النص المفهرس

صفحات 161-180

أهلية ٢٥ - ٢٧
السفهاءَ أموالَكِم التي جَعَلَ اللهُ لكم قِياما،
وارْزُقُوهم فيها واكْسُوهم، وقولُوا لهم قولا معروفا،
وابْتَلَوا اليتامى حتى إذا بَلَغُوا النكاحَ، فإِنْ آنَسْتُم
منهم رُشْدا فادْفَعُوا إليهم أَمْوالهم﴾(١) فإِنه منع
الأولياء والأوصياء من دفع المال إلى السفهاء، وناط
دفع المال إليهم بتوافر أمرين: البلوغ والرشد، فلا
يجوز أن يدفع المال إليهم بالبلوغ مع عدم
الرشد.(٢)
أما إذا بلغ الشخص رشيدا، ثم طرأ السفه
عليه بعد ذلك، فسيأتي الكلام عنه في هذا
البحث، بين عوارض الأهلية.
عوارض الأهلية :
٢٥ - العوارض: جمع عارض أو عارضة،
والعارضِ في اللغة معناه: السحاب، ومنه قوله
تعالى: ﴿فلما رَأوْهُ عارضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالوا:
هَذا عارضٌ مُخْطِرنا﴾(٣).
وأما العوارض في الاصطلاح فمعناها: أحوال
تطرأ على الإنسان بعد كمال أهلية الأداء، فتؤثر
فيها بإزالتها أو نقصانها، أو تغير بعض الأحكام
بالنسبة لمن عرضت له من غير تأثير في أهليته. (٤)
أنواع عوارض الأهلية :
٢٦ - عوارض الأهلية نوعان: سماوية ومكتسبة :
(١) سورة النساء / ٦،٥
(٢) ابن عابدين ٩٥/٥، والفتاوى الهندية ٥/ ٥٦، وجواهر الإكليل
١٦١/١، ٩٨/٢، والروضة ١٧٧/٤، ١٧٨، وحاشية
القليوبي ٣٠١/٢، والمغني ٥٠٦/٤، وكشاف القناع ٤٥٢/٣
(٣) سورة الأحقاف / ٢٤ وانظر الصحاح مادة: ((عرض)).
(٤) التقرير والتحبير ١٧٢/٢ ط الأميرية، وكشف الأسرار عن
أصول البزدوي ٤/ ٢٦٢ ط دار الكتاب العربي.
فالعوارض السماوية: هي تلك الأمور التي ليس
للعبد فيها اختيار، ولهذا تنسب إلى السماء، لنزولها
بالإِنسان من غير اختياره وإرادته، وهي: الجنون،
والعته، والنسيان، والنوم، والإغماء، والمرض،
والرق، والحيض، والنفاس، والموت.
والمكتسبة: هي تلك الأمور التي كسبها العبد أو
ترك إزالتها، وهي إما أن تكون منه أومن غيره،
فالتي تكون منه: الجهل، والسكر، والهزل،
والسفه، والإفلاس، والسفر، والخطأ. والذي
یکون من غيره الإكراه.(١)
وفيما يلي مايتعلق بهذه العوارض إجمالا، مع
إحالة التفصيل إلى العناوين الخاصة بها.
العوارض السماوية :
أولا : الجنون :
٢٧ - الجنون في اللغة مأخوذ من: أجنه الله فَجُنَّ،
فهو مجنون، بالبناء للمفعول. (٢)
وأما عند الأصوليين فإِنه: اختلال للعقل يمنع
من جريان الأفعال والأقوال على نهج العقل. (٣)
والجنون يؤثر في أهلية الأداء، فهو مسقط
للعبادات كالصلاة والصوم والحج.
وفي زكاة مال المجنون خلاف، مع مراعاة الفرق
بين الجنون المطبق وغيره.
(١) التقرير والتحبير ١٧٢/٢ ط الأميرية، والتلويح على التوضيح
١٦٧/٢ ط صبيح، وكشف الأسرار عن أصول البزدوي
٢٦٣/٤ ط دار الكتاب العربي.
(٢) المصباح المنير مادة: ((جنن)).
(٣) التقرير والتحبير ١٧٣/٢ ط الأميرية، والتلويح على التوضيح
١٦٧/٢ ط صبيح، وفتح الغفار ٨٦/٣ ط الحلبي.
- ١٦١ -

أهلية ٢٨ - ٣٠
وأما المعاملات، فحكمه فيها حكم الصبي غير
المميز، فلا يعتد بأقواله لانتفاء تعقله للمعاني.
وأما أهلية الوجوب، فلا يؤثر فيها الجنون، فإن
المجنون يرث ويملك لبقاء ذمته، والمتلفات بسبب
أفعاله مضمونة في ماله کالصبي الذي لم يصل إلى
سن التمییز.
وتفصيل الأحكام الخاصة بالجنون تنظر في
مصطلح: (جنون).
ثانيا : العته :
٢٨ - العته في اللغة: نقصان العقل من غير جنون
أو دهش.(١).
وفي الاصطلاح: آفة توجب خللا في العقل،
فيصير صاحبها مختلط الكلام، فيشبه بعض كلامه
كلام العقلاء، وبعضه كلام المجانين. (٢)
والمعتوه في تصرفاته كالصبي المميز، فتثبت له
أهلية الأداء القاصرة، إذ لا فرق بينه وبين الصبي
كما جاء في التلويح، إلا في مسألة واحدة وهي: أن
امرأة المعتوه إذا أسلمت لا يؤخر عرض الإِسلام
عليه، كما لا يؤخر عرضه على ولي المجنون
بخلاف الصبي، والفرق بينهما واضح، فإِن الصبا
مقدر بخلاف العته والجنون. والتفصيل في
مصطلح: (عته).(٣)
ثالثا : النسيان :
٢٩ - النسيان في اللغة مشترك بين معنيين:
(١) المصباح مادة: ((عنه)).
(٢) التقرير والتحبير ٢/ ١٧٦ ط الأميرية .
(٣) التلويح على التوضيح ١٦٩/٢ ط صبيح، وانظر مصطلح:
«عته).
أحدهما: ترك الشيء على ذهول وغفلة، وهو
خلاف التذكر.
وثانيهما: الترك عن تعمد، ومنه قوله تعالى :
﴿وَلا تَنْسَوُا الفضلَ بينكم﴾ .(١)
وفي الاصطلاح: عدم استحضار صورة الشيء
في الذهن وقت الحاجة إليه. (٢) والنسيان لا يؤثر في
أهلية الوجوب، ولا يؤثر أيضا في أهلية الأداء لكمال
العقل، ومع ذلك فإن النسیان عذر في حقوق الله
تعالى في حق الإِثم وعدمه، لقوله مثلَ: ((وُضِعَ عن
أمتي الخطأ والنسيانُ)) ... ))(٣)
وللنسيان أحكام تفصيلها في مصطلح:
(نسيان).
رابعا : النوم :
٣٠ - النوم : غشية ثقيلة تهجم على القلب فتقطعه
عن المعرفة بالأشياء.
وفي الاصطلاح : فتور يعرض مع قيام العقل
يوجب العجز عن إدراك المحسوسات والأفعال
الاختيارية واستعمال العقل. (٤)
والنوم لا ينافي أهلية الوجوب لعدم إخلاله
بالذمة، إلا أنه يوجب تأخير توجه الخطاب بالأداء
(١) سورة البقرة / ٢٣٧، وانظر المصباح مادة: ((نسي)).
(٢) التقرير والتحبير ١٧٦/٢ ط الأميرية .
(٣) حديث: ((وضع عن أمتي الخطأ والنسيان ... )) أخرجه البيهقي
والحاكم بهذا المعنى. وذكر السخاوي طرق الحديث المختلفة
والطعون الواردة عليها وقال: مجموع هذه الطرق يظهر أن
للحديث أصلا. (فيض القدير ٦/ ٧٣٦٢ والمستدرك ١٩٨/٢،
والمقاصد الحسنة ص٢٢٨ - ٢٣٠ نشر مكتبة الخانجي).
(٤) المصباح مادة: ((نوم))، والتقرير والتحبير ٢/ ١٧٧ ط الأميرية.
- ١٦٢ -

أهلية ٣١ - ٣٣
إلى حال اليقظة، لأنه في حال النوم عاجز عن
الفهم فلا یناسب أن يتوجه إليه الخطاب حينئذ،
فإِذا انتبه من النوم أمكنه الفهم، ولهذا فإن النائم
مطالب بقضاء ما فاته من الصلوات في أثناء نومه،
وأما عبارات النائم من الأقارير وغيرها فهي باطلة،
ولا يعتد بها.
وتفصيل ذلك كله محله مصطلح : (نوم).
خامسا : الإغماء :
٣١ - الإغماء في اللغة: الخفاء، وفي الاصطلاح:
آفة في القلب أو الدماغ تعطل القوى المدركة
والحركة عن أفعالها مع بقاء العقل مغلوبا.(١)
وهو ضرب من المرض، ولذا لم يعصم منه النبي
عليه الصلاة والسلام .
وتأثير الإغماء على المغمى عليه أشد من تأثير
النوم على النائم، ولذا اعتبر فوق النوم، لأن النوم
حالة طبيعية كثيرة الوقوع، وسببه شيء لطيف
سریع الزوال، والإِغماء على خلافه في ذلك كله،
ألا ترى أن التنبيه والانتباه من النوم في غاية
السرعة، وأما التنبيه من الإغماء فغير ممكن. (٢)
وحکم الإغماء في كونه عارضا من عوارض
الأهلية حكم النوم، فلزمه ما لزم النوم، ولكونه
يزيد عنه جعله ناقضا للوضوء في جميع الأحوال
حتى في الصلاة.
وتفصيل ذلك كله محله مصطلح: (إغماء).
(١) المصباح مادة: ((غمي))، والتقرير والتحبير ١٧٩/٢ ط الأميرية.
(٢) التلويح على التوضيح ٢/ ١٧٠ ط صبيح.
سادسا : الرِّق :
٣٢ - الرِّق في اللغة بكسر الراء: العبودية.(١)
وأما في الشرع فهو: حجز حكمي عن الولاية
والشهادة والقضاء وملكية المال والتزوج وغيرها. (٢)
هذا والأحكام الخاصة بالرقيق يرجع إليها في
مصطلح: (رق).
سابعا : المرض :
٣٣ - المرض فى اللغة: حالة خارجة عن الطبع
ضارة بالفعل .
وفي الاصطلاح: ما يعرض للبدن فيخرجه عن
الاعتدال الخاص . (٣)
وهو لا ینافي أهلية التصرفات، أي ثبوته ووجوبه
على الإطلاق، سواء أكان من حقوق الله تعالى أم
من حقوق العباد، لأنه لا يخل بالعقل ولا يمنعه
من استعماله، فيصح ما تعلق بعبارته من العقود
وغیرها، ولکنه لما کان سبب الموت بتر ادف الآلام،
وأنه أي الموت عجز خالص، كان المرض من
أسباب العجز، فشرعت العبادات معه بقدر
المکنة، لئلا يلزم تكلیف ما ليس في الوسع، فيصلي
قاعدا إن لم يقدر على القيام، ومضطجعا إن عجز
عنه، ويعتبر المرض سببا للحجر على المريض
مرض الموت حفظا لحق الوارث وحق الغريم إذا
(١) المصباح المنير مادة: ((رقق)).
(٢) التقرير والتحبير ٢/ ١٨٠ ط الأميرية، وفتح الغفار ٩١/٣ ط
الحلبي.
(٣) المصباح مادة: ((مرض))، والتقرير والتحبير ١٨٦/٢ ط
الأميرية .
- ١٦٣ -

أهلية ٣٤ - ٣٧
اتصل به الموت، وذلك لأن المرض المميت هو سبب
الحجر لا نفس المرض. (١)
هذا، وتفصيل الأحكام الخاصة بالمرض يرجع
إليها في مصطلح (مرض)
ثانيا : الحيض والنفاس :
٣٤ - الحيض معناه في اللغة: السيلان، ومنه
الحوض.
وفي الاصطلاح: الدم الخارج من الرحم
لا لولادة ولا لعلة. (٢)
وأما النفاس فمعناه في اللغة: الولادة.
وفي الاصطلاح: الدم الخارج عقب فراغ
الرحم من الحمل. (٣)
والحيض والنفاس لا يؤثران في أهلية الوجوب،
ولافي أهلية الأداء، إلا أنهما اعتبرا من العوارض
لأن الطهارة منهما شرط لصحة كل عبادة يشترط
فيها الطهارة كالصلاة مثلا . (٤)
وتفصيل الأحكام الخاصة بالحيض والنفاس
محله مصطلح (حيض، ونفاس).
تاسعا : الموت :
٣٥ - الأحكام المتعلقة بالموت تتلخص في أن تلك
الأحكام إما دنيوية أو أخروية، والدنیویة من حیث
(١) فتح الغفار ٩٦/٣ ط الحلبي.
(٢) المصباح مادة: ((حيض))، وفتح الغفار ٩٨/٣ ط الحلبي،
والتقرير والتحبير ١٨٨/٢ ط الأميرية، وحاشية قليوبي
٩٨/١ ط الحلبي.
(٣) المصباح مادة: ((نفس))، وحاشية قليوبي ٩٨/١ ط الحلبي.
(٤) التلويح على التوضيح ٢/ ١٧٦، ١٧٧ ط صبيح.
التکلیف حکمھا السقوط إلا في حق المآثم، أو
ما شرع لحاجة نفسه أو لحاجة غيره.
والأخروية حكمها البقاء، سواء أكانت واجبة
له على الغير، أم للغير عليه، من الحقوق المالية
والمظالم، أومايستحقه من ثواب بواسطة الطاعات،
أو عقاب بواسطة المعاصي . (١)
هذا، ومحل تفصيل هذه الأحكام مصطلح
(موت)
العوارض المكتسبة :
٣٦ - العوارض المكتسبة إما من الإِنسان، وإما من
غيره كما تقدم .
أولا : العوارض المكتسبة التي من الإِنسان هي:
أ - الجهل :
٣٧ - معنی الجهل في اللغة: خلاف العلم.(٢)
وفي الاصطلاح: عدم العلم ممن شأنه
العلم.(٣)
والجهل لا يؤثر في الأهلية مطلقا، وله أقسام
بعضها يصلح عذرا، وبعضها لا يصلح عذرا.
وتفصيل ذلك في مصطلح (جهل)(٤)
(١) التقرير والتحبير ١٨٩/٢ ط الأميرية، والتلويح على التوضيح
١٧٨/٢ ط صبيح، وفتح الغفار ٩٨/٣ ط الحلبي.
(٢) المصباح مادة: ((جهل)).
(٣) فتح الغفار ٣/ ١٠٢، ١٠٣ ط الحلبي.
(٤) المنثور ١٢/٢، ١٣، ٢٣ ط الفليج، وفتح الغفار ١٠٢/٣ -
١٠٦ ط الحلبي.
- ١٦٤ -

أهلية ٣٨ - ٤١
ب - السكر :
٣٨ - من معاني السُكْر: زوال العقل، وهو مأخوذ
من أسكره الشراب: أي أزال عقله.(١)
وفي الاصطلاح: حالة تعرض للإِنسان من
تناول المسكر، يتعطل معها عقله، فلا يميز بين
الأمور الحسنة والقبيحة . (٢)
والسكر حرام باتفاق الفقهاء، وخاصة إن كان
طريقه محرما، كأن يتناول المسكر مختارا عالما بأن ما
يشربه يغيب العقل .
وخلاصة ما قاله الفقهاء في السكر هو: أنهم لم
يجعلوا السكر مسقطا للتكليف ولا مضیعا
للحقوق، ولا مخففا لمقدار الجنایات التي تصدر من
السكران، لأنه جناية، والجناية لا يصح أن يستفيد
منها صاحبها. وتفصيل الأحكام الخاصة بالسكر
محلها مصطلح: (سكر).
جـ ـ الهزل :
٣٩ - الهزل: ضد الجد، أو هو اللعب، وهو في
اللغة: مأخوذ من هزل في كلامه هزلا : إذا مزح.
وفي الاصطلاح: ألا يراد باللفظ المعنى
الحقيقي ولا المجازي، بل يراد به غيرهما.(٣)
والهزل لا ينافي الأهلية، إلا أنه يؤثر في بعض
الأحكام بالنسبة للهازل.
وتفصيل ذلك في مصطلح : (هزل).
(١) المصباح المنير مادة: ((سكر)).
(٢) التلويح على التوضيح ١٨٥/٢ ط صبيح، وفتح الغفار
١٠٦/٣ ط الحلبي.
(٣) المصباح مادة: ((هزل))، والتقرير والتحبير ١٩٤/٢ ط الأميرية،
والتلويح على التوضيح ١٨٧/٢ ط صبيح.
د - السفه :
٤٠ - السفه معناه في اللغة: نقص في العقل،
وأصله الخفة .
وفي الاصطلاح: خفة تعتري الإِنسان فتبعثه
على التصرف في ماله بخلاف مقتضى العقل، مع
عدم الاختلال في العقل .(١)
وإنما كان السفه من العوارض المكتسبة، ولم
يكن من العوارض السماوية، لأن السفيه باختياره
يعمل على خلاف مقتضى العقل مع بقاء
العقل. (٢)
والفرق بين السفه والعته ظاهر، فإِن المعتوه
يشابه المجنون في بعض أفعاله وأقواله، بخلاف
السفیه فإنه لا يشابه المجنون لكن تعتر یه خفة،
فيتابع مقتضاها في الأمور المالية من غير نظر وروية
في عواقبها، ليقف على أن عواقبها محمودة أو
مذمومة . (٣)
والسفه لا يؤثر في الأهلية بقسميها، ولا ينافي
شيئا من الأحكام الشرعية، فالسفیه یتوجه إليه
الخطاب بحقوق الله وحقوق العباد، إلا أن
الشريعة راعت ما فيه المصلحة، فقررت أن يمنع
السفيه من حرية التصرف في ماله صيانة له، وفي
ذلك تفصيل محله مصطلح : (سفه).
هـ - السفر :
٤١ - السَفَر - بفتحتين - معناه في اللغة: قطع
(١) المصباح مادة: ((سفه))، والتلويح على التوضيح ١٩١/٢ ط
صبيح، والتقرير والتحبير ٢/ ٢٠١ ط الأميرية، وكشف الأسرار
٣٦٩/٤ ط دار الكتاب العربي.
(٢) فتح الغفار ٣/ ١١٤ ط الحلبي.
(٣) التلويح ١٩١/٢ ط صبيح.
- ١٦٥ -

أهلية ٤٢ - ٤٣
المسافة، ويقال ذلك إذا خرج للارتحال أولقصد
موضع فوق مسافة العدوی، لأن العرب لا يسمون
مسافة العدوی سفرا. (١)
وفي الشرع: الخروج بقصد المسير من محل
الإقامة إلى موضع بينه وبين ذلك الموضع مسيرة
ثلاثة أيام فما فوقها بسير الإِبل ومشي الأقدام. (٢)
على خلاف بين الفقهاء في ذلك.
والسفر لا يؤثر في الأهلية بقسميها، إلا أنهم
جعلوه من العوارض، لأن الشارع جعله سببا
للتخفيف في العبادات، كقصر الصلاة الرباعية
والفطر في الصوم للمسافر. (٣)
وفي ذلك تفصيل محله مصطلح: (سفر).
و- الخطأ :
٤٢ - الخطأ في اللغة يطلق ويراد به: ما قابل
الصواب، ويطلق ويراد به: ما قابل العمد، وهذا
المعنى هو المراد به في عوارض الأهلية . (٤)
وفي الاصطلاح: فعل يصدر من الإِنسان بلا
قصد إلیه عند مباشرة أمر مقصود سواه . (٥)
والخطأ لا ينافي الأهلية بنوعيها، لأن العقل
(١) المصباح مادة: ((عدا)) والعدوى: طلبك إلى وال ليعديك على
من ظلمك، أي ينتقم منه باعتدائه عليك. والفقهاء يقولون :
مسافة العدوى، استفارة من صاحبها يصل فيها الذهاب والعود
بعدو واحد.
(٢) كشف الأسرار ٣٧٦/٤ ط دار الكتاب العربي.
(٣) التلويح ١٩٣/٢ ط صبيح، وفتح الغفار ١١٧/٣ ط الحلبي،
والتقرير والتحبير ٢٠٣/٢ ط الأميرية، وجواهر الإكليل
٨٨/١ ط دار المعرفة، والروضة ٣٨٥/١ ط المكتب الإسلامي،
وکشاف القناع ٥٠٤/١ ط النصر.
(٤) المصباح مادة: ((خطأ)).
(٥) التلويح ١٩٥/٢ ط صبيح.
موجود معه، والجناية فيه من جهة عدم التثبت،
ولذا يؤاخذ به من هذه الجهة، فلا تقدر العقوبة فيه
بقدر الجناية نفسها، وإنما بقدر عدم التثبت الذي
أدى إلى حصولها .
والخطأ يعذر به في حقوق الله سبحانه وتعالى إذا
اجتهد، كما في مسألة جهة القبلة في الصلاة،
واعتبره الشارع شبهة تدرأ العقوبة عن المخطىء،
وأما حقوق العباد فلا يعتبر الخطأ عذرا فيها، ولذا
فإِن المخطىء يضمن ما ترتب على خطئه من ضرر
أو تلف.(١)
وفي ذلك تفصيل محله مصطلح: (خطأ).
ثانيا : العوارض المكتسبة التي من غير الإِنسان
نفسه :
٤٣ - وهي عارض واحد فقط وهو الإكراه:
ومعناه في اللغة: الحمل على الأمر قهرا. (٢)
وفي الاصطلاح: حمل الغير على ما لا يرضاه
من قول أو فعل، ولا يختار مباشرته لو ترك
ونفسه. (٣)
وهو معدم للرضى لا للاختيار، لأن الفعل
يصدر عن المكره باختياره، لكنه قد یفسد الاختيار
بأن يجعله مستندا إلی اختیار آخر، وقد لا يفسده
بأن يبقى الفاعل مستقلا في قصده.
هذا، والإكراه سواء أكان ملجئا أم غير ملجىء
(١) التقرير والتحبير ٢٠٤/٢ ط الأميرية، وفتح الغفار ١١٨/٣ ط
الحلبي.
(٢) المصباح مادة: ((كره)).
(٣) التقرير والتحبير ٢٠٦/٢ ط الأميرية، والتلويح ١٩٦/٢ ط
صبيح، وفتح الغفار ١١٩/٣ ط الحلبي.
-١٦٦ -

أهلية ٤٣، إهمال ١ - ٢
- كما قال الحنفية ۔ أو إكراها بحق أو بغير حق - كما
قال الشافعية - لا يؤثر في أهلية الوجوب لبقاء
الذمة، ولا يؤثر في أهلية الأداء لبقاء العقل
والبلوغ، إلا أنهم عدوه من العوارض، لأنه يفسد
الاختيار، ويجعل المكره - بفتح الراء - في بعض
صوره آلة للمكره - بكسر الراء _ (١)
وتفصيل ذلك كله محله مصطلح: (إكراه).
إهمال
التعريف :
١ - الإهمال لغة: الترك، وأهمل أمره: لم يحكمه،
وأهملت الأمر: تركته عن عمد أونسيان، وأهمله
إهمالا: خلى بينه وبين نفسه، أو تركه ولم
يستعمله .
ومنه : الكلام المهمل، وهو خلاف
المستعمل . (٢
ولا يخرج معنى الإهمال في اصطلاح الفقهاء عما
ورد من معانيه في اللغة حسبما ذكر.
(١) تبيين الحقائق ٥/ ١٩٠ ط دار المعرفة، والفتاوى الهندية
٥/ ٥٤ ط المكتبة الإسلامية، وجواهر الإكليل ٩٧/٢ ط دار
المعرفة، وحاشية قليوبي ٢/ ٢٩٩ ط الحلبي، وكشاف القناع
٤١٦/٣ ط النصر، والحموي على ابن نجيم ١٩١/١ ط
العامرة، والمنثور ٣٤٥/٣ ط الفليج، والأشباه لابن النجيم ص
١٦٠ ط الهلال.
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير والصحاح وتاج العروس
والقاموس المحيط مادة: ((همل)).
الحكم الإجمالي ومواطن البحث :
٢ - الإهمال في الأمانات إذا أدى إلى هلاكها أو
ضياعها يوجب الضمان، سواء أكان أمانة بقصد
الاستحفاظ كالوديعة، أم كان أمانة ضمن عقد
كالمأجور، أم كان بطريق الأمانة بدون عقد ولا
قصد، كما لو ألقت الريح في دار أحد ثوب
جاره .(١)
فالعین المودعة ، - مثلا - الأصل فيها أن تكون
أمانة في يد الوديع، فإِن تلفت من غير تعد منه
ولا إهمال لم يضمن، لأن الأمين لا يضمن إلا
بالتعدي أو الإهمال، لقوله - من - ((ليس على
المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير
المغل ضمان)). (٢)
وللتفصيل ينظر مصطلح: (إعارة، ووديعة).
وإهمال الأجیر الخاص يستوجب الضمان، أما
الأجير المشترك(٣) فإِنه ضامن مطلقا عند جمهور
(١) مجلة الأحكام العدلية مادة: (٧٦٢ - ٧٦٨).
(٢) رد المحتار على الدر المختار ٥٠٣/٤، وحاشية الدسوقي على
الشرح الكبير ٤١٩/٣، ٤٣٦، ٤٣٧، والمغني مع الشرح الكبير
٢٨٠/٧
وحديث: ((ليس على المستعير غير المغل ضمان .... ))
أخرجه الدار قطني من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما
مرفوعا وقال: في إسناده عمر و وعبيده وهما ضعيفان، وإنما يروى
عن شريح القاضي غير مرفوع (سنن الدار قطني ٤١/٣ ط دار
المحاسن، والتلخيص الحبير ٩٧/٣ ط شركة الطباعة الفنية
المتحدة).
(٣) الأجير المشترك هو: الذي يعمل للمؤجر ولغيره، كالطبيب
والبناء. وهذا ما يؤخذ من تعريفات الفقهاء جميعا (رد المحتار
٦٤/٦، وحاشية الدسوقي ٤/٤، والمهذب ٤٠٨/١، وكشاف
القناع ٤/ ٣٣).
- ١٦٧ -

إهمال ٢ - ٣
الفقهاء(١) على خلاف وتفصيل يرجع إليه في
مصطلح: (إجارة، وضمان).
ومستأجر الطاحون ونحوها، إن أهملها حتى
سرق بعض أدواتها عليه ضمانه. (٢) وإهمال الحاذق
من طبیب أو ختان أو معلم یوجب ضمان ما يحدث
بسبب إهماله .
فلوسلم الولي الصبي إلى سباح ليعلمه
السباحة، فتسلمه فغرق، وجبت عليه دیته.
وتفصيل ذلك في مصطلح: (دية).
وإهمال القاطع الحاذق في القصاص وقطع يد
السارق بتجاوزه ما أمربه، أو القطع في غير محل
القطع یوجب الضمان، لأنه إتلاف نتج عن إهماله،
ولا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ .
وقال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافا . (٣)
والحسم بعد القطع في حد السرقة مستحب
للمقطوع على الأصح، لأن الغرض منه المعالجة
ودفع الهلاك عنه بنزف الدم، وهذا عند بعض
الفقهاء، ومفاده أنه غير واجب على الإِمام .
وقيل: إن الحسم من توابع الحد، وهو واجب
عند الحنفية، فيلزم الإِمام فعله، وليس له إهماله
وتركه، ومستحب للإِمام عند الشافعية . (٤)
(١) البدائع ٢١١/٤، والشرح الصغير ٤٧/٤، والمهذب
٤١٥/١، ونهاية المحتاج ٣٠٧/٥ و٣٠٨، وكشاف القناع
٢٥/٤، والمغني ٥٢٤/٥ - ٥٢٧ ط الرياض، والموسوعة الفقهية
مصطلح (إجارة) ٢٩٧،٢٨٨/١
(٢) جامع الفصولين ١٢٢/٢ (ر: إجارة. ضمان) في الموسوعة الفقهية
(٣) شرح المنهاج وحاشية قليوبي ١٧٤/٤، ونهاية المحتاج
٣٣٣/٧، والمغني مع الشرح الكبير ٦/ ١٢٠
(٤) رد المحتار على الدر المختار ٢٠٦/٣، وشرح المنهاج ١٩٨/٤،
ونهاية المحتاج ٤٤٤/٧، ٤٤٥، وحاشية الدسوقي ٣٣٢/٤،
والمغني لابن قدامة ٨/ ٢٦٠، ٢٦١
إعمال الكلام أولى من إهماله :
٣ - من القواعد الفقهية قاعدة: إعمال الكلام أولى
من إهماله، وهذا لأن المهمل لغو، وكلام العاقل
يصان عنه، فيجب حمله ما أمكن على أقرب وجه
يجعله معمولا به من حقيقة ممكنة، وإلا فمجاز،
وذلك لأن الأصل في الكلام الحقيقة، والمجاز فرع
عنه وخلف له .
واتفق الأصوليون على أن الحقيقة إذا تعذرت،
أو هجرت يصار إلى المجاز، وتعذر الحقيقة : إما
بعدم إمكانها أصلا، لعدم وجود فرد لها من
الخارج، كما لو وقف على أولاده، وليس له إلا
أحفاد، فيصار إلى المجاز- وهو الصرف إلى
الأحفاد - لتعذر الحقيقة .
أو بعدم إمكانها شرعا: كالوكالة بالخصومة،
فإن حملها على الحقيقة - وهي التنازع - محظور
شرعا، قال تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا﴾،(١) ولذا تحمل
على المجاز، وهو رفع الدعوى والإِقرار والإِنكار.
وبمثابة التعذر مالوحلف لا يأكل من هذا
القدر، أو من هذه الشجرة، أوهذا البر، فإن
الحقيقة، وهي الأكل من عينها ممكنة لكن بمشقة،
فيصار في الأمثلة الثلاثة إلى المجاز، وهو الأكل مما
في القدر، أو من ثمر الشجرة إن كان، وإلا فمن
ثمنها، أو مما يتخذ من البر في الثالث.
ولو أكل عين الشجرة مثلا لم يحنث.
ومثل تعذر الحقيقة هجرها، إذ المهجور شرعا أو
عرفا کالمتعذر، كما لوحلف لا يضع قدمه في هذه
الدار، فإن الحقيقة فيه ممكنة، لكنها مهجورة،
والمراد من ذلك في العرف الدخول، فلو وضع قدمه
(١) سورة الأنفال / ٤٦
- ١٦٨-

إهمال ٣، أوزان ، أوسق، أوصاف
فیها بدون دخول لا يحنث، ولو دخلها راکبا حنث.
وإن تعذرت الحقيقة والمجاز أهمل الكلام لعدم
الإمكان .
فإِذا تعذر إعمال الكلام، بأن کان لا یمکن حمله
على معنى حقيقي له ممكن، لتعذر الحقيقة بوجه
من الوجوه المتقدمة، أولتزاحم المتنافيين من
الحقائق تحتها، ولا مرجح، ولا على معنى مجازي
مستعمل، أو کان یکذبه الظاهر من حس، أوما في
حکمه من نحو العادة، فإنه يهمل حينئذ، أي
يلغى ولا يعمل به .
أما تزاحم المتنافيين: فكما لو كفل ولم يعلم أنها
كفالة نفس أومال، فإِنها لا تصح.
وأما تعذر الحقيقة، وعدم إمكان الحمل على
المعنى المجازي لكونه غیر مستعمل، فكما لو قال
المعروف النسب: هذا ابني، فإِنه كما لا يصح إرادة
الحقيقة منه، لثبوت نسبه من الغير، لا يصح أيضا
إرادة المجاز، وهو الإِيصاء له بإحلاله محل الابن في
أخذ مثل نصيبه من التركة، لأن ذلك المجاز غير
مستعمل، والحقيقة إذا لم تكن مستعملة لا يصار
إليها، فالمجاز أولى .
وكذا لو قال لامرأته المعروفة لأبيها: هذه بنتي،
لم تحرم بذلك أبدا.
وأما تكذیب الحس : فكدعوی قتل المورث وهو
حي، أو قطع العضو وهو قائم، وكدعوى الدخول
بالزوجة وهو مجبوب .
وأما ما في حكم الحس : فكدعوى البلوغ ممن
لا يحتمله سنه أو جسمه، وکدعوى صرف المتولي أو
الوصي على الوقف أو الصغير مبلغا لا يحتمله
الظاهر، فإِن كل ذلك يلغى، ولا يعتبر ولا يعمل
به، وإن أقیمت علیه بینة . (١)
ويرجع فيما ذكر إلى مصطلحات (ترجيح،
ووكالة، وكفالة، ووصاية، ووصية، ووقف).
أوزان
انظر : مقادير .
أوسق
انظر : مقادير .
أوصاف
انظر : صفة .
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم، القاعدة التاسعة ص ١٣٥، ١٣٦
وما بعدها ط دار مكتبة الهلال/ بيروت، والأشباه والنظائر
للسيوطي القاعدة العاشرة ص ١٢٨، ١٢٩ ومابعدها ط مصطفى
الحلبي بمصر، وجامع الفصولين ٢/ ١٨٧ الطبعة الأولى بالمطبعة
الأميرية، ورد المحتار على الدر المختار ٢٥٣/٤، والتوضيح
على التنقيح ٣٣٩/١
- ١٦٩ -

أوقات الصلاة ١ - ٣
أوقات الصلاة
التعريف :
١ - الوقت: مقدار من الزمان مقدر لأمر ما، وكل
شيء قدرت له حينا فقد وقتّه توقيتا. وأوقات
الصلاة هي: الأزمنة التي حددها الشارع لفعل
الصلاة أداء، فالوقت سبب وجوب الصلاة، فلا
تصح قبل دخوله، وتكون (قضاء) بعد خروجه.(١)
أقسام الصلوات التي لها وقت معين :
٢ - تنقسم الصلوات التي لها وقت معين إلى ثلاثة
أقسام عند الحنفية :
القسم الأول : صلوات مفروضة، وهي
الصلوات الخمس .
القسم الثاني : صلوات واجبة، وهي الوتر
والعيدان .
القسم الثالث : صلوات مسنونة، كالسنن
القبلية والبعدية للصلوات الخمس.
والجمهور لا يفرقون بين الفرض والواجب،
والوتر عندهم سنة، وكذلك العيدان عند المالكية
والشافعية، وهي فرض كفاية عند الحنابلة.
أوقات الصلوات المفروضة
أصل مشروعية هذه الأوقات :
٣ - أصل مشروعية هذه الأوقات عرف بالكتاب،
(١) المصباح مادة ((وقت)) والطحطاوي ص ٩٣
قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تْسُونَ وحين
تُصْبِحون. وله الحمدُ في السمواتِ والأرضِ
وَعَشِيّاً وحين تُظْهرون﴾(١)
قال بعض المفسرين: إن المراد بالتسبيح
الصلاة، أي:صلوا حين تمسون، أي حين تدخلون
في وقت المساء، والمراد به المغرب والعشاء. و﴿حين
تصبحون﴾ المراد به صلاة الصبح. والمراد بقوله
تعالى: ﴿وعشيا﴾ صلاة العصر، وبقوله تعالى:
﴿وحين تظهرون﴾ صلاة الظهر.(٢)
وكذلك قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلوكِ
الشّمْسِ إلى غَسَقِ الليلِ وَقُرْآنَ الفجرِ إِنّ قُرْآنَ
الفجرِ كان مَشْهودًا﴾(٣)
وقد بينت السنة الشريفة أوقات الصلاة
كحديث إمامة جبريل للنبي 18، ونصه:((أُمِّني
جبريلُ عند البيت مرتين، فصلى الظهر في الأولى
منهما حين كان الفيءُ مثلُ الشراك، ثم صلى
العصرَ حين كان كل شيء مثل ظله، ثم صلى
المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم
صلى العشاء حين غابَ الشفقُ، ثم صلى الفجر
حين بَرَقَ الفجرُ وحَرُمَ الطعامُ على الصائم،
وصلى المرةَ الثانيةَ الظهرَ حين كان ظلُ كل شيء
مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصرَ حين
كان ظل كل شيء مِثْلَيه، ثم صلى المغرب لوقته
الأول، ثم صلى العشاءَ الآخرةَ حين ذهبَ ثلثُ
الليل، ثم صلى الصبح حين سَفَرَت الأرض، ثم
(١) سورة الروم / ١٨،١٧
(٢) أحكام القرآن للقرطبي ١٤/ ١٤
(٣) سورة الإسراء / ٧٨
- ١٧٠ -
٠٠

أوقات الصلاة ٤ - ٦
التفت إليّ جبريل وقال: يا محمدُ هذا وقتُ الأنبياءِ
من قبلك، والوقتُ فيما بين هذين الوقتين))(١)
عدد أوقات الصلوات المفروضة :
٤ - لا خلاف بين الفقهاء في أن عدد أوقات
الصلوات المفروضة خمسٌ بقَدْرِ عدد الصلوات،
وما روي عن أبي حنيفة من أن الوتر فرض فيكون
عدد الأوقات ستاً ليس صحيحا، بل إنه يقول:
إن الوتر واجب، وهو أقل رتبة من الفرض. (٢)
مبدأ کل وقت ونهايته
مبدأ وقت الصبح ونهايته :
٥ - لا خلاف بين الفقهاء في أن مبدأ وقت الصبح
طلوع الفجر الصادق(٣) ويسمى الفجر الثاني،
وسمي صادقا، لأنه بين وجه الصبح ووضحه،
وعلامته بياض ينتشر في الأفق عرضا. أما الفجر
الكاذب، ويسمى الفجر الأول، فلا يتعلق به
حکم، ولا يدخل به وقت الصبح، وعلامته بیاض
يظهر طولا يطلع وسط السماء ثم ينمحي بعد
ذلك.
(١) حديث: ((أمني جبريل عند البيت مرتين، فصلى الظهر ... ))
أخرجه الترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وقال: هذا
حديث حسن صحيح، وقال ابن عبدالبر في التمهيد: وقد تكلم
بعض الناس في حديث ابن عباس هذا بكلام لا وجه له، ورواته
كلهم مشهورون بالعلم. (سنن الترمذي١٧٨/١ - ٢٨٠ ط
الحلبي، ونصب الراية ١/ ٢٢١، وجامع الأصول ٢٠٩/٥،
٢١٠)
(٢) بدائع الصنائع ١٢٣/١ الطبعة الأولى سنة ١٣٢٧هـ، وبداية
المجتهد ٤٧/١ المطبعة المولوية بفاس سنة ١٣٢٧ هـ
(٣) البدائع ١٤٢/١، وبداية المجتهد ١/ ٥١، والإقناع في شرح
ألفاظ أبي شجاع ٢٧٣/١ مطبعة بولاق. والمغني ١/ ٣٩٥ مطبعة
المنار بمصر.
والفرق بین الفجرین مقدر بثلاث درجات.
والدليل على ذلك حديث إمامة جبريل للنبي
وَج. حيث قال: ((ثم صلى الفجر حين برق الفجر
وحرم الطعام على الصائم، وصلى المرة الثانية
الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت إليّ فقال:
يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما
بین هذه الوقتین»(١)
٦ - أما نهاية وقت الصبح، فعند أبي حنيفة
وأصحابه: قبيل طلوع الشمس، (٢) وذهب مالك
في أحد الأقوال عنه إلى أن الوقت الاختياري
للصبح إلى الإِسفار، وبعد الإِسفار إلى طلوع
الشمس وقت ضرورة لأصحاب الأعذار،
كالحائض تطهر بعد الإِسفار، ومثل ذلك النفساء،
والنائم يستيقظ، والمريض يبرأ من مرضه، جاز
لهؤلاء الصلاة في هذا الوقت من غير كراهية، وفي
قول آخر عن مالك أن الصبح كل وقته
اختياري . (٣)
وذهب الشافعية إلى أن الصبح له أربعة
أوقات: وقت فضيلة وهو أوله، ووقت اختیار إلی
الإِسفار، وجواز بلا كراهة إلى الحمرة، وكراهة بعد
الحمرة، والمراد بوقت الفضيلة مافیه ثواب أکثر من
وقت الاختيار، والمراد بوقت الجواز بلا كراهة ما لا
ثواب فيه .
وذهب أحمد بن حنبل إلى أن آخر وقتها
الاختياري الإِسفار. وبعد الإِسفار وقت عذر
وضرورة حتی تطلع الشمس، فمن نام عن صلاة
(١) حديث: ((أمني جبريل ... )) سبق تخريجه (ف/ ٣)
(٢) ابن عابدين ١/ ٢٤٠
(٣) بلغة السالك ٨٣/١
- ١٧١ -

أوقات الصلاة ٧ - ٨
الصبح ولم يستيقظ إلا بعد الإِسفار، جازله أن
يصلي الصبح بلا كراهة .
وظاهره أنه إذا استيقظ عند طلوع الفجر، وأخر
صلاة الصبح إلى مابعد الإِسفاربدون عذر، كانت
صلاته مكروهة .(١)
٧ - مما تقدم يعرف أن جمهور الفقهاء على أن آخر
وقت الصبح طلوع الشمس، لما روي عن
أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله وَل# أنه
قال: ((إنّ للصلاة أولاً وآخرا، وإن أولَ وقتِ الفجر
حينَ يطلع الفجرُ، وآخره حين تطلعُ الشمسُ))(٢)
مبدأ وقت الظهر ونهايته :
٨ - لا خلاف بين الفقهاء في أن مبدأه من زوال
الشمس عن وسط السماء تجاه الغرب، ولا يصح
أداؤها قبل الزوال. (٣)
ويعرف الزوال بأن تغرز خشبة مستوية في أرض
مستوية، والشمس لا زالت في المشرق، فما دام ظل
الخشبة ينتقص، فالشمس قبل الزوال، فإِذا لم یکن
للخشبة ظل، أوتم نقص الظل، بأن كان الظل
أقل ما يكون، فالشمس في وسط السماء، وهو
الوقت الذي تحظر فيه الصلاة، فإِذا انتقل الظل من
المغرب إلى المشرق، وبدأ في الزيادة، فقد زالت
(١) نهاية المحتاج ٣٥٣/١ وما بعدها.
(٢) حديث: ((إن للصلاة أولا وآخرا ... )) أخرجه الترمذي مطولا
وقال عبدالقادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: هو حديث
حسن (سنن الترمذي ٢٣٨/١، ٢٨٤ ط الحلبي، وجامع
الأصول ٢١٤/٥، ٢١٥)
(٣) بداية المجتهد ٤٨/١
الشمس من وسط السماء ودخل وقت الظهر.
والدليل على أن أول وقت الظهر الزوال،
حديث إمامة جبريل المتقدم .
وأما نهاية وقت الظهر فجمهور الفقهاء، ومعهم
الصاحبان، إلى أن آخر وقت الظهر بلوغ ظل
الشيء مثله سوى فيء الزوال، لحديث إمامة
جبريل المتقدم وفيه: أنه صلى به الظهر في اليوم
الثاني حين صار ظل كل شيء مثله. (١)
وأما عند أبي حنيفة: حين يبلغ ظل الشيء
مثليه سوى فيء الزوال: والمراد بفيء الزوال: الظل
الحاصل للأشياء حين تزول الشمس عن وسط
السماء، وسمي فيئا، لأن الظل رجع إلى المشرق
بعد أن كان في المغرب، ويختلف ظل الزوال طولا
وقصرا وانعداما باختلاف الأزمنة والأمكنة. وكلما
بَعُدَ المكان من خط الاستواء كلما كان فيء الزوال
أطول، وهو في الشتاء أطول منه في الصيف. (٢)
واستدل أبوحنيفة على أن آخر وقت الظهر بلوغ
ظل الشيء مثلیه سوی فيء الزوال، بما روي عنه
أنه قال: ((إنما بَقَاؤكم فيما سَلَفَ قَبْلُكُم من
الأمم كان بين صلاةِ العصرِ إلى غروبِ الشمسِ .
أوتيَ أَهلُ التوراة التوراةَ فعملوا حتى انتصفَ النهارَ
عَجَزوا، فَأُعْطُوا قيراطا قيراطا. ثم أَوتيَ أهلُ
الإِنجيلِ الإِنجيلَ فعَمِلُوا إلى صلاة العصر ثم
عَجَزُوا فأعطُّوا قِيراطا قيراطا، ثم أُوتِينا القرأنَ،
(١) راجع المراجع المذكورة لجميع الفقهاء في أوقات الصلاة. والمغني
(٣٧٤/١، ٣٧٥) ط الرياض.
(٢) ابن عابدين ١/ ٢٤٠، وبلغة السالك ٨٣/١، ونهاية المحتاج
٣٥٣/١، والمغني ٣٩٥/١
- ١٧٢ -

أوقات الصلاة ٨ - ٩
فَعمِلْنا إلى غُروب الشمس، فأُعْطِينا قِيراطين
قيراطين، فقال: أَهل الكتابين: أَيْ ربنا أعطيتَ
هؤلاءِ قيراطين قيراطين، وأَعْطَيتنا قيراطا قيراطا،
ونحن كنا أكثر عملا، قال: قال الله عز وجل: هل
ظَلَمْتُكم مِنْ أَجْرِكم مِنْ شيءٍ، قالوا: لا . قال:
فَهُوَ فضلي أوتيه من أشاء)»(١)
دل الحديث على أن مدة العصر أقل من مدة
الظهر ولا يكون ذلك إلا إذا كان آخر وقت الظهر
المثلين.
واستدل لأبي حنيفة كذلك بحديث أبي سعيد
قال: قال رسول الله ◌َله: ((أَبْرِدُوا بالظهر، فإِن
شِدَّةَ الحرِّ من فَيْحِ جَهَنَّمَ)) والإِبرادَ لا يحصل إلا إذا
كان ظل كل شيء مثليه، لاسيما في البلاد الحارة
كالحجاز. (٢)
والمشهور في مذهب الشافعي أن الظهر له وقت
فضيلة وهو أوله، ووقت اختیار إلى آخره، ووقت
عذر لمن يجمع بين الظهر والعصر جمع تأخير،
فيصلي الظهر في وقت العصر عند الجمع. (٣)
وذهب مالك إلى أن الوقت الاختياري للظهر
إلى بلوغ ظل كل شيء مثله، ووقته الضروري
حين الجمع بين الظهر والعصر جمع تأخير، فيصلى
(١) حديث: (( إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة
العصر ... )) أخرجه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله
عنهما (فتح الباري ٣٨/٢ ط السلفية، وعمدة القاري ٥/ ٥٠ ط
المنيرية).
(٢) حديث أبي سعيد: ((أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح
جهنم ... )) أخرجه البخاري مرفوعا من حديث أبي سعيد
رضي الله عنه (فتح الباري ١٨/٢ ط السلفية).
وانظر البدائع ١٢٢/١، ١٢٣، وبداية المجتهد ٤٨/١
(٣) حاشية شرح المنهاج ١/ ٢٧٠
الظهر بعد بلوغ الظل مثله، إلى ماقبل غروب
الشمس بوقت لا يسع إلا صلاة العصر. (١)
مبدأ وقت العصر ونهايته :
٩ - أما مبدأ وقت العصر فهو عند الصاحبین وجمهور
الفقهاء من حين الزيادة على المثل، وعند
أبي حنيفة من حين الزيادة على المثلين(٢) وذهب
. أكثر المالكية إلى تداخل وقتي الظهر والعصر، فلو
أن شخصا صلى الظهر عند صيروة ظل كل شيء
مثله، وآخر صلى العصر في هذا الوقت كانت
صلاتهما أداءً، وخالف في هذا ابن حبيب
وابن العربي . (٣)
استدل أبوحنيفة بمفهوم الحديث الذي تقدم،
وهو قوله ﴿: ((إنّ مَثَلَكم ومثل من قبلكم من
الأمم .... ))، وقال أبو حنيفة: إذا كان مفهوم
الحديث أن مدة العصر أقل من مدة الظهر،
فواجب أن يكون أول وقت العصر بعد الزيادة على
المثلين.
واستدل الجمهور بحديث إمامة جبريل
المتقدم، وفيه أنه صلى بالنبي وفي العصر حين صار
ظل كل شيء مثله، أي بعد الزيادة على المثل،
وإنما قالوا ذلك دفعا للتعارض في الحديث، لأن
ظاهر الحدیث یدل على أنه صلى به العصر حین
صارظل كل شيء مثله في اليوم الأول، وهو
يتعارض مع صلاته الظهر في اليوم الثاني حین صار
ظل كل شيء مثله، الأمر الذي يدل على تداخل
(١) بلغة السالك ٨٢/١، ٨٣ ط بيروت.
(٢) المراجع المذكورة في أوقات الصلاة.
(٣) بلغة السالك ٨٢/١
- ١٧٣ -

أوقات الصلاة ١٠ - ١٢
وقتي الظهر والعصر، فدفعا لهذا التعارض قالوا:
إنه صلى به العصر حين صار ظل كل شيء مثله،
أي بعد الزيادة على المثل. (١)
واستدل المالكية بظاهر حدیث إمامة جبريل،
وفيه: أنه صلى به العصر في اليوم الأول في الوقت
الذي صلى به الظهر في اليوم الثاني، الأمر الذي
يدل على تداخل الوقتين.
١٠ - أما نهاية وقت العصر عند أبى حنيفة فما لم
تغب الشمس، وهو مذهب الحنابلة، لقوله ولهم :
((مَنْ أَدْرَكَ ركعة من العصرِ قبل أن تَغْرُبَ الشمسُ
فقد أدركَ العصرَ))(٢) ويضيف الحنابلة: أن وقت
الاختیار ینتهي بمبدأ اصفرار الشمس، وفي رواية :
حين يصير ظل كل شيء مثليه.
وذهب المالكية في إحدى الروايات عنهم إلى أن
آخر وقتها مالم تصفر الشمس، لحديث: ((إذا
صليتم العصرَ فإِنه وقتٌ إلى أن تَصْفَرَ الشمس))(٣)
وذهب الشافعية إلى أن العصر له سبعة أوقات،
فضيلة: أوله، ووقت اختيار: إلى المثلين، ووقت
عذر - لمن يجمع بين الظهر والعصر جمع تأخير -
فيجوز له أن يصلي الظهر والعصر في وقت العصر،
ووقت ضرورة کالحائض والنفساء تطهران في آخر
الوقت، والمريض يبرأ في آخر الوقت أيضا، ووقت
جواز بلا كراهة وهو بعد المثلين، ووقت كراهة
(١) بدائع الصنائع ٢٢/١
(٢) حديث: (من أدرك ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري
٥٦/٢ ط السلفية).
(٣) حديث: ((إذا صليتم العصر ... )) أخرجه مسلم مرفوعا من
حديث عبدالله بن عمرو (صحيح مسلم ٤٢٦/١ ط عيسى
الحلبي) وبداية المجتهد ١/ ٤٩
حرمة، وهو ما قبل آخر الوقت بوقت لا يسع
جمیعھا . (١)
مبدأ وقت المغرب ونهايته :
١١ - لا خلاف بين الفقهاء في أن مبدأ وقت المغرب
من غروب الشمس، لحديث إمامة جبريل
المتقدم، وفيه: أنه صلى به المغرب حين غربت
الشمس في الیومین جمیعهما .
أما آخر وقتها فعند الحنفية حين يغيب الشفق،
وهو مذهب الحنابلة والشافعي في القديم، لقوله
وَّ: ((وقتُ صلاةِ المغرب مالم يَغِبِ الشفقُ)). (٢)
والقول المشهور عند المالکیة أنه لا امتداد له،
بل يقدر بقدر ثلاث ركعات بعد تحصيل شروطها
من مكاره حدث وخبث وستر عورة. (٣) ولحديث
إمامة جبريل المتقدم، وفيه: أنه صلى المغرب بعد
غروب الشمس في اليومين جميعا.
ومذهب الشافعي في الجدید: ينقضي وقتها
بمضي قدر وضوء وستر عورة وأذان وإقامة وخمس
ركعات، وهي ثلاث ركعات المغرب وركعتان سنة
بعدها . (٤)
مبدأ وقت العشاء ونهايته :
١٢ - يبدأ وقت العشاء حين يغيب الشفق بلا
خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه، إلا أنهم اختلفوا
(١) نهاية المحتاج ٣٥٣/١
(٢) حديث: ((وقت صلاة المغرب ... )) أخرجه مسلم (صحيح
مسلم ١/ ٤٢٧ ط عيسى الحلبي)
(٣) بداية المجتهد ٥١/١ - ٥٢
(٤) البدائع ١٢٣/١، وجواهر الإكليل ٣٣/١، ونهاية المحتاج
٣٥٣/١، ٣٥٤، وحاشية القليوبي على المنهاج ١/ ١١٤ ط
عيسى الحلبي، والمغني ٣٧٤/١، ٣٧٥
- ١٧٤ -

أوقات الصلاة ١٢ - ١٣
في معنى الشفق، فذهب أبو حنيفة إلى أن الشفق
هو البياض الذي يظهر في جو السماء بعد ذهاب
الحمرة التي تعقب غروب الشمس، وذهب
الصاحبان إلى أن الشفق هو الحمرة، وهو مذهب
جمهور الفقهاء، والفرق بين الشفقين يقدر بثلاث
درجات، وهي تعدل اثنتي عشرة دقيقة. وذهب
الشافعية إلى أن للعشاء سبعة أوقات: وقت فضيلة
وهو أوله، واختيار إلى آخر ثلث الليل الأول، وقيل
إلى نصف الليل لحديث: ((لولا أن أشُقَّ على أمتي
لأخرْتُ صلاةَ العشاءِ إلى نِصْفِ الليل))(١) وجواز
بلا كراهة للفجر الأول، وبكراهة إلى الفجر
الثاني، ووقت حرمة وضرورة وعذر.
استدل أبو حنيفة على أن الشفق هو البياض،
بما روي عن أبي هريرة في حديث: ((إنَّ آخرَ وقتٍ
المغربِ حينَ يَسْوَدّ الأفقُ))(٢) وإنما يسود إذا خفيت
الشمس في الظلام، وهو وقت مغيب الشفق
الأبيض . (٣)
واستدل الجمهور على أن الشفق هو الحمرة بما
روي عن النبي روسي: «أنه كان يصلي العشاء عند
(١) حديث: ((لولا أن أشق ... )) أخرجه الترمذي من حديث أبي
هريرة رضي الله عنه مرفوعا بلفظ: ((لولا أن أشق على أمتي
لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه)). وقال :
حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح (تحفة الأحوذي ١/ ٥٠٨
نشر المكتبة السلفية).
(٢) حديث: ((إن آخر وقت المغرب حين يسود الأفق ... )) أورده
الزيلعي في نصب الراية بلفظ: ((آخر وقت المغرب إذا اسود
الأفق» واستغربه، وقال ابن حجر في الدراية: لم أجده لکن في
حديث أبي مسعود عند أبي داود: ويصلي المغرب حين تسقط
الشمس ويصلي العشاء حين يسود الأفق (نصب الراية ٢٣٤/١،
والدراية ١٠٣/١، وعون المعبود ١٥٢/١ ط الهند).
(٣) بدائع الصنائع ١/ ١٢٤
مغيب القمر في الليلة الثالثة))(١) وهو وقت مغيب
الشفق الأحمر. (٢)
١٣ - أما نهاية وقت العشاء، فحين يطلع الفجر
الصادق بلا خلاف بين أبي حنيفة وأصحابه، وهو
مذهب الشافعية، وغير المشهور عند المالكية. لما
روي عن أبي هريرة «أول وقتِ العشاءِ حین یغیبُ
الشفقُ، وآخره حين يطلعُ الفجرُ))(٣) والمشهور في
مذهب المالکیة أن آخر وقتها ثلث الليل، لحديث
إمامة جبريل المتقدم، وفيه: أنه صلاهما في اليوم
الثاني في ثلث الليل.
(١) حديث: (( أنه كان يصلي العشاء عند مغيب القمر في الليلة
الثالثة)) أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي من حديث النعمان بن
بشير بلفظ ((أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة صلاة العشاء
الآخرة، كان رسول الله# يصليها لسقوط القمر الثالثة)) قال
ابن العربي: هو حديث صحيح. (تحفة الأحوذي ١/ ٥٠٧ نشر
المكتبة السلفية، وسنن النسائي ١/ ٢٦٤ وسنن أبي داود
٢٩٢،٢٩١/١ ط استانبول، ونيل الأوطار ٩/٢، ١٠ ط
المطبعة العثمانية) ..
(٢) بدائع الصنائع ١٢٤/١
(٣) حديث: (( أول وقت العشاء حين يغيب الشفق، وآخره حين
يطلع الفجر)) الشطر الأول من الحديث أخرجه الترمذي بلفظ
((إن أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق)» ضمن حديث
طويل، وقال عبدالقادر الأرناؤوط: هو حديث حسن.
وأما الشطر الثاني من الحديث أورده ابن حجر في الدراية
بلفظ: ((آخر وقت العشاء حين يطلع الفجر)) وقال: لم أجده،
لكن قال الطحاوي: يظهر من مجموع الأحاديث أن آخر وقت
العشاء حین یطلع الفجر، وذلك أن في حديث ابن عباس وأبي
موسی وأبي سعيد الخدري رووا أنه أخرها إلى ثلث الليل،
وفي حديث أبي هريرة وأنس: أنه أخرها حتى انتصف، وفي
حديث عائشة: أنه أعتم بها حتى ذهب عامة الليل، فثبت أن
الليل كله وقت لها، ويؤيده كتاب عمر إلى أبي موسى: وصلِ
العشاء أي الليل شئت.
=
وحديث أبي قتادة: ((ليس في النوم تفريط)).
- ١٧٥ -

أوقات الصلاة ١٤ - ١٥
وذهب الحنابلة إلى أن آخروقتها الاختياري
ثلث الليل، وبعده إلى طلوع الفجر وقت ضرورة،
بأن يكون مريضا شفي من مرضه، أو حائضا أو
نفساء طهرتا. (١)
انقسام الوقت إلى موسع ومضيق
وبیان وقت الوجوب ووجوب الأداء
١٤ - الوقت الموسع عند الحنفية لكل من الفرائض
هو: من أول الوقت إلى ألا یبقی من الوقت أكثر مما
يسع تكبيرة الإحرام للصلاة، فإذا لم يبق من الوقت
إلا مايسع تكبيرة الإحرام للصلاة فهووقت
مضيق، يحرم التأخير عنه. وعند زفر: يتضيق
الوقت إذا لم يبق إلا مايتسع لركعات الصلاة.
أما وقت الوجوب فهو من أول الوقت إلی ماقبل
خروجه بزمن يسع تكبيرة الإحرام أو ثلاث ركعات
المغرب مثلا .
وأما وقت وجوب الأداء فهو الوقت الباقي الذي
يسع تكبيرة الإحرام أو ثلاث ركعات المغرب.
هذا الذي ذكرناه هو مذهب الحنفية، (٢) ومنه
يتبين أن وجوب الأداء يتعلق بآخر الوقت، وقبل
آخر الوقت يكون المكلف خيرا بين أداء الصلاة في
أي جزء من أجزاء الوقت وبين عدم أدائها .
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن وجوب الأداء
= (سنن الترمذي ١/ ٢٨٣، ٢٨٤ ط الحلبي. وجامع الأصول
٢١٤/٥، ٢١٥، والدراية ١٠٣/١ ط الفجالة).
(١) بداية المجتهد ٩/١، وجواهر الإكليل ٣٣/١، وقليوبي
١١٤/١، والمغني ٣٨١/١، والمراجع السابقة.
(٢) بدائع الصانع ٩٤/١ - ٩٥
يتعلق بأي جزء من أجزاء الوقت ولا يتعلق بآخر
الوقت.(١)
ويظهر أثر الخلاف في مقيم سافر في آخر وقت
الظهر، فعند الحنفية حين يقضي الظهر يقضيه
رکیتین، لأن وجوب الأداء يتعلق بآخر الوقت، وهو
في آخر الوقت كان مسافرا، فيقضي صلاة
المسافرين. وعند غير الحنفية يقضي الظهر أربعا،
لأن وجوب الأداء يتعلق بالجزء الأول من الوقت
ومابعده، وهو في الجزء الأول من الوقت كان مقيما
فوجب عليه قضاء صلاة المقيمين.
ومثل ذلك عند الحنفية إذا حاضت المرأة أو
نفست في آخر الوقت أوجن العاقل أو أغمي عليه
في آخر الوقت لا يجب عليهم قضاء هذا الفرض إذا
زال المانع، لأن وجوب الأداء يتعلق بآخر الوقت،
وهؤلاء جميعا ليسوا أهلا للخطاب في آخر الوقت،
وحيث لم يجب عليهم الأداء لم يجب عليهم
القضاء.
الأوقات المستحبة الصلوات المفروضة :
وقت الصبح المستحب : (٢)
١٥ - ذهب الحنفية إلى أنه يستحب الإِسفار بالفجر
أي تأخيره إلى أن ينتشر الضوء ويتمكن كل من
يريد الصلاة بجماعة في المسجد من أن يسير في
الطریق بدون أن یلحقه ضرر، کأن تزل قدمه، أو
يقع في حفرة، أو غير ذلك من الأضرار التي تنشأ
(١) القليوبي ١١٥/١، ١١٧، والمغني ٣٩٧/١
(٢) المستحب: هو مافعله النبي8# أو رغب فيه ولم يوجبه، ولم
یواظب عليه .
- ١٧٦ -

أوقات الصلاة ١٥ - ١٦
من السير في الظلام، والدليل على ذلك قوله {آلات :
(أُسْفِرُوا بالفجرِ فإنّهُ أَعْظَمُ لِلأجر)).(١)
ولأن في الإِسفار تکثیرا للجماعة، وفي التغلیس
أي السير في الظلمة تقليلها، فكان أفضل، هذا في
حق الرجال، أما النساء فإنهن يصلين في بيوتهن
أول الوقت، ويستوي في ذلك الشابات والعجائز،
لاسيما في هذا الزمان الذي ظهر فيه الفساد في البر
والبحر.
وكذلك الحاج في مزدلفة فجريوم النحر، يصلي
الفجر بغلس في أول الوقت، ليتفرغ لواجب
الوقوف الذي يبدأ بطلوع الفجر الثاني يوم النحر
وآخره طلوع الشمس منه، لأن الوقوف واجب من
واجبات الحج. (٢)
وذهب جمهور الفقهاء(٣) إلی أن التغلیس - أي
السير في الظلام - أفضل، لما روي عن عائشة
رضي الله عنها قالت: ((كُنَّ نساءَ المؤمناتِ يَشْهَدن
مع رسولِ اللهِوَ﴿ صلاة الفجرِ مُتَلَّفِّعاتٍ
بمروطِهِنّ، ثم يَنْقَلِيْنَ إلى بيوتِنَّ حين يَقْضِينَ
الصلاةَ لا يَعْرِفهن أحدٌ من الغَلَسِ))(٤)
(١) حديث: ((أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر ... )) أخرجه أبو
داود والترمذي واللفظ له وقال: هذا حديث حسن صحيح. قال
الحافظ ابن حجر في الفتح: رواه أصحاب السنن وصححه غير
واحد (سنن أبي داود ١/ ٢٩٤ ط استانبول، وتحفة الأحوذي
٤٧٧/١ - ٤٧٩ نشر المكتبة السلفية، وفتح الباري ٥٥/٢ ط
السلفية).
(٢) حاشية الطحطاوي على المراقي ص٩٨، وابن عابدين ١٧٨/٢
ط الأولى، وبدائع الصنائع ١/ ١٢٥
(٣) بلغة السالك ٧٣/١، والإقناع ٣٧٨/١ - ٣٧٩، والمغني
٤٠٥/١
(٤) حديث عائشة رضي الله عنها: ((كن نساء المؤمنات)) أخرجه
البخاري (فتح الباري ٢ / ٥٤ ط السلفية)
١٦ - أما وقت الظهر المستحب، فقد ذهب
الحنفية، وهو مذهب الحنابلة إلى الإِبراد بظهر
الصيف، والتعجيل بظهر الشتاء، إلا في يوم غيم
فیؤخر. (١)
ومعنى الإِبراد بالظهر تأخيره إلى أن تخف حدة
الحر، ويتمكن الذاهبون إلى المسجد من السير في
ظلال الجدران، وإنما كان التأخير أفضل لقوله الخير
(أَبْرِدُوا بالظهرِ فإنّ شدة الحرِّ من فيحِ جهنم)(٢)
ولأن في التأخير تكثير الجماعة، وفي التعجيل
تقليلها فكان أفضل. أما ظهر الشتاء فيستحب
تعجيله، لأن الصلاة في أول وقتها رضوان الله،
ولا مانع من التعجيل، لأن المانع من التعجيل في
ظهر الصيف لحوق الضرر بالمصلين، الأمر الذي
يؤدي إلى تقليل الجماعة، وهذا المانع غير موجود
في ظهر الشتاء، فكان التعجيل أفضل. أما في يوم
الغيم فيؤخر، مخافة أن يصلى الظهر قبل دخول
وقته. (٣)
وذهبت المالكية إلى أن التعجيل أفضل صيفا
وشتاء إلا لمن ينتظر جماعة، فيندب التأخير بربع
القامة، أما في شدة الحر فیندب التأخير حتى يبلغ
الظل نصف قامة . (٤)
والمراد بربع القامة أو نصفها - اللذين یندب
(١) المراجع المذكورة للحنفية والحنابلة في أوقات الصلاة.
(٢) حديث: ((أبسردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم ... ))
سبق تخريجه (ف/٨)
(٣) واللجنة ترى أن هذا إذا لم يكن هناك ضوابط للوقت كالساعات
وغيرها.
(٤) بلغة السالك ٧٣/١
- ١٧٧ -

أوقات الصلاة ١٧ - ٢٠
التأخير إليها عند المالكية - ربع المثل أو نصفه.
وذهب الشافعیة إلی أنه إن کان يصلي وحده
یعجل، وإن كان يصلي بجماعة يؤخر حتی یکون
للحيطان ظل يمشي فيه طالب الجماعة، بشرط أن
یکون في بلد حار کالحجاز. (١)
١٧ - أما وقت العصر المستحب : فعند الحنفية(٢)
يستحب تأخيرها مالم تتغير الشمس، لأن النبي
م* كان يؤخر العصر مادامت الشمس بيضاء
نقية(٣) وليتمكن من التنفل قبلها، لأن التنفل
بعدها مكروه.
وذهب جمهور الفقهاء إلى استحباب تعجیلها،
لقوله {َّ: ((الوقتُ الأولُ من الصلاةِ رضوان الله،
والوقتُ الآخرُ عَفْوُ الله))(٤)
١٨ - أما وقت المغرب المستحب: فلا نعلم خلافا
بين الفقهاء في استحباب تعجيلها، لقوله {ياچ :
(لا تزالُ أمتي بخير - أوقال على الفطرة - مالم
(١) الإقناع ٣٩٨/١ - ٣٩٩
(٢) ابن عابدين ٢٤٦/١، ٢٤٧
(٣) حديث أن النبي # «كان يؤخر العصر مادامت الشمس بيضاء
نقية ... )). أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري. (عون
المعبود ١٥٨/١ ط الهند، ومختصر سنن أبي داود للمنذري
١/ ٢٤٠ نشر دار المعرفة).
(٤) حديث: «الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر
عفو الله)) أخرجه الترمذي والبيهقي من طريق يعقوب بن الوليد
المدني، وقال البيهقي: هذا الحديث يعرف بيعقوب بن الوليد
المدني، ويعقوب منكر الحديث، ضعفه يحيى بن معين، وكذبه
أحمد بن حنبل، وسائر الحفاظ نسبوه إلى الوضع، وقد روي
بأسانيد أخر كلها ضعيفة. (سنن الترمذي ١/ ٣٢١ ط الحلبي،
والسنن الكبرى للبيهقي ١/ ٤٣٥ ط الهند، ونصب الراية
١/ ٢٤٢، ٢٤٣)
يؤخروا المغربَ إلى أن تشتبكَ النجومُ))(١)
ويستحب تأخيرها في يوم الغيم مخافة أن تصلى
قبل دخول وقتها . (٢)
١٩ - أما وقت العشاء المستحب: فعند الحنفية
يستحب تأخير العشاء إلى ماقبل ثلث الليل،
لقول النبي ﴿: ((لولا أن أشقَّ على أمتي لُأَخَّرْتُ
العشاءَ إلى ثُلُثِ الليل أو نِصْفِه))، (٣) والتأخير إلى
النصف مباح، وبعد النصف مكروه كراهة
تحريمية .
والمكروه تحريما عند الحنفية مايعاقب على فعله
عقابا أقل من عقاب تارك الفرض، أعني أنه يكون
بترك واجب عمدا.
ويستحب تعجيلها في يوم الغيم مظنة المطر أو
البرد، لأنهما يؤديان إلى تقليل الجماعة. وذهب
الحنابلة إلى أنه يستحب تأخيرها إلى آخر الوقت
إن لم يشق على المصلين، لحديث: ((لولا أن أشق
على أمتي ... )) الذي تقدم ذكره قريبا.
أما أوقات الاستحباب عند المالكية والشافعية
فقد تقدمت .
أوقات الصلوات الواجبة والمسنونة
٢٠ - الصلوات الواجبة - غير الفرض - التي لها
وقت معين، هي: الوتر عند أبي حنيفة والعيدان.
أ - أما الوتر: فقد ذهب أبو حنيفة إلى أن مبدأ وقت
(١) حديث: ((لا تزال أمتي بخير ... )) أخرجه أبو داود وسكت
عنه، وقال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: إسناده
حسن. (عون المعبود ١٦١/١ ط الهند، وجامع الأصول
٢٣٣/٥) وانظر المراجع المذكورة سابقا.
(٢) المراجع المذكورة، والبدائع ١٢٣/١، والمغني ٣١٩/١
(٣) حديث: ((لولا أن أشق ... )) سبق تخريجه (ف/ ١٢)
- ١٧٨ -

أوقات الصلاة ٢٠ - ٢١
الوتر هو بعينه مبدأ وقت العشاء، وهو مغيب الشفق
الأبيض، إلا أنه لا يصلى الوتر قبل العشاء
للترتیب اللازم بينهما. وذهب الصاحبان إلى أن
مبدأ وقته بعد صلاة العشاء، وهو مذهب جمهور
الفقهاء. (١)
استدل أبو حنيفة بدليل معقول، وهو أنه لولم
يصل العشاء حتى طلوع الفجر، لزمه قضاء الوتر
والعشاء باتفاق، ولو كان وقته بعد صلاة العشاء لم
يلزمه قضاء الوتر، لأن لم يتحقق وقته، لأن وقته بعد
صلاة العشاء، وهو لم يصلها، ويستحيل أن تنشغل
ذمته بصلاة الوتر بدون فعل العشاء، فدل ذلك
على أن وقته هو وقت العشاء.
واستدل الجمهور بقوله وَله : ((إنَّ الله زادَكم
صلاةً، فصلوها فيما بين العشاءِ إلى صلاةٍ الصبح:
الوتر، الوتر))(٢) وكلمة (بين) في الحديث تدل على
أن الوتر بعد العشاء.
والخلاف بين الجمهور وبين أبي حنيفة حقيقي،
يظهر أثره في حال ما إذا صلى العشاء بغير وضوء
ناسيا، ثم توضأ وصلى الوتر، ثم تذكر أنه صلى
العشاء بغير وضوء، فعند أبي حنيفة يعيد العشاء
دون الوتر، لأنه صلى العشاء بغير وضوء، أما الوتر
(١) انظر حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص٢٨٨،
وابن عابدين ٢٤١/١، ٢٤٧، وجواهر الإكليل ٧٥/١،
وقليوبي ٢١٢/١، والمغني ٢/ ١٦١
(٢) حديث: ((إن الله زادكم صلاة فصلوها فيما بين العشاء إلى
صلاة الصبح الوتر الوتر ... ) روي بعدة طرق منها ما أخرجه
أحمد والطبراني في الكبير من حديث أبي بصرة الغفاري، قال
الهيثمي: له إسنادان عند أحمد، أحدهما رجاله رجال الصحيح
عدا علي بن إسحاق السلمي شيخ أحمد وهو ثقة. (مجمع الزوائد
٢٣٩/٢ نشر مكتبة القدسي، ونصب الراية ١٠٨/٢
ومابعدها).
فلا يعيده، لأنه صلاه في وقته بوضوء، وعند
الجمهور یعید الوتر والعشاء. أما الوتر فلأنه صلاه
في غير وقته، وأما العشاء فلأنه صلّاها بغير
وضوء. (١)
أما نهاية وقت الوتر فهو طلوع الفجر الصادق
لا نعلم خلافا في ذلك، لحديث: ((إن الله زادكم
صلاة ... )) الذي تقدم ذكره.(٢)
ب - أما العيدان فوقتهما بعد طلوع الشمس
وارتفاعها قد رمح أو رمحين، ويختلف وقتهما
باختلاف الأمكنة .
وأما نهاية وقتهما فزوال الشمس من وسط
السماء، وهذا مما لا نعلم فيه خلافا.
٢١ - أما السنن التى لها وقت معين وتسمى السنن
الراتبة المؤكدة التي تطلب كل يوم، فعند
أبي حنيفة وأصحابه: اثنتا عشرة ركعة في اليوم
والليلة، وهي ركعتان قبل الفجر، وأربع قبل
الظهر، وركعتان بعده، وركعتان بعد المغرب،
وركعتان بعد العشاء، وفي يوم الجمعة يصلى أربع
ركعات قبل الجمعة، وأربعا بعدها، فتكون
الركعات المطلوبة في يوم الجمعة أربع عشرة ركعة،
بخلاف سائر الأيام، فإِن المطلوب فيها في کل یوم
اثنتا عشرة ركعة .
والأصل في هذه السنن ما روي عن عائشة
رضي الله عنها من قوله { ﴿: ((مَنْ ثَابَرَ على اثْنَتي
عشرة ركعةً في اليومِ والليلةِ بَنَّى الله له بيتا في
الجنة: ركعتين قبلَ الفجر، وأربعٍ قبلَ الظهر،
(١) بدائع الصنائع ٢٧٢/١
(٢) المراجع السابقة .
- ١٧٩ -

أوقات الصلاة ٢١ - ٢٣
وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب، وركعتين
بعد العشاءِ))(١)
وأما الأربع التي بعد الجمعة فدليلها قوله مخاطر :
(مَنْ كان منكم مُصَلِياً بعد الجمعةِ فَلْيُصَلِّ
أربعاً». (٢)
وذهب مالك إلی أن المطلوب أن تصلى ركعتا
الفجر. قال: وتأكد النفل قبل الظهر وبعدها،
وقبل العصر، وبعد المغرب والعشاء فلاحد في
الجميع، ويكفي في تحصيل الندب ركعتان .
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن المسنون من
الصلوات عشر ركعات: ركعتان قبل الصبح،
وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعده، وركعتان بعد
كل من المغرب والعشاء. (٣) لحديث ابن عمر
رضي الله عنهما: ((حفظت عن رسول الله صلإر عشرَ
ركعاتٍ: ركعتين قبل الظهر، وركعتین بعده،
وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين قبل العشاء
في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح)). (٤)
(١) حديث: ((من ثابر على ثنتي عشرة ركعة ... )) أخرجه الترمذي
(٢٧٣/٢ ط الحلبي، والنسائي ٣/ ٢٦٠، ٢٦١ ط المطبعة
المصرية، وابن ماجة ٣٦١/١ ط الحلبي من حديث عائشة
رضي الله عنها مرفوعا وإسناده حسن. كما قال المباركفوري
وشعيب الأرناؤوط (تحفة الأحوذي ٤٦٧/٢ نشر السلفية،
وشرح السنة بتحقيق شعيب الأرناؤوط ٤٤٤/٣) وفي الباب عن
أم حبيبة وأبي هريرة وأبي موسى وابن عمر. قال الترمذي
وحديث أم حبيبة من طريق عنبسة حديث حسن صحيح.
(٢) حديث: ((من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا ... ))
أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا
(صحيح مسلم ٢/ ٦٠٠ ط الحلبي). وانظر البدائع ٢٨٤/١.
(٣) الإقناع ٣٩٠/١ - ٣٩١، والمغني ٧٦٢/١، وبلغة السالك
٧٧١/١ .
(٤) حديث ابن عمر ((حفظت عن رسول الله(8# عشر=
٢٢ - أما المندوب عند الحنفية فأربع قبل العصر
وقبل العشاء وبعده، وست بعد المغرب. (١)
وذهبت الشافعية إلى أن غير المؤكد أن يزيد
ركعتين قبل الظهر وبعدها، ويندب أربع قبل
العصر، واثنتان قبل العشاء. ولتفصيله ورأي بقية
المذاهب ارجع إلى المندوب من الصلوات في (باب
النوافل).
أوقات الكراهة
أولا - أوقات الكراهة لأمر في نفس الوقت
عدد أوقات الكراهة :
٢٣ - ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن
عددها ثلاثة: عند طلوع الشمس إلى أن ترتفع
بمقدار رمح أورمحين، وعند استوائها في وسط
السماء حتى تزول، وعند اصفرارها بحيث لا تتعب
العين في رؤ يتها إلى أن تغرب. واستثنى الشافعية
الصلاة بمكة ويوم الجمعة كما يأتي. (٢)
وإنما كانت هذه الأوقات أوقات كراهة، لأن
الشمس تطلع وتستوي وتصفر بين قرني الشيطان
فتكون الصلاة في هذه الأوقات تشبها بمن يعبدون
الشمس، لأنهم يعبدونها في هذه الأوقات. يدل
على ذلك ما أخرجه مالك في الموطأ والنسائي أن
رسول الله صل﴿ قال: ((إن الشمس تطلع ومعها قرن
الشيطان، فإذا ارتفعت فارَقَها، ثم إذا استوت
= ركعات ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٨/٣ ط
السلفية).
(١) البدائع ٢٩٠/١
(٢) ابن عابدين ٢٤٦/١، والمغني ٧٥٣/١، والبجيرمي على
الإقناع ١٠٩/٢ ومابعدها .
- ١٨٠ -
الموسوعة الفقهية الكويتية — pages 161-180 | ScribeTools Library