النص المفهرس
صفحات 61-80
إنکار ٢٥ - ٢٧
امرأتي، فإنه إن نوى الطلاق وقع طلاقا. وعند
المالكية: لو نوى الطلاق بجحد النكاح يكون
طلاقا، كأنهم جعلوه من كنايات الطلاق. (١)
أثر إنكار الردة في حصول التوبة منها :
٢٥ - إذا ثبتت ردة إنسان بالبينة، فأنكر أن يكون
ارتدّ، فللفقهاء في اعتبار ذلك الإِنكار منه توبة
قولان :
الأول : وهو قول الحنفية : إن من شهدت عليه
البينة بالردة، وهو ينكرها، وهو مقر بالتوحيد
وبمعرفة النبي #$ وبدين الإِسلام، فلا يتعرض
له، لا لتكذيب الشهود، بل لأن إنكاره توبة
ورجوع، فيمتنع القتل فقط، وتثبت بقية أحكام
الردة، كحبوط عمل وبطلان وقف ... الخ. (٢)
الثاني : وهو قول الشافعية والحنابلة : يحكم بردته،
ويلزمه أن يأتي بما يصير به الكافر مسلما، فإِن لم
يفعل استتیب، فإن تاب وإلا قتل. (٣)
ولم يتعرض المالكية لهذه المسألة فيما اطلعنا عليه
من كلامهم. هذا وقد نص الحنابلة على أنه إن
کان ثبوت ردته بالإقرار. فإِن إنكاره یکون توبة،
ولا يتعرض له، كما في سائر الحدود. (٤) ولم نجد
لغير الحنابلة نصا في ذلك، والظاهر أنه موضع
اتفاق .
(١) الفتاوى الهندية ١/ ٣٧٥، نقلا عن البدائع، وجواهر الإكليل
٣٢٣/١، ونهاية المحتاج ٣٢٣/٨، وشرح منتهى الإرادات
٤٨٤/٣
(٢) الدر المختار ٢٩٩/٣
(٣) المقليوبي ١٧٦/٤
(٤) شرح المنتهى ٣٩٢/٣
الصلح مع الإِنكار :
٢٦ - الصلح عقد يتوصل به إلى الاصلاح بين
المتخاصمین.
والصلح في الأموال نوعان : صلح مع الإِنكار،
وصلح مع الإِقرار.
والصلح مع الإِنكار عندما يكون المدعى عليه
يرى أنه لا حق عليه، فيدفع إلى المدعي شيئا
افتداء لیمینه وقطعا للخصومة، وصيانة لنفسه عن
التبذل بالمخاصمة في مجالس القضاء.
وقد اختلف الفقهاء في صحة مثل هذا الصلح،
فأجازه الجمهور، منهم أبوحنيفة ومالك وأحمد،
ومنعه الشافعي .
وأما متى كان المدعى عليه مقرا بالحق فصالح
عنه ببعضه، فهو المسمى بالصلح مع الإِقرار. (١)
وينظر تفصيل القول في نوعي الصلح تحت
عنوان (صلح).
إنكار شيء من أمور الدين :
٢٧ - لا يجوز للمسلم أن ينكر شيئا من دين
الإِسلام.
ولکن من أنکر شیئا من أمور الدين لا يحكم بكفره،
إلا إن كان ما أنكره أمرا مجمعا عليه قد علم قطعا
مجيء النبي وَي به. كوجوب الصلاة والزكاة، ولم
يكن ذلك المنکر جاهلا بالحكم ولا مكرها، وهذا
قول جمهور الحنفية والمالكية والشافعية.
واشترط بعض الحنفية وبعض المالكية وبعض
الشافعية أن يكون المجحود قد علم مجيء النبي 15
به بالضرورة، أي علما ضروريا لا يتوقف على
(١) المغني ٤ / ٤٧٦
- ٦١ -
إنكار ٢٧ - ٢٨
نظر واستدلال. أو كما عبر البعض: يعرفه كل
المسلمين.
قال ابن الهمام في المسايرة: وأما ما أجمع عليه،
ولم يبلغ حد الضرورة، كاستحقاق بنت الابن
السدس مع البنت بإجماع المسلمين، فظاهر كلام
جمهور الحنفية الإِكفار بجحده، فإنهم لم يشرطوا
سوى القطع في الثبوت. وأما عند من شرط كونه
معلوما بالضرورة فلا یکفر عنده من جحد مثل هذا
الحكم.
ونقل ابن عابدين عن بعض الحنفية أن المسائل
الإِجماعية تارة يصحبها التواتر عن صاحب الشرع،
وتارة لا يصحبها. فالأول يكفر جاحده لمخالفته
التواتر لا لمخالفته الإجماع. ونقل ابن حجر الهيتمي
مثل ذلك عن بعض الشافعية .
وقريب من قول من اشترط في المجحود أن
يكون معلوما من الدين بالضرورة قول الحنابلة،
فإنهم اشترطوا لما یکفر بإنكاره أن يكون ظاهرا بين
المسلمين لاشبهة فيه، وعبارة شرح المنتهى: من
جحد حکما ظاهرا بین المسلمین - بخلاف (نحو)
فرض السدس لبنت الابن مع بنت الصلب، وكان
ذلك الحكم مجمعا علیه إجماعا قطعيا لاسكوتیا،
لأن فيه - أي الإجماع السكوتي - شبهة، کجحد
تحريم الزنى، أوجحد تحريم لحم الخنزير، أو
مذكاة بهيمة الأنعام والدجاج، ومثله لا يجهله لكونه
نشأ بین المسلمین، أو کان مثله يجهله وعرّف
حکمه، وأصرّ على الجحد، كفر.(١)
(١) ابن عابدين ٢٨٤/٣، والاعلام بقواطع الإِسلام لابن حجر
الهيتمي، مطبوع مع الزواجر له ٣٥٢/٢ - ٣٥٤، وشرح المنهاج =
وينظر التفصيل في هذه المسألة تحت عنوان
(ردة).
ثانیا
الإِنكار في المنكرات
٢٨ - إنكار المنكر هو النهي عن معصية الله باليد أو
باللسان، أو بالقلب. فمن رأى حدود الله تنتهك
شرع له التغيير، لقول الله تعالى: ﴿كنتم خير أمة
أُخْرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر
وتؤمنون بالله﴾(١) وقول النبي وآثاره: ((من رأى منكم
منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم
يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان))(٢)
وتفصيل القول في هذا الأمر، وبيان آداب النهي
عن المنكر ينظر تحت عنوان: (الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر).
هذا، وإن ترك النبي ◌َّر الإنكار على مايراه من
الأفعال، أو مايسمعه من الأقوال، يدل على جواز
ذلك الفعل أو القول، وأنه لا بأس به شرعا. وهذا
الترك هو أحد أصول الأدلة الشرعية، وهو نوع من
أنواع السنة النبوية، ويسميه الأصوليون (الإِقرار)
أو (التقرير) وينظر تفصيل مباحثه تحت عنوان
(تقرير) وفي باب (السنة) من الملحق الأصولي.
= مع حاشية القليوبي وعميرة ١٧٥/٤، وشرح منتهى الإِرادات
٣٨٦/٣
(١) سورة آل عمران / ١٠٤
(٢) حديث: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده .... )) أخرجه
مسلم (١/ ٦٩ - ط الحلبي).
- ٦٢ -
إنماء ١ - ٥
إنماء
التعريف :
١ - الإِنماء لغة: مصدر أنمى، وهو من نمی ينمي
نمیا، ونماء، وفي لغة: نما ینمو نموا، أي زاد وکثر،
ونميت الشيء تنمية جعلته ينمو. فالإنماء
والتنمية: فعل مابه يزيد الشيء ویکثر.
ونمى الصيد: غاب، والإِنماء أن يرمي الصيد
فیغیب عن عينه ثم يدركه میتا، وعن ابن عباس
مرفوعا: كُلْ ما أصميت، ودَعْ ما أنميت. (١)
ولا يخرج استعمال الفقهاء له عما ورد في المعنى
اللغوي . (٢)
ثم النماء هو الزيادة، أي ما يكون نتيجة الإنماء
غالبا، كما يقول الفقهاء، وقد یکون النماء ذاتيا .
والنماء نوعان: حقيقي وتقديري، فالحقيقي
الزيادة بالتوالد والتناسل والتجارات. والتقديري :
التمكن من الزيادة بكون المال في يده أو يد
نائبه . (٣)
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والزاهر في غريب ألفاظ الشافعي
ص ٤٠٠، ٩٢٩ ط وزارة الأوقاف.
وحديث ابن عباس: ( كل ما أصميت ودع ما أنميت. ))
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٣٧٠/٢٧/١٢) ط العراقية.
قال الهيثمي في المجمع (٤ / ٣١) وفيه عثمان بن عبد الرحمن وأظنه
القرشي وهو متروك.
(٢) النظم المستعذب بهامش المهذب ١٤٨/١ ط دار المعرفة بيروت،
والمغني ٢/ ٥٧٢، ٥٥٤/٨ ط الرياض الحديثة، والاختيار
٩٨/١، ٤/٥ ط دار المعرفة بيروت، وجواهر الإكليل
١١٨/١ ط دار المعرفة بيروت، ومنتهى الإرادات ٥٠٥/٢ ط
دار الفكر، ومنح الجليل ٣/ ٦٦٤ ط النجاح ليبيا.
(٣) الاختيار ١/ ١٠١، والمهذب ٣٩١/١، وابن عابدين ٧/٢ ط
بولاق ثالثة .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - التثمير والاستثمار :
٢ - التثمير والاستثمار كالإنماء أيضا، يقال: ثمر
ماله إذا نماه . (١)
ب - التجارة :
٣ - التجارة تقليب المال بالمعاوضة لغرض الربح.
فهي بذلك من الأعمال التي يطلب بها زيادة المال
وتعتبر وسيلة من وسائل تنمیته. (٢)
جـ - الاكتساب :
٤ - الاكتساب هو طلب الرزق. وأصل الكسب
السعي في طلب الرزق والمعيشة، وفي الحديث:
((أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من
کسبه)). (٣)
فالاكتساب هو طلب المال، سواء أكان بتنمية
مال موجود، أم بالعمل بغير مال، كمن يعمل
بأجرة .
أما الإِنماء فهو العمل على زيادة المال، وبذلك
يكون الاكتساب أعم من الإِنماء . (٤)
د - الزيادة :
٥ - الإِنماء هو فعل مايزيد به الشيء، كما سبق، أما
(١) لسان العرب والمغني ٥٧٢/٢، وفتح القدير ٨٩/٧
(٢) لسان العرب وقليوبي ٢٨/٢ ط عيسى الحلبي، ومنتهى
الإرادات ١/ ٣٧٠
(٣) حديث: ((أطيب ما أكل الرجل ... )) أخرجه ابن ماجة
(٧٦٨/٢ - ٧٦٩) وصححه أبوحاتم وأبو زرعة كما في فيض
القدير للمناوي (٢٤٥/٢ - ط المكتبة التجارية).
(٤) تاج العروس والمصباح المنير والاختيار ٤/ ١٧٢
- ٦٣ -
إنماء ٦ - ٩
.....
.........
الزيادة فهي الشيء الزائد أو المزيد على غيره، وفي
الفروق في اللغة : الفعل نما يفيد زيادة من
نفسه، وزاد لا یفید ذلك. يقال: زاد مال فلان بما
ورثه عن والده ولا يقال ذلك في نها. ومعنى ذلك أن
الإِنماء هو العمل على أن تكون الزيادة نابعة من
نفس الشيء وليست من خارج، أما الزيادة فقد
تكون من خارج فهي أعم.
ويقسم الفقهاء الزيادة إلى متصلة ومنفصلة،
ویقسمون كلا منهما إلى متولدة وغير متولدة،
فالزيادة المتصلة المتولدة کالسمن والجمال، وغیر
المتولدة كالصبغ والخياطة، والزيادة المنفصلة المتولدة
كالولد والثمر، وغير المتولدة کالأجرة. (١)
هـ - الكنز :
٦ - الكنز مصدر كنز، وهو أيضا اسم للمال إذا أحرز
في وعاء. وقيل: الكنز المال المدفون، وتسمي
العرب كل كثير مجموع يتنافس فيه كنزا، ويطلق
على المال المخزون والمصون، ومنه قوله تعالى :
﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في
سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾(٢) وفي الحديث:
((کل مال لا تؤدی زكاته فهو كنز)). (٣) فالكنز ضد
الإنماء .
ء
(١) لسان العرب، والفروق في اللغة ص ١٧٣ ط دار الآفاق
الحديثة، وابن عابدين ٨٤/٤، ١٣٧، ومنتهى الإِرادات
٤٠٥/٢، ٤٠٦، والمهذب ٣٧٧/١، ومنح الجليل ٥٢٦/٣
(٢) سورة التوبة / ٣٤
(٣) لسان العرب والمصباح المنير والنظم المستعذب بهامش المهذب
١٦٤/١، وحديث: ((كل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز)) أخرجه
البيهقي في الزكاة من سننه (٤ /٨٢) موقوفا. وقال هذا هو
الصحيح. ثم ذكر أنه روي مرفوعا وقال: ليس بالقوي، وكذا
ضعف السيوطي فيض القدير (٢٩/٥)
و - تعطيل :
٧ - التعطيل التفريغ، والمعطل الموات من الأرض،
وإبل معطلة لا راعي لها، وعطل الدار أخلاها،
وتعطل الرجل إذا بقي لا عمل له، ويقول
الفقهاء: من تحجر أرضا وترك عمارتها، قيل له: إما
أن تعمر وإما أن ترفع يدك، فإن استمر تعطيلها
فمن عمرها فهو أحق بها، (١) لقول عمر رضي الله
عنه: من تحجر أرضا فعطلها ثلاث سنين فجاء قوم
فعمروها فهم أحق بها. (٢)
فالتعطيل أيضا ضد الإنماء .
ز - القنية :
٨ - القنية (بكسر القاف وضمها) الكسبة،
واقتنيته: كسبته، ويقال: اقتنيته أي اتخذته لنفسي
قنية لا للتجارة، والقنية الإمساك، وفي الزاهر:
القنية: المال الذي يؤثله الرجل ويلزمه، ولا يبيعه
ليستغله .
والفقهاء يفرقون في وجوب الزكاة بین ما یتخذ
للقنية أي للملك وما يتخذ للتجارة. (٣)
فالقنية أيضا تعطيل للمال عن الإِنماء .
ح - ادخار :
٩ - الادخار: إعداد الشيء وإمساكه لاستعماله
(١) لسان العرب والمغني ٥/ ٥٧٠
(٢) الأثر عن عمر رضي الله عنه. ورد في الخراج لأبي يوسف (ص
٦١ ط السلفية) بلفظ: من كانت له أرض ثم تركها ثلاث سنين
فلم یعمرها فعمرها قوم آخرون فهم أحق بها، وقال ابن حجر:
رجاله ثقات (الدراية ص ٢٤٥)
(٣) لسان العرب والزاهر ص ١٥٨، ٣٠٣، والمهذب ١٦٦/١،
والمغني ٣/ ٣١، وجواهر الإكليل ١/ ١٣١
- ٦٤ -
إنماء ١٠ - ١١
لوقت الحاجة، وفي الحديث: «کنت نهیتکم عن
ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا مابدا
لكم».(١)
فالمال في حال الادخار معطل عن الإنماء.
(أولا)
الإنماء (بمعنى زيادة المال)
حكم إنماء المال :
تمهيد :
١٠ - الإنسان بالنسبة للمال: إما أن يكون مالكا
للرقبة (العين) والتصرف فيها، كالشيء الذي
يتملکه الإِنسان بشراء أو هبة أوإرث ويكون تحت
يده وأهلا للتصرف فيه، وإما أن يكون مالكا للرقبة
فقط دون التصرف کالمحجور عليه، وإما أن يكون
مالكا للتصرف فقط دون الرقبة كالولي والوصي
والوكيل وناظر الوقف والقاضي والسلطان فيما يرجع
إلى بيت المال، وإما أن يكون لا يملك الرقبة
ولا التصرف كالغاصب والفضولي والمرتهن والمودع
والملتقط في مدة التعريف.
حكم الإِنماء بالنسبة لمالك الرقبة والتصرف:
مشروعيته :
١١ - إنماء المال الذي يملكه الإنسان ويملك
التصرف فيه جائز مشروع، والدليل على
مشروعيته، أن الله تعالى أحل البيع والتجارة حتى
(١) المصباح المنير والمهذب ٢٤٧/١، ومنتهى الإرادات ٨٨/١،
وحديث: ((كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث
فأمسكوا ما بدا لكم)). أخرجه مسلم في الأضاحي
(١٩٧٧/١٥٦٣/٣) ط الحلبي.
في مواسم الحج، وذلك العمل وسيلة للإنماء كما
يقول الفقهاء. (١)
يقول الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم
الربا﴾، (٢) ويقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا
أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن
تراض منكم﴾(٣) ويقول: ﴿وآخرون يضربون في
الأرض يبتغون من فضل الله﴾(٤) أي يسافرون
للتجارة، ویقول: ﴿لیس علیکم جناح أن تبتغوا
فضلا من ربكم﴾(٥) يعني في مواسم الحج. (٦)
كما ورد أن النبي # («دفع إلى عروة البارقي
دینارا ليشتري له شاة فاشتری شاتین فباع إحداهما
بدينار وأتى النبي # بشاة ودينار فدعا له
بالبركة))(٧) وكذلك يقول النبي # ((التاجر
الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين
والشهداء)). (٨) ويقول: ((الجالب مرزوق والمحتكر
(١) البدائع ٦/ ٥٨ ط الجمالية.
(٢) سورة البقرة / ٢٧٥
(٣) سورة النساء / ٢٩
(٤) سورة المزمل / ٢٠
(٥) سورة البقرة / ١٩٨
(٦) القرطبي ٤١٣/٢ ط دار الكتب، وأحكام القرآن للجصاص
٢١٠/٢، وما بعدها ط المطبعة البهية، والمهذب ١/ ٢٦٤ ط دار
المعرفة بيروت، والمغني ٣/ ٥٦٠ ط مكتبة الرياض، والاختيار
١٩/٣ ط بيروت، والمغني ٣/ ٥٦٠، والاختيار ١٦٠/٤،
١٧٢، ومنتهى الإرادات ٣/ ٤١٠، ٤١١ ط دار الفكر،
والمهذب ٣٦٢/١
(٧) حديث: عروة البارقي أخرجه البخاري في المناقب
(٣٦٤٢/٦٢٢/٦) ط السلفية، وأخرجه أبوداود في البيوع
(٣٣٨٤/٦٧٧/٣ ط الدعاس) واللفظ له .
(٨) حديث: ((التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين
والشهداء)». أخرجه الترمذي في البيوع (١٢٠٩/٥١٥/٣ ط
الحلبي) وحسنه، والحاكم (٢/ ٦ ط دار الكتاب العربي =
- ٦٥ -
إنماء ١٢ - ١٣
محروم (أو ملعون))، (١) ويقول: ((لا يغرس مسلم
غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا
شيء إلا كانت له صدقة)). (٢) ويقول: ((نعم المال
الصالح للرجل الصالح)). (٣)
ولتحصيل هذا الغرض (وهو الإِنماء) أباحت
الشريعة أنواعا من العقود كالشركات.
وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم دفعوا
مال اليتيم مضاربة، کذلك ◌ُعث النبي ێ والناس
يتعاملون بالشركة والمضاربة فأقرهم ولم ينكر
عليهم . (٤)
حكمة المشروعية :
١٢ - شرع للإنسان تنمية ماله حفاظا على المال
= من طريق الحسن البصري عن أبي سعيد، والحسن لم يسمع
من أبي سعيد. كما ذكر ذلك العلائي في جامع التحصيل (ص
١٩٧) فالحديث منقطع. قال المناوي: وله شواهد عند
الدارقطني. (فيض القدير ٢٧٨/٣).
(١) حديث: ((الجسالب مرزوق والمحتكر محروم، (أو ملعون)».
أخرجه ابن ماجة في التجارات من سنته (٢١٥٣/٧٢٨/٢) وقال
في الزوائد: في إسناده علي بن زيد ابن جدعان وهو ضعيف.
وضعفه الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير (١٣/٣ ط المكتبة
الأثرية)
(٢) حديث: ((لا یغرس مسلم غرسا ولا يزرع زرعا فیأکل منه إنسان
ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة)» أخرجه مسلم في المساقاة
(١٥٥٢/١١٨٨/٣) ط الحلبي وأخرجه البغوي في شرح السنة
(٢٤٩٥/٩١/١٠) ط المكتب الإسلامي.
(٣) المغني ٣/ ٥٦٠، والاختيار ٤/ ١٦٠، ١٧٢، والمهذب ٣٩٢/١
وحديث: ((نعم المال الصالح للرجل الصالح ... )) أخرجه
أحمد في المسند (١٩٧/٤، ٢٠٢) عن عمرو بن العاص. ط
المكتب الإسلامي.
(٤) البدائع ٥٨/٦، ٧٩، والمغني ٢٦/٥، والمهذب ٣٩١/١،
ومنح الجليل ٣/ ٢٨٠ ط النجاح ليبيا، والاختيار ١٩،١١/٣،
ومنتهى الإرادات ٣١٩/٢
لمصلحته ومصلحة الجماعة، والحفاظ على المال
مقصد من مقاصد الشريعة، ولذلك منع منه
السفهاء حتى لا يضيعوه. ومن وسائل حفظه تنميته
بتجارة أو زراعة أو صناعة أو غير ذلك، ولذلك
يقول الفقهاء في الحكمة من مشروعية الشركة :
الشركة وضعت لاستنماء المال بالتجارة لأن غالب
نماء المال بالتجارة، والناس في الاهتداء إلى التجارة
مختلفون بعضهم أهدى من بعض، فشرعت
الشركة لتحصيل غرض الاستنماء، وحاجة الناس
إلى استنماء المال متحققة، فشرعت هذه العقود
لمصالح العباد.
وفي القراض يقول الفقهاء. إن الضرورة تدعو
إليه لاحتياج الناس إلى التصرف في أموالهم
وتنميتها بالتجر فيها، فهو من المصالح العامة،
وليس كل أحد يقدر عليه بنفسه، فيضطر إلى
الاستنابة علیه .(١)
إنماء المال بحسب نية الشخص :
١٣ - الإِنماء نوع من أنواع الاكتساب، ويختلف
حکمه بحسب الغرض منه .
فيفرض إن كان لتحصيل المال بقدر الكفاية لنفسه
وعياله وقضاء دیونه .
ويستحب الزائد على الحاجة إذا كان الغرض منه
مواساة الفقير ونفع القريب وهو حينئذ أفضل من
التفرغ لنفل العبادة.
(١) منح الجليل ٣/ ٦٦٤، والبدائع ٥٨/٦، ٧٩، والهداية
٢٠٢/٣ ط المكتبة الإسلامية، والمغني ٢٦/٥، ٢٧
- ٦٦ -
إنماء ١٤
ويباح الزائد إذا كان بغرض التجمل والتنعم لقول
النبي مثل: ((نعم المال الصالح للرجل
الصالح)).(١)
ويكره (أي كراهة تحريم) الزائد إذا كان للتفاخر
والتکاثر والبطر والأشر وإن کان من حل، لقول
النبي وسلم: ((من طلبها حلالا مكاثرا لها مفاخرا
لقي الله تعالى وهو عليه غضبان)). (٢)
حكم الإِنماء بالنسبة لمن يملك التصرف دون الرقبة
١٤ - من يملك التصرف في المال دون الرقبة كالولي
والوصي وناظر الوقف والوكيل والقاضي
والسلطان. هؤلاء يتصرفون فيما يلونه من أموال
الیتامی والقصر وأموال الوقف والموكل وبيت المال
بإذن شرعي، وهم أمناء على هذه الأموال،
ونظرهم فيها يكون بما فيه الحظ لأربابها، ولذلك
يجوز لهم إنماء هذه الأموال لأنه أوفر حظا.
يقول الفقهاء : الوكيل والوصي والولي
والقاضي والسلطان فيما يرجع إلى بيت المال
يتصرفون بإذن شرعي .
وللوصي دفع المال إلى من يعمل فيه مضاربة
نيابة عن اليتيم، وللقاضي ۔ حيث لا وصي -
(١) حديث: ((نعم المال الصالح ... )) سبق تخريجه (ف/ ١١).
(٢) الاختيار ١٧٢/٤
وحديث: ((من طلبها حلالا مكاثرا لها مفاخرا لقي الله تعالى
وهو عليه عضبان)). أخرجه أبونعيم في الحلية (٨/ ٢١٥) وهو من
طريق مكحول عن أبي هريرة. وقال العلائي في جامع التحصيل
(ص ٣٥٢) عن مكحول قال الدارقطني: لم يلق أبا هريرة. فهو
منقطع .
إعطاء مال الوقف والغائب واللقطة واليتيم
مضاربة .
ولناظر الوقف تنميته بإيجار أوزرع أو غير ذلك .
وللإِمام النظر فيما يرجع إلى بيت المال بالتثمير
والإصلاح، وقد استدل الفقهاء على جواز تصرف
هؤلاء المذكورين بالإِنماء فيما يلونه من أموال
بالآتي :
أ - مارواه عبدالله بن عمروبن العاص عن النبي
* أنه قال: «من ولي یتیما له مال فليتجر له بماله
ولا یترکه حتى تأكله الصدقة».(١)
ب - ما روي عن جماعة من الصحابة أنهم دفعوا مال
اليتيم مضاربة، منهم: عمر وعثمان وعلي
وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهم.
جـ - ما روي أن النبي صل#: ((دفع إلى عروة البارقي
دینارا ليشتري له شاة، فاشتری شاتین، فباع
إحداهما بدينار، وأتى النبي { # بشاة ودينار، فدعا
له بالبر كة».(٢)
د - استدلوا على أن الإِمام له النظر في أموال بيت
المال بالتثمير والإصلاح، بما روي أن عبدالله
وعبيدالله ابني عمر بن الخطاب أخذا من أبي
موسى الأشعري - وهو أمير البصرة - مالا من بيت
المال ليبتاعا ويربحا، ثم يؤديا رأس المال إلى أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب، فأبى عمر، وجعل المال
(١) حديث: «من ولي یتیما له مال فلیتجر له باله ولا یترکه حتى
تأكله الصدقة)». أخرجه الترمذي في الزكاة من سننه
(٦٤١/٣٢/٣) ط الحلبي، وقال الترمذي: وإنما روي هذا
الحديث من هذا الوجه وفي إسناده مقال. لأن المثنى بن الصباح
يضعف في الحديث.
(٢) حديث عروة البارقي سبق تخريجه. (ف/ ١١).
- ٦٧ -
إنماء ١٥ - ١٦
قراضا، وأخذ نصف الربح لبيت المال وترك لهما
النصف. (١)
هـ - كما ورد أن أبابكر رضي الله تعالى عنه كان
يرسل إبل الصدقة إذا كانت عجافا إلى الربذة
وما والاها ترعى هناك. (٢)
حكم الإنماء بالنسبة لمن يملك الرقبة دون التصرف
من يملك الرقبة ولا يملك التصرف كالسفيه
عند غير الحنفية، وكالصغير والمجنون يمنع من
التصرف في المال، والحجر عليهم إنما هو للحفاظ
على أموالهم، والأصل في ذلك قوله تعالى : ﴿ولا
تُؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم
قِياما﴾، (٣) فأضاف الأموال إلى الأولياء لأنهم
مدبروها، کذلك أمر الله تعالی باختبار الیتامی
وعدم دفع الأموال إليهم إلا عند إيناس الرشد
منهم. يقول تعالى: ﴿وابتلوا الیتامی حتى إذا
بلغوا النكاح فإِنْ آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم
أموالهم﴾، (٤) يقول ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما: فإِن آنستم منهم رشدا أي صلاحا في
(١) الأثر عن عمر بن الخطاب. أخرجه مالك في الموطأ (١٤٩/٥
بشرح المنتقي) ط دار الكتاب العربي.
(٢) ابن عابدين ١٤١/٤، ٣٥٤، ٣٥٥، ٥٠٥ ط بولاق ثالثة،
ومنح الجليل ٦٦٦/٣، والخطاب ٢٩٤/٢، ٣٨/٦٠٣٥٧/٥
ط دار الفكر، والهداية ١٣٦/٤، والمهذب
٣٣٥/١، ٣٦٢، ومنتهى الإرادات ٥٠٣/٢، ٥٠٥،
٢٩٢/٢، والبدائع ٦/ ٧٩، وكنز العمال ٦١٧/٥، ومغني
المحتاج ٣٠٤/٢ ط مصطفى الحلبي.
(٣) سورة النساء / ٥
(٤) سورة النساء / ٦
أموالهم. فالمنع من التصرف نظر لهم لأنه يمكن
تبذير المال بما يعقدونه من بياعات.
لكن إذا أذن الولي للصغير المميز جاز تصرفه
بالإِذن، أما الصغير غير المميز والمجنون فلا يصح
تصرفهما ولو بالإذن .(١)
حكم الإنماء بالنسبة لمن لا يملك الرقبة ولا
التصرف :
١٥ - من لا يملك الرقبة ولا التصرف، وله يد على
المال، سواء أكانت يد أمانة كالمودع، أو كانت يدا
معتدية كيد الغاصب، فإنه لا يجوز له الإنماء، إذ
الأصل أنه لا يجوز تصرف أحد في غير ملکه بغیر
إذن مالكه.
وانظر للتفصيل (غصب. وديعة).
وسائل الإنماء - ما يجوز منها ومالا يجوز :
١٦ - تقدم أن الأصل في إنماء المال أنه مشروع، إلا
أنه يجب أن يقتصر فيه على الوسائل المشروعة،
كالتجارة والزراعة والصناعة، مع مراعاة القواعد
والشرائط الشرعية التي أوردها الفقهاء للتصرفات
التي تكون سبيلا إلى الإِنماء، كالبيع والشركة
والمضاربة والمساقاة والوكالة، وذلك لضمان صحة
هذه العقود، وليخلص الربح من شبهة الحرام (ر:
بيع - شركة - مضاربة ... الخ).
(١) الخطاب ٢٤٦/٤، ٢٤٧ ط النجاح - ليبيا، والمهذب ٣٣٥/١،
٣٣٨، ٣٩٦، والاختيار ٩٤/٢، ١٠٠، ومنتهى الإرادات
٢٨٩/٢ - ٢٩٦، ومغني المحتاج ٩٩/٢، ١٦٥، ١٧١، وابن
عابدين ٢/ ٣٠٤، ١١٣/٥، والدسوقي ٢٩٤/٣ ط دار الفكر.
- ٦٨ -
إنماء ١٧ - ١٨
ولذلك يحرم تنمية المال عن طريق غير مشروع
كالربا والقمار والتجارة بالخمر ونحو ذلك. (١) لقوله
تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾(٢) وقول
النبي #1 في الخمر: ((لعن الله شاربها وساقيها
وبائعها ومبتاعها ... ))(٣) الحديث. وقوله آا} :
((إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير
والأصنام)). (٤)
مايتعلق بالنماء من أحكام :
١٧ - المال سواء أكان في يد مالكه أويد المتصرف
فيه. أم كان أمانة أو غصبا، إذا نها، سواء أكان
نماؤه طبيعيا أو ناتجا بعمل، فلنمائه أحكام، تختلف
باختلاف مواضعها .
ولمعرفة تفاصيل ذلك ينظر مصطلح (زيادة). (٥)
(١) كفاية الطالب الرباني ٢/ ٣٣٢ ط مصطفى الحلبي، والمهذب
٣٧٤/١، وجامع الأصول ١٠، ٥٦٥ ط الفلاح.
(٢) سورة البقرة / ٢٧٥
(٣) حديث: «لعن الله الخمر وشاربها وساقیھا وبائعها ومبتاعها،
وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة له)).
أخرجه أبوداود في الأشربة من سننه (٣٦٧٤/٨٢/٤ ط
الدعاس). وابن ماجة في الأشربة (٢/ ١١٢١) قال الحافظ في
التلخيص الحبير (٧٣/٤): رواه الترمذي وابن ماجة ورواته
ثقات.
(٤) حديث: ((إن اله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير
والأصنام)). أخرجه البخاري في البيوع (٢٢٣٦/٤٢٤/٤ ط
السلفية). ومسلم في المساقاة (١٥٨١/١٢٠٧/٣ ط الحلبى).
(٥) بدائع الصنائع ٢/ ١١ ط شركة المطبوعات العلمية ط أولى،
والبحر الرائق ٢٣٩/٢، والهداية ١٥٥/٤، والاختيار ٦٤/٣،
والمغني ٢/ ٥٧٧، ٦٢٥، ٦٢٦، ٢٦٠/٥، ومنتهى الإرادات
٤٧٨/٢، ومغني المحتاج ١/ ٣٨٠، ٣٩٨، ١٣٩/٢، وجواهر
الإكليل ١١٨/١، ١٢٨
(ثانيا)
الإنماء (بمعنى تغيب الصيد بعد رميه )
١٨ - التعبیر بالإنماء بمعنی رمي الصید حتی غاب
عن العين بعد رميه، ورد منسوبا لابن عباس
رضي الله تعالى عنهما، والغالب أن الفقهاء
لا يستعملون هذا اللفظ، وإنما ذكروا المسألة
واستدلوا على رأيهم بقول ابن عباس، جاء في
بدائع الصنائع: إذا رمى الصيد وتوارى عن عينه
وقعد عن طلبه ثم وجده لم يؤكل، فأما إذا لم يتوار أو
تواری لکنه لم یقعد عن الطلب حتی وجده یؤکل
استحسانا، والقیاس أنه لا یؤکل، وروي عن
ابن عباس أنه سئل عن ذلك فقال: گُلْ ما
أصمیت ونَعْ ما أنميت. (١)
قال أبويوسف رحمه الله : الإِصماء ماعاینه،
والإنماء ما توارى عنه. وقال هشام: الإنماء ما
توارى عن بصرك، إلا أنه أقيم الطلب مقام البصر
للضرورة، ولا ضرورة عند عدم الطلب. (٢)
وفي المغني لابن قدامة: إذا رمى الصيد فغاب
عن عينه فوجده ميتا وسهمه فيه ولا أثر به غيره حل
أکله، وهذا هو المشهور عن أحمد، وكذلك لو ارسل
کلیه علی صید فغاب عن عينه ثم وجده ميتا ومعه
کلبه حل، وعن أحمد إن غاب نهارا فلا بأس، وإن
غاب ليلا لم یأکله، وعن أحمد مايدل على أنه إن
غاب مدة طويلة لم يبح، وإن كانت يسيرة أبیح،
لأنه قيل له: أن غاب يوما؟ قال: يوم كثير، ووجه
ذلك قول ابن عباس إذا رمیت فاقعصت فکل،
(١) الأثر عن ابن عباس رضي الله عنه. سبق تخريجه (ف/ ١).
(٢) بدائع الصنائع ٥٩/٥
-٦٩ -
إنماء ١٨ أنموذج ١ - ٣
وإن رميت فوجدت فيه سهمك من یومك أو ليلتك
فکل، وإن بات عنك ليلة فلا تأكل، فإنك لا
تدري ما حدث فيه بعد ذلك. (١) وللشافعي فيه
قولان لأن ابن عباس قال: کل ما أصمیت، وما
أنميت فلا تأکل.
قال الحكم: الإِصماء الإِقعاص، يعني أنه
يموت في الحال، والإنماء أن يغيب عنك يعني أنه لا
يموت في الحال.(٢)
وينظر تفصيل الموضوع في (صيد).
أنموذج
التعريف :
١ - للأنموذج معان منها: أنه مایدل على صفة
الشيء، کان یُري إنسان إنسانا صاعا من صبرة
قمح مثلا، ویبیعه الصبرة على أنها من جنس ذلك
الصاع. ويقال له أيضا نموذج. قال الصغائي :
النموذج: مثال الشيء الذي يعمل عليه، وهو
معرب. (٣)
(١) الأثر عن ابن عباس رضي الله عنه (سبق تخريجه (ف/ ١).
(٢) المغني ٨/ ٥٥٣، ٥٥٤
(٣) المصباح المنير ٢٩٧/٢، وكشاف القناع عن متن الإقناع
١٦٣/٣ - ط مطبعة النصر الحديثة، وحاشية ابن عابدين
٦٦/٤، ومنهاج الطالبين ٢/ ١٦٥
الألفاظ ذات الصلة :
أ - البرنامج :
٢ - البرنامج : هو الورقة الجامعة للحساب وهو
معرب «برنامه».(١)
وفي المغرب: هي النسخة المكتوب فيها عدد
الثياب والأمتعة وأنواعها المبعوث بها من إنسان
لآخر. فالبرنامج هي تلك النسخة التي فيها مقدار
المبعوث، ومنه قول السمسار: إن وزن الحمولة في
البرنامج كذا. (٢)
ونص فقهاء المالكية على أن البرنامج: هو
الدفتر المكتوب فيه صفة مافي الوعاء من الثياب
المبيعة. (٣) وللتفصيل ينظر مصطلح: (برنامج).
ب - الرقم :
٣ - الرقم : من رقمت الشيء إذا أعلمته بعلامة
تميزه عن غيره كالكتابة ونحوها . (٤) وفسره الحنفية
في قولهم البيع بالرقم بأنه علامة یعرف بها مقدار ما
يقع به البيع. (٥)
وقال الحنابلة : بأنه الثمن المكتوب على
الثوب. (٦) وهو أوضح من غيره.
وللتفصيل ينظر: (البيع بالرقم).
(١) تاج العروس مادة ((برنامج))، وفيه أنها بفتح الباء والميم، وقيل
بکسر المیم، وقیل بکسرهما.
(٢) المغرب مادة ((برنامج)).
(٣) الشرح الصغير ٣/ ٤١، وهو وإن كان قد أورد في التعريف
بحسب نصه: أنه الدفتر المكتوب فيه صفة مافي العدل من الثياب
المبينة إلا أن المراد بالعدل (الوعاء).
(٤) المصباح المنير مادة ((رقم)).
(٥) حاشية ابن عابدين ٢٩/٤
(٦) المغني لابن قدامة ٢٠٧/٤ - ط الرياض، مطالب أولي النهى
٤٠/٣
- ٧٠ -
أنموذج ٤، إنهاء ١
الحكم الإجمالي :
٤ - أورد الحنفية في كتاب البيوع أن البيع ينعقد
بالإِيجاب والقبول. وأنه لابد للعاقدين من معرفة
المبيع معرفة نافية للجهالة المفضية للمنازعة.
فإن كان المبيع حاضرا اكتفي بالإشارة إلیه،
لأنها موجبة للتعريف قاطعة للمنازعة. وإن كان
غائبا فإن کان مما يعرف بالأنموذج کالکیلي والوزني
والعددي المتقارب فرؤية الأنموذج كرؤية الجميع
إلا أن یختلف فیکون له خیار العیب، أو خیار فوات
الوصف المرغوب فيه. وإن کان مما لا يعرف
بالأنموذج كالثياب والحيوان فيذكر له جميع
الأوصاف قطعا للمنازعة ویکون له خيار الرؤية .
كما أنه لابد كذلك من معرفة مقدار الثمن
وصفته إذا كان في الذمة قطعا للمنازعة، وإن أُطلق
الثمن فهو علی غالب نقد البلد، وإن لم يتعاملوا بها
انصرف إلى المعتاد عندهم. ويكفي أن يرى
المشتري من المبيع مايدل على العلم، لأن رؤية
جميع المبيع غير مشروطة لتعذرها كوجه صبرة لا
تتفاوت آحادها. (١) فمتى كان الأنموذج قد دل
على ما في الصبرة من مبيع دلالة نافية للجهالة،
وكان مما لا تتفاوت آحاده، وكان الثمن معلوما،
کان البيع به صحیحا وبغيره لا .
هذا ما عليه الفقهاء، فقد شرطوا فيما ينعقد به
البيع: معرفة العاقدين بالمبيع والثمن معرفة نافية
للجهالة، وأن رؤ یة بعض المبيع تكفي إن دلت
على الباقي فيما لا يختلف أجزاؤه اختلافا بينا.
وقال الشافعية في الأنموذج المتماثل المتساوي
(١) الاختيار شرح المختار ٤/٢، ٥ ط دار المعرفة، وابن عابدين
٥/٤، ٦٦،٦٥،٢١
الأجزاء كالحبوب: إن رؤيته تكفي عن رؤية باقي
المبيع، والبيع به جائز. وإذا أحضر البائع الأنموذج
وقال: بعتك من هذا النوع كذا فهوباطل، لأنه لم
يعين مالا ليكون بيعا، ولم يراع شرط السلم، ولا
يقوم ذلك مقام الوصف في السلم، لأن الوصف
باللفظ يرجع إليه عند النزاع، فإن عين الثمن وبينه
جاز.
وقال الحنابلة: إن البيع بالأنموذج لا يصح إذا لم
ير المبيع وقت العقد، أما إذا رئي في وقته وكان على
مثاله فإِنه یصح. (١)
إنهاء
التعريف :
١ - الإِنهاء في اللغة: يكون بمعنى الإِعلام،
والإِبلاغ، يقال أنهيت الأمر إلى الحاكم أي أعلمته
به. ويكون بمعنى الإِتمام والإنجاز. يقال: أنهى
العمل إذا أنجزه. (١٣
وقد استعمله المالكية والشافعية بمعنى إبلاغ
القاضي قاضیا آخر بحکمه لینفذه، أوبما حصل
عنده مما هودون الحكم، کسماع الدعوى لقاض
آخر ليتممه. ويكون إما مشافهة أو بكتاب أو
(١) الشرح الكبير ٢٤/٣، وجواهر الإكليل ٢/٢، ٦ - ٧، وعميرة
على شرح المحلي على منهاج الطالبين ٢/ ١٥٢ - ١٥٣، ١٦١ -
١٦٣، ١٦٥، وكشاف القناع ١٦٣/٣ طبعة بيروت.
(٢) الصحاح والمصباح المنير، وتهذيب الأسماء واللغات، والمرجع
لعبدالله العلايلي، مادة (نهى).
- ٧١ -
إنهاء ١ ، أنوثة ١ - ٣
بشاهدين. (١) ويرجع في تفصيل ذلك إلى
(دعوى. قضاء).
وأما بالمعنى الثاني فقد استعمله الفقهاء كذلك،
ويرجع إلى بحث (اتمام).
أنوثة
التعريف :
١ - الأنوثة خلاف الذكورة، والأنثی - کما جاء في
الصحاح وغيره من كتب اللغة - خلاف الذكر،
قال تعالى: ﴿یا أُیّها الناسُ إنّا خلقناكم من ذكّرِ
وَأَنْثَى﴾، (٢) وتجمع على إناث وأناثي، وامرأةً
أنثى: أي كاملة في أنوثتها.
والأنثيان: الخصيتان. (٣) (ر: خصاء).
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى.
هذا، ويذكر الفقهاء للأنوثة علامات وأمارات
تميزها عن الذكورة فضلا عن أعضاء الأنوثة، وتلك
الأمارات إما حسية كالحيض، وإما معنوية
کالطباع.
وسیأتي بیان ذلك في مصطلح (خنثى).
(١) شرح الزرقاني ٧/ ١٥٠، ١٥١ ط دار الفكر، وتبصرة الحكام
بهامش فتاوى عليش ٢/ ١٩، ٢٠، ونهاية المحتاج ٨/ ٢٥٩ ط
مصطفى الحلبي، وقليوبي وعميرة ٣٠٩/٤
(٢) سورة الحجرات / ١٣
(٣) الصحاح ٢٧٢/١، ٢٧٣ باب الثاء فصل الألف، ط دار
الكتاب العربي، والقاموس المحيط، والمصباح المنير، مادة
(أُنث)).
الألفاظ ذات الصلة :
الخنوثة :
٢ - الخنوثة حالة بين الذكورة والأنوثة.
وتذکر کتب اللغة أن الخنثى مَنْ له ما للرجال
والنساء جميعا. (١)
وأما عند الفقهاء، فقد قال النووي: الخنثى
ضربان: ضرب له فرج المرأة وذكر الرجال، وضرب
لیس له واحد منهما. (٢)
وللتفصيل ينظر مصطلح : (خنثى).
أحكام الأنوثة
أنثی الآدمي :
أولا : تكريم الإسلام للأنثى :
یتمثل تکریم الإسلام للأنثی فیما يأتي :
حسن استقبالها عند ولادتها :
٣ - كان استقبال الأنثى في العرب قبل الإسلام
استقبالا سیئا، یتبرمون بها، وتسود وجوههم،
ويتوارون عن الأعين، إذ هي في نظرهم مجلبة للفقر
أو للعار، فکانوا یثدونها حية، ويستكثر الرجل
عليها النفقة التي لا يستكثرها على عبده أو
حيوانه، (٣) فنهى الله سبحانه وتعالى المسلمين عن
ذلك، وذم هذا الفعل الشنيع، وبين أن من فعل
ذلك فقد باء بالخسران المبين، ﴿قد خَسِرَ الذین
قَتْلُوا أولادَهم سَفَهَاً بغيرِ عِلْم﴾. (٤)
(١) المصباح مادة: ((خنث))، والصحاح والقاموس.
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٤١ ط الحلبي، والمغني
٢٥٣/٦، والحموي على ابن نجيم ٢/ ١٦٦ - ١٧٠ ط العامرة.
(٣) تفسير الطبري ١٢٣/٤ و٧٨/١٥ ط مصطفى الحلبي.
(٤) سورة الأنعام / ١٤٠
- ٧٢ -
أُنوٹة ٣ - ٥
ونبه الإسلام إلى أن حق الوجود وحق الحياة
هبة من الله سبحانه وتعالى لكل إنسان من ذکر أو
أُنثی، قال الله تعالی: ﴿یَہبُ لمن يشاءُ إِناثا، وَهَبُ
لمن يشاءُ الذكورَ﴾.(١)
قال ابن قيم الجوزية: (٢) قدم الله سبحانه
وتعالى ما كانت تؤخره الجاهلية من أمر البنات
حتى كانوا يئدونهن، أي هذا النوع المؤخر الحقير
عندكم مقدم عندي في الذكر. والمقصود أن
التسخط بالإِناث من أخلاق أهل الجاهلية الذين
ذمهم الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿وإذا بُشِّرَ
أحدُهم بالأنثى ظَلّ وَجْهُهُ مُسْوَدًا وهو كَظیم،
یتواری من القوم من سُوءٍ مابُشرَ به، اُيُمْسِگُه على
هُونٍ أم يَدُسَّهُ في التراب ألا ساء ما يَحْكمون﴾. (٣)
وقال قتادة فيما رواه الطبري: أخبر الله تعالى
بخبث صنیعهم، فأما المؤمن فهو حقیق أن يرضى
بما قسم الله له، وقضاء الله له خير من قضاء المرء
نفسه، ولعمري ما یدری أنه خیر، لرب جارية
خير لأهلها من غلام، وإنما أخبركم الله بصنيعهم
لتجتنبوه وتنتهوا عنه، وکان احدهم یغذو کلبه ویئد
ابنته . (٤)
والإِسلام لا یکتفي من المسلم بأن يجتنب وأد
البنات، بل يرتقي بالمسلم إلى درجة الإنسانية
المثلى، فيأبى عليه أن يتبرم بذرية البنات، ويتلقى
ولادتهن بالعبوس والانقباض، بل يتقبلها بالرضى
والحمد، قال صالح ابن الإِمام أحمد: کان أحمد إذا
(١) سورة الشورى / ٤٩
(٢) تحفة المودود بأحكام المولود ص ١١
(٣) سورة النحل / ٥٩
(٤) تفسير الطبري ٤/ ١٢٣ ط مصطفى الحلبي.
ولد له ابنة يقول: الأنبياء كانوا آباء بنات، ويقول:
قد جاء في البنات ما علمت. (١)
العقّ عنها :
٤ - العقيقة عن المولود سنة، ويستوى في السنة
الذكر والأنثى، فكما يعق الولي عن الذكر يوم
السابع يعق عن الأنثى أيضا، (٢) ولكن يعق عن
الأنثى شاة، وعن الذكر شاتان. وينظر تفصيل ذکر
في (عقيقة).
تسميتها باسم حسن :
٥ - من السنة تسمية المولود باسم حسن، ويستوي
في ذلك الذكر والأنثى، وکما کان النبي یغیر أسماء
الذکور من القبیح إلی الحسن، فإنه كذلك كان
يغير أسماء الإناث من القبيح إلى الحسن، (٣) فقد
روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما
أن ((ابنة لعمر رضي الله تعالى عنه كان يقال لها
عاصية فسماها النبي # جميلة)) (٤)
والكنية من الأمور المحمودة، يقول النووي :
من الأدب أن يخاطب أهل الفضل ومن قاربهم
بالكنية، وقد كني النبي # بأبي القاسم، بابنه
القاسم.
والکنیة کما تكون للذكر تكون للأنثى. قال
(١) تحفة المودود ص ١٣
(٢) جواهر الإكليل ٢٢٤/١، والمغني ٦٤٣/٨
(٣) ابن عابدين ٢٦٨/٥، وتحفة المودود ص ٧٦، وجامع الأصول
لابن الأثير ٣٧٦/١
(٤) حديث: ((أن ابنة لعمر رضي الله عنه يقال لها عاصية .... )
أخرجه مسلم (١٦٨٧/٣ - ط الحلبي) والبخاري في الأدب المفرد.
(ص ٢٨٦ - ط السلفية).
- ٧٣ -
أنوثة ٦
النووي: روینا بالأسانيد الصحيحة في سنن
أبي داود وغيره عن عائشة رضي الله تعالى عنها
أنها قالت: يارسول الله کل صواحبي لهن کنی،
قال: «فاکتني بابنك عبدالله» قال الراوي: يعني
عبدالله بن الزبير وهو ابن أختها أسماء بنت
أبي بكر، وكانت عائشة تكنى أم عبد الله.(١)
لها نصيب في الميراث :
٦ - جعل الله سبحانه وتعالى للأنثى نصيبا في
الميراث كما للذكر نصيب، وقد كانوا في الجاهلية
لا يورثون الإناث. قال سعيد بن جبير وقتادة:
كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار
ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئا، فأنزل الله
تعالى: ﴿لِلرجالِ نصيبٌ مما تَرَكَ الوالدان
والأقربونَ وللنساءِ نصيبٌ مما تَرَكَ الوالدان
والأقربونَ مِمّا قلّ منه أو كثُرَ نصيبا مفروضا﴾(٢) أي
الجمیع فيه سواء في حكم الله تعالی یستوون في
أصل الوراثة وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل
منهم.(٣)
وقال الماوردي في تفسيره: سبب نزول هذه
الآية أن أهل الجاهلية کانوا یورثون الذكور دون
الإناث، فروی ابن جريج عن عكرمة قال: نزل
(١) ابن عابدين ٢٦٨/٥، والأذكار للنووي ص ٢٤٩ - ٢٥٣ ط دار
الملاح للطباعة والنشر.
وحدیث: «اکتني بابنك عبداله)) أخرجه أبوداود (٢٥٣/٥ -
ط عزت عبید دعاس) وصححه النووي في الأذکار (ص ٢٦١ -
ط المنيرية).
(٢) سورة النساء / ٧
(٣) تفسير الطبري ٣/ ٢٦٢ ط مصطفى الحلبي، ومختصر تفسير ابن
کثیر ٣٦٠/١
قول الله تعالى: (للرجال نصيب). الآية في
أم كجة وبناتها وثعلبة وأوس بن سويد(١) وهم من
الأنصار، وکان أحدهما زوجها والآخر عم ولدها،
فقالت: يارسول الله توفي زوجي وتركني وابنته ولم
نُوَرَّثْ، فقال عم ولدها يارسول الله: ولدها
لا يركب فرسا ولا يحمل كلّا، ولا يَنْكأ عدوا
یُگسب عليها ولا تَكْسِب فنزلت هذه الآية. (٢)
وورد كذلك في سبب نزول قوله تعالى:
﴿يُوصيكم اللهُ في أولادِكم لِلذكرِ مِثْلُ حَظٌّ
الأنثيين﴾(٣) ما روي عن جابر قال: ((جاءت امرأة
سعد بن الربيع إلى رسول الله #* فقالت:
یارسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما
معك في يوم أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما
فلم يدع لهما مالا، ولا ینکحان إلا ولهما مال فقال:
يقضي الله في ذلك، فنزلت آية الميراث، فأرسل
رسول الله # إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد
الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك)). (٤)
(١) يقول المحقق: الصحيح أن اسمه أوس بن ثابت الأنصاري.
(٢) تفسير الماوردي ٣٦٦/١، ٣٨٣ ط مطابع مقهوي الكويت،
والدر المنثور ٤٣٩/٢
وحدیث سبب نزول آية (للرجال نصيب .... ) أخرجه ابن
جرير (٢٦٢/٤ ط الحلبي) من حديث عكرمة مرسلا وإسناده
ضعيف لإرساله، وذكر له ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٠٧ - ط
الأندلس) طريقا آخر یتقوی به.
(٣) سورة النساء / ١١
(٤) مختصر تفسير ابن كثير ٣٦٢/١
وحديث: ((يقضي الله في ذلك ... فنزلت آية الميراث)).
أخرجه الترمذي (تحفة الأحوذي ٦/ ٢٦٧ - المكتبة السلفية)
والحاكم (٤/ ٣٣٤ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه، ووافقه
الذهبي.
- ٧٤ -
أنوثة ٧ - ٨
رعاية طفولتها، وعدم تفضيل الذكر عليها:
٧ - يعتني الإِسلام بالأنثى في كل أطوار حياتها
فيرعاها وهي طفلة، ويجعل رعايتها سترا من النار
وسبیلا إلى الجنة. فقد روى مسلم والترمذي عن
أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي وَ لّ قال:
((من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا
وهو، وضم أصابعه)).(١)
ولا يجوز أن يفضل الذكر عليها في التربية
والعناية، فقد قال النبي لاغير: ((من كانت له أنثى
فلم يشدها ولم يُهنها ولم يؤثر ولده (يعني الذكور)
عليها أدخله الله الجنة)). ((٢) وعن أنس أن رجلا
كان جالسا مع النبي ◌َّير فجاء بني له فقبله وأجلسه
في حجره، ثم جاءت بنته فأخذها فأجلسها إلى
جنبه فقال النبي ®: ((فما عَدَلْتَ بينهما)). (٣) وفي
الفتاوى الهندية: لا يجوز تفضيل الذكر على الأنثى
في العطية، (٤) وقال المالكية: يبطل الوقف إذا
وقف علی بنیه الذكور دون بناته، لأنه من عمل
الجاهلية . (٥)
وتشمل العناية بها في طفولتها تأهيلها لحياتها
(١) حديث: ((من عال جاريتين حتى تبلغا ... )) رواه مسلم
(٢٠٢٨/٤ - ط الحلبي).
(٢) حديث: ((من كانت له أنثى فلم يشدها ... )) أخرجه أبوداود
(٣٥٤/٥ - ط عزت عبيد دعاس) وفي إسناده جهالة.
(٣) جامع الأصول ٤١٢/١، ٤١٣، وتحفة المودود ص ١٢، ١٣٦
وحديث: ((فما عدلت بينهما)). أخرجه البيهقي من طريق
ابن عدي كما في تحفة المودود لابن القيم (ص ١٧٩ - ط المكتبة
القيمة) وحسنه ابن عدي في الكامل (٤/ ١٥٥٤ ط دار الفكر).
(٤) الفتاوى الهندية ٣٩١/٤
(٥) جواهر الإكليل ٢٠٦/٢
المستقبلة، فيستثنى مما يحرم من الصور صور لعب
البنات فإنها لا تحرم، ويجوز استصناعها وصنعها
وبيعها وشراؤها لهن، لأنهن يتدربن بذلك على
رعاية الأطفال، وقد ((كان لعائشة رضي الله تعالى
عنها جوار يلاعبنها بصور البنات المصنوعة من نحو
خشب، فإِذا رأين الرسول وَ ل* يستحين منه
ويتقمعن، وكان النبي ﴿﴿ يشتريها لها)). (١)
(ر: تصوير).
إكرام الأنثى حين تكون زوجة:
٨ - أمر الله تعالى بإحسان معاشرة الزوجة فقال:
﴿وعاشِرُوهُنّ بالمعروف﴾(٢) قال ابن کثیر : أي
طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهیئاتکم
بحسب قدرتکم، کما تحب ذلك منها فافعل أنت بها
مثله، قال تعالى: ﴿ولهن مِثْلُ الذي عليهن
بالمعروفِ﴾. (٣) وقال رسول الله صلإر: ((خيركم
خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، (٤) وكان من
أخلاقه {# أنه جمیل العشرة دائم البشر، يداعب
أهله ويتلطف بهم ويوسع عليهم في النفقة
ویضاحك نساءه، حتى أنه کان یسابق عائشة أم
المؤمنين رضي الله تعالى عنها يتودد إليها بذلك،
(١) الفواكه الدواني ٢/ ٤١٢، والمغني ٧/ ١٠، والأحكام السلطانية
للماوردي / ٢٥١
وحديث: ((كان لعائشة جوار يلاعبنها)). أخرجه البخاري
(الفتح ٥٢٦/١٠ - ط السلفية).
(٢) سورة النساء / ١٩
(٣) سورة البقرة / ٢٢٨
(٤) حديث: ((خيركم خيركم لأهله .... )) أخرجه ابن ماجه
(٦٣٦/١ - ط الحلبي) وصححه ابن حبان (ص ٣١٨ - ط
السلفية).
- ٧٥ -
أنوثة ٨ - ٩
قالت: سابقنى رسول الله * فسبقته وذلك قبل أن
أحمل اللحم، ثم سابقته بعد ما حملت اللحم
فسبقني فقال : ((هذه بتلك))،(١) و«كان إذا صلى
العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن
ینام».(٢)
وينبغي الصبر على الزوجة حتى لوكرهها،
قال الله تعالى: ﴿فإِنْ کَرِهْتُمُوهن فعسى أن
تَكْرهوا شيئا ويجعَلَ الله فيه خيرا کثیرا﴾(٣) قال
ابن كثير، أي فعسى أن يكون صبركم في
إمساکهن مع الكراهة فیه خیر کثیر لکم في الدنيا
والآخرة، کما قال ابن عباس : هو أن يعطف علیھا
فیر زق منها ولدا ویکون في ذلك الولد خیر کثیر ،
وفي الحديث الصحيح: ((لا يَفْرِكْ مؤمن مؤمنة، إن
کره منها خُلُقا رضي منها آخر)) . (٤)
هذا، وحقوق الزوجة على زوجها مبسوطة في
باب النكاح من کتب الفقه، ونذكر هنا مثلا واحدا
مما ذكره الفقهاء، يتصل بإكرام أمومة الأنثى، فقد
أكثر النبي * من الوصاية بالأم وقدمها في الرعاية
على الأب، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة
رضي الله تعالى عنه قال: ((جاء رجل إلى النبي ﴾
فقال: يارسول الله مَنْ أَحقُّ بَحْسْن صحابتي؟
قال: أمّك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم
(١) حديث: ((هذه بتلك)). أخرجه أبوداود (٦٦/٣ - ط عزت عبيد
دهاس) وأحمد (٣٩/٦ - الميمنية) وإسناده صحيح.
(٢) حديث: ((كان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله)).
أخرجه البخاري (الفتح ٢١٢/١ - ط السلفية) و(٢٣٥/٨)
وفيها التصريح بالسمر.
(٣) سورة النساء / ١٩
(٤) حديث: ((لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها ... )) أخرجه مسلم
(١٠٩١/٢ - ط الحلبي).
من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك)).(١)
وجعل النبي ول# رضاها طريقا إلى الجنة، فقد
قال رجل: ((يارسول الله أردت الغزو وجئت
أستشيرك، فقال: فهل لك من أم؟ قال: نعم،
قال: فالزمها، فإن الجنة عند رجليها)). (٢)
ثانيا : الحقوق التي تتساوى فيها مع الرجل :
تتساوى المرأة والرجل في كثير من الحقوق العامة
مع التقييد في بعض الفروع بما يتلاءم مع طبيعتها.
وفيما يأتي بعض هذه الحقوق:
أ - حق التعليم :
٩ - للمرأة حق التعليم مثل الرجل: فقد قال النبي
*: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)). (٣)
وهو يصدق على المسلمة أيضا، فقد قال الحافظ
السخاوي: قد ألحق بعض المصنفين بآخر هذا
الحديث (ومسلمة) وليس لها ذكر شيء من طرقه
وإن كان معناها صحيحا . (٤)
وقال النبي ێے : «من كانت له بنت فادبها
فأحسن أدبها، وعلمها فأحسن تعليمها، وأسبغ
(١) حديث: (من أحق بحسن صحبتي .... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٤٠١/١٠ - ط السلفية) ومسلم (٤/ ١٩٧٤ - ط
الحلبي).
(٢) مختصر تفسير ابن كثير ٢/ ٣٧٣، وجامع الأصول لابن الأثير
٣٩٧/١، ٤٠٣.
وحديث: ((الزمها فإن الجنة عند رجليها ... )). أخرجه
النسائي (١١/٧ - ط المكتبة التجارية) والحاكم (٤ / ١٥١ - ط
دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) حديث: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم ... )). أخرجه
ابن عبدالبر في الجامع (١ / ٧ - ط المثيرية) وحسنه المزي كما في
المقاصد الحسنة للسخاوي (ص ٢٧٦ - ط الخائجي).
(٤) المقاصد الحسنة / ٢٧٧
- ٧٦ -
أنوثة ٩ - ١٠
عليها من نعم الله التي أُسبغ عليه كانت له سترا أو
حجابا من النار)).(١)
وقد کان النساء في زمن النبي # یسعین إلى
العلم. روى البخاري عن أبي سعيد الخدري
قال: قالت النساء للنبي 18: ((غلبنا عليك
الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك، فواعدهن يوما
لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن». (٢) وعن عائشة
رضي الله تعالى عنها قالت: ((نِعْمَ النساء نساء
الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين)). (٣)
وقال النبي#: (مُرُوا أولادكم بالصلاة وهم
أبناء سبع سنين، واضربوهن عليها وهم أبناء
عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)). (٤)
قال النووي : والحديث يتناول بمنطوقه الصبي
والصبية، وأنه لا فرق بينهما بلا خلاف، ثم قال
النووي: قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله
تعالى: على الآباء والأمهات تعليم أولادهم
الصغار الطهارة والصلاة والصوم ونحوها،
وتعليمهم تحريم الزنى واللواط والسرقة، وشرب
(١) تفسير القرطبي ١١٨/١٠
وحديث: (من كانت له بنت فأدبها ... )) أخرجه أبونعيم في
الحلية (٥/ ٥٧ - ط الخانجي).
(٢) فتح الباري ١٥٨/١
وحديث: ((قالت النساء للنبي # ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ١٩٥/١ - السلفية).
(٣) حديث عائشة: ((نعم النساء نساء الأنصار ... )). أخرجه
مسلم (١/ ٢٦١ - ط الحلبي).
(٤) حديث: ((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع ... )) أخرحه
أبو داود (٣٣٤/١ - ط عزت عبيد دعاس) وحسنه النووي في
الرياض (ص ١٤٨ - ط المكتب الإسلامي).
المسكر والكذب والغيبة وشبهها، وأنهم بالبلوغ
يدخلون في التكليف، وهذ التعليم واجب على
الصحيح، وأجرة التعليم تكون في مال الصبي،
فإن لم یکن له مال فعلی من تلزمه نفقته، وقد جعل
الشافعي والأصحاب للأم مدخلا في وجوب
التعليم، لكونه من التربية وهي واجبة عليها
كالنفقة . (١)
ومن العلوم غير الشرعية ما يعتبر ضرورة
بالنسبة للأنثى كطب النساء حتى لا يطلع الرجال
على عورات النساء. جاء في الفتاوى الهندية:
امرأة أصابتها قرحة في موضع لا يحل للرجل أن
ينظر إليه، لا يحل أن ينظر إليه، لكن يعلم امرأة
تداويها، فإن لم يجدوا امرأة تداويها ولا امرأة تتعلم
ذلك إذا علمت، وخيف عليها البلاء أو الوجع أو
الهلاك فإنه يستر منها كل شيء إلا موضع تلك
القرحة، ثم يداويها الرجل، ويغض بصره
ما استطاع إلا عن ذلك الموضع.(٢)
١٠ - وإذن ، فلا خلاف في مشروعية تعليم
الأنثى. لكن في الحدود التي لا مخالفة فيها للشرع
وذلك من النواحي الآتية :
أ- أن تحذر الاختلاط بالشباب في قاعات
الدرس، فلا تجلس المرأة بجانب الرجل، فقد
جعل النبي # للنساء يوما غير يوم الرجال يعظهن
فيه. بل حتى في العبادة لا يخالطن الرجال، بل
(١) المجموع للنووي ١/ ٥٠ ١١/٣ توزيع المكتبة العالمية بالفجالة
تحقيق محمد نجيب المطيعي، والفواكه الدواني ٢/ ١٦٤
(٢) الفتاوى الهندية ٥/ ٣٣٠، والاختيار ١٥٤/٤، وابن عابدين
٢٣٧/٥
- ٧٧ -
أنوثة ١١
یکن في ناحية منهم یستمعن إلى الوعظ ويؤدين
الصلاة، ولا يجب استحداث مكان خاص
لصلاتهن، أو إقامة حاجز بين صفوفهن وصفوف
الرجال.
ب - أن تكون محتشمة غير متبرجة بزينتها
لقول الله تعالى: ﴿ولا يُبْدِين زِينَتَهن إلا ما ظَهَرَ
منها﴾(١) وفي اتباع ذلك ما يمنع من الفتنة وإشاعة
الفساد. (٢)
ب - أهليتها التكاليف الشرعية :
١١ - المرأة أهل للتكاليف الشرعية مثل الرجل،
وولي أمرها مطالب بأمرها بأداء العبادات،
وتعليمها لها منذ الصغر، لما جاء في قول النبي ◌ِّل
((مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين،
واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في
المضاجع))(٣) والحديث يتناول الأنثى بلا خلاف كما
قال النووي . (٤)
وهي بعد البلوغ مكلفة بالعبادات من صلاة
وصوم وزكاة وحج، وليس لأحد - زوج أو غيره -
منعها من أداء الفرائض. فجملة العقائد
والعبادات والأخلاق والأحكام التي شرعها الله
للإِنسان يستوى في التكليف بها والجزاء عليها الذكر
والأنثى . (٥)
(١) سورة النور / ٣١
(٢) المغني ٢/ ٣٧٥، ٣٧٦، والفواكه الدواني ٣٦٧/٢
(٣) الحديث سبق تخريجه ف / ٩
(٤) المجموع للنووي ١/ ٢٥٠، ١١/٣
(١) إعلام الموقعين ٢/ ٧٣
يقول الله تعالى : ﴿مَنْ عمل صالحا مِنْ ذكر أو
أنثى وهو مؤمن فَلَنُحْبِيِّنْهُ حیاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِینهم
أجرهم بأحسنٍ ماكانوا يعملون﴾. (١) ويؤكد الله
سبحانه وتعالى هذا المعنى في قوله: ﴿إن المسلمينَ
والمسلمات والمؤمنينَ والمؤمناتِ والقانتين والقانتاتِ
والصادقينَ والصادقاتِ والصابرينَ والصابراتِ
والخاشعينَ والخاشعاتِ والمتصدقينَ والمتصدقاتِ
والصائمينَ والصائماتِ والحافظين فروجھُم
والحافظاتِ والذاكرينَ الله كثيراً والذاكراتِ
أعد الله لهم مغفرةً وأجراً عظيماً﴾(٢)ویروی في سبب
نزول هذه الآية أن ابن عباس رضي الله عنهما
قال: قال النساء للنبي وَ ﴾ ماله يذكر المؤمنين
ولا يذكر المؤمنات، فنزلت. وعن أم سلمة أنها
قالت: قلت يارسول الله : أيذكر الرجال في كل
شيء ولا نذكر؟! فنزلت هذه الآية. (٣)
وفي استجابة الله تعالی لسؤال المؤمنين قال:
﴿فاستجابَ لهم ربُّهم أني لا أُضِيعُ عملَ عاملٍ
منكم مِنْ ذكر أو أنثى بعضُكم من بعضٍ ﴾ (٤)
ولقد روي في سبب نزولها ماروي في سبب نزول
الآية السابقة، ويقول ابن كثير : ﴿بعضكم من
بعض﴾ أي جميعكم في ثوابي سواء. وبين الله
سبحانه وتعالى أن الذي يؤذي المؤمنات هو في
الإِثم كمن يؤذي المؤمنين، يقول الله تعالى
(١) سورة النحل / ٩٧
(٢) تفسير الطبري ٢٧ / ١٠، ومختصر تفسير ابن كثير ٣/ ٩٥ عند
الكلام على الآية / ٣٥ من سورة الأحزاب.
(٣) حديث أم سلمة: ((يذكر الرجال في كل شيء ... )) أخرجه أحمد
(٣٠١/٦ - ط اليمنية) وإسناده صحيح.
(٤) سورة آل عمران / ٩٥
- ٧٨ -
أنوثة ١٢
﴿والذين يُؤْذُون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا
فقد احتَمَلوا بُهتانا وإثْما مبينا﴾(١)
وهي مطالبة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
كالرجل، يقول الله تعالى: ﴿ والمؤمنون والمؤمناتُ
بعضُهم أولیاءُ بعضٍ يأمرون بالمعروفِ ويَنْهون عن
المذكر ويقيمون الصلاةَ ويُوُتون الزكاةَ ويُطيعونَ اللهَ
ورسولَه، أولئك سَيَرْحمهم اللهُ إن الله عزیز
حکیم﴾ (٢)
والجهاد كذلك يتعين على المرأة إذا هاجم العدو
البلاد. يقول الفقهاء: إذا غشي العدو محلة قوم
كان الجهاد فرض عين على الجميع ذكورا وإناثا
وتخرج المرأة بغير إذن الزوج، لأن حق الزوج
لا يظهر في مقابلة فرض العين. (٣)
وقد خفف الله عنها في العبادات في فترات تعبها
من الحيض والحمل والنفاس والرضاع. وتنظر
الأحكام الخاصة بذلك في (حیض، حمل، نفاس،
رضاع)
جـ - احترام إرادتها :
١٢ - للأنثى حرية الإِرادة والتعبير عما في نفسها،
وقد منحها الله سبحانه وتعالى هذا الحق الذي
سلبته منها الجاهلية وحرمتها منه، فقد كانت حین
یموت زوجها لا تملك من أمر نفسها شیئا، وكان
یرثها من یرث مال زوجها . روى البخاري عن
ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا
لا يَجِل لكم أن تَرِثُوا النساءَ كَرْها﴾(٤) قال: كانوا إذا
(١) سورة الأحزاب / ٥٨
(٢) سورة التوبة / ٧١
(٣) الفواكه الدواني ٤٦٣/١، ٣٦١/٢، والاختيار ١١٨/٤
(٤) سورة النساء / ١٩
مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء
بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم
يزوجوها فهم أحق بها من أهلها. (١) فنزلت هذه
الآية، وقال زيد بن أسلم كان أهل يثرب إذا مات
الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من یرث ماله،
وكان يعضلها حتى يرثها أو يزوجها من أراد، وكان
أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها
ويشترط عليها ألا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي
منه ببعض ماأعطاها، فنهى الله المؤمنين عن
ذلك.
وقال ابن جريج: نزلت هذه الآية في كبيشة بنت
معن بن عاصم بن الأوس، توفي عنها أبوقيس بن
الأسلت، فجنح علیها ابنه، فجاءت رسول الله
﴿* فقالت: يارسول الله لا أنا ورثت زوجي، ولا
أنا تركت فأنكح، فأنزل الله هذه الآية. قال
ابن كثير: فالآية تعم ماكان يفعله أهل الجاهلية،
وكل ما كان فيه نوع من ذلك. (٢)
وإرادتها كذلك معتبرة في نكاحها، فقد قال
النبي ◌َّله فيما يرويه البخاري: ((لا تنكح الأيم
حتى تُسْتَأمر، ولا تنكح البكر حتى تُسْتَأذن)). (٣)
والاستثمار في حق الثيب الكبيرة العاقلة واجب
باتفاق الفقهاء، وإذا زوجت بغیر إذنها فنكاحها
موقوف على إجازتها، على ماهو معلوم في باب
النكاح. وهو في حق البكر البالغة العاقلة مستحب
(١) أثر ابن عباس: ((كانوا إذا مات الرجل ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٢٤٥/٨ - ط السلفية).
(٢) مختصر تفسير ابن كثير ٣٦٨/١، وتفسير الماوردي ٣٧٣/١
(٣) حديث: ((لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح ... )). أخرجه
البخاري (الفتح ١٩١/٩ - ط السلفية).
- ٧٩ -
أنوثة ١٢
عند جمهور الفقهاء. روي عن عطاء قال: ((کان
النبي # يستأمر بناته إذا أنكحهن». (١) واستئذانها
واجب عند الحنفية. بل إنها يجوز لها تزويج نفسها
عند الحنفية. جاء في الاختيار: عبارة النساء معتبرة
في النكاح، حتى لوزوجت الحرة العاقلة البالغة
نفسها جاز، وکذلك لوزوجت غیرها بالولاية أو
الوکالة، وکذا إذا وكلت غيرها في تزويجها، أو
زوجها غیرها فأجازت، وهذا قول أبي حنيفة وزفر
والحسن وظاهر الرواية عن أبي يوسف،
ويستدلون بما في البخاري ((أن خنساء بنت حزام
أنكحها أبوها وهي كارهة، فرده النبي ﴾))(٢)
وروي أن امرأة زوجت بنتها برضاها فجاء الأولياء
وخاصموها إلى علي رضي الله تعالى عنه فأجاز
النكاح. هذا دليل الانعقاد بعبارة النساء، وأنه
أجاز النكاح بغیر ولي، لأنهم كانوا غاثبین، لأنها
تصرفت في خالص حقها، ولا ضرر فيه لغيرها
فینفذ، کتصرفها في مالها.(٣)
هذا ما انفرد به الحنفية، وتفصيل الخلاف في
هذا ينظر في (نكاح).
وللمرأة أيضا مشارکة زوجها الرأي بل
ومعارضته، قال عمر بن الخطاب: ((والله إن كنا في
(١) حديث: ((كان النبي # يستأمر ... )) أخرجه ابن أبي شيبة في
مصنفه (١٣٦/٤) وورد عند البيهقي من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه متصلا ورجح البيهقي کونه مرسلا من حديث
المهاجربن عكرمة المخزومي (١٢٣/٧ ط دائرة المعارف
العثمانية).
(٢) حديث: ((خنساء بنت حزام ... )) أخرجه البخاري (الفتح
١٩٤/٩ - ط السلفية).
(٣) المغني لابن قدامة ٤٨٨/٦ - ٤٩١، والاختيار ٣/ ٩٠، ٩١،
والهداية ١٩٦/١، وجواهر الإكليل ٢٧٨/١، والمهذب ٣٨/٢
الجاهلية ما نعد للنساء أمرا، حتى أنزل الله فيهن
ماأنزل، وقسم لهن ما قسم، قال: فبينا أنا في أمر
أتأمّره إذ قالت امرأتي : لو صنعت كذا وكذا، قال:
فقلت لها: مالك ولما ها هنا، فيما تكلُّفك في أمر
أريده؟ فقالت لي: عجبالك ياابن الخطاب،
ماتريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع
رسول الله # حتى يظل يومه غضبان. فقام عمر
فأخذ رداءه مکانه حتى دخل على حفصة، فقال
لها: يابنية إنك لتراجعين رسول الله # حتى يظل
يومه غضبان؟ فقالت حفصة: والله إنا لنراجعه.
فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة الله، وغضب
رسول الله#. يا بنية لا يغرنك هذه التي أعجبها
حسنها حبُّ رسول الله # إياها - يريد عائشة -
قال: خرجت حتى دخلت على أم سلمة لقرابتي
منها فكلمتها، فقالت أم سلمة: عجبالك
یاابن الخطاب، دخلت في كل شيء، حتى تبتغي
أن تدخل بین رسول الله # وأزواجه. فأخذتني
والله أخذا كسرتني عن بعض ما كنت أجد،
فخرجت من عندها، وکان لي صاحب من الأنصار
إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه
بالخبر، ونحن نتخوف مَلِکا من ملوك غسان ذکر لنا
أنه یرید أن یسیر إلینا، فقد امتلأت صدورنا منه،
فإِذا صاحبي الأنصاري يدق الباب، فقال: افتح
افتح، فقلت: جاء الغساني؟ فقال: بل أشد من
ذلك، اعتزل رسول الله (# أزواجه، فقلت رغم
أنفُ حفصة وعائشة. فأخذت ثوبي، فأخرج حتى
جئت، فإذا رسول الله # في مشربة له يرقى عليها
بعجلة، وغلام لرسول الله # أسود على رأس
الدرجة، فقلت له: قل هذا عمر بن الخطاب.
- ٨٠ -