النص المفهرس

صفحات 281-300

إنابة ، إنبات ، أنبياء ، انتباذ ، انتحار ١ - ٣
إنابة
انظر : نيابة - توبة
إنبات
انظر : بلوغ
أنبياء
انظر : نبي
انتباذ
انظر : أشربة
انتحار
التعريف :
١ - الانتحار في اللغة مصدر: انتحر الرجل،
بمعنى نحر نفسه أي: قتلها. ولم يستعمله الفقهاء
بهذا المعنى. لكنهم عبروا عنه بقتل الإِنسان
نفسه .(١)
وفي حديث أبي هريرة: ((أن رجلا قَاتَلَ في
سبيل الله أشدَّ القتال، فقال النبي #1: إنه مِنْ
أهل النار، فبينما هو على ذلك إذ وَجَدَ الرجلُ أَمَ
الجرح، فأهوى بيده إلى كنانته، فانتزع منها سهما
فانتحر بها)».
وفي الحديث نفسه: ((انتحر فلان فقتل نفسه))
رواه البخاري . (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - النحر ، والذبح :
٢ - النحر عند الفقهاء هو: فري الأوداج وقطع کل
الحلقوم، ومحله من أسفل الحلقوم. ويطلق
الانتحار على قتل الإِنسان نفسه بأي وسيلة
كانت. ولهذا ذكروا أحكامه باسم (قتل الشخص
نفسه). (٣)
بِمَ يتحقق الانتحار :
٣ - الانتحار نوع من القتل فيتحقق بوسائل
مختلفة. ويتنوع بأنواع متعددة كالقتل.
فإذا كان إزهاق الشخص نفسه بإتيان فعل
منهي عنه، كاستعمال السيف أو الرمح أو البندقية أو
(١) لسان العرب وتاج العروس مادة: (نحر).
(٢) حديث أبي هريرة: ((أن رجلا قاتل في سبيل الله .... )) أخرجه
البخاري (فتح الباري ٤٩٨/١١ ط السلفية).
(٣) البدائع ٤١/٥، والمغني ٤٢/١١، والشرح الصغير ٢/ ١٥٤،
ونهاية المحتاج ١٠٥/٨، ١١١
- ٢٨١ -

انتحار ٤ - ٦
أكل السم أو إلقاء نفسه من شاهق أو في النار
ليحترق أو في الماء ليغرق وغير ذلك من الوسائل،
فهو انتحار بطريق الإِيجاب .
وإذا كان الإِزهاق بالامتناع عن الواجب،
كالامتناع من الأكل والشرب وترك علاج الجرح
الموثوق ببرئه بما فيه من خلاف سيأتي، أو عدم
الحركة في الماء أو في النار أو عدم التخلص من
السبع الذي يمكن النجاة منه، فهو انتحار بطريق
السلب. (١)
٤ - ويقسم الانتحار بحسب إرادة المنتحر إلى
نوعين: الانتحار عمدا والانتحار خطأ.
فإذا ارتكب الشخص عملا حصل منه قتل
نفسه، وأراد النتيجة الحاصلة من العمل، يعتبر
القتل انتحاراً عمدا. كرمي نفسه بقصد القتل
مثلا .
وإذا أراد صيدا أوقتل العدو فأصاب نفسه،
ومات، يعتبر انتحارا خطأ. وستأتي أحكامهما
قریبا.
ويمكن أن يحصل الانتحار بطريق يعتبر شبه
العمد عند غیر المالکیة، كقتل الانسان نفسه بما لا
يقتل غالبا، كالسوط والعصا. ر: (قتل).
٠
أمثلة من الانتحار بطريق السلب:
أولا : الامتناع من المباح :
٥-من امتنع من المباح حتی مات کان قاتلا نفسه،
(١) أحكام القرآن للجصاص ١٤٩/١، ونهاية المحتاج ٧/ ٢٤٣،
ومواهب الجليل ٢٣٣/٣، والمغني ٣٢٦/٩
متلفا لها عند جميع أهل العلم. (١) لأن الأكل
للغذاء والشرب لدفع العطش فرض بمقدارما
يدفع الهلاك، فإِن ترك الأكل والشرب حتى هلك
فقد انتحر، لأن فيه إلقاء النفس إلى التهلكة المنهي
عنه في محكم التنزيل. (٢)
وإذا اضطر الإِنسان للأكل أو الشرب من المحرم
كالميتة والخنزير والخمر حتى ظن الهلاك جوعا لزمه
الأكل والشرب، فإذا امتنع حتى مات صارقاتلا
نفسه، بمنزلة من ترك أكل الخبز وشرب الماء في
حال الإِمكان، لأن تاركه ساعٍ في إهلاك نفسه،
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلوا أنْفُسَكم﴾. (٣)
وكذلك حكم الإِكراه على أكل المحرم، فلا يباح
للمكره الامتناع من أكل الميتة أو الدم أو لحم
الخنزير في حالة الإِكراه، لأن هذه الأشياء مما يباح
عند الاضطرار لقوله تعالى: ﴿إِلّ ما اضْطُرِرْتُمْ
إليه)(٤) والاستثناء من التحريم إباحة، وقد تَحقق
الاضطرار بالإِكراه، ولو امتنع عنه حتى قتل يؤاخذ
به ویعد منتحرا، لأنه بالامتناع عنه صار ملقیا نفسه
إلى التهلكة . (٥)
ثانيا : ترك الحركة عند القدرة :
٦ - من ألقي في ماء جار أوراكد لا يعد مغرقا،
كمنبسط يمكنه الخلاص منه عادة، فمكث فيه
(١) أحكام القرآن للجصاص ١٤٨/١
(٢) ابن عابدين ٢١٥/٥
(٣) سورة النساء / ٢٩
(٤) سورة الأنعام / ١١٩
(٥) البدائع ٧/ ١٧٦، وأحكام القرآن للجصاص ١٤٩/١،
ومواهب الجليل ٢٣٣/٣، وأسنى المطالب ١/ ٥٧٠، والمغني
٧٤/١١
- ٢٨٢ -

انتحار ٧ - ٨
مضطجعا مثلا مختارا لذلك حتى هلك، يعتبر
منتحرا وقاتلا نفسه، ولذلك لا قود ولا دیة علی
الذي ألقاه في الماء عند عامة العلماء، لأن هذا
الفعل لم يقتله، وإنما حصل الموت بلبثه فيه، وهو
فعل نفسه، فلم یضمنه غيره. كذلك إن تركه في
نار یمکنه الخلاص منها لقلتها، أو لكونه في طرف
منها یمکنه الخروج بأدنی حركة، فلم يخرج حتى
مات.
وفي وجه عند الحنابلة: لو ترکه في ناريمكنه
التخلص منها فلم يخرج يضمن، لأنه جان بالإلقاء
المفضي إلى الموت. وفارق الماء، لأنه غير مهلك
بنفسه، ولهذا يدخله الناس للسباحة، أما النار
فيسيرها يهلك، ولأن النار لها حرارة شديدة، فربما
أزعجته حرارتها عن معرفة ما یتخلص به، أو
أذهبت عقله بألمها وروعتها. (١)
ثالثا : ترك العلاج والتداوي :
٧ - الامتناع من التداوي في حالة المرض لا يعتبر
انتحارا عند عامة الفقهاء، فمن كان مريضا وامتنع
من العلاج حتى مات، لا يعتبر عاصيا، إذلا
يتحقق بأنه يشفيه .
کذلك لو ترك المجروح علاج جرح مهلك فمات
لا يعتبر منتحرا، بحيث يجب القصاص على
(٢)
جارحه، إذ البرء غير موثوق به وإن عالج.
أما إذا كان الجرح بسيطا والعلاج موثوقا به، كما
(١) الفتاوى الهندية ٥/٦، وشرح منتهى الإرادات ٢٦٩/٣، ونهاية
المحتاج ٢٤٣/٧، والمغني ٣٢٦/٩، والوجيز للغزالي ٢/ ١٢٢
(٢) ابن عابدين ٢١٥/٥، ونهاية المحتاج ٢٤٣/٧، والمغني
٣٢٦/٩
لو ترك المجني علیه عصب العرق، فإِنه یعتبر قد
قتل نفسه، حتى لا يسأل جارحه عن القتل عند
الشافعية . (١) وصرح الحنابلة بخلافه، وقالوا: إن
ترك شد الفصاد مع إمکانه لا يسقط الضمان، كما لو
جرح فترك مداواة جرحه. (٢)
ومع تصريح الحنفية بأن ترك العلاج لا يعتبر
عصیانا، لأن البرء غير موثوق به، قالوا: إن ضرب
رجلا بإبرة في غير المقتل عمدا فمات، لا قود فيه(٣)
فقد فصلوا بين الجرح المهلك وغير المهلك
کالشافعية، فیفهم منه أن ترك الجرح اليسير لنزف
الدم حتى الموت يشبه الانتحار.
ولم نعثر على نص للمالكية في هذه المسألة.
حكمه التكليفي :
٨ - الانتحار حرام بالاتفاق، ويعتبر من أكبر
الكبائر بعد الشرك بالله. قال الله تعالی : ﴿ولا
تَقْتُلُوا النفسَ التي حَرّمَ الله إلا بالحق﴾(٤) وقال:
﴿وَلا تَقْتُلُوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾(٥).
وقد قرر الفقهاء أن المنتحر أعظم وزرا من قاتل
غيره، وهو فاسق وباغ علی نفسه، حتى قال
بعضهم: لا يغسل ولا يصلى عليه كالبغاة، وقيل:
لا تُقْبل توبته تغليظا عليه. (٦)
كما أن ظاهر بعض الأحاديث يدل على خلوده
(١) نهاية المحتاج ٢٤٣/٧
(٢) المغني ٣٢٦/٩
(٣) ابن عابدين ٢١٥/٥، والفتاوى الهندية ٥/٦
(٤) سورة الأنعام / ١٥١
(٥) سورة النساء / ٢٩
(٦) ابن عابدين ٥٨٤/١، والقليوبي مع حاشية عميرة ٣٤٨/١،
٣٤٩، والمغني ٤١٨/٢، والزواجر لابن حجر الهيثمي ٩٦/٢
- ٢٨٣ -

انتحار ٩ - ١٠
في النار. منها قوله ﴿ ((من تَردی من جَبل فَقْتَل
نفسه فهو في نار جهنم یتردی فیها خالدا مخلدا فيها
أبدا))(١)
وهناك حالات خاصة تشبه الانتحار، لكنه لا
عقاب على مرتكبها، ولا يأثم فاعلها، لأنها ليست
انتحارا في الواقع كالآتي :
أولا : الانتقال من سبب موت إلى آخر:
٩ - إذا وقع حريق في سفينة، وعلم أنه لوظل فيها
احترق، ولو وقع في الماء غرق. فالجمهور (المالكية
والحنابلة والشافعية، وهو قول أبي حنيفة) على أن
له أن يختار أيهما شاء. فإذا رمى نفسه في الماء ومات
جاز، ولا يعتبر ذلك انتحارا محرما إذا استوى
الأمران.
وقال الصاحبان من الحنفية، وهورواية عن
أحمد: أنه يلزمه المقام والصبر، لأنه إذا رمى نفسه
في الماء كان موته بفعله، وإن أقام فموته بفعل
غيره. (٢)
كذلك جاز له الانتقال من سبب موت إلى
سبب موت آخر، إذا کان في السبب الذي ينتقل
إليه نوع خفة مع التأكد من القتل فيهما عند
أبي حنيفة، قال الزيلعي: ولو قال له: لتلقينّ
نفسك في النار أو من الجبل، أو لأقتلنك، وكان
الإلقاء بحیث لا ینجومنه، ولکن فيه نوع خفة،
فله الخيار إن شاء فعل ذلك، وإن شاء لم يفعل
(١) حديث: ((من تردى من جبل فقتل نفسه ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٢٤٧/١٠ - ط السلفية) ومسلم (١٠٣/١ - ١٠٤ ط
الحلبي).
(٢) المغني ٥٥٤/١٠، والشرح الكبير ١٨٤/٢، والقليوبي
٤/ ٢١٠، والزيلعي ١٩٠/٥
وصبر حتى يقتل، لأنه ابتلي ببليتين فيختارما هو
الأهون في زعمه، وهذا هو مذهب الشافعية. وعند
الصاحبین من الحنفية يصبر ولا يفعل ذلك، لأن
مباشرة الفعل سعي في إهلاك نفسه فيصبر تحاميا
عنه.(١)
أما إذا ظن السلامة في الانتقال من سبب إلى
سبب آخر للموت، أورجا طول الحياة ولو مع موت
أشد وأصعب من الموت المعجل، فقد صرح
المالكية بوجوبه، لأن حفظ النفوس واجب ما
أمكن، وعبر الحنابلة بأنه هو الأولى، مما يدل على
عدم الوجوب. (٢)
١٠ - ومن أمثلة الانتقال من سبب موت إلى سبب
موت آخر ما ذکروا من أنه لو تبع بسیف ونحوه مميزا
هاربا منه فرمی نفسه بماء أونار من سطح فمات،
فلا ضمان علیه في قول عند الشافعية، وهو قياس
مذهب الحنفية، لمباشرته إهلاك نفسه عمدا، کما لو
أكره إنسانا على أن يقتل نفسه فقتلها. فكأنه يشبه
الانتحار عندهم. والقول الآخر عند الشافعية أن
عليه نصف الدية .
أما لووقع بشيء مما ذكر جاهلا به، لعمی أو
ظلمة مثلا أو تغطية بئر، أو ألجأه إلى السبع بمضيق
ضمن من تبعه، لأنه لم يقصد إهلاك نفسه وقد
ألجأه التابع إلى الهرب المفضي للهلاك. وكذا لو
انخسف به سقف في هربه في الأصح. (٣)
وقال الحنابلة: إذا طلب إنسانا بسيف مشهور
فهرب منه، فتلف في هربه ضمنه، سواء أكان من
(١) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ٥/ ١٩٠، والقليوبي ٤/ ٤١٠
(٢) الخرشي ٣/ ١٢١، والمغني ١٠ / ٥٥٤
(٣) نهاية المحتاج ٣٣٣/٧
- ٢٨٤ -

انتحار ١١
الشاهق، أم انخسف به سقف أم خر في بئر، أم
لقیه سبع، أم غرق في ماء، أم احترق بنار. وسواء
أكان المطلوب صغيرا أم كبيرا، أعمى أم بصيرا،
عاقلا أم مجنونا. (١)
وفصل المالكية في الموضوع فقالوا: من أشار إلى
رجل بسيف، وكانت بينهما عداوة، فتمادى
بالإِشارة إليه وهو يهرب منه، فطلبه حتى مات
فعلیہ القصاص بدون القسامة إذا كان الموت بدون
السقوط، وإذا سقط ومات فعليه القصاص مع
القسامة .
أما إذا كان بدون عداوة فلا قصاص، وفيه
الدية على العاقلة. (٢)
ثانيا : هجوم الواحد على صف العدو:
١١ - اختلف الفقهاء في جواز هجوم رجل من
المسلمين وحده على جيش العدو، مع التيقن بأنه
سيقتل .
فذهب المالكية إلى جواز إقدام الرجل المسلم
على الكثير من الكفار، إن كان قصده إعلاء
كلمة الله، وكان فيه قوة وظن تأثيره فيهم، ولو علم
ذهاب نفسه، فلا يعتبر ذلك انتحارا . (٣)
وقيل إذا طلب الشهادة، وخلصت النية
فليحمل، لأن مقصوده واحد من الأعداء، وذلك
بَيْنّ في قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يَشْري نفسَه
ابتغاءَ مرضاةِ الله﴾ . (٤)
(١) المغني ٩/ ٥٧٧
(٢) مواهب الجليل ٦/ ٢٤١، وجواهر الإكليل ٢/ ٢٥٧
(٣) الشرح الكبير ١٨٣/٢
(٤) سورة البقرة / ٢٠٧
وانظر أيضا تفسير القرطبي ٣٦٣/٢
وقيده بعضهم بأن يكون قد غلب على ظنه أن
سيقتل من حمل عليه وينجو، وكذلك لوعلم وغلب
على ظنه أنه يقتل، لكن سينكي نكاية أوسيبلي أو
يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون . (١)
ولا يعتبر هذا إلقاء النفس إلى التهلكة المنهي
عنه بقوله تعالى: ﴿ولا تُلْقوا بأيديكم إلى
التّهْلُگةِ﴾(٢) لأن معنى التھلکة ۔ کما فسرها أكثر
المفسرين - هو الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك
الجهاد، لما روى الترمذي عن أسلم أبي عمران
حكاية عن غزو القسطنطينية أنه ((حمل رجل من
المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم،
فصاح الناس، وقالوا: سبحان الله، يلقي بيديه
إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال:
يا أيها الناس، إنكم تتأولون هذه الآية هذا
التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار
لما أعز الله الإِسلام وکثر ناصروه، فقال بعضنا
لبعض سرادون رسول الله وسلم: إن أموالنا قد
ضاعت، وإن الله قد أعز الإِسلام وکثر ناصروه،
فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل
على نبيه وَ* يرد على ما قلنا ﴿وأنفقوا في
سبيلِ الله ولا تُلْقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ فكانت
التهلكة الإِقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا
الغزو)) . (٣)
(١) تفسير القرطبي ٣٦٣/٢
(٢) سورة البقرة / ١٩٥
(٣) الأثر عن أسلم أبي عمران أخرجه الترمذي (تحفة الأحوذي
٣١١/٨ -٣١٢ ط السلفية) والحاكم (المستدرك ٢٧٥/٢ ط
دائرة المعارف العثمانية) وصححه، ووافقه الذهبي.
- ٢٨٥ -

انتحار ١١ - ١٢
ونقل الرازي رواية عن الشافعي أن رسول الله
وَلّ ذكر الجنة، فقال له رجل: ((أرأيت إن قتلتُ في
سبيل الله فأين أنا؟ قال: في الجنة، فألقى تمرات في
يديه ثم قاتل حتى قتل)). (١)
كذلك قال ابن العربي : والصحيح عندي
جوازه، لأن فيه أربعة أوجه:
الأول : طلب الشهادة .
الثاني : وجود النكاية .
الثالث : تجرئة المسلمين عليهم.
الرابع : ضعف نفوس الأعداء، ليروا أن هذا
صنع واحد منهم فما ظنك بالجميع . (٢)
وصرح الحنفية بأنه : إن علم أنه إذا حارب
قتل، وإذا لم يحارب أسر لم يلزمه القتال، لكنه إذا
قاتل حتى قتل جاز بشرط أن ينكي فيهم. أما إذا
علم أنه لا ينكي فيهم فإنه لا يحل له أن يحمل
عليهم، لأنه لا يحصل بحملته شيء من إعزاز
الدين(٣)
كما نقل عن محمد بن الحسن أنه قال: لو حمل
رجل واحد على ألف رجل من المشركين، وهو
وحده، لم يكن بذلك بأس، إذا كان يطمع في نجاة
أو نكاية في العدو (٤)
(١) التفسير الكبير لفخر الدين الرازي ٥/ ١٥٠، والقرطبي ٣٦٣/٢
وحديث: (أرأيت إن قتلت في سبيل الله ... )) أخرجه مسلم
(١٣٠٩/٣ - ط الحلبي).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١١٦/١
(٣) ابن عابدين ٢٢٢/٣
(٤) القرطبي ٣٦٤/٢، وربما يشبه هذه الحالة لبس الحزام الناسف
وإلقاء نفسه أمام دبابات العدو للقضاء عليها مع علمه بأنه
سیقتل.
ثالثا : الانتحار لخوف إفشاء الإِسرار:
١٢ - إذا خاف المسلم الأسر، وعنده أسرار هامة
للمسلمين، ويتيقن أن العدوسوف يطلع على
هذه الأسرار، ويحدث ضرراً بينا بصفوف المسلمين
وبالتالي يقتل، فهل له أن يقتل نفسه وينتحر أو
يستسلم؟
لم نجد في جواز الانتحار خوف إفشاء الأسرار،
ولا في عدم جوازه نصا صريحا في كتب الفقه.
إلا أن جمهور الفقهاء أجازوا قتال الكفار إذا
تترسوا بالمسلمين ولو تأكدوا أن المسلمين سيقتلون
معهم، بشرط أن يقصد بالرمي الكفار، ويتوقی
المسلمين بقدر الإمكان، وقيده بعضهم بما إذا
كانت الحرب قائمة، وعلمنا أننا لو كففنا عنهم
ظفروا بنا أو عظمت نكايتهم فينا، وجعلوا هذا من
تطبيقات قاعدة: (يتحمل الضرر الخاص لدفع
الضرر العام).
والمعروف أن الفقهاء لم يجوزوا إلقاء شخص في
البحر لخفة ثقل السفينة المشرفة للغرق، لأجل
نجاة ركابها مهما كثر عددهم، إلا ما نقل الدسوقي
المالكي عن اللخمي من جواز ذلك بالقرعة . (١)
(١) ابن عابدين ١٧٣/٥، وفتح القدير ٢٨٧/٤، والدسوقي
١٧٨/٢، ٢٧/٤، ونهاية المحتاج ٧/ ٧٩، ٦٢/٨، والمغني مع
الشرح الكبير ١٠/ ٣٦٣، ٥٠٥ فالذي يقتل نفسه خوفا من
إفشاء الأسرار، وهو متأكد من أن الكفار سيحصلون على
الأسرار ويظفرون بالمسلمين، أو يعظمون نكايتهم فيهم قد يشبه
هذه الحالة في موازنة الضررين، مع أن فيه قتل المسلم نفسه،
وفي التترس قتله بواسطة الغير.
ومن جهة أخرى إذا رأینا احتمال نجاته بدون الأسر أو بعد
الأسر، أو احتمال عدم تمكنهم من الحصول على هذه الأسرار
جزمنا بعدم جواز قتله .
- ٢٨٦ -

انتحار ١٣ - ١٦
أمر الشخص لغيره بقتله :
إذا قال الرجل لآخر: اقتلني ، أو قال للقائل إن
قتلتني أبرأتك، أوقد وهبت لك دمي، فقتله
عمدا، اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
الأول :
١٣ - أن القتل في هذه الحال لا يعتبر انتحارا، لكن
لا يجب به القصاص، وتجب الدية في مال القاتل.
هذا هو المذهب عند الحنفية - ماعدا زفر -
وإليه ذهب بعض الشافعية، ورواه سحنون عن
مالك، ووصفه بأنه أظهر الأقوال، لأن الإِباحة لا
تجري في النفوس، وإنما سقط القصاص للشبهة
باعتبار الإذن، والشبهة لا تمنع وجوب المال،
فتجب الدية في مال القاتل لأنه عمد، والعاقلة
لا تحمل دية العمد.(١)
وفصّل الحنفية في وجوب الدیة فقالوا: إن قتله
بالسيف فلا قصاص، لأن الإباحة لا تجري في
النفس، وسقط القصاص لشبهة الإِذن، وتجب
الدية في ماله، وإن قتله بمثقل فلا قصاص لكنه
تجب الدية على العاقلة . (٢)
الثاني :
١٤ - أن القتل في هذه الحال قتل عمد، ولا يأخذ
شيئا من أحكام الانتحار، ولهذا يجب القصاص.
وهذا قول عند المالكية حسنه ابن القاسم، وهو
قول عند الشافعية، وإليه ذهب زفر من الحنفية،
لأن الأمر بالقتل لم يقدح في العصمة، لأن عصمة
(١) مواهب الجليل ٦/ ٢٣٥، ٢٣٦، والزيلعي ١٩٠/٥
(٢) ابن عابدين ٣٥٢/٥
النفوس مما لا تحتمل الإِباحة بحال، وإذنه لا
يعتبر، لأن القصاص لوارثه لا له، ولأنه أسقط حقا
قبل وجوبه . (١)
الثالث :
١٥ - أن القتل في هذه الحال له حكم الانتحار، فلا
قصاص على من قتله ولا دية. وهذا مذهب
الحنابلة، والأظهر عند الشافعية، وهو رواية عند
الحنفية، وصححه القدوري، وهو رواية مرجوحة
في مذهب مالك.
أما سقوط القصاص فللإذن له في القتل
والجناية، ولأن صيغة الأمر تورث شبهة،
والقصاص عقوبة مقدرة تسقط بالشبهة .
وأما سقوط الدیة فلأن ضمان نفسه هو حق له
فصار کإذنه بإتلاف ماله، کما لو قال: اقتل دابتي
ففعل فلا ضمان إجماعا، فصح الأمر، ولأن المورث
أسقط الدية أيضا فلا تجب للورثة .
وإذا كان الأمر أو الآذن مجنونا أو صغيرا فلا
يسقط إذنه شيئا من القصاص ولا الدية، لأنه لا
اعتبار بإذنهما . (٢)
١٦ - لوقال: اقطع يدي، فإن كان لمنع السراية كما
إذا وقعت في يده آكلة فلا بأس بقطعه اتفاقا .
وإن کان لغير ذلك فلا يحل، ولو قطع بإذنه فلم
يمت من القطع فلا قصاص ولا دية على القاطع
عند الجمهور، لأن الأطراف يسلك بها مسلك
(١) ابن عابدين ٣٥٢/٥، والبدائع ٢٣٦/٧، والوجيز للغزالي
١٢٣/٢، والشرح الصغير ٣٣٦/٤، والشرح الكبير للدردير
٤/ ٢٤٠
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢٧٥/٣، وكشاف القناع ٥١٨/٥،
والسزيلعي ١٩٠/٥، والبدائع ٢٣٦/٧، ونهاية المحتاج
٢٤٨/٧، ٢٩٦، ومواهب الجليل ٢٣٥/٦، ٢٣٦
- ٢٨٧ -

انتحار ١٧ - ١٩
الأموال، فكانت قابلة للسقوط بالإباحة والإِذن،
کما لو قال له: أتلف مالي فأتلفه.(١)
وقال المالكية: إن قال له: اقطع يدي ولا شيء
عليك، فله القصاص إن لم يستمر على الإِبراء بعد
القطع، ما لم يترام به القطع حتى مات منه، فلوليه
القسامة والقصاص أو الدية. (٢)
١٧ - ولو أمره أن یشجه فشجه عمدا، ومات منها،
فلا قصاص عليه عند الجمهور (الحنفية والشافعية
والحنابلة).
واختلفوا في وجوب الدية على الجارح: فقال
الحنابلة وأبو حنيفة وهو رواية مرجوحة عند.
الشافعية: يجب على القاتل الدية، لأن العفوعن
الشجة لا يكون عفوا عن القتل، فكذا الأمر
بالشجة لا یکون أمرا بالقتل، وکان القیاس وجوب
القصاص، إلا أنه سقط لوجود الشبهة، فتجب
الدية. ولأنه لما مات تبين أن الفعل وقع قتلا،
والمأمور به هو القطع لا القتل.
أما لوعفا عن الجناية أو عن القطع وما يحدث
منه فهو عفو عن النفس. (٣)
وقال الشافعي في الراجح، وهو ما ذهب إليه
الصاحبان من الحنفية: إن سرى القطع المأذون به
إلى النفس فهدر، لأن القتل الحاصل من القطع
والشجة المأذون فیھما يشبه الانتحار، فلا يجب فيه
(١) البدائع ٢٣٦/٧، وابن عابدين ٣٥٢/٥، ٣٦١، ونهاية
المحتاج ٢٩٦/٧، ومواهب الجليل ٢٣٦/٦، وشرح منتهى
الإرادات ٣/ ٢٧٥
(٢) ابن عابدين ٣٥٢/٥، والشرح الكبير للدردير ٤/ ٢٤٠، ونهاية
المحتاج ٢٩٦/٧، والمغني ٤٩٦/٩
(٣) ابن عابدين ٣٦١/٥، والشرح الكبير للدردير ٤/ ٢٤٠، ونهاية
المحتاج ٢٩٦/٧، والمغني ٤٦٩/٩ - ٤٧٠
قصاص ولا دية، ولأن العفو عن الشجة يكون عفوا
عن القتل، فكذا الأمر بالشجة يكون أمرا بالقتل.
ولأن الأصح ثبوت الدية للمورث ابتداء، وقد
أسقطها بإِذنه.(١)
وما تقدم عن المالكية يفيد ثبوت القصاص في
هذه الحال إن لم يستمر على الإِبراء.
أمر الإِنسان غيره بأن يقتل نفسه :
١٨ - إذا أمر الإِنسان غيره - أمرا لم يصل إلى درجة
الإِکراه - بقتل نفسه فقتل نفسه، فهو منتحر عند
جميع الفقهاء، ولا شيء على الآمر، لأن المأمور
قتل نفسه باختياره، وقد قال الله تعالى: ﴿ولا
تَقْتُلُوا أنفسكم﴾(٢) ومجرد الأمر لا يؤثر في الاختيار
ولا في الرضى، ما لم يصل إلى درجة الإِكراه التام
الذي سيأتي بيانه.
الإكراه على الانتحار :
١٩ - الإكراه هو: حمل المكرَه على أمر يكرهه. وهو
نوعان: ملجیء وغیر ملجیء.
فاملجىء: هو الإِكراه الكامل، وهو أن یکره بما
يخاف على نفسه أو على تلف عضو من أعضائه.
وهذا النوع يعدم الرضى، ويوجب الإِلجاء،
ويفسد الاختيار.
وغير الملجىء: هو أن يكرهه بما لا يخاف على
نفسه، ولا يوجب الإِلجاء ولا يفسد الاختيار.
والمراد هنا الإِكراه الملجىء الذي يعدم الرضى
(١) نهاية المحتاج ٢٩٦/٧، والبدائع ٢٣٧/٧
(٢) سورة النساء / ٢٩
- ٢٨٨ -

انتحار ٢٠ - ٢١
ويفسد الاختيار. (١)
٢٠ - إذا أكره إنسان غيره إكراها ملجئا ليقتل
المكره، بأن قال له: اقتلني وإلا قتلتك، فقتله فهو
في حكم الانتحار، حتى لا يجب على القاتل
القصاص ولا الدية عند الجمهور (الحنفية
والحنابلة، وهو الأظهر عند الشافعية) لأن المكره
(بفتح الراء) كالآلة بيد المكره في الإِكراه التام
(الملجىء) فينسب الفعل إلى المكره وهو المقتول،
فصار كأنه قتل نفسه، كما استدل به الحنفية، ولأن
إذن المكلف يسقط الدية والقصاص معا كما قال
الشافعية، فكيف إذا اشتد الأمر إلى درجة الإِكراه
الملجیء؟
وفي قول عند الشافعية: تجب الدية على
المكرَه، لأن القتل لا يباح بالإِذن، إلا أنه شبهة
تسقط القصاص. (٢) ولم نعثر المالكية على نص في
الموضوع، وقد سبق رأيهم بوجوب القصاص على
القاتل إذا أمره المقتول بالقتل.
٢١ - إذا أكره شخص غيره إكراها ملجئا ليقتل
الغير نفسه، بأن قال له: اقتل نفسك وإلا قتلتك،
فليس له أن يقتل نفسه، وإلا يعد منتحرا وآثما،
لأن المكره عليه لا يختلف عن المکره به، فكلاهما
قتل، فلأن يقتله المكره أولى من أن يقتل هو نفسه.
ولأنه يمكن أن ينجو من القتل بتراجع المكره، أو
بتغیر الحالة بأسباب أخری، فليس له أن ينتحر
(١) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ٥/ ١٨١، والبدائع ٧/ ١٧٥،
وأسنى المطالب ٢٨٢/٣، ومواهب الجليل ٤/ ٤٥، والمغني لابن
قدامه ٨/ ٢٦٠
(٢) الوجيز للغزالي ٢/ ١٤٣، ونهاية المحتاج ٢٤٨/٧، ٢٩٦،
وشرح منتهى الإرادات ٢٧٥/٣، والبدائع ١٧٩/٧
ويقتل نفسه .
ويتفرع علی هذا أنه إذا قتل نفسه فلا قصاص
على المكره في الأظهر عند الشافعية، لانتفاء كونه
إكراها حقيقة، لاتحاد المأمور به والمخوف به، فكأنه
اختار القتل كما علله الشافعیة، لكنه يجب على
الآمر نصف الدية، بناء على أن المكره شريك،
وسقط عنه القصاص للشبهة بسبب مباشرة المكرَه
قتل نفسه .(١)
وقال الحنابلة، وهو قول عند الشافعية: يجب
القصاص علی المکره، إذا قتل المکره نفسه، كما لو
أکرهه على قتل غيره.(٢)
ولو أكرهه على قتل نفسه بما يتضمن تعذيبا
شديداً كإِحراق أو تمثيل إن لم يقتل نفسه، كان
إكراها كما جرى عليه البزاز، ومال إليه الرافعي من
علماء الشافعية، وإن نازع فيه البلقيني. (٣)
وفصل الحنفية في الموضوع فقالوا: لوقال لتلقين
نفسك في النار أومن رأس الجبل أو لأقتلنك
بالسيف، فألقى نفسه من الجبل، فعند أبي حنيفة
تجب الدية على عاقلة المكره، لأنه لوباشر بنفسه لا
يجب عليه القصاص عنده، لأنه قتل بالمثقل، فكذا
إذا أكره عليه. وعند أبي يوسف تجب الدية على
المكرِه في ماله، وعند محمد يجب القصاص، لأنه
كالقتل بالسيف عنده. أما إذا ألقى نفسه في النار
فاحترق، فيجب القصاص على المكرِه عند
أبي حنيفة أيضا. (٤)
(١) نهاية المحتاج ٢٤٧/٧
(٢) كشاف القناع ٥١٨/٥، ونهاية المحتاج ٢٤٧/٧
(٣) نهاية المحتاج ٧/ ٢٤٧
(٤) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي ١٩٠/٥
- ٢٨٩ -

انتحار ٢٢ - ٢٣
هذا، ولم نجد في المسألة نصا عند المالكية،
وانظر (إكراه).
اشتراك المنتحر مع غيره :
٢٢ - اختلف الفقهاء فیمن جرح نفسه، ثم جرحه
غيره فمات منهما، فهل يعتبر انتحارا؟ وهل يجب
على المشارك له قصاص أودية؟ يختلف الحكم
عندهم بحسب الصور:
أ - فلو جرح نفسه عمدا أو خطأ، كأن أراد
ضرب من اعتدی علیه بجرح فأصاب نفسه، أو
خاط جرحه فصادف اللحم الحي، ثم جرحه
شخص آخر خطأ، فمات منهما، فلا قصاص عند
عامة الفقهاء، لأنه لا قصاص على المخطىء
بالإِجماع، ويلزم عاقلة الشريك نصف الدية، كما
لو قتله اثنان خطأ .
ب۔۔ أما لو جرح نفسه خطأ، وجرحه شخص
آخر عمدا، فلا قصاص عليه عند الجمهور
(الحنفية والمالكية والشافعية، وهو أصح الوجهين
عند الحنابلة) بناء على القاعدة التي تقول: لا يقتل
شريك من لا قصاص عليه كالمخطىء والصغير ،
وعلى المتعمد نصف دیة العمد في ماله، إذ لا
یدری من أي الأمرین مات. (١)
وفي وجه آخر للحنابلة: يقتص من الشريك
العامد، لأنه قصد القتل، وخطأ شريكه لا يؤثر في
قصده. (٢)
جـ ـ وإذا جرح نفسه عمدا، وجرحه آخر
(١) الفتاوى الهندية ٤/٦، وجواهر الإكليل ٢٥٨/٢، والشرح
الصغير ٣٤٧/٤، ونهاية المحتاج ٢٦٢/٧، والمغني ٩/ ٣٨٠
(٢) المغني ٩/ ٣٨١
عمدا، ومات منهما، يقتص من الشريك العامد في
وجه عند الحنابلة، وهو الأظهر عند الشافعية ،
وقول عند المالكية بشرط القسامة، لأنه قتل عمد
متمحض، فوجب القصاص على الشريك فيه
کشریك الأب.(١)
وقال الحنفية، وهو قول عند المالكية، ومقابل
الأظهر عند الشافعية، ووجه عند الحنابلة :
لا قصاص علی شريك قاتل نفسه، وإن كان
جرحاهما عمدا، لأنه أخف من شريك المخطىء،
كما يقول الشافعية، ولأنه شارك من لا يجب عليه
القصاص، فلم يلزمه القصاص، كشريك
المخطىء، ولأنه قتل تركب من موجب وغير
موجب، كما استدل به الحنفية .
وإذا لم يجب القصاص فعلى الجارح نصف
الدية في ماله، ولا يشترط القسامة في وجوب نصف
الدية عند المالكية، لكنهم أضافوا: أن الجارح
يضرب مائة ويحبس عاما كذلك. (٢)
٢٣ - والمعلوم أن الدية تقسم على من اشترك في
القتل، وعلى الأفعال التي تؤدي إلى القتل، فإذا
حصل القتل بفعل نفسه وبفعل الشريك ولم نقل
بوجوب القصاص، يجب على الشريك نصف
الدیة، وپهذا صرح الحنفية بأنه إن مات شخص
بفعل نفسه وفعل زید وأسد وحیة ضمن زید ثلث
الدیة، لأن فعل الأسد والحیة جنس واحد، وهو
(١) المغني ٩/ ٣٨٠، ونهاية المحتاج ٢٦٢/٧، والشرح الكبير
للدردير ٤/ ٢٤٥
(٢) المغني ٩/ ٣٨٠، والفتاوى الهندية ٤/٦، ونهاية المحتاج
٢٦٢/٧، والشرح الكبير للدردير ٢٤٧/٤، والخرشي ١١/٨
- ٢٩٠ -

انتحار ٢٤ - ٢٥
هدر في الدارین،(١) وفعل زید معتبر فى الدارين،
وفعل نفسه هدر في الدنيا لا العقبى، حتی یأثم
بالإجماع. (٢)
٢٤ - وتعرض الشافعية والحنابلة إلى مسألة أخرى
لها أهميتها في اشتراك الشخص في قتل نفسه، وهي
مداواة الجرح بالسم المهلك. فإن جرحه إنسان
فتداوى بسم مذفف يقتل في الحال، فقد قتل نفسه
وقطع سراية الجرح، وجرى مجرى من ذبح نفسه
بعد أن جرح، فلا قصاص ولا دية على جارحه في
النفس، وينظر في الجرح، فإن كان موجبا
للقصاص فلولیه استيفاؤه، وإلا فلوليه الأرش.
وإن كان السم لا يقتل في الغالب، أولم يعلم
حاله، أو قد يقتل بفعل الرجل في نفسه، فالقتل
شبه عمد، والحكم في شريكه كالحكم في شريك
المخطىء. وإذا لم يجب القصاص على الجارح
فعليه نصف الدية .
وإن كان السم يقتل غالبا، وعلم حاله،
فحکمه کشریك جارح نفسه، فيلزمه القصاص في
الأظهر عند الشافعية، وهو وجه عند الحنابلة، أو هو
شريك مخطىء في قول آخر للشافعية، وهو وجه آخر
عند الحنابلة، فلا قود عليه، لأنه لم يقصد القتل،
وإنما قصد التداوي . (٣)
أما الحنفية فلا قصاص عندهم على الجارح
بحال، سواء أکان التداوي بالسم عمدا أم کان
خطأ، لأن الأصل عندهم أنه لا يقتل شریك من لا
(٣) أي الدار الدنيا والدار الآخرة.
(٤) ابن عابدين ٥/ ٣٥٠
(٣) المغني لابن قدامة ٩/ ٣٨١، ونهاية المحتاج ٧/ ٢٦٣
قصاص علیه كما تقدم. (١)
كذلك لا قصاص على الجارح عند المالكية قولا
واحدا إذا تداوى المقتول بالسم خطأ، بناء على
أصلهم أنه ((لا يقتل شريك مخطىء))(٢) وقد تقدم
أن في شريك جارح نفسه عمدا عند المالكية
قولين . (٣)
الآثار المترتبة على الانتحار :
أولا : إيمان أو كفر المنتحر :
٢٥ - ورد في الأحاديث الصحيحة عن النبي ◌َل قر
ما يدل ظاهره على خلود قاتل نفسه في النار
وحرمانه من الجنة. منها ما رواه الشيخان عن
أبي هريرة أن النبي وَلا﴾ قال: ((من تردّى من جبل
فقتل نفسه فهو في نار جهنم خالدا مخلّدا فيها أبدا،
ومن قتل نفسه بحديدةٍ فحديدته في يده يَجُ بها في
بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا)» (٤) ومنها
حديث جندب عن النبي و# قال: «كان برجل
جراح فقتل نفسه، فقال الله : بَدَرَني عبدي
بنفسه، حرمت عليه الجنة))(٥)
وظاهر هذين الحديثين وغيرهما من الأحاديث
يدل على كفر المنتحر، لأن الخلود في النار والحرمان
من الجنة جزاء الكفار عند أهل السنة والجماعة .
لكنه لم يقل بكفر المنتحر أحد من علماء المذاهب
الأربعة، لأن الكفر هو الإِنكار والخروج عن دين
(١) الفتاوى الهندية ٦/ ٤
(٢) الشرح الصغير ٣٤٧/٤
(٣) الخرشي ٨/ ١١
(٤) حديث: ((من تردى ..... )) سبق تخريجه ف/٨
(٥) حديث: ((كان برجل جراح .... )) أخرجه البخاري (الفتح
٦/ ٤٩٦ - ط السلفية).
- ٢٩١ -

انتحار ٢٥ - ٢٦
الإِسلام، وصاحب الكبيرة - غير الشرك - لا يخرج
عن الإسلام عند أهل السنة والجماعة، وقد صحت
الروايات أن العصاة من أهل التوحيد يعذبون ثم
يخرجون. (١) بل قد صرح الفقهاء في أكثر من
موضع بأن المنتحر لا يخرج عن الإِسلام، ولهذا
قالوا بغسله والصلاة عليه كما سيأتي، والكافرلا
يصلى عليه إجماعا. ذكر في الفتاوى الخانية: المسلم
إذا قتل نفسه في قول أبي حنيفة ومحمد يغسل
ويصلى عليه .
وهذا صريح في أن قاتل نفسه لا يخرج عن
الإِسلام، كما وصفه الزيلعي وابن عابدين بأنه
فاسق کسائر فسّاق المسلمین . (٢) کذلك نصوص
الشافعية تدل على عدم كفر المنتحر. (٣)
وما جاء في الأحاديث من خلود المنتحر في النار
محمول على من استعجل الموت بالانتحار،
واستحله، فإنه باستحلاله يصير كافرا، لأن
مستحل الكبيرة کافر عند أهل السنة، والکافر مخلد
في النار بلا ريب، وقيل: ورد مورد الزجر والتغليظ
وحقيقته غیر مرادة.
ويقول ابن عابدين في قبول توبته: القول بأنه لا
توبة له مشكل على قواعد أهل السنة والجماعة،
لإطلاق النصوص في قبول توبة العاصي بل التوبة
من الكافر مقبولة قطعا، وهو أعظم وزرا. ولعل
المراد ما إذا تاب حالة اليأس، کما إذا فعل بنفسه ما
لا يعيش معه عادة، كجرح مزهق في ساعته،
(١) ابن عابدين ١٨٤/١
(٢) الفتاوى الخانية بهامش الفتاوى الهندية ١/ ١٨٦، وتبيين الحقائق
شرح كنز الدقائق للزیلمی ١/ ٢٥٠، وابن عابدين ١٨٤/١
(٢) نهاية المحتاج ٢/ ٤٣٢
وإلقائه نفسه في بحر أو نار فتاب. أما لوجرح نفسه
فبقي حيا أياما مثلا ثم تاب ومات، فينبغي الجزم
بقبول توبته . (١)
ومما يدل على أن المنتحر تحت المشيئة، وليس
مقطوعا بخلوده في النار، حديث جابر أنه قال «لما
هاجر النبي ◌َّى إلى المدينة هاجر إليه الطفيل
ابن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه فاجْتَوَوا
المدینة، فمرض فجزع، فأخذ مشاقص، فقطع بها
براجمه فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن
عمرو في منامه وهيئته حسنة، ورآه مغطیا یدیه،
فقال له: ما صنع بك ربك؟ قال: غفر لي بهجرتي
إلى نبيه ◌َ ﴿ فقال: مالي أراك مغطيا يديك؟ قال:
قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها
الطفيل على رسول الله وَلاغير، فقال رسول الله الفول
وَلِدێه فاغفر)».(٢)
وهذا كله يدل غلى أن المنتحر لا يخرج بذلك
عن كونه مسلما، لكنه ارتكب كبيرة فيسمى
فاسقا.
ثانيا : جزاء المنتحر :
٢٦ - لا خلاف بين الفقهاء في أنه إذا لم يمت من
حاول الانتحار عوقب على محاولته الانتحار، لأنه
أقدم على قتل النفس الذي يعتبر من الكبائر.
(١) ابن عابدين ١/ ١٨٤، وانظر أيضا القليوبي مع حاشية عميرة
٣٤٨/١، ٣٤٩، والشرح الصغير ٥٧٤/١، والمغني مع الشرح
الكبير ٤١٨/٢
(٢) حديث جابر: ((لما هاجر النبي ) إلى المدينة هاجر إليه ... ))
أخرجه مسلم (١٠٩/١ - ط الحلبي).
- ٢٩٢ -

انتحار ٢٧ - ٢٨
كذلك لا دية عليه سواء أكان الانتحار عمدا أم
خطأ عند جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والشافعية
ورواية عن الحنابلة) لأن العقوبة تسقط بالموت،
ولأن عامر بن الأكوع بارز مرحبا يوم خيبر، فرجع
سيفه على نفسه فمات، (٢) ولم يبلغنا أن النبي اَلر
قضى فيه بدية ولا غيرها، ولو وجبت لبينه النبي
* ولأنه جنى على نفسه فلم يضمنه غيره، ولأن
وجوب الدية على العاقلة في الخطأ إنما كان مواساة
للجاني وتخفیفا عنه، وليس على الجاني ها هنا
شيء يحتاج إلى الإِعانة والمواساة، فلا وجه
لإ يجابه. (٢)
وفي رواية عند الحنابلة أن على عاقلة المنتحر
خطأ ديته لورثته، وبه قال الأوزاعي وإسحاق،
لأنها جناية خطأ، فكان عقلها (ديتها) على عاقلته
كما لوقتل غيره.
فعلى هذه الرواية إن كانت العاقلة الورثة لم
يجب شيء، لأنه لا يجب للإِنسان شيء على
نفسه، وإن کان بعضهم وارثا سقط عنه ما يقابل
نصيبه، وعليه ما زاد على نصيبه، وله ما بقي إن
كان نصيبه من الدين أكثر من الواجب عليه. (٣)
٢٧ - اختلفوا في وجوب الكفارة ، فقال الشافعية في
وجه - وهو رأي الحنابلة في قتل الخطأ - تلزم الكفارة
من سوى الحربي مميزا كان أم لا، بقتل كل آدمي
من مسلم - ولو في دار الحرب - وذمي وجنين وعبد
(١) الأثر: ((أن عامر بن الأكوع بارز ... )) أخرجه مسلم
(١٤٤٠/٣ - ط الحلبي)
(٢) ابن عابدين ٥/ ٣٥٠، وجواهر الإكليل ٢٧٢/٢، ونهاية
المحتاج ٣٦٦/٧، والمغني ٩/ ٥٠٩، والخرشي ٨/ ٥٠
(٣) المغني مع الشرح الكبير ٩/ ٥٠٩
ونفسه عمدا أو خطأ . (١)
هکذا عمموا في وجوب الكفارة، وتخرج من
تركة المنتحر فى العمد والخطأ.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مؤمنا
خطأ فَتَحْرِير رقبةٍ مؤمنةٍ وَدِيَةً مسَلَّمة إلى أهله﴾(٢)
ولأنه آدمي مقتول خطأ، فوجبت الكفارة على قاتله
کما لو قتله غیرہ.(٣)
وقال الحنفية والمالكية وهو وجه عند الشافعية :
لا كفارة على قاتل نفسه خطأ أو عمدا. وهذا هو
قول الحنابلة في العمد، لسقوط صلاحیته للخطاب
بموته، كما تسقط ديته عن العاقلة لورثته. قال
ابن قدامة: هذا أقرب إلى الصواب إن شاء الله،
فإن عامر بن الأكوع قتل نفسه خطأ ولم يأمر النبي
* فيه بكفارة. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قتل مؤمنا
: إنما أريد به إذا قتل غيره، بدليل قوله
خطأ . .
تعالى: ﴿ودية مسلمة إلى أهله﴾ وقاتل نفسه لا
تجب فيه دية. كذلك رد المالكية وجوب الكفارة
بدليل أن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لم يجدْ فصیامُ شھرینِ
متتابعين﴾ (٤) مُخْرِج قاتلَ نفسه، لامتناع تصور هذا
الجزء من الكفارة، وإذا بطل الجزء بطل الكل. (٥)
ثالثا : غسل المنتحر :
٢٨ -من قتل نفسه خطأ، کان صوب سیفه إلی
(١) أسنى المطالب ٩٥/٤، ونهاية المحتاج ٧/ ٣٦٦، والمغني ٣٩/٥
(٢) سورة النساء / ٩٢
(٣) أسنى المطالب ٩٥/٤، ونهاية المحتاج ٣٦٦/٧، والمغني ٣٩/٥
(٤) سورة النساء / ٩٢
(٥) لمغني ٣٩/١٠، وجواهر الإكليل ٢/ ٧٢، ومواهب الجليل
٢٦٨/٦، وأيضا البدائع ٢٥٢/٧
- ٢٩٣ -

انتحار ٢٩
عدوه ليضربه به فأخطأ وأصاب نفسه ومات، غُسِّلَ
وصلّي عليه بلا خلاف، كما عده بعضهم من
الشهداء.(١)
وكذلك المنتحر عمدا، لأنه لا يخرج عن
الإِسلام بسبب قتله نفسه عند الفقهاء كما سبق،
ولهذا صرحوا بوجوب غسله كغيره من
المسلمين. (٢) وادعى الرملي الإجماع عليه حيث
قال: وغسله وتكفينه والصلاة عليه وحمله ودفنه
فروض كفاية إجماعا، للأمربه في الأخبار
الصحيحة، سواء في ذلك قاتل نفسه وغيره. (٣)
رابعا : الصلاة على المنتحر :
٢٩ - يرى جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية
والشافعية) أن المنتحر يصلى عليه، لأنه لم يخرج
عن الإِسلام بسبب قتله نفسه كما تقدم، ولما ورد
عن النبي وسلم أنه قال: ((صلوا على من قال لا إله
إلا الله» (٤) ولأن الغسل والصلاة متلازمان عند
المالكية، فكل من وجب غسله وجبت الصلاة
عليه، وكل من لم يجب غسله لا تجب الصلاة
علیه .(١)
وقال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي - وهورأي
(١) الفتاوى الهندية ١٦٣/١، وابن عابدين ٥٨٤/١
ابن عابدين ١ / ٥٨٤، والفتاوى البزازية على الهندية ١٨٦/١
(٣) نهاية المحتاج ٢/ ٤٣٢
(٤) حديث: ((صلوا على من قال لا إله إلا الله)) أخرجه الطبراني من
حديث ابن عمر، وفي إسناده من اتهم بالكذب. (فيض القدير
للمناوى ٢٠٣/٤ - ط المكتبة التجارية).
(٥) القليوبي مع حاشية عميرة ٣٤٨/١، ٣٤٩، والفتاوى الهندية
١٦٣/١، وابن عابدين ٥٨٤/١، وبلغة السالك على أقرب
المسالك ٥٤٣/١، وجواهر الإكليل ١٠٦/١
أبي يوسف من الحنفية، وصححه بعضهم - لا
يصلی علی قاتل نفسه بحال، لما روى جابر بن
سمرة: ((أنه أتي النبي ﴿ برجل قتل نفسه
بمشاقص فلم یصل علیه(١) ولما روى أبو داود أن
رجلا انطلق إلى النبي و ﴿ فأخبره عن رجل قد
مات قال: ((وما يدريك؟)) قال: رأيته ينحر نفسه،
قال: ((أنت رأيته؟)) قال: نعم. قال: ((إذن
لا أصلي علیه». (٢)
وعلله بعضهم بأن المنتحر لا توبة له فلا يصلى
عليه (٣)
وقال الحنابلة: لا يصلي الإِمام على من قتل
نفسه عمدا، ويصلي عليه سائر الناس. أما عدم
صلاة الإِمام على المنتحر فلحديث جابر بن سمرة
السابق ذكره أن النبي و 98 لم يصل على قاتل
نفسه، وكان النبي رير هو الإِمام،فألحق به غيره من
الأئمة . (٤)
وأما صلاة سائر الناس عليه، فلما روي عن
النبي ﴿ أنه حين امتنع عن الصلاة على قاتل
نفسه لم ينه عن الصلاة عليه. ولا يلزم من ترك
صلاة النبي ( 19 ترك صلاة غيره، فإن النبي ﴾
کان في بدء الإِسلام لا يصلي على من عليه دين لا
(١) حديث جابر بن سمرة: ((أتي النبي ◌َ﴿ برجل قتل نفسه ... ))
أخرجه مسلم (٢/ ٦٧٢ - ط الحلبي).
(٢) حديث: ((إذن لا أصلي عليه)) أخرجه أبوداود (٥٢٦/٣ - ط
عزت عبيد دعاس) وإسناده صحيح، وأخرجه مسلم مختصرا كما
ـقدم.
(٣) المغني ٤١٨/٢، وابن عابدين ٥٨٤/١
(٤) المغني ٤١٨/٢
- ٢٩٤ -

انتحار ٣٠، انتساب ١- ٢
وفاء له، ويأمرهم بالصلاة عليه. (١)
کما یدل على هذا التخصیص ما روي عن
النبي ﴿ أنه قال: ((أما أنا فلا أصلي عليه))(٢)
وذكر في بعض كتب الحنابلة أن عدم صلاة
الإِمام على المنتحر أمر مستحسن، لكنه لوصلى
علیه فلا بأس. فقد ذكر في الإقناع: ولا یسن
للإِمام الأعظم وإمام كل قرية - وهو واليها في
القضاء - الصلاة على قاتل نفسه عمدا، ولو صلى
عليه فلا بأس. (٣)
خامسا : تكفين المنتحر ودفنه في مقابر المسلمين:
٣٠ - اتفق الفقهاء على وجوب تكفين الميت المسلم
ودفنه، وصرحوا بأنهما من فروض الكفاية كالصلاة
عليه وغسله، ومن ذلك المنتحر، لأن المنتحر لا
يخرج عن الإِسلام بارتكابه قتل نفسه كما مر. (٤)
(١) المغني ٤١٨/٢، ٤١٩، والإقناع ٢٢٨/١
وحديث: ((أمر بالصلاة على من عليه دين)) أخرجه البخاري
(٤٦٧/٤ - الفتح - ط السلفية).
(٢) حديث: ((أما أنا فلا أصلي عليه)) أخرجه النسائي (٤ / ٦٦ - ط
المكتبة التجارية) وإسناده صحيح، وأخرج أصله مسلم في
صحيحه كما تقدم.
(٣) الإقناع ٢٢٨/١
(٤) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي ٢٣٨/١، والشرح
الصغير ٥٤٣/١، وكشاف القناع ٨٥/٢، ونهاية المحتاج
٤٣٢/٢
انتساب
التعريف :
١ - الانتساب لغة: مصدر انتسب، وانتسب
فلان إلى فلان: عزا نفسه إليه، والنِّسبة والنَّسبة،
والنسب: القرابة، ويكون الانتساب إلى الآباء
وإلى القبائل(١)، وإلى البلاد، ويكون إلى
الصنائع.
والانتساب في الاصطلاح لا يخرج عن هذه
المعاني.
أنواع الانتساب :
أ - الانتساب للأبوين :
٢ - ويكون بالبنوة أو التبني.
فإذا كان بالبنوة فحكمه الوجوب عند الصدق،
والحرمة عند الكذب، (٢) لقول النبي صل﴾ ((أيما امرأة
أدخلتْ على قوم مَنْ ليس منهم، فليست من الله
في شيء، ولن يدخلها الله جنته، وأیما رجل جحدَ
ولده، وهو ينظر إليه احتجب الله منه يوم القيامة،
وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين)). (٣)
وإذا كان بالتبنى - فحكمة الحرمة، لقوله
(١) المصباح المنير، ومختار الصحاح مادة (نسب)
(٢) فتح القدير ٣/ ٢٦١، وابن عابدين ٢/ ٥٩٢
(٣) حديث: ((أيما امرأة ... )) أخرجه أبو داود(٧ / ٦٩٥ - ٦٩٦ ط
عزت عبيد دعاس» وفي إسناده جهالة. (التلخيص لابن حجر
٢٢٦/٣ - ط دار المحاسن)
- ٢٩٥ -

انتساب ٣ - ٧، انتشاء
تعالى: ﴿أُدْعُوهم لآبائهم هو أقسطُ عندَ الله، فإن
لم تعلموا آباءهم فإخوانُكم في الدِّينِ
وموالیکم﴾.(١) (ر: نسب، وتبني).
ب - الانتساب إلى ولاء العتاقة :
٣ - من آثاره: الإرث والعقل (المشاركة في تحمل
الدية) في الجملة.
فإذا مات العتيق ولا وارٹ لہ بنسب ولا نكاح،
ولم تستغرق فروض الوارثين التركة، وليس له
عصبة بالنسب يكون المال كله، أو الباقي بعد
الفرض لمن أعتقه، وفي تقديم ذوي الأرحام، والرد
عليه رأيان. (٢) (ر: إرث، ولاء).
جـ ـ الانتساب إلى ولاء الموالاة :
٤ - قال به الحنفية، فإذا أسلم رجل مکلف علی ید
آخر ووالاه أو والى غيره على أن يرثه إذا مات،
ويعقل عنه إذا جنى، صح هذا العقد، وعَقْلُه
( ديته) عليه ، وإرثه له، وكذا لو شرط
الإرث من الجانبين، وكذا لووالى صبي عاقل بإذن
أبيه أو وصیه صح لعدم المانع.(٣)
د - الانتساب إلى الصنعة أو القبيلة أو القرية:
٥ - الانتساب إلى الصنعة أو القبيلة أو القرية
مند
صـ
(١) سورة الأحزاب/ ٥
وانظر القرطبي ١٤/ ١٢٠ ط دار الكتب ، والألوسي
١٤٨/٢١
(٢) ابن عابدين ٧٤/٥، والشرح الصغير ٤/ ٥٧١ ط دار المعارف،
والقليوبي ١٤٥/٣، والمغني ٣٥٦/٦
(٣) ابن عابدين ٧٨/٥
کالنجار والخزفي جائز، وكفلان القرشي والتميمي
نسبة إلى قريش وإلى تميم، والبخاري،
والقرطبي نسبة إلى بخارى، وقرطبة، وعلى
ذلك إجماع الأمة من غير نكير.
هـ - انتساب ولد الملاعنة :
٦ -إذا قذف الرجل زوجته، ونفی نسب الولد
منه، وتم اللعان بينهما بشروطه، نفى الحاكم نسبه
عن أبيه وألحقه بأمه. (١) ر: (لعان)
و- الانتساب إلى القرابة من جهة الأم:
٧ - للانتساب إلى الأم وأصولها وفروعها أحكام
متعددة، مثل حكم النظر، والإِرث، والولاية في
عقد النكاح، والوصية، وحرمة النكاح، وغير ذلك
من أحكام تترتب على هذه النسبة. ويراجع في
ذلك تلك الأبواب من كتب الفقه والمصطلحات
المختصة بتلك الأبواب، نحو (إرث، ولاية،
نكاح، نظر، سفر)
انتشاء
انظر : سكر ، مخدر
(١) ابن عابدين ٥٨٩/٢، والقليوبي وعميرة ٤/ ٣٤ ط الحلبي،
والشرح الصغير ٦٥٧/٢ ط المعارف، والمغني ٤٢٣/٧
(٢) الفتاوي الهندية ٨/٢، ٢٨٤/١، وبدائع الصنائع ٢/ ٣٥٧،
١٢٠/٥، وحاشية البجيرمي ٣/ ٣٥٩، والخطاب ١/ ٥٨٠،
ونهاية المحتاج ١٨٥/٦، ومغني المحتاج ٤١٦/٣، ٤١٧
- ٢٩٦ -

انتشار ١ - ٣
انتشار
التعريف :
١ - الانتشار مصدر: انتشر، يقال انتشر الخبر: إذا
ذاع. وانتشر النهار: طال وامتد.(١)
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى. (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
٢ - أ- الاستفاضة . يقال استفاض الخبر: إذا ذاع
وانتشر. (٣) ولا تكون الاستفاضة إلا في الأخبار،
بخلاف الانتشار.
ب - الإشاعة . أشاع الخبر بمعنى: أظهره
فانتشر. (٤)
الحكم الإجمالي :
يطلق الفقهاء لفظ الانتشار على معنيين :
الأول : بمعنى إنعاظ الذكر: أي قيامه .
الثاني : بمعنى شيوع الشيء.
٣ - فالانتشار بالمعنى الأول له أثر في ترتب الأحكام
الفقهية علیه، ومن ذلك:
(١) لسان العرب والمصباح المنير والمفردات للراغب مادة (نشر).
(٢) ابن عابدين ١١٣/١ ط ثالثة، والدسوقي ١/ ١٢١ ط دار
الفكر، والمهذب ١٥٦/٢ ط دار المعرفة.
(٣) لسان العرب، وابن عابدين ٩٧/٢، والحطاب ٣٨٣/٢ ط
النجاح ليبيا.
(٤) لسان العرب، والقليوبي ٣٢/٤ ط الحلبي.
أ - حل المطلقة ثلاثا لمن طلقها فمن طلق
زوجته ثلاثا لا تحل له حتی تنكح زوجا غيره،
ويطأها، لقوله تعالى: ﴿فلا تَجِلَّ له مِنْ بَعْدُ حتی
تَنْكِحَ زوجا غيره﴾. (١) ولا تحل إلا بالوطء في
الفرج، وأدناه تغييب الحشفة، ولا بد من الانتشار،
فإن لم يوجد الانتشار فلا تحل، لما روي أن رفاعة
القرظي طلق امرأته وبت طلاقها - فتزوجها
عبدالرحمن بن الزبير، فجاءت النبي 18 فقالت
یارسول الله إني كنت عند رفاعة وطلقني ثلاث
تطليقات، فتزوجني عبدالرحمن بن الزبير،
وأنه والله يارسول الله ما معه إلا مثل هذه الهدبة،
فتبسم رسول الله #1، فقال: «لعلك تریدین أن
ترجعي إلى رفاعة، لا والله حتى تذوقي عسيلته
ويذوق عسيلتك))، (٢) فقد علق النبي والز الحكم
بذوق العسيلة وذلك لا يحصل من غير انتشار،
وهذا باتفاق. (٣)
ب ۔ ومن ذلك أثر الانتشار في وجوب الحد على
من أكره على الزنا. وفي ذلك خلاف. فعند
الحنابلة وبعض المالكية، ومقابل الأظهر عند
الشافعية، وعند أبي حنيفة في إكراه غير السلطان،
إذا أكره الرجل فزنى، فعليه الحد، لأن الوطء لا
يكون إلا بالانتشار، والإكراه ينافيه، فإذا وجد
(١) سورة البقرة/ ٢٣٠
(٢) حديث رفاعة: ((أتريدين ... )) متفق عليه، واللفظ لمسلم،
أخرجه البخاري في الطلاق (٣٦١/٩ - ٥٢٦٠) ط السلفية،
ومسلم في النكاح (٣٣/١٠٥٥/٢) ط عبدالباقي.
(٣) الاختيار ٣/ ١٥٠ ط دار المعرفة، ومنح الجليل ٥٧/٢ ط
النجاح، والمهذب ١٠٥/٢، وشرح منتهى الإرادات ٣/ ١٨٧
ط دار الفكر.
- ٢٩٧ -

انتشار ٤ - ٥، انتفاع ١ - ٢
الانتشار انتفى الإكراه، فيلزمه الحد.
وفي الأظهر عند الشافعية، وبعض المالكية،
وأبي يوسف ومحمد وعند أبي حنيفة، في إكراه ذي
السلطان، أنه إذا أكره الرجل على الزنی فلا حد
عليه، لقول النبي 8#1: ((رفع عن أمتي الخطأ
والنسيان وما استُكْرِهوا عليه)) (١) ولأن الانتشار
متردد، لأنه قد یکون من غير قصد، لأن الانتشار
قد يكون طبعا لا طوعا كما في النائم. (٢)
ر: (إكرله).
٤ - أما الانتشار بالمعنى الثاني : وهو الشيوع، فقد
ذكره الفقهاء في ثبوت الهلال بالخبر المنتشر، (٣)
وينظر تفصيل ذلك في (استفاضة - صوم).
وذكروه في انتشار حرمة النكاح بسبب الرضاع
إلى أصول المرضعة وفروعها. (٤)
وانتشار الحرمة أيضا بسبب الزنا - وينظر في
(رضاع - ونكاح).
مواطن البحث :
٥ - تتعدد المسائل الفقهية التي تبني الأحكام فيها
(١) حديث: ((رفع عن أمتي ... )).
عزاه السيوطي إلی الطبراني في الکبیر عن ثوبان. انظر فیض.
القدير (٤٤٦١/٣٤/٤) وضعفه المناوي فيه، والصواب رواية
البيهقي عن ابن عمر بلفظ «وضع عن أمتي ... ))
وأخرجه الحاكم عن ابن عباس (١٩٨/٢) بلفظ ((تجاوز الله
عن أمتي الخطأ ... )) وقال: هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين. ووافقه الذهبي.
(٢) الهداية ٢/ ١٠٤ ط المكتبة الإسلامية، ومنح الجليل ٣٩٣/٤،
ومغني المحتاج ١٤٥/٤ ط الحلبي، والمهذب ٢٦٨/٢، والمغني
١٨٧/٨ ط الرياض.
(٣) الخطاب ٣٨٣/٢
(٤) المغني ٧/ ٥٤٥، والمهذب ١٥٦/٢
على الانتشار، وذلك في باب الوضوء، وباب
الغسل، وباب الصوم، وفي النظر إلى الأجنبية،
وفي المحرمات في باب النكاح، وباب الرضاع. (١)
انتفاع
التعريف :
١ - الانتفاع مصدر: انتفع من النفع، وهوضد
الضر، وهو ما يتوصل به الإِنسان إلى مطلوبه.
فالانتفاع: الوصول إلى المنفعة، يقال انتفع
بالشيء: إذا وصل به إلى منفعة.(٢)
ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللفظ عن هذا
المعنى اللغوي. وذكر الشيخ محمد قدري باشا في
مرشد الحيران أن ((الانتفاع الجائز هوحق المنتفع
في استعمال العين واستغلالها ما دامت قائمة على
حالها، وإن لم تكن رقبتها مملوكة)). (٣)
٢ - واستعمل هذا اللفظ غالبا مع كلمة (حق)
فيقال: حق الانتفاع ويراد به الحق الخاص
بشخص المنتفع غير القابل للانتقال للغير. وقد
یستعمل مع كلمتي (ملك وتمليك) فيقال: ملك
الانتفاع، وتمليك الانتفاع. ولعل المراد بالملك،
والتمليك أيضا: حق التصرف الشخصي الذي
يباشره الإنسان بنفسه فقط. (٤)
(١) ابن عابدين ١١٣/١، ١١٥، و٢٨٥ و٢٤١/٥، والدسوقي
٥٢٣،١٢١/١
(٢) المصباح المنير، ومعجم متن اللغة مادة (نفع)
(٣) مرشد الخيران مادة (١٣)
(٤) الفروق للقرافي ١٨٧/١
- ٢٩٨ -

انتفاع ٣ - ٤
مقارنة بين حق الانتفاع وملك المنفعة:
٣ - يفرق الفقهاء بين حق الانتفاع وملك المنفعة
من ناحية المنشأ والمفهوم والآثار. وخلاصة ماقيل في
الفرق بينهما وجهان :
الأول : سبب حق الانتفاع أعم من سبب
ملك المنفعة، لأنه كما يثبت ببعض العقود كالإِجارة
والإعارة مثلا، كذلك يثبت بالإِباحة الأصلية،
كالانتفاع من الطرق العامة والمساجد ومواقع
النسك، ويثبت أیضا بالإِذن من مالك خاص. كما
لو أباح شخص لآخر أکل طعام مملوك له، أو
استعمال بعض ما يملك.
أما المنفعة فلا تملك إلا بأسباب خاصة، وهي
الإِجارة والإعارة والوصية بالمنفعة والوقف، على
تفصيل وخلاف سيأتي .
وعلى ذلك، فكل من يملك المنفعة يسوغ له
الانتفاع، ولا عکس، فليس كل من له الانتفاع
يملك المنفعة، کما في الإِباحة مثلا.
الثاني: أن الانتفاع المحض حق ضعيف
بالنسبة لملك المنفعة، لأن صاحب المنفعة يملكها
ويتصرف فيها تصرف الملاك في الحدود الشرعية،
بخلاف حق الانتفاع المجرد، لأنه رخصة، لا
يتجاوز شخص المنتفع.
وعلى هذا فمن ملك منفعة شيء يملك أن
یتصرف فیه بنفسه، أو أن ينقلها إلى غيره، ومن
ملك الانتفاع بالشيء لا يملك أن ينقله إلى
غيره. فالمنفعة أعم أثرا من الانتفاع، يقول
القرافي: تمليك الانتفاع نريد به أن يباشره هوبنفسه
فقط، وتمليك المنفعة هو أعم وأشمل، فيباشر
بنفسه، ويمكن غيره من الانتفاع بعوض
كالإجارة، وبغير عوض كالعارية.
مثال الأول: سكنى المدارس، والرباطات
والمجالس، في الجوامع، والمساجد، والأسواق،
ومواضع النسك، كالمطاف، والمسعى ونحوذلك،
فله أن ينتفع بنفسه فقط. ولو حاول أن يؤاجربيت
المدرسة أویسکن غيره أویعاوض عليه بطريق من
طرق المعاوضات امتنع ذلك. وكذلك بقية النظائر
المذكورة معه.
وأما مالك المنفعة، فكمن استأجر دارا أو
استعارها، فله أن یؤاجرها من غيره أو یسکنه بغیر
عوض، ويتصرف في هذه المنفعة تصرف الملاك في
أملاكهم على جري العادة، على الوجه الذي
ملکه.(١)
ومثله ماذكره ابن نجيم من الحنفية من أن
الموصى له يملك المنفعة، وله حق الإعارة.
والمستأجر يمكنه الإعارة والإِجارة للغير فيما لا
يختلف باختلاف المستعملين. ويملك المستعير
والموقوف عليه السكنى المنفعة، فيمكن لهما نقل
المنفعة إلى الغير بدون عوض، لكن الحنفية
والشافعية والحنابلة لا يجيزون للمستعير أن يؤجر
المستعار للغير، خلافا للمالكية (٢)
٤ - وملك المنفعة قد يكون حقا شخصيا غير تابع
للعین المملوكة، کما هو ثابت للمستعیر والمستأجر في
الإعارة والإِجارة، وقد يكون حقا عينيا تابعا للعين
المملوكة منتقلا من مالك إلى مالك بالتبع ضمن
انتقال الملكية، ولا يكون إلا في العقار، وهذا
(١) القروق للقرافي ١٨٧/١
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٤٣، وكشاف القناع ٤/ ٥٧ ط
ثالثة، ونهاية المحتاج ١١٨/٥، والدسوقي ٤٣٣/٣
- ٢٩٩ -

انتفاع ٥ - ١٠
ما يسمى بحق الارتفاق. وتفصيله في مصطلح
(ارتفاق).
حکمه التكليفي :
٥- الانتفاع إما أن یکون واجبا أو حراما أو جائزا،
وذلك باعتبار متعلقه وهو العین المنتفع بها، ونظرا
للشروط المتعلقة بالعين وبالشخص المنتفع بها،
وفيما يلي أمثلة للانتفاع الواجب والحرام والجائز
باختصار.
أ - الانتفاع الواجب :
٦ - لا خلاف في أن الانتفاع یکون واجبا بأكل
المباح، إذا خاف الإِنسان على نفسه الهلاك، لأن
الامتناع منه إلقاء بالنفس إلى التهلكة، وهو منهي
عنه بقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بأيديكم إلى
التهلكة﴾(١) حتى أن الجمهور أوجبوا الأكل
والشرب في حالة الاضطرار، ولو كانت العين
المنتفع بها محرمة. (٢)
ب - الانتفاع المحرم :
٧ - قد يكون الانتفاع بالشيء محرما، إذا كانت
العين المنتفع بها محرمة شرعا، كالميتة والدم ولحم
الخنزير والحيوانات والطيور المحرمة وأمثال ذلك في
غير حالة الاضطرار.
وقد يكون الانتفاع بعين من الأعيان المباحة
محرما بسبب وصف قائم بشخص المنتفع،
(١) سورة البقرة/ ١٩٥
(٢) ابن عابدين ٢١٥/٥، وأسنى المطالب ٥٧٠/١، والمغني
٧٤/١١
كالانتفاع بلحم الصيد للمحرم، وكالانتفاع
باللقطة للغني عند الحنفية. فإِذا زال هذا الوصف
حل الانتفاع عملا بالقاعدة العامة: (إذا زال المانع
عاد الممنوع).
وقد يكون الانتفاع بالشيء محرما، إذا كان فيه
اعتداء على ملك الغير وعدم إذن المالك، فيوجب
الضمان والعقاب، كالانتفاع بالأموال المغصوبة
والمسروقة كما هو مبين في موضعه.
جـ ـ الانتفاع الجائز :
٨ - أما الانتفاع الجائز فهو إذا كانت العين المنتفع
بها مباحة، كالانتفاع بالأطعمة والأشربة المباحة
إلى حد الشبع، والانتفاع بالمنافع المشتركة
كالشوارع وضوء الشمس والهواء، والانتفاع
بالأموال المملوكة بإِذن المالك، كالإباحة، أو
بواسطة العقد كالانتفاع بالمستعار والمأجور والموقوف
والموصى به حسب الإِذن والشروط المتفق عليها.
أسباب الانتفاع
٩ - المراد بأسباب الانتفاع ما يشمل المنفعة التي
یمکن نقلها إلى الغير، وما هو خاص بشخص
المنتفع ولا يقبل التحويل للغير، وسواء أكانت
العين المنتفع بها مما يجوز الانتفاع بها ابتداء، أم
كانت محرمة ينتفع بها بشروط خاصة. فأسباب
الانتفاع بهذا المعنى عبارة عن الإِباحة،
والضرورة، والعقد.
أولا : الإباحة
١٠ - الإباحة: هي الإِذن بإتيان الفعل كيف شاء
الفاعل.(١)
(١) التعريفات للجرجاني ص ٢
- ٣٠٠ -