النص المفهرس

صفحات 241-260

إيلام ٥ -٨
الآثار المترتبة على الإِيلام :
أ - الإِيلام الصادر عن الله تعالى:
٥ - قد يبتلي الله تعالى بعض عباده بالآلام الجسدية
كالأمراض والأسقام، أو بالآلام النفسية كالأحزان
والهموم، وما على الإِنسان إذا نزل به شيء من
ذلك إلا الصبر، عملا بقوله عليه الصلاة والسلام
((عَجَبًا لأمرِ المؤمن، إنَّ أمره كلَّه له خير ، وليس
ذلك لأحدٍ إلا للمؤمنِ، إِنْ أصابته سرّاءُ شَكَرَ،
فكان خيرا له، وإنْ أصَابَتْهُ ضَرَاءُ صَبَرَ، فكان
خيرا له)). (١) لأن في هذا الصبر على الابتلاء
تكفيرالسيئاته، وإعلاء لدرجاته، قال عليه
الصلاة والسلام، فيما رواه أبوسعيد الخدري
وأبوهريرة: أنهما سمعا رسول الله (* يقول:
((مـا يصيبُ المؤمنَ مِنْ وَصَبٍ ولا نَصَبٍ ولا سَقَم
ولا حزن، حتى الهَمّ يَهَمّه، إلا كَفَّرَ الله به
سيئاتِه))(٢) ولا ينافي هذا الأخذ بالأسباب التي
وضعها الله تعالى لدفع هذا البلاء أو رفعه،
كالدواء والدعاء والوقاية .
ب - الإِيلام الصادر عن العباد:
٦ - إذا كان الإِيلام صادرا عن العباد، فإنه إذا كان
. نتيجة اعتداء يقصد منه الإِضرار نفسيا أم جسديا
فإِن في هذا الإِيلام إثماً، فيجب اجتنابه لقوله
تعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المعتدينَ﴾(٣)
(١) حديث: ((عجبا لأمر المؤمن .... )) أخرجه مسلم (٢٢٩٥/٤ -
ط الحلبي).
(٢) حديث: ((ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ١٠٣/١٠ - ط السلفية) ومسلم (١١٩٣/٤ ط
الحلبي).
(٣) سورة البقرة / ١٩٠
ولقوله {#: ((لا ضرر ولا ضرار))، (١) كما يجب
القصاص أو التعويض المالي أو التعزير، بحسب
الحال، وتفصيله في الجنايات والتعزير.
٧ - وقد یکون موجب الإِیلام الضمان وحده، أو مع
التعزير كما في حالات الجناية خطأ على النفس
وما دونها، على ما فصله الفقهاء في كتاب
الجنايات. وقد ضَمِنَ عمر إفزاع رجل بأربعين
درهما. فقد روي ((أن رجلا كان يقص شارب
عمر بن الخطاب، فأفزعه عمر. فضرط الرجل،
فقال عمر: إنا لم نرد هذا، ولكنا سنعقلها لك.
فأعطاه أربعين درهما. قال الراوي وأحسبه قال:
وشاة أو عناقا))(٢)
٨ - الإِيلام الذي يجعل وسيلة للإصلاح عندما
يجب بإيجاب الله تعالى، كالحدود، أو عندما
يترجح لدى ولي الأمر جدواه في الإصلاح،
كالتعزير والتأديب، لا يجوز تخفيف هذا النوع من
الإِيلام، وقد نص الفقهاء على وجوب نزع الحشو
والفروعن المجلود في الحد والتعزير، ليصل الألم
إلى جلده. (٣)
(١) حديث: ((لا ضرر ولا ضرار)). رواه ابن ماجة (٢ /٧٨٤ ط
الحلبي) وغيره عن ابن عباس. وهو صحيح بطرقه (فيض القدير
٦/ ٤٣١ - ٤٣٢ - ط المكتبة التجارية).
(٢) أثر:((أن عمر بن الخطاب قد ضمن إفزاع رجل بأربعين
درهما ... )) أخرجه ابن حزم من طريق عبدالرزاق عن معمر عن
إسماعيل بن أمية. قال محمد منير الدمشقي محقق المحلى:
إسماعيل هذا لم يدرك عمر، وفي السند رجل مجهول لا يدري من
هو مصنف (عبدالرزاق ٢٤/١٠، والمحلى لابن حزم
١٠ / ٤٥٩).
(٣) حاشية ابن عابدين ٣/ ١٧٠
- ٢٤١ -

إيماء ١ - ٥
إيماء
التعريف :
١ - الإِيماء لغة: الإِشارة باليد أو بالرأس أو بالعين أو
بالحاجب. وقال الشربيني: الإِيماء لغة: هو الإِشارة
الخفية. وسواء أكانت الإِشارة حسية أم معنوية . (١)
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن ذلك.
٢ - والإِيماء في اصطلاح الأصوليين: دلالة النص
على التعليل بالقرينة، لا بصراحة اللفظ. (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الإشارة :
٣ - الإشارة لغة أعم من الإيماء، عند من يرى أن
الإِيماء إشارة خفية. أما من يرى أنه مطلق الإِشارة
فهما مترادفان.
وفي الاصطلاح عند الأصوليين: الإِشارة دلالة
اللفظ على معنى لم يُسَق الكلام لأجله. نحو دلالة
قوله تعالى: ﴿ وعلى المولود له رِزْقُهُنَّ
وكِسْوَتُن﴾(٣) على أن النسب يثبت للأب، وأن
الأب لا يشاركه أحد في النفقة على الولد، فالإيماء
عندهم أخص من الإِيماء عند غيرهم من الفقهاء
(١) تاج العروس، والمصباح.
(٢) تقرير على شرح جمع الجوامع وحاشية البناني ٢/ ٢٦٦
(٣) سورة البقرة / ٢٣٣
واللغويين، سواء أخذ في مفهوم الإيماء الإشارة
مطلقا أو الخفية .
وأجاز الغزالي تسمية الإِيماء إشارة . (١)
ب - الدلالة :
٤ - الدلالة أن يكون الشيء بحالة يلزم من العلم
به العلم بشيء آخر، وقيل: كون الشيء بحيث
يفهم منه شيء آخر، والأول يسمى الدال، والثاني
يسمى المدلول(٢)
والدلالة اللفظية إما على تمام ما وضع له
اللفظ، أو على جزئه، أو على خارج عنه لازم له،
كدلالة لفظ ((السقف)) على الحائط أو التحيز أو
الظل، ومن هذه الدلالة الالتزامية الإِيماء، لأنه
دلالة اللفظ غير الموضوع للتعليل على
التعليل. (٣)
الحكم الإجمالي :
أولا : عند الفقهاء :
٥ - المصلي العاجز عن الركوع أو السجود لمرض أو
خوف أو نحوهما، يصلي بالإِيماء، ويجعل سجوده
أخفض من ركوعه. ويذكر الفقهاء أحكام ذلك في
أبواب صلاة المريض، وأبواب صلاة الخوف . (٤)
(١) شرح مسلم الثبوت ٤٠٧/١، ٤١٣ ط بولاق، والمستصفى
١٨٨/٢، ١٩٠
(٢) تعريفات الجرجاني.
(٣) كشاف اصطلاحات الفنون ٤٨٩/٢، والمستصفى ١/ ٣٠
(٤) انظر مثلا: الاختيار ١/ ٤٦، ٧٦ ط دار المعرفة بلبنان، وجواهر
الإكليل ٥٤/١، ٥٦، ١٠٠، والقليوبي على شرح المنهاج
١٣٤/١، ٣٠١ ط عيسى الحلبي، والمغني لابن قدامة ١/ ٤٣٢
و٢ / ٤٠٠ ط الریاض.
- ٢٤٢ -

إيماء ٦ - ٧
وفي اعتبار الإِيماء بالرأس ونحوه في العقود
والتصرفات من الناطق والأخرس والمعتقل لسانه
تفصيل(١) (ر: إشارة. وعقد، وطلاق).
وفي مفسدات الصلاة في بعض الأحوال عند
بعض الأئمة (ر: مفسدات الصلاة).
ثانيا : عند الأصوليين :
٦ - الإِيماء عند أكثر الأصوليين نوع من أنواع
المنطوق. (٢) لكنه غير صريح. ويذكرونه في
الدلالات من مباحث الألفاظ، ومسالك العلة من
مباحث القیاس.
أنواع الإيماء :
٧ - أنواع الإِيماء كثيرة، حتى قال الغزالي: وجوه
التنبيه لا تنضبط إلا أنهم ذكروا الأنواع التالية :
أ ۔أن يقع الحكم في جواب سؤال. ومثاله قول
الرجل الأنصاري للنبي وَلهير: واقعت أهلي في نهار
رمضان. فقال: ((أعتق رقبة))(٣) فإنه يدل على أن
الوقاع في نهار رمضان علة للإعتاق. ووجه فهم
التعليل هنا: أن غرض الأنصاري معرفة حكم ما
فعل، وما ذكره النبي (﴾ جواب له ليحصل
غرضه، فصار الجواب مقدرا فيه السؤال، كأنه
قال: كفِّر لأنك واقعت. وهو لو صرح بحرف
التعلیل بقوله: کفر لأنك واقعت، لم یکن مومئا
للعلیة، بل يكون مصرحا بها.
(١) انظر مثلا ابن عابدين ٤٥٢/٤، والأشباه والنظائر للسيوطي ص
٣١٢، وتفسير القرطبي ٨١/٤
(٢) دلالة الإيماء التزامية، والالتزام من المنطوق. وبعض الشافعية
ومنهم صاحب المنهاج أدرجوه في المفهوم (شرح مسلم الثبوت
٤١٣/١، والبناني على جمع الجوامع ٢٦٦/٢).
(٣) حديث: ((أعتق رقبة)) أخرجه البخاري (الفتح ١٠/ ٥٥٢ - ط
السلفية).
وقد يجتمع التصريح بالعلة والإِيماء بها، ومثاله
قول النبي ◌َّيؤ لمن سأله عن بيع الرطب بالتمر،
فقال: ((أينقص الرطب إذا يبس؟)) قال: نعم.
قال: ((فلا، إذن))(١) فإِن ((إذن)) صريح في التعليل.
ولو لم يذكر ((إذن)) لفهم التعليل من القرينة،
فاجتمعا .
ب - أن يقترن الوصف المناسب بالحكم في كلام
المتكلم: ومثاله قول النبي # في الهرة: ((إنها
ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم))، (٢)
فأفهم أن علة طهارتها الطواف، إذ لو لم يكن هذا
الوصف علة لكان لغوا، أو- على تعبير بعض
الأصوليين - لكان بعيدا جدا، فيحمل الوصف
على التعليل، صيانة لكلام الشارع عن اللغو
والعبث. (٣)
جـ ـ ومنه أن يفرق بين حكمين بوصفين، فيعلم أن
أحدهما علة لأحد الحكمين، والآخر علة للآخر.
والتفريق يكون بطرق :
(١) إما بصيغة صفة. مثل حديث ((للفارس
(١) حديث: ((أينقص الرطب إذا ييس ... )) أخرجه أبوداود
(٦٥٧/٣ - ط عزت عبيد دعاس) وصححه ابن المديني والترمذي
وغيرهما. (بلوغ المرام لابن حجر ص ١٩٣ - ط عبد الحميد أحمد
حنفي).
(٢) حديث: ((إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم)) أخرجه
أبوداود (١/ ٦٠ ۔ ط عزت عبید دعاس) والترمذي (١/ ١٥٤ - ط
الحلبي) وصححه البخاري والعقيلي. (التلخيص لابن حجر
٤١/١ - ط دار المحاسن).
(٣) الاحتمال البعيد الذي يصان عنه كلام الشارع في مثل هذا، يقع
مثله في الكلام. کما لو قال الولد لأبيه طلعت الشمس. فقال له:
اسقني ماء. فليس طلوع الشمس سببا لسقي الماء بل هو كلام
منقطع عن الأول. (المستصفى).
- ٢٤٣ -

إيماء ٨ - ٩
سهمان وللراجل سهم))(١) ومثل ((القاتل لا يرث))(٢)
وقد ثبت من الدين بالضرورة توريث العصبات
وغيرهم من أصحاب الفروض.
(٢) وإما بصيغة الغاية، نحو ﴿ولا تَقْرَبُوهن
حتى يَطْهُرنَ﴾ .(٣)
(٣) وإما بصيغة الشرط، نحو ((فإذا اختلفت
هذه الأصنافُ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد))
ناط الجواز باختلاف الجنس . (٤)
(٤) أو بصيغة استدراك. نحو ﴿لا يؤاخذكم
اللّهُ باللغوِ في أيمانِكم، ولكن يُؤاخِذُكم بما عَقَّدْتُمْ
الأيمانَ﴾ (٥) فدل على أن الانعقاد علة الكفارة.
(٥) أو بصيغة استثناء نحوقوله تعالى :
﴿فنصفُ ما فرضْتُم إلا أن يَعْفُونَ﴾(٦) يفيد علية
العفو لسقوط المطالبة بالمهر.
الإيماء بذكر النظير :
٨ - قد يكون الإِيماء إلى العلة بذكر نظير لمحل
السؤال.
ومثاله قول النبي ﴿ لامرأة من جهينة، وقد
سألته: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى
ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عنہا،
(١) حديث: ((الفارس سهمان وللراجل سهم)) أخرجه البخاري
بلفظ «قسم رسول الله# للفرس سهمين والراجل سهما)) (فتح
الباري ٧/ ٤٨٤ ط السلفية).
(٢) حديث: ((القاتل لا يرث)) أخرجه ابن ماجة ٨٨٣/٢ ط الحلبي)
والبيهقي (٦/ ٢٢٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) وقال:
إسحاق بن عبدالله لا يحتج به، إلا أن شواهده تقويه.
(٣) سورة البقرة / ٢٢٢
(٤) حديث: ((إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا .... )) أخرجه
مسلم (١٢١١/٣ - ط الحلبي).
(٥) سورة البقرة / ٢٢٥
(٦) سورة البقرة / ٢٣٧
أرأيتٍ لوكان على أُمِّكِ دينٌ أكنت قاضيته؟
اقضوا الله فالله أحقُّ بالوفاءِ».(١)
سألته عن دين الله فذكر نظيره، وهودين
الآدمي. فنبه على التعليل به، وإلا لزم العبث.
ففهم منه أن نظیره - وهو دین الله - كذلك علة لمثل
ذلك الحكم، وهو وجوب القضاء.
مراتب الإيماء :
٩۔أ۔قد یذکر الحکم والوصف کل منهما صريحا،
نحو قول النبي ولي: ((لا يقضي القاضي وهو
غضبان))(٢) فهذا إيماء إلى أن الغضب علة عدم
جواز الحکم، ومثل: أکرم العلماء وأهن الجهال فهو
إيماء إلى أن علة الإكرام العلم، وعلة الإهانة
الجهل. فهذا النوع إيماء بالاتفاق.
ب - وقد يذكر الوصف صريحا والحكم مستنبط.
نحو ﴿وأحل الله البيع﴾(٣) فالوصف إحلال البيع،
والحكم الصحة، أويذكر الحكم والوصف
مستنبط، نحو: حرمت الخمر، ولا تذكر الشدة
المطربة، وهي الوصف. فقد اختلف في هذين
النوعين فقيل: هما من الإيماء، وقيل: لا لعدم
الاقتران بين الحكم والوصف لفظا . (٤)
(١) حديث: ((إن أمي نذرت أن تحج .... )) أخرجه البخاري (فتح
الباري ٤ / ٦٤ ط السلفية).
(٢) حديث: ((لا يقضي القاضي وهو غضبان)) أخرجه البخاري
(الفتح ١٣٦/١٣ - ط السلفية) ومسلم (١٣٤٣/٣ - ط
الحلبي). واللفظ للبخاري.
(٣) سورة البقرة / ٢٧٥
(٤) كشاف اصطلاحات الفنون ٦/ ١٤٣٤، وشرح مسلم الثبوت
٢٩٦/٢ -٢٩٨ ط بولاق، والمستصفى ٢٨٩/٢، ٢٩٠ ط
بولاق، وحاشية التفتازاني على شرح العضد على ابن الحاجب
٢٣٤/٢ - ٢٣٦ نشر الجامعة الإسلامية بالبيضاء - ليبيا، وشرح
جمع الجوامع حاشية البناني ٢٦٦/٢ - ٢٧٠ ط مصطفى الحلبي
١٣٥٦ هـ.
- ٢٤٤ -

أيمان ١ - ٣
أيمان
التعريف :
١ - الأيمان: جمع يمين، وهي مؤنثة وتذكر. وتجمع
أيضا على (أيْمُن) ومن معاني اليمين لغة: القوة
والقسم، والبركة، واليد اليمنى، والجهة اليمنى .
ويقابلها: اليسار، بمعنى: اليد اليسرى، والجهة
اليسرى . (١)
أما في الشرع، فقد عرفها صاحب غاية المنتهى
من الحنابلة بأنها: توكيد حكم بذكر معظّم على
وجه مخصوص.
ومقتضى هذا التعريف تخصيص اليمين
بالقسم، لكن يستفاد من كلام الحنابلة في مواضع
كثيرة من كتبهم تسمية التعليقات الستة ايمانا،
وهي تعليق الكفر والطلاق والظهار والحرام والعتق
والتزام القربة، وقرر ذلك ابن تيمية في مجموع
الفتاوى. (٢)
حكمة التشريع :
٢ - من أساليب التأكيد المتعارفة في جميع العصور
أسلوب التأكيد باليمين، إما لحمل المخاطب على
(١) المصباح المنير مادة: ((يمين)).
(٢) ابن عابدين ٤٥/٣، وفتح القدير ٣/٤، والدسوقي ١٢٦/٢،
وتحفة المحتاج ١٦٤/٨، والأم ٦٢/٧، ومطالب أولي النهى
٣٥٧/٦، ٣٥٨، والمغني بأعلى الشرح الكبير ١١/ ٧٤،
ومجموع الفتاوى لابن تيمية ٢٤٣/٣٥
الثقة بكلام الحالف، وأنه لم یکذب فیه إن كان
خبرا، ولا يخلفه إن کان وعدا أو وعیدا أو نحوهما،
وإما لتقوية عزم الحالف نفسه على فعل شيء
يخشى إحجامها عنه، أو ترك شيء يخشى إقدامها
عليه، وإما لتقوية الطلب من المخاطب أو غيره
وحثه على فعل شيء أو منعه عنه.
فالغاية العامة لليمين قصد توكيد الخبر ثبوتا أو
نفيا .
تقسیمات الیمین
(أولا)
تقسیم الیمین بحسب غايتها العامة
تنقسم اليمين بحسب غايتها العامة إلى
قسمین:
٣ - القسم الأول : اليمين المؤكدة للخبر، سواء
أكان ماضيا أم حاضرا أم مستقبلا، وسواء أكان
إثباتا أم نفيا، وسواء أكان مطابقا للواقع أم مخالفا.
واليمين على ما طابق الواقع تسمى (اليمين
الصادقة) كقوله تبارك وتعالى : ﴿زَّعَمَ الذين كفروا
أَنْ لِنْ يُبْعَثُوا، قل: بلى وربِّي لِتُبْعَثُنَّ ثم لَتُنَبُّنَّ بما
عَمِلْتم﴾(١) فهذا أمر للنبي # أن يحلف بربه
عز وجل على أنهم سيبعثون يوم القيامة، ثم
يحاسبون على أعمالهم.
واليمين على ما خالف الواقع إن كان الحالف
بها كاذبا عمدا تسمى (اليمين الغموس) لأنها
تغمس صاحبها في الإِثم.
ومن أمثلتها ما حكاه الله عز وجل عن المنافقين
في آيات كثيرة منها:
(١) سورة التغابن / ٧
- ٢٤٥ -

أيمان ٤ - ٦
قوله تعالى : ﴿وَيَحْلِفُون بالله إِنهم لَنكم وما هم
منكم، ولكنهم قومٌ يَفْرَقُون﴾.(١)
فهذا من المنافقين حلف على أنهم من
المؤمنين، وهم كاذبون فيه، وما حملهم على
الكذب إلا أنهم يخافون غضب المؤمنين عليهم .
وإن كان الحالف بها متعمدا صدقها، غير أنه
أخطأ في اعتقاده،لم تکن غموسا ولا صادقة، وإنما
تكون (لغوا) على بعض الأقوال.
ومن أمثلتها أن يقول إنسان: والله إن الشمس
طلعت، بناء على إشارة الساعة والتقويم، ثم
يتبين أنها لم تكن طلعت، وأنه أخطأ النظر، أو كان
بالساعة خلل، أو بالتقويم خطأ .
٤ - القسم الثاني : اليمين المؤكدة للإنشاء.
والإِنشاء إما حث أومنع، والمقصود بالحث: حمل
الحالف نفسه أو غيره على فعل شيء في المستقبل.
والمقصود بالمنع: حمل الحالف نفسه أو غيره على
ترك شيء في المستقبل.
مثال الحث: والله لأفعلنّ كذا، أولتفعلنّ كذا،
أو لیفعلنّ فلان كذا.
ومثال المنع: والله لا أفعل كذا، أولا تفعلُ
كذا، أو لا يفعلُ فلان كذا. (٢)
وهذه اليمين تسمى (منعقدة) أو (معقودة) متى
تمت شرائطها، وسيأتي بيانها .
ومما هو جدير بالملاحظة أن قول القائل:
لأفعلن، أولا أفعل يدل على حث نفسه على
الفعل أو الترك حقيقة إن كان يتحدث في خلوة،
نحو: والله لأصومن غدا، أولا أشرب الخمر، أو
(١) سورة التوبة / ٥٦
(٢) بضم اللام في الأفعال الثلاثة، لأن ((لا)) نافية وليست ناهية.
لأقتلن فلانا، أولا أفعل ما أمرني به .
وأما إن كان يتحدث في مواجهة غيره، فإنه يدل
على حث نفسه ظاهرا، وقد يكون هذا الظاهر
موافقا للحقيقة، بأن يكون عازما على الوفاء، وقد
يكون مخالفا لها، بأن يكون عازما على عدم الوفاء.
وقول القائل: لتفعلن أو لا تفعل يدل على
حث المخاطب على الفعل أو الترك، ويكون
بمثابة الأمر إن كان من أعلى لأدنى، والدعاء إن
كان من أدنى لأعلى، والالتماس إن كان بين
متماثلين. ثم إنه قد يكون حقيقيا، وقد يكون
ظاهريا فقط بقصد المجاملة أو غيرها.
٥ - هذا، وتنقسم اليمين على المستقبل إلى: يمين
بر،ویمین حنث.
(فيمين البر) هي ما كانت على النفي، نحو:
والله لا فعلت كذا، بمعنى: لا أفعل كذا، وسميت
یمین بر لأن الحالف بارّ حین حلفه، ومستمر على
البر مالم يفعل .
(ويمين الحنث) ما كانت على الإثبات، نحو:
والله لأفعلن كذا، وإنما سميت يمين حنث لأن
الحالف لو استمر على حالته حتی مضى الوقت أو
حصل اليأس حنث.(١)
(ثانيا)
تقسيم اليمين بحسب صيغتها العامة
٦ - القسم الأول : القسم المنجز بالصيغة الأصلية
لليمين، وتكون بذكر اسم الله تعالى، مثل
(والله) و(الرحمن) أو صفة له مثل (وعزة الله)
و(جلاله).
(١) أقرب المسالك مع الشرح الصغير وحاشية الصاوي ٣٣٢/١
- ٢٤٦ -
٢

أيمان ٧ - ٩
وكان الناس في الجاهلية يحلفون بالله
وبمعبوداتهم کاللات والعزى، وبما يعظمونه من
المخلوقات مما لا يعبدون كالآباء والأمهات
والكعبة، وبما يحمدونه من الأخلاق كالأمانة.
وفي صدر الإِسلام بطل تعظيمهم للأصنام
ونحوها مما كانوا يعبدونه من دون الله، فبطل
حلفهم بها إلا ما كان سبق لسان، واستمر حلفهم
بما يحبونه ويعظمونه من المخلوقات، فنهاهم
رسول الله وَّر عن ذلك وأمرهم بالاقتصار على
الحلف بالله تعالى، وسيأتي بيان ذلك كله
تفصيلا .
٧ - القسم الثاني: التعليق، ويمكن تحصيل الغاية
العامة من اليمين - وهي تأكيد الخبر أو الحث أو
المنع ـ بطريق آخر، وهو ترتيب المتكلم جزاء
مكروها له في حالة مخالفة الواقع أو تخلف المقصود.
ولهذا الجزاء أنواع كثيرة بحسب العادة، لكن لم
يعتبر الفقهاء منها إلا ستة أنواع وهي : الكفر،
والطلاق، والظهار، والحرام، والعتق، والتزام
القربة .
وأمثلتها: إن فعلت كذا، أو: إن لم أفعل كذا،
أو: إن لم يكن الأمر كما قلت فهو بريء من
الإِسلام. أو: فامرأته طالق، أو: فامرأته عليه
کظهر أمه، أو: فحلال الله عليه حرام، أو: فعبده
حر، أو فعليه حجة . (١)
(١) يلاحظ أن التعبير بضمائر الغائب جريا على ما اعتاده المؤلفون في
كتبهم الفقهية، حذرا من بشاعة الحكاية بضمائر المتكلم، ولأن
الشيطان قد یوسوس للحاکی فینوي مایحکیه فیقع في المحذور،
ومن أراد معرفة مايقوله الحالف نصا فليستبدل بضمائر الغائب
ضمائر المتكلم، وليقصد الحكاية لا إنشاء اليمين.
وقد يكون الطريق المحصل للغاية ترتيب جزاء
محبوب للمخاطب على فعل أمر محبوب للمتكلم،
كما لوقال إنسان لعبده: إن بشرتني(١) فأنت حر،
فهذا الجزاء محبوب للمخاطب من حيث كونه
تخلصا من الرق، وإن كان شاقا على المتكلم من
حیث کونه إزالة للملك، غير أنه يستسهله لما فيه
من مكافأة على فعل مايحبه وشكرٍ لله عز وجل على
ذلك.
والجزاء المحبوب لا يتصور کونه ظهارا ولا کفرا،
فهو منحصر في العتق والتزام القربة والطلاق
والحرام، كتطليق ضرة المخاطبة وتحريمها.
وسيأتي تفصيل ذلك كله.
التعليق بصورة القسم :
٨ - قد يعدل الحالف عن أداء الشرط والجملة
الشرطية، ويأتي بالجزاء بدون الفاء، ويذكر بعده
جملة شبيهة بجواب القسم، فيقول: هويهودي
ليفعلن كذا، أو لا يفعل كذا، أو أمرأته طالق
لا يفعل كذا، أو ليفعلن كذا، فالجملة التي بدىء
الكلام بها جزاء لشرط محذوف، تدل عليه الجملة
المذكورة بعد، وسيأتي بیان ذلك.
الجواب الإنشائي يتضمن الخبر :
٩ - القسم حینما یکون إنشائيا للحث أو المنع،
فالحلف عليه لا يمكن أن يكون حلفا على الإنشاء
المحض، فإِن هذا الإِنشاء يحصل معناه بمجرد
النطق به، فلا يحتاج إلى حلف. فإِن الذي يحتاج
(١) البشارة: الإِخبار بنبأ سار لم يعلم به المتكلم من قبل.
- ٢٤٧ -

أیمان ١٠ - ١٢
إلى الحلف، هو الأمر الذي يخشى تخلفه، وهو
الوفاء بمضمون الجملة الإنشائية .
فمن حلف فقال: والله لأقضینك حقك غدا،
وقد حث نفسه على القضاء، وهذا الحث قد
حصل بمجرد النطق، فهو غير محتاج إلى القسم
من حيث ذاته، فالقسم إذن إنما هو على الحث
المستتبع لأثره، وهو حصول القضاء بالفعل في غد،
وهذا المعنى خبري، ولهذا لو لم يقضه حقه لكان
حانثا .
فمن قال: لأقضینك حقك. أثبت معنیین:
(أحدهما) إنشائي، وهو حث نفسه على
القضاء، وهذا هو المعنى الصريح.
(وثانيهما) خبري، وهو الإِخبار بأن هذا القضاء
سيحصل في الغد، وهذا المعنى ضمني، واليمين
إنما أتي بها من أجل هذا المعنى الضمني.
ولهذا لا يصح في اللغة العربية أن يجاب القسم
بفعل الأمر، ولا بفعل النهي، فلا يقال: والله قم،
أو لا تقم.
مرادفات اليمين :
١٠ - قال الكمال: أسماء هذا المعنى التوكيدي
ستة: الحلف والقسم والعهد والميثاق والإِيلاء
واليمين. (١)
فاليمين مرادفة للألفاظ الخمسة التي ذكرت
معها .
وهناك ألفاظ أخرى، فقد أفاد صاحب البدائع
أنه لوقال إنسان: أشهد أو أعزم أو شهدت أو
عزمت بالله لأفعلن كذا، كان يمينا، لأن العزم
معناه الإيجاب، ولأن الشهادة وردت في قوله
تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا: نَشْهِدُ إِنك
لَرسولُ اللهِ، واللهُ يَعْلَمُ إِنكِ لَرسولُهِ، واللهُ يَشْهِدُ
إِن المنافقين لكاذبون. اتَّخَذُوا أَيمانهَم جُنَّةً فَصَدّوا عن
سبيل الله، إنهم سَاءَ ما كانوا يَعْمَلون﴾(١) فالآية
الثانية أفادت أن شهادتهم يمين.
ويؤخذ من هذا أن الشهادة والعزم من مرادفات
اليمين عرفا، وأفاد أيضا أن الذمة كالعهد والميثاق،
فمن قال: عليّ ذمة الله لأفعلن کان يمينا.
١١ - وأفاد ابن عابدين أنه لو نذر الإِنسان صوما،
كأن قال: لله علي أن أصوم، فإن لم ينوشيئا، أو
نوی النذر ولم يخطر الیمین بباله، أو نوی النذر ونفی
الیمین کان نذرا فقط. وإن نوی الیمین ونفی النذر
کان یمینا فقط. وعلیه الکفارة إن أفطر. وإن نواهما
معا، أو نوی الیمین ولم يخطر بباله النذر کان نذرا
ويمينا، حتى لو أفطر قضى وكفر عن يمينه.
ويؤخذ من هذا أن صیغة النذر تکون یمینا
بالنية عند الحنفية، فتكون من قبيل الكناية،
بخلاف الألفاظ السابقة، فظاهر كلامهم أنها
صريحة عندهم، وإن كان بعضها كناية عند غيرهم
كما سيأتي. وسيأتي الخلاف في النذر المبهم مثل
عليّ نذر. وسيأتي أيضا أن الكفالة والأمانة
المضافين لله كالعهد عند الشافعية، فقد قالوا: من
قال:عليّ عهد الله، أو میثاقه، أو ذمته، أو كفالته،
أو أمانته لأفعلن كذا، أولا أفعل كذا، كان قوله
ذلك يمينا بالنية .
١٢ - هذا ما في كتب الفقه، وقد يجد الباحث في
(١) فتح القدير ٣/٤
(١) سورة المنافقون ١ - ٢
- ٢٤٨ -

أیمان ١٣ - ١٥
كتب اللغة ألفاظا أخرى كالنفل. ففي القاموس
المحيط : نفل: حلف . وهو من باب نصر.
ويؤخذ من لسان العرب أن (نفل) و(انتفل)
و(أنفل) معناها حلف، ويقال: نفّلته بتشديد الفاء
أي: حلّفته.
أیمان خاصة
أ - الإيلاء :
١٣ - هو أن يحلف الزوج على الامتناع من وطء
زوجته مطلقا أو مدة أربعة أشهر، سواء أكان
الحلف بالله تعالى أم بتعليق الطلاق أو العتق أو
نحوهما. ولهذا الإِيلاء أحكام خاصة مأخوذة من
قوله تعالى : ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلون من نسائهم تَرَبُّصُ
أربعةِ أشهرٍ فإِن فَاءُوا فإِنّ الله غفورٌ رحيم. وإن
عَزَمُوا الطلاقَ فإِن اللّهَ سميعٌ عليم﴾(١) ولتفصيلها
(ر: إيلاء).
ب - اللّعان :
١٤ - اللعان في اللغة: مصدر لَاعَن، بمعنى
شاتم، فإِذا تشاتم اثنان، فشتم كل منهما الآخر
بالدعاء عليه، بأن يلعنه الله، قيل لهما: تلاعنا،
ولاعَن كلِّ منهما صاحبه.
واللعان في الشرع لا يكون إلا أمام القاضي،
وهو: قول الزوج لامرأته مشيرا إليها: أشهد بالله أني
لمن الصادقین فیما رميت به زوجتي هذه من الزنى .
وإذا كانت حاملا أو ولدت ولدا واعتقد أنه ليس منه
زاد: وأن هذا الحمل أو الولد ليس مني. ويكرر
(١) سورة البقرة / ٢٢٦، ٢٢٧
ذلك كله أربع مرات، ويزيد بعد الرابعة وعليه لعنة
الله إن كان من الكاذبين . (١)
ولعان المرأة زوجها إذا لم تصدقه أن تقول بعد
لعانه إياها: أشهد بالله أن زوجي هذا لمن الكاذبين
فيما رماني به من الزنى، وتزيد لإثبات نسبة الحمل
أو الولد:وأن هذا الولد منه. وتكرر ذلك کله أربع
مرات، وتزيد بعد الرابعة: وعليها غضب الله إن
كان من الصادقين. (٢)
ولعان الحاكم بين الزوجين هو: أن يحضرهما،
ويأمر الزوج بملاعنة زوجته إن كان مصرا على
قذفها، ولیس معه أربعة شهود عدول، ولم تعترف
الزوجة بما قاله، ثم يأمر الزوجة - بعد انتهاء الزوج
من الملاعنة - أن تلاعنه، فإذا لا عنته فرّق بينهما.
ومعلوم أن قول كل من الزوج والزوجة :
أشهد بالله معناه أقسم بالله، فعلى هذا يكون
اللعان يمينا خاصة لها أحكام تخصها، ولتفصيلها
(ر: لعان).
جـ - القسامة :
١٥ - القسامة في اللغة لها معان: منها اليمين.
وفي الشرع: أن يقسم خمسون من أولياء القتيل
على استحقاقهم دية قتيلهم، إذا وجدوه قتيلا بين
قوم، ولم يعرف قاتله. فإن لم يكونوا خمسين رجلا
أقسم الموجودون خمسين يمينا. فإن امتنعوا وطلبوا
اليمين من المتهمين ردها القاضي عليهم، فأقسموا
بها على نفي القتل عنهم. فإِن حلف المدّعون
(١) يلاحظ أن الزوج يأتي بضميري المتكلم فيقول «علي» بتشديد
الیاء بدل «علیه» ویقول «کنت) بدل «كان».
(٢) يلاحظ هنا أيضا أن الزوجة تأتي بضمير المتكلم فتقول ((علي))
بدل «علیھا)، وأما «كان» فتبقي كما هي.
- ٢٤٩ -

أيمان ١٦ - ١٧
استحقوا الدية. وإن حلف المتهمون لم تلزمهم
الدية. على خلاف وتفصيل ينظر في (قسامة).
د - اليمين المغلّظة :
١٦ - هي اليمين التي غلظت بالزمان، والمكان،
وزيادة الأسماء والصفات، وبحضور جمع،
وبالتكرار.
فالتغليظ بالزمان هو: أن يكون الحلف بعد
العصر، وعصر الجمعة أولى من غيره.
والتغليظ بالمكان: أن يكون الحلف عند منبر
المسجد الجامع من جهة المحراب، وكونه على المنبر
أولى . أما التغليظ في مكة، فهو أن یکون بین الركن
الأسود والمقام .
والتغليظ بالزمان والمكان يكون في اللعان
والقسامة وبعض الدعاوى.
والتغليظ بزيادة الأسماء والصفات نحو:
والله الطالب الغالب المدرك المهلك الذي يعلم
السر وأخفى، ونحو: والله الذي لا إله إلا هو عالم
الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من
السرما يعلم من العلانية .
وهذا التغليظ یکون في بعض الدعاوى.
والتغليظ بحضور جمع هو: أن يحضر الحلفَ
جماعةً من أعيان البلدة وصلحائها، أقلهم أربعة .
وهذا التغليظ يكون في اللعان.
والتغليظ بالتكرار هو: تكرار اليمين خمسين
مرة .
وهذا يكون في القسامة. ولتفصيل ذلك كله
(ر: لعان وقسامة ودعوى).
هـ - أيمان البيعة :
١٧ - مما أحدثه الحجاج بن يوسف الثقفي، أن
حلف الناس على بيعتهم لعبد الملك بن مروان
بالطلاق والعتاق واليمين بالله وصدقة المال.
فكانت هذه الأيمان الأربعة أيمان البيعة القديمة
المبتدعة .
ثم أحدث المستحلفون من الأمراء عن الخلفاء
والملوك وغيرهم أيمانا كثيرة، تختلف فيها عاداتهم،
ومن أحدث ذلك فعليه إثم ما ترتب على هذه
الأيمان من الشر.
فإِذا حلف إنسان بأيمان البيعة، بأن قال: عليّ
أيمان البيعة، أو أيمان البيعة تلزمني إن فعلت كذا أو
إن لم أفعل كذا مثلا :
فالمالكية اختلفوا، فقال أبوبكر بن العربي :
أجمع المتأخرون على أنه يحنث فيها بالطلاق لجميع
نسائه، والعتق جمیع عبيده، وإن لم یکن له رقيق
فعليه عتق رقبة واحدة، والمشي إلى مكة، والحج
ولو من أقصى المغرب، والتصدق بثلث جميع
أمواله، وصيام شهرين متتابعين. ثم قال: چِل
الأندلسیین قالوا: إن كل امرأة له تطلق ثلاثا ثلاثا،
وقال القرويون: إنما تطلق واحدة واحدة. وألزمه
بعضهم صوم سنة إذا كان معتادا للحلف بذلك.
وقال الشافعي وأصحابه: إن لم يذكر في لفظه
طلاقها أو عتاقها أو حجها أو صدقتها لم يلزمه
شيء، سواء أنواه أم لم ينوه، إلا أن ينوي طلاقها أو
عتاقها، فاختلف أصحابه، فقال العراقيون: يلزمه
الطلاق والعتاق، فإن الیمین بهما تنعقد بالكناية مع
النية، وقال صاحب التتمة: لا يلزمه ذلك وإن نواه
ما لم يتلفظ به، لأن الصريح لم يوجد، والكناية إنما
يترتب عليها الحكم فيما يتضمن الإِيقاع، فأما
الالتزام فلا .
- ٢٥٠ -

أيمان ١٨ - ١٩
والحنابلة اختلفوا، فقال أبوالقاسم الخرقي: إن
نواها لزمته، سواء أعرفها أم لم يعرفها. وقال أكثر
الأصحاب ومنهم صاحب المغني: إن لم يعرفها لم
تنعقد يمينه بشيء مما فيها، (١) وفي غاية المنتهى :
يلزم بأيمان البيعة - وهي يمين رتبها الحجاج تتضمن
اليمين بالله تعالى والطلاق والعتاق وصدقة المال -
ما فيها إن عرفها ونواها، وإلا فلغو. (٢)
و - أيمان المسلمين :
١٨ - جاء في كتب المالكية: أن هذه العبارة تشمل
ستة أشياء، وهي: اليمين بالله تعالى، والطلاق
البات لجميع الزوجات، وعتق من يملك من
العبيد والإِماء، والتصدق بثلث المال، والمشي
بحج، وصوم عام.
وهذا الشمول للستة إنما يكون عند تعارف
الحلف بها، فإِن تعورف الحلف ببعضها لم تشمل
ماسواه . (٣)
وذهب الشافعية إلى تحريم تحليف القاضي
بالطلاق أو العتاق أو النذر. قال الشافعي: ومتى
بلغ الإِمام أن قاضيا يستحلف الناس بطلاق أو
عتق أو نذر عزله عن الحكم، لأنه جاهل.
وقال الحنابلة: يلزم بالحلف بأيمان المسلمين
ظهار وطلاق وعتاق ونذر ويمين بالله تعالى مع
النية. كما لو حلف بكل منها على انفراد. ولو حلف
بأيمان المسلمين على نية بعض ما ذكر تقيد حلفه
(١) مجموع الفتاوى لابن تيمية ٢٤٣/٣٥، ٢٤٤، وإعلام الموقعين
٨٦/٣-٨٨
(٢) مطالب أولي النهى ٦/ ٣٧٣
(٣) الشرح الصغير بحاشية الصاوي ٣٣٦/١
به، ولو حلف بها وأطلق بأن لم ينو كلها ولا بعضها لم
يلزمه شيء، لأنه لم ينو بلفظه ما يحتمله فلم تكن
یمینا . (١)
ز - أيمان الإثبات والإنكار :
١٩ - يذكر الفقهاء في مبحث الدعوى أيمانا
لإثبات والإِنكار.
(منها): اليمين المنضمة، ويصح تسميتها
باليمين المتممة، وهي التي تضم إلى شهادة شاهد
واحد، أو شهادة امرأتين لإثبات الحقوق المالية.
و(منها): يمين المنكر بكسر الكاف، أو يمين
المدعى عليه، وصورتها: أن يدعي إنسان على
غيره بشيء، ولا يجد بينة، فيبين له القاضي أن له
الحق في طلب اليمين من المدعى عليه مادام
منكرا، فيأمره القاضي أن يحلف، فإِذا حلف
سقطت الدعوى.
و(منها): يمين الرد، وصورتها: أن يمتنع
المدعى عليه في الحالة السابق ذكرها عن اليمين،
فيردها القاضي على المدعي، فيحلف على
دعواه، ويستحق ما ادعاه.
و(منها): يمين الاستظهار، وصورتها: أن يترك
الميت أموالا في أيدي الورثة، فیدعي إنسان حقا
على هذا الميت، فعند بعض الفقهاء لا تثبت
الدعوى في مواجهة الورثة بالبيئة فقط، بل لابد من
ضم اليمين من المدعي، وقد تجب يمين الاستظهار
في مسائل أخرى.
ولبیان کل ماسبق تفصيلا (ر: إثبات ودعوى).
(١) مطالب أولي النهى ٣٧٣/٦، ومغني المحتاج ٤/ ٤٧٣
- ٢٥١ -

أيمان ٢٠ - ٢٢
إنشاء اليمين وشرائطها
٢٠ - تقدم أن اليمين تنقسم من حيث صيغتها إلى
قَسَم وتعليق، ومن هنا حسن تقسيم الكلام إلى
قسمین.
إنشاء القسم وشرائطه
٢١ - معلوم أن الإنسان إذا قال: أقسم بالله لأفعلن
كذا، فهذه الصيغة تحتوي على جملتين، أولاهما:
الجملة المكونة من فعل القسم وفاعله الضمير،
وحرف القسم وهو الباء، والمقسم به وهو مدخول
الباء.
وثانيتهما: الجملة المقسم عليها.
وتفصيل الكلام على الوجه الآتي .
أ- فعل القسم :
٢٢ - ذهب الحنفية إلى أن فعل القسم إذا ذكر
بصيغة المضارع أو الماضي، كأقسمت أو حلفت،
أو حذف وذكر مكانه المصدر نحو: قسما أو
حلفا بالله، أو لم يذكر نحو: الله أو بالله كان ذلك
کله یمینا عند الإطلاق.(١)
وعند المالكية إذا قال: أحلف أو أقسم أو أشهد
أو أعزم، وقال بعد كل واحد منها: بالله، فهي
یمین. وقول القائل: عزمت علیك بالله لیس
بيمين، بخلاف: عزمت بالله، أو: أعزم بالله كما
تقدم .
والفرق هو أن التصريح بكلمة (عليك) جعله
غير يمين بخلاف (أقسم) فإنها إذا زيد بعدها
كلمة عليك لم تخرجها عن كونها يمينا، لأن (أقسم)
صريح في اليمين.
وقول الشخص : يعلم الله،لیس بیمین، فإن
کان کاذبا فعلیہ إثم الكذب، ولا یکون کافرا
بذلك، ولا بقوله: أشهد الله، إلا إن قصد أنه
عز وجل يخفى عليه الواقع، ولا يكون القسم
أيضا بقوله: الله راع، أو حفيظ، أو حاشا لله، (١)
أو معاذ الله . (٢)
وقال الشافعية: من قال لغيره: آلیت، أو
أقسمت، أو أقسم عليك بالله، أو أسألك بالله
لتفعلن كذا، أولا تفعل كذا، أوقال: بالله لتفعلن
كذا، أو لا تفعل كذا، فإما أن يريد يمين نفسه
أولا :
فإِن أراد يمين نفسه فيمين، لصلاحية اللفظ لها
مع اشتهاره على ألسنة حملة الشرع.
وإن لم یرد یمین نفسه، بل أراد الشفاعة، أو
يمين المخاطب، أو أطلق لم تكن يمينا.
فإِن قال: والله، أو حلفت علیك بالله کان یمینا
عند الإطلاق، لعدم اشتهاره في الشفاعة أو يمين
المخاطب.
وإن قال: آليت، أو أقسمت، أو أقسم بالله،
ولم يقل: عليك كان يمينا عند الإطلاق أيضا. (٣)
وقال الحنابلة: إذا قال أقسمت، أو أقسم، أو
شهدت، أو أشهد، أوحلفت، أو أحلف، أو
عزمت، أو أعزم، أو آلیت، أو أولي، أو قسما، أو
حلفا، أو ألية، أو شهادة، أويمينا، أو عزيمة،
وأتبع كلا من هذه الألفاظ بقوله (بالله) مثلا كانت
(١) في القاموس ((حاشا لله: معاذ الله))
(٢) الشرح الصغير بحاشية الصاوي ٣٢٩/١، ٢٣٠
(٣) نهاية المحتاج ١٦٩/٨، والتحفة بحاشية الشرواني ٢١٦/٨،
والبجيرمي على منهج الطلاب ٣١٦/٤
(١) البدائع ٣/ ٥
- ٢٥٢ -

أیمان ٢٣ - ٢٥
يمينا، سواء أنوى بها إنشاء اليمين أم أطلق، فإِن
نوی بالفعل الماضي إخبارا عن يمين مضت، أو
بالمضارع وعدا بيمين مستقبلة، أونوى بقوله:
عزمت وأعزم وعزيمة: قصدت أو أقصد أو قصدا،
لم یکن یمینا يقبل منه ذلك.
٢٣ - وليس من اليمين قوله: أستعين بالله،
وأعتصم بالله، وأتوكل على الله، وعلم الله،
وعز الله، وتبارك الله، والحمد لله، وسبحان الله،
ونحو ذلك ولو نوی الیمین، لأنها لا تحتمل اليمين
شرعا ولا لغة ولا عرفا.
ولو قال: أسألك بالله لتفعلن لم تكن الصيغة
يمينا إن أطلق أو قصد السؤال أو الإِكرام أو التودد،
بخلاف مالو قصد الیمین فإنها تکون یمینا . (١)
ب - حروف القسم :
٢٤ - هي: الباء والواو والتاء. أما الباء فهي
الأصل، ولهذا يجوز أن يذكر قبلها فعل القسم،
وأن يحذف، ويجوز أن تدخل على الظاهر والمضمر،
نحو: أقسم بك يارب لأفعلن كذا. وتليها الواو،
وهي تدخل على الظاهر فقط، ويحذف معها فعل
القسم وجوبا. وتليها التاء، ولا تدخل إلا على
لفظ الجلالة، كما في قوله تعالى حكاية عن نبيه
﴿وَتَاللهِ لَأَكيدنّ
إبراهيم عليه السلام
أصنامکم﴾(٢) وربما دخلت على (رب) نحو:
تربى، وترب الكعبة، ويجب معها حذف فعل
القسم أيضا .
(١) مطالب أولي النهى ٦/ ٣٦٠ - ٣٦١
(٢) سورة الأنبياء / ٥٧
وإذا وجب حذف الفعل وجب حذف المصادر
أيضا، نحو قسما.
ويقوم مقام باء القسم حروف أخرى، وهي
الهاء والهمزة واللام.
أما الهاء فمثالها: ها الله، بفتح الهاء ممدودة
ومقصورة مع قطع همزة لفظ الجلالة ووصلها، وإذا
وصلت حذفت.
وأما الهمزة فمثالها: آلله، ممدودة ومقصورة مع
وصل همزة لفظ الجلالة، وذلك بأن تحذف.
وأما اللام، فقد أفاد صاحب البدائع: أن من
قال (لله) بلام الجربدل الباء كانت صيغته يمينا.
ولا تستعمل اللام إلا في قسم متضمن معنى
التعجب، كقول ابن عباس رضي الله عنهما:
((دخل آدم الجنةً فللهِ ما غربت الشمسُ حتى
خرج».(١)
وفي مغني اللبيب والقاموس وشرحه مايفيد أن
اللام تستعمل للقسم والتعجب معا، وتختص
بلفظ الجلالة .
هذا ما قاله الحنفية ونحوه بقية المذاهب. (٢)
حذف حرف القسم
:
٢٥ - إن لم يذكر الحالف شيئا من أحرف القسم،
بل قال: الله لأفعلن كذا مثلا، كان يمينا بغير
حاجة إلى النية سواء أكسر الهاء على سبيل الجر
بالحرف المحذوف، أم فتحها على سبيل نزع
(١) فتح القدير بأسفل الهداية ٤/ ١١
(٢) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٥٨/٣، والبدائع ٥/٣،
والشرح الصغير ٣٢٨/١، ونهاية المحتاج بشرح الشبراملسي
١٦٨/٨، ومطالب أولي النهى ٦/ ٣٦٠ - ٣٦٢
- ٢٥٣ -

أیمان ٢٦
الخافض، أم ضمها على سبيل الرفع بالابتداء،
ويكون الخبر محذوفا وتقديره: قسمي أو أقسم به،
أم سكّنها إجراء للوصل مجرى الوقف .
وبقاء الجر عند حذف الحرف خاص بلفظ
الجلالة، فلا يجوز في العربية أن يقال: الرحمنِ
لأفعلن كذا بكسر النون. كذا قيل. لكن الراجح
أنه يجوز وإن كان قليلا، وأيا ما كان فاللحن لا
يمنع انعقاد اليمين .
هذا مذهب الحنفية والمالكية .
وقال الشافعية: لوقال: الله، بحذف حرف
القسم. لم يكن يمينا إلا بالنية، سواء جر الاسم أم
نصبه أم رفعه أم سکنه .
وقال الحنابلة: يصح قسم بغیر حروفه، نحو:
اللّه لأفعلن، جرا ونصبا. فإِن رفع فيمين أيضا إلا
إذا كان الرافع يعرف العربية ولم ينو اليمين، فلا
یکون یمینا لأنه إما مبتدأ أو معطوف (١) بخلاف
من لا يعرف العربية، فلورفع کان یمینا لأن اللحن
لا يضر. (٢)
جـ ـ اللفظ الدال على المقسم به :
٢٦ - اللفظ الدال على المقسم به: هو مادخل عليه
حرف القسم، بشرط أن يكون اسما لله تعالى أو
صفة له.
والمقصود بالاسم: مادل على الذات المتصفة
بجميع صفات الكمال، وهو لفظ الجلالة (الله)
(١) لعله يريد أنه خبر والمبتدأ محذوف ..
(٢) البدائع ٥/٣، وحاشية ابن عابدين على الدر المختار ٣/ ٥٩،
والشرح الصغير بحاشية الصاوي ٣٢٨/١، ونهاية المحتاج
١٦٨/٨، ومطالب أولي النهى ٣٦٢/٦
وكذلك ترجمته بجميع اللغات، أو على الذات
المتصفة بصفة من صفاته تعالى، سواء أكان مختصا
به كالرحمن، ورب العالمين، وخالق السموات
والأرض، والأول بلا بداية، والآخر بلا نهاية،
والذي نفسي بيده، والذي بعث الأنبياء بالحق،
ومالك یوم الدین. ام کان مشترکا بينه وبين غيره
كالرحيم والعظيم والقادر والرب والمولى والرازق
والخالق والقوي والسيد، فهذه الأسماء قد تطلق
على غيره تعالى، قال تعالى في وصف الرسول
حَ﴿ ﴿بالمؤمنين رَءوفٌ رحيمٌ﴾(١) وقال عز وجل في
حکایة ما قاله الهدهد لسليمان عليه السلام وصفا
لملكة سبأ ﴿ولها عرْشٌ عظيم﴾. (٢) وقال سبحانه في
وصف أهل الحديقة الذين عزموا على البخل
بثمرها ﴿وَغَدَوْا على حَرْدٍ قادرين﴾(٣) ومعنى
الحرد: المنع، والمراد منع المساكين، وقال تعالى
حكاية عن قول يوسف عليه السلام لأحد صاحبيه
في السجن: ﴿اذكرني عند ربك﴾ (٤) وقال عز وجل
مخاطبا لزوجين من أزواج الرسول صل﴿ ﴿وإنْ
تَظَاهرا عليه فإِنّ اللهَ هو مولاه وجبريلُ وصالحُ
المؤمنين﴾(٥) وقال جل شأنه مخاطبا لمن يقسمون
الميراث ﴿وإذا حَضَر القِسْمة أولو القربى واليتامى
والمساكينُ فارزقوهم منه﴾(٦)
وقال سبحانه مخاطبا لعيسى عليه السلام ﴿وإذْ
(١) سورة التوبة / ١٢٨
(٢) سورة النمل / ٢٣
(٣) سورة القلم / ٢٥
(٤) سورة يوسف / ٤٣
(٥) سورة التحريم / ٤
(٦) سورة النساء / ٨
- ٢٥٤ -

أیمان ٢٧ - ٢٩
تَخْلُقُ من الطينِ كَهَيْئَةِ الطیر بإذني﴾،(١) وقال
تعالى حكاية عن قول إحدى المرأتين لأبيها عن
موسى عليه السلام ﴿إِنّ خيرَ من استأجرت القويُّ
الأمينُ﴾(٢) وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَلَّفَيَا سيدُّها
لَدَى الباب﴾ (٣)
٢٧ - (والمقصود بالصفة): اللفظ الدال على معنى
تصح نسبته إلى الله تعالى، سواء أكان صفة ذات
أم صفة فعل.
وصفة الذات هي : التي يتصف سبحانه وتعالى
بها لا بضدها كوجوده.
وصفة الفعل هي : التي يتصف الله عز وجل بها
وبضدها باعتبار ماتتعلق به، كرحمته وعذابه.
٢٨ - ولا تنعقد اليمين بكل اسم له تعالى أو صفة
له على الإطلاق، بل ذلك مقيد بشرائط مفصلة
تختلف فيها المذاهب.
فالحنفية لهم في ذلك أقوال، أرجحها: أن
الاسم يجوز الإِقسام به، سواء أكان مختصا أم
مشترکا، وسواء أکان الحلف به متعارفا أم لا ،
وسواء أنوى به الله تعالى أم لا. لكن لونوى
بالاسم المشترك غیر الله لم یکن یمینا، وإذا كان
الاسم غير وارد في الكتاب أو السنة لم يكن يمينا إلا
إذا تعورف الحلف به، أو نوى به الله تعالى. وأما
الصفة فلا يصح الإِقسام بها إلا إذا كانت مختصة
بصفته تعالی، سواء أكان الحلف بها متعارفا أم لا ،
أو كانت مشتركة بين صفته تعالى وغيرها وتعورف
(١) سورة المائدة / ١١٠
(٢) سورة القصص / ٢٦
(٣) سورة يوسف / ٢٥
الحلف بها، وسواء في الصفة کونها صفة ذات وكونها
صفة فعل.
وقال المالكية: تنعقد اليمين باسم الله تعالى
وصفته الذاتية المختصة. وأما المشتركة فإِن اليمين
تنعقد بها ما لم يرد بها غير صفته تعالى . وأما صفة
الفعل ففي الانعقاد بها خلاف.
وقال الشافعية والحنابلة: تنعقد اليمين باسم
الله تعالى المختص به إن أراد الله تعالى أو أطلق،
فإِن أراد غيره لم يقبل ظاهرا ولا باطنا عندهم.
وتنعقد أيضا باسمه الذي یغلب إطلاقه عليه،
ولا يطلق على غيره إلا مقيدا كالرب، وهذا إن
أراد الله تعالى أو أطلق، فإِن أراد غيره قبل ظاهرا
وباطنا عندهم جميعا. وتنعقد أيضا بالاسم المشترك
الذي لا يغلب إطلاقه على الله تعالى كالحي
والسمع، وكذا باللفظ الذي یشمله وإن لم یکن
اسما له تعالى كالشيء، لكن يشترط في انعقادها
بهذا النوع أن يريد الحالف الله تعالى، فإِن أراد
غيره أو أطلق لم تنعقد يمينه.
ولم يفصل الحنابلة في ذلك، بل قالوا: إن
الصفة المضافة تنعقد اليمين بها، أما غير المضافة -
كأن يقال: والعزة - فلا تنعقد بها إلا بإرادة صفته
تعالى .
٢٩ - وأما الاسم الذي لا يعد من أسمائه، ولا
يصح إطلاقه عليه فلا تنعقد به اليمين، ولو أريد
به الله تعالى، ومَثّل له الشافعية بقول بعض العوام
(والجناب الرفیع) فالجناب للإنسان فناء داره، وهو
مستحيل في حق الله تعالى، والنية لا تؤثر مع
الاستحالة.
وأما صفة الفعل، فقد صرح الشافعية بعدم
- ٢٥٥ -

أیمان ٣٠ - ٣٢
انعقاد اليمين بها، وسكت الحنابلة عنها، وأطلقوا
انعقاد اليمين بصفته تعالى المضافة إليه، وظاهر
ذلك أنها تنعقد عندهم بصفته الفعلية . (١)
الحلف بالقرآن والحق
أ - الحلف بالقرآن أو المصحف :
٣٠ - المعتمد في مذهب الحنفية: أن الحلف بالقرآن
يمين، لأن القرآن كلام الله تعالى الذي هو صفته
الذاتية، وقد تعارف الناس الحلف به، والأيمان
تبنى على العرف.
أما الحلف بالمصحف، فإِن قال الحالف: أقسم
بما في هذا المصحف فإنه يكون يمينا. أما لوقال:
أقسم بالمصحف، فإنه لا يكون يمينا، لأن
المصحف ليس صفة الله تعالى، إذ هو الورق
والجلد، فإِن أراد ما فيه كان يمينا للعرف. (٢)
وقال المالكية: ينعقد القسم بالقرآن
وبالمصحف، وبسورة البقرة أو غيرها، وبآية
الكرسي أو غیرھهوبالتوراة وبالإِنجیل وبالزبور،
لأن کل ذلك يرجع إلى كلامه تعالى الذي هو صفة
ذاتية، لكن لوأراد بالمصحف النقوش والورق لم
یکن یمینا. (٣)
وقال الشافعية: تنعقد اليمين بكتاب الله
والتوراة والإنجيل ما لم يرد الألفاظ، وبالقرآن
(١) البدائع ٦/٣، وابن عابدين ٣/ ٥٢، وحاشية الصاوي على
الشرح الصغير ٣٢٩/١، ٣٣٠، ونهاية المحتاج ١٦٤/٨،
١٦٥، ومطالب أولي النهى ٣٥٨/٦ - ٣٦١
(٢) فتح القدير ٣/ ١٠، وحاشية ابن عابدين ٣/ ٥٢، والبدائع
٩،٨/٣
(٣) الشرح الصغير بحاشية الصاوي ٣٢٩/١ - ٣٣٠
وبالمصحف مالم يرد به ورقه وجلده، لأنه عند
الإطلاق لا ينصرف عرفا إلا لما فيه من القرآن.(١)
وقال الحنابلة: الحلف بكلام الله تعالى
والمصحف والقرآن والتوراة والإنجيل والزبور
يمين، وكذا الحلف بسورة أو آية . (٢)
ب - الحلف بالحق، أو حق الله :
٣١ - لاشك أن الحق من أسمائه تعالى الواردة في
الكتاب الكريم والسنة المطهرة، غير أنه ليس من
الأسماء المختصة به، وقد مثل به الشافعية للأسماء
التي تنصرف عند الإِطلاق إلى الله تعالى،
ولا تنصرف إلى غيره إلا بالتقييد، فعلى هذا من
قال: والحق لأفعلن كذا، إن أراد الله تعالى أو
أطلق كان يمينا بلا خلاف، وإن أراد العدل أو أراد
شيئا ما من الحقوق التي تكون للإنسان على
الإِنسان قُبِلَ منه ذلك ظاهرا وباطنا.
٣٢ - وأما (حق) المضاف إلى الله تعالى، أو إلى
اسم أو صفة من الأسماء والصفات التي تنعقد
الیمین بها ففيه خلاف.
فالحنفیة نقلوا عن أبي حنيفة ومحمد وإحدى
الروايتين عن أبي يوسف أن من قال: (وحق الله) لم
یکن یمینا. ووجهه صاحب البدائع بأن حقه تعالی
هو الطاعات والعبادات، فليس اسما ولا صفة لله
عز وجل.
وعن أبي يوسف في رواية أخرى أنه یمین، لأن
الحق من صفاته تعالى، وهو حقيقة، فكأن الحالف
قال: والله الحق، والحلف به متعارف. واختار
(١) نهاية المحتاج ٨/ ١٦٧
(٢) مطالب أولي النهى ٣٦١/٦
- ٢٥٦ -

أیمان ٣٣ - ٣٤
صاحب الاختيار هذه الرواية، وتبعه ابن نجيم في
البحر الرائق .
وقال المالكية والشافعية والحنابلة: ينعقد القسم
بحق الله، ومرجعه إلى العظمة والألوهية، فإِن
قصد الحالف به الحق الذي على العباد من
التكاليف والعبادة فليس بيمين. (١)
حذف المقسم به
٣٣ - إذا لم يذكر الحالف المقسم به بل قال: أقسم،
أو أحلف، أو أشهد، أو أعزم لأفعلن كذا، أو آليت
لا أفعل كذا كان يمينا عند أبي حنيفة وصاحبيه .
وقال المالكية: لو حذف الحالف قوله (بالله) بعد
قوله أحلف أو أقسم أو أشهد کان یمینا إن نواه ۔ أي
نوى الحلف بالله - بخلاف ما لو حذفه بعد قوله
أعزم فإنه لا يكون يمينا وإن نواه.
والفرق بين هذا الفعل والأفعال الثلاثة
السابقة، أن العزم معناه الأصلي القصد والاهتمام،
فلا يكون بمعنى القسم إلا إذا ذكر بعده المقسم
به، بأن يقول (بالله)، مثلا، بخلاف الأفعال
الثلاثة السابقة، فإِنها موضوعة للقسم فيكفي فيها
أن ینوي المقسم به عند حذفه.
وقال الشافعية: لو حذف المتكلم المحلوف به لم
تكن الصيغة يمينا ولو نوى اليمين بالله،سواء ذكر
فعل القسم أم حذفه.
وقال الحنابلة: لو حذف الحالف قوله (بالله)
مثلا بعد نطقه بالفعل أو الاسم الدال على
القسم، نحو: قسما، لم تكن الصيغة يمينا، إلا إذا
نوى الحلف بالله . (٢)
(١) المراجع السابقة في جميع المذاهب.
(٢) البدائع ٧/٣، والشرح الصغير ٣٢٩/١، ٣٣٠، ونهاية المحتاج =
اللفظ الدال على المقسم عليه
٣٤ - اللفظ الدال على المقسم عليه هو الجملة التي
يريد الحالف تحقيق مضمونها من إثبات أو نفي،
وتسمى جواب القسم.
ويجب في العربية تأكيد الإثبات یاللام مع نون
التوکید إن كان الفعل مضارعا، (١) وباللام مع قد
إن كان ماضيا. (٢) يقال: والله لأفعلن كذا، أولقد
فعلت كذا. وأما النفي فلا يؤكد فيه الفعل، بل
يقال: والله لا أفعل كذا، أو ما فعلت كذا. (٣)
فإِذا ورد فعل مضارع مثبت ليس فيه لام
ولا نون توکید اعتبر منفیا بحرف محذوف، کما في
قوله تعالى: ﴿تاللّه تَفْتَأْ تَذْكُرُ يوسفَ﴾(٤) أي:
لا تفتأ.
وعلى هذا لوقال إنسان: والله أكلم فلانا
الیوم، كان حالفا علی نفي تكلیمه، فیحنث إذا
کلمه، لأن الفعل لما لم یکن فیه لام ولا نون توکید
قدرت قبله (لا) النافية.
هذا إذا لم يتعارف الناس خلافه، فإِن تعارفوا أن
مثل ذلك يكون إثباتا، كان حالفا على الإِثبات
وإن كان خطأ في اللغة العربية .
هكذا يؤخذ من كتب الحنفية والحنابلة ،
= ١٦٩/٨، والتحفة بحاشية الشرواني ٢١٤/٨، ومطالب أولي
النهى ٦/ ٣٦٠
(١) هذا إذا كان مستقبلا، فإن كان حاضرا أتى باللام من غيرنون
التوکید نحو: أقسم بالله لأ بغض كل منافق.
(٢) وقد يؤتي باللام وحدها نحو: أقسم بالله لفعلت كذا.
(٣) فإن قيل: لا فعلت كان الماضي بمعنى المضارع، أي للنفي في
المستقبل.
(٤) سورة يوسف / ٨٥
- ٢٥٧ -

أیمان ٣٥ - ٣٨
ولا نظن أنه محل خلاف، فإنه من الوضوح
بمکان .(١)
الصيغ الخالية من أداة القسم والمقسم به
٣٥ - قد يأتي الحالف بصيغ خالية من أداة القسم
ومن اسم الله تعالى وصفته، أو خالية من الأداة
وحدها، وتعتبر عند بعض الفقهاء أيمانا كاليمين
بالله تعالى .
أ - لَعَمْرُ الله :
٣٦ - إذا قيل: لعمر الله لأفعلن کذا، كان هذا
قسما مكونا من مبتدأ مذكور وخبر مقدر، والتقدير:
لعمر الله قسمي، أويميني، أو أحلف به. وهي في
قوة قولك: وعمر الله، أي بقائه، هذا مذهب
الحنفية والمالكية والحنابلة. (٢)
وقال الشافعية: إن هذه الصيغة كناية، لأن
العمر يطلق على الحياة والبقاء، ويطلق أيضا على
الدين وهو العبادات، فیحتمل أن يكون معناه:
وحياة الله وبقائه، أو دينه، فیکون يمينا على
الاحتمالين الأولين دون الثالث، فلابد من النية. (٣)
ب - وأَيْمُن الله:
٣٧ - جاء هذا الاسم في كتب الحنفية والمالكية (٤)
وغيرهم مسبوقا بالواو، وظاهره أن الواو للقسم،
ویکون إقساما ببر کته تعالی أو قوته، وجاء في کتب
(١) ابن عابدين على الدر المختار ٥٩/٣، والتوضيح للزهري
٢٠٣/٢
(٢) البدائع ٩/٣، وابن عابدين ٣/ ٥٥، ومطالب أولي النهى
٣٦٠/٦، ٣٧٤، والخطاب ٣/ ٢٦١
(٣) نهاية المحتاج ٨/ ١٦٩
(٤) البدائع ٩/٣، وابن عابدين ٣/ ٥٥، والشرح الصغير
٣٢٩،٢٣٠/١
الحنابلة(١) مسبوقا بالواو أيضا مع تصريح بعضهم
بأن نونه مضمومة وأنه مبتدأ .
ومعلوم أن الجملة قسم فقط، فلا يترتب عليها
حكم إلا إذا جيء بعدها بجملة الجواب، مثل
لأفعلن کذا .
جـ - عليَّ نذر، أو نذر له:
٣٨ - قال الحنفية: إذا قال قائل: عليَّ نذر، أو نذر
لله لأفعلن کذا، أولا أفعل كذا، کان ذلك یمینا،
فإِذا لم يوف بما ذكره كان عليه كفارة يمين.
ولو قال: عليّ نذر، أو نذر لله، ولم يزد على
ذلك، فإن نوی بالنذر قربة من حج أو عمرة أو
غيرهما لزمته، وإن لم ينوشيئا كان نذرالكفارة
اليمين، كأنه قال: عليَّ نذر لله أن أؤدي كفارة
یمین، فیکون حکمه حکم الیمین التي حنث فيها
صاحبها، لقوله ##: ((النذر يمين، وكفارته كفارة
اليمين))(٢) هذا مذهب الحنفية. (٣)
وقال المالكية: تلزم كفارة في النذر المبهم. وله
أربع صور (الأولى) عليَّ نذر (الثانية) لله عليَّ نذر
(الثالثة) إن فعلت كذا أو إن شفى الله مريضي
فعليَّ نذر (الرابعة) إن فعلت كذا أو إن شفى الله
مريضي فلله عليَّ نذر، ففي الصورتين الأوليين
(١) مطالب أولي النهي ٣٥٩/٦
(٢) حديث: ((النذريمين ... )) رواه أحمد في مسنده (١٤٩/٤)
والطبراني في الكبير عن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي
#. وقال الحافظ العراقي: إنه حديث حسن (فيض القدير
شرح الجامع الصغير ٢٩٨/٦).
(٣) البدائع ٧/٣، وحاشية ابن عابدين على الدر المختار ٣/ ٥٥
- ٢٥٨ -

أيمان ٣٩
تلزم الكفارة بمجرد النطق، وفي الصورتين
الأخريين تلزم الكفارة بحصول المعلق عليه سواء
أكان القصد الامتناع أم الشكر. (١)
وقال الشافعية: من قال: عليّ نذر، أو إِن شفی
الله مريضي فعليًّ نذر، لزمته قربة غير معينة، وله
أن يختار ما شاء من القرب، كتسبيح وتكبير وصلاة
وصوم. ومن قال: إن کلمت زیدا فعليّ نذر أو فلله
عليَّ نذر، يخير بين القربة وبين كفارة يمين، فإن
اختار القربة فله اختيارما شاء من القرب، وإن
اختار کفارة الیمین کفر بها يجب في الیمین التي حنث
صاحبها فيها .
ومن قال:إن کلمت زیدا فعليّ کفارة نذر، کان
عليه عند الحنث كفارة يمين، والصيغة في جميع
هذه الأمثلة صيغة نذر وليست صيغة يمين، إلا
الصيغة التي فيها (إن كلمت زيدا ... الخ) فيجوز
تسميتها يمينا، لأنها من نذر اللجاج والغضب. (٢)
وقال الحنابلة: من قال: عليّ نذر إن فعلت
كذا، وَفَعَله، فعليه كفارة يمين في الأرجح، وقيل:
لا کفارة علیه، وقيل: إن نوى اليمين فعليه الكفارة
وإلا فلا، ولو قال: لله عليَّ نذر ولم يعلقه بشيء،
فعليه كفارة يمين أيضا في الأرجح. (٣)
د - عليَّ يمين، أو يمين الله :
٣٩ - قال الحنفية: إذا قال: عليَّ يمين، أويمين الله
لأفعلن كذا، أولا أفعل كذا، فهاتان الصيغتان من
(١) أقرب المسالك ٣٣٢/١
(٢) نهاية المحتاج ٢٠٨/٨، ٢٠٩
(٣) مطالب أولي النهى ٦/ ٣٧٤، والإنصاف ٣٨/١١ - ٣٩، ١١٩
الأيمان عند أبي حنيفة والصاحبین، وقال زفر: لو
قال:عليّ یمین ولم يضفه لله تعالى، لم یکن یمینا عند
الإطلاق.
ووجهه: أن اليمين يحتمل أن يكون بغير الله،
فلا تعتبر الصيغة يمينا بالله إلا بالنية .
ويستدل لأبي حنيفة والصاحبين بأن إطلاق
اليمين ينصرف إلى اليمين بالله تعالى، إذ هي
الجائزة شرعا، هذا إذا ذكر المحلوف عليه.
فإن لم يذكر، بل قال الحالف: علي يمين، أو
يمين الله، ولم يزد على ذلك، وأراد إنشاء الالتزام
لا الإخبار بالتزام سابق، فعلیه کفارة یمین، لأن
هذه الصيغة تعتبر من صيغ النذر، وقد سبق أن
النذر المطلق الذي لم يذكر فيه المنذور يعتبر نذرا
للكفارة، فیکون حكمه حكم الیمین.
وقال المالکیة: إن التزام الیمین له أربع صيغ
كالنذر المبهم، وأمثلتها: عليَّ يمين، ولله عليّ
یمین، وإن شفی الله مريضي أو کلمت زيدا فعلي
يمين، إن شفى الله مريضي أوإن كلمت زيدا فلله
عليّ یمین.
ولا يخفى أن المقصود موجب اليمين، فالكلام
على حذف مضاف كما يقول الحنفية.
وقال الشافعية: إن قول القائل: علي یمین،
لا يعتبر يمينا سواء أكان مطلقا أو معلقا، لأنه
التزام لليمين أي الحلف، وليس ذلك قربة
کالصلاة والصيام فهو لغو.
وقال الحنابلة: من قال: عليّ یمین إن فعلت
كذا، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه لغو، كما يقول
الشافعية. والثاني: أنه كناية فلا يكون يمينا إلا
- ٢٥٩ -

أيمان ٤٠ - ٤١
بالنية، والثالث وهو الأرجح:أنه یمین بغير حاجة
إلى النية . (١)
هـ ـ عليَّ عهد الله، أو ميثاقه، أو ذمته :
٤٠ - قال الحنفية: إذا قيل: عليَّ عهد الله أو ذمة
الله أوميثاق الله لا أفعل كذا مثلا، فهذه الصيغ من
الأيمان، لأن اليمين بالله تعالى هي عهد الله على
تحقيق الشيء أو نفيه، قال تعالى : ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ
الله إذا عَاهَدْتم ولا تَنْقُضُوا الأيمانَ بعدَ
تَوْكِيدِها﴾(٢) فجعل العهد يمينا، والذمة هي
العهد، ومن ذلك تسمية الذين تؤخذ منهم الجزية
من الكفار: بأهل الذمة، أي أهل العهد، والعهد
والميثاق من الأسماء المترادفة، وإذن فالكلام على
حذف مضاف، والتقدير: عليَّ موجب عهد الله
ومیثاقه وذمته .
فإن لم يذكر اسم الله تعالى، أولم يذكر المحلوف
عليه فالحكم كما سبق في ((عليَّ يمين)). (٣)
وقال المالكية والحنابلة: من صيغ اليمين
الصريحة: علي عهد الله لا أفعل، أو لأفعلن كذا
مثلا فتجب بالحنث كفارة إذا نوى اليمين، أو
أطلق، فإن لم ينو اليمين بل أريد بالعهد التكاليف
التي عهد بها الله تعالى إلى العباد لم تكن يمينا.
وزاد المالكية: أن قول القائل: أعاهد الله،
ليس بيمين على الأصح، لأن المعاهدة من صفات
(١) البدائع ٣/ ٩، وحاشية ابن عابدين على الدر المختار ٣/ ٥٥،
وأقرب المسالك ٣٣٢/١ -٣٣٣، ونهاية المحتاج ٢٠٩/٨،
والإنصاف ٣٨/١١، ومطالب أولي النهى ٦/ ٣٧٤
(٢) سورة النحل / ٩١
(٣) البدائع ٩/٣، وحاشية ابن عابدين على الدر المختار ٣/ ٥٥
الإِنسان لا من صفات الله، وكذا قوله: لك عليّ
عهد، أو أعطيك عهدا.
وقال الشافعية: من كنايات اليمين: عليّ
عهد الله أو ميثاقه أو ذمته أو أمانته أو كفالته لأفعلن
کذا أو لا أفعل كذا،فلا تکون یمینا إلا بالنية، لأنها
تحتمل غیر الیمین احتمالا ظاهرا. (١)
و- عليَّ كفارة يمين :
٤١ - قال الحنفية: إن القائل: عليَّ یمین،
مقصوده: عليَّ موجب يمين وهو الكفارة.
فلو قال: عليّ کفارة یمین، یکون حکمه حکم
من قال: علی یمین، وقد سبق (ر: ف/٣٩).
وقال المالكية: قول القائل: عليَّ كفارة، كقوله:
عليّ نذر، وله صيغ أربع کصيغ النذر.
ويؤخذ من هذا أن من قال: عليَّ كفارة يمين،
حکمه هو هذا الحکم بعينه (ر: ف/٣٩).
وقال الشافعية: من قال: عليَّ كفارة يمين
فعليه الكفارة من حين النطق عند عدم التعليق،
فإِن علق بالشفاء ونحوه مما يحبه، أو بتكليم زيد
ونحوه مما يكرهه، فعليه كفارة اليمين بحصول
المعلق عليه. (٢)
وقال الحنابلة: من قال: علي يمين إن فعلت
كذا، ثم فعله فعليه كفارة يمين على الراجح كما
سبق .
ويؤخذ من ذلك أن من قال: عليَّ كفارة يمين
(١) الشرح الصغير بحاشية الصاوي ٣٢٩/١، ٣٣٠، ومطالب
أولي النهى ٦/ ٣٧٤، ونهاية المحتاج ١٦٩/٨
(٢) المراجع السابقة، ونهاية المحتاج ٢٠٨/٨
- ٢٦٠ -