النص المفهرس
صفحات 141-160
أهل الكتاب ٣ - ٤
وغيرهم. وعلى ذلك فأهل الكتاب من الكفار.
فالكفار أعم من أهل الكتاب، لأنه يشمل أهل
الکتاب وغیرهم.(١)
ب - أهل الذمة :
٣ - أهل الذمة هم: المعاهدون من اليهود
والنصارى وغيرهم ممن يقيم في دار الإسلام.
ويقرون على كفرهم بشرط بذل الجزية والتزام
أحكام الإسلام الدنيوية.(٢)
فلا تلازم بين أهل الذمة وأهل الكتاب، فقد
یکون ذمیا غیر کتابی، وقد یکون كتابيا غير ذمي،
وهم من كان في غير دار الإسلام من اليهود
والنصارى.
التفاوت بين أهل الكتاب :
٤ - اتفق الفقهاء على أن أهل الكتاب (اليهود
والنصارى) إذا قوبلوا بالمجوس. فالمجوسية شر، (٣)
وأما اليهودية إذا قوبلت بالنصرانية فاختلفت آراء
الفقهاء والمفسرين على الاتجاهات التالية:
الاتجاه الأول : أنه لا تفاوت بين هاتين
الفرقتين. وهذا هو المتبادر من أقوال أصحاب
التفاسير والفقهاء، الذين تكلموا في هذه المسألة
ممن رتبوا أحکاما فقهية كثيرة على اليهود والنصارى
دون أي تفرقة بینهما، وعلى حد سواء، مثل: جواز
المناکحة فيما بينهم، كأهل المذاهب فيما بين
المسلمين، وجواز شهادة بعضهم على بعض،
(١) المغني ٤٩٦/٨
(٢) القاموس وكشاف القناع ١١٦/٣
(٣) المبسوط ٤٨/٥، وفتح القدير ٢٨٧/٣
وجواز أكل ذبيحتهم، وحل نكاح نسائهم
للمسلمين، وغير ذلك من الأحكام الفقهية،
لأنهم أهل ملة واحدة وإن اختلفت نحلهم، ولأنه
يجمعهم اعتقاد الشرك والإنكار لنبوة سيدنا
محمد ﴾. (١)
الاتجاه الثاني : أن النصرانية شرمن اليهودية.
وهذا ماذكره بعض فقهاء الحنفية، منهم ابن نجيم
وصاحب الدرر وابن عابدین، وإليه ذهب بعض
المفسرين، وفرعوا على هذا الفرق بقولهم: يلزم
على هذا كون الولد المتولد من يهودية ونصراني أو
عكسه تبعا لليهودي لا النصراني.
وفائدته خفة العقوبة في الآخرة، حيث أن في
الآخرة يكون النصراني أشد عذابا، لأن نزاع
النصارى في الإلهيات، ونزاع اليهود في النبوات.
وكذا في الدنيا، لما ذكره الولوالجي من كتاب
الأضحية أنه: يكره الأكل من طعام المجوسي
والنصراني، لأن المجوسي يطبخ المنخنقة والموقوذة
والمتردیة، والنصراني لا ذبيحة له، وإنما یأکل
ذبيحة المسلم أو يخنقها، ولا بأس بطعام اليهودي،
لأنه لا يأكل إلا من ذبيحة اليهودي أو المسلم،
فعلم أن النصراني شر من اليهودي في أحکام الدنيا
أيضا. (٢)
والاتجاه الثالث: ماذكره في الذخيرة، منقولا
عن الخلاصة أيضا، وهو قول لبعض المفسرين: أن
(١) المبسوط ٤/ ٢١٠، و٣٢/٥، ٣٨، ٤٤، والمغني ٨/ ٥٦٧،
٥٦٨، وروضة الطالبين ٧/ ١٣٥، ١٣٦، والخطاب ٤٤٧/٣،
والمدونة الكبرى ٣٠٦/٤
(٢) ابن عابدين ٣٩٥/٢، والبحر الرائق ٢٢٥/٣، ٢٢٦، وشرح
الدرر ٢٣٥/١، والتفسير الكبير ٦٧/١٢
- ١٤١ -
أهل الكتاب ٥ - ٦
کفر اليهود أغلظ من كفر النصارى، لأنهم يحجدون
نبوة نبينا عليه السلام ونبوة عيسى عليه السلام،
وكفر النصارى أخف لأنهم يجحدون نبوة نبي
واحد، ولأن اليهود أشد جميع الناس عداوة
للمؤمنين، وأصلبهم في ذلك، وأما النصارى فهم
ألين عريكة من اليهود، وأقرب إلى المسلمين
منهم.(١)
عقد الذمة لأهل الكتاب :
٥ - يجوز الإِمام المسلمين أو نائبه أن يبرم عقد الذمة
مع أهل الكتاب، على الخلاف السابق في المراد
بهم، واختلف في غيرهم من الكفار، ودليل
الاتفاق على جواز عقد الذمة لأهل الكتاب قوله
تعالی: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم
الآخر ولا يُحَرِّمُون ماحَرَّم اللهُ ورسولُهُ ولا يَدِينُونَ
دينَ الحقِّ من الذين أوتوا الكتابَ حتى يُعْطُوا
الجزية عن يد وهم صاغرون﴾.(٢) ویترتب على
العقد أن يلتزموا أحكام الإِمام، والمراد بالتزام
الأحکام: قبول ما یحکم به عليهم من أداء حق أو
ترك محرم، وأن يعطوا الجزية عن يد وهم
صاغرون، والمراد بالإِعطاء: التزامه والإِجابة إلى
بذله، لا حقيقة الإِعطاء ولا جريان الأحكام
فعلا، وبالعقد تعصم دماؤهم وأموالهم، لأن عقد
الذمة كالخلف عن الإِسلام في إفادة العصمة . (٣)
وقال المالكية والشافعية: إذا طلب أهل الكتاب
(١) سورة التوبة / ٢٩
(٢) المصادر السابقة، وفتح القدير للشوكاني ٢/ ٦٣، ٦٥
(٣) الكاساني ١١١/٧، والمغني ٨/ ٥٠٠، والخرشي ١٤٣/٣ -
١٤٤
عقد الذمة، وكان فيه مصلحة للمسلمين، وجب
على الإمام إجابتهم إليه.(١)
ولتفصیل أحكام عقد الذمة، وما ينعقد به،
ومقدار الجزية، وعلى من تفرض، وبم تسقط، وما
ينتقض به عقد الذمة يرجع إلى مصطلح (أهل
الذمة) و(جزية).
ذبائح أهل الكتاب :
٦ - قال ابن قدامة : أجمع أهل العلم على إباحة
ذبائح أهل الكتاب، لقول الله تعالى: ﴿وطعامُ
الذين أوتوا الكتاب حِلَّ لكم﴾(٢) يعني ذبائحهم.
قال ابن عباس: طعامهم ذبائحهم، وكذلك
قال مجاهد وقتادة، وروي معناه عن ابن مسعود.
وأكثر أهل العلم یرون إباحة صيدهم أيضا،
قال ذلك عطاء والليث والشافعي وأصحاب
الرأي، ولا نعلم أحدا ثبت عنه تحریم صید أهل
الكتاب.
ولا فرق بين العدل والفاسق من المسلمين وأهل
الكتاب.
ولا فرق بين الحربي والذمي في إباحة ذبيحة
الکتابي منهم، وتحریم ذبیحة من سواه. وسئل
أحمد عن ذبائح نصاری أهل الحرب فقال: لا بأس
بها. وقال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ
عنه من أهل العلم، منهم مجاهد والثوري
والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب
الرأي، ولا فرق بين الكتابي العربي وغيرهم،
لعموم الآية فيهم.
فإن كان أحد أبوي الكتابي ممن لا تحل
(١) المهذب ٢/ ٢٥٣
(٢) سورة المائدة / ٥
- ١٤٢ -
أهل الكتاب ٧ - ٩
ذبيحته، والآخر ممن تحل ذبيحته، قال الحنابلة:
لا يحل صيده ولا ذبيحته. وقال الشافعي : إن كان
الأب غیر کتابي لا تحل، وإن كان الأب كتابيا ففيه
قولان: أحدهما: تباح، وهو قول مالك وأبي ثور.
والثاني: لا تباح، لأنه وجد ما يقتضي التحريم
والإِباحة، فغلب ما يقتضي التحريم.
وقال أبو حنيفة : تباح ذبيحته بكل حال لعموم
النص، ولأنه كتابي يقر علی دینه، فتحل ذبيحته،
كما لو کان ابن کتابیین.
وأما إن كان ابن وثنیین أو مجوسیین (وهو من أهل
الكتاب) فمقتضى مذهب الأئمة الثلاثة تحریمه،
ومقتضى مذهب أبي حنيفة حله، لأن الاعتبار
بدین الذابح لا بدین أبيه، بدليل أن الاعتبار في
قبول الجزية بذلك، ولعموم النص والقياس(١)
وأما ذبح الكتابي لما يملكه المسلم، فقد اختلف
فقهاء المالكية في إباحة ذلك أومنعه على قولين،
وجعل ابن عرفة الكراهة قولا ثالثا، والراجح من
تلك الأقوال القول بالكراهة . (٢)
أما غير المالكية فلم نعثر لهم على نص في
ذلك، وإنما أطلقوا القول في حل ذبيحة الکتابي کما
سبق. ولم يفصلوا كما فصل المالكية. والظاهر من
عباراتهم الحل.
نكاح نساء أهل الكتاب :
٧ - فقهاء المذاهب متفقون على جواز نكاح المسلم
(١) المغني ٨/ ٥٦٧، ٥٦٨
(٢) حاشية الدسوقي ١٠٢/٢
للكتابية للآية السابقة ﴿والمحصناتُ من الذين
أوتوا الكتاب من قَبْلکم﴾(١) وروي عن أحمد تحریم
نكاح نساء نصاري بني تغلب. والصحيح عنه:
أنهم كغيرهم من أهل الكتاب. وعن ابن عباس
أنه خص الجواز بنساء أهل العهد دون أهل
الحرب. والجمهور على أنه لا فرق بين الحربية
وغيرها. (٢)
وانظر للتفصيل مصطلح (نكاح).
استعمال آنية أهل الكتاب :
٨- ذهب الحنفية والمالکیة، وهو أحد قولین عند
الحنابلة: إلى جواز استعمال آنية أهل الكتاب إلا
إذا تيقن عدم طهارتها. وصرح القرافي المالكي بأن
جميع ما يصنعه أهل الكتاب من الأطعمة وغيرها
محمول على الطهارة. ومذهب الشافعية، والرواية
الأخرى عند الحنابلة: أنه یکره استعمال أواني أهل
الكتاب، إلا أن يتيقن طهارتها فلا كراهة، وقد
سبق تفصيل الأحكام في مصطلح (آنية)(٣)
دية أهل الكتاب :
٩ - دية الكتابي نصف دية المسلم عند مالك
وأحمد، والمرأة منهم على النصف من ذلك، وعند
الشافعية دية الكتابي ثلث دية المسلم، ودية المرأة
(١) سورة المائدة / ٥
(٢) الجصاص ٣٩١/١ -٣٩٦، والشرح الكبير ٢/ ٣٦٧، ونهاية
المحتاج ٢٨٤/٦، والمغني ١٧/٨، والقرطبي ٧٩/٦
(٣) الموسوعة الفقهية - الكويت ١٤/١ - ١٥
- ١٤٣ -
أهل الكتاب ١٠ - ١١
نصف ذلك، وعند الحنفية دیته كدية المسلم، (١)
وراجع مصطلح: (دية).
مجاهدة أهل الكتاب :
١٠ - قال الله تعالى: ﴿قاتِلوا الذينَ
لا يؤمنون بالله ولا باليومِ الآخِر ولا يُحَرِّمُونَ
ماحرَّم الله ورسولُهُ ولا يَدِینونْ دینَ الحَقِّ مِنَ الذین
أوتوا الكتابَ حتى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وهم
صاغرون﴾.(٢)
أمر الله تعالى بمقاتلة جميع الكفار لإجماعهم
على الكفر، وخص أهل الكتاب بالذكر لتعاظم
مسئوليتهم، لما أوتوا من كتب سماوية، ولكونهم
عالمين بالتوحيد والرسل والشرائع والملل، وخصوصا
ذكر محمد# وملته وأمته، فلما أنكروه تأكدت
عليهم الحجة، وعظمت منهم الجريمة، فنبه على
محلهم، ثم جعل للقتال غاية، وهي إعطاء الجزية
بدلا من القتل. (٣)
ولا خلاف بين الفقهاء في أن الجزیة تؤخذ من
اليهود والنصارى إذا طلبوا الكف عن القتال، لكن
الخلاف في غيرهم على تفصيل ينظر في (أهل
الحرب، وأهل الذمة، وجزية).
وقال الحنابلة: إن قتال أهل الكتاب أفضل من
قتال غيرهم، وكان ابن المبارك يأتي من مرولغزو
الروم، فقيل له في ذلك، فقال: هؤلاء يقاتلون
على دين. (٤)
(١) الكاساني ٧/ ٢٣٧، والشرح الكبير ٢٣٨/٤، والمهذب
١٧٣/٢، وكشاف القناع ٦/ ٢١
(٢) سورة التوبة / ٢٩
(٣) تفسير القرطبي ١٠٩/٨ - ١١٠
.(٤) المغني ٨/ ٣٥٠
وقد روي عن النبي ﴾ أنه قال لأم خلاد: ((إن
ابنك له أجر شهيدين، قالت: ولمَ ذلك
يا رسول الله؟ قال: لأنه قتله أهل الكتاب». (١)
الاستعانة بأهل الكتاب في القتال:
١١ - ذهب الحنفية، والحنابلة في الصحيح من
المذهب، والشافعية ماعدا ابن المنذر، وابن حبيب
من المالكية، وهو رواية عن الإِمام مالك إلى : جواز
الاستعانة بأهل الكتاب في القتال عند الحاجة. (٢)
لما روي أن النبي 18: ((استعان في غزوة حنين سنة
ثمان بصفوان بن أمية وهو مشرك)»(٣)
وصرح الشافعية والحنابلة بأنه يشترط أن يعرف
الإِمام حسن رأيهم في المسلمين ويأمن خيانتهم،
فإن كانوا غير مأمونين لم تجز الاستعانة بهم، لأننا إذا
منعنا الاستعانة بمن لا يؤمن من المسلمين مثل
(١) حديث: ((إن ابنك ... )) أخرجه أبو داود في الجهاد
(٢٤٨٨/١٣/٣) ط الدعاس، وفي سنده عبدالخبير وفرج بن
فضالة. قال المنذري: وقال البخاري: عبدالخبير عن أبيه عن
جده ثابت بن قيس عن النبي # روى عنه فرج بن فضالة،
حديثه ليس بالقائم، فرج عنده مناكير. وقال أبو حاتم الرازي:
عبدالخبير حديثه ليس بالقائم، منكر الحديث. وقال ابن عدي:
وعبدالخبير ليس بالمعروف. (مختصر سنن أبي داود ٣٥٩/٣ ط.
دار المعرفة).
(٢) ابن عابدين ٢٣٥/٣، والمبسوط ٣٣/١٠، وفتح القدير
٢٤٢/٥، ٢٤٣، والحطاب ٣٥٢/٣، وروضة الطالبين
٢٣٩/١٠، ومغني المحتاج ٤/ ٢٢١، والإنصاف ٤/ ١٤٣،
والمغني ٤١٤/٨
(٣) حديث: ((استعان في غزوة حنين ... )) أخرجه ابن هشام
(٨٦/٤ ط الحليبي). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٨٠):
ورواه البزار باختصار، وفيه ابن اسحق وقد صرح بالسماع في
رواية أبي يعلى، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح.
- ١٤٤ -
أهل الكتاب ١٢ - ١٣
المخذل والمرجف، فالكافر أولى . (١)
كما شرط الإِمام البغوي وآخرون شرطا آخر،
وهو: أن يكثر المسلمون، بحيث لوخان المستعان
بهم، وانضموا إلی الذین یغزونهم، أمكنهم
مقاومتهم جميعا.
وشرط الماوردي: أن يخالفوا معتقد العدو،
کاليهود والنصارى. (٢)
ویری المالکیة ماعدا ابن حبيب، وجماعة من
أهل العلم، منهم ابن المنذر والجوزجاني: أنه
لا تجوز الاستعانة بمشرك، لقوله عليه الصلاة
والسلام ((فارجع فلن أستعين بمشرك)). (٣)
ولا بأس أن يكونوا في غير المقاتلة، بل في خدمات
الجيش. (٤) ولتفصيل ذلك (ر: جهاد).
ترك أهل الكتاب ومايدينون :
١٢ - إن كان أهل الكتاب أهل ذمة في دار
الإِسلام، فتجري عليهم أحكام المسلمين في
حقوق الآدميين في العقود والمعاملات وغرامات
المتلفات، ويتركون وما يدينون فيما يتعلق
بعقائدهم وعباداتهم بشروط. وتفصيل ذلك في
مصطلح (أهل الذمة).
الأحكام المشتركة بين أهل الكتاب والمشركين:
١٣ - يشترك أهل الكتاب والمشركون في أحكام
منها:
(١) روضة الطالبين ٢٣٩/١٠، والمغني ٤١٤/٨، وكشاف القناع
٤٨/٣
(٢) روضة الطالبين ٢٣٩/١٠
(٣) حديث: (( ... فارجع فلن أستعين بمشرك ... )) أخرجه مسلم
في الجهاد (١٨١٧/١٤٤٩/٣).
(٤) الخطاب ٣٥٢/٣، والمدونة الكبرى ٣/ ٤٠، وفتح القدير
٢٤٢/٥، ٢٤٣، والمغني ٤١٤/٨
أ - أنه يمنع المشركون وأهل الكتاب من دخول
الحرم، ولو دخل المشرك الحرم متسترا ومات، نبش
قبره، وأخرجت عظامه، فليس لهم الاستيطان
ولا الاجتياز.
فإذا جاء رسول منهم خرج الإمام إلى الحل
ليسمع مايقول.
وأما جزيرة العرب، فقال مالك والشافعي :
يخرج من هذه المواضع من كان على غير دين
الإِسلام، ولا یمنعون من التردد مسافرین،
ويضرب لهم أجل للخروج خلال ثلاثة أيام، كما
ضرب عمر رضي الله عنه حین أجلاهم.
وفيما يعتبر من جزيرة العرب ومالا يعتبر،
وأحكام دخول الكفار إليها ينظر (أرض العرب).
ب - ومنها أن يمنع أهل الكتاب والمشركون من
دخول المساجد كلها، وبذلك کتب عمر بن
عبدالعزيز إلى عماله مستدلا بالآية ﴿إنَّما المشركونَ
نجسُ﴾(١) ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿في بیوپ
أَذِنَ الله أنْ تُرْفَعَ﴾(٢) إلخ، ودخول الكفار فيها
یناقض رفعها.
وعند الإمام الشافعي أن الآية عامة في جميع
المشركين، خاصة بالمسجد الحرام، فلا يمنعون من
غير المسجد الحرام.
وعند الحنفية في دخول المشرکین وأهل الكتاب
المسجد الحرام روايتان: إحداهما في السير الكبير
بالمنع. والثانية في الجامع الصغير بعدم المنع .
وعند الحنابلة أنهم يمنعون من الحرم بكل
حال.
(١) سورة التوبة / ٢٨
(٢) سورة النور / ٣٦
- ١٤٥ -
أهل الكتاب ١٤ - ١٧
فإذا امتنع أهل الكتاب من دفع الجزية يقاتلون
كما يقاتل المشركون، لأنهم إنما يعصمون دماءهم
بدفع الجزية .
فإذا منعوها ساووا المشركين في إهدار دمهم. (١)
جــ ومن الأمور المشترکة ألا يحدثوا معبدا في دار
الإِسلام، وألا يدفن أحد منهم في مقابر
المسلمين. (٢)
ولاية أهل الكتاب على المسلمين :
١٤ - لا ولاية لكافر على مسلم، لا ولاية عامة
ولا خاصة، فلا يكون الكافر إماما على المسلمين،
ولا قاضیا علیهم، ولا شاهدا، ولا ولاية له في
زواج مسلمة، ولا حضانة له لمسلم، ولا یکون ولیا
علیه ولا وصیا.(٣)
والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿لا تَتْخِذَوا
عَدُوِّي وعدوكم أولياءَ تُلْقُون إليهم بالمودَّةِ﴾. (٤)
والتولية شقيقة التولي، فكانت تولیتهم نوعا من
تولیهم، وقد حكم الله تعالى بأن من تولاهم فإِنه
منهم، ولا يتم الإِيمان إلا بالبراءة منهم، والولاية
تنافي البراءة، فلا تجتمع البراءة والولاية أبدا.
والولاية إعزاز، فلا تجتمع هي وإذلال الكفر أبدا.
(١) ابن عابدين ٢٧٧/١، ٢٧٩، ٢٨٣، والقرطبي ١٠٤/٨،
والمهذب ٢٥٧/٢، والمغني ٥٣١/٨
(٢) ابن عابدين ٢٧١/٣
(٣) ابن عابدين في القضاء والشهادة والنكاح، وكتب باقي المذاهب
في هذه الأبواب.
(٤) سورة الممتحنة / ١
والولاية صلة، فلا تجامع معاداة الكفار. (١)
والتفصيلات يرجع إليها في أبواب النكاح والشهادة
والقضاء، وفي مصطلح (كفر).
بطلان زواج أهل الكتاب بالمسلمات :
١٥ - والأصل في هذا قول الله تعالى: ﴿يا أيها
الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمناتُ مهاجراچٍ
فامتَحِنُوهن اللهُ أعلمُ بإيمانِنّ. فإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ
مؤمناتٍ فِلا تَرْجعوهن إلى الكفارلا هن حلَّ لهم،
ولا هم يحلُّون لهن)، (٢) قال المفسرون في تفسير
الآية قوله ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ الآية: أي
لم يحل الله مؤمنة لكافر، ولا نكاح مؤمن
لمشركة . (٣)
العدل بين الزوجات المسلمات والكتابیات :
١٦ - العدل بين الزوجات - ولو مختلفات في الدین -
واجب. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه
من أهل العلم على أن القسم بين المسلمة والذمية
سواء، وذلك لأن القسم من حقوق الزوجية،
فاستوت فيه المسلمة والكتابية، كالنفقة والسكنى،
وهذا عند جميع الفقهاء. (٤)
حكم التعامل مع أهل الكتاب :
١٧ - التعامل مع أهل الكتاب جائز، فقد ثبت عن
(١) أحكام أهل الذمة لابن القيم ٢٤٢/١ ط دار العلم للملايين،
بیروت.
(٢) سورة الممتحنة / ١٠
(٣) القرطبي ١٨/ ٦٣، ٦٤
(٤) ابن عابدين ٢/ ٤٠٠، والشرح الكبير ٣٣٩/٢، والمهذب
٦٨/٢، والمغني ٣٦/٧
- ١٤٦ -
أهل الكتاب ١٧ ، أهل المحلة ١ - ٢
النبي# أنه ((اشترى من يهودي سلعة إلى
المیسرة»(١) وثبت عنه آل﴾ أنه «اشترى من يهودي
طعاما إلى أجل ورهنه درعه»(٢) ففیه دلیل علی
جواز معاملتهم، وثبت عنه أنه «زارعهم
وساقاهم))(٢) وثبت عنه أنه ((أكل من طعامهم))
وهناك وقائع كثيرة غیر ما ذکر، وهناك تفصيلات في
مشاركتهم يرجع إليها في مواضعها . (٤)
أهل المحلة
التعريف :
١ - أهل المحلة في اللغة: القوم ينزلون بموضع ما
يعمرونه بالإقامة به، ويجمع أهل على أهلين،
وربما قيل: أهالي المحلة.
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى
اللغوي .(*)
(١) حديث: ((اشترى من يهودي سلعة إلى الميسرة ... )) أخرجه
أحمد (الفتح الرباني ١٨٨/١٥) ط-دار الشهاب. وقال البنا
الساعاتي: أخرجه النسائي والحاكم وصححه الحاكم وأقره
الذهبي.
(٢) حديث: ((إن النبي # اشترى من يهودي طعاما ... )) أخرجه
البخاري في الرهن (الفتح ٢٥٠٩/١٤٢٩/٥) ط السلفية.
ومسلم في المساقاة (١٢٢٦/٣) ط الحلبي.
(٣) أحكام أهل الذمة لابن القيم ٢٦٩/١ - ٢٧٠ ط دار الملايين.
(٤) حديث أنه ((ثبت عنه أنه زارعهم وساقاهم ... )) أخرجه
البخاري في الحرث والمزارعة (الفتح ٥/ ٢٣٢٨/١٠) ط
السلفية .
(٥) المصباح المنير، ولسان العرب المحيط، مادة: ((أهل، حلل)).
والبيجوري ٢٣١/٢
الألفاظ ذات الصلة :
أ - العاقلة :
٢ - العاقلة هم: قبيلة الشخص وعشيرته وإن
بعدوا .
وفي المصباح : دافع الدية عاقل، والجمع
عاقلة، وسميت الدية عقلا تسمية بالمصدر، لأن
الإِبل كانت تعقل بفناء ولي القتيل، ثم كثر
الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية، إبلا
كانت أو نقودا. (١)
وأهل المحلة قد تكون بينهم قرابة وقد لا تكون.
ب - القبيلة :
القبيلة : من القبيل الذي يطلق على الجماعة،
ثلاثة فصاعدا من قوم شتی، والقبيلة لغة يراد بها:
بنو أب واحد. (٢) وأهل المحلة قد لا یکونون من
أب واحد.
جـ - أهل الخطة :
يراد بالخطة موضع ما خطه الإِمام ووضحه
لیسکنه القوم. (٣)
د - أهل السكة :
السكة والشارع : مايكون بين البيوت من فراغ
تمر به المشاة والدواب وغيرها .
(١) المصباح المنير مادة: ((عقل))، ونيل الأوطار ٨٦/٧
(٢) لسان العرب المحيط، والزاهر في ألفاظ الشافعي ص ٤٢٢،
والمصباح المنير.
(٣) المغني ٦٥/٨
- ١٤٧ -
أهل المحلة ٣
أحكام أهل المحلة :
٣ - لأهل المحلة أحكام تختلف تبعا لما يضاف
إلیھا .
فإمام أهل المحلة یکون أولی من غيره إذا كان
ممن تصح إمامته، وإن كان غيره أفضل منه قراءة أو
علما عند جمهور الفقهاء.
وذلك لما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما أتى
أرضا له عندها مسجد يصلي فيه مولی له، فصلى
ابن عمر رضي الله عنهما معهم، فسألوه أن يؤمهم
فأبى، وقال: صاحب المسجد أحق. (١)
وأذان أهل المحلة في مسجدهم يغني المصلين
عن الأذان، إذا كان بحيث يسمعهم عند جمهور
الفقهاء، وهو قديم مذهب الشافعي. (٢)
وفي جدید المذهب: یندب الأذان للمصلي وإن
سمع أذان أهل المحلة. (٣)
وفي مسألة اشتراك أهل المحلة بالقسامة والدية
إذا وجد فيها قتيل لا يعرف قاتله - وهناك لَوْثٌ -
جمهور الفقهاء على أن الذي يقسم هو المدعي
خمسين يمينا، بأن أهل المحلة أو بعضهم قَتْلَه
(١) حاشية ابن عابدين ٣٧٤/١، ٣٧٥ ط بولاق، والخطاب
١٠٤/٢ ط النجاح، وحاشية الشرواني وابن القاسم ٢٩٧/٢،
والمغني ٢٠٥/٢ ط الرياض، وكشاف القناع ٤٧٣/١ ط
الریاض.
والأثر عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((أتى أرضاله عندها
مسجد ... )) أخرجه البيهقي (١٢٦/٣ - ط دائرة المعارف
العثمانية) وإسناده حسن.
(٢) البدائع ١٥٣/١ ط شركة المطبوعات، وجواهر الإكليل
٣٧/١ ط دار المعرفة، ونهاية المحتاج ٣٨٦/١ ط مصطفى
الحلبي، والمغني ٤١٨/١ ط الرياض.
(٣) نهاية المحتاج ٣٨٦/١
ولا بَيّنة له. لقوله ((أتحلفون خمسين يمينا
منكم)). (١) فإن لم يحلفوا حلف المدعى عليهم
(أهل المحلة) خمسين يمينا، لقوله # في قصة
عبدالله بن سهل: ((أتحلفون خمسين يمينا
فتستحقون صاحبکم، قالوا : کیف نأخذ أقوال قوم
كفار؟ قال: فعقله النبي ﴿﴿ من عنده)). (٢)
ويرى الحنفية أن أهل المحلة التي وجد القتيل
فيها هم الذين يشتركون أولا بالقسامة، ثم يغرمون
الدیة، وذلك لحديث عبدالله بن سهل قال:
إن رسول الله قال: ((تبرئكم يهود
بخمسین ... )(٣) الحديث.
وذكر الزهري عن سعيد بن المسيب: أن
القسامة كانت من أحكام الجاهلية، فقررها
رسول الله## في قتيل من الأنصار وجد في حي
ليهود، فألزم الرسول# اليهود الدية
والقسامة . (٤) (ر: قسامة ــ دية).
(١) حديث: ((أتحلفون خمسين يمينا منكم ... )) أخرجه النسائي
(٧/٨ ط المكتبة التجارية) وأصله في صحيح مسلم
(١٢٩١/٣ ط الحلبي).
(٢) الشرح الصغير ٤/ ٤٢١ ط دار المعارف، وحاشية البيجوري
٢٣١/٢ ط م الحلبي، والمغني ٧٥/٨ ط الرياض.
وحديث: ((أتحلفون خمسين يمينا فتستحقون صاحبكم ... ))
أخرجه مسلم (١٢٩١/٣ - ط الحلبي).
(٣) حديث: ((تبرئكم يهود ... )) شطر من الحديث المتقدم.
(٤) المبسوط ١٠٧/٢٦ ط دار المعرفة، والاختيار ٥/ ٥٣
وحديث: ((إلزام الرسول # اليهود الدية والقسامة)) أخرجه
من هذا الطريق عبدالرزاق في المصنف (٢٧/١٠ - ط المجلس
العلمي) ویتقوی با أورده مسلم في صحيحه (١٢٩٥/٣ - ط
الحلبي).
- ١٤٨ -
أهل النسب ١ - ٢
أهل النسب
التعريف :
١ - الأهل: أهل البيت، والأصل فيه القرابة، وقد
أُطلق على الأتباع.
وأهل الرجل: أخص الناس به، وأهل الرجل :
عشير ته وذوو قرباه.
وأهل المذهب : من یدین به.
والنسب : القرابة، وهو الاشتراك من جهة أحد
الأبوين، وقيل هو في الآباء خاصة، أي:
الاشتراك من جهة الأب فقط. (١)
وعلى ذلك فأهل النسب لغة: هم الأقارب من
جهة الأبوين، وقيل من جهة الأب فقط.
والفقهاء يعتبر ون النسب ما كان من جهة الأب
فقط . (٢)
الحكم الإجمالي :
٢ - يتفق الفقهاء على أن النسب هوما كان من
جهة الأب فقط، ولذلك لا يختلف الحكم
عندهم، إلا أن التعبير بلفظ (أهل النسب) لم يرد
إلا عند الحنفية، فقد قالوا: من أوصى لأهل نسبه
(١) لسان العرب وتاج العروس والمصباح المنير والمفردات للراغب.
(٢) البدائع ٧/ ٣٥٠ ط الجمالية، ومنح الجليل ٧٢/٤ ط النجاح
ليبيا، ونهاية المحتاج ٣٧٩/٥، والمغني ٦١٧/٥ ط الرياض.
فالوصية لمن ينتسب إليه من جهة الأب، لأن
النسب إلى الآباء. (١)
وعند الشافعية والحنابلة لو قال: وقفت على من
ينتسب إليّ، أوقال: وقفت على أولادي المنتسبين
إليّ، فإِن الوقف یکون علی من ینتسب إلیه من
جهة الأب، ولا يدخل في ذلك أولاد البنات،
لأنهم لا ينسبون إليه بل إلى آبائهم، (٢) لقوله
تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾.(٣)
ویذکر الشافعية: أن الواقف لو کان امرأة دخل
أولاد بناتها، لأن ذکر الانتساب في حقها لبيان
الواقع لا للإخراج، فالعبرة فيها بالنسبة اللغوية لا
الشرعية، ويكون كلام الفقهاء محمولا على وقف
الرجل . (٤)
ويظهر أن الحكم عند المالكية كبقية المذاهب،
فقد قالوا: إن نسب الولد إنما هو لأبيه لا لأمه.(*)
ولم یصرحوا في أغلب کتبهم بتعبير مماثل لما ورد
عند بقية الفقهاء، إلا أنه ورد في الرهوني: من
قال: حبس على ولدي وأنسابهم، ففي دخول ولد
البنات في تحبیس جدهم للأم في المذهب قولان،
قيل: إنهم لا يدخلون إلا أن يخصوا بلفظ
الدخول، وقيل: إنهم يدخلون. (٦)
(١) الاختيار ٧٨/٥ ط دار المعرفة، وابن عابدين ٤٥٣/٥ ط ثالثة.
(٢) المغني ٦١٧/٥، ونهاية المحتاج ٣٧٩/٥
(٣) سورة الأحزاب / ٥
(٤) نهاية المحتاج ٣٧٩/٥
(٥) منح الجلیل ٤/ ٧٢
(٦) الرهوني ٧/ ١٦٢ ط بولاق.
- ١٤٩ -
أهل النسب ٣ ، إهلال ١ - ٣
مواطن البحث :
٣ - جاء ذكر أهل النسب عند الحنفية في باب
الوصية، وشبيهه عند الفقهاء في بابي الوصية
والوقف (ر: وصية - وقف).
إهلال
التعريف :
١ - أصل الإِهلال : رفع الصوت عند رؤية
الهلال، ثم كثر استعماله حتى قيل لكل رافع
صوته: مهل ومستهل، (١) ومن معانيه النظر إلى
الهلال، وظهور الهلال، ورفع الصوت بالتلبية. (٢)
ويستعمله الفقهاء بالمعاني السابقة، وبمعنى :
ذكر اسم معظم عند الذبح.
صلته بالاستهلال :
٢ - كثيرا ما يأتي الاستهلال بمعنى الإهلال أي:
رفع الصوت، غير أن من الفقهاء من أطلق
استهلال الصبي على: كل ما يدل على حياة
المولود، سواء كان رفع صوت أو حركة عضو بعد
الولادة. (٣)
(١) المصباح مادة ((هلل)) والنظم المستعذب هامش المهذب ٢٠٨/١
نشر دار المعرفة، والفتوحات الربانية شرح الأذكار النووية
٤/ ٣٣٠
(٢) ترتيب القاموس والمصباح مادة ((هلل)).
(٣) المبسوط ١٤٤/١٦، وابن عابدين ٥/ ٣٧٧، والبحر الرائق
٢٠٢/٢ ط العلمية.
الحكم الإجمالي :
٣ - طلب رؤية هلال رمضان ليلة الثلاثين من
شعبان محل خلاف بين الفقهاء، بعضهم يقول:
يستحب للناس ترائي الهلال ليلة الثلاثين من
شعبان وتطلبه، ليحتاطوا بذلك لصيامهم،
وليسلموا من الاختلاف، وقد روي أن النبي ﴾﴾
قال: ((أحصوا هلال شعبان لرمضان)). (١)
والبعض یری ان التماس هلال رمضان يجب
علی الکفایة، لأنه يتوصل به إلى الفرض. (٢) ولا
يثبت هلال سائر الشهور غير هلال رمضان إلا
بشهادة رجلين، بهذا قال العلماء كافة إلا أبا ثور،
فحکي عنه أنه يقبل في هلال شوال عدل واحد
کھلال رمضان.
أما هلال رمضان ففيه خلاف: فبعض الفقهاء
يشترط عدلين، والبعض يكتفي بواحد.(٣)
وأكثر الفقهاء على أن من رأی هلال رمضان
وحده لزمه الصوم، وتجب عليه الكفارة لو جامع
فيه، لقوله#: ((صوموا لرؤيته وأفطروا
لرؤ يته)». (٤) وقال أبو حنيفة: يلزمه الصوم، ولكن
إن جامع فيه فلا كفارة، وقال عطاء والحسن
وابن سیرین وأبو ثور وإسحق بن راهويه: لا يلزمه
الصوم.
ومن رأی هلال شوال وحده لزمه الفطر كذلك
(١) حديث: ((أحصوا هلال شعبان لرمضان ... )) أخرجه الترمذي
(٦٢/٣ - ط الحلبي) والحاكم (٤٢٥/١ - ط دائرة المعارف
العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي، وانظر المغني ٨٧/٣
(٢) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٣٥٤
(٣) المجموع ٦/ ٢٨٠، ٢٨١ ٠
(٤) حديث: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ١١٩/٤ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة.
- ١٥٠ -
إهلال ٤ - ٦ ، أهلية ١
عند أغلب الفقهاء، للحديث السابق، وقال مالك
والليث وأحمد: لا يجوز له الأكل فيه.(١)
وظهور الهلال في النهار یعتد به عند بعض
الفقهاء لليلة التالية، ويفرق آخرون بين ظهوره
قبل الزوال فيكون لليلة الماضية، وبعده فيكون
لليلة التالية . (٢)
وظهور الهلال في بلد يوجب الصيام على
أهلها، أما غير أهل بلد الرؤية ففي وجوب الصوم
عليهم خلاف بين الفقهاء. ولهم في ذلك
تفصيلات موطنها مصطلح: (الصوم). (٣)
٤ - والإِهلال بالنسك بمعنى الإِحرام، وهو إما أن
يكون بحج أو عمرة أوبهما، ويفصل الفقهاء
أحکامه في الحج عند الكلام عن التمتع، والإِفراد،
والقران، وفي الإِحرام من الميقات بالحج أو العمرة
أو بهما.
كما يكون الإِهلال بمعنى التلبية، ورفع
الصوت بها. (٤) وينظر مصطلح (إحرام)
(ج٢ ص١٢٨).
٥-والإِهلال بالذبح یجب أن یکون باسم الله. فإِن
آَمَلّ بالذبح لغير الله، وذلك بأن یذکر علیه اسم
غير الله سبحانه، كأن يقول: باسم المسيح أو
العذراء مثلا، فلا يحل أكل المذبوح. (٥)
وهذا في الجملة، ولهذه المسألة تفصيلات
(١) المجموع ٦/ ٢٨٠
(٢) المجموع ٦/ ٢٧٢، ٢٧٣
(٣) المجموع ٦/ ٢٧٤
(٤) الخطاب ٣/ ٢٠، ٢٣، والمهذب ٢٠٨/١ نشر دار المعرفة، وابن
عابدين ٢/ ١٩١
(٥) الشرح الصغير ١٥٨/٢ ط دار المعارف، والروضة ٢٠٥/٣ ط
المكتب الإسلامي.
يذكرها الفقهاء في الصيد والذبائح والأضحية، وقد
أفرد ابن نجيم رسالة لهذه المسألة. (١)
مواطن البحث :
٦ - بالإِضافة إلى المواطن السابقة، يتكلم الفقهاء
عن إهلال المولود في الصلاة عليه، وفي التسمية،
وفي الإِرث، والجناية عليه. وتفصيل ذلك کله ذکر
في مبحث (استهلال).
أهلية
التعريف :
١ - الأهلية مصدر صناعي لكلمة (أهل) ومعناها
لغة - كما في أصول البزدوي - : الصلاحية.(٢)
ويتضح تعريف الأهلية في الاصطلاح من
خلال تعريف نوعيها: أهلية الوجوب، وأهلية
الأداء.
فأهلية الوجوب هي : صلاحية الإنسان لوجوب
الحقوق المشروعة له وعليه .
وأهلية الأداء هي: صلاحية الإِنسان لصدور
الفعل منه على وجه يعتد به شرعا. (٣)
(١) رسائل ابن نجيم ص ٢١٢ ط مكتبة الهلال.
(٢) كشف الأسرار عن أصول البزدوي ٤/ ٢٣٧، والقاموس
المحيط، ولسان العرب، والمصباح مادة: (أهل).
(٣) التلويح على التوضيح ١٦١/٢ ط صبيح، والتقرير=
- ١٥١ -
أهلية ٢ - ٦
الألفاظ ذات الصلة :
أ - التكليف :
٢ - التكليف معناه في اللغة: إلزام ما فيه كلفة
ومشقة . (١)
وهو في الاصطلاح کذلك، حیث قالوا:
التكليف إلزام المخاطب بما فيه كلفة ومشقة من
فعل أوترك.
فالأهلية وصف للمكلف.
ب - الذمة :
٣ - الذمة معناها في اللغة: العهد والضمان
والأمان. (٢)
وأما في الاصطلاح فإِنها: وصف يصير
الشخص به أهلا للإِلزام والالتزام. (٣)
فالفرق بين الأهلية والذمة: أن الأهلية أثر
لوجود الذمة.
مناط الأهلية ومحلها :
٤ - الأهلية بمعناها المتقدم مناطها أي محلها
الإِنسان، من حيث الأطوار التي يمربها، فإنه في
البداية یکون جنینا في بطن أمه، فتثبت له أحكام
الأهلية الخاصة بالجنین، وبعد الولادة إلى سن
التمييزيكون طفلا، فتثبت له أحكام الأهلية
= والتحبير ١٦٤/٣ ط الأولى بولاق، وكشف الأسرار عن
أصول البزدوي ٤/ ٢٣٧ ط ودار الكتاب العربي، وفواتح
الرحموت ١٥٦/١ ط دار صادر.
(١) الصحاح مادة ((كلف)).
(٢) المصباح المنير مادة: ((ذمم)).
(٣) كشف الأسرار عن أصول البزدوي ٤/ ٢٣٨، ٢٣٩ ط دار
الكتاب العربي، وحاشية قليوبي ٢/ ٢٨٥ ط الحلبي.
الخاصة بالطفل، وبعد التمييز تثبت له أحكام
الأهلية الخاصة بالمميز إلى أن يصل به الأمر إلى
سن البلوغ، فتثبت له الأهلية الكاملة، ما لم يمنع
من ذلك مانع، كطروء عارض يمنع ثبوت تلك
الأهلية الكاملة له، وسیأتي بیان ذلك عند الكلام
على أقسام الأهلية وعوارضها .
أقسام الأهلية وأنواعها :
٥ - الأهلية قسمان: أهلية وجوب، وأهلية أداء.
وأهلية الوجوب قد تكون كاملة، وقد تكون
ناقصة .
وكذا أهلية الأداء، وبيان ذلك فيما يلي:
أولا : أهلية الوجوب :
٦ - سبق أن معنى أهلية الوجوب: صلاحية
الشخص لوجوب الحقوق المشروعة له وعلیه معا،
أوله، أو عليه. (١)
وأهلية الوجوب تنقسم فروعها وتتعدد بحسب
انقسام الأحكام، فالصبي أهل لبعض الأحكام،
وليس بأهل لبعضها أصلا، وهو أهل لبعضها
بواسطة رأي الولي، فكانت هذه الأهلية منقسمة
نظرا إلى أفراد الأحكام، وأصلها واحد، وهو
الصلاح للحكم، فمن كان أهلا لحكم الوجوب
بوجه كان هو أهلا للوجوب، ومن لا فلا. (٢)
ومبنى أهلية الوجوب هذه على الذمة، أي أن
هذه الأهلية لا تثبت إلا بعد وجود ذمة صالحة، لأن
(١) التلويح على التوضيح ١٦١/٢ ط صبيح، والتقرير والتحبير
١٦٤/٢ ط الأميرية، وكشف الأسرار عن أصول البزدوي
٢٣٧/٤ ط دار الكتاب العربي.
(٢) أصول البزدوي مع شرحه ٢٣٧/٤ ط دار الكتاب العربي.
- ١٥٢ -
أهلية ٧ - ٩
الذمة هي محل الوجوب، ولهذا يضاف إليها ولا
يضاف إلى غيرها بحال، ولهذا اختص الإنسان
بالوجوب دون سائر الحيوانات التي ليست لها ذمة .
وقد أجمع الفقهاء على ثبوت هذه الذمة
لإنسان منذ ولادته، حتى يكون صالحا لوجوب
الحقوق له وعليه، فيثبت له ملك النكاح بتزويج
الولي إياه، ويجب عليه المهر بعقد الولي. (١)
أنواع أهلية الوجوب :
٧ - أهلية الوجوب نوعان :
أ - أهلية الوجوب الناقصة، وتتمثل في الجنين في
بطن أمه، باعتباره نفسا مستقلة عن أمه ذا حياة
خاصة، فإِنه صالح لوجوب الحقوق له من وجه كما
سيأتي، لا عليه، لأن ذمته لم تكتمل مادام في بطن
أمه .
ب - أهلية الوجوب الكاملة، وهي تثبت للإِنسان
منذ ولادته، فإِنه تثبت له أهلية الوجوب الكاملة،
لكمال ذمته حينئذ من کل وجه، فیکون بهذا صالحا
لوجوب الحقوق له وعلیه .(٢)
ثانيا : أهلية الأداء :
٨ - سبق أن أهلية الأداء هي: صلاحية الإِنسان
لصدور الفعل منه على وجه يعتد به شرعا. (٣)
وأهلية الأداء هذه لا توجد عند الشخص إلا إذا
(١) كشف الأسرار ٢٣٧/٤، ٢٣٨ ط دار الكتاب العربي.
(٢) التقرير والتحبير ١٦٥/٢ ط الأميرية، والتلويح على التوضيح
١٦٣/٢ ط صبيح، وأصول السرخسي ٣٣٣/٢ ط دار الكتاب
العربي.
(٣) التلويح على التوضيح ١٦١/٢ ط صبيح، والتقرير والتحبير
١٦٤/٣ ط الأميرية، وكشف الأسرار عن أصول البزدوي
٢٣٧/٤ ط دار الكتاب العربي.
بلغ سن التمييز، لقدرته حينئذ على فهم الخطاب
ولو على سبيل الإِجمال، ولقدرته على القيام ببعض
الأعباء، فتثبت له أهلية الأداء القاصرة، وهي التي
تناسبه ما دام نموه لم يكتمل جسما وعقلا، فإِذا
اكتمل ببلوغه ورشده ثبتت له أهلية الأداء
الكاملة، فيكون حينئذ أهلا للتحمل والأداء،
بخلاف غير المميز، فإِنه لا تثبت له هذه الأهلية
لانتفاء القدرتین عنه .
أنواع أهلية الأداء :
٩ - أهلية الأداء نوعان :
أ - أهلية أداء قاصرةُ، وهي التي تثبت بقدرة
قاصرة .
ب - أهلية أداء كاملة، وهي التي تثبت بقدرة
كاملة .(١)
والمراد بالقدرة هنا: قدرة الجسم أو العقل، أو
هما معا، لأن الأداء - كما قال البزدوي - يتعلق
بقدرتين: قدرة فهم الخطاب وذلك بالعقل، وقدرة
العمل به وهي بالبدن، والإِنسان في أول أحواله
عديم القدرتين، لكن فيه استعداد وصلاحية لأن
توجد فيه كل واحدة من القدرتین شيئا فشيئا
بخلق الله تعالى، إلى أن تبلغ كل واحدة منهما
درجة الكمال، فقبل بلوغ درجة الكمال کانت کل
واحدة منهما قاصرة، كما هو الحال في الصبي المميز
قبل البلوغ، وقد تكون إحداهما قاصرة، کما في
المعتوه بعد البلوغ، فإِنه قاصر العقل مثل الصبي،
وإن كان قوي البدن، ولهذا ألحق بالصبي في
الأحکام .
(١) التلويح على التوضيح ٢/ ١٦٤ ط صبيح.
- ١٥٣ -
أهلية ٩ - ١١
فالأهلية الكاملة: عبارة عن بلوغ القدرتين
أولی درجات الكمال، وهو المراد بالاعتدال في لسان
الشرع. والقاصرة: عبارة عن القدرتين قبل بلوغهما
أو بلوغ إحداهما درجة الكمال.
ثم الشرع بنى على الأهلية القاصرة صحة
الأداء، وعلى الكاملة وجوب الأداء وتوجه
الخطاب، لأنه لا يجوز إلزام الإِنسان الأداء في أول
أحواله، إذ لا قدرة له أصلا، وإلزام مالا قدرة له
عليه منتف شرعا وعقلا، وبعد وجود أصل العقل
وأصل قدرة البدن قبل الكمال، ففي إلزام الأداء
حرج، لأنه يحرج الفهم بأدنى عقله، ويثقل عليه
الأداء بأدنى قدرة البدن، والخرج منتف أيضا بقوله
تعالى: ﴿وما جَعَلَ عليكم في الدِّينِ من
حَرَجٍ﴾ (١) فلم يخاطب شرعا لأول أمره حكمة،
ولأول ما يعقل ويقدر رحمة، إلى أن يعتدل عقله
وقدرة بدنه،فیتیسر علیه الفهم والعمل به .
ثم وقت الاعتدال يتفاوت في جنس البشر على
وجه یتعذر الوقوف علیه، ولا یمکن إدراکه إلا بعد
تجربة وتكلف عظيم، فأقام الشرع البلوغ الذي
تعتدل لديه العقول في الأغلب مقام اعتدال العقل
حقيقة، تيسيرا على العباد، وصارتوهم وصف
الكمال قبل هذا الحد، وتوهم بقاء القصور بعد هذا
الحد ساقطي الاعتبار، لأن السبب الظاهر متى
أقيم مقام المعنى الباطن دار الحكم معه وجودا
وعدما، وأيد هذا كله قوله عليه السلام: ((رُفِعَ
القلمُ عن ثلاثٍ: عن الصبي حتى يحتلم،
والمجنونِ حتى يفيقَ، والنائمِ حتى يستيقظَ)). (٢)
(١) سورة الحج / ٧٨
(٢) حديث: ((رفع القلم عن ثلاث . . .)) أخرجه أحمد بن حنبل=
والمراد بالقلم: الحساب، والحساب إنما يكون بعد
لزوم الأداء، فدل على أن ذلك لا يثبت إلا
بالأهلية الكاملة، وهي اعتدال الحال بالبلوغ عن
عقل. (١)
أثر الأهلية في التصرفات :
١٠ - التصرفات التي تحكمها الأهلية - سواء أكانت
من حقوق الله أم من حقوق الآدميين - تختلف
وتتعدد أحكامها تبعا لاختلاف نوع الأهلية، وتبعا
لاختلاف مراحل النمو التي يمربها الإِنسان الذي
هو مناط تلك الأهلیة، فالأهلية - كما سبق - إما
أهلية وجوب وإما أهلية أداء، وكل واحدة منهما قد
تکون ناقصة وقد تكون كاملة، ولكل حكمه.
هذا ، وللوقوف على تلك الأحكام، لابد أن
نتناول تلك المراحل التي يمر بها الإِنسان، وبيان
الأحكام الخاصة به في كل مرحلة من تلك
المراحل.
المراحل التي يمر بها الإِنسان :
١١ - يمر الإِنسان من حين نشأته بخمس مراحل
أساسية، وهذه المراحل هي :
= وأبوداود والحاكم بهذا المعنى. وقال المناوي: أورده الحافظ بن
حجر من طرق عديدة بألفاظ متقاربة ثم قال: وهذه طرق يقوى
بعضها بعضا. وقال عبدالقادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول:
إسناده حسن، وهو حديث صحيح بطرقه. (فيض القدير
٣٤/٤، وسنن أبي داود ٥٥٨/٤ ومابعدها ط عزت عبيد
دعاس، والمستدرك ٣٨٩/٤، وجامع الأصول بتحقيق
عبدالقادر الأرناؤوط ٣/ ٥٠٦، ٥٠٧).
(١) كشف الأسرار عن أصول البزدوي ٤/ ٢٤٨، ٢٤٩ ط دار
الكتاب العربي.
- ١٥٤ -
أهلية ١٢ - ١٣
(١) مرحلة ما قبل الولادة، أي حين يكون
جنينا في بطن أمه .
(٢) مرحلة الطفولة والصغر، أي بعد انفصاله
عن أمه، وقبل بلوغه سن التمییز.
(٣) مرحلة التمييز، أي من حين بلوغه سن
التمييز إلى البلوغ.
(٤) مرحلة البلوغ، أي بعد انتقاله من سن
الصغر إلى سن الكبر .
(٥) مرحلة الرشد، أي اكتمال العقل.
هذا، ولكل مرحلة من هذه المراحل أحكام
خاصة نذكرها فيما يلي:
المرحلة الأولى - الجنين :
١٢ - الجنين في اللغة: مأخوذ من الاجتنان، وهو
الخفاء، وهو وصف للولد ما دام في بطن أمه،
والفقهاء في تعریفهم للجنین لا يخرجون عن هذا
المعنى، إذ معناه عندهم: وصف للولد مادام في
البطن. (١)
والجنين إذا نظر إليه من جهة كونه كالجزء من أمه
يتغذى بغذائها يحكم بعدم استقلاله، فلا تثبت له
ذمة، وبالتالي فلا يجب له ولا عليه شيء.
وإذا نظر إليه من جهة كونه نفسا مستقلة بحياة
خاصة يحكم بثبوت الذمة له، وبذلك يكون أهلا
لوجوب الحقوق له وعليه. ولما لم يمكن ترجيح
إحدى الجهتين على الأخرى من كل وجه، فإِن
الشرع عامله من جهة كونه جزءا من أمه بعدم
(١) المصباح المنير مادة: (جنن)، وحاشية قليوبي ٤ / ١٥٩ ط
الحلبي.
أهليته للوجوب علیه، وعامله من جهة کونه نفسا
مستقلة بحياة خاصة بكونه أهلا للوجوب له، وبهذا
لا يكون للجنين أهلية وجوب كاملة، بل أهلية
وجوب ناقصة . (١)
١٣ - وقد اتفق الفقهاء على إثبات بعض الحقوق
للجنين، كحقه في النسب، وحقه في الإِرث،
وحقه في الوصية، وحقه في الوقف.
فأما حقه في النسب من أبيه: فإِنه لو تزوج رجل
وأتت امرأته بولد ثبت نسبه منه، إذا توافرت شروط
ثبوت النسب المبينة في موضعها. (٢) ر: (نسب).
وأما حقه في الإِرث: فهو ثابت بإجماع الصحابة
كما جاء في الفتاوى الهندية(٣) وقد اتفق الفقهاء
على استحقاق الحمل للإرث متی قام به سبب
استحقاقه وتوافرت فيه شروطه.
وكذلك اتفق الفقهاء على صحة الوصية له. (٤)
وأما حقه في الوقف: فقد أجاز الحنفية والمالكية
الوقف عليه، قياسا على الوصية، ويستحقه إن
استهل.
(١) التقرير والتحبير ١٦٥/٢ ط الأميرية، والتلويح على التوضيح
١٦٣/٢ ط صبيح، وكشف الأسرار عن أصول البزدوي
٤/ ٢٣٩، ٢٤٠ ط دار الكتاب العربي.
(٢) ابن عابدين ٥٣٤/٢، وجواهر الإكليل ٣٨١/١، والروضة
٣٥٧/٨، وكشاف القناع ٤٠٥/٥
(٣) الفتاوى الهندية ٤٥٥/٦ ط المكتبة الإسلامية، وحاشية ابن
عابدين ٤١٨/٥ ط بولاق، وجواهر الإكليل ٣١٧/٢ ط دار
المعرفة، وحاشية قليوبي ١٥٧/٣ ط الحلبي، وكشاف القناع
٤/ ٣٥٦
(٤) حاشية ابن عابدين ٤١٨/٥ ط بولاق، وجواهر الإكليل
٣١٧/٢ ط دار المعرفة، وحاشية قليوبي ٣/ ١٥٧ ط الحلبي،
وكشاف القناع ٤/ ٣٥٦ ط النصر.
- ١٥٥ -
أهلية ١٤ - ١٦
ولم يجوز الشافعية الوقف عليه، لأن الوقف
تسليط في الحال بخلاف الوصية . (١)
وأما الحنابلة فلا يصح عندهم الوقف على حمل
أصالة، كأن يقف داره على مافي بطن هذه المرأة،
لأنه تمليك، والحمل لا يصح ملیکه بغير الإِرث
والوصية، أما إذا وقف على الحمل تبعا لمن يصح
الوقف علیه، کان یقف علی أولاده، أو علی أولاد
فلان وفيهم حمل، فإِن الوقف يشمله عندهم. (٢)
المرحلة الثانية - الطفولة :
١٤ - تبدأ هذه المرحلة من حين انفصال الجنين عن
أمه حيا، وتمتد إلى سن التمييز، ففي هذه المرحلة
تثبت للمولود الذمة الكاملة، فيصير أهلا للوجوب
له وعليه، أما أهليته للوجوب له فهي ثابتة حتى
قبل الولادة - كما سبق - فتثبت له بعدها بطريق
الأولى، بل صرح الشافعية: بأن له يدا
واختصاصا كالبالغ. (٣)
وأما أهليته للوجوب عليه ففيها تفصيل يأتي .
ووجوب الحقوق الثابتة على الطفل في هذه
المرحلة، المراد منه : حكمه، وهو الأداء عنه، فكل ما
یمکن أداؤه عنه يجب علیه، ومالا فلا.
وإنما قيد الأداء بالممكن، لأن الطفل في هذه
المرحلة، وإن كان يجب عليه كافة الحقوق کالبالغ،
إلا أنه يعامل بما يناسبه في هذه المرحلة، لضعف
(١) حاشية ابن عابدين ٤١٩/٥ ط بولاق، وجواهر الإكليل
٣١٧/٢ ط دار المعرفة، وحاشية قليوبي ٩٩/٣ ط الحلبي،
ونهاية المحتاج ٥/ ٣٦١ ط المكتبة الإسلامية.
(٢) كشاف القناع ٢٤٩/٤ ط النصر.
(٣) حاشية القليوبي ١٢٥/٣ ط الحلبي.
بنيته، ولعدم قدرته على مباشرة الأداء بنفسه،
فيؤدي عنه وليه ما أمكن أداؤه عنه، ولهذا فإن
العلماء ذكروا تفصيلا في الحقوق الواجبة علیه،
والتي تؤدي عنه، سواء أكانت من حقوق اللّه أم
حقوق العباد، كما ذكروا أيضا حكم أقواله
وأفعاله. وبیان ذلك فيمايلي :
أولا : حقوق العباد :
١٥ - حقوق العباد أنواع: منها ما يجب أداؤه عن
الطفل لوجوبه عليه، ومنها مالا يجب عليه
ولا یؤدی عنه .
فحقوق العباد الواجبة والتي تؤدي عنه هي :
أ - ما كان المقصود منه المال ويحتمل النيابة، فإِنه
يؤدى عنه، لوجوبه عليه كالغرم والعوض.
ب - ما كان صلة شبيهة بالمؤن كنفقة القريب،
أو كان صلة شبيهة بالأعواض كنفقة الزوجة، فإِنه
یؤدی عنه .
وأما حقوق العباد التي لا تجب عليه ولا تؤدي
عنه فهي :
أ - الصلة الشبيهة بالأجزية كتحمل الدية مع
العاقلة، فلا تجب عليه .
ب - العقوبات كالقصاص، أو الأجزية الشبيهة
بها كالحرمان من الميراث، فلا تجب عليه .
ثانيا : حقوق الله تعالى :
١٦ - هذه الحقوق أيضا منها ما يجب على الطفل،
ومنها مالا يجب.
فالحقوق التي هي مئونة محضة كالعشر والخراج
تجب علیه، وتؤدی عنه، لأن المقصود منها المال،
فتثبت في ذمته، ویمکن أداؤه عنه.
- ١٥٦ -
أهلية ١٧ - ١٨
وأما العبادات فلا تجب عليه، سواء أكانت
بدنية أم مالية .
أما البدنية كالصلاة والصوم والحج والجهاد
وغيرها، فإِنها لا تجب عليه لعجزه عن الفهم
وضعف بدنه.
وأما المالية، فإِن كانت زكاة فطر، فإِنها تجب في
ماله عند أبي حنيفة وأبي يوسف والمالكية والشافعية
والحنابلة، ولا تجب عليه عند محمد وزفر من
الحنفية .
وإن كانت زكاة مال، فإنها تجب في ماله عند
جمهور الفقهاء، لأنها ليست عبادة خالصة بل فيها
معنى المئونة، أوجبها الله تعالى على الأغنياء حقا
للمحتاجين، فتصح فيها النيابة كما في زكاة الفطر،
ولا تجب عليه عند فقهاء الحنفية، لأنها عندهم
عبادة خالصة، وتحتاج إلى النية، ولا تصح فيها
النيابة .
وأما إن كانت حقوق الله عقوبات کالحدود،
فإِنها لا تلزمه ولا تجب عليه، كما لم تلزمه العقوبات
التي هي حقوق العباد كالقصاص، لأن العقوبة إنما
وضعت جزاء للتقصير، وهو لا يوصف به . (١)
ثالثا: أقواله وأفعاله :
١٧ - أقوال الصبي وأفعاله غير معتبرة، ولا يترتب
عليها حكم، لأنه ما دام لم يميز فلا اعتداد بأقواله
وأفعاله. (٢)
(١) التلويح على التوضيح ١٦٣/٢، ١٦٤ ط صبيح، والتقرير
والتحبير ١٦٥/٢، ١٦٦ ط الأميرية، وكشف الأسرار عن
أصول البزدوي ٤/ ٢٣٩، ٢٤٨ ط دار الكتاب العربي، وفتح
الغفار على المنار ٨١/٣ ط الحلبي.
(٢) المنثور للزركشي ٢/ ٣٠١، نشر وزارة الأوقاف والشئون
الإسلامية في الكويت، وانظر أيضا مصطلح (طفل، وصغير) في
الموسوعة الفقهية.
المرحلة الثالثة : التمييز :
١٨ - التمييز في اللغة مأخوذ من: مُزْته ميزا، من
باب باع، وهو: عزل الشيء وفصله من غيره.
ويكون في المشتبهات والمختلطات، ومعنى تميز
الشيء: انفصاله عن غيره، ومن هنا فإن الفقهاء
يقولون: سن التمییز، ومرادهم بذلك: تلك السن
التي إذا انتهى إليها عرف مضاره ومنافعه، وكأنه
مأخوذ من ميزت الأشياء: إذا فرقتها بعد المعرفة
بها، وبعض الناس يقولون: التمييز قوة في الدماغ
يستنبط بها المعاني.
وهذه المرحلة تبدأ ببلوغ الصبي سبع سنين،
وهو سن التمييز كما حدده جمهور الفقهاء، وتنتهي
بالبلوغ، فتشمل المراهق وهو الذي قارب
البلوغ. (١)
ففي هذه المرحلة يصبح عند الصبي مقدار من
الإدراك والوعي يسمح له بمباشرة بعض
التصرفات، فتثبت له أهلية الأداء القاصرة، لأن
نموه البدني والعقلي لم يكتملا بعد، وبعد اكتمالهما
تثبت له أهلية الأداء الكاملة، لأن أهلية الأداء
الكاملة لا تثبت إلا باكتمال النمو البدني والنمو
العقلي، فمن لم يكتمل نموه البدني والعقلي معا، أو
لم يكتمل فيه نمو أحدهما فأهلية الأداء فيه تكون
قاصرة .
فالمعتوه کالصبي، لعدم اكتمال العقل فيه، وإن
كان كاملا من الناحية البدنية، بخلاف أهلية
الوجوب، فإِنها تثبت كاملة منذ الولادة، فالطفل
(١) المصباح المنير مادة: ((ميز))، وحاشية ابن عابدين ٤٢١/٥ ط
بولاق، وجواهر الإكليل ٢٢/١ ط دار المعرفة.
- ١٥٧ -
أهلية ١٩ - ٢٠
أهل للوجوب له وعليه، كما سبق. (١)
وللتمييز أثره في التصرفات، فالصبي المميز يجوز
له بأهليته القاصرة مباشرة بعض التصرفات وتصح
منه، لأن الثابت مع الأهلية القاصرة صحة الأداء،
ويمنع من مباشرة بعض التصرفات الأخرى،
وخاصة تلك التي يعود ضررها عليه، فلا تصح
منه .
ومن التصرفات أيضا ما يمتنع على الصبي
المميز أن يباشرها بنفسه، بل لابد فيها من إذن
الولي .
وفيما يلي ما قاله الفقهاء في ذلك على سبيل
الإِجمال، أما التفصيل ففي مصطلح (تمييز).
تصرفات الصبي المميز :
١٩ - التصرفات التي يباشرها الصبي المميز، إما أن
تكون في حقوق الله تعالى، وفي هذه الحالة إما: أن
تكون تلك الحقوق عبادات وعقائد، أو حقوقا
مالية، أوعقوبات، وإما: أن تكون تلك
التصرفات في حقوق العباد، وهي إما: مالية أو غير
مالية .
أ - حقوق الله تعالى :
٢٠ - أما العبادات البدنية كالصلاة، فلا خلاف
بين العلماء في عدم وجوبها عليه إلا أنه يؤمر بأدائها
في سن السابعة، ويضرب علی ترکها في سن
العاشرة، لقوله {ولقد فيما رواه عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده: ((مروا صبيانكم بالصلاة لسبع
(١) التلويح على التوضيح ١٦٤/٢ ط وصبيح، وكشف الأسرار عن
أصول البزدوي ٤/ ٢٤٨ ط دار الكتاب العربي.
سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم
في المضاجع». (١)
وأما العقائد كالإيمان، فقد ذهب الحنفية
والمالكية والحنابلة إلى أنه يصح من الصبي، فيعتبر
إيمانه، لأنه خير محض، وخالف في ذلك الشافعية
فقالوا: إن إسلامه لا یصح حتی یبلغ، لحديث:
((رفع القلم عن ثلاث (ومنها) عن الصبي حتى
يبلغ ... ))
وأما ردّته، فقد ذهب الشافعية والحنابلة
وأبویوسف من الحنفية إلى عدم صحة ردته، لأنها
ضرر محض.
وذهب أبو حنيفة ومحمد والمالكية إلى الحكم
بصحة ردته، وتجري عليه أحكام المرتدين ماعدا
القتل.
ونقل في التتار خانية والمنتقى رجوع أبي حنيفة
إلى قول أبي يوسف. (٢)
وأما حقوق الله سبحانه وتعالى المالية كالزكاة،
فإِنها تجب في ماله عند المالكية والشافعية والحنابلة،
ولا تجب في ماله عند الحنفية. (٣)
(١) التلويح على التوضيح ٢/ ١٦٤، ونيل الأوطار ٣٧٧/١ ط دار
الجيل، وبدائع الصنائع ١٥٥/١ ط الأولى، وجواهر الإكليل
٣٤/١ ط دار المعرفة، وحاشية قليوبي ١٢١/١ ط الحلبي،
وكشاف القناع ٢٢٥/١ ط النصر.
وحديث: ((مروا صبيانكم ... )) سبق تخريجه في مصطلح
(أنوثة/ف/ ٩)
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٠٦/٣، والتلويح على التوضيح
١٦٤/٢، ١٦٥، وجواهر الإكليل ١١٦/١، والمتثور للزركشي
٢٩٥/٢، والمغني ١٣٣/٨ - ١٤٨
(٣) بدائع الصنائع ٥٠٤/٢ ط الأولى، وجواهر الإكليل
٣٢٦/٢ ط دار المعرفة، والروضة ١٤٩/٢ ط المكتب
الإسلامي، وكشاف القناع ١٦٩/٢ ط النصر.
- ١٥٨ -
أهلية ٢١ - ٢٢
وأما العقوبات المتعلقة بحقوق الله سبحانه
وتعالى كحد السرقة وغيره، فإِنها لا تقام على
الصبي، وهذا محل اتفاق عند الفقهاء. (١)
ب - حقوق العباد :
٢١ - أما المالية منها كضمان المتلفات وأجرة الأجير
ونفقة الزوجة والأقارب ونحو ذلك فإِنها تجب في
ماله، لأن المقصود منها هو المال، وأداؤه يحتمل
النيابة، فيصح للصبي المميز أداؤه، فإِن لم يؤده
أداه وليه . (٢)
وأما ما كان منها عقوبة كالقصاص، فإِنه لا
يجب عليه عند الحنفية والمالكية والحنابلة، لأن فعل
الصبي لا يوصف بالتقصير، فلا يصلح سببا
للعقوبة لقصور معنی الجناية في فعله، ولكن تجب
في فعله الدية، لأنها وجبت لعصمة المحل، والصبا
لا ينفي عصمة المحل، ولأن المقصود من وجوبها
المال، وأداؤه قابل للنيابة، ووجوب الدية في ماله
عند الحنفية، وعلى عاقلته عند المالكية والحنابلة .
وخالف الشافعية في ذلك على الأصح عندهم،
حیث قالوا: إن عمد الصبي في الجنايات عمد،
فتغلظ عليه الدية، ويحرم إرث من قتله. (٣)
٢٢ - أما تصرفاته المالية، ففيها تفصيل على النحو
الآتي :
(١) الفتاوى الهندية ٢/ ١٤٢، ١٤٣ ط المكتبة الإسلامية، وجواهر
الإكليل ٢٩٣/٢ ط دار المعرفة، ونهاية المحتاج ٧/ ٤٤٠ ط
المكتبة الإسلامية، وكشاف القناع ١٢٩/٦ ط النصر.
(٢) التقرير والتحبير ٢/ ١٧٠ ط الأميرية، والتلويح على التوضيح
١٦٥/٢ ط صبيح.
(٣) الفتاوى الهندية ٤،٣/٦، والدسوقي ٢٣٧/٤، والمنثور
للزركشي ٢٩٨/٢، وكشاف القناع ٥/ ٥٢١
(١) تصرفات نافعة له نفعا محضا، وهي التي
يترتب عليها دخول شيء في ملكه من غير مقابل،
مثل قبول الهبة والصدقة والوصية والوقف، وهذه
تصح منه، دون توقف على إجازة الولي أو
الوصي، لأنها خیر على كل حال.
(٢) تصرفات ضارة بالصغير ضررا محضا، وهي
التي يترتب عليها خروج شيء من ملکه من غير
مقابل، كالهبة والصدقة والوقف وسائر التبرعات
والطلاق والكفالة بالدين، وهذه لا تصح منه، بل
تقع باطلة، ولا تنعقد، حتى ولو أجازها الولي أو
الوصي، لأنهما لا يملكان مباشرتها في حق الصغير
فلا يملكان إجازتها .
(٣) تصرفات دائرة بین النفع والضرر بحسب أصل
وضعها، كالبيع والإِجارة وسائر المعاوضات المالية،
وهذه يختلف الفقهاء فيها :
فعند الحنفية يصح صدورها منه، باعتبار مَا لَهُ
من أصل الأهلیة، ولاحتمال أن فيها نفعا له، إلا
أنها تكون موقوفة على إجازة الولي أو الوصي لنقص
أهليته، فإِذا أجازها نفذت، وإن لم يجزها بطلت.
وعند المالكية تقع صحیحة لكنها لا تكون
لازمة، ويتوقف لزومها على إجازة الولي أو
الوصي .
وعند الشافعية والحنابلة لا يصح صدورها من
الصبي، فإِذا وقعت كانت باطلة لا يترتب عليها
أي أثر. (١)
(١) التلويح على التوضيح ١٦٦/٢، والفتاوى الهندية ٣٥٣/١،
والتقرير والتحبير ١٧٠/٢، والدسوقي ٢٦٥/٢، والروضة
٢٢/٨، ٢٣، وكشاف القناع ٢٣٤/٥
- ١٥٩ -
أهلية ٢٣ - ٢٤
المرحلة الرابعة - البلوغ :
٢٣ - البلوغ عند الفقهاء: قوة تحدث للشخص،
تنقله من حال الطفولة إلى حال الرجولة .
وهو يحصل بظهور علامة من علاماته الطبيعية
كالاحتلام، وكالحبل والحيض في الأنثى، فإِن لم
يوجد شيء من هذه العلامات كان البلوغ بالسن.
وقد اختلف الفقهاء في تقديره، فقدره أبوحنيفة
بثماني عشرة سنة للفتى، وسبع عشرة سنة للفتاة،
وقدره الصاحبان والشافعي وأحمد بخمس عشرة
سنة، والمشهور عند المالكية تقديره بثماني عشرة سنة
لكل من الذكر والأنثى .(١)
وفي هذه المرحلة، وهي مرحلة البلوغ، يكتمل
فيها للإِنسان نموه البدني والعقلي، فتثبت له أهلية
الأداء الكاملة، فيصير أهلا لأداء الواجبات وتحمل
التبعات، ويطالب بأداء كافة الحقوق المالية، وغير
المالية، سواء أكانت من حقوق الله أم من حقوق
العباد.
وهذا كله إذا اكتمل نموه العقلي مع اكتمال نموه
البدني، أما إذا وصل إلى سن البلوغ ولم يكتمل
نموه العقلي، بأن بلغ معتوها أو سفيها، فإنه تجري
عليه أحكام الصبي المميز، ويستمر ثبوت الولاية
عليه، خلافا لأبي حنيفة في السفيه. (٢)
المرحلة الخامسة - الرشد :
٢٤ - الرشد في اللغة: الصلاح وإصابة
الصواب. (٣)
(١) ابن عابدين ٥/ ٩٧، وجواهر الإكليل ٢/ ٩٧ ط دار المعرفة،
والقرطبي ٣٤/٥ - ٣٦، وحاشية القليوبي ٢/ ٣٠٠، ٣٠١
(٢) الفتاوى الهندية ٥/ ٥٦ ط المكتبة الإسلامية.
(٣) المصباح المنير .
والرشد عند فقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة :
حسن التصرف في المال، والقدرة على استثماره
واستغلاله استغلالا حسنا.
وعند الشافعية: صلاح الدين والصلاح في
المال .
وهذا الرشد قد يأتي مع البلوغ، وقد يتأخر عنه
قليلا أو كثيرا، تبعا لتربية الشخص واستعداده
وتعقد الحياة الاجتماعية وبساطتها، فإِذا بلغ
الشخص رشیدا كملت أهليته، وارتفعت الولاية
عنه وسلمت إليه أمواله باتفاق الفقهاء، لقول الله
تعالى: ﴿وابْتَلُوا اليتامى حتى إذا بَلَغُوا النكاحَ،
فإِنْ آنَسْتُم منهم رُشْدا فادْفَعُوا إليهم أموالهم﴾.(١)
وإذا بلغ غیر رشيد، وكان عاقلا كملت
أهليته، وارتفعت الولاية عنه عند أبي حنيفة، إلا
أنه لا تسلم إليه أمواله، بل تبقى في يد ولیه أووصیه
حتى يثبت رشده بالفعل، أو يبلغ خمسا وعشرين
سنة، فإِذا بلغ هذه السن سلمت إلیه أمواله، ولو
كان مبذرا لا يحسن التصرف، لأن منع المال عنه
كان على سبيل الاحتياط والتأديب، وليس على
سبيل الحجر عليه، لأن أبا حنيفة لا يرى الحجر
على السفيه، والإِنسان بعد بلوغه هذه السن
وصلاحيته، لأن يكون جدا لا يكون أهلا
للتأديب.
وقال المالكية والشافعية والحنابلة، وهو قول
أبي يوسف ومحمد من الحنفية: إن الشخص إذا
بلغ غير رشيد كملت أهليته، ولكن لا ترتفع
الولاية عنه، وتبقى أمواله تحت يد وليه أو وصيه
حتى يثبت رشده، لقول الله تعالى: ﴿ولا تُؤْتُوا
(١) سورة النساء / ٦
- ١٦٠ -