النص المفهرس

صفحات 221-240

الإمامة الكبرى ١٣
کان يدعو المعتصم بأمیر المؤمنین، وقد دعاه إلى
القول بخلق القرآن.
وقال حنبل: في ولاية الواثق اجتمع فقهاء بغداد
إلى أبي عبدالله قالوا: هذا أمر قد تفاقم وفشا -
يعنون إظهار القول بخلق القرآن - نشاورك في أنا
لسنا نرضى بإِمرته ولا سلطانه. فقال: عليكم
بالنكرة بقلوبكم، ولا تخلعوا يدا من طاعة، ولا
تشقوا عصا المسلمين. وقال أحمد في رواية
المروزي، وذكر الحسن بن صالح بن حي الزيدي
فقال: کان یری السیف، ولا نرضى بمذهبه.(١)
ما تنعقد به الإمامة :
تنعقد الإمامة بطرق ثلاثة، باتفاق أهل
السنة : (٢)
أولا - البيعة :
١٣ - والمراد بالبيعة بيعة أهل الحل والعقد، وهم:
علماء المسلمين ورؤساؤهم ووجوه الناس، الذين
يتيسر اجتماعهم حالة البيعة بلا كلفة عرفا، ولكن
هل يشترط عدد معين؟
اختلف في ذلك الفقهاء، فنقل عن بعض
الحنفية أنه يشترط جماعة دون تحديد عدد معين. (٣)
وذهب المالكية والحنابلة إلى أنها لا تنعقد إلا
بجمهور أهل الحل والعقد، بالحضور والمباشرة
بصفقة الید، وإشهاد الغائب منهم من کل بلد،
(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٤
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٦٩/١، وحاشية الدسوقي ٢٩٨/٤،
ومغني المحتاج ٤/ ١٣٠، والمغني ٨/ ١٠٧
(٢) حاشية ابن عابدين ١/ ٣٦٩
ليكون الرضى به عاما، والتسليم بإِمامته
إجماعا . (١)
وذهب الشافعية إلى أنه لا يشترط اتفاق أهل
الحل والعقد من سائر البلاد، لتعذر ذلك وما فيه
من المشقة، وذكروا أقوالا خمسة في ذلك فقالت
طائفة: أقل ما تنعقد به الإِمامة خمسة، يجتمعون
على عقدها أو يعقد أحدهم برضى الباقين،
واستدلوا بخلافة أبي بكر لأنها انعقدت بخمسة
اجتمعوا عليها، ثم تابعهم الناس فيها. وجعل
عمر الشورى في ستة ليعقدوا لأحدهم برضى
الخمسة .
وذهبت طائفة إلى أن الإِمامة لا تنعقد بأقل من
أربعين، لأنها أشد خطرا من الجمعة، وهي لا
تنعقد بأقل من أربعين، والراجح عندهم: أنه لا
يشترط عدد معین، بل لا يشترط عدد، حتى لو
انحصرت أهلية الحل والعقد بواحد مطاع كفت
بيعته لانعقاد الإِمامة، ولزم على الناس الموافقة
والمتابعة . (٢)
(١) حاشية الدسوقي ٢٩٨/٤، والمغني ٨/ ١٠٧، والأحكام
السلطانية لأبي يعلى ص ٧
(٢) مغني المحتاج ٤/ ١٣٠ - ١٣١، وروضة الطالبين ٤٣/١٠،
وأسنى المطالب ١٠٩/٤ .
والواقع أن الخلاف بين الفقهاء في هذا لفظي، فهم متفقون
على أن الإمامة تنعقد ببيعة أهل الحل والعقد، وأن اجتماع
جميعهم في صعيد واحد غير ممكن، فالذين ذهبوا إلى انعقادها
بعدد قليل من أهل العقد والحل إنما يقصدون أنها تنعقد برضى
أهل الحل والعقد، وبمباشرة من هو محل ثقة عند الجميع (انظر
نهاية المحتاج للرملي ٧ / ٤١٠).
واللجنة ترى أن هذا الأمر يختلف باختلاف الزمان والمكان . =
- ٢٢١ -

الإمامة الكبرى ١٤ - ١٥
شروط أهل الاختيار :
١٤ - يشترط الفقهاء لأهل الاختيار أمورا، هي :
العدالة بشروطها، والعلم بشروط الإِمامة، والرأي
والحكمة والتدبیر .(١)
ويزيد الشافعیة شرطا آخر وهو: أن یکون
مجتهدا في أحكام الإِمامة إن كان الاختيار من
واحد، وأن یکون فیهم مجتهد إن كان أهل الاختيار
جماعة . (٢)
١٥ - ثانيا : ولاية العهد (الاستخلاف):
وهي: عهد الإِمام بالخلافة إلى من يصح إليه
العهد ليكون إماما بعده. (٣) قال الماوردي: انعقاد
الإِمامة بعهدٍ مَنْ قَبْلَه مما انعقد الإِجماع على
جوازه، ووقع الاتفاق على صحته، لأمرين عمل
المسلمون بهما ولم يتناكروهما .
أحدهما: أن أبابكر رضي الله عنه عهد بها إلى
عمر رضي الله عنه، فأثبت المسلمون إمامته
بعهده .
والثاني : أن عمر رضي الله عنه عهد بها إلى
أهل الشورى، فقبلت الجماعة دخولهم فيها، وهم
أعيان العصر اعتقادا لصحة العهد بها وخرج باقي
الصحابة منها، وقال علي للعباس رضوان الله
عليهما حين عاتبه على الدخول في الشورى: ((كان
= والعمدة على معرفة رأي جهور الأمة، لقوله تعالى (وأمرهم
شورى بينهم) سورة الشورى/٣٨
(١) حاشية الدسوقي ٢٩٨/٤، والأحکام للماوردي ص ٣ - ٤،
وأسنى المطالب ١٠٨/٤
(٢) مغني المحتاج ٤/ ١٣١، وأسنى المطالب ١٠٩/٤
(٣) نهاية المحتاج ٧/ ٤١١
أمرا عظيما من أمور الإِسلام لم أرلنفسي الخروج
منه)). فصار العهد بها إجماعا في انعقاد الإمامة،
فاذا أراد الإمام أن يعهد بها فعليه أن يجهد رأيه في
الأحق بها والأقوم بشروطها، فإِذا تعين له الاجتهاد
في واحد نظر فیه :
فإن لم يكن ولدا ولا والدا جاز أن ينفرد بعقد
البيعة له وبتفويض العهد إليه، وإن لم يستشر فيه
أحدا من أهل الاختيار، لكن اختلفوا هل يكون
ظهور الرضى منهم شرطا في انعقاد بيعته أوْلا؟
فذهب بعض علماء أهل البصرة إلى أن رِضّى أهل
الاختیار لبيعته شرط في لزومها للأمة، لأنها حق
يتعلق بهم، فلم تلزمهم إلا برضى أهل الاختيار
منهم، والصحيح أن بيعته منعقدة وأن الرضى بها
غير معتبر، لأن بيعة عمر رضي الله عنه لم تتوقف
على رضى الصحابة، ولأن الإِمام أحق بها فكان
اختياره فيها أمضى، وقوله فيها أنفذ.
وإن كان ولي العهد ولدا أو والدا فقد اختلف في
جواز انفراده بعقد البيعة له على ثلاثة مذاهب.
أحدهما: لا يجوز أن ينفرد بعقد البيعة لولد ولا
لوالد، حتى يشاور فيه أهل الاختيار فيرونه أهلا
لها، فیصح منه حينئذ عقد البيعة له، لأن ذلك منه
تزكية له تجري مجرى الشهادة، وتقليده على الأمة
يجري مجری الحکم، وهو لا يجوز أن یشهد لوالد ولا
لولد، ولا یحکم لواحد منهما للتهمة العائدة إلیه بما
جبل من المیل إلیه .
والمذهب الثاني : يجوز أن ینفرد بعقدها لولد،
ووالد، لأنه أمير الأمة نافذ الأمر لهم وعلیھم،
فغلب حكم المنصب على حكم النسب، ولم يجعل
للتهمة طريقا على أمانته ولا سبيلا إلى معارضته،
- ٢٢٢ -

الإمامة الکبری ١٥ - ١٦
وصار فیها کعهده بها إلى غير ولده ووالده، وهل
یکون رضی أهل الاختیار بعد صحة العهد معتبرا
في لزومه للأمة أولا؟ على ماقدمناه من الوجهين.
والمذهب الثالث: أنه يجوز أن ينفرد بعقد البيعة
لوالده، ولا يجوز أن ينفرد بها لولده، لأن الطبع
يبعث على ممايلة الولد أكثر من مما يبعث على ممايلة
الوالد، ولذلك كان كل مايقتنيه في الأغلب
مذخورا لولده دون والده.
فأما عقدها لأخيه ومن قاربه من عصبته
ومناسبیه فكعقدها للبعداء الأجانب في جواز تفرده
بها. (١)
وقال ابن خلدون، بعد أن قدم الكلام في
الإمامة ومشروعيتها لما فيها من المصلحة، وأن
حقيقتها للنظر في مصالح الأمة لدينهم ودنياهم.
قال: فالإِمام هووليهم والأمين عليهم، ينظر لهم
ذلك في حیاته، ویتبع ذلك أن ينظر لهم بعد مماته،
ویقیم لهم من يتولى أمورهم كما كان هو يتولاها،
ویثقون بنظره لهم في ذلك، کما وثقوا به فيما قبل،
وقد عرف ذلك من الشرع بإجماع الأمة على جوازه
وانعقاده، إذ وقع بعهد أبي بكررضي الله عنه لعمر
بمحضر من الصحابة، وأجازوه، وأوجبوا على
أنفسهم به طاعة عمر رضي الله عنه وعنهم،
وكذلك عهد عمر في الشورى إلى الستة بقية
العشرة، وجعل لهم أن يختاروا للمسلمين، ففوض
بعضهم إلى بعض، حتى أفضى ذلك إلى
عبدالرحمن بن عوف، فاجتهد وناظر المسلمين
فوجدهم متفقین علی عثمان وعلی علي، فآثر عثمان
بالبيعة على ذلك لموافقته إياه على لزوم الاقتداء
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٠
بالشیخین في کل ما یعرض له دون اجتهاده،
فانعقد أمر عثمان لذلك، وأوجبوا طاعته، والملأ من
الصحابة حاضرون الأولى والثانية، ولم ينكره أحد
منهم، فدل على أنهم متفقون على صحة هذا
العهد، عارفون بمشروعيته، والإِجماع حجة كما
عرف، ولا يتهم الإِمام في هذا الأمر وإن عهد إلى
أبيه أو ابنه، لأنه مأمون على النظر لهم في حياته،
فأولى أن لا يحتمل فيها تبعة بعد مماته، خلافا لمن
قال باتهامه في الولد والوالد، أولمن خصص التهمة
بالولد دون الوالد، فإنه بعيد عن الظنة في ذلك
کله، لا سيما إذا كانت هناك داعیة تدعو إليه من
إيثار مصلحة أو توقع مفسدة فتنتفي الظنة في ذلك
رأسا.(١)
هذا، وللإمام أن يجعلها شورى بين اثنين فأكثر
من أهل الإِمامة، فيتعين من عینوه بعد موت
الإِمام، لأن عمر رضي الله عنه جعل الأمر شوری
بين ستة، فاتفقوا على عثمان رضي الله عنه، فلم
يخالف من الصحابة أحد، فكان ذلك إجماعا. (٢)
استخلاف الغائب :
١٦ - صرح الفقهاء بأنه يصح استخلاف غائب
عن البلد، إن علم حياته، ويستقدم بعد موت
الإِمام، فإن طال غيابه وتضرر المسلمون بغيابه
يجوز لأهل الاختيار نصب نائب عنه، وينعزل
النائب بقدومه.(٣)
(١) مقدمة ابن خلدون ص ٢١٠
(٢) مغني المحتاج ١٣١/٤، ونهاية المحتاج ٧/ ٤١١، وأسنى
المطالب ١٠٩/٤، والأحكام السلطانية لأبي يعلي ص ١٠
(٣) أسنى المطالب ٤/ ١١٠، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٨،
والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٠
- ٢٢٣ -

الإمامة الكبرى ١٧ - ١٨
شروط صحة ولاية العهد :
١٧ - يشترط جمهور الفقهاء لصحة ولاية العهد
شروطا منها :
أ - أن يكون المستخلف جامعا لشروط الإمامة،
فلا يصح الاستخلاف من الإِمام الفاسق أو
الجاهل.
ب - أن يقبل ولي العهد في حياة الإِمام، فإن
تأخر قبوله عن حياة الإِمام تكون وصية بالخلافة،
فيجري فيها أحكام الوصية، وعند الشافعية قول
ببطلان الوصية في الاستخلاف، لأن الإِمام يخرج
عن الولاية بالموت . (١)
جـ ــ أن يكون ولي العهد مستجمعا لشروط
الإمامة، وقت عهد الولاية إليه، مع استدامتها إلى
ما بعد موت الإِمام، فلا يصح - عند جمهور الفقهاء
- عهد الولاية إلى صبي أو مجنون أو فاسق وإن
كملوا بعد وفاة الإِمام، وتبطل بزوال أحد الشروط
من ولي العهد في حياة الإمام. (٢)
وذهب الحنفية إلى جواز العهد إلى صبي وقت
العهد، ویفوض الأمر إلی وال يقوم به، حتى يبلغ
ولي العهد. وصرحوا أيضا بأنه إذا بلغ جددت
بيعته وانعزل الوالي المفوض عنه ببلوغه. (٣)
ثالثا : الاستيلاء بالقوة :
١٨ - قال الماوردي : اختلف أهل العلم في ثبوت
إمامة المتغلب وانعقاد ولا يته بغير عقد ولا اختيار،
(١) مغني المحتاج ٤/ ١٣١
(٢) مغني المحتاج ٤/ ١٣١، وأسنى المطالب ٤/ ١٠٩ - ١١٠،
والأحكام السلطانية لأبي يعلي ص ٩ - ١٠
(٣) حاشية ابن عابدين ١/ ٣٦٩
فذهب بعض فقهاء العراق إلى ثبوت ولايته،
وانعقاد إمامته، وحمل الأمة على طاعته وإن لم
يعقدها أهل الاختيار، لأن مقصود الاختيار تمييز
المولى، وقد تميز هذا بصفته. وذهب جمهور الفقهاء
والمتكلمين إلى أن إمامته لا تنعقد إلا بالرضى
والاختيار، لكن يلزم أهل الاختيار عقد الإمامة
له، فإِن توقفوا أثموا لأن الإِمامة عقد لا يتم إلا
بعاقد.(١)
وقال أبو يعلى : الإِمامة تنعقد من وجهين:
أحدهما: باختيار أهل الحل والعقد.
والثاني: بعهد الإِمام من قبل.
فأما انعقادها باختيار أهل الحل والعقد، فلا
تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد. قال أحمد،
في رواية إسحاق بن إبراهيم: الإِمام: الذي يُجتمع
عليه، كلهم يقول: هذا إمام .
وظاهر هذا: أنها تنعقد بجماعتهم.
وروي عنه مادل على أنها تثبت بالقهر والغلبة،
ولا تفتقر إلى العقد. فقال في رواية عبدوس بن
مالك العطار: ومن غلب عليهم بالسيف حتى
صار خليفة وسمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد
يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما، برا
كان أو فاجرا. وقال أيضا في رواية أبي الحارث - في
الإِمام يخرج عليه من يطلب الملك، فيكون مع هذا
قوم ومع هذا قوم -: تكون الجمعة مع من غلب.
واحتج بأن ابن عمر صلى بأهل المدينة في زمن
الحرة. وقال: ((نحن مع من غلب)).
وجه الرواية الأولى : أنه لما اختلف المهاجرون
والأنصار، فقالت الأنصار: ((منا أمير ومنكم أمير))
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨
- ٢٢٤ -

الإمامة الکبری ١٨ - ١٩
حاجّهم عمر، وقال لأبي بكر رضي الله عنهما.
((مُدّيدَك أبايعك)) فلم يعتبر الغلبة واعتبر العقد مع
وجود الاختلاف.
ووجه الثانية : ماذكره أحمد عن ابن عمر وقوله:
((نحن مع من غلب)) ولأنها لو كانت تقف على عقد
لصح رفعه وفسخه بقولهم وقوله، کالبيع وغيره من
العقود، ولما ثبت أنه (أي المتغلب) لو عزل نفسه أو
عزلوه لم ينعزل، دل على أنه لا يفتقر إلى
عقده . (١)
ولأن عبدالملك بن مروان خرج على ابن الزبير
واستولى على البلاد وأهلها، حتى بايعوه طوعا
وكرها، فصار إماما يحرم الخروج عليه، ولما في
الخروج عليه من شق عصا المسلمين، وإراقة
دمائهم، وذهاب أموالهم. (٢) ولخبر: (اسمعوا
وأطيعوا وإن أمِّرَ عليكم عبد حبشي أجدع)). (٣)
وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء.
وذكر الشافعية قولا : يشترط لصحة إمامة
المتغلب استجماع شروط الإِمامة. (٤) كما يشترط
الشافعية أيضا: أن يستولي على الأمر بعد موت
الإِمام المبايع له، وقبل نصب إمام جديد بالبيعة،
(١) الأحكام السلطانية لأبي یعلی ص ٧ ، ٨
(٢) المغني ٨/ ١٠٧، وحاشية ابن عابدين ٣٦٩/١، والدسوقي
٢٩٨/٤، ومغني المحتاج ٤/ ١٣٠، وأسنى المطالب ٤/ ١١٠
-١١١
(٣) حديث: ((اسمعوا وأطيعوا ... )). أخرجه مسلم من حديث
أم الحصين رضي الله عنها مرفوعا بلفظ: ((إن أمر عليكم عبد
مجدع (حسبتها قالت) أسود، يقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا
له وأطيعوه)). (صحيح مسلم ٣/ ٩٤٤ ط عيسى الحلبي).
أو أن يستولي على حي متغلب مثله. أما إذا
استولى على الأمر وقهر إماما مولى بالبيعة أو بالعهد
فلا تثبت إمامته، ويبقى الإِمام المقهور على إمامته
شرعا . (٥)
·اختيار المفضول مع وجود الأفضل :
١٩ - اتفق الفقهاء على أنه إذا تعين لأهل الاختيار
واحد هو أفضل الجماعة، فبايعوه على الإِمامة،
فظهر بعد البيعة من هو أفضل منه، انعقدت
ببيعتهم إمامة الأول ولم يجز العدول عنه إلى من هو
أفضل منه. كما اتفقوا على أنه لوابتدءوابيعة
المفضول مع وجود الأفضل لعذر، ككون الأفضل
غائبا أومريضا، أوكون المفضول أطوع في الناس،
وأقرب إلى قلوبهم، انعقدت بيعة المفضول
وصحت إمامته، ولو عدلوا عن الأفضل في الابتداء
لغير عذر لم يجز. (٢)
أما الانعقاد فقد اختلفوا في انعقاد بيعة المفضول
مع وجود الأفضل بغير عذر، فذهبت طائفة إلى أن
بيعته لا تنعقد، لأن الاختيار إذا دعا إلى أولى
الأمرين لم يجز العدول عنه إلى غيره. (٣)
وذهب الأكثر من الفقهاء والمتكلمين إلى أن
الإِمامة جائزة للمفضول مع وجود الأفضل،
وصحت إمامته إذا توفرت فيه شروط الإِمامة . كما
يجوز في ولاية القضاء تقليد المفضول مع وجود
الأفضل لأن زيادة الفضل مبالغة في الاختيار،
(١) مغني المحتاج ١٣٢/٤، وأسنى المطالب ٤/ ١١٠
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٥٠
(٣) المصدر السابق ، والفصل في المال والأهواء والنحل ١٦٣/٤
(٤) المصادر السابقة .
- ٢٢٥ _

الإمامة الكبرى ٢٠ - ٢١
وليست شرطا فيه. وقال أبوبكريوم السقيفة: قد
رضيت لكم أحد هذين الرجلين: أبي عبيدة بن
الجراح، وعمر بن الخطاب. وهما - على فضلهما -
دون أبي بكر في الفضل، ولم ینکره أحد.
ودعت الأنصار إلی بیعة سعد، ولم یکن أفضل
الصحابة بالاتفاق، ثم عهد عمر رضي الله عنه
إلى ستة من الصحابة، ولا بد أن يكون بعضهم
أفضل من بعض .
وقد أجمع أهل الإِسلام حينئذ على أنه لوبويع
أحدهم فهو الإِمام الواجب طاعته. فصح بذلك
إجماع الصحابة رضي الله عنهم، على جواز إمامة
المفضول. (١)
عقد البيعة الإِمامين :
٢٠ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز كون
إمامين في العالم في وقت واحد، ولا يجوز إلا إمام
واحد. (٢) واستدلوا بخبر: ((إذا بويع لخليفتين
فاقتلوا الآخر منهما)).(٣) وقوله تعالى:
﴿وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا﴾ (٤)
ووجه الاستدلال: أن الله سبحانه وتعالى:
حرم على المسلمين التفرق والتنازع، وإذا كان
(١) المصادر السابقة .
(٢) مغني المحتاج ١٣٢/٤، وأسنى المطالب ٤/ ١١٠، والأحكام
السلطانية لأبي يعلى ص ٩، والماوردي ص ٦، والفصل في الملل
والأهواء والنحل ٨٨/٤
(٣) حديث : ((إذا بويع لخليفتين ... )). أخرجه مسلم من حديث
أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعا (صحيح مسلم
١٤٨٠/٣ ط عيسى الحلبي).
(٤) سورة الأنفال/ ٤٦
إمامان فقد حصل التفرق المحرم، فوجد التنازع
ووقعت المعصية لله تعالی .(١)
فإن عقدت لاثنین معا بطلت فيهما، أو مرتبا
فهي للسابق منهما. ويعزر الثاني ومبايعوه. لخبر :
((إذا بویع لخلیفتين فاقتلوا الآخر منهما)). وإن جهل
السابق منهما بطل العقد فيهما عند الشافعية،
لامتناع تعدد الأئمة، وعدم المرجح لأحدهما.
وعند الإِمام أحمد روايتان :
إحداهما: بطلان العقد، والثانية: استعمال
القرعة.
وذهب المالكية إلى أنه إذا تباعدت البلاد،
وتعذرت الاستنابة، جاز تعدد الأئمة بقدر الحاجة،
وهو قول عند الشافعية . (٢)
طاعة الإِمام :
٢١ - اتفقت الأمة جمعاء على وجوب طاعة الإِمام
العادل وحرمة الخروج عليه للأدلة الواردة في ذلك
كخبر: ((من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه
فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا
عنق الآخر)). (٣) وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾(٤)
وحديث: ((من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة
(١) الفصل في النحل والأهواء والملل ١٦٣/٤
(٢) جواهر الإكليل ١/ ٢٥١، وروضة الطالبين ١٠/ ٤٧، ومغني
المحتاج ١٣٢/٤
(٣) حديث: ((من بايع إماما ... )). أخرجه مسلم (٣/ ١٤٧٣ ط
الحلبي).
(٤) سورة النساء/ ٥٩
- ٢٢٦ -

الإمامة الكبرى ٢٢ - ٢٣
فمات، مات ميتة جاهلية)»(١)
أما حكم الخروج على الجائر من الأئمة فقد
سبق بيانه عند الكلام عن دوام الإِمامة .
ويدعو للإِمام بالصلاح والنصرة وإن كان
فاسقا. ویکرہ تحریما وصفه بما ليس فيه من
الصفات کالصالح والعادل، کما محرم أن يوصف
بمالا يجوز وصف العباد به. مثل شاهنشاه الأعظم،
ومالك رقاب الناس، لأن الأول من صفات الله فلا
يجوز وصف العباد به، والثاني كذب. (٢)
من ينعزل بموت الإِمام :
٢٢ - لا ينعزل بموت الإِمام من عينه الإِمام في
وظيفة عامة كالقضاة، وأمراء الأقاليم، ونظار
الوقف، وأمين بيت المال، وأمير الجيش. (٣) وهذا
محل اتفاق بين الفقهاء، لأن الخلفاء الراشدين -
رضي الله عنهم - ولوا حکاما في زمنهم، فلم ينعزل
أحد بموت الإِمام، ولأن الخليفة أسند إليهم
الوظائف نيابة عن المسلمين، لا نوابا عن نفسه،
فلا ينعزلون بموته، وفي انعزالهم ضرر على
المسلمين وتعطيل للمصالح.
أما الوزراء فينعزلون بموت الإِمام وانعزاله،
لأن الوزارة نيابة عن الإِمام فينعزل النائب بموت
(١) حديث: ((من خرج من الطاعة ... )). أخرجه مسلم من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا (صحيح مسلم
١٤٧٦/٣ ط عيسى الحلبي).
(٢) حاشية ابن عابدين ١/ ٥٤٤ - ٥٤٥
(٣) المغني ٩/ ١٠٣ - ١٠٤، ومغني المحتاج ٣٨٣/٤، وحاشية ابن
عابدين ٣٢٤/٤، وجواهر الإكليل ٢/ ٣٢٤
المستنيب. لأن الإِمام استناب الوزير ليعينه في أمور
الخلافة . (١)
عزل الإِمام وانعزاله :
٢٣ - سبق نقل كلام الماوردي في مسألة عزل الإِمام
لطروء الفسق والجور عند الكلام عن دوام الإِمام.
ثم قال الماوردي: أما ما طرأ على بدنه من
نقص فينقسم ثلاثة أقسام :
أحدها: نقص الحواس، والثاني: نقص
الأعضاء، والثالث: نقص التصرف.
فأما نقص الحواس فينقسم ثلاثة أقسام: قسم
يمنع من الإمامة، وقسم لا يمنع منها، وقسم
مختلف فيه .
فأما القسم المانع منها فشيئان: أحدهما: زوال
العقل. والثاني: ذهاب البصر.
فأما زوال العقل فضربان: أحدهما: ماكان
عارضا مرجو الزوال كالإغماء، فهذا لا يمنع من
انعقاد الإِمامة ولا يخرج منها، لأنه مرض قليل
اللبث سريع الزوال، وقد أغمي على رسول الله
﴾﴾ في مرضه.
والضرب الثاني: ما كان لازما لا يرجى زواله
كالجنون والخبل، فهو على ضربين: أحدهما: أن
يكون مطبقا دائما لا يتخلله إفاقة، فهذا يمنع من
عقد الإِمامة واستدامتها، فإذا طرأ هذا بطلت به
الإمامة بعد تحققه والقطع به، والضرب الثاني: أن
(١) الأحكام للماوردي ص ٢٦ - ٦٣
وترى اللجنة أن انعزال المولين من الإمام أو عدم انعزالهم أمر
يرجع إلى سياسة الدولة وأنظمتها المتبعة، وتراعى فيه المصلحة
العامة، وتختلف الأعراف فيه زمنا ومكانا.
- ٢٢٧ -

الإمامة الكبرى ٢٣
يتخلله إفاقة يعود بها إلى حال السلامة فينظر فيه :
فإن کان زمان الخبل أكثر من زمان الإفاقة فهو
كالمستديم يمنع من عقد الإمامة واستدامتها،
ويخرج بحدوثه منها، وإن كان زمان الإفاقة أکثر من
زمان الخبل منع من عقد الإِمامة.
واختلف في منعه من استدامتها، فقيل: يمنع
من استدامتها كما يمنع من ابتدائها، فإذا طرأ
بطلت به الإِمامة، لأن في استدامته إخلالا بالنظر
المستحق فيه، وقيل: لا يمنع من استدامة الإِمامة،
وإن منع من عقدها في الابتداء، لأنه يراعى في
ابتداء عقدها سلامة كاملة، وفي الخروج منها
نقص كامل.
وأما ذهاب البصر فيمنع من عقد الإمامة
واستدامتها، فإذا طرأ بطلت به الإِمامة، لأنه لما
أبطل ولاية القضاء، ومنع من جواز الشهادة،
فأولى أن يمنع من صحة الإِمامة .
وأما عَشَاء العين، وهو: ألا يبصر عند دخول
الليل، فلا يمنع من الإِمامة في عقد ولا استدامة،
لأنه مرض في زمان الدعة یرجی زواله.
وأما ضعف البصر، فإن كان يعرف به
الأشخاص إذا رآها لم يمنع من الإمامة، وإن كان
يدرك الأشخاص ولا يعرفها منع من الإِمامة عقدا
واستدامة.
وأما القسم الثاني من الحواس، التي لا يؤثر
فقدها في الإِمامة فشيئان: أحدهما: الخشم في
الأنف الذي يدرك به شم الروائح. والثاني: فقد
الذوق الذي يفرق به بين الطعوم. فلا يؤثر هذا في
عقد الإِمامة، لأنهما يؤثران في اللذة، ولا يؤثران في
الرأي والعمل.
وأما القسم الثالث من الحواس المختلف فيها
فشيئان: الصمم، والخرس، فيمنعان من ابتداء
عقد الإِمامة، لأن كمال الأوصاف بوجودهما مفقود.
واختلف في الخروج بهما من الإِمامة، فقالت
طائفة: يخرج بهما منها كما يخرج بذهاب البصر
لتأثيرهما في التدبير والعمل، وقال آخرون: لا
يخرج بهما من الإِمامة، لقيام الإِشارة مقامهما، فلم
يخرج منها إلا بنقص كامل. وقال آخرون: إن كان
يحسن الكتابة لم يخرج بهما من الإِمامة، وإن كان لا
يحسنها خرج من الإِمامة بهما، لأن الكتابة مفهومة
والإِشارة موهومة، والأول من المذاهب أصح.
وأما تمتمة اللسان، وثقل السمع، مع إدراك
الصوت إذا كان عاليا، فلا يخرج بهما من الإِمامة إذا
حدثا. واختلف في ابتداء عقدها معهما، فقيل :
يمنع ذلك من ابتداء عقدها، لأنهما نقص يخرج بهما
عن حال الكمال، وقيل: لا يمنع، لأن نبي الله
موسى عليه السلام لم تمنعه عقدة لسانه عن النبوة
فأولى ألا يمنع من الإِمامة .
وأما فقد الأعضاء فينقسم إلى أربعة أقسام :
أحدها : مالا يمنع من صحة الإِمامة في عقد
ولا استدامة، وهو ما لا يؤثر فقده في رأي ولا عمل
ولا نهوض ولا يشين في المنظر، فلا يمنع من عقد
الإمامة ولا من استدامتها بعد العقد، لأن فقده لا
يؤثر في الرأي والحنكة. مثل قطع الأذنين لأنهما لا
يؤثران في رأي ولا عمل، وهما شین یمکن أن یستتر
فلا يظهر.
والقسم الثاني: مايمنع من عقد الإِمامة ومن
استدامتها: وهو ما يمنع من العمل، كذهاب
الیدین، أو من النهوض کذهاب الرجلین، فلا
- ٢٢٨ -

الإمامة الكبرى ٢٣ - ٢٤
تصح معه الإمامة في عقد ولا استدامة، لعجزه عما
يلزمه من حقوق الأمة في عمل أو نهضة.
والقسم الثالث: مايمنع من عقد الإِمامة:
واختلف في منعه من استدامتها، وهو ماذهب به
بعض العمل، أو فقد به بعض النهوض كذهاب
إحدى اليدين أو إحدى الرجلين، فلا يصح معه
عقد الإِمامة لعجزه عن كمال التصرف، فإن طرأ
بعد عقد الإِمامة ففي خروجه منها مذهبان
للفقهاء :
أحدهما : يخرج به من الإِمامة، لأنه عجز يمنع
من ابتدائها فمنع من استدامتها .
والمذهب الثاني: أنه لا يخرج به من الإِمامة وإن
منع من عقدها، لأن المعتبر في عقدها كمال
السلامة، وفي الخروج منها كمال النقص.
والقسم الرابع : مالا يمنع من استدامة
الإِمامة. واختلف في منعه من ابتداء عقدها، وهو
ما يشين ويقبح، ولا يؤثر في عمل ولا في نهضة،
کجدع الأنف وسمل إحدى العینین، فلا يخرج به
من الإِمامة بعد عقدها، لعدم تأثيره في شيء من
حقوقها، وفي منعه من ابتداء عقدها مذهبان
للفقهاء :
أحدهما : أنه لا یمنع من عقدها، وليس ذلك
من الشروط المعتبرة فيها لعدم تأثيره في حقوقها .
والمذهب الثاني: أنه يمنع من عقد الإمامة،
وتكون السلامة منه شرطا معتبرا في عقدها ليسلم
ولاة الملة من شین یعاب ونقص یزدری، فتقل به
الهيبة، وفي قلتها نفور عن الطاعة، وما أدى إلى
هذا فهو نقص في حقوق الأمة .
وأما نقص التصرف فضربان: حجر، وقهر.
فأما الحجر : فهو أن يستولي علیه من أعوانه من
يستبد بتنفيذ الأمور من غير تظاهر بمعصية ولا
مجاهرة بمشاقة، فلا يمنع ذلك من إمامته، ولا
يقدح في صحة ولا یته .
وأما القهر فهو أن يصير مأسورا في يد عدو قاهر
لا يقدر على الخلاص منه، فيمنع ذلك عن عقد
الإمامة له، لعجزه عن النظر في أمور المسلمين،
وسواء كان العدومشرکا أو مسلما باغيا، وللأمة
اختيار من عداه من ذوي القدرة. وإن أُسر بعد أن
عقدت له الإمامة فعلى كافة الأمة استنقاذه، لما
أوجبته الإِمامة من نصرته، وهو على إمامته ما كان
مرجو الخلاص مأمول الفكاك إما بقتال أو فداء،
فإِن وقع اليأس منه، لم يخل حال من أسره من أن
یکونوا مشرکین أوبغاة المسلمین، فإن کان في أسر
المشركين خرج من الإمامة لليأس من خلاصه،
واستأنف أهل الاختيار بيعة غيره على الإِمامة،
وإن خلص قبل الإِیاس فهو على إمامته. وإن كان
مأسورا مع بغاة المسلمین، فإن كان مرجو الخلاص
فهو على إمامته، وإن لم يرج خلاصه، فالإِمام
المأسور في أيديهم خارج من الإِمامة بالإِياس من
خلاصه، وعلى أهل الاختيار في دار العدل أن
يعقدوا الإِمامة لمن ارتضوا لها، فإن خلص المأسور لم
يعد إلى الإِمامة لخروجه منها . (١)
واجبات الإِمام :
٢٤ - من تعريف الفقهاء للإمامة الكبرى بأنها
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٧ - ٢٠، وحاشية ابن عابدين
٣١٠/٣، ومغني المحتاج ١٣٢/٤، وحاشية الدسوقي
٤/ ٢٩٩، ومطالب أولي النهى ٦/ ٢٦٥، والإنصاف ٣١٠/١٠
- ٢٢٩ -
٠

الإمامة الکبری ٢٥ - ٢٦
رئاسة عامة في سياسة الدنیا وإقامة الدین نيابة عن
النبي ◌َ﴾. (١) يتبين أن واجبات الإِمام إجمالا هي
کمايلي :
أ - حفظ الدين على أصوله الثابتة بالكتاب والسنة
وإجماع سلف الأمة وإقامة شعائر الدين.
ب - رعاية مصالح المسلمين بأنواعها .
كما أنهم - في معرض الاستدلال لفرضية نصب
الإِمام بالحاجة إليه - يذكرون أمورا لابد للأمة ممن
يقوم بها وهي : تنفيذ الأحكام، وإقامة الحدود،
وسد الثغور، وتجهيز الجيوش، وأخذ الصدقات،
وقبول الشهادات، وتزويج الصغار والصغائر الذين
لا أولياء لهم، وقسمة الغنائم. (٢) وعدّها أصحاب
كتب الأحكام السلطانية عشرة. ولا تخرج في
عمومها عما ذكره الفقهاء فيما مرّ، على أن ذلك
يزيد وينقص بحسب تجدد الحاجات الزمنية وما
تقضي المصالح بأن لا يتولاه الأفراد والهيئات، بل
يتولاه الإِمام.
ولايات الإِمام :
٢٥ - الولاة من قبل الإِمام تنقسم ولايتهم إلى
أربعة أقسام :
أ - ولاية عامة في الأعمال العامة، وهي :
الوزارة، فهي نيابة عن الإِمام في الأمور كلها من
غير تخصيص.
(١) نهاية المحتاج ٧/ ٤٠٩، وحاشية ابن عابدين ٣٦٨/١، وحاشية
الجمل ١١٩/٥
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٦٨/١، ٣١٠/٣، ومغني المحتاج
١٢٩/٤، وشرح روض الطالب ١٠٨/٤
ب - ولاية عامة في أعمال خاصة، وهي الإِمارة
في الأقاليم، لأن النظر فيما خص بها عام في جميع
الأمور.
جـ ــ ولاية خاصة في الأعمال العامة: کرئاسة
القضاء ونقابة الجيش، لأن كليهما مقصور على نظر
خاص في جميع الأعمال.
د- ولاية خاصة في أعمال خاصة کقاضي بلد،
أو مستوفي خراجه، وجابي صدقاته، لأن كلا من
ولاية هؤلاء خاص بعمل مخصوص لا يتجاوزه،
والتفصيل في مصطلحي: (وزارة، إمارة.)(١)
مؤاخذة الإِمام بتصرفاته :
٢٦ - يضمن الإِمام ما أتلفه بيده من مال أو نفس
بغير خطأ في الحكم أو تقصير في تنفيذ الحد والتعزيز
کآحاد الناس فیقتص منه إن قتل عمدا، وتجب
الدية عليه أو على عاقلته أوبيت المال في الخطأ
وشبه العمد، ويضمن ما أتلفه بيده من مال، كما
يضمن ما هلك بتقصيره في الحكم، وإقامة الحد،
والتعزيز. بالقصاص أو الدیة من ماله أو عاقلته أو
بيت المال حسب أحكام الشرع، وحسب ظروف
التقصير وجسامة الخطأ. (٢) وينظر التفصيل في
مصطلحات: (حد، وتعزيز، وقصاص،
وضمان).
وهذا القدر متفق عليه بين الفقهاء، لعموم
الأدلة، ولأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم، وأموالهم
معصومة إلا بحقها، وثبت أن النبي مية ((أقاد من
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٧، وأبي يعلى ص ١٣
(٢) مغني المحتاج ١٩٩/٤، والمغني ٣١٢/٨، ٦٦٣/٧، وحاشية
الدسوقي ٣٥٥/٤
- ٢٣٠ -

الإمامة الکبری ٢٦ - ٢٨
نفسه))(١) وكان عمر رضي الله یقید من نفسه.
والإِمام والمعتدى عليه نفسان معصومتان كسائر
الرعية.
واختلفوا في إقامة الحدّ عليه، فذهب الشافعية
إلى أنه يقام عليه الحدّ كما يقام على سائر الناس
لعموم الأدلة، ويتولى التنفيذ عليه من يتولى الحكم
عنه.(٢) وذهب الحنفية إلى أنه لا يقام عليه الحد،
لأن الحدّ حق الله تعالى، والإِمام نفسه هو المكلف
بإقامته، ولا یمکن أن یقیمه على نفسه، لأن إقامته
تستلزم الخزي والنكال ولا يفعل أحد ذلك بنفسه،
بخلاف حق العباد. أما حد القذف فقالوا: المغلب
فيه حق الله، فحكمه حكم سائر الحدود، فإقامته
إليه كسائر الحدود. (٣) ولا ولاية لأحد عليه
ليستوفيه، وفائدة الإيجاب الاستيفاء، فإذا تعذر لم
يجب. وفرقوا بین الحد، وبین القصاص وضمان
المتلفات بأنهما من حقوق العباد فیستوفیھما صاحب
الحق، ولا يشترط القضاء، بل الإِمكان والتمكن،
ويحصل ذلك بتمكينه من نفسه، وإن احتاج إلى
منعة. (٤) فالمسلمون منعته، فبهم يقدر على
(١) حديث: ((أن النبي# أقاد من نفسه ... )). أخرجه أبو داود
والنسائي من حديث عمر رضي الله عنه بلفظ «رأيت رسول الله
*. أقصّ - وفي النسائي: يقصّ - من نفسه)). وفي إسناده
أبو فراس: وهو مجهول. قال الذهبي في ميزان الاعتدال: لا
يعرف. (عون المعبود ٣٠٦/٤ ط الهند، وسنن النسائي ٣٤/٨
ط استانبول، وميزان الاعتدال ٥٦١/٤، وجامع الأصول
٨٢/٤، ٨٣، ٢٧٤/١٠).
(٢) مغني المحتاج ٤/ ١٥٢
(٣) فتح القدير ٤/ ١٦٠، وحاشية ابن عابدين ١٥٨/٣
(٤) حاشية ابن عابدين ١٥٨/٣، وفتح القدير ٤/ ١٦٠ - ١٦١
الاستیفاء فکان الوجوب مفیدا .(١)
هدايا الإمام لغيره .
٢٧ - هدایا الإِمام لغیرہ إن کانت من ماله الخاص
فلا يختلف حكمه عن غيره من الأفراد، وينظر في
مصطلح : (هدية).
أما إن كانت من بيت المال، فإذا كان مقابلا
لعمل عام فهو رزق، وإن کان عطاء شاملا للناس
من بيت المال فهو عطاء، وإن كانت الهدية بمبادرة
من الإِمام میزّ بها فردا عن غيره فهي التي تسمى
(جائزة السلطان) وقد اختلف فيها، فكرهها أحمد
تورعا لما في بعض موارد بيت المال من الشبهة، لكنه
نص على أنها ليست بحرام على آخذها، لغلبة
الحلال على موارد بيت المال، وکرهها ابن سیرین
لعدم شمولها للرعية، وممن تنزه عن الأخذ منها
حذيفة وأبوعبيدة ومعاذ وأبوهريرة وابن عمر. هذا
من حيث أخذ الجوائز.(٧)
أما من حيث تصرف الإِمام بالإعطاء فيجب أن
يراعي فيه المصلحة العامة للمسلمين دون اتباع
الهوى والتشهي، لأن تصرف الإِمام في الأموال
العامة وغيرها من أمور المسلمين منوط بالمصلحة.
قبول الإِمام الهدايا :
٢٨ - لم يختلف العلماء في كراهية الهدية إلى
الأمراء.
ذكر ابن عابدين في حاشيته. أن الإمام (بمعنى
الوالي) لا تحل له الهدیة، للأدلة ۔ الواردة في هدایا
(١) المغني ٦/ ٤٤٣ - ٤٤٤ ط الرياض، وإحياء علوم الدين ١٣٥/٢
وما بعدها.
(٢) ابن عابدين ٤/ ٣١٠، والفتاوى الهندية ٣/ ٣٣١، ومعين
الحكام ص ١٧
- ٢٣١ -

الإمامة الکبری ٢٩
العمال ولأنه رأس العمال.
وقال ابن حبيب: لم يختلف العلماء في كراهية
الهدية إلى السلطان الأكبر وإلى القضاة والعمال
وجباة الأموال. وهذا قول مالك ومن قبله من أهل
العلم والسنة. وكان النبي لم يقبل الهدية، وهذا
من خواصه، والنبي 18 معصوم مما يتقى على غيره
منها، ولما رد عمر بن عبدالعزيز الهدية، قيل له:
كان النبي ﴿ يقبلها، فقال: كانت له هدية وهي
لنا رشوة، لأنه کان یتقرب إلیه لنبوته لا لولا یته،
ونحن یتقرب بها إلينا لولايتنا. (١)
هدايا الكفار للإِمام :
٢٩ - لا يجوز للإِمام قبول هدية من كفار أشرفت
حصونهم على السقوط بيد المسلمين، لما في ذلك
من توهين المسلمين وتثبيط همتهم. أما إذا كانوا بقوة
ومنعة جاز له قبول هدیتهم. وهي للإِمام إن كانت
من قریب له، أو كانت مكافأة، أو رجاء ثواب (أي
مقابل). وإن کانت من غیر قریب، وأهدی بعد
دخول الإِمام بلدهم فهي غنيمة. وهي فيء قبل
الدخول في بلدهم. (٢)
هذا إذا كانت من الأفراد، أما إذا كانت من
الطاغية أي رئيسهم، فإنها فيء إن أهدی قبل
دخول المسلمين في بلدهم، وغنيمة بعد الدخول
فيه، وهذا التفصيل للمالكية. وعند أحمد: يجوز
للإِمام قبول الهدية من أهل الحرب، لأن النبي ال #
«قبل هدیة المقوقس صاحب مصر»، فإن كان ذلك
في حال الغزو فما أهداه الكفار لأمير الجيش أو
(١) تبصرة الحكام على هامش فتح العلي ٣٠/١، والبجيرمي على
الخطيب ٤/ ٣٣٠، والمغني ٧٨/٩
(٢) جواهر الإكليل ٢٥٦/١
لبعض قواده فهو غنيمة، لأنه لا يفعل ذلك إلا خوفا
من المسلمين، فأشبه ما لو أخذه قهرا.
وأما إن أهدى من دار الحرب، فهولمن أهدى
إليه سواء كان الإِمام أو غيره، لأن النبي # قبل
الهدية منهم، فكانت له دون غيره. (١) وعزا
ابن قدامة هذا إلى الشافعي أيضا، ونقل عن
الإمام أبي حنيفة: أنها للمهدى له بكل حال، لأنه
خصه بها، فأشبه ما لو أهدي له من دار الإِسلام،
وحكى في ذلك رواية عن أحمد (٢) وذهب الشافعية
إلى أنه لو أهدى مشرك إلى الأمير أو إلى الإِمام
هدية، والحرب قائمة فهي غنيمة، بخلاف مالو
أهدى قبل أن يرتحلوا عن دار الإِسلام، فإنه
للمهدى إليه . (٣)
وقال عبدالغني النابلسي : قال الماوردي :
فنزاهته عنها أولى من قبولها، فإن قبلها جاز ولم
يمنع، وهذا حكم الهدايا للقضاة، أما الهدايا
للأئمة فقد قال في الحاوي : إنها إن كانت من هدايا
دار الإِسلام فهي على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يهدي إليه من يستعين به على حق
يستوفيه، أوعلى ظلم يدفعه عنه، أو على باطل
يعينه عليه، فهذه الرشوة المحرمة .
الثاني : أن يهدي إلیه من کان یهادیه قبل
الولاية، فإن كان بقدر ماكان قبل الولاية لغير
حاجة عرضت فیجوز له قبوها، وإن اقتر ن بها
حاجة عرضت إليه فيمنع من القبول عند الحاجة،
ويجوز أن يقبلها بعد الحاجة. وإن زاد في هديته
(١) المغني ٨/ ٤٩٥
(٢) المصدر السابق.
(٣) روضة الطالبين ٢٩٤/١٠، وحاشية قليوبي ١٨٨/٣
- ٢٣٢ -

الإمامة الكبرى ٣٠، أمان ١
على قدر العادة لغير حاجة، فإن كانت الزيادة من
جنس الهدية جاز قبولها لدخولها في المألوف، وإن
كانت من غير جنس الهدية منع من القبول.
الثالث : أن يهدي إليه من لم يكن يهاديه قبل
الولایة، فإن (كان) لأجل ولايته فهي رشوة، ويحرم
علیه أخذها، وإن کان لأجل جمیل صدر (له) منه
إما واجبا أو تبرعا فلا يجوز قبولها أيضا.
وإن كان لا لأجل ولاية، بل لمكافأة على جميل،
فهذه هدیة بعث عليها جاه، فإن كافأه عليها جاز له
قبولها، وإن لم يكافىء عليها فلا يقبلها لنفسه، وإن
کانت من هدایا دار الحرب جاز له قبول هدایاهم،
وذكر الماوردي في الأحكام السلطانية قال: والفرق
بين الرشوة والهدية أن الرشوة ما أخذت طلبا،
والهدية مابذلت عفوا. (١)
أثر فسق الإِمام على ولايته الخاصة :
٣٠ - اختلف الفقهاء في سلب الولاية الخاصة عن
الإِمام بفسقه، فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة
إلى أنه لا يشترط - عندهم - العدالة في ولاية
النكاح أصلا، حتى يسلبها الفسق، فيزوج بناته
القاصرات بالولاية الخاصة، يستوي في ذلك
الإِمام، وغيره من الأولياء. (٢)
وذهب الشافعية إلى أن الولاية الخاصة تسلب
بالفسق، فلا يصح له تزويج بناته بالولاية الخاصة
(١) تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية النابلسي ص ١٩٧ -
١٩٨ تحقيق محمد عمر بيوند نشر وزارة الأوقاف والشئون
الإِسلامية بالكويت.
(٢) فتح القدير ٣/ ١٨١ ط بيروت، والشرح الكبير مع حاشية
الدسوقي ٢/ ٢٣٠، والإنصاف ٧٤/٨
كغيره من الفسقة، لخروجه بالفسق عن الولاية
الخاصة كأفراد الناس، وإن لم يسلبه عن الولاية
العامة تعظيما لشأن الإِمامة، على أن في ذلك
خلافا سبق بيانه .
وتنتقل ولاية النكاح إلى البعيد من العصبة،
فإن لم توجد عصبة زوجهن بالولاية العامة كغيرهن
ممن لا ولي لهن. (١) لحديث: ((السلطان ولي من لا
ولي له)). (٢)
أمان
التعريف :
١ - الأمان في اللغة: عدم توقع مكروه في الزمن
الآتي، وأصل الأمن طمأنينة النفس وزوال
الخوف، والأمن والأمانة والأمان مصادر للفعل
(أُمِنَ)، ويرد الأمان تارة اسما للحالة التي يكون
عليها الإِنسان من الطمأنينة، وتارة لعقد الأمان أو
صکه: (٣)
وعرفه الفقهاء بأنه: رفع استباحة دم الحربي
(١) شروح روض الطالب ١٣٢/٣، وقليوبي ٢٢٧/٣
(٢) حديث: ((السلطان ولي من لا ولي له .. )). أخرجه أبو داود
والترمذي وقال: هذا حديث حسن. (سنن أبي داود ٢/ ٥٦٧،
٥٦٨ ط عزت عبيد الدعاس، وسنن الترمذي ٤٠٧/٣، ٤٠٨
ط استانبول).
(٣) المفردات للراغب الأصفهاني، وقواعد الفقه، وتاج العروس
مادة (أمن).
- ٢٣٣ -

أمان ٢ - ٦
ورقّه وماله حین قتاله أو الغرم عليه، مع استقراره
تحت حكم الإِسلام.(١)
الألفاظ ذات الصلة :
أ- الهدنة :
٢ - الهدنة هي: أن يعقد لأهل الحرب عقد على
ترك القتال مدة بعوض وبغیر عوض، وتسمی :
مهادنة وموادعة ومعاهدة. ويختلف عقد الهدنة عن
الأمان بأن عقد الهدنة لا يعقده إلا الإمام أو نائبه،
أما الأمان فيصح من أفراد المسلمين. (٢)
ب - الجزية :
٣ - عقد الجزية موجب لعصمة الدماء وصيانة
الأموال والأعراض إلى غير ذلك مما يترتب عليه.
ويختلف عن الأمان في أن عقد الجزية مثل الهدنة
لا يعقده إلا الإمام.
کما أن عقد الجزیة مؤ بد لا ینقض، بخلاف
الأمان فهو عقد غير لازم، أي قابل للنقض
بشروطه . (٣)
الحكم الإجمالي :
٤ - الأصل أن إعطاء الأمان أو طلبه مباح، وقد
(١) الخطاب ٣/ ٣٦٠، وشرح السير الكبير ٢٨٣/١ ط شركة
الإعلانات الشرقية ومغني المحتاج ٢٣٦/٤ نشر دار إحياء التراث
العربى.
(٢) المغني مع الشرح الكبير ٤٣٢/١٠، ٥٢٠، وتهذيب الفروق
٣٨/٣ ط دار إحياء الكتب العربية ١٣٤٦ هـ
(٣) الفروق للقرافي ١١/٣، وتهذيب الفروق بهامش الفروق
٣٨/٣، ومجمع الأخير ٦٠٧/١، وبدائع الصنائع ١٠٧/٧،
١١١ ط الجمالية.
یکون حراما أو مکروها إذا کان یؤدي إلى ضرر أو
إخلال بواجب أو مندوب.
وحكم الأمان هو ثبوت الأمن للكفرة عن القتل
والسبي وغنم أموالهم، فيحرم على المسلمين قتل
رجالهم وسبي نسائهم وذراريهم واغتنام أموالهم. (١)
مایکون به الأمان :
٥ - ينعقد الأمان بكل لفظ صريح أو كناية يفيد
الغرض، بأي لغة كان، وينعقد بالكتابة والرسالة
والإِشارة المفهمة. لأن التأمين إنما هو معنى في
النفس، فيظهره المؤمن تارة بالنطق، وتارة
بالكتابة، وتارة بالإشارة، فكل مابين به التأمين فإنه
.. (٢)
يلزم.
شروط الأمان :
٦ - ذهب المالكية والحنابلة وأكثر الشافعية إلى أن
شرط الأمان انتفاء الضرر، ولو لم تظهر
المصلحة . (٣)
وقيد البلقيني جواز الأمان بمجرد انتفاء الضرر
(١) بدائع الصنائع ١٠٧/٧، والشرح الصغیر ٢٨٨/٢ ط دار
المعارف، والمغني مع الشرح الكبير ٤٣٢/١٠، وروضة الطالبين
٢٨١/١٠ نشر المكتب الإسلامي.
(٢) روضة الطالبين ٢٧٩/١٠، ومغني المحتاج ٢٣٧/٤، ٢٣٨،
والمنتقى ١٧٢/٣، ١٧٤ ط السعادة ١٣٣٢ هـ، وحاشية
العدوي على شرح الرسالة ٢/ ٨ نشر دار المعرفة، وشرح السير
الكبير ٢٨٣/١، ٢٩٦ نشر شركة الإعلانات الشرقية، وحاشية
ابن عابدين ٢٢٧/٣ ط بولاق، والمبدع ٣٩١/٣، والفروع
٢٤٨/٦ نشر عالم الكتب.
(٣) شرح الزرقاني ١٢٣/٣، وحاشية الدسوقي ١٨٦/٢ ط عيسى
الحلبي، والفروع ٢٤٩/٦، ومغني المحتاج ٢٣٨/٤، ونهاية
المحتاج ٨/ ٧٧.
- ٢٣٤ -

أمان ٧ - ٨
بغير الأمان المعطى من الإِمام، فلابد فيه من
المصلحة والنظر للمسلمين.
وقال الحنفية: يشترط في الأمان أن تكون فيه
مصلحة ظاهرة للمسلمين وذلك بأن يعطى في حال
ضعف المسلمین وقوة أعدائھم، لأن الجهاد فرض
والأمان يتضمن تحريم القتال، فيتناقض، إلا إذا
كان في حال ضعف المسلمين وقوة الكفرة، لأنه إذ
ذاك یکون قتالا معنى، لوقوعه وسيلة إلى
الاستعداد للقتال، فلا يؤدي إلى التناقض.(١)
من له حق إعطاء الأمان :
٧ - الأمان إما أن يعطى من الإِمام أو من آحاد
المسلمين :
أ - أمان الإِمام: يصح أمان الإِمام لجميع
الكفار وآحادهم، لأنه مقدم للنظر والمصلحة،
نائب عن الجميع في جلب المنافع ودفع المضار.
وهذا مالا خلاف فيه . (٢)
ب - أمان آحاد المسلمين : يرى جمهور الفقهاء
أن أمان آحاد المسلمين يصح لعدد محصور كأهل
قرية صغيرة وحصن صغير، أما تأمين العدد الذي
لا ينحصر فهو من خصائص الإمام. (٣)
وذهب الحنفية إلى أن الأمان يصح من الواحد،
سواء أمّن جماعة كثيرة أو قليلة أو أهل مصر أو
قرية، فليس حينئذ لأحد من المسلمين قتالهم. (٤)
(١) بدائع الصنائع ١٠٦/٧، ١٠٧
(٢) المغني مع الشرح الكبير ٤٣٤/١٠، وتفسير القرطبي ٧٦/٨،
والخرشي ٣/ ١٢٣ ط دار صادر.
(٣) المغني مع الشرح الكبير ٤٣٤/١٠، ومغني المحتاج ٢٣٧/٤،
وشرح الزرقاني ١٢٢/٣، والخرشي ١٢٣/٣
(٤) بدائع الصنائع ٧/ ١٠٧، وفتح القدير ٢٩٨/٤ ط بولاق،
والفتاوى الهندية ١٩٨/٢
شروط المؤمن :
٨ - أ - الإِسلام: فلا يصح أمان الكافر، وإن كان
يقاتل مع المسلمين.
ب - العقل : فلا يصح أمان المجنون والصبي
الذي لا يعقل.
جـ - البلوغ : بلوغ المؤمن شرط عند جمهور
الفقهاء. وقال محمد بن الحسن الشيباني: ليس
بشرط .
د- عدم الخوف من الحربيين: فلا يصح أمان
المقهورين في أيدي الكفرة.
أما الذكورة فليست بشرط لصحة الأمان عند
جمهور الفقهاء، فيصح أمان المرأة لأنها لا تعجز عن
الوقوف على حال القوة والضعف. (١)
وقال ابن الماجشون من المالكية: إن أمان المرأة
والعبد والصبي لا يجوز ابتداء، ولكن إن وقع
يمضي إن أمضاه الإِمام وإن شاء رده. (٤)
مواطن البحث :
فصل الفقهاء أحكام الأمان في أبواب السير
والجهاد فتنظر فيها، ويرجع إلى مصطلح
(مستأمن).
(١) انظر في جميع الشروط: حاشية الدسوقي ٢/ ١٨٥، وحاشية
البناني ١٢٢/٣، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ٨/٢ نشر
دار المعرفة، وبدائع الصنائع ١٠٦/٧، ١٠٧، وشرح السير
الكبير ٢٥٢/١ -٢٥٧، والمغني مع الشرح الكبير ٤٣٢/١٠،
ومغني المحتاج ٤/ ٢٣٧ .
(٢) حاشية العدوي على شرح الرسالة ٢/ ٨
- ٢٣٥ -

أمانة ١ - ٢
أمانة
التعريف :
١ - الأمانة: ضد الخيانة، والأمانة تطلق على:
كل ما عهد به إلى الإِنسان من التكاليف الشرعية
وغيرها كالعبادة والوديعة، ومن الأمانة: الأهل
والمال. (١)
وبالتتبع تبين أن الأمانة قد استعملها الفقهاء
بمعنیین:
أحدهما : بمعنى الشيء الذي يوجد عند
الأمين، وذلك یکون في :
أ - العقد الذى تكون الأمانة فيه هى المقصد
الأصلي، وهو الوديعة وهي ، العين التي توضع عند
شخص ليحفظها، فهي أخص من الأمانة، فكل
وديعة أمانة ولا عكس. (٢)
ب - العقد الذي تکون الأمانة فيه ضمنا،
وليست أصلا بل تبعا، كالإِجارة والعارية والمضاربة
والوكالة والشركة والرهن.
جـ - ما كانت بدون عقد كاللقطة، وكما إذا
ألقت الريح في دار أحد مال جاره، وذلك ما یسمی
بالأمانات الشرعية . (٣)
(١) لسان العرب، وتاج العروس، والمصباح المنير، والمغرب. مادة:
((أمن)).
(٢) القليوبي ٣/ ١٨٠ ط مصطفى الحلبي.
(٣) مجمع الأنهر ٢/ ٣٣٨، ومجلة الأحكام العدلية ص ١٤٤، ومغني
المحتاج ٣/ ٩٠ ط مصطفى الحلبي، والقواعد في الفقه
لابن رجب ص ٥٣، ٥٤ ط دار المعرفة.
الثاني : بمعنى الصفة وذلك في :
أ - ما يسمى ببيع الأمانة، كالمرابحة والتولية
والاسترسال (الاستثمان) وهي العقود التي يحتكم
فيها المبتاع إلى ضمير البائع وأمانته. (١)
. ب - في الولايات سواء كانت عامة كالقاضي،
أم خاصة كالوصي وناظر الوقف. (٢)
جـ - فيمن يترتب على كلامه حكم
کالشاهد . (٣)
د- تستعمل الأمانة في باب الأيمان كمُقْسَم بها
باعتبارها صفة من صفات الله تعالى . (٤)
الحكم الإجمالي :
أولا : الأمانة بمعنى الشيء الذي يوجد عند
الأمين :
٢ - للأمانة بهذا المعنى عدة أحكام إجمالها فيمايلي:
أ - الأصل إباحة أخذ الوديعة واللقطة، وقيل
يستحب الأخذ لمن قدر على الحفظ والأداء، لقوله
تعالى: ﴿وَتَعَاوَنوا على البُرِّ والتقوى﴾. (٥)
وقد يعرض الوجوب لمن يثق في أمانة نفسه
وخيف على اللقطة أخذ خائن لها، وعلى الوديعة
من الهلاك أو الفقد عند عدم الإِيداع، لأن مال
(١) بدائع الصنائع ٢٢٥/٥ ط الجمالية، والمغني ٣/ ٥٨٤،
٢٠٣/٤، ٢٠٨ ط الرياض، والدسوقي ١٦٤/٣ ط دار الفكر.
(٢) الفتاوى الهندية ٦/ ١٣٧، ١٤٦، ١٤٨، ١٥٠ ط المكتبة
الإسلامية، والمهذب ٢/ ٤٧١ ط دار المعرفة، ومنتهى الإرادات
٥٠٤/٢، ٥٧٤ ط دار الفكر، والمغني ٩/ ٤٠
(٣) المغني ١٦٥/٩، والمهذب ٣٢٥/٢
(٤) منح الجليل ٦٢٤/١ ط النجاح، والمهذب ١٣١/١، والمغني
٧٠٣/٨
(٥) سورة المائدة/ ٢
- ٢٣٦ -

أمانة ٢ - ٣
الغير واجب الحفظ، وحرمة المال کحرمة النفس،
وقد روى ابن مسعود أن النبي # قال: «حرمةُ مال
المؤمن کحرمة دمِهِ».(١)
وقد محرم الأخذ لمن يعجز عن الحفظ، أولا يثق
بأمانة نفسه، وفي ذلك تعريض المال للهلاك. (٢)
وهذا في الجملة.
وتفصيله في الوديعة واللقطة .
ب - وجوب المحافظة على الأمانة عامة، وديعة
كانت أو غيرها، يقول العلماء: حفظ الأمانة
يوجب سعادة الدارين، والخيانة توجب الشقاء
فيهما، والحفظ يكون بحسب كل أمانة، فالوديعة
مثلا يكون حفظها بوضعها في حرز مثلها. والعارية
والشيء المستأجر يكون حفظهما بعدم التعدي في
الاستعمال المأذون فيه، وبعدم التفريط. وفي مال
المضاربة يكون بعدم مخالفة ما أذن فيه للمضارب
من التصرفات وهكذا. (٣)
جـ - وجوب الرد عند الطلب لقوله تعالى: ﴿إن
الله يأمُرُكم أن تُؤَدّوا الأماناتِ إلى أهلها﴾ (٤) وقول
النبي ◌َ﴾: «أدِّ الأمانةَ إلى من ائْتَمَنك، ولا تَخُنْ
من خانك)). (٥)
(١) حديث: ((حرمة مال المؤمن ... )). سبق تخريجه (انظر مصطلح
التزام ف/ ٣٦)
(٢) الهداية ٢ / ١٧٥ ط المكتبة الإسلامية، والمهذب ٣٦٥/١، ٤٣٦
ط دار المعرفة، ومنح الجليل ٤٥٢/٣، ١٢٠/٤ ط النجاح ،
والمغني ٥/ ٦٩٤ ط الرياض.
(٣) تكملة رد المحتار ٢٣١/٢، ٢٣٢ ط مصطفى الحلبي، ومنتهى
الإرادات ٣٢٧/٢، والمهذب ٤١٥/١
(٤) سورة النساء/ ٥٨
(٥) البدائع ٦/ ٢١٠
وحديث ((أد الامانة إلى من ائتمنك ... )). أخرجه الترمذي
وأبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه =
د - وجوب الضمان بالجحود أو التعدي أو
التفريط . (١)
هـ - سقوط الضمان إذا تلفت الأمانة دون تعدٍّ أو
تفريط .
وهذا في غير العارية عند الحنابلة والشافعية،
فالعارية عندهم مضمونة. (٢)
و- التعزير على ترك أداء الأمانات كالودائع وأموال
الأيتام وغلات الوقوف، وما تحت أيدي الوكلاء
والمقارضين وشبه ذلك، فإنه يعاقب على ذلك كله
حتى يؤدي ما يجب عليه. (٣)
وللفقهاء في کل ذلك تفصيلات وفروع يرجع
إليها في مواضعها من (وديعة، ولقطة، وعارية،
وإجارة، ورهن، وضمان، ووكالة).
ثانيا : الأمانة بمعنى الصفة :
٣ - تختلف أحكام الأمانة بهذا المعنى لاختلاف
مواضعها، وبيان ذلك إجمالا فيما يأتي :
أ - بيع الأمانة كالمرابحة، والمرابحة تعتبر بيع
مرفوعا، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. سكت
=
عنه أبو داود. ونقل المنذري تحسین الترمذي وأقره. وذکر صاحب
تحفة الأحوذي طرق الحديث المختلفة وتعقبها بقول
ابن الجوزي: لا يصح من جميع طرقه. كما نقل قول أحمد: هذا
حديث باطل لا أعرفه من وجه يصح. قال الشوكاني: لا يخفى أن
ورود الحديث بهذه الطرق المتعددة مع تصحيح إمامين من الأئمة
المعتبرين لبعضها، وتحسين إمام ثالث منهم مما يصير به الحديث
منتهضا للاحتجاج. (تحفة الأحوذي ٤/ ٤٧٩ - ٤٨١ نشر
السلفية، وسنن أبي داود ٨٠٥/٣ ط عزت عبيد دعاس).
(١) البدائع ٢١٨/٦، والمهذب ٣٦٩/١، ومنتهى الإِرادات
٤٥٦/٢
(٢) البدائع ٢١٧/٦، والمهذب ١/ ٣٧٠، والأشباه لابن نجيم ص
٢٧٥، ومنتهى الإرادات ٣٩٧/٢
(٣) التبصرة بهامش فتح العلي المالك ٢٥٩/٢ ط التجارية، وابن
عابدين ٣/ ١٨٢
- ٢٣٧ -

أمانة ٣
أمانة، لأن المشتري ائتمن البائع في إخباره عن
الثمن الأول من غير بينة ولا استحلاف، فتجب
صيانتها عن الخيانة والتهمة، لأن التحرز عن ذلك
كله واجب ما أمكن، قال الله تعالى: ﴿ياأيها
الذين آمنوا لا تُخُونوا الله والرسولَ وتخونوا أماناتِكم
وأنتم تعلمون﴾. (١) وقال النبي صلاته: ((ليس منا
من غشنا)). (٢)
وعلى ذلك فإِذا ظهرت الخيانة في بيع المرابحة
ففي الجملة يكون المشتري بالخيار، إن شاء أخذ
المبيع، وإن شاء رده، وقيل: بحط الزيادة على
أصل رأس المال ونسبتها من الربح مع إمضاء
البيع. (٣) هذا مع تفصيل كثير ينظر في (بيع -
مرابحة - تولية - استرسال).
ب - اعتبار الأمانة شرطا فيمن تكون له ولاية
ونظر في مال غيره کالوصي وناظر الوقف، فقد
اشترط الفقهاء صفة الأمانة في الوصي وناظر
الوقف، وأنه يعزل لو ظهرت خيانته، أويضم إليه
أمين في بعض الأحوال، وهذا في الجملة. كذلك
من له ولاية عامة كالقاضي، فالأصل اعتبار الأمانة
فيه. (٤) وللفقهاء في ذلك تفصيل (ر: قضاء،
(١) سورة الأنفال / ٢٧
(٢) حديث ((ليس منا من غشنا ... )). أخرجه مسلم بلفظ: ((من
غش فليس مني)). وأخرجه أبو داود وابن ماجة من حديث
أبي هريرة مرفوعا بلفظ: ((ليس منا من غش)) (صحيح مسلم
٩٩/١ ط عيسى الحلبي، وعون المعبود ٣/ ٢٨٧ ط الهند، وسنن
ابن ماجة ٢/ ٧٤٩ ط عيسى الحلبي).
(٣) البدائع ٢٢٣/٥، والمغني ٢٠٣/٤، ٢٠٨، والدسوقي
١٦٤/٣، والمهذب ٢٩٥/١، ٢٩٧
(٤) منتهى الإرادات ٢/ ٥٠٤، ٥٧٤، والمهذب ١/ ٤٧٠، والهداية
٢٥٨/٤، ١٠١/٣ ط المكتبة الإسلامية، ومنح الجليل
١٣٨/٤، ٦٨٨
وصي).
جـ-من یترتب على كلامه حکم کالشاهد:
فقد اشترط الفقهاء في الشاهد العدالة، لقول الله
تعالى: ﴿وَأَشْهِدوا ذَوَيْ عَدْلٍ منكم﴾. (١) وقوله
تعالى: ﴿إِنْ جاءكم فاسق بنبأ فتبيِّنُوا﴾، (٢) فأمر
الله تعالى بالتوقف عن نبأ الفاسق، والشهادة نبأ
فيجب عدم قبول شهادة الفاسق، واعتبر الفقهاء
أن الخيانة من الفسق، (٣) واستدلوا بقول النبي
وَّه : ((لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا خائنة)). (٤)
د - الحلف بالأمانة : يرى جمهور الفقهاء أن من
حلف بالأمانة مع إضافتها إلى اسم الله سبحانه
وتعالى فقال: وأمانة الله لأفعلن كذا، فإِن ذلك
يعتبر يمينا توجب الكفارة .
أما الحلف بالأمانة فقط بدون إضافة إلى لفظ
الجلالة، فإنه يرجع فيه إلى نية الحالف، فإِن أراد
بالأمانة صفة الله تعالى فالحلف بها يمين، وإن أراد
بالأمانة مافي قوله تعالى: ﴿إِنّا عَرَضْنا الأمانةَ على
السمواتِ والأرضِ ﴾(٥) أي التكاليف التي
كلف الله بها عباده فليس بيمين. ويكون الحلف
(١) سورة البقرة/ ٢٨٢
(٢) سورة الحجرات/ ٦
(٣) المغني ١٦٥/٩، والمهذب ٢/ ٣٢٥، ومنح الجليل ٢١٨/٤
(٤) حديث: ((لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة)). أخرجه أبو داود
وابن ماجة. قال الحافظ البوصيري تعليقا على إسناد ابن ماجة:
في إسناده حجاج بن أرطأة، وكان يدلس وقد رواه بالعنعنة.
وقال الحافظ ابن حجر بعد أن أورد رواية أبي داود: سنده قوي.
(عون المعبود ٣٣٥/٣ ط الهند، وسنن ابن ماجة ٧٩٢/٢ ط
عيسى الحلبي، والتلخيص الحبير ١٩٨/٤ ط شركة الطباعة
الفنية المتحدة، وجامع الأصول ١٠/ ١٩٠).
(٥) سورة الأحزاب/ ٧٢
- ٢٣٨ -

أمانة ٤ ، امتثال ، امتشاط ١ - ٢
بها غير مشروع(١) لأنه حلف بغير الله، واستدل
لذلك بحديث: ((من حلف بالأمانة فليس
منا)). (٢)
مواطن البحث :
٤ - يأتي ذكر الأمانة في كثير من الأبواب الفقهية:
كالبيع، والوكالة، والشركة، والمضاربة، والوديعة،
والعارية، والإِجارة، والرهن، والوقف، والوصية،
والأيمان، والشهادة، والقضاء. وقد سبقت الإشارة
إلى ذكر ذلك إجمالا .
كذلك يأتي ذكر الأمانة في باب الحضانة
باعتبارها شرطا من شروط الحاضن والحاضنة، وفي
باب الحج في الرفقة المأمونة بالنسبة لسفر المرأة، وفي
باب الصيام بالنسبة لمن يخبر برؤية الهلال.
امتثال
انظر : طاعة
(١) ابن عابدين ٥٧/٣ ط أولى، والمهذب ١٣١/٢ ط دار العرفة،
والمغني ٧٠٣/٨، ومنح الجليل ١/ ٦٢٤
(٢) حديث: ((من حلف بالأمانة فليس منا)). أخرجه أحمد وأبو داود
واللفظ له من حديث بريدة مرفوعا. سكت عنه المنذري. وقال
عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: إسناده صحيح
(مسند أحمد بن حنبل ٣٥٢/٥ ط الميمنية، وعون المعبود
٢١٨/٣ ط الهند، وجامع الأصول في أحاديث الرسول
٦٥٦/١١)
امتشاط
التعريف :
١ - الامتشاط لغة: هو ترجيل الشعر، (١)
والترجيل: تسريح الشعر، وتنظيفه،
وتحسینه. (٢)
وعند الفقهاء معناه كالمعنى اللغوي .
الحكم الإِجمالي ومواطن البحث:
٢ - يستحب ترجيل شعر الرأس واللحية من
الرجل، وكذا الرأس من المرأة، (٣) لما ورد: ((أن
رسول الله# كان جالسا في المسجد فدخل
رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله
* بيده أن اخرج. كأنه يعني إصلاح شعر
رأسه ولحيته، ففعل الرجل ثم رجع، فقال
رسول الله#: أليس هذا خيرا من أن يأتي
أحدكم ثائر الرأس، كأنه شيطان)) (٤)
(١) لسان العرب المحيط (مشط)
(٢) المصباح ((رجل، مشط)). والنهاية لابن الكثير. مشط
(٣) ابن عابدين ٢٦١/٥ ط بولاق الأولى، والفواكه الدواني
٤٠٢/٢ نشر دار المعرفة، والمجموع ٢٩٣/١ ط المثيرية، والمغني
٨٩/١ ط الرياض.
(٤) حديث: ((أليس هذا خيرا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه
شيطان ... )) أخرجه مالك في الموطأ من حديث عطاء بن يسار،
قال أبو عمرو بن عبدالبر: لا خلاف عن مالك في إرساله،
وجاء موصولا بمعناه عن جابر وغيره. (الموطأ ٢/ ٩٤٩ ط عيسى
الحلبي، وجامع الأصول في أحاديث الرسول ٤/ ٧٥١)
- ٢٣٩ -

أمتشاط ٣ - ٤، امتناع ١ - ٢
ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي
* قال: «من کان له شعر فلیکرمه»(١) ویفصل
الفقهاء ذلك في خصال الفطرة، والحظر
والإباحة .
٣ - وفي الإِحرام: يحرم الامتشاط إن علم أنه
یزیل شعرا، وکذا إن کان یدهن ولم يزل شعرا،
فإن کان لا یزیل شعرا وکان بغیر طیب فإن من
الفقهاء من أباحه، ومنهم من کرهه علی تفصيل
ينظر في مصطلح (إحرام)(٢)
٤ - ولا يمنع امتشاط المحدة عند أغلب
الفقهاء، إن كان الترجيل خاليا عن مواد
الزينة، فإن كان بدهن أوطیب حرم.
وقال الحنفية : يحرم امتشاط المحدة بمشط
ضيق، وإن لم يكن معه طيب، وتفصيل هذه
الأحكام يذكرها الفقهاء في (الإِحداد)(٣)
(ج ٢ ص / ١٠٧ ف/ ١٤)
(١) حديث: ((من كان له شعر فليكرمه ... )). أخرجه أبو داود من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا. قال عبد القادر
الارناؤوط محقق جامع الأصول. ((هو حديث حسن، وله شواهد
بمعناه (عون المعبود ١٢٥/٤ ط الهند، وجامع الأصول في
أحاديث الرسول ٤/ ٧٥١)
(٢) القليوبي ١٣٤/٢، وجواهر الإكليل ١٨٩/١، وكشاف القناع
٤٢٣/٢، ٤٢٤ نشر مكتبة النصر الحديثة.
(٣) ابن عابدين ٦١٧/٢، ٦٨٦، والدسوقي ٤٧٩/٢، ونهاية
المحتاج ٧/ ١٤٣، والمغني ١٦٩/٩ ط المنار الأولى.
امتناع
التعريف :
١ - الامتناع لغة: مصدر امتنع. يقال: امتنع من
الأمر: إذا كف عنه. ويقال: امتنع بقومه أي :
تقوی بهم وعزّ، فلم يُقْدر علیه .(١)
والامتناع في الاصطلاح لا يخرج عن هذين
المعنيين.
الحكم الإجمالي :
٢ - إن الامتناع عن الفعل المحرم واجب،
كالامتناع عن الزنى وشرب الخمر، وامتناع
الحائض عن الصلاة، وعن مس المصحف،
والجلوس في المسجد.
والامتناع عن الواجب حرام، كامتناع المكلف
غير المعذور عن الصلاة والصوم والحج، ومثل
امتناع المحتكر عن بيع الأقوات، والامتناع عن
إنقاذ المشرف على الهلاك ممن هو قادر على إنقاذه.
والامتناع عن المندوب یکون مكروها، کامتناع
المريض عن التداوي مع قدرته عليه.
والامتناع عن المكروه یکون مندوبا إليه،
کالامتناع عن التدخين عند من يقول بكراهته،
والامتناع عن تولي القضاء لمن يخاف على نفسه
الزلل.
(١) ابن عابدين ١٩٥/١، ٧٩/٢، ٣٥٨ ط بولاق، والشرح
الصغير ٦٩٨/١، ٧٢٣ ط المعرفة، والقليوبي ٤٨/٢، ٤٩،
٧٤، ٧٩/٤، ٩١، ٢٩٦، والمغني ١٤٤/١، ٣٠٦، ٣٠٨،
٥٧٣/٢، ٥٧٥، ٧٣٨/٦
- ٢٤٠ -