النص المفهرس

صفحات 121-140

أهل الذمة ٢ - ٦
الذمة في اصطلاح الفقهاء الذميون، والذمي نسبة
إلى الذمة، أي العهد من الإِمام - أو ممن ينوب
عنه - بالأمن على نفسه وماله نظير التزامه الجزية
ونفوذ أحكام الإِسلام. (١)
وتحصل الذمة لأهل الكتاب ومن في حكمهم
بالعقد أو القرائن أو التبعية، فيقرون على كفرهم
في مقابل الجزية، كما سيأتي تفصيله.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - أهل الكتاب :
٢ - قال الحنفية والحنابلة: أهل الكتاب هم :
اليهود والنصارى ومن دان بدینهم، فيدخل في
اليهود السامرةُ، لأنهم يدينون بالتوراة ويعملون
بشريعة موسى عليه السلام، ويدخل في النصارى
كلّ من دان بالإنجيل وانتسب إلى عيسى عليه
السلام بالادعاء والعمل بشريعته. وقال الشافعية
والمالكية: أهل الكتاب هم اليهود والنصارى. (٢)
وأهل الذمة قد یکونون من أهل الكتاب، وقد
یکونون من غیر هم کالمجوس، فالنسبة بين أهل
الذمة وأهل الكتاب: أن كل واحد منهما أعم من
الآخر من وجه، وأخص منه من وجه آخر،
فيجتمعان في الكتابي إذا كان من أهل الذمة.
ب - أهل الأمان (المستأمنون) :
٣ - المراد بالمستأمن عند الفقهاء: من دخل دار
(١) جواهر الإكليل ١٠٥/١، وكشاف القناع ١١٦/٣، وأحكام
أهل الذمة لابن القيم ٢/ ٤٧٥
(٢) ابن عابدين ٢٦٨/٣، والقرطبي ٢/ ١٤٠، والقليوبي
٣/ ٢٥٠، والمهذب ٢٠٥/٢، والمغني ٤٩٦/٨، ٥٠١
الإسلام على أمان مؤقت من قبل الإِمام أو أحد
المسلمين، على تفصيل يذكر في مصطلحه. وعلى
ذلك فالفرق بينه وبين أهل الذمة: أن الأمان لأهل
الذمة مؤبد، وللمستأمنین مؤقت. (١)
جـ ـ أهل الحرب :
٤ - المراد بأهل الحرب: الكفار من أهل الكتاب
والمشركين الذين امتنعوا عن قبول دعوة الإِسلام،
ولم یعقد لهم عقد ذمة ولا أمان، ويقطنون في دار
الحرب التي لا تطبق فيها أحكام الإِسلام. فهم
أعداء المسلمين الذين يعلن عليهم الجهاد مرة أو
مرتين كل عام. (٢) وتفصيله في مصطلحه.
مايكون به غير المسلم ذميا :
٥ - يصير غير المسلم ذميا بالعقد، أو بقرائن معينة
تدل على رضاه بالذمة، أو بالتبعية لغيره، أو
بالغلبة والفتح.
وفيما يأتي تفصيل هذه الحالات:
أولا - عقد الذمة :
٦ - عقد الذمة: إقرار بعض الكفار على كفره
بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الإسلام
الدنيوية، والغرض منه: أن يترك الذمي القتال،
(١) البدائع ١٠٦/٧، وابن عابدين ٢٤٨/٣، وجواهر الإكليل
٢٥٨/١، والشرح الصغير للدردير ٢٨٣/٢، والقليوبي
٢٢٥/٤، والمغني ١٠/ ٤٣٢، ٤٣٣
(٢) فتحي القدير ١٩٥/٥، والبدائع ٧/ ١٠٠، والشرح الصغير
للدردیر ٢٦٧/٢، ٢٧٢، والمهذب ١٨٨/٢، والمغني ٣٥٢/٨
- ١٢١ -

أهل الذمة ٧ - ٨
مع احتمال دخوله الإِسلام عن طريق مخالطته
بالمسلمین، ووقوفه على محاسن الدین. فكان عقد
الذمة للدعوة إلى الإِسلام، لا للرغبة أو الطمع فيما
يؤخذ منهم من الجزية . (١)
وینعقد هذا العقد بإيجاب وقبول باللفظ، أو
مايقوم مقامه، ولا تشترط کتابته كما هو الشأن في
سائر العقود، ومع هذا فكتابة العقد أمر مستحسن
لأجل الإثبات، ودفعا لمضرة الإِنكار والجحود. (٢)
من يتولى إبرام العقد :
٧ - جمهور الفقهاء: (المالكية والشافعية والحنابلة)
على أن عقد الذمة مع غير المسلم يتولى إبرامه
الإِمام أونائبه، فلا يصح من غيرهما، لأن ذلك
يتعلق بنظر الإِمام ومايراه من المصلحة، ولأن عقد
الذمة عقد مؤبد، فلم يجز أن يفتات به على
الإمام.(٣)
وأجاز ذلك الحنفية لكل مسلم، لأن عقد الذمة
خلف عن الإِسلام، فهو بمنزلة الدعوة إليه، ولأنه
مقابل الجزية، فتتحقق فيه المصلحة، ولأنه
مفروض عند طلبهم له، وفي انعقاده إسقاط
الفرض عن الإِمام وعامة المسلمين، فيجوز لكل
مسلم. (٤)
(١) البدائع ٧/ ١١١، وابن عابدين ٣/ ٢٧٥، وكشاف القناع
١١٦/٣، والخرشي ١٤٣/٣، والحطاب ٣/ ٢٨١، ومغني
المحتاج ٢٤٢/٤
(٢) مغني المحتاج ٤/ ٢٤٣، والمغني ٥٣٤/٨، وتاريخ الطبري
٢٢٨/٥، والأموال لأبي عبيد ٨٧، والمهذب ٢/ ٢٥٤،
والأحكام السلطانية للماوردي ١٤٥، والبدائع ٧/ ١١٠
(٣) الخرشي ١٤٣/٣، والقليوبي ٢٢٨/٤، ومغني المحتاج
٢٤٣/٤، والمغني لابن قدامة ٥٠٥/٨، وكشاف القناع ١١٦/٣
(٤) فتح القدير والعناية على الهداية ٢١٣/٥، ٢١٤
من يصح له عقد الذمة :
٨ - اتفق الفقهاء على جواز عقد الذمة لأهل
الكتاب والمجوس، كما اتفقوا على عدم جوازه
للمرتد. أما فيما عدا ذلك فقد اختلفوا:
فقال الشافعية والحنابلة في المشهور عندهم: لا
يجوز عقد الذمة لغير أهل الكتاب والمجوس،
بدليل قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المشركين حيثُ
وجَذْتوهم﴾(١) وهذا عام خص منه أهل الكتاب
بآية الجزية في سورة التوبة / ٢٩، وخص منهم
المجوس بقوله عليه الصلاة والسلام: ((سُنّوا
بهم سنةً أهل الكتاب ... ))(٢) فمن عداهم من
الكفار يبقى على بقية العموم. (٣)
وقال الحنفية، وهو رواية عند المالكية، ورواية
عن أحمد: يجوز عقد الذمة لجميع الكفار، إلا عبدة
الأوثان من العرب، لأن عقد الذمة لرجاء الإِسلام
عن طريق المخالطة بالمسلمين والوقوف على محاسن
الدين، وهذا لا يحصل بعقد الذمة مع مشركي
العرب، لأن القرآن نزل بلغتهم، وحملوا الرسالة،
فليس لهم أدنى شبهة في رفضهم الإِيمان بالله
(١) سورة التوبة / ٥
(٢) حديث: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب ... )) الحديث بهذا اللفظ
طرقه جميعها ضعيفة. انظر نصب الراية للزيلعي ٤٤٨/٣، نشر
دار المأمون. بيروت سنة ١٣٥٧ هـ. ولكن لقصة الحديث شاهد
في البخاري (فتح الباري ٢٥٧/٦/ح ٣١٥٦) ((أنانا كتاب
عمر بن الخطاب قبل موته بسنة: فرقوا بين كل ذي محرم من
المجوس. ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد
عبدالرحمن بن عوف أن رسول الله# أخذها من مجوس هجر)).
(٣) القليوبي ٤/ ٢٢٩، والمغني ٨/ ٤٩٦، ٥٠١، والأم ٤/ ٢٤٠،
وأحكام القرآن لابن العربي ٨٨٩/٢
- ١٢٢ -

أهل الذمة ٩ - ١١
ورسوله، فتعين السيف داعيا لهم إلى الإِسلام،
ولهذا لم يقبل رسول الله وَي منهم الجزية. (١)
وفي المشهور عند المالكية: يجوز عقد الذمة
لجمیع أصناف الكفار، لا فرق بین کتابي وغيره،
ولا فرق بين وثني عربي، ووثني غیر عربي. (٢)
شروط عقد الذمة :
٠
٩ - جمهور الفقهاء على أنه يشترط في عقد الذمة أن
يكون مؤبدا، لأن عقد الذمة في إفادة العصمة
كالخلف عن عقد الإِسلام، وعقد الإِسلام لا
يصح إلا مؤبدا، فكذا عقد الذمة. وفي قول عند
الشافعية يصح مؤقتا.
وكذلك يشترط في هذا العقد قبول والتزام
أحكام الإسلام في غير العبادات، من حقوق
الآدميين في المعاملات وغرامة المتلفات، وكذا
مايعتقدون تحريمه كالزنى والسرقة، كما يشترط في
حق الرجال منهم قبول بذل الجزية كل عام.(٣)
١٠ - وذكر بعض الفقهاء شروطا أخرى لم يذكرها
الآخرون. قال الماوردي من الشافعية: يشترط
عليهم ستة أشياء:
(١) ألا يذكروا كتاب الله تعالى بطعن ولا تحريف
له.
(١) البدائع ٧/ ١١١، وجواهر الإكليل ٢٦٦/١، والخطاب
٣/ ٣٨٠، والمغني ٨/ ٥٠٠
(٢) الخطاب ٣/ ٣٨٠، ٣٨١، وجواهر الإكليل ٢٦٦/١، ٢٦٧.
وترى اللجنة قوة هذا الرأي ووجاهته تاريخيا، لأن قواد العرب
دائما كانوا قبل أن يقاتلوا أي قوم يعرضون عليهم الإسلام أو
الجزية.
(٣) البدائع ٧/ ١١١، ومغني المحتاج ٢٤٢/٤، ٢٤٣، والمغني لابن
قدامة ٨/ ٥٠٥، وكشاف القناع ١١٧/٣، ١٢١
(٢) وألا يذكروا رسول الله صل# بتكذيب له ولا
ازدراء .
(٣) وألا يذكروا دين الإِسلام بذم له ولا قدح فيه.
(٤) وألا يصيبوا مسلمة بزنى ولا باسم نكاح.
(٥) وألا يفتنوا مسلما عن دينه ولا يتعرضوا لماله.
(٦) وألا يعينوا أهل الحرب ولا يؤووا للحربيين
عینا (جاسوسا).
قال الماوردي : فهذه حقوق ملتزمة، فتلزمهم
بغير شرط، وإنما تشترط إشعارا لهم وتأكيدا لتغليظ
العهد عليهم، ويكون ارتكابها بعد الشرط نقضا
لعهدهم.(١)
ومثله ما ذكره أبويعلى من الحنابلة. (٢) وإنما لم
يذكرها الآخرون لدخولها في شرط التزام أحكام
الإسلام.(٣)
١١ - هذا، وزاد بعضهم شروطا أخرى كاستضافة
المسلمين، وعدم إظهار منكر في دار الإِسلام
وغیرها، واختلفوا في وجوب أو استحباب اشتراط
هذا النوع من الشروط، وجملة ذلك أنه ينبغي
للإِمام عند العقد أن يشترط عليهم شروطا نحوما
شرطه عمر رضي الله عنه، وقد رویت عن عمر
رضي الله عنه في ذلك أخبار، منها ما رواه الخلال
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٤٥، وانظر مغني المحتاج
٢٤٣/٤
(٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٤٢
(٣) واللجنة ترى أن المذاهب الفقهية الأخرى وإن لم تصرح باشتراط
هذه الشروط إلا أنهم يقولون بوجوب التزام أهل الذمة بهذه
الشروط، وأن عهدهم يكون منقوضا إذا فعلوا شيئا مما ذكر.
- ١٢٣ -

أهل الذمة ١١ - ١٢
بإسناده عن إسماعيل بن عياش قال: حدثنا غير
واحد من أهل العلم، قالوا: كتب أهل الجزيرة
إلی عبدالرحمن بن غنم: أنا حین قدمنا من بلادنا
طلبنا إليك الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا، على أنا
شرطنا لك على أنفسنا ألا نحدث في مدينتنا كنيسة
ولا فيما حولها ديرا ولا قلاية(١) ولا صومعة راهب
ولا نجدد ما خرب من کنائسنا، ولا ماکان منها في
خطط المسلمين، ولا نمنع كنائسنا من المسلمين أن
ينزلوها في الليل والنهار، وأن نوسع أبوابها للمارة
وابن السبيل، ولا نؤ وي فيها ولا في منازلنا
جاسوسا، وألا نكتم أمر من غش المسلمين، وألا
نضرب نواقیسنا إلا ضربا خفیا في جوف کنائسنا،
ولا نظهر عليها صليبا، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة
ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون،
ولا نخرج صلیبنا ولا كتابنا في سوق المسلمین،
وألا نخرج باعوثا ولا شعانين(٢) ولا نرفع أصواتنا
مع أمواتنا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق
المسلمين، وألا نجاورهم بالخنازير ولا ببيع
الخمور، ولا نظهر شرکا، ولا نرغب في ديننا ولا
ندعوا إليه أحدا، ولا نتخذ شيئا من الرقيق الذين
جرت عليهم سهام المسلمين، وألا نمنع أحدا من
أقربائنا إذا أراد الدخول في الإسلام، وأن نلزم زینا
حيثما كنا، وألا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة
ولا عمامة ولا نعلین ولا فرق شعر ولا في مراکبهم،
ولا نتكلم بكلامهم، وألا نتكنى بكناهم، وأن
(١) القلاية : مایینی لراهب وحده، وتكون مرتفعة كالمنارة، وليست
للاجتماع بل للانفراد. (أحكام أهل الذمة لابن القيم ٦٦٨/٢)
(٢) الباعوث: استسقاء النصارى. كما في القاموس، والشعانين:
أعياد هم کما في أحكام أهل الذمة لابن القیم ص ٧٢١
نجز مقادم رءوسنا، ولا نفرق نواصينا، ونشد
الزنانیر علی أوساطنا، ولا ننقش خواتيمنا
بالعربية، ولا نرکب السروج، ولا نتخذ شیئا من
السلاح، ولا نحمله، ولا نتقلد السیوف، وأن نوقر
المسلمين في مجالسهم، ونرشد الطريق، ونقوم لهم
عن المجالس إذا أرادوا المجالس، ولا نطلع
عليهم في منازلهم، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا
يشارك أحد منا مسلما في تجارة إلا أن یکون الى
المسلم أمر التجارة، وأن نضيف كل مسلم عابر
سبيل ثلاثة أيام، ونطعمه من أوسط ما نجد،
ضمنا ذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا
ومساكننا، وإن نحن غيرنا أوخالفنا عما شرطنا
على أنفسنا وقبلنا الأمان علیه فلا ذمة لنا، وقد حل
لك منا مايحل لأهل المعاندة والشقاق. فكتب
بذلك عبدالرحمن بن غنم إلى عمر بن الخطاب
رضي الله عنه، فكتب، لهم عمر: أن امض لهم ما
سألوه)).(١).
ولا شك أن بعض هذه الشروط واجب،
وینقض بمخالفته عقد الذمة كما سيأتي .
ثانيا : حصول الذمة بالقرائن :
وهو أنواع :
أ - الإقامة في دار الإسلام :
١٢ - الأصل أن غير المسلم الذي لم يحصل على
الذمة لا يمكن من الإقامة الدائمة في دار الإِسلام،
(١) البناية على الهداية ٥/ ٨٣٧، والمغني لابن قدامة ٨/ ٥٢٤،
٥٢٥، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٤٥، ولأبي يعلى ص
١٤٣
- ١٢٤ -

أهل الذمة ١٢ - ١٤
وإنما يمكن من الإقامة اليسيرة بالأمان المؤقت،
ويسمى صاحب الأمان (المستأمن)، وجمهور
الفقهاء (الحنفية والشافعية والحنابلة) على أن مدة
الإقامة في دار الإِسلام للمستأمن لا تبلغ سنة، فإذا
أقام فيها سنة كاملة أو أكثر تفرض عليه الجزية
ویصیر بعدها ذميا.
فطول إقامة غير المسلمين قرينة على رضاهم
بالإقامة الدائمة وقبولهم شروط أهل الذمة. (١)
هذا، وقد فصل فقهاء الحنفية في هذا الموضوع
فقالوا: الأصل أن الحربي إذا دخل دار الإِسلام
بأمان ينبغي للإمام أن يتقدم إليه، فيضرب له مدة
معلومة، على حسب مايقتضيه رأيه، ويقول له:
إن جاوزت المدة جعلتك من أهل الذمة، فإِذا
جاوزها صاردمیا، فإِذا أقام سنة من يوم ما قال له
الإِمام أخذت منه الجزية. (٢) وإذا لم يضرب له مدة
قال أكثر الحنفية: یصیر ذمیا بإقامته سنة، وقال
بعضهم: إن أقام المستأمن، فأطال المقام أمر
بالخروج، فإن أقام بعد ذلك حولا وضعت عليه
الجزية، وعلى هذا فاعتبار السنة من تاريخ إنذار
الإِمام له بالخروج، فلو أقام سنين من غير أن يتقدم
إليه الإمام بالخروج، فله الرجوع إلى دار الحرب،
ولا یصیر ذميا.(٣)
ولم نجد نصا للمالكية في تقدير مدة الأمان
للمستأمن وصيرورته ذمیا .
(١) البدائع ٧/ ١١٠، والأحكام السلطانية للماوردي ١٤٦ ،
والأحكام السلطانية لأبي يعلى ١٤٥
(٢) البدائع ٧/ ١١٠
(٣) فتح القدير على الهداية ٢٧٢/٥، والخراج لأبي يوسف ص
١٨٩
ب - زواج الحربية من المسلم أو الذمي :
١٣ - صرح الحنفية بأن الحربية المستأمنة إذا
تزوجت مسلما أو ذمیا فقد توطنت وصارت ذمیة،
لأن المرأة في المسكن تابعة للزوج، ألا ترى أنها
لا تملك الخروج إلا بإذنه، فجَعْلُها نفسها تابعة لمن
هو في دارنا رضى بالتوطن في دارنا على التأبيد،
ورضاها بذلك دلالة کالرضی بطريق الإفصاح،
فلهذا صارت ذمية. بخلاف المستأمن إذا تزوج
ذمية، لأن الزوج لا يكون تابعا لامرأته في المقام،
فزواجه من الذمية لا يدل على رضاه بالبقاء في دار
الإِسلام، فلا يصير ذميا. (١)
وأما الحنابلة، فالظاهر أنهم خالفوا الحنفية في
هذا الحكم، قال صاحب المغني: إذا دخلت
الحربية إلينا بأمان، فتزوجت دمیا في دارنا، ثم
أرادت الرجوع لم تمنع إذا رضي زوجها أو فارقها،
وقال أبوحنيفة: تمنع.(٢)
ولم نعثر في كتب المالكية والشافعية على هذا
الحكم.
جـ - شراء الأراضي الخراجية:
١٤ - قرر الحنفية أن المستأمن إذا اشتری أرضا
خراجية في دار الإسلام فزرعها، يوضع عليه خراج
الأرض ويصير ذميا، لأن وظيفة الخراج تختص
بالمقام في دار الإِسلام، فإِذا قبلها فقد رضي بكونه
من أهل دار الإِسلام فيصير ذميا. ولوباعها قبل أن
يجبى خراجها لا يصير ذميا، لأن دليل قبول الذمة
(١) المبسوط السرخسي ٨٤/١٠، والبدائع ٧/ ١١٠، والسير الكبير
١٨٦٥/٥، والزيلعي ٢٦٩/٢.
(٢) المغني ٨/ ٤٠٢
- ١٢٥ -

أهل الذمة ١٥ - ١٧
وجوب الخراج لا نفس الشراء، فما لم يوضع عليه
الخراج لا يصير ذميا.
وقال بعضهم: إنما يصير ذميا بشرط تنبيهه على
أنه في حالة عدم بيعه الأرض ورجوعه إلى بلاده
سیکون ذمیا، إذ لا یصح جعله ذميا بلا رضی منه
أو قرینة معتبرة تكشف عن رضاه.(١)
هذا، ولم نجد لسائر الفقهاء رأيا في هذه
المسألة.
ثالثا - صيرورته ذميا بالتبعية :
١٥ - هناك حالات يصير فيها غير المسلم ذميا تبعا
لغيره، لعلاقة بينهما تستوجب هذه التبعية في الذمة
منها :
أ - الأولاد الصغار والزوجة :
١٦ - صرح جمهور الفقهاء: (الحنفية والشافعية
والحنابلة) أن الأولاد الصغار يدخلون في الذمة تبعا
لآبائهم أو أمهاتهم إذا دخلوا في الذمة، (٢) لأن عقد
الذمة فيه التزام أحكام الإِسلام فيما يرجع إلى
المعاملات، والصغير في مثل هذا يتبع خير
الوالدين، كما علله الحنفية، وهذا مايفهم من كلام
المالکیة، حیث قالوا : لا تعقد الذمة إلا لکافر حر
بالغ ذكر، فأما المرأة والعبد والصبي فهم أتباع. (٣)
وإذا بلغ صبيان أهل الذمة تؤخذ منهم الجزية
دون حاجة إلى عقد جديد، وهذا مذهب الحنفية
(١) البدائع ٧/ ١١٠، وابن عابدين ٣٤٦/٣، والزيلعي ٢٦٩/٢
(٢) السير الكبير٥/ ١٨٧٠، والمهذب للشيرازي ٢/ ٢٥١، ٢٥٣،
والمغني لابن قدامة ٥٠٨/٨
(٣) القوانين الفقهية لابن جزي ص ١٠٤
والمالكية والحنابلة، وهو وجه عند الشافعية، لأنه لم
يأت عن النبي ### ولا عن أحد من خلفائه تجديد
العقد لهؤلاء. ولأنهم تبعوا الأب في الأمان، فتبعوه
في الذمة. (١)
والأصح عند الشافعية أنه يستأنف له عقد
الذمة، لأن العقد الأول کان للأب دونه، فعلی
هذا جزيته على مايقع عليه التراضي. (٢)
ومثل هذا الحكم أن التبعية في الذمة يجري على
الزوجة عند الحنفية، فإِنهم قالوا: لو أن زوجين
مستأمنين دخلا دار الإِسلام بالأمان، أوتزوج
مستأمن مستأمنة في دارنا ثم صار الرجل ذمیا، أو
دخلت حربية دار الإِسلام بأمان فتزوجت ذمیا،
صارت ذمية تبعا للزوج، لأن المرأة في المقام تابعة
لزوجها. (٣)
ب - اللقيط :
١٧ - إذا وجد اللقيط في مكان أهل الذمة،
كقريتهم أوبيعة أو كنيسة يعتبر ذميا تبعا لهم، ولو
التقطه مسلم في ظاهر الرواية عند الحنفية، وهو
المشهور عند المالكية . (٤)
وقال الشافعية والحنابلة: إذا وجد اللقيط في دار
الإِسلام - وفيها أهل ذمة - أو بدار فتحها المسلمون
وأقروها بيد الكفار صلحا، أو أقروها بيدهم بعد
(١) السير الكبير ٥/ ١٨٧٠، والقوانين الفقهية ص ١٠٤، والمهذب
٢٥٣/٢، والروضة ٣٠٠/٨، والمغني ٥٠٨/٨
(٢) المهذب للشيرازي ٢/ ٢٥٣، والروضة ٣٠٠/٨
(٣) السير الكبير ٥/ ١٨٦٥، والفتاوى الهندية ٢٣٥/٢
(٤) ابن عابدين ٣٢٦/٣، والحطاب ٨٢/٦، وجواهر الإكليل
٢٢٠/٢
- ١٢٦ -
٠

أهل الذمة ١٨ - ٢٠
ملكها بجزية وفيها مسلم - ولو واحدا - حكم
بإسلام اللقيط، لأنه يحتمل أن يكون لذلك المسلم
تغليبا للإِسلام. وإن لم يكن فيما فتحوها مسلم
فاللقيط كافر.(١)
رابعا - الذمة بالغلبة والفتح :
١٨ - هذا النوع من الذمة يتحقق فيما إذا فتح
المسلمون بلادا غير إسلامية، ورأى الإِمام ترك
أهل هذه البلاد أحرارا بالذمة، وضرب الجزية
علیهم، كما فعل عمر بن الخطاب في فتح سواد
العراق. (٢)
حقوق أهل الذمة
١٩ - القاعدة العامة في حقوق أهل الذمة: أن لهم
ما لنا وعليهم ما علينا، وهذه القاعدة جرت على
لسان فقهاء الحنفية، وتدل عليها عبارات فقهاء
المالكية، والشافعية، والحنابلة . (٣) ويؤ يدها بعض
الآثار عن السلف، فقد روي عن علي بن
أبي طالب أنه قال: ((إنما قبلوا الجزية لتكون
أموالهم کأموالنا، ودماؤهم کدمائنا».
لكن هذه القاعدة غير مطبقة على إطلاقها،
فالذميون ليسوا كالمسلمين في جميع الحقوق
(١) حاشية القليوبي ١٢٦/٣، والمغني لابن قدامة ٧٤٨/٥
(٢) الكاساني ٧/ ١١١، ١١٩، وحاشية القليوبي ١٢٦/٣،
وأحكام أهل الذمة لابن القيم ١/ ١٠٥
(٣) بدائع الصنائع للكاساني ١١١/٦، والقوانين الفقهية لابن جزي
ص ١٠٥، والمهذب للشيرازي ٢/ ٢٥٦، والأحكام السلطانية
للماوردي ص ٢٤٧، والمغني لابن قدامة ٤٤٥/٨، ٥٣٥
والواجبات، وذلك بسبب كفرهم وعدم التزامهم
أحكام الإِسلام.
وفيما يلي نذكر ما يتمتع به أهل الذمة من
الحقوق :
أولا - حماية الدولة لهم :
٢٠ - يعتبر أهل الذمة من أهل دار الإِسلام، لأن
المسلمين حين أعطوهم الذمة فقد التزموا دفع
الظلم عنهم والمحافظة عليهم، وصاروا أهل دار
الإِسلام، كما صرح الفقهاء بذلك. (١)
وعلى ذلك فلأهل الذمة حق الإقامة آمنين
مطمئنين على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وعلى
الإِمام حمايتهم من كل من أراد بهم سوءا من
المسلمين أو أهل الحرب أو أهل الذمة، لأنه التزم
بالعهد حفظهم من الاعتداء عليهم، فيجب عليه
الذب عنہم، ومنع من یقصدهم بالأذى من
المسلمین أو الكفار، واستنقاذ من أسر منهم،
واسترجاع ما أخذ من أموالهم، سواء أكانوا مع
المسلمین أم منفردین عنهم في بلد لهم، لأنهم بذلوا
الجزية لحفظهم وحفظ أموالهم. (٢)
ومن مقتضيات عقد الذمة أن أهل الذمة لا
يظلمون ولا يؤذون، قال النبي ◌ِ #1: ((أَلاً من ظَلَم
معاهدا أو انتقَصَه حقه، أو كلّفَهُ فوق طاقته، أو
(١) البدائع للكاساني ٥/ ٢٨١، وشرح السير الكبير ١/ ١٤٠،
والمغني ٥٦٦/٥
(٢) البدائع ١١١/٧، والشرح الصغير للدردير ٢٧٣/٢
و٣٣٥/٤، والمهذب ٢٥٦/٢، وكشاف القناع ١٣٩/٣،
والمغني ٨/ ٥٣٥
- ١٢٧ -

أهل الذمة ٢١ - ٢٣
أخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه
يوم القيامة)). (١)
حتى إن الفقهاء صرحوا بأن أهل الحرب إذا
استولوا على أهل الذمة، فسبوهم وأخذوا أموالهم،
ثم قدر علیھم، وجب ردهم إلی ذمتهم، ولم يجز
استرقاقهم، وهذا في قول عامة أهل العلم، كما
قال صاحب المغنى : لأن ذمتهم باقية، ولم يوجد
منهم ماينقضها، وحكم أموالهم حكم أموال
المسلمين في حرمتها . (٢)
ثانيا - حق الإِقامة والتنقل :
٢١ - لأهل الذمة أن يقيموا في دار الإِسلام آمنين
مطمئنين على أنفسهم وأموالهم، مالم يظهر منهم
ماینتقض به عهدهم، لأنهم إنما بذلوا الجزية لتكون
أموالهم کأموالنا ودمائهم کدمائنا، والمسلمون على
شروطهم.
لكن الفقهاء اتفقوا على عدم جواز إقامة الذمي
واستيطانة في مكة والمدينة، على خلاف وتفصيل
فيما سواهما، ينظر في مصطلح (أرض العرب)(٣)
لقوله #1: ((لا يجتمع في أرض العرب دينان)) (٤)
ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((لئن عشت -
إن شاء الله - لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة
(١) حديث: (ألا من ظلم معاهدا ... )) أخرجه أبوداود
٤٣٧/٣ ح ٣٠٥٢، قال العراقي: إسناده جيد (تنزيه الشريعة
١٨٢/٢، نشر مكتبة القاهرة).
(٢) ابن عابدين ٢٤٣/٣، ٢٤٤، والمهذب ٢٥٣/٢، والمغني
٤٤٤/٨
(٣) الموسوعة الفقهية في الكويت ١٢٦/٣
(٤) حديث : ((لا يجتمع في أرض العرب دينان ... )) أخرجه أبوعبيد
في الأموال ص ١٢٨ نشر دار الفكر سنة ١٣٩٥ هـ.
العرب)).(١)
أما في غيرها من المدن والقرى في دار الإِسلام
فيجوز لأهل الذمة أن يسكنوا فيها مع المسلمين أو
منفردين، لكن ليس لهم رفع بنائهم على المسلمين
بقصد التعلي، وإذا لزم من سكناهم في المصربين
المسلمين تقليل الجماعة أمروا بالسكنى في ناحية -
خارج المصر - ليس فيها جماعة المسلمين إذا ظهرت
المصلحة في ذلك.(٢)
٢٢ - وأما حق التنقل فيتمتع أهل الذمة به في دار
الإِسلام أينما يشاءون للتجارة وغيرها، إلا أن في
دخولهم مكة والمدينة وأرض الحجاز تفصيل سبق
بيانه في مصطلح (أرض العرب).
ثالثا - عدم التعرض لهم في عقيدتهم وعبادتهم:
٢٣ - إن من مقتضى عقد الذمة ألا يتعرض
المسلمون لأهل الذمة في عقيدتهم وأداء عبادتهم
دون إظهار شعائرهم، فعقد الذمة إقرار الكفار
على كفرهم بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة،
وإذا كان هناك احتمال دخول الذمي في الإسلام
(١) ابن عابدين ٢٧٥/٣، وجواهر الإكليل ٢٦٧/١،
والماوردي ص ١٦٧، والمغني ٥٢٩/٨، وأحكام أهل الذمة
لابن القيم ١٧٦/١ - ١٨٦
والحديث: «لئن عشت إن شاء الله لآخرجن اليهود والنصارى
من جزيرة العرب)». أخرجه مسلم (١٣٨٨/٣ نشر عيسى.
الحلبي ١٣٧٥ هـ، والترمذي ١٥٦/٤/ ح ١٦٠٦، نشر
مصطفى الحلبي مصر ١٣٩٨ هـ) واللفظ للترمذي. وقال: حسن
صحيح.
(٢) ابن عابدين ٢٧٥/٣، ٢٧٦، والأحكام السلطانية للماوردي
١٤٥، ١٦٨، ولأبي يعلى ص ١٤٣، والمغني ٥٢٤/٨، ٥٣٠،
وجواهر الإكليل ٢٦٧/١، وكشاف القناع ١٣٦/٣
- ١٢٨ -

أهل الذمة ٢٤
عن طريق مخالطته للمسلمين ووقوفه على محاسن
الدین، فهذا يكون عن طريق الدعوة لا عن طريق
الإكراه، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لا إكراه
في الدين)،(١) وفي كتاب النبي ﴿ ﴿ لأهل نجران:
((ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد رسول الله
على أموالهم وملتهم وبيعهم وكل ماتحت
أيديهم ... ))(٢) وهذا الأصل متفق عليه بين
الفقهاء، لكن هناك تفصیل وخلاف في بعض
الفروع نذكره فيما يلي:
أ - معابد أهل الذمة :
٢٤ - قسم الفقهاء أمصار المسلمين على ثلاثة
أقسام :
الأول : ما اختطه المسلمون وأنشئوه كالكوفة
والبصرة وبغداد وواسط، فلا يجوز فيه إحداث
كنيسة ولا بيعة ولا مجتمع لصلاتهم ولا صومعة
بإجماع أهل العلم، ولا يمكنون فيه من شرب
الخمر واتخاذ الخنازير وضرب الناقوس، لقول النبي
﴾: «لا تبنی کنيسةً في دار الإسلام، ولا يجددما
خرب منها)(٤) ولأن هذا البلد ملك للمسلمين فلا
(١) سورة البقرة/ ٢٥٦
(٢) حديث: ((كتاب النبي # لأهل نجران ... )) أخرجه البيهقي في
دلائل النبوة (٥/ ٣٨٥) نشر دار الكتب العلمية. بيروت سنة
١٤٠٥ هـ. وفي إسناده جهالة (البداية والنهاية لابن كثير
٤٨/٥، نشر دار الكتب، بيروت سنة ١٤٠٥ هـ).
(٣) الخراج لأبي يوسف ص ٧٢، والبدائع ١١٣/٧، والدسوقي
٢٠٤/٢، وكشاف القناع ١١٦/٣، ١٣٣
(٤) حديث: ((لا تبنى كنيسة في دار الإسلام، ولا بینی ما خرب
منها ... )) قال الزيلعي في نصب الراية (١٥٤/٣، نشر دار
المأمون. بيروت ١٣٥٧ هـ): أخرجه ابن عدي في الكامل
وقال: سنده ضعيف.
يجوز أن يبنوا فيه مجامع للكفر، ولو عاقدهم الإمام
على التمكن من ذلك فالعقد باطل. (١)
الثاني : ما فتحه المسلمون عنوة، فلا يجوز فيه
إحداث شيء من ذلك بالاتفاق، لأنه صار ملكا
للمسلمین، وما كان فيه شيء من ذلك هل يجب
هدمه؟(٢) قال المالكية: وهووجه عند الحنابلة:
لا يجب هدمه، لأن الصحابة رضي الله عنهم
فتحوا كثيرا من البلاد عنوة فلم يهدموا شيئا من
الکنائس.
ویشهد لصحة هذا وجود الكنائس والبيع في
البلاد التي فتحها المسلمون عنوة، وقد كتب
عمربن عبدالعزيز إلى عماله: ألا يهدموا بيعة
ولا کنیسة ولا بیت نار.
وفي الأصح عند الشافعية، وهووجه عند
الحنابلة: يجب هدمه، فلا يقرون على كنيسة
كانت فيه، لأنها بلاد مملوكة للمسلمين، فلم يجز أن
تكون فيها بيعة، كالبلاد التي اختطها المسلمون.
وذهب الحنفية إلی أنها لا تهدم، ولكن تبقى
بأیدیہم مساكن، ويمنعون من اتخاذها للعبادة. (٣)
(١) فتح القدير ٥/ ٣٠٠، وجواهر الإكليل ٢٦٨/١، ومغني المحتاج.
٤/ ٢٥٣، والمغني لابن قدامة ٥٢٦/٨
(٢) المهذب ٢٥٦/٢، والدسوقي ٢/ ٢٠٤، وجواهر الإكليل
٢٦٨/١، والمغني لابن قدامة ٨/ ٥٢٧
(٣) فتح القدیر ٥/ ٣٠٠، وابن عابدين ٣/ ٢٦٣ ط بولاق، ومغني
المحتاج ٤/ ٢٥٤، وأسنى المطالب ٤/ ٢٢٠، وقليوبي ٢٣٤/٤ -
٢٣٥
- ١٢٩ -

أهل الذمة ٢٥
الثالث : ما فتحه المسلمون صلحا، فإن
صالحهم الإِمام على أن الأرض لهم والخراج لنا،
فلهم إحداث ما يحتاجون إليه فیھا من الكنائس
عند الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو الأصح عند
الشافعية، لأن الملك والدار لهم، فيتصرفون فيها
كيف شاءوا. وفي مقابل الأصح عند الشافعية :
المنع، لأن البلد تحت حكم الإسلام.
وإن صالحهم على أن الدارلنا، ويؤدون
الجزية، فالحكم في الكنائس على مايقع عليه
الصلح، والأولى ألا يصالحهم إلا على ما وقع
عليه صلح عمر رضي الله عنه من عدم إحداث
شيء منها .
وإن وقع الصلح مطلقا، لا يجوز الإِحداث عند
الجمهور: (الحنفية والشافعية والحنابلة)، ويجوز في
بلد ليس فيه أحد من المسلمين عند المالكية.
ولا يتعرض للقديمة عند الحنفية والحنابلة، وهو
المفهوم من كلام المالكية، والأصح عند الشافعية
المنع من إبقائها کنائس .(١)
ب - إجراء عباداتهم :
٢٥ - الأصل في أهل الذمة تركهم ومایدینون،
فيقرون على الكفر وعقائدهم وأعمالهم التي
يعتبر ونها من أمور دينهم، کضرب الناقوس خفيفا
في داخل معابدهم، وقراءة التوراة والإنجيل فيما
بينهم، ولا يمنعون من ارتكاب المعاصي التي
يعتقدون بجوازها، كشرب الخمر، واتخاذ الخنازير
(١) فتح القدير ٥/ ٣٠٠، والدسوقي ٢٠٤/٢، وجواهر الإكليل
٢٦٨/١، ومغني المحتاج ٤/ ٢٥٤، والمغني لابن قدامة
٥٢٧،٥٢٦/٨
وبيعها، أو الأكل والشرب في نهار رمضان، وغير
ذلك فيما بينهم، أو إذا انفردوا بقرية. ويشترط في
جمیع هذا ألا يظهروها ولا يجهروا بها بين المسلمین،
وإلا منعوا وعزروا، وهذا باتفاق المذاهب، فقد
جاء في شروط أهل الذمة لعبد الرحمن بن غنم:
((ألا نضرب ناقوسا إلا ضربا خفيا في جوف
كنائسنا، ولا نظهر عليها صليبا، ولا نرفع أصواتنا
في الصلاة ولا القراءة في کنائسنا، ولا نظھر صلیبا
ولا كتابا في سوق المسلمین » الخ(١)
هذا، وقد فصل بعض الحنفية بين أمصار
المسلمين وبين القرى، فقالوا: لا يمنعون من
إظهار شيء من بيع الخمر والخنزير والصليب
وضرب الناقوس في قرية، أو موضع ليس من أمصار
المسلمین، ولو کان فيه عدد کثیر من أهل الإسلام،
وإنما يكره ذلك في أمصار المسلمين، وهي التي تقام
فيها الجمع والأعياد والحدود، لأن المنع من إظهار
هذه الأشياء لكونه إظهار شعائر الكفر في مکان
٢
إظهار شعائر الإسلام، فيختص المنع بالمكان المعد
لإظهار الشعائر، وهو المصر الجامع. (٢)
وفصل الشافعية بين القرى العامة والقرى التي
ينفرد بها أهل الذمة، فلا يمنعون في الأخيرة من
إظهار عباداتهم. (٣)
(١) البناية على الهداية ٤/ ٨٣٧، وابن عابدين ٢٧٢/٣،
والدسوقي ٢٠٤/٢، ومغني المحتاج ٤/ ٢٥٧، وكشاف القناع
١٣٣/٣
(٢) بدائع الصنائع للكاساني ١١٣/٧
(٣) المهذب ٢٥٦/٢
- ١٣٠ -

أهل الذمة ٢٦ - ٢٨
رابعا - اختيار العمل :
٢٦ - يتمتع الذمي باختيار العمل الذي يراه مناسبا
للتكسب، فيشتغل بالتجارة والصناعة كما يشاء،
فقد صرح الفقهاء أن الذمي في المعاملات
كالمسلم، هذا هو الأصل، وهناك استثناءات في
هذا المجال ستأتي في بحث مايمنع منه الذمیون.
أما الأشغال والوظائف العامة، فما يشترط فيه
الإسلام كالخلافة، والإمارة على الجهاد، والوزارة
وأمثالها، فلا يجوز أن يعهد بذلك إلى ذمي،
وما لا يشترط فيه الإِسلام كتعليم الصغار الكتابة،
وتنفيذ ما يأمر به الإمام أو الأمیر، يجوز أن يمارسه
الذميون. (١) وتفصيل هذه الوظائف في
مصطلحاتها. وانظر كذلك مصطلح: (استعانة).
المعاملات المالية لأهل الذمة :
٢٧ - القاعدة العامة أن أهل الذمة في المعاملات
كالبيوع والإِجارة وسائر التصرفات المالية كالمسلمين
(إلا ما استثني من المعاملة بالخمر والخنزير ونحوهما
كما سيأتي). وذلك لأن الذمي ملتزم أحكام
الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات المالية، فيصح
منهم البيع والإِجارة والمضاربة والمزارعة ونحوها من
العقود والتصرفات التي تصح من المسلمین،
ولا تصح منهم عقود الربا والعقود الفاسدة
والمحظورة التي لا تصح من المسلمين، كما صرح به
فقهاء المذاهب.
قال الجصاص من الحنفية: إن الذمیین في
(١) ابن عابدين ٢٧٦/٣، وجواهر الإكليل ٢/ ٢٥٤، والأحكام
السلطانية للماوردي ص ٢١ - ٢٥، والأحكام السلطانية لأبي
يعلى ص ١٣ - ١٥
المعاملات والتجارات كالبيوع وسائر التصرفات
كالمسلمين، (١) ومثله ما قاله الإمام السرخسي في
المبسوط، وصرح به الكاساني في البدائع حیث
قال: كل ما جاز من بيوع المسلمين جاز من بيوع
أهل الذمة، وما يبطل أو يفسد من بيوع المسلمين
ببطل ويفسد من بيوعهم، إلا الخمر والخنزير. (٢)
بل إن الشافعية صرحوا ببطلان بيع الخمر والخنزير
بينهم أيضا قبل القبض. وكلام المالكية والحنابلة
أيضا يدل على صحة هذه القاعدة في الجملة، لأن
أهل الذمة من أهل دار الإِسلام، وملتزمون أحكام
الإسلام في المعاملات. (٣)
قال الإمام الشافعي في الأم: تبطل بينهم البيوع
التي تبطل بين المسلمين كلها، فإذا مضت
واستهلكت لم نبطلها. وقال: فإن جاء رجلان منهم
قد تبايعا خمرا ولم يتقابضاها أبطلنا البيع، وإن
تقابضاها لم نرده، لأنه قد مضی . (٤)
إلا أن هناك مايستثنى من هذه القاعدة نجمله
فیمایلی:
أ - المعاملة بالخمر والخنزير :
٢٨ - اتفق الفقهاء على أنه لا تجوز المعاملة بالخمر
والخنزير بين المسلمين مطلقا، لأنهما لا يعتبران مالا
متقوما عند المسلمين، وقد روي عن النبي # أنه
(١) تفسير الأحكام للجصاص ٤٣٦/٢، وانظر ابن عابدين
٢٧٦/٣
(٢) المبسوط السرخسي ٨٤/١٠، والبدائع للكاساني ١٧٦/٤
(٣) المغني ٥٠٥/٨، ٥١٥/٥، وكشاف القناع ١١٧/٣، وجواهر
الإكليل ٢٥/٢، ١٨١
(٤) الأم للشافعي ٤/ ٢١١
- ١٣١ -

أهل الذمة ٢٩ - ٣١
قال: ((ألا إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والخنزير
والميتة والأصنام))، (١) لكنهم أقروا المعاملة بالخمر
والخنزير بين أهل الذمة، بنحوشرب أوبيع أوهبة
أو مثلها، بشرط عدم الإظهار، لأن مقتضى عقد
الذمة: أن يقر الذمي على الكفر مقابل الجزية،
ويترك هو وشأنه فيما يعتقده من الحل والحرمة،
والمعاملة بالخمر والخنزير مما يعتقد جوازها.
وهذا محل اتفاق بين الفقهاء في الجملة. (٢)
ويستدل الحنفية لذلك بقولهم: إن الخمر
والخنزير مال متقوم في حقهم، كالخل والشاة
للمسلمين، فيجوز بیعه، وروي عن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى عُشّاره بالشام:
أن ولوهم بيعها، وخذوا العشر من أثمانها، ولو لم يجز
بيع الخمر منهم لما أمرهم بتوليتهم البيع.(٣)
ب - ضمان الإتلاف :
٢٩ - إذا أتلف الخمر والخنزير لمسلم فلا ضمان
اتفاقا، لعدم تقومهما في حق المسلمين. وكذلك
إتلافهما لأهل الذمة عند الشافعية والحنابلة، لأن
مالا یکون مضمونا في حق المسلم لا یکون مضمونا
في حق غیرہ. (٤)
(١) حديث: ((إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير
والأصنام ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ٤/ ٤٢٤ ح
٢٢٣٦ تصوير عن الطبعة السلفية).
(٢) البدائع الكاساني ٥/ ١٤٣، وجواهر الإكليل ١/ ٤٧٠، وحاشية
الجمل ٣/ ٤٨١، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٤٥،
والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٤٣، والمغني لابن قدامة
٢٢٣/٥
(٣) البدائع ١٤٣/٥
(٤) مغني المحتاج ٢٨٥/٢، والمغني لابن قدامة ٢٢٣/٥
لکن الحنفية صرحوا بضمان متلفهما لأمل
الذمة، لأنهما مال متقوم في حقهم، وبهذا قال
المالكية، إذا لم يظهر الذمي الخمر والخنزير، (١)
وتفصيله في مصطلح: (ضمان).
جـ - استئجار الذمي مسلما للخدمة :
٣٠ - تجوز معاملة الإيجار والاستئجار بين المسلمين
وأهل الذمة في الجملة، لكنه إذا استأجر الذمي
مسلما لإجراء عمل، فإذا كان العمل الذي يؤاجر
المسلم للقيام به مما يجوز لنفسه كالخياطة والبناء
والحرث فلا بأس به، أما إذا كان لا يجوز له أن
یعمله کعصر الخمور ورعي الخنازير ونحو ذلك فلا
يجوز.
وقال بعض الفقهاء: لا يجوز استئجار المسلم
لخدمة الذمي الشخصية، لما فيه من إذلال المسلم
لخدمة الكافر. (٢) وتفصيله في مصطلح:
(إجارة)(٣)
د - وكالة الذمي في نكاح المسلمة :
٣١ - لا یصح أن یوكل مسلم كافرا في عقد النكاح
له من مسلمة عند الشافعية والحنابلة، لأن الذمي
لا يملك عقد هذا النكاح لنفسه فلا تجوز وكالته.
وقال الحنفية والمالكية: تصح هذه الوكالة، لأن
الشرط لصحة الوكالة: أن يكون الموكل ممن يملك
(١) البدائع ١٦/٥، ١١٣، والزرقاني على خليل ١٤٦/٣
(٢) البدائع ١٨٩/٤، والشرح الصغير ٣٥/٤، وجواهر الإكليل
١٨٨/٢، والقليوبي ٦٧/٣، والمغني ١٣٨/٦
(٣)ر: (إجارة) في الموسوعة الفقهية (٢٨٨/١ ف ١٠٤).
- ١٣٢ -

أهل الذمة ٣٢ - ٣٤
فعل ما وکل به، وأن یکون الوکیل عاقلا، مسلما
کان أو غير مسلم.(١)
× هـ - عدم تمكين الذمي من شراء المصحف وكتب
الحدیث :
٣٢ - لا يجوز تمكين الذمي من شراء المصحف أو
دفتر فيه أحاديث عند جمهور الفقهاء (المالكية
والشافعية والحنابلة) لأن ذلك قد يؤدي إلى
ابتذاله. (٢)
ولم نعثر في کتب الحنفیة علی مایمنع ذلك، إلا
أن أبا حنيفة وأبا یوسف يمنعان الذمي من مس
المصحف، وجوزه محمد إذا اغتسل لذلك. (٣)
وتفصيله في مصطلح: (مصحف).
و - شهادة أهل الذمة :
٣٣ - لا تقبل شهادة أهل الذمة على المسلمين
اتفاقا، إلا في الوصية في السفر إذا لم يوجد غيرهم
عند الحنابلة. ويعلل الفقهاء عدم قبول الشهادة
منهم بأن الشهادة فيها معنى الولاية، ولا ولاية
للكافر على المسلم.
كذلك لا تقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على
بعض عند جمهور الفقهاء: المالكية والشافعية
والحنابلة، بدليل قوله تعالى: ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ
عذلٍ منکم﴾، والكافرليس بذي عدل. وأجازها
(١) البدائع ٦/ ٢٠، ٢٢، والزرقاني على خليل ١٢٨/٣، والمغني
لابن قدامة ٥/ ٨٨
(٢) جواهر الإكليل ٣/٢، والأم للشافعي ٢١٢/٤، والمغني
٦٢٤/١
(٣) ابن عابدين ١١٩/١
الحنفية وإن اختلفت مللهم، ماداموا عدولا في
دينهم، لما روي ((أن النبي # أجاز شهادة أهل
الذمة بعضهم على بعض)) (٢) ولأن بعضهم أولياء
بعض، فتقبل شهادة بعضهم على بعض.(٢)
هذا، وهناك استثناءات أخرى في مسائل
الوصية وإثبات الشفعة والتملك بإحياء الموات
ونحوها، تنظر في مصطلحاتها وفي مظانها من كتب
الفقه .
أنکحة أهل الذمة وما يتعلق بها
٣٤ - لا يختلف أحكام نكاح أهل الذمة عن غيرهم
من أهل الكتاب وسائر الكفار، إلا أنه يجوز
للمسلم أن يتزوج كتابية .
ولا يجوز زواج المسلمة من غير المسلم، ولو كان
ذميا أو كتابيا. وذلك باتفاق الفقهاء لقوله تعالى :
﴿ولا تُنْكِحوا المشركين حتى يُؤْمِنوا﴾(٣) ولقوله
تعالى: ﴿فلا تَرْجِعوهن إلى الكفار، لا هُن حِلّ
لهم ولا هم يَحِلُّون لهن﴾ (٤) ولا يجوز زواج مسلم
من ذمية غير كتابية، لقوله تعالى: ﴿ولا تَنْكِحوا
(١) حديث: ((أن النبي # أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم على
بعض ... )). أخرجه ابن ماجة (٧٩٤/٢ ج ٢٣٧٣، نشر دار
إحياء الكتب - القاهرة ١٣٧٢ هـ والبيهقي ١٦٥/١٠) قال
الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (١٩٨/٤ نشر المكتبة
الأثرية): أخرجه ابن ماجة، وفي إسناده مجالد وهوسيء الحفظ.
(٢) البدائع ٦/ ٢٨٠، والفتاوى الهندية ٣٩٦/٣، والخرشي على
خليل ١٧٦/٧، والمهذب ٣٢٥/٢، والمغني لابن قدامة
١٨٢/٩ - ١٨٤
(٣) سورة البقرة/ ٢٢١
(٤) سورة الممتحنة/ ١٠
- ١٣٣ -

أهل الذمة ٣٥ - ٣٦
المشركات حتى يُؤمِن﴾(١) ويجوز للمسلم أن يتزوج
ذمية، إذا كانت كتابية كاليهودية والنصرانية، لقوله
تعالى: ﴿اليوم أُحِلّ لكم الطيباتُ﴾ إلى قوله
تعالى: ﴿والمحصناتُ من الذين أوتوا الكتابَ من
قبلكم﴾(٢) وتفصيل ذلك في النكاح وغيره. (٣)
واجبات أهل الذمة المالية
٣٥ - على أهل الذمة واجبات وتكاليف مالية
يلتزمون بها قِبَل الدولة الإِسلامية مقابل مايتمتعون
به من الحماية والحقوق، وهذه الواجبات عبارة عن
الجزية والخراج والعشور، وفيما يلي نجمل
أحکامها :
أ - الجزية : وهي المال الذي تعقد عليه الذمة لغير
المسلم لأمنه واستقراره، تحت حكم الإسلام
وصونه. (٤) وتؤخذ كل سنة من العاقل البالغ
الذكر، ولا تجب على الصبيان والنساء والمجانين
اتفاقا، كما يشترط في وجوبها: السلامة من الزمانة
والعمى والكبر عند جمهور الفقهاء.
وفي مقدارها ووقت وجوبها وما تسقط به الجزية
وغيرها من الأحكام تفصيل وخلاف ينظر في
مصطلح: (جزية).
(١) سورة البقرة/ ٢٢١
(٢) سورة المائدة / ٥
(٣) الجصاص ٣٢٤/٢، والبدائع ٢/ ٢٥٣، والخرشي ٢٢٦/٣،
٦٩/٨، والمهذب ٤٥/٢، ٤٦، ٢٥٥، والإقناع ٢/ ٧١، ٧٢،
والمغني ٥٨٩/٦، ٥٩٠، ٨٠٠/٧، وابن عابدين ٣٩٤/٢،
والزيلعي ٢/ ١٧٣ .
(٤) ابن عابدين ٢٦٦/٣، والنهاية لابن الأثير ١٦٢/١، ومنح
الجليل ٧٥٦/١، وقليوبي ٢٢٨/٤، والمغني ٤٩٥/٨
ب - الخراج: وهو ما وضع على رقاب الأرض من
حقوق تؤدی عنها .(١)
وهو إما أن یکون خراج الوظيفة الذي يفرض
علی الأرض بالنسبة إلى مساحتها ونوع زراعتها،
وإما أن يكون خراج المقاسمة الذي يفرض على
الخارج من الأرض كالخمس أو السدس أو نحو
ذلك، (٢) كما هو مبين في مصطلح: (خراج).
جـ - العشور: وهي التي تفرض على أموال أهل
الذمة المعدة للتجارة، إذا انتقلوا بها من بلد إلى بلد
داخل دار الإِسلام، ومقدارها نصف العشر،
وتؤخذ مرة واحدة في السنة حين الانتقال عند
جمهور الفقهاء، خلافا للمالکية حيث أوجبوها في
كل مرة ينتقلون بها. (٣) وتفصيله في مصطلح:
(عشر).
ما يمنع منه أهل الذمة :
٣٦ - يجب على أهل الذمة الامتناع عما فيه
غضاضة على المسلمین، وانتقاص دين الإسلام،
مثل ذكر الله سبحانه وتعالى أو کتابه أورسوله او
دينه بسوء، لأن إظهار هذه الأفعال استخفاف
بالمسلمین وازدراء بعقيدتهم. وعدم التزام الذمي بما
ذكر يؤدي إلى انتقاض ذمته عند جمهور الفقهاء،
خلافا للحنفية، کما سيأتي في بحث ماینتقض به
عهد الذمة .
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص١٤٦، ولأبي يعلى ص١٤٦
(٢) ابن عابدين ٢٥٦/٣، وجواهر الإكليل ١/ ٢٦٠، وقليوبي
٢٢٤/٤، والمغني ٧١٦/٢
(٣) الفتاوى الهندية ١٨٣/١، والمغني ٥١٨/٨، والأموال لأبي عبيد
ص٥٣٣
- ١٣٤ -

أهل الذمة ٣٧
كذلك يمنع أهل الذمة من إظهار بيع الخمور
والخنازير في أمصار المسلمين، أو إدخالها فيها على
وجه الشهرة والظهور. ويمنعون كذلك من إظهار
فسق يعتقدون حرمته کالفواحش ونحوها.
ويؤخذ أهل الذمة بالتمييز عن المسلمين في
زہم ومراکبهم وملابسهم، ولا يصدرون في
مجالس، وذلك إظهارا للصغار عليهم، وصيانة
لضعفة المسلمين عن الاغترار بهم أو موالاتهم. (١)
وتفصيل مايميز به أهل الذمة عن المسلمين في
الزي والملبس والمركب وغيرها من المسائل تنظر في
كتب الفقه، عند الكلام عن الجزية وعقد الذمة.
جرائم أهل الذمة وعقوباتهم
أولا - ما يختص بأهل الذمة في الحدود :
٣٧ - إذا ارتكب أحد من أهل الذمة جريمة من
جرائم الحدود، كالزنى أو القذف أو السرقة أو قطع
الطريق، يعاقب بالعقاب المحدد لهذه الجرائم
شأنهم في ذلك شأن المسلمين، إلا شرب الخمر
حیث لا یتعرض لهم فیه، لما يعتقدون من حلها،
ومراعاة لعهد الذمة، إلا إن أظهروا شربها،
فیعزرون، وهذا عند جمهور الفقهاء في الجملة، إلا
أن هناك بعض الأحكام يختص بها أهل الذمة
نجملها فيمايأتي :
(١) البناية على الهداية ٤/ ٨٤٠، والبدائع للكاساني ١١٣/٧،
١١٤، وجواهر الإكليل ٢٦٨/١، ٢٦٩، ومغني المحتاج
٢٥٦/٤، ٢٥٧، وكشاف القناع ١٢٦/٣، ١٢٧، والأحكام
السلطانية للماوردي ص ١٤٠، والأحكام السلطانية لأبي يعلى
ص١٤٤، ١٤٥
أ - ذهب الشافعية والحنابلة وأبويوسف إلى المساواة
في تطبيق عقوبة الرجم على الذمي والمسلم، ولو
كان متزوجا من ذمية، لعموم النصوص في تطبيق
هذه العقوبة، ولما ورد أن النبي # أمر برجم
یهودیین . (١)
وصرح أبوحنيفة ومالك بأن الزاني من أهل
الذمة إذا كان متزوجا لا يرجم، لاشتراط الإسلام
في تطبيق الرجم عندهما، وكذلك المسلم المتزوج
بالکتابیة لا یرجم عند أبي حنيفة، لأنه يشترط في
الإحصان: الإِسلام والزواج من مسلمة(٢) مستدلا
بما قال النبي# لحذيفة حين أراد أن يتزوج
يهودية: «دعها فإنها لا تحصنك)). (٣)
ب - لا حد على من قذف أحدا من أهل الذمة،
بل يعزر، سواء أكان القاذف مسلما أم من أهل
الذمة، لأنه يشترط في القذف أن يكون المقذوف
مسلما، وهذا باتفاق الفقهاء. (٤)
جـ ـ يطبق حد السرقة على السارق المسلم أو
الذمي، سواء أكان المسروق منه مسلما أم من أهل
الذمة اتفاقا، إلا إذا كان المسروق خمرا أو خنزيرا،
(٢) حديث: ((رجم اليهوديين ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري
١١٦٦/١٢ ح/ ٦٨٤١ مصور عن طبعة السلفية).
(٢) البدائع ٣٨/٧، وحاشية الدسوقي ٤/ ٣٢٠، والمنتقى شرح
الموطأ ٣٣١/٣، والمهذب ٢٦٨/٢، والمغني لابن
قدامة ١٠ / ١٢٩
(٣) حديث: ((إنها لا تحصنك ... )) أخرجه الدارقطني عن
كعب بن مالك (١٤٨/٣ نشر دار المحاسن ١٣٨٦هـ) وقال: فيه
أبوبكر بن مريم وهو ضعيف.
(٤) ابن عابدين ١٦٨/٣، والبدائع للكاساني ٧/ ٤٠، والخطاب
٢٩٨/٦، ٢٩٩، والمهذب ٢٧٣/٢، والمغني ٢١٦/٨.
- ١٣٥ -

أهل الذمة ٣٨
لعدم تقومهما، (١) كما هو مبين في مصطلح:
(سرقة).
د - إذا بغى جماعة من أهل الذمة منفردين عن
المسلمین انتقض عهدهم عند جمهور الفقهاء، إلا
إذا كان بينهم عن ظلم ركبهم عند المالكية، وإذا
بغوا مع البغاة المسلمين ففيه تفصيل وخلاف(٢)
ينظر في مصطلح : (بغي).
هذا، ويعاقب أهل الذمة بعقوبة قطع الطريق
(الحرابة) إذا توفرت شروطها كالمسلمين بلا
خلاف. (٣)
ثانيا - ما يختص بأهل الذمة في القصاص :
٣٨ - أ - إذا ارتكب الذمي القتل العمد وجب عليه
القصاص، إذا كان القتيل مسلما أومن أهل الذمة
بلا خلاف، وکذلك إن کان القتیل مستأمنا عند
جمهور الفقهاء، خلافا لأبي حنيفة حیث قال: إن
عصمة المستأمن مؤقتة، فکان في حقن دمه شبهة
تسقط القصاص.
أما إذا قتل مسلم ذمیا أو ذمیة عمدا، فقد قال
الشافعية والحنابلة: لا قصاص على المسلم، لقوله
#: ((لا يقتل مسلم بكافر))، (٤) وعند الحنفية
(١) البدائع ٦٧/٧، والخرشي ٩٢/٨، والمهذب ٢/ ٢٨١، والمغني
٢٦٨/٨.
(٢) البدائع ١١٣/٧، ومغني المحتاج ١٢٨/٤، ٢٥٩، والخرشي
١٤٩/٣، والمغني ١٢١/٨، والأحكام السلطانية لأبي يعلى
ص١٤٥
(٣) المبسوط ٩٥/٩، وجواهر الإكليل ٢٦٩/١، والمغني ٢٩٨/٨
(٤) حديث: ((لا يقتل مسلم يكافر ... )) أخرجه البخاري عن
علي بن أبي طالب (فتح الباري ١/ ٢٠٤ ١١١ مصور عن
الطبعة السلفية.
يقتص من المسلم للذمي، وهذا قول المالكية أيضا
إذا قتله المسلم غيلة (خديعة) أولأجل المال،
وتفصيله في مصطلح (قصاص). (١)
ب - لا فرق بين المسلم والذمي في وجوب الدية في
القتل الخطأ وشبه العمد وشبه الخطأ على عاقلة
القاتل، سواء أكان القتيل مسلما أم من أهل
الذمة.
وفي مقداردية الذمي المقتول، ومن يشترك في
تحملها من عاقلة الذمي القاتل تفصيل وخلاف(٢)
ينظر في مصطلح: (دية) و(عاقلة).
ولا تجب الكفارة على الذمي عند الحنفية
والمالکیة، لما فيها من معنى القربة، والكافرلیس
من أهلها، وتجب عند الشافعية والحنابلة لأنها حق
مالي يستوي فيه المسلم والذمي، لا إن كانت
صياما. (٣) (ر: كفارة).
جـــ لا يقتص من المسلم للذمي في جرائم
الاعتداء فيما دون النفس، من الجرح وقطع
الأعضاء، إذا وقعت بين المسلمين وأهل الذمة عند
الشافعية والحنابلة، ويقتص من الذمي للمسلم،
وقال الحنفية بالقصاص بينهم مطلقا إذا توفرت
(١) ابن عابدين ٢٤٩/٣، والبدائع ٢٣٦/٧، ومغني المحتاج
١٦/٤، والمهذب ١٨٥/٢، ١٨٦، والخرشي ٣/٨ -٦،
وجواهر الإکلیل ٢/ ٢٥٥، والمغني ٧/ ٦٥٢، ٦٥٣
(٢) ابن عابدين ٢٤٩/٣، والبدائع ٢٥٤/٧، والخرشي ٣١/٨،
٣٢، وجواهر الإكليل ٢/ ٢٧١، والقليوبي ١٥٥/٤، والمغني
٧٩٣/٧
(٣) البدائع ٧/ ٢٥٢، والخرشي ٤٩/٨، ومغني المحتاج ٤/ ١٠٧،
والمغني لابن قدامة ٩٤/٨
- ١٣٩ -

أهل الذمة ٣٩ - ٤١
الشروط، ومنع المالكية القصاص فيما دون النفس
بين المسلمين وبين أهل الذمة مطلقا، بحجة عدم
المماثلة .
ولا خلاف في تطبيق القصاص إذا كانت
الجروح فيما بين أهل الذمة (١) وتوفرت الشروط.
(ر: قصاص).
ثالثا - التعزيرات :
٣٩ - العقوبات التعزيرية یقدرها ولي الأمر حسب
ظروف الجريمة والمجرم، فتطبق على المسلمين
وأهل الذمة، ويكون التعزير مناسبا مع الجريمة
شدة وضعفا ومع حالة المجرم. (٢) وتفصيله في
مصطلح: (تعزير).
خضوع أهل الذمة لولاية القضاء العامة
٤٠ - جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة
على عدم جواز تقليد الذمي القضاء على
الذميين، وإنما يخضعون إلى جهة القضاء العامة
التي يخضع لها المسلمون. وقالوا: وأما جريان
العادة بنصب حاكم من أهل الذمة عليهم، فإنما
هي رئاسة وزعامة، لا تقليد حكم وقضاء، فلا
يلزمهم حکمه بإلزامه، بل بالتزامهم.
وقال الحنفية: إن حكم الذمي بين أهل الذمة
جاز، في كل مايمكن التحكيم فيه، لأنه أهل
(١) ابن عابدين ٣٥٦/٥، وجواهر الإكليل ٢/ ٢٥٩، ومغني
المحتاج ٤/ ٢٥.
(٢) ابن عابدين ١٧٧/٣، وجواهر الإكليل ٢٩٦/٢، وقليوبي
٢٠٥/٤، والمغني ٣٢٤/٨ - ٣٢٦
للشهادة بین أهل الذمة، فجاز تحکیمه بینهم. إلا
أنهم اتفقوا على : أنه لا يجوز تحكيم أهل الذمة فيما
هو حق خالص لله تعالی کحد الزنى، وأما
تحكيمهم في القصاص ففيه خلاف بين الحنفية. (١)
٤١ - وإذا رفعت الدعوى إلى القضاء العام يحكم
القاضي المسلم في خصومات أهل الذمة وجوبا،
إذا كان أحد الخصمين مسلما باتفاق الفقهاء. أما
إذا كان كلهم من أهل الذمة، فيجب الحكم بينهم
أيضا عند الحنفية والشافعية، وهو رواية عند
الحنابلة، بدلیل قوله تعالى: ﴿وأُنِ اُْمْ بينهم بما
أَنْزِلَ الله﴾ (٢) وفي رواية أخرى للحنابلة: القاضي
مخير بين الأمرين: الحكم أو الإعراض(٣) بدليل
قوله تعالى: ﴿فإِنْ جَاءوك فاحگُمْ بینہم او اُعْرِضُ
عنهم﴾ . (٤)
أما المالكية فقد اشترطوا الترافع من قبل
الخصمين في جميع الدعاوى، وفي هذه الحالة يخير
القاضي في النظر في الدعوى أو عدم النظر فيها. (*)
وتفصيله في مصطلح: (قضاء) و(ولاية).
وفي جميع الأحوال إذا حكم القاضي المسلم بين
(١) الفتاوى الهندية ٣٩٧/٣، وابن عابدين ٢٩٩/٤، وجواهر
الإكليل ٢/ ٢٢١، ومغني المحتاج ٤/ ٣٧٧، والمغني لابن قدامة
٣٩/٨
(٢) سورة المائدة/ ٤٩
(٣) البدائع ٣١٢/٢، والقليوبي ٢٥٦/٣، ومغني المحتاج
١٩٥/٣، والمغني لابن قدامة ٢١٤/٨، ٢١٥، ٥٣٥
(٤) سورة المائدة/ ٤٢
(٥) جواهر الإكليل ٢١٧/٢،٢٩٦/١
- ١٣٧ -

أهل الذمة ٤٢ - ٤٣
غير المسلمين لا يحكم إلا بالشريعة الإِسلامية،
لقوله تعالى: ﴿وإن احْكمْ بينهم بما أنزل الله
ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يَفْتِنُوك عن بعض ما
أُنزَل الله إليك﴾ .(١)
ماينقض به عهد الذمة
٤٢ - ينتهي عهد الذمة بإِسلام الذمي، لأن عقد
الذمة عقد وسيلة للإِسلام، وقد حصل المقصود.
وينتقض عهد الذمة بلحوق الذمي دار الحرب،
أو بغلبتهم على موضع يحاربوننا منه، لأنهم صاروا
حربا علينا، فيخلو عقد الذمة عن الفائدة، وهو
دفع شر الحرب. وهذا باتفاق المذاهب. (٢).
وجمهور الفقهاء على أن عقد الذمة ينتقض
أيضا بالامتناع عن الجزية، لمخالفته مقتضى
العقد. (٣)
وقال الحنفية: لو امتنع الذمي عن إعطاء الجزية
لا ينتقض عهده، لأن الغاية التي ينتهي بها القتال
التزام الجزية لا أداؤها، والالتزام باق، ويحتمل أن
يكون الامتناع لعذر العجز المالي، فلا ينقض العهد
بالشك . (٤)
٤٣ - وهناك أسباب أخرى اعتبرها بعض الفقهاء
ناقضة للعهد مطلقا، وبعضهم بشروط :
(١) سورة المائدة / ٤٩
(٢) الهداية مع الفتح ٥/ ٣٠٣، وجواهر الإكليل ١/ ٢٦٧، ومغني
المحتاج ٢٥٨/٤، ٢٥٩، والأحكام السلطانية لأبي يعلى
ص١٤٣، ١٤٤
(٣) جواهر الإكليل ٢٦٩/١، ومغني المحتاج ٢٥٨/٤، والأحكام
السلطانية لأبي یعلی ص١٤٥
(٤) البدائع ١١٣/٧، وفتح القدير على الهداية ٥/ ٣٠٢، ٣٠٣
فقد قال المالكية: ينقض عهد الذمة بالتمرد
على الأحكام الشرعية، بإظهار عدم المبالاة بها،
وبإكراه حرة مسلمة على الزنى بها إذا زنی بها
بالفعل، وبغرورها وتزوجها ووطئها، وبتطلعه
على عورات المسلمين، وبسب نبيّ مجمع على
نبوته عندنا بما لم يقرّ علی کفره به . (١) فإن سب بما
أقر علی کفره به لم ينتقض عهده، کما إذا قال:
عیسی إله مثلا، فإنه لا ينتقض عهده.
وقال الشافعیة: لوزنی ذمي بمسلمة، أو
أصابها بنكاح، أودل أهل الحرب على عورة
المسلمين، أوفتن مسلما عن دينه، أو طعن في
الإِسلام أو القرآن، أوذكر الرسول { # بسوء،
فالأصح أنه إن شرط انتقاض العهد بها انتقض،
وإلا فلا ينتقض، لمخالفته الشرط في الأول دون
الثاني. (٢)
وقال الحنابلة في الرواية المشهورة، وهو وجه عند
الشافعية: إن فعلوا ما ذكر أو شيئا منه نقض العهد
مطلقا، ولو لم يشترط عليهم، لأن ذلك هو مقتضى
العقد. (٣)
أما الحنفية فقد صرحوا بأن الذمي لوسب النبي
* لا ينقض عهده إذا لم يعلن السب، لأن هذا
زيادة كفر، والعقد يبقى مع أصل الكفر، فكذا مع
الزيادة، وإذا أعْلَنَ قُتِل، ولو امرأة، ولو قتل مسلما
أوزنى بمسلمة لا ينقض عهده، بل تطبق عليه
(١) جواهر الإكليل ٢٦٩/١
(٢) مغني المحتاج ٢٥٨/٤ ، ٢٥٩
(٣) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص١٤٣ - ١٤٥، والمغني لابن
قدامة ٨/ ٥٢٥، وكشاف القناع ١٤٣/٣
- ١٣٨ -

أهل الذمة ٤٤ ، أهل الشورى
عقوبة القتل والزنی، لأن هذه معاص ارتكبوها،
وهي دون الكفر في القبح والحرمة، وبقيت الذمة
مع الكفر، فمع المعصية أولى .(١)
حكم من نقض العهد منهم :
٤٤ - إذا نقض الذمي العهد فهو بمنزلة المرتد في
جمیع أحكامه، ويحكم بموته باللحاق بدار الحرب،
لأنه التحق بالأموات، وتبين منه زوجته الذمية التي
خلفها في دار الإِسلام، وتقسم تركته، وإذا تاب
ورجع تقبل توبته وتعود ذمته، إلا أنه لو غلب عليه
المسلمون وأسرَ يسترق، بخلاف المرتد، وهذا كله
عند الحنفية. (٢)
وفصل المالكية والشافعية في حکم ناقض
العهد، حسب اختلاف أسباب النقض، فقال
المالكية: قتل بسب نبي بما لم یکفر به وجوبا،
وبغصب مسلمة على الزنى، أوغرورها بإسلامه
فتزوجته، وهو غير مسلم، وأبى الإسلام بعد
ذلك، أما المطلع على عورات المسلمين فيرى
الإمام فيه رأيه بقتل أو استرقاق. ومن التحق بدار
الحرب ثم أسره المسلمون جاز استرقاقه، وإن خرج
لظلم لحقه لا يسترق ویرد لجزیته. (٣)
وقال الشافعية: من انتقض عهده بقتال يقتل،
وإن انتقض عهده بغيره لم يجب إبلاغه مأمنه في
(١) البدائع ١١٣/٧، والهداية مع فتح القدير ٣٠٢/٥، ٣٠٣
(٢) ابن عابدين ٢٧٧/٣، والبناية على الهداية ٥/ ٨٤٢
(٣) جواهر الإكليل ٢٦٩/١، والشرح الكبير للدردير على هامش
الدسوقي ٢/ ٢٠٥
الأظهر، بل يختار الإِمام فيه قتلا أو رقا أو منّا أو
فداء. (١)
أما الحنابلة، فلم يفرقوا بين أسباب النقض في
الرواية المشهورة، وقالوا: خير الإِمام فيه بين أربعة
أشياء: القتل والاسترقاق والفداء والمن، كالأسير
الحربي، لأنه کافر قدرنا عليه في دارنا بغیر عهد ولا
عقد، فأشبه اللص الحربي، ويحرم قتله بسبب
نقض العهد إذا أسلم. (٢)
هذا، ولا يبطل أمان ذريتهم ونسائهم بنقض
عهدهم عند جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية
والحنابلة) لأن النقض إنما وجد من الرجال البالغين
دون الذرية، فیجب أن يختص حكمه بهم. ويفهم
من کلام المالکیة أنه تسترق ذریتهم.(٣)
أهل الشورى
انظر : مشورة
(١) مغني المحتاج ٢٥٨/٤، ٢٥٩
(٢) كشاف القناع ١٤٤/٣، والمغني ٤٥٩/٨، ٥٢٩
(٣) ابن عابدين ٢٧٧/٣، وجواهر الإكليل ٢٦٩/١، ومغني
المحتاج ٢٥٩/٤، وكشاف القناع ١٤٤/٣
- ١٣٩ -

أهل الكتاب ١ - ٢
أهل الكتاب
التعريف :
١ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن (أهل الكتاب)
هم: اليهود والنصارى بفرقهم المختلفة .(١)
وتوسع الحنفية فقالوا : إن أهل الكتاب هم:
کل من يؤمن بنبي ویقر بکتاب، ویشمل اليهود
والنصارى، ومن آمن بزبور داود، وصحف إبراهيم
وشیٹ. وذلك لأنهم يعتقدون دينا سماويا منزلا
بکتاب.
واستدل الجمهور بقوله تعالى: (أُنْ تقولوا إنما
أُنزل الكتابُ على طائفتين من قَبْلِنا﴾(٢) قالوا:
ولأن تلك الصحف کانت مواعظ وأمثالا لا أحكام
فيها، فلم يثبت لها حكم الكتب المشتملة على
أحكام.
والسامرة من اليهود، وإن کانوا يخالفونهم في أکثر
الأحكام.
واختلف الفقهاء في الصابئة، فذهب أبو حنيفة
إلى أنهم من أهل الكتاب من اليهود أو النصارى.
وفي قول لأحمد، وهو أحد وجهين عند الشافعية:
أنهم جنس من النصارى.
والمذهب عند الشافعي، وهو ماصححه
(١) ابن عابدين ٢٦٨/٣، وفتح القدير ٣/ ٣٧٣ ط بولاق، وتفسير
القرطبي ٢٠/ ١٤٠ ط دار الكتب، والمهذب ٢/ ٢٥٠ طـ
الحلبي، والمغني مع الشرح الكبير ٧/ ٥٠١
(٢) سورة الأنعام / ١٥٦
ابن قدامة من الحنابلة: أنهم إن وافقوا اليهود
والنصارى في أصول دینهم، من تصديق الرسل
والإِيمان بالكتب كانوا منهم، وإن خالفوهم في
أُصول دینهم لم یکونوا منهم، وکان حکمھم حکم
عبدة الأوثان. (١)
أما المجوس، فقد اتفق الفقهاء على أنهم ليسوا
من أهل الكتاب، وإن كانوا يعاملون معاملتهم في
قبول الجزية فقط. ولم يخالف في ذلك إلا أبو ثور،
فاعتبرهم من أهل الكتاب في کل أحکامهم.
واستدل الجمهور بحديث: ((سُنوا بهم سُنّة أهل
الکتاب ... »(٢) فإنه يدل على أنهم غيرهم، ولو
كانوا من أهل الكتاب لما توقف عمر في أخذ الجزية
منهم حتى روي له الحديث المذكور. (٣)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الكفار
٢ - الكفار ثلاثة أقسام: قسم أهل کتاب، وقد
سبق بيانهم، وقسم لهم شبهة كتاب، وهم
المجوس، وقسم لا كتاب لهم ولا شبهة كتاب،
وهم من عدا هذين القسمين من عبدة الأوثان
(١) المغني ٤٩٦/٨، ٤٩٧ ط الرياض. والقليوبي ٢٢٩/٤
(٢) حديث: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب ... )) الحديث بهذا اللفظ
طرقه جميعها ضعيفة. انظر نصب الراية للزيلعي ٤٤٨/٣،
ولكن لقصة الحديث شاهد في البخاري في الجزية (الفتح
٣١٥٦/٢٥٧/٦) «أتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة:
فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس. ولم يكن عمر أخذ الجزية من
المجوس. حتى شهد عبدالرحمن بن عوف أن رسول اله #
أخذها من مجوس هجرا.
(٣) ابن عابدين ٣٣٦/٤، وأحكام أهل الذمة ٢/١، والمغني
٤٩٨/٨ ط الرياض.
- ١٤٠ -