: أنت عليَّ حرام، أو
حرمتك على نفسي، حنثت بمطاوعته في الجماع،
وحنثت أيضا بإكراهه إياها عليه بناء على أن الحنث
لا يشترط فيه الاختيار.
(٣) لو قال لقوم: كلامكم عليَّ حرام، حنث
بتكليمه لواحد منهم، ولا يتوقف الحنث على
تكليم جميعهم، ومثل ذلك مالوقال: كلام
الفقراء، أو كلام أهل هذه القرية، أو أكل هذا
الرغيف عليَّ حرام، فإنه يحنث بكلام واحد، وأکل
لقمة، بخلاف مالوقال: والله لا أكلمكم، أولا
أكلم الفقراء، أو أهل هذه القرية، أولا آكل هذا
الرغيف، فإنه لا يحنث إلا بتكليم الجميع وأكل
جميع الرغيف.
(٤) لوقال: هذه الدنانير عليَّ حرام حنث إن
اشترى بها شيئا، لأن العرف يقتضي تحريم
الاستمتاع بها لنفسه، بأن يشتري ما يأكله أو يلبسه
مثلا، ولا يحنث بهبتها ولا بالتصدق بها.
واستظهر ابن عابدين: أنه لا يحنث لو قضی بها
دینه، ثم قال: فتأمل.
(٥) لو قال: كل حلّ علي حرام، أو حلال الله أو
حلال المسلمين علي حرام، كان يمينا على ترك
الطعام والشراب إلا أن ينوي غير ذلك، وهذا
استحسان .
وقال المالكية: تحريم الحلال في غير الزوجة لغو
لا يقتضي شيئا، إلا إذا حرم الأمة ناويا عتقها،
فإِنها تعتق، فمن قال: الخادم أو اللحم أو القمح
عليَّ حرام إن فعلت كذا، ففعله، فلا شيء عليه،
ومن قال: إن فعلت کذا فزوجتي علي حرام، أو
فَعَآّي الحرام، يلزمہ بَتّ طلاق المدخول بها ۔ ثلاثا -
مالم ينو أقل من الثلاث فيلزمه مانوى، أما غير
المدخول بها فيلزمه طلقة واحدة ما لم ينو أكثر. هذا
هو مشهور المذهب، وقيل : يلزمه في المدخول بها
واحدة بائنة كغير المدخول بها ما لم ينوأكثر، وقيل :
يلزمه في غير المدخول بها ثلاث كالمدخول بها ما لم
ينو أقل. ولو قال: كل حلال علي حرام، فإِن
استثنى الزوجة لم يلزمه شيء، وإلا لزمه فيها
ماذکر.
وقال الشافعية: لوقال إنسان لزوجته: أنت علي
حرام، أو حرمتك، ونوى طلاقا واحدا أو متعددا أو
ظهارا وقع، ولو نوی تحریم عينها أو وطئها أو فرجها
أو رأسها أو لم ینو شیئا أصلا - وأطلق ذلك، أو أقته
كره، ولم تحرم الزوجة عليه، ولزمه كفارة یمین،
ولیس ذلك یمینا، لأنه ليس إقساما بالله تعالى ولا
تعليقا للطلاق أو نحوه.
ويشترط في لزوم الكفارة ألا تكون زوجته مُخْرمة
بحج أو عمرة، وألا تكون معتدة من وطء شبهة،
فإِن كانت كذلك لم تجب الكفارة على المعتمد.
ولو حرم غير الزوجة كالثوب والطعام والصديق
والأخ لم تلزمه كفارة. (١)
وقال الحنابلة: من حرم حلالا سوى الزوجة لم
يحرم عليه شرعا، ثم إذا فعله ففي وجوب الكفارة
قولان، أرجحهما: الوجوب، ويستوي في التحریم
(١) ابن عابدين ٦٣/٣، والشرح الصغير بحاشية الصاوي عليه
٣٣٦/١، والشرح الكبير ١٣٥/٢، وأسنى المطالب مع حاشية
الشهاب الرملي عليه ٣/ ٢٧٢، ٢٧٣
- ٢٦٢ -

أيمان ٤٦ - ٤٧
تنجيزه وتعليقه بشرط، ومثال المنجز: ما أحل الله
علي حرام، ولا زوجة لي، وکسبي علي حرام، وهذا
الطعام علي كالميتة أو كالدم أو كلحم الخنزير.
ومثال المعلق: إن أكلت من هذا الطعام فهو علي
حرام. وإنما لم يحرم عليه ما حرمه على نفسه لأن
الله عز وجل سمى التحريم يمينا حيث قال:
(يا أيها النبيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَخَلَّ اللهُ لكَ تَبْتَغي مرضاتَ(١)
أَزْوَاجِكَ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قد فَرَضَ اللهُ لكُمْ تَجِلَّةَ
آَيّانِکم». (٢)
واليمين لا تحرم الحلال، وإنما توجب الكفارة
بالحنث، وهذه الآية أيضا دليل على وجوب
الكفارة .
وأما تحريم الزوجة فهو ظهار، سواء أنوى به
الظهار أو الطلاق أو اليمين أم لم ينو شيئا على
الراجح.
ولو قال: ما أحل الله عليَّ من أهل ومال فهو
حرام - وكان له زوجة ـــ كان ذلك ظهارا وتحريما
للمال، وتجزئه كفارة الظهار عنهما. (٣)
قيام التصديق بكلمة نعم مقام اليمين
٤٦ - الصحيح من مذهب الحنفية أن من عرض
علیه الیمین فقال: نعم كان حالفا، ولو قال رجل
لآخر عليك:عهد الله إن فعلت كذا فقال: نعم.
(١) المرضات: مصدر ميمي وتاؤه تكتب مربوطة على لغة من يقف
على المفرد المؤنث بالهاء، وتكتب مفتوحة على لغة من يقف
بالتاء، واللغتان فصیحتان، وإن کانت الأولی أکثر استعمالا ،
وقد كتبت هنا مفتوحة لأنه يوقف عليها بالتاء.
(٢) سورة التحريم / ٢،١
(٣) مطالب أولي النهى ٦/ ٣٧١، ٥١٠/٥
فالحالف المجيب، ولا يمين على المبتدىء ولو نواه،
لأن قوله: عليك صريح في التزام اليمين على
المخاطب، فلا يمكن أن يكون يمينا على
المبتدىء، بخلاف ما إذا قال: والله لتفعلن، وقال
الآخر: نعم، فإنه إذا نوى المبتدىء التحلیف
والمجيب الحلف، كان الحالف هو المجيب وحده،
وإذا نوى كل منهما الحلف يصير كل منهما حالفا. (١)
وقال الشافعية: لوقيل لرجل: طلقت
زوجتك، أو أطلقت زوجتك؟ استخبارا ۔ فقال:
نعم، كان إقرارا، وإن كان الالتماس الإنشاء كان
تطليقا صريحا، وإن جهل الحال حمل على
الاستخبار. (٢)
هذا ما قالوه في الطلاق، ويقاس عليه ما لوقال
إنسان لآخر: حلفتَ، أو أَحلفتَ بالله لاتكلم
زيدا؟ فقال: نعم. ففي ذلك تفصيل: فإن كان
للاستخبار کان إقرارا محتملا للصدق والكذب،
فیحنث بالتکلیم إن كان صادقا، ولا يحنث به إن
کان کاذبا .
وإن كان الالتماس الإنشاء كان حلفا صريحا.
وإن جهل حال السؤال حمل على الاستخبار،
فيكون الجواب إقرارا والله أعلم، ولم يعثر
للمذاهب الأخرى على نص في هذا.
الحلف بغير الله تعالى بحرف القسم
وما يقوم مقامه :
٤٧ - علم مما تقدم أن صيغة اليمين بحرف القسم
(١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٩٥/٣، ٩٦، وتقرير
الرافعي ٢١/٢
(٢) الوجيز للغزالي ٦٩/٢، وأسنى المطالب ٣٢٤/٣، ٣٢٥
- ٢٦٣ -

أيمان ٤٨
ومايقوم مقامه تنحصر شرعا في اليمين بالله تعالى .
فالحلف بغيره بحرف القسم ومايقوم مقامه لا يعتبر
يمينا شرعية، ولا يجب بالحنث فيه كفارة.
ومن أمثلته: أن يحلف الإِنسان بأبيه أو بابنه أو
السلام أو بالعبادات :
بالأنبياء أو بالملائكة عليهم
كالصوم والصلاة، أو بالكعبة أو بالحرم أو بزمزم أو
بالقبر والمنبر أو غير ذلك من المخلوقات. سواء أتی
الحالف بهذه الألفاظ عقب حرف القسم أم أضاف
إليها كلمة: ((حق)) أو ((حرمة)» أو «حياة)) أو نحو
ذلك. وسواء أكان الحلف بحرف من حروف
القسم أم بصيغة ملحقة بما فيه هذه الحروف، مثل
لعمرك ولعمري وعمرك الله (١) وعليَّ عهد رسول الله
لأفعلن کذا .
٤٨ - وقد ورد النهي عنه في عدة أحاديث.
(منها) قوله وَير: ((من كان حالفا فلا يحلف إلا
بالله)»(٢)
(ومنها) قوله عليه الصلاة والسلام: ((من حلف
بغير الله فقد أشرك)). وفي رواية ((فقد كفر))(٣)
(ومنها) قوله صلوات الله وسلامه علیه ((من
حلف بالأمانة فليس منا)). (٤)
(١) العمر في هذا المثال معناه اعتقاد بقاء الله، فقول القائل:
عمرك الله، معناه أحلف باعتقادك أن الله عز وجل باق، ولاشك
أن الاعتقاد صفة للمخاطب وليس صفة لله تعالى.
(٢) حديث: ((من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله)) أخرجه النسائي
(٤/٧ - ط المكتبة التجارية) وأصله في صحيح البخاري
(١١/ ٥٧٠ - الفتح - ط السلفية).
(٣) حديث: ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) وفي رواية ((فقد كفر))
أخرجه أحمد (٣٤/٢ - ط اليمنية) والحاكم وصححه (٤/ ٢٩٧ -
ط دائرة المعارف العثمانية) ووافقه الذهبي.
(٤) حديث: ((من حلف بالأمانة فليس منا)) أخرجه أبوداود
(٥٧١/٣ - ط عزت عبيد دعاس) وصححه النووي في ریاض
الصالحين (ص ٦٠١ - ط المكتب الإسلامي).
#
(ومنها) ما أخرجه النسائي عن سعد بن أبي
وقاص رضي الله عنه قال: ((حلفت باللات
والعزى، فأتیت رسول الله پڼ فذكرت ذلك له،
فقال: قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له
الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وانفث
عن شمالك ثلاثا، وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم،
ثم لا تعد».
وفي رواية أخرى رواها النسائي عنه أيضا قال:
«حلفت باللات والعزى، فقال لي أصحاب رسول
الله ◌َعلى: بئسما قلت، اثت رسول الله وعليه فأخبره،
فإنا لا نراك إلا قد کفرت، فلقيته فأخبر ته فقال لي :
قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له ثلاث مرات،
وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاث مرات،
وانفث عن شمالك ثلاث مرات، ولا تعد له)). (١)
قال المناوي في فيض القدير (١٢١/٦) الأمانة: الفرائض
=
كصلاة وصوم وحج. وقوله: ((فليس منا)) معناه ليس من جملة
المتقین معدودا، ولا من جملة أکابر المسلمین محسوبا، أو ليس من
ذوي أسوتنا، فإِنه من دين أهل الكتاب، ولأنه سبحانه أمر
بالحلف بأسمائه وصفاته، والأمانة أمر من أموره، فالحلف بها
یوهم التسویة بینها وبین الأسماء والصفات، فنهوا عنه کما نهوا عن
الحلف بالآباء.
ثم نقل عن أشهب المالكي أن الأمانة محتملة، فإِن أريد بها
مابين الخلق فغيريمين، وإن أريد بها التي هي من صفات ذاته
تعالى فهي يمين أ. هـ. ونقول إيضاحا هذا المقام: إن الحالف قد
يقول: والأمانة، أو وأمانة الله، أو علي الأمانة، أو علي أمانة الله
لأفعلن كذا مثلا. وفي جميع هذه الصور إما أن يريد صفة الله
تعالى الذاتية، وهي إلزامه عباده وتكليفه إياهم، وهذا راجع إلى
كلامه القديم، وإما أن يريد نفس الأمور التي كلف بها العباد،
وهذه من صفاتهم، فلا يصح الحلف بهذه الأخيرة.
(١) حديث: ((قل لا إله إلا الله)) أخرجه النسائي (٧/٧ -٨ - ط
المكتبة التجارية)، وإسناده ضعيف، (التهذيب لابن حجر.
٦٧/٨ - ط دائرة المعارف النظامية بالهند).
- ٢٦٤ -

أيمان ٤٩ - ٥١
(ومنها) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن
أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله
: ((من حلف منكم فقال في حلفه: باللات،
فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال
أقامرك فلیتصدق)». (١)
٤٩ - وورد عن الصحابة رضي الله عنهم استنكار
الحلف بغير الله تعالى .
فمن ذلك مارواه الحجاج بن المنهال بسنده عن
عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ((لأن
أحلف بالله كاذبا أحبُّ إليَّ من أن أحلف بغير الله
صادقا)) وما رواه عبدالرزاق بسنده عن وبرة قال:
قال ابن مسعود أو ابن عمر: ((لأن احلف بالله كاذبا
أحب إليَّ من أن أحلف بغيره صادقا)»، وما رواه
عبدالرزاق بسنده عن ابن الزبير رضي الله عنه :
((أن عمر قال له - وقد سمعه يحلف
بالكعبة -: لو أعلم أنك فكرت فيها قبل أن
قبتك، احلف بالله فَثَّمْ أو ابرر). (٢)
تحلف لـ
أثر الحلف بغير الله :
٥٠ - لا خلاف بين الفقهاء في أن الحلف بغير الله
تعالی لا تجب بالحنث فيه كفارة، إلا ماروي عن
أكثر الحنابلة من وجوب الكفارة على من حنث في
الحلف برسول الله والخير، لأنه أحد شطري
الشهادتين اللتين يصير بهما الكافر مسلما، وعن
(١) حديث: ((من حلف منكم فقال في حلفه ... )) أخرجه مسلم
(١٢٦٧/٣ - ١٢٦٨ - ط الحلبي).
(٢) ذكر هذه الآثار الثلاثة ابن حزم في المحلى مستدلا بها على تحريم
الحلف بغير الله في ضمن ما استدل من الأحاديث. ر: (المحلى
٣٩/٨)
بعضهم: أن الحلف بسائر الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام تجب بالحنث فيه الكفارة أيضا، لكن
الأشهر في مذهبهم أنه لا كفارة بالحنث في الحلف
بنبينا وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ولا خلاف بين الفقهاء أيضا في أن الحلف بغير
الله منهي عنه، لكن في مرتبة هذا النهي اختلاف،
والحنابلة قالوا: إنه حرام إلا الحلف بالأمانة، فإِن
بعضهم قال بالكراهة، والحنفية قالوا مكروه
تحريما، والمعتمد عند المالكية والشافعية أنه
تنزيها.(١)
وصرح الشافعية أنه إن كان بسبق اللسان من
غير قصد فلا كراهة، وعليه يحمل حديث
الصحیحین في قصة الأعرابي - الذي قال لا أزيد
على هذا ولا أنقص - أن رسول الله# قال:
((أفلح وأبيه إن صدق)). (٢)
شرائط القسم
يشترط في انعقاد القسم وبقائه شرائط، وهي
ثلاثة أنواع:
(أولا)
الشرائط التي ترجع إلى الحالف
يشترط في انعقاد اليمين وبقائها شرائط في
الحالف.
٥١ - (الأولى) البلوغ. (والثانية) العقل.
وهاتان شريطتان في أصل الانعقاد، فلا تنعقد
(١) ابن عابدين ٤٦/٣، والبدائع ٨/٣، وفتح القدير ٨/٤،
والشرح الصغير ٣٣٠/١، وأسنى المطالب ٢٤٢/٤، ومطالب
أولي النهى ٦/ ٣٦٤
(٢) أسنى المطالب ٢٤٢/٤
- ٢٦٥ -

أيمان ٥٢ - ٥٣
يمين الصبي - ولو مميزا - ولا المجنون والمعتوه
والسكران - غير المتعدي بسكره - والنائم والمغمى
علیه، لأنها تعرف إيجاب، وهؤلاء ليسوا من أهل
الإيجاب.
ولا خلاف في هاتين الشريطتين إجمالا . (١)
وإنما الخلاف في السكران المتعدي بسكره،
والصبي إذا حنث بعد بلوغه. أما السكران
المتعدي، فالجمهور یرون صحة یمینه إن كانت
صريحة تغليظا عليه. وأبوثور والمزني وزفر
والطحاوي والكرخي ومحمد بن سلمة وغيرهم
یرون عدم انعقاد يمينه كالسكران غير المتعدي،
وتفصيل ذلك في (الحجر).
وأما الصبي فالجمهور یرون أن یمینه لا تنعقد،
وأنه لو حنث - ولو بعد البلوغ - لم تلزمه كفارة، وعن
طاوس أن يمينه معلقة، فإن حنث بعد بلوغه لزمته
الكفارة . (٢)
وحجة الجمهور قوله ويثير: ((رفع القلم عن
ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون
حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ)). (٣)
٥٢ - (الشريطة الثالثة) الإِسلام، وإلى هذا ذهب
الحنفية والمالكية. فلا تنعقد اليمين بالله تعالى من
الكافر ولو ذمیا، وإذا انعقدت یمین المسلم بطلت
بالكفر، سواء أكان الكفر قبل الحنث أم بعده، ولا
(١) البدائع ٣/ ١٠، والشرح الصغير بحاشية الصاوي ٣٢٥/١،
ونهاية المحتاج ١٦٤/٨، ومطالب أولي النهى ٦/ ٣٦٧
(٢) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٤٢٤/٢
(٣) حديث: ((رفع القلم عن ثلاثة ... )) أخرجه أبوداود (٤ / ٥٦٠ -
ط عزت عبيد دعاس) والحاكم (٥٩/٢ - ط دائرة المعارف
العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
ترجع بالإِسلام بعد ذلك.(١)
وقال الشافعية والحنابلة: (٢) لا يشترط الإِسلام
في انعقاد اليمين ولا بقائها، فالكافر الملتزم
للأحكام - وهو الذمي والمرتد - لو حلف بالله تعالى
على أمر، ثم حنث وهو كافر، تلزمه الكفارة عند
الشافعية والحنابلة، لكن إذا عجز عن الكفارة
المالية لم يكفر بالصوم إلا إن أسلم. وهذا الحكم إنما
هو في الذمي، وأما المرتد فلا یکفّر في حال ردته، لا
بالمال ولا بالصوم، بل ينتظر، فإِذا أسلم كفّر، لأن
ماله في حال الردة موقوف، فلا یمگّن من التصرف
فیه .
ومن حلف حال کفره ثم أسلم وحنث، فلا
كفارة عليه عند الحنفية والمالكية. وعليه الكفارة
عند الشافعية والحنابلة إن كان حين الحلف ملتزما
للأحكام .
٥٣ - (الشريطة الرابعة) التلفظ باليمين، فلا
يكفي كلام النفس عند الجمهور خلافا لبعض
المالكية .
ولابد من إظهار الصوت بحيث يسمع نفسه إن
كان صحيح السمع، ولم يكن هناك مانع من
السماع كلغط وسدِّ أذن.
واشتراط الإِسماع ولو تقديرا هورأي الجمهور،
الذي يرون أن قراءة الفاتحة في الصلاة يشترط في
صحتها ذلك.
وقال المالكية والكرخي من الحنفية: لا يشترط
الإِسماع، وإنما يشترط أن يأتي بالحروف مع تحريك
اللسان ولو لم يسمعها هوولا من يضع أذنه بقرب
(١) البدائع ٣/ ١٠، والشرح الكبير بحاشية الدسوقي ٣٠٧/٤
(٢) نهاية المحتاج ١٦٤/٨، والمغني بأعلى الشرح الكبير ١١/ ١٦١
- ٢٦٦ -

أیمان ٥٤ _ ٥٥
فمه مع اعتدال السمع وعدم الموانع .
هذا وإن الحنفية والشافعية والحنابلة قد صرحوا
بأن إشارة الأخرس باليمين تقوم مقام النطق .
وقال الشافعية: إن الكتابة لو كانت بالصريح
تعتبر كناية، لأنها تحتمل النسخ، وتجربة القلم
والمداد وغیرها، وبأن إشارة الأخرس إن اختص
بفهمها الفطن فهي كناية تحتاج إلى النية، وإن
فهمها كل إنسان فهي صريحة . (١)
الطواعية والعمد في الحالف :
٥٤ - لا تشترط عند الحنفية الطواعية - أي الاختيار
- في الحالف، ولا العمد - أي القصد - فتصح
عندهم يمين المكره والمخطىء، وهو من أراد غير
الحلف فسبق لسانه إلى الحلف، كأن أراد أن
يقول: اسقني الماء، فقال: والله لا أشرب الماء،
لأنها من التصرفات التي لا تحتمل الفسخ فلا يؤثر
فيها الإِكراه والخطأ، كالطلاق والعتاق والنذر وسائر
التصرفات التي لا تحتمل الفسخ.
وقال المالكية والشافعية والحنابلة: تشترط
الطواعية والعمد، فلا تنعقد يمين المكره ولا
المخطىء، (٢) غير أن الشافعية يقولون في المكره
(١) البدائع ٣/ ١٠٠، والدر المختار بحاشية ابن عابدين عليه
٥٠٩/٢، ٥١٠، والشرح الصغير ٣٣١/١، ومواهب الجليل
للخطاب ٢٦١/٣، وأسنى المطالب ٢٧٧/٣، ومطالب أولي
النهى ٦/ ٣٥٧
(٢) مما ينبغي التنبه إليه أن سبق اللسان نوعان: أحدهما: غلبة
جریانه بالیمین، کمن یغلب في حديثه أن یقول: لا والله، وبلی
والله من غير قصد.
ثانيهما: تحول اللسان والتفاته من لفظ غير اليمين يراد النطق
به إلى لفظ اليمين، والنوع الأول لا يسمى خطأ، وهو صحيح،
وواقع عند المالكية، ويسميه الحنفية والشافعية=
علی الیمین: إذا نوی الحلف صحت یمینه. (١)
لأن الإِكراه لا يلغي اللفظ، وإنما يصير به الصريح
کنایة، وهذا الذي قالوه لا يستبعد أن يكون متفقا
علیه، فإن إلغاء کلام المکره لا وجه له، إلا أنه إنما
قصد دفع الأذى عن نفسه، ولم يقصد استعمال
اللفظ في معناه، فإذا قصد استعماله في معناه كان
هذا أمرا زائدا لا تدعو إليه الضرورة .
وقال الشافعية أيضا: لا يلزم المكرَه التوريةُ وإن
قدر عليها .
والتورية هي : أن يطلق الإِنسان لفظا هو ظاهر
في معنى ويريد به معنى آخر يتناوله ذلك اللفظ،
ولكنه خلاف ظاهره. (٢)
عدم اشتراط الجد في الحالف :
٥٥ - الجدّ - بكسر الجيم - في التصرفات القولية
معناه: أن ینطق الإِنسان باللفظ راضیا بأثره، سواء
أکان مستحضرا لهذا الرضی أم غافلا عنه، فمن
نطق باللفظ الصريح ناويا معناه، أو غافلا عن هذه
النية، مريدا أثره أو غافلا عن هذه الإرادة يقال له
جادّ، فإِن أراد تجريد اللفظ عن أثره من غير تأويل
ولا إكراه، فنطق به لعبا أو مزاحا كان هازلا ،
= والحنابلة لغوا، فلا يقع عندهم، غير أن الحنفية يوقعونه في
المستقبل. والنوع الثاني يسمى خطأ، وهو واقع عند الحنفية،
خلافا المالكية والشافعية وغيرهم.
(١) البدائع ١١/٣، والدر المختار بحاشية ابن عابدين ٤٦/٣،
٤٧، والشرح الصغير بحاشية الصاوي ٣٢٥/١، ٤٥٢،
والشرح الكبير بحاشية الدسوقي ١٢٧/٤، ونهاية المحتاج
٨/ ١٦٤، ومطالب أولي النهى ٦/ ٣١٩، ٣٦٧
(٢) أسنى المطالب شرح روض الطالب ٣/ ٢٨٠، ٢٨٣
- ٢٦٧ -

أیمان ٥٦ - ٥٨
والهزل لا أثر له في التصرفات القولية الصريحة التي
لا تحتمل الفسخ، فمن حلف بصيغة صريحة لاعبا
أو مازحا انعقدت يمينه لقوله {ص58: «ثلاثٌ جِدّهن
جِدُّ، وهَزْهُنَ جِدّ: النكاحُ والطلاقُ والرجعةُ)) (١)
ويقاس على مافي الحديث سائر التصرفات
الصريحة التي لا تحتمل الفسخ، ومنها صيغة اليمين
الصريحة، وأما الكناية فمعلوم أنه يشترط فيها
النية، ومعلوم أن الهازل لا نية له.
قصد المعنی والعلم به :
٥٦ - صرح الشافعية بأن الألفاظ الصريحة يشترط
فيها: العلم بالمعنى، والكناية يشترط فيها: قصد
المعنى. ذكروا هذا في الطلاق (٢) وليس خاصا به
كما هو ظاهر، فیؤخذ منه أنه يشترط في الیمین إذا
كانت بلفظ صريح: أن يعلم المتكلم بمعناها، فلو
حلف أعجمي بلفظ عربي صريح كوالله لأصومن
غدا، بناء على تلقين إنسان له، من غير أن يعلم
معناه لم ينعقد. ولو قال إنسان: أشهد بالله لأفعلن
كذا لم ينعقد إلا إذا قصد معنى اليمين، لأنه كناية
عند الشافعية كما سبق.
واشتراط النية في الكناية لا يختلف فيه أحد .
وأما العلم بالمعنى فقد صرح الحنفية بعدم اشتراطه
في الطلاق بالنسبة للقضاء، ومقتضاه أنهم
يشترطونه في اليمين الصريحة ديانة، لأنه مصدق
فيما بينه وبين الله تعالى .
(١) حديث: ((ثلاث جدهن جد .... )) أخرجه أبو داود (٦٤٤/٢ -
ط عزت عبيد دعاس) والترمذي (٤٨١/٣ - ط الحليبي) من
حديث أبي هريرة، وحسنه ابن حجر في التلخيص (٣/ ٢١٠ - ط
دار المحاسن).
(٢) أسنى المطالب شرح روض الطالب ٣/ ٢٨٠
أثر التأويل في اليمين :
٥٧ - صرح المالكية والشافعية بأن التأويل الذي
تنقطع به جملة اليمين عن جملة المحلوف عليه
يقبل، وعبارة المالكية: لو قال أردت بقولي: (باللّه)
وثقت أو اعتصمت بالله، ثم ابتدأت قولي:
لأفعلن، ولم أقصد اليمين صدق ديانة بلا يمين. (١)
وعبارة الشافعية: إذا قال: والله لأفعلن كذا،
ثم قال: أردت والله المستعان، أو قال: بالله وقال:
أردت وثقت أو استعنت بالله، ثم استأنفت فقلت:
لأفعلن كذا من غير قسم يقبل ظاهرا وباطنا. وإذا
تأول نحو هذا التأويل في الطلاق والإِيلاء لا يقبل
ظاهرا لتعلّق حق الغير به . (٢)
ومما ينبغي التنبه له أن التأويل لا يختص بهذه
المذاهب، فالمتصفح لكتب المذاهب الأخرى يجد
تأويلات مقبولة عندهم، ولاشك أن التأويل إنما
يُقبل إذا لم يكن هناك مستحلف ذوحق، وكان
التأويل غير خارج عما يحتمله اللفظ.
(ثانيا)
الشرائط التي ترجع إلى المحلوف عليه
يشترط في انعقاد اليمين بالله وبقائها منعقدة
أربع شرائط ترجع إلى المحلوف عليه، وهو
مضمون الجملة الثانية التي تسمى جواب القسم .
٥٨ -(الشريطة الأولى): أن يكون المحلوف عليه
أمرا مستقبلا.
(١) الشرح الكبير بحاشية الدسوقي ٢/ ١٢٧
(٢) نهاية المحتاج ٨/ ١٦٦
- ٢٦٨ -

أيمان ٥٩ - ٦٠
وهذه شريطة لانعقاد اليمين بالله تعالى عند
الحنفية والحنابلة، خلافا للشافعية الذين يقولون
بانعقاد اليمين الغموس على ماض وحاضر،
كقوله: والله لا أموت، ومستقبل كقوله: والله
لأصعدن السماء. وللمالكية الذين يقولون بانعقاد
الغموس على حاضر ومستقبل.
ومما ينبغي التنبه له أن الحنابلة يشترطون
الاستقبال في كل مافيه كفارة، كالحلف بتعليق
الكفر أو القربة أو الظهار بخلاف الطلاق
والعتاق. (١)
٥٩ - (الشريطة الثانية): أن يكون المحلوف عليه
متصور الوجود حقيقة عند الحلف - أي ليس
مستحيلا عقلا - وهذه شريطة لانعقاد اليمين بالله
عند أبي حنيفة ومحمد وزفر.
ووجه اشتراطها: أن اليمين إنما تنعقد لتحقيق
البر، فإِن من أخبر بخبر أووعد بوعد يؤكده
باليمين لتحقيق الصدق، فكان المقصود هو البر،
ثم تجب الكفارة ونحوها خلفا عنه، فإِذا لم يتصور
الأصل - وهو البر - لم يوجد الخلف - وهو الكفارة -
فلا تنعقد اليمين.
ولم يشترط أبويوسف هذه الشريطة لأنه لا يلزم
من استحالة الأصل عقلا عدم الخلف.
ومفهوم هذه الشريطة: أن المحلوف عليه إذا
كان يستحيل وجوده عقلا عند الحلف، لم تنعقد
الیمین عند أبي حنيفة ومحمد وزفر.
لكن هذا المفهوم ليس على إطلاقه، بل فيه
تفصيل يعلم من الكلام على المثال الآتي :
(١) البدائع ١١/٣، والشرح الصغير بحاشية الصاوي ٣٣١/١،
ونهاية المحتاج ٨/ ١٦٤، ومطالب أولي النهى ٣٦٨/٦
إذا قال إنسان: والله لأشربن ماء هذا الكوز، أو
قال: والله لأشربن ماء هذا الكوز اليوم، وكان
الكوز خاليا من الماء عند الحلف، فالشرب الذي
هو المحلوف عليه مستحيل وجوده عند الحلف
عقلا، فلا تنعقد اليمين عند أبي حنيفة ومحمد وزفر
إن كان الحالف عند حلفه لا يعلم خلو الكوز من
الماء، وأما إن کان یعلم ذلك فاليمين منعقدة عند
أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف، وغير منعقدة عند
زفر، وهي رواية عن أبي حنيفة .
هذا ما أفاده صاحب البدائع .
وقال الحنابلة في هذه المسألة: تنعقد وعليه
الكفارة في الحال. (١)
٦٠ - (الشريطة الثالثة): أن يكون المحلوف عليه
متصور الوجود حقيقة بعد الحلف، إن كانت
اليمين مقيدة بوقت مخصوص. وهذه الشريطة إنما
تشترط لبقاء اليمين بالله منعقدة عند أبي حنيفة
ومحمد وزفر، فلولم توجد هذه الشريطة بطلت
اليمين بعد انعقادها، وخالف أبويوسف في هذه
الشريطة أيضا.
وتوجيه الاشتراط وعدمه كما في الشريطة
الثانية، ومفهوم هذه الشريطة يتضح بالمثال الآتي :
إذا قال إنسان والله لأشربن ماء هذا الكوز اليوم
أو قال والله لأشربن ماء هذا الكوز، ولم يقيده
بوقت، وكان في الكوز ماء وقت الحلف، فصبه
الحالف أوصبه غيره أو انصب بنفسه في النهار.
ففي صورة التقييد باليوم تبطل بعد انعقادها، لأن
الشرب المحلوف عليه صار مستحيلا بعد الحلف في
(١) البدائع ٣/ ١١، وحاشية ابن عابدين على الدر المختار
١٠٠/٣، وكشاف القناع ٢٣٦/٦
- ٢٦٩ -

أيمان ٦١ - ٦٣
الوقت الذي قيد به، وفي صورة الإِطلاق تبقى
منعقدة، فیحنث بالصب أو الانصباب، وتجب
عليه الكفارة . (١)
٦١ - (الشريطة الرابعة): أن يكون المحلوف عليه
متصور الوجود عادة عند الحلف - أي ليس
مستحيلا عادة - وهذه شريطة لانعقاد اليمين بالله
عند زفر، خلافا لأبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف.
فلو قال والله لأصعدن السماء، أو: والله لأمسَّنّ
السماء، أو: واللّه لأحولن هذا الحجر ذهبا، لم تنعقد
الیمین عند زفر، سواء أقیدها بوقت مخصوص كأن
قال: اليوم أو غدا، أو لم يقيدها، وقال أبوحنيفة
ومحمد : إنها تنعقد، لأن المحلوف عليه جائز عقلا،
وقال أبويوسف: إنها تنعقد أيضا، لأن المحلوف
عليه أمر مستقبل.
وتوجيه قول زفر: أن المستحيل عادة يلحق
بالمستحيل حقيقة، فإِذا لم تنعقد اليمين في الثاني لم
تنعقد في الأول.
وتوجيه قول أبي حنيفة ومحمد: أن الحكم
بالانعقاد في هذه الصورة فيه اعتبار الحقيقة،
والحكم بعدم الانعقاد فيه اعتبار العادة، ولاشك
أن اعتبار الحقيقة أولى .
وتوجيه قول أبي يوسف: أن الحالف جعل
الفعل شرطا للبر، فیکون عدمه موجبا للحنث،
سواء أكان ذلك الفعل ممکنا عقلا وعادة، کقوله :
والله لأقرأن هذا الكتاب، أم مستحيلا عقلا وعادة
کقوله: والله لأشربن ماء هذا الکوز، ولا ماء فيه،
أم مستحيلا عادة لا عقلا كقوله: والله لأحولن هذا
الحجر ذهبا. (٢)
(١) ابن عابدين ٣/ ١٠٠ - ١٠١، والبدائع ١٢/٣
(٢) البدائع ١١/٣ - ١٥
الحلف على فعل غير الحالف:
٦٢ - المذهب عند الحنابلة أن من حلف على غيره
وهو غائب: والله ليفعلن كذا، أو على حاضر:
واللّه لتفعلن كذا، فلم يطعه، حنث الحالف
والكفارة عليه، لا على من أحنثه . (١)
وقد فصل شيخ الإِسلام ابن تيمية بين الحلف
على من يظن أنه يطيعه، والحلف على من لا يظنه
كذلك. فقال: من حلف على غيره يظن أنه
يطيعه فلم يفعل، فلا كفارة لأنه لغو، بخلاف من
حلف على غيره في غير هذه الحالة، فإِنه إذا لم
يطعه حنث الحالف ووجبت الكفارة عليه .
(ثالثا)
شرائط ترجع إلى الصيغة
٦٣ - يشترط لانعقاد اليمين بالله تعالى شريطتان
ترجعان إلى صيغتها .
(الأولى): عدم الفصل بين المحلوف به
والمحلوف عليه بسكوت ونحوه، فلو أخذه الوالي
وقال: قل: بالله، فقال مثله، ثم قال: لآتین یوم
الجمعة فقال الرجل مثله، لا يحنث بعدم إتيانه،
للفصل بانتظار مايقول، ولو قال: علي عهد الله
ورسوله لا أفعل کذا، لا یصح، للفصل بما ليس
يمينا، وهو قوله: وعهد رسوله. (٢)
(الثانية): خلوها عن الاستثناء، والمقصود به
التعليق بمشيئة الله أو استثناؤها، أو نحو ذلك مما لا
يتصور معه الحنث، نحوأن يقول الحالف: إن
(١) مطالب أولي النهى ٣٦٨/٦
(٢) حاشية ابن عابدين ٤٦/٣
- ٢٧٠ -

أيمان ٦٤ - ٦٩
شاء الله تعالى، أو إلا أن يشاء الله، أو ماشاء الله،
أو إلا أن يبدولي غير هذا، إلى غير ذلك من
الأمثلة التي سيأتي بيانها، فإِن أتى بشيء من ذلك
بشرائطه لم تنعقد اليمين. (١)
صيغة اليمين التعليقية :
٦٤ - التعليق في اللغة: مصدر علق الشيء
بالشيء وعليه: أنشبه فيه ووضعه عليه وجعله
مستمسكا .
وفي الاصطلاح: ربط حصول مضمون جملة
بحصول مضمون جملة أخرى، والجملة التي ربط
مضمونها هي جملة الجزاء، والتي ربط هذا المضمون
بمضمونها هي جملة الشرط.
ففي مثل: إن دخلت الدار فأنت طالق، ربط
المتكلم حصول مضمون الجزاء - وهو الطلاق -
بحصول مضمون الشرط - وهو دخولها الدار-
ووقفه علیه، فلا يقع إلا بوقوعه.
وليس كل تعليق يمينا، وإنما اليمين حقيقة أو
مجازا تعليقات مخصوصة تذكر فيما يأتي .
أ - أجزاء الصيغة :
٦٥ - معلوم أنه لوقال إنسان: إن فعلت كذا
فامرأتي طالق مثلا، فهذه صيغة تعليق تحتوي
على: أداة شرط، فجملة شرطية، فجملة
جزائية .
والحديث عن هذه الثلاثة كمايلي:
أداة الشرط :
٦٦ - ذكر أهل النحو واللغة أدوات كثيرة للشرط
(١) البدائع ١٥/٣، حاشية ابن عابدين ٣/ ١٠٠
منها «إن» ۔ بکسر الهمزة - وقد تزاد بعدها: ما، كما
في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بعضَ الذي نَعِدُهم
أو نَتَوَفَّنَّكَ فِإِلينا يُرْجعون﴾(١)
ومنها ((إذا)» وقد تزاد بعدها: ما، ومنها ((من))
و«ما)» و«مهما)» و«حیثما)» و«کیفما». و«متی)) وقد تزاد
بعدها: ما، وأين وقد تزاد بعدها: ما أيضا.
٦٧ - وقد يقوم مقام هذه الأدوات أدوات أخرى
وإن لم تعد في اللغة من أدوات التعليق، ومنها: كل
وكلما وباء الجر.
جملة الشرط :
٦٨ - جملة الشرط هي التي تدخل عليها أداة
الشرط، وهي جملة فعلية ماضوية أو مضارعية،
وهي للاستقبال في الحالتين، فإِن أراد المتكلم
التعليق على أمر مضى أدخل على الفعل جملة
الكون.
وإيضاح ذلك أن قول القائل: إن خرجت، أو:
إن تخرجي يفيد التعليق على خروج في المستقبل.
فإِذا اختلف الرجل مع امرأته، فادعى أنها
خرجت بالأمس، فقالت: لم أخرج، فأراد تعليق
طلاقها على هذا الخروج الماضي، فإنه يأتي بفعل
الكون فيقول: إن كنت خرجت بالأمس فأنت
طالق .
جملة الجزاء :
٦٩ - هي الجملة التي يأتي بها المتكلم عقب جملة
الشرط، جاعلا مضمونها متوقفا على مضمون جملة
الشرط، وقد يأتي الجزاء قبل جملة الشرط والأداة،
(١) سورة غافر / ٧٧
- ٢٧١ -

أيمان ٧٠ - ٧٢
وفي هذه الحالة تكون جزاءً مقدما عند بعض
النحاة، ودليلَ الجزاء عند بعضهم، والجزاءُ عند
هؤلاء يكون مقدرا بعد الشرط.
٢ - أقسام اليمين التعليقية :
٧٠ - قسم صاحب البدائع اليمين إلى يمين بالله
ويمين بغيره. وفي أثناء كلامه على اليمين بالله
ألحق بها تعليق الكفر، ثم قسم اليمين بغير الله
إلى ما كانت بحرف القسم كالحلف بالأنبياء
وغيرهم، وما كان بالتعليق، وحصر التعليق في
الطلاق والعتاق والتزام القربة. (١)
وبهذا تبين أن التعليقات التي تعتبر أيمانا عند
الحنفية محصورة في أربعة، وهي : تعليق الطلاق،
وتعليق العتاق، وتعليق التزام القربة، وتعليق
الكفر، وإنما أفرد تعليق الكفر. عن التعليقات
الثلاثة لمخالفته إياها في الحکم، فإِن حکمها عند
الحنفية تحقق الجزاء، إن كانت طلاقا أو عتقا،
والتخيير بين الجزاء وكفارة اليمين إن كان الجزاء
التزام قربة، بخلاف تعليق الكفر، فليس حكمه
تحقق الجزاء وهو الكفر عند تحقق الشرط، بل
حكمه عندهم هو الكفارة كاليمين بالله تعالى .
وفي مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية
وإعلام الموقعين لابن القيم مايفيد: أن تعليق
الظهار وتعلیق الحرام کلاهما یمین. (٢) وبهذا تكون
التعليقات التي تسمى عند بعض الفقهاء أيمانا
منحصرة في هذه الستة.
(١) البدائع ٢/٣، ٨، ٢١، قد يتسامح بعض الناس فيسمي
مضمون جملة الشرط محلوفا عليه وهذا التسامح قد يؤدي إلى
أخطاء فليحذر.
(٢) إعلام الموقعين ٣/ ٨٣، ٨٤، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن
تیمیة ٢٤٢/٣٥
=
تعليق الطلاق :
٧١ - قال الحنفية: تعليق الطلاق یعتبر یمینا،
سواء أكان المقصود به الحث، نحو: إن لم تدخلي
الدار فأنت طالق، أو المنع نحو: إن دخلت الدار
فأنت طالق، أو تحقيق الخبر نحو: إن لم يكن الأمر
کما قلته ففلانة طالق : أو غير ذلك نحو: إذا جاء
الغد فأنت طالق. (١) وهذه الصورة الأخيرة محل
نزاع بين هؤلاء وبين من يوافقهم في تسمية تعليق
الطلاق يمينا كالمالكية والشافعية والحنابلة، فهم لا
يسمونه یمینا، لأنه لا يقصد به ما يقصد باليمين
من تأکید الحث والمنع والخبر، فإن مجيء الغد لیس
داخلا في مقدوره، ولا مقدورها فهما لا يستطيعان
منعه .
٧٢ - وقد اختلف الفقهاء في تعليق الطلاق عند
تحقق شرائط الطلاق الشرعية من ناحيتين.
(أولاهما) أنه يقع عند وقوع ماعلق عليه أو لا
يقع .
(ثانيتهما) أنه يسمى يمينا أولا يسمى.
أما الناحية الأولى فخلاصتها أن للفقهاء في
وقوع الطلاق المعلق وعدم وقوعه قولين:
= هذا، وإن تعليق الحرام كتنجيزه، ولاشك أن تنجيزه يعتبر
یمینا کالیمین بالله عند الحنفية، فتعلیقه لیس زائدا على ماقرروه،
وأما تعليق الظهار فقد سمي یمینا في بعض كتب الفقه، ومن
ذلك قول خليل المالكي في مختصره ((وأسقطت - أي الردة - صلاة
وصياما وزكاة وحجا تقدم ونذرا وكفارة ويمينا بالله أو بعتق أو
ظهار، الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي ٣٠٧/٤
وأدخل الحنابلة الظهار في أيمان المسلمين كما سبق وكما في مطالب
أولي النهى ٦/ ٣٧٣
(١) البدائع ٢٢/٣
- ٢٧٢ -

أیمان ٧٢ - ٧٤
(القول الأول) أنه يقع إذا تحقق ما علق عليه،
سواء أكان جاريا مجرى اليمين أم لا، وإلى هذا
ذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية
والحنابلة.
(القول الثاني) التفرقة بین ماجری مجرى اليمين
ومالم يجر مجراه.
فالأول لا يقع وإن وقع ماعلق عليه، والثاني
يقع عند وقوع ماعلق عليه، وهذا رأي ابن تيمية
وابن القيم جمعا بين ما روي عن الصحابة من
الوقوع وعدمه. وهل تجب کفارة الیمین فیما جرى
مجرى اليمين أولا تجب؟
اختار ابن تيمية وابن القيم وجوب الكفارة،
لأنها يمين منعقدة يشملها قوله تعالى: ﴿ولكنْ
يؤاخذُكم بما عَقّدْتُم الأيمانَ﴾(١)
ولتفصيل ذلك (ر: طلاق).
وأما الناحية الثانية فخلاصتها: أن من قال
بالوقوع ۔ وهم الجمهور - اختلفوا في تسميته یمینا،
فالحنفية يجعلونه يمينا متى كان تعليقا محضا، وإن لم
يقصد به مايقصد باليمين كما تقدم، وكذا يقولون
في تعليق العتق والتزام القربة .
والمالكية والشافعية والحنابلة يقولون جميعا إن
تعليق الطلاق يسمى يمينا على الراجح عند
أكثرهم، ومن لم يسمه يمينا منهم لا يخالف من
يسميه يمينا إلا في التسمية، ولهذا لو حلف إنسان
(١) سورة المائدة / ٨٩
وارجع أيضا إلى إعلام الموقعين ٦٢/٣ - ٩٢ وهو المثال الثامن.
ألا يحلف، ثم علق طلاقا علی وجه الیمین، حنث
عند من يسمى هذا التعليق يمينا، ولم يحنث عند
من لا یسمیه یمینا.
تعليق التزام القربة :
٧٣ - قال الحنفية: تعليق التزام القربة يسمى
یمینا، سواء أقصد به مایقصد بالأيمان أم لا .(١)
فلو قال: إن كلمت فلانا، أو: إن لم أكلم
فلانا، أو: إن لم يكن الأمر كما قلته فعليًّ حجة أو
عمرة أو صیام أو صلاة، فهذا كله یسمی نذرا،
ويسمى أيضا يمينا، وهو جار مجرى اليمين، فإِنه في
المثال الأول: يؤكد منع نفسه من تكلیم فلان. وفي
المثال الثاني: يؤكد حث نفسه على تكليمه. وفي
المثال الثالث: يؤكد الخبر الذي يناقض مضمون
الشرط المعلق عليه .
ولو قال: إذا جاء رمضان فعليًّ عمرة فهو نذر
أيضا، ويسمى يمينا عند الحنفية.
٧٤ - وقد اختلف الفقهاء في تعليق التزام القربة من
ناحیتین :
أما الناحية الأولى: فخلاصتها أن النذر إما أن
یکون جاریا مجری الیمین أولا .
فإِن کان جاریا مجری الیمین۔ ویسمی نذر
اللجاج والغضب - ففيه ثلاثة أقوال للفقهاء:
(الأول) أن القائل يخير عند وقوع الشرط بين
الإِتيان بما التزمه وبين كفارة اليمين، وهذا القول
هو آخر القولين عند الإمام أبي حنيفة، وهو
الراجح عند الحنفية .
(١) البدائع ٢٢/٣، وفتح القدير ٣/٤
- ٢٧٣ -

أیمان ٧٥ -٧٧
وهو أيضا أرجح الأقوال عند الشافعي .
وبه قال أحمد.
وهو قول أكثر أهل العلم من أهل مكة والمدينة
والبصرة والكوفة وفقهاء الحديث.
(الثاني) أن القائل يلزمه عند وقوع الشيط
ماالتزمه، وهو قول مالك وأحد أقوال الشافعي .
(الثالث) أن القائل يلزمه عند وقوع الشرط
كفارة يمين، ويلغي ما التزمه، وهذا أحد الأقوال
للشافعي .
وإن لم يكن جاريا مجرى اليمين لزم الوفاء به
بشرائط مخصوصة فيها خلاف بين الفقهاء. (١)
وتفصيل ذلك في مصطلح: (نذر).
٧٥ - أما الناحية الثانية: فخلاصتها أن النذر
المعلق الذي لا يجري مجرى اليمين يسميه الحنفية
يمينا، كما سموا الطلاق المعلق يمينا وإن لم يقصد
به ماقصد بالأيمان، وأما غير الحنفية فلم نعثر على
أُن أحدا منهم سمی مالم يجر مجری الأیمان یمینا،
وما جری مجری الأیمان ۔ وهو اللجاج یسمی ۔ یمینا
عند من قال بوجوب الكفارة أوبالتخيير بين
ما التزمه وبين الكفارة.
والقائلون بوجوب ما التزمه مختلفون: فمنهم من
یسمیه یمینا کابن عرفة من المالكية، ومنهم من لا
یسمیه یمینا .
تعليق الكفر :
٧٦ - قال الحنفية: إن تعليق الكفر على مالا يريده
(١) حاشية ابن عابدين ٦٩/٣، حاشية الصاوي على بلغة السالك
٣٣٦/١، ٣٤٨، وتحفة المحتاج بحاشية الشرواني ٢٧٣/٨،
والمغني بأعلى الشرح الكبير ١٩٤/١١، ٣٣٢، ومجموع فتاوى
شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٥٣/٣٥
الإِنسان بقصد تأكيد المنع منه أو الحث على نقيضه
أو الإِخبار بنقيضه يعتبر يمينا شرعية ملحقة باليمين
بالله تعالى .
وهذا الذي قاله الحنفية يروى عن عطاء وطاوس
والحسن والشعبي والثوري والأوزاعي وإسحاق،
ويروى أيضا عن زيد بن ثابت رضي الله عنه.
حكى ذلك كله ابن قدامة في المغنى، وحكاه
ابن تيمية في فتاويه عن أكثر أهل العلم، وهو
إحدى روايتين عن أحمد، وهي الرواية الراجحة
عند أكثر الحنابلة.
وقال المالكية والشافعية: إنه ليس بیمین.
ووافقهم أحمد في احدى الروايتين. وهو أيضا قول
اللیث وأبي ثور وابن المنذر، وحکاه ابن المنذر عن
ابن عباس رضي الله عنهما وأبي هريرة رضي الله
عنه وعطاء وقتادة وجمهور فقهاء الأمصار. (١) وهذه
الحكاية تخالف حكاية صاحب المغني عن عطاء
فلعل له قولین، وکذا حکایته عن جمهور فقهاء
الأمصار تختلف عن حكاية ابن تيمية القول الأول
عن أكثر أهل العلم.
أمثلة الكفر المعلق على الشرط :
٧٧ - منها: أن يخبر الإنسان عن نفسه أنه إن فعل
كذا، أو إن لم يفعل كذا أو إن حصل كذا، أو إن لم
يحصل کذا، أو إن لم یکن الأمر کذا، فهو يهودي أو
(١) البدائع ٨/٣، ٢١، وابن عابدين على الدر المختار ٣/ ٥٥،
٥٦، والشرح الصغير للدردير بحاشية الصاوي ١/ ٣٣٠، وتحفة
المحتاج بحاشية الشرواني ٢١٤/٨، ٢١٧، ونهاية المحتاج
٨/ ١٦٩، والمغني بأعلى الشرح الكبير ١٩٨/١١، ٢٠١،
ومجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧٤/٣٥، ونيل الأوطار ٢٤٢/٨،
والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف من كتب الحنابلة
٣٣،٣١/١١
- ٢٧٤ -

أيمان ٧٨ - ٨٠
نصراني أو مجوسي، أو كافر أو شريك الكفار أو
مرتد، أو بريء من الله أو من رسول الله أومن
القرآن أو كلام الله أو الكعبة أو القبلة، أو بريء مما
في المصحف، أو بريء مما في هذا الدفتر إذا كان في
الدفتر شيء من القرآن ولو البسملة، أوبريء من
المؤمنين أو من الصلاة أو الصيام أو الحج.
ومنها: أن يخبر عن نفسه أنه یعبد الصليب، أو
يستحل الخمر أو الزنى إن لم يفعل كذا. (١)
ويستدل لمن قال إنه لیس یمینا بأنه ليس حلفا
باسم الله تعالی ولا صفته، فلا یکون یمینا، کما لو
قال: عصیت الله تعالی فیما أمرني إن فعلت كذا أو
إن لم أفعل كذا، وكما لو حلف بالكعبة أو بأبيه .
٧٨ ۔ ویستدل لمن قال أنه یمین بما يأتي :
أ - روي عن الزهري عن خارجة بن زيد عن أبيه
عن النبي * أنه سئل عن الرجل يقول: هويهودي
أو نصراني أو مجوسي أوبريء من الإِسلام في اليمين
يحلف بها فيحنث في هذه الأشياء؟ فقال: ((عليه
کفارة یمین». (٢)
ب - إن الحالف بذلك لما ربط مالا يريده بالكفر
کان رابطا لنقيضه بالإِيمان بالله، فکان مثل
الحالف بالله، لأنه يربط الشىء المحلوف عليه
بمإيمانه بالله تعالى. (٣)
(١) المراجع السابقة.
(٢) المغني ١٩٩/١١، ومعلوم أن خارجة ابن زيد بن ثابت هو أحد
الفقهاء السبعة وهو ثقة، والزهري الذي روي عنه ثقة أيضا لكن
الظاهر أن السند بين أبي بکر والزهري ضعیف فإن صاحب
المغني نفى أن يكون في هذه اليمين نص ولو كان هذا الحديث
صحيح الإسناد أو حسنه لكان نصا رافعا للخلاف.
(٣) فتاوى ابن تيمية ٣٥/ ٢٧٥، وقد أطال في بیان ذلك وتوضيحه،
فليراجع.
تعليق الظهار :
٧٩ - الظهار - كقول الرجل لامرأته: أنت عليّ
كظهر أمي - يشبه القسم من حيث أنه قول
يستوجب الامتناع عن شيء، ويقتضي الكفارة
غير أنها أعظم من كفارة القسم. ومن هنا سمي
بعض العلماء الظهار يمينا، وقد نقل ابن تيمية عن
أصحاب الحنابلة کالقاضي أبي یعلی وغيره أن من
قال: أیمان المسلمین تلزمني إن فعلت كذا لزمه ما
يفعله في اليمين بالله والنذر والطلاق والعتاق
والظهار. (١)
تعليق الحرام :
٨٠ - سبق الكلام على تحريم العين أو الفعل، وأنه
يعد يمينا عند بعض الفقهاء وإن كان منجزا. كما
سبق أن قول الرجل: الحرام يلزمني لأفعلن كذا،
يعد طلاقا أو ظهارا أو عتاقا أو يمينا.
وأيا ما كان، قتعليق الحرام يقال فيه ما قيل في
تعليق الطلاق والظهار، فلا حاجة للإطالة به.
ومن أمثلته أن يقول: إن فعلت كذا أو إن لم أفعل
كذا أو إن كان الأمر كذا أو إن لم يكن الأمر كذا
فزوجتي عليّ حرام.
هذه أمثلة للتعليق الصريح.
وأما التعليق المقدر فمن أمثلته: عليَّ الحرام، أو
الحرام يلزمني، أوزوجتي عليَّ حرام لأفعلن كذا أو
لا أفعل كذا، أو لقد کان کذا أو لم یکن کذا.
وقد نقل ابن القيم في قول القائل أنت عليّ حرام
وقوله: ما أحل الله عليّ حرام. وقوله: أنت عليّ
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٤٣/٣٥
- ٢٧٥ -

أيمان ٨١ - ٨٧
كالميتة والدم ولحم الخنزير خمسة عشر مذهبا،
ويكفي هنا الإشارة إليها. وقد سبق بيان المذاهب
فیھا.
ثم نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية اختيار
مذهب فوق الخمسة عشرة، وهو أنه إن أوقع
التحریم کان ظهارا ولو نوی به الطلاق، وإن حلف
به کان یمینا مکفرة، فإنه إذا أوقعه کان قد أتی
منكرا من القول وزورا، وكان أولى بكفارة الظهار
ممن شبه امرأته بالمحرمة، وإذا حلف کان يمينا من
الأيمان، كما لو حلف بالتزام العتق والحج
والصدقة (١) وأسهب في الاستدال على ذلك.
شرائط اليمين التعليقية :
٨١ - يشترط في اليمين التعليقية شرائط بعضها
يرجع إلى منشىء التعليق، وبعضها يرجع إلى
جملة الشرط، وبعضها إلى جملة الجزاء.
شرائط منشىء التعليق (وهو الحالف):
٨٢ - يشترط فيه شرائط مفصلة في الحالف بالله
تعالی.
ما يشترط في جملة الشرط:
٨٣ - يشترط لصحة التعليق شرائط تتعلق بالجملة
الشرطية، وهي مفصلة في المواضع التي يعتبر
تعليقها يمينا، ونشير هنا إليها إجمالا وهي :
(الشريطة الأولى): أن يكون مدلول فعلها
معدوما ممكن الوجود. فالمحقق نحو: إن كانت
السماء فوقنا فامرأتي طالق، یعتبر تنجیزا لا تعلیقا،
والمستحيل نحو: إن دخل الجمل في سم الخياط
فزوجتي كذا، يعتبر لغوا لعدم تصور الحنث. (١)
٨٤ - (الشريطة الثانية): الإتيان بجملة الشرط،
فلوأتى بأداة الشرط ولم يأت بالجملة - ولا دليل
عليها - كان الكلام لغوا، ومثاله أن يقول: أنت
طالق إن، أويقول بعد جملة الطلاق ((إن كان» أو
((إن لم يكن)) أو ((إلا)) أو ((لولا)) ففي كل هذه الأمثلة
یکون الكلام لغوا عند أبي يوسف، وهو المفتى به
عند الحنفية كما في الدر المختار، وقال محمد: تطلق
للحال.
٨٥ - (الشريطة الثالثة): وَصْلُها بجملة الجزاء،
فلوقال: إن دخلت الدار، ثم سكت، ولوبقدر
التنفس بلا تنفس وبلا ضرورة، أو تكلم كلاما
أجنبيا ثم قال: فأنت طالق، لم يصح التعليق، بل
یکون طلاقا منجزا.
٨٦ - (الشريطة الرابعة): ألا يقصد المتكلم
بالإِتيان بها المجازاة، فإن قصدها كانت جملة الجزاء
تنجيزا لا تعليقا.
مثال ذلك أن تنسب امرأة إلى زوجها أنه
فاسق، فيقول لها: إن كنت كما قلت فأنت کذا،
فیتنجز الطلاق، سواء أکان کما قالت أم لا ، لأنه في
الغالب لا يريد إلا إيذاءها بالطلاق المنجز عقوبة
لها على شتمه.
فإن قال: قصدت التعليق، لم يقبل قضاء، بل
يدين على ما أفتى به أهل بخارى من الحنفية.
٨٧ - (الشريطة الخامسة): أن يكون مستقبلا إثباتا
أو نفيا، وهذه الشريطة إنما تشترط في تعليق الكفر
لا في تعليق الطلاق ونحوه. ثم إن الذين
(١) أفاد هذه الشريطة صاحب الدر المختار ٤٩٣/٢ ط بولاق
(١) إعلام الموقعين ٨٣/٣ - ٨٤
- ٢٧٦ -

..
أیمان ٨٨
يشترطونها في تعليق الكفر إنما هم الذين يشترطونها
في اليمين بالله تعالى .
والخلاصة أن تعليق الطلاق ونحوه يصح في
الماضي کما يصح في المستقبل، لأنه لا يعتبر غموسا
عند مخالفة الواقع، بخلاف تعليق الكفر، فمن
قال: إن كان الأمر على خلاف ماقلته، أو: إن لم
يكن الأمر كما قلته، أو: إن كان الأمر على ما قال
فلان فامرأتي کذا، أو: فعليّ صوم شهر، أو: فهو
هودي، فإِن کان ما أثبته منفيا في الواقع، أو مانفاه
ثابتا في الواقع طلقت امرأته في الصورة الأولى،
وتخير بين ما التزمه من الصيام وبين كفارة اليمين في
الصورة الثانية، ولم يلزمه في الصورة الأخيرة كفارة
یمین عند من يقول بعدم كفارة اليمين الغموس
وسيأتي ذلك.
مايشترط في جملة الجزاء:
٨٨ - لیس کل تعلیق یصلح أن یکون یمینا شرعا،
وإنما الذي يصلح ما كان جزاؤه واحدا من ستة،
وهي : الطلاق والعتاق والتزام القربة والكفر
والظهار والحرام.
فيشترط في جملة الجزاء: أن يكون مضمونها
واحدا في هذه الستة، وقد صرح الحنفية بالأربعة
الأول فقط، ولم يذكروا تعليق الظهار، ولا تعليق
الحرام، لكنهم جعلوا تحريم الحلال في حكم
اليمين بالله تعالى، وهو يشمل المنجز والمعلق، فلم
يبق خارجا عن كلامهم سوى تعليق الظهار. (١)
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٤٢/٣٥، ٢٧٢، والشرح الكبير
للدردیر علی مختصر خليل ٣٣،٣٢/١
ويشترط في جملة الجزاء شريطة ثانية وهي : ألا
يذكر فيها استثناء بنحو إن شاء الله، أو إلا أن
يشاء الله، فمن قال: إن فعلت كذا فأنت طالق إن
شاء الله، أو قال أنت طالق إن شاء الله إن فعلت
كذا، أو قال أنت طالق إن فعلت كذا إن شاء الله
بطل تعليقه .
وإلى هذا ذهب الحنفية والشافعية.
وخالف المالكية والحنابلة، فقالوا: لا يصح
التعليق بالمشيئة فيما لا كفارة فيه، ومثّل له المالكية
بالطلاق والعتاق والتزام القربة، ومثّل له الحنابلة
بالطلاق والعتاق فقط، لأن التزام القربة بقصد
اليمين يلزم فيه ما التزمه عند المالكية، ويخير فيه
عند الحنابلة بين ما التزمه وبين كفارة اليمين،
فعلى هذا يصح الاستثناء عند المالكية في:
الحلف بالله تعالى، وبالظهار، وقول القائل: عليّ
نذر أو عليَّ يمين أو عليَّ كفارة. وعند الحنابلة في:
الحلف بالله، والظهار، وفي تعليق النذر بقصد
الحلف، وتعليق الكفر.
وهذا المنقول عن المالكية والحنابلة هو أشهر
القولين عن مالك وإحدى الروايتين عن أحمد.
وقد رجح ابن تيمية الرواية الأخرى الموافقة
لقول الجمهور، فقال: هذا القول هو الصواب
المأثور عن أصحاب رسول الله ورسله وجمهور التابعين
كسعيد بن المسيب والحسن. (١)
لكن جرى صاحب المنتهى وغيره على
اختصاص المشيئة بما یکفر عنه (٢) فتكون الرواية
(١) مجموع الفتاوى لابن تيمية ٢٨٤/٣٥
(٢) مطالب أولي النهى ٦/ ٣٦٩
- ٢٧٧ -

أيمان ٨٩ - ٩٢
الأولى هي الراجحة عند متأخري الحنابلة .
التعليق الذي لا يعد يمينا شرعا :
٨٩ - لما كانت التعليقات الستة السابقة إنما تعد
أيمانا في بعض الصور، وما عداها من التعليقات
لا یعد یمینا أصلا کان التعليق الذي لا یعد یمینا
نوعین.
أحدهما: مالم يقصد به الحث ولا المنع ولا تحقيق
الخبر، وقد خالف الحنفية في ذلك فعدوه يمينا،
واشترطوا أن يكون تعليقه تعليقا محضا.
وثانيهما: كل تعليق من الستة اختلت فيه
شريطة من شرائط صحة التعليق.
تعليق غير الستة :
٩٠ - كل تعليق لغير الستة لا يعد يمينا شرعاً وإن
كان القائل يقصد به تأكيد الحمل على شيء أو
المنع عنه أو الخبر .
ومن أمثلة ذلك أن يقول: إن فعلت كذا فأنا
بريء من الشفاعة، لأن إنكار الشفاعة بدعة،
وليس كفرا، أويقول: فصلاتي وصيامي لهذا
الكافر قاصدا أن ثوابهما ينتقل إلى هذا الكافر،
فهذا القول ليس كفرا، فإِن قصد به أن صلاته
وصيامه عبادة لهذا الكافر، أي : أنه يعبده كانت
یمینا لأن هذا کفر.
ومن الأمثلة: إن فعل كذا فعلیه غضب الله أو
سخطه أو لعنته، أو فهو زان أو سارق أو شارب خمر
أو آكل ربا، فليس شيء من ذلك يمينا شرعا.
هذا متفق عليه بين الفقهاء. (١)
(١) الدر المختار بحاشية ابن عابدين ٥٦/٣ -٥٧، وحاشية الصاوي
على الشرح الصغير للدردير ٣٣/١، والمغني بأعلى الشرح
الكبير ٢٠٠/١١
معنى الاستثناء :
٩١ - المراد بالاستثناء هنا هو التعليق بمشيئة الله
تعالی أو نحوه مما يبطل الحكم، كما لو قال قائل :
سأفعل كذا إن شاء الله .
وإنما سمي هذا التعليق استثناء لشبهه
بالاستثناء المتصل في صرف اللفظ السابق عن
ظاهره.
وبعضهم يسمى هذا التعليق (استثناء تعطيل)
لأنه يعطل العقد أو الوعد أو غيرهما.
والفقهاء یذکرون هذا الاستثناء في الأيمان حينما
يقولون: إن من شرائط صحة اليمين عدم
الاستثناء فإنهم لا يريدون إلا الاستثناء، بمعنى
التعليق بمشيئة الله تعالى ونحوه، فإنه هو الذي لو
وجد لبطل حكم اليمين.
والضابط الذي يجمع صور الاستثناء بالمشيئة :
كل لفظ لا يتصور معه الحنث في اليمين، كما لوقال
الحالف عقب حلفه: إن شاء الله، أو إلا أن
يشاء الله، أوماشاء الله، أو إلا أن يبدو لي غير
هذا، أو إن أعانني الله، أويسر الله، أو قال:
بعون الله أو بمعونة الله أو بتيسيره.
التعليق بالاستطاعة :
٩٢ - لوقال الحالف: والله لأفعلن كذا إن
استطعت أو: لأفعلن کذا إلا ألا أستطيع، فإِن أراد
بها الاستطاعة الخاصة بالفعل المحلوف عليه لم
يحنث أبدا لأنها مقارنة للفعل، فلا توجد ما لم يوجد
الفعل.
وإن أراد الاستطاعة العامة، وهي سلامة
- ٢٧٨ -

أيمان ٩٢ - ٩٣
الآلات والأسباب والجوارح والأعضاء، فإن كانت
له هذه الاستطاعة فلم يفعل حنث، وإلا لم يحنث.
وهذا لأن لفظ الاستطاعة يحتمل كلا من
المعنيين.
قال الله تعالى في شأن المشركين: ﴿أولئك لم
يكونوا مُعْجِزِينَ في الأرض وما كانَ لهم من دونِ الله
من أولياءَ، يُضَاعَفُ لهم العذابُ ماكانوا
يسْتُطيعون السمعَ وما كانوا يُبْصِرون﴾(١) وقال عز
وجل حاكيا خطاب الخضر لموسى عليهما السلام
﴿قال إنك لن تَسْتطيع معي صبرا﴾(٢) والمراد في
الآيتين الاستطاعة المقارنة للفعل، وقال سبحانه
وتعالى: ﴿وَللهِ على الناسِ حِجُّ البيتِ مَنْ استطاعَ
إليه سبيلا﴾(٣) وقال جل شأنه ﴿والذين يُظاهِرون
من نسائهم ثم يَعُودونِ لِمَا قالوا فَتَحْرِيرُ رَقبةٍ من قَبْل
أن یتماسّا، ذلکم تُوعظون به، والله بما تعملون
خبيرٌ. فمنْ لَمْ يجِدْ فصيامُ شهرينْ مُتَتَابعين مِن قَبْل
أنْ يتماسّا، فمن لم يسَتْطِع فإِطعامُ ستين مسكينا،
ذلك لِتُؤْمِنُوا بالله ورسولِهِ، وتلك حدودُ الله،
ولِلْكافرين عذابٌ أليمٌ﴾ (٤) والمراد بالاستطاعة في
الموضعين سلامة الأسباب والآلات.
فإن لم يكن له نية وجب أن يحمل على المعنى
الثاني - وهو سلامة الأسباب - لأن هذا هو الذي
يراد في العرف والعادة، فينصرف إليه اللفظ عند
الإطلاق. (٥)
(١) سورة هود / ٢٠
(٢) سورة الكهف / ٦٧
(٣) سورة آل عمران / ٩٧
(٤) سورة المجادلة / ٤،٣
(٥) البدائع ١٥/٣، وحاشية ابن عابدين ٣/ ١٠٠
أثر الاستثناء ومايؤثر فيه :
٩٣ - والاستثناء المتصل ((بإلا)) ونحوها متى وجدت
شرائطه أفاد التخصيص في اليمين القَسَمِيّة
والتعليقية، وفي غير اليمين أيضا، ومن أمثلة
ذلك: والله لا آكل سمنا إلا في الشتاء، وإن أكلته
في غير الشتاء فنسائي طوالق إلا فلانة، أو فعبيدي
أحرار إلا فلانا، وإن كلمت زيدا فعلي المشي إلى
مكة إلا أن يكلمني ابتداء.
ومن أمثلتها أيضا قول القائل: لفلان علي عشرة
دنانير إلا ثلاثة، وأنت طالق ثلاثا إلا اثنتين كما
سبق .
والاستثناء بمعنى تعليق المشيئة ونحوه یفید
إبطال الكلام الذي قبله، سواء أکان یمینا قسمیة
أم يمينا تعليقية أم غيرهما، وإلى هذا ذهب
الجمهور.
وذهب مالك في أشهر القولین، وأحمد في إحدى
الروايتين - وهي أرجحهما - إلى أنه لا يفيد
الإِبطال، إلا في اليمين بالله تعالى وما في معناها مما
فيه كفارة، فالطلاق والعتاق لا يبطلان بتعليق
المشيئة، سواء أكانا منجزيين أم معلقين، فمن
قال: أنت طالق إن شاء الله، أو إذا طلعت
الشمس فأنت طالق إن شاء الله، أو إن خرجت
من الدار فأنت طالق إن شاء الله، يقع طلاقه
منجزا في المثال الأول، ويقع عند طلوع الشمس في
المثال الثاني، وعند خروجها من الدار في المثال
الثالث، وأما تعليق التزام القربة بقصد اليمين
فعند المالكية: يلزمه فيه ما التزمه، فلا يصح تعليقه
بالمشيئة فلا تبطل اليمين به، وعند الحنابلة تجب فيه
الكفارة فيصح عندهم تعليقه بالمشيئة. وهناك قول
- ٢٧٩ -

أيمان ٩٤ - ٩٧
ثالث ذهب إليه ابن تيمية في فتاواه، وهو: أن
المشيئة تفید الإِبطال في کل ما کان حلفا سواء أكان
قسما بالله أم تعليقا للطلاق وغيره، ولا تفيد
الإِبطال فيما ليس حلفا كتنجيز الطلاق والعتاق
والتزام القربة وتعليقها بغير قصد الحلف كتعليقها
على طلوع الشمس.
٩٤ - هذا ويمكن الاستدلال على ما ذهب إليه
الجمهور بقوله وخلا فه: ((من حلف على يمين فقال:
إن شاء الله فلا حِنْثَ عليه))(١) فقوله وَله: ((من
حلف)) يشمل الحالف بالصيغة القسمية وبالصيغة
التعلیقیة، (٢) ویقاس عليه كل عقد وكل حل.
شرائط صحة الاستثناء :
٩٥ - يشترط لصحة الاستثناء شرائط :
(الشريطة الأولى): الدلالة عليه باللفظ أو
ما يقوم مقامه من كتابة أو إشارة أُخرس - كما تقدم
في شرائط الحالف ۔ ثم إن كانت باللفظ وجب
الإسماع ولو بالقوة عند الجمهور، خلافا للمالكية
والكرخي من الحنفية.
ثم اشتراط الدلالة باللفظ وما يقوم مقامه يخرج
به ما لونوی الاستثناء من غیر أن یدل علیه، فلا
تكفي النية في الاستثناء، لكن قال المالكية: إن
(١) حديث: (من حلف على يمين فقال: إن شاء الله .... ))
أخرجه الترمذي (١٠٨/٤ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة،
ونقل عن البخاري أنه مختصر من حديث أخرجه البخاري
(٤٥٨/٦ - الفتح - ط السلفية).
(٢) لا نعلم خلافا بين العلماء أن من قال: إن شاء أو بمشيئة الله.
تبركا لا يبطل يمينه. ولا يبطل تعليقه الطلاق والعتاق ومافي
معناهما .
النية تكفي في الاستثناء بإلا وأخواتها قبل انتهاء
النطق باليمين، وكالاستثناء بإلا سائر
التخصيصات كالشرط، والصفة، والغاية، ومثال
الشرط: والله لا أکلم زیدا إن لم يأتني، ومثال
الصفة: لا أكلمه وهو راكب، لأن المراد بالصفة
ما يشمل الحال، ومثال الغاية: لا أكلمه حتى
تغرب الشمس.
وتفصيله في (استثناء وطلاق).
٩٦ - وقال الحنابلة: يشترط نطق غير المظلوم
الخائف، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا
((من حلفَ على يمين فقال: إن شاء الله فلا حِنْثَ
عليه))(١) ومعلوم أن قوله ( # فقال ... )) يدل على
اشتراط النطق باللسان، لأن القول هو اللفظ،
وأما المظلوم الخائف فتکفیه نیته، لأن يمينه غیر
منعقدة، أو لأنه بمنزلة المتأول. (٢)
٩٧ - (الشريطة الثانية): أن يصل المتكلم
الاستثناء بالكلام السابق، فلو فصل عنه بسكوت
كثير بغير عذر، أوبكلام أجنبي لم يصح
الاستثناء، فلا يخصص ماقبله إن كان استثناء بنحو
إلا، ولا يلغيه إن كان بنحو المشيئة.
ومن الأعذار: التنفس والسعال والجشاء
والعطاس وثقل اللسان وإمساك إنسان فم المتكلم،
فالفصل بالسكوت لهذه الأعذار كلها لا يضر.
(١) الحديث سبق تخريجه ف / ٩٤
(٢) مطالب أولي النهى ١/ ٣٧٠، والمغني بأعلى الشرح الكبير
٣٠٧/١١ - ٣١٠، وحاشية الدسوقي ٢/ ١٣٠
- ٢٨٠ -