النص المفهرس

صفحات 201-220

إمارة ٢١، إمامة الصلاة ١ - ٤
يتعلق بما هم فيه، ويحرم عليهم مخالفته، (١) لقول
النبي وَّة: ((إذا خرج ثلاثة في السفر فليؤمروا
أحدهم)). (٢) وللتفصيل ينظر مصطلح (سفر).
إمام
أنظر : إمامة .
إمامة الصلاة
(الإِمامة الصغرى)
التعريف :
١ - الإِمامة في اللغة: مصدر أمّ يؤمّ، وأصل
معناها القصد، ويأتي بمعنى التقدم، يقال: أمّهم
وأمّ بهم: إذا تقدمهم. (٣)
وفي اصطلاح الفقهاء تطلق الإِمامة على
معنيين: الإمامة الصغرى، والإمامة الكبرى.
ويعرفون الإِمامة الكبرى بأنها: استحقاق
تصرف عام علی الأنام (أي الناس)، وهي رئاسة
(١) نهاية المحتاج ٦٢/٨، وقليوبي ٢١٧/٤، وأسنى المطالب
١٨٨/٤
(٢) حديث: ((إذا خرج ثلاثة في السفر فليؤمروا أحدهم)) أخرجه
أبوداود (٨١/٣-ط عزت عبید دعاس) وحسنه النووي کما في
فيض القدير (٣٣٣/١ - ط المكتبة التجارية).
(٣) متن اللغة وتاج العروس مادة: (أمّ).
عامة في الدين والدنيا خلافة عن النبي وَطير. (١)
(ر: إمامة كبرى).
أما الإِمامة الصغرى (وهي إمامة الصلاة) فهي
ارتباط صلاة المصلي بمصل آخر بشروط بيّتها
الشرع. فالإِمام لم يصر إماما إلا إذا ربط المقتدي
صلاته بصلاته، وهذا الارتباط هو حقيقة الإِمامة،
وهو غاية الاقتداء. (٢)
وعرفها بعضهم بأنها : كون الإِمام متّبَعا في
صلاته(٣) كلها أو جزء منها .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - القدوة :
٢ - القدوة اسم للاقتداء أي: الاتباع، ويطلق
على الشخص المتبوع، يقال: فلان قدوة أي
یقتدى به .
ب - الاقتداء والتأسي :
٣ - الاقتداء والتأسي کل منہما بمعنی الاتباع،
سواء كان ذلك في صلاة أو غيرها، فالمأموم يقتدي
بالإِمام ويتأسى به، فيعمل مثل عمله، ويطلق
على المقتدى به أنه قدوة وأسوة. (٤)
مشروعية الإمامة وفضلها :
٤ - إمامة الصلاة تعتبر من خير الأعمال التي يتولاها
خير الناس ذوو الصفات الفاضلة من العلم
والقراءة والعدالة وغيرها كما سيأتي، ولا تتصور
(١) ابن عابدين ٣٦٨/١ - ٣٦٩
(٢) نفس المرجع.
(٣) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٥٦
(٤) المصباح المنير، والقرطبي ٥٦/٨، والآلوسي ٢٧/ ٦٩
- ٢٠١ -

إمامة الصلاة ٤ - ٥
صلاة الجماعة إلا بها. وصلاة الجماعة من شعائر
الإِسلام، ومن السنن المؤكدة التي تشبه الواجب في
القوة عند أكثر الفقهاء، وصرح بعضهم بوجوبها،
وتفصيله في مصطلح: (صلاة الجماعة).
وقد صرح جمهور الفقهاء، ومنهم الحنفية،
وبعض المالكية، وهورواية في مذهب أحمد: بأن
الإمامة أفضل من الأذان والإقامة، المواظبة النبي
وَ * والخلفاء الراشدين عليها، ولهذا أمر النبي ◌َّ
أن يقوم بها أعلم الناس وأقرؤهم، کما روي في
حديث أبي سعيد الخدري قال: قال النبي ◌َلين :
((إذا كانوا ثلاثةً فليؤمهم أحدُهم، وأحقّهم
أقرؤهم».(١)
ولما مرض النبي عليه السلام اختار أفضلٍ
الصحابة للإِمامة حيث قال: ((مُروا أبا بكر فَلَيُصَلِّ
بالناس))، (٢) ففهم الصحابة من تقديمه في الإِمامة
الصغرى استحقاقه الإِمامة الكبرى. (٣)
وفي قول آخر: الأذان أفضل، وهو قول بعض
المالكية، ومذهب الشافعي، ورواية في مذهب
أحمد، لقول النبي رَله: ((الإِمام ضامن والمؤذن
مؤتمن، اللهم ارشد الأئمة واغفر للمؤذنين)) (٤)
(١) حديث أبي سعيد مرفوعا ((إذا كانوا ثلاثة ... )) أخرجه مسلم
(٤٦٤/١ - ط الحلبي).
(٢) حديث: ((مروا أبا بكر فليصلّ بالناس ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٢ / ١٦٤ - ط السلفية).
(٣) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٥٦، والجمل ٣١٧/١،
والمغني ١٧٦/٢، وكشاف القناع ٤٧١/١، والحطاب ١/ ٤٢٢
(٤) حديث: ((الإمام ضامن ... )) أخرجه أبوداود (٣٥٦/١ - ط
عزت عبید دعاس) وابن حبان (موارد الظمآن ص ١١٨ - ط
السلفية). وصححه المناوي في الفيض (١٨٢/٣ - ط المكتبة
التجارية).
والأمانة أعلى من الضمان، والمغفرة أعلى من
الإرشاد. وقال عمر رضي الله عنه: ((لولا الخلافة
لأذنت)). (١)
شروط الإِمامة :
يشترط لصحة الإِمامة الأمور التالية:
أ - الإِسلام :
٥ - اتفق الفقهاء على أنه يشترط في الإِمام أن
يكون مسلما. (٢) وعلى هذا لا تصح الصلاة خلف
من هو كافر يعلن كفره، أما إذا صلى خلف من لا
يعلم كفره، ثم تبين أنه كافر، فإن الحنفية والحنابلة
قالوا: إذا أمهم زمانا على أنه مسلم، ثم ظهر أنه
كان كافرا، فليس عليهم إعادة الصلاة، لأنها
كانت محكوما بصحتها، وخبره غير مقبول في
الدیانات لفسقه باعترافه. (٣)
وقال الشافعية: لوبان إمامه کافرا معلنا،
وقيل: أو مخفيا، وجبت الإِعادة، لأن المأموم مقصر
بترك البحث. وقال الشربيني: إن الأصح عدم
وجوب الإِعادة إذا كان الإِمام مخفيا كفره . (٤)
ومثله مذهب المالكية حيث قالوا: تبطل الصلاة
بالاقتداء بمن بان كافرا، سواء أكانت سرية أم
جهرية، وسواء أطالت مدة صلاته إماما بالناس
أم لا .
وصرح الحنابلة، وهو رواية عند المالكية، بعدم
(١) المغني ٤٠٣/١
(٢) مراقي الفلاح ص ١٥٦، ونهاية المحتاج ٢/ ١٥٧، والقوانين
الفقهية لابن جزي ص ٤٨، وكشاف القناع ١/ ٤٧٥
(٣) الطحطاوي ص ١٥٧، وكشاف القناع ١/ ٤٧٥
(٤) مغني المحتاج ٢٤١/١، وجواهر الإكليل ٧٨/١
- ٢٠٢ -

إمامة الصلاة ٦ - ٧
جواز إمامة الفاسق، وهو الذي أتى بكبيرة كشارب
خمر وزان وآكل الربا، أوداوم على صغيرة.(١)
لكن الحنفية والشافعية ذهبوا إلى جواز إمامة
الفاسق مع الكراهة، وهذا هو المعتمد عند المالكية
إذا لم يتعلق فسقه بالصلاة، وإلا بطلت عندهم
كقصده الكبر بالإِمامة، وإخلاله بركن أوشرط أو
سنة عمدا. (٢)
وفي صلاة الجمعة والعيدين جاز إمامة الفاسق
بغیر کراهة، مع تفصیل ینظر في مواضعه.
ب - العقل :
٦ - يشترط في الإِمام أن يكون عاقلا، وهذا الشرط
أيضا متفق عليه بين الفقهاء، فلا تصح إمامة
السكران، ولا إمامة المجنون المطبق، ولا إمامة
المجنون غير المطبق حال جنونه، وذلك لعدم صحة
صلاتهم لأنفسهم فلا تبنى عليها صلاة غيرهم .
أما الذي يجن ويفيق، فتصح إمامته حال
إفاقته. (٣)
جـ - البلوغ :
٧ - جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والحنابلة) على
أنه يشترط لصحة الإمامة في صلاة الفرض أن
يكون الإِمام بالغا، فلا تصح إمامة مميز لبالغ في
فرض عندهم، لما ورد عن النبي (18 أنه قال:
(١) كشاف القناع ٤٧٥/١، والمغني لابن قدامة ١٨٥/٢، ١٨٩،
وجواهر الإكليل ٧٨/١
(٢) ابن عابدين ٣٧٦/١، وقليوبي ٢٢٧/٣، وجواهر الإكليل
٧٨/١
(٣) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٥٧، وجواهر الإکلیل ص
٧٨، وكشاف القناع ١/ ٤٧٥، ٤٧٦
((لا تقدموا صبيانكم))، (١) ولأنها حال كمال والصي
ليس من أهلها، ولأن الإِمام ضامن وليس هو من
أهل الضمان، ولأنه لا يؤمن معه الإِخلال بالقراءة
حال السر.
واستدلوا كذلك على عدم صحة إمامة الصبي
للبالغ في الفرض أن صلاة الصبي نافلة فلا يجوز
بناء الفرض عليها. (٢)
أما في غير الفرض كصلاة الكسوف أو التراويح
فتصح إمامة المميز للبالغ عند جمهور الفقهاء
(المالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنفية) لأنه لا
يلزم منها بناء القوى على الضعيف.
والمختار عند الحنفية عدم جواز إمامة المميز
للبالغ مطلقا، سواء أكانت في الفرائض أم في
النوافل، لأن نفل الصبي ضعيف لعدم لزومه
بالشروع، ونفل المقتدي البالغ قوي لازم مضمون
عليه بعد الشروع. (٣)
ولم يشترط الشافعية في الإِمام أن یکون بالغا،
فتصح إمامة المميز للبالغ عندهم مطلقا، سواء
أكانت في الفرائض أم النوافل، حديث عمروبن
سلمة أنه ((كان يؤم قومه على عهد رسول الله اصلي
وهو ابن ست أو سبع سنين))(٤) لكنهم قالوا: البالغ
أولى من الصبي، وإن كان الصبي أقرأ أو أفقه،
لصحة الاقتداء بالبالغ بالإجماع، ولهذا نص في
(١) حدیث: «لا تقدموا صبیانكم ... )) أخرجه الديلمي کما في کنز
العمال (٥٨٨/٧ - ط مؤسسة الرسالة) وإسناده ضعيف جدا.
(٢) الزيلعي ١/ ١٤٠، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٥٧،
وجواهر الإكليل ٧٨/١، وكشاف القناع ١/ ٤٨٠
(٣) فتح القدير ١/ ٣١٠، ٣١١، وجواهر الإكليل ٧٨/١، وكشاف
القناع ١/ ٤٨٠، والزيلعي ١/ ١٤٠
(٤) حديث عمروبن سلمة ((أنه كان يؤم قومه ... )). أخرجه
البخاري (الفتح ٢٢/٨ - ط السلفية).
- ٢٠٣ -

إمامة الصلاة ٨ - ٩
البويطي على كراهة الاقتداء بالصبي .
أما إمامة المميز لمثله فجائزة في الصلوات الخمس
وغيرها عند جميع الفقهاء. (١)
د - الذكورة :
٨ - يشترط لإِمامة الرجال أن يكون الإِمام ذكرا،
فلا تصح إمامة المرأة للرجال، وهذا متفق عليه بين
الفقهاء، لما ورد في الحديث أن النبي ولو قال:
((أخروهن من حيث أخرهن الله))(٢) والأمر
بتأخیرهن نهي عن الصلاة خلفهن. ولما روی جابر
مرفوعا: ((لا تؤمَنّ امرأةٌ رجلاً))(٣) ولأن في إمامتها
للرجال افتتانا بها.
أما إمامة المرأة للنساء فجائزة عند جمهور الفقهاء
(وهم الحنفية والشافعية والحنابلة) واستدل الجمهور
لجواز إمامة المرأة للنساء بحديث أم ورقة ((أن النبي
﴿ أَذِنَ لها أن تؤم نساء أهل دارها)). (٤)
لكن كره الحنفية إمامتها لهن، لأنها لا تخلوعن
نقص واجب أو مندوب، فإنه يكره لهن الأذان
والإِقامة، ويكره تقدم المرأة الإِمام عليهن. فإذا
صلت النساء صلاة الجماعة بإمامة امرأة وقفت المرأة
(١) نهاية المحتاج ١٦٨/٢، والمراجع السابقة.
(٢) حديث: ((أخروهن من حيث أخرهن الله)) أخرجه عبدالرزاق
من حديث ابن مسعود موقوفا علیه (مصنف عبدالرزاق ٣/ ١٤٩
- ط المكتب الإسلامي) وصححه ابن حجر في الفتح (١ / ٤٠٠ -
ط السلفية).
(٣) حديث: ((لا تؤمن امرأة رجلا)) أخرجه ابن ماجة (٣٤٣/١ - ط
الحلبي) وقال البوصيري في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف علي
ابن زيد بن جدعان وعبدالله بن محمد العدوي.
(٤) حديث أم ورقة ((أن النبي# أذن لها أن تؤم نساء أهل
دارها ... )) أخرجه أبوداود (٣٩٧/١ - ط عزت عبيد دعاس)
وأحمد (٤٠٥/٦ - ط الميمنية) وهو حديث حسن. (التلخيص
لابن حجر ٢٧/٢ - ط دار المحاسن).
الإِمام وسطهن. (١)
أما المالكية فلا تجوز إمامة المرأة عندهم مطلقا
ولو لمثلها في فرض أو نفل.
ولا تصح إمامة الخنثى للرجال ولا لمثلها بلا
خلاف، لاحتمال أن تكون امرأة والمقتدي رجلا،
وتصح إمامتها للنساء مع الكراهة أو بدونها عند
جمهور الفقهاء، خلافا للمالكية حيث صرحوا بعدم
جوازها مطلقا . (٢)
هـ - القدرة على القراءة :
٩ - يشترط في الإِمام أن يكون قادرا على القراءة
وحافظا مقدار ما يتوقف عليه صحة الصلاة على
تفصيل يذكر في مصطلح. (قراءة). (٣)
وهذا الشرط إنما يعتبر إذا كان بين المقتدين من
يقدر على القراءة، فلا تصح إمامة الأمي
للقارىء، ولا إمامة الأخرس للقارىء أو الأمي،
لأن القراءة ركن مقصود في الصلاة، فلم يصح
اقتداء القادر عليه بالعاجز عنه، ولأن الإِمام ضامن
ويتحمل القراءة عن المأموم، ولا يمكن ذلك في
الأمي، ولتفصيل المسألة (ر: اقتداء).
أما إمامة الأمي للأمي والأخرس فجائزة، وهذا
متفق عليه بين الفقهاء. (٤)
هذا، وتكره إمامة الفأفاء (وهو من يكرر الفاء)
والتمتام (وهو من يكرر التاء) واللاحن لحنا غير
(١) جواهر الإكليل ٧٨/١، والاختيار ٥٩/١، ومراقي الفلاح ص
١٥٧، والدسوقي ٣٢٦/١، وابن عابدين ٣٨٨/١، والخرشي
٢٢/٢، ونهاية المحتاج ١٦٧/٢، ١٨٧، وكشاف القناع
٤٧٩/١، ٤٨٠
(٢) الدسوقي ٣٢٦/١، وجواهر الإكليل ١/ ٧٨
(٣) المراجع السابقة .
(٤) الدسوقي ٣٢٨/١، ومراقي الفلاح ص ١٥٧، وكشاف القناع
١/ ٤٨٠، ٤٨١، ونهاية المحتاج ٢/ ١٦٣، ١٦٤
- ٢٠٤ -

إمامة الصلاة ١٠ - ١١
مغير للمعنى عند الشافعية والحنابلة. (١) وقال
الحنفية: الفأفأة، والتمتمة، واللثغة (وهي تحرك
اللسان من السين إلى الثاء، أو من الراء إلى الغين
ونحوه) تمنع من الإِمامة. (٢)
وعند المالكية في جواز إمامة هؤلاء وأمثالهم
خلاف. (٣)
و - السلامة من الأعذار :
١٠ - يشترط في الإِمام إذا كان يؤم الأصحاء أن
يكون سالما من الأعذار، کسلس البول وانفلات
الريح والجرح السائل والرعاف، وهذا عند الحنفية
والحنابلة، وهو رواية عند الشافعية، لأن أصحاب
الأعذار يصلون مع الحدث حقيقة، وإنما تجوز
صلاتهم لعذر، ولا يتعدى العذر لغيرهم لعدم
الضرورة، ولأن الإِمام ضامن، بمعنى أن صلاته
تضمن صلاة المقتدي، والشيء لا يضمن ماهو
فوقه . (٤)
ولا يشترط في المشهور عند المالكية- وهو الأصح
عند الشافعية - السلامة من العذر لصحة الإمامة،
لأن الأحداث إذا عفي عنها في حق صاحبها عفي
عنها في حق غيره. (٥)
وأما إمامة صاحب العذر لمثله فجائزة باتفاق
الفقهاء مطلقا، أو إن اتحد عذرهما (٦) (ر: اقتداء).
(١) نهاية المحتاج ١٦٦/٢، وكشاف القناع ٤٨٣/١
(٢) مراقي الفلاح ص ١٥٧
(٣) الدسوقي ٣٢٩/١
(٤) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٥٧، وفتح القدير
٣١٨/١، والهندية ٨٤/١، ومغني المحتاج ٢٤١/١، وكشاف
القناع ٤٧٦/١
(٥) الدسوقي ٣٣٠/١، ومغني المحتاج ٢٤١/١
(٦) المراجع السابقة .
ز - القدرة على توفية أركان الصلاة :
١١ - يشترط في الإِمام أن يكون قادرا على توفية
الأركان، وهذا إذا كان يصلي بالأصحاء، فمن
يصلي بالإِيماء ركوعا أو سجودا لا يصح أن يصلي
بمن يقدر عليهما عند جمهور الفقهاء (الحنفية
والمالكية والحنابلة) خلافا للشافعية فإِنهم أجازوا
ذلك قياسا على صحة إمامة المستلقي أو المضطجع
للقاعد. (١)
واختلفوا في صحة إمامة القاعد للقائم،
فالمالكية والحنابلة لا يجوزونها، لأن فيه بناء القوى
على الضعيف، واستثنى الحنابلة إمام الحي إذا
كان مرضه مما يرجى زواله، فأجازوا إمامته،
واستحبوا له إذا عجز عن القيام أن يستخلف، فإن
صلى بهم قاعدا صح. والشافعية يقولون بالجواز،
وهو قول أكثر الحنفية، لحديث عائشة أن النبي ق #
((صلى آخرَ صلاةٍ صلاها بالناس قاعدا، والقوم
خلفه قيام)). (٢)
أما إمامة العاجز عن توفية الأركان لمثله فجائزة
باتفاق الفقهاء، وللتفصيل (ر: اقتداء).
(١) فتح القدير ١/ ٢٢٠ -٢٢٤، وابن عابدين ٣٩٦/١، والدسوقي
٣٢٨/١، ومغني المحتاج ١/ ٢٤٠، والمغني لابن قدامة
٢٢٣/٢، ٢٢٤، وكشاف القناع ١/ ٤٧٦، وتحفة المحتاج
٢٨٨/٢، وقليوبي ٢٣١/١
(٢) الدسوقي ٣٢٨/١، والحطاب ١٩٧/٢، وابن عابدين
٣٩٦/١، وفتح القدير ٣٢١/١، ومغني المحتاج ١/ ٢٤٠،
وكشاف القناع ٤٧٧/١، والمغني ٢٢٣/٢،
وحديث: ((إن النبي صلى آخر صلاة ... )) أخرجه مسلم
(٣١٢/١ - ط الحلبي).
- ٢٠٥ -

إمامة الصلاة ١٢ - ١٣
ح - السلامة من فقد شرط من شروط الصلاة :
١٢ - يشترط في الإِمام السلامة من فقد شرط من
شروط صحة الصلاة كالطهارة من حدث أو
خبث، فلا تصح إمامة محدث ولا متنجس إذا كان
يعلم ذلك، لأنه أخل بشرط من شروط الصلاة مع
القدرة على الإِتيان به، ولا فرق بين الحدث الأکبر
رالأصغر، ولا بين نجاسة الثوب والبدن والمكان.
وصرح المالكية والشافعية أن علم المقتدي
بحدث الإِمام بعد الصلاة مغتفر، وقال الحنفية:
من اقتدی بإمام ثم علم أن إمامه محدث أعاد لقول
النبي ﴾: ((من أمُّ قوما ثم ظهر أنه کان محدثا أو
جنبا أعاد صلاتَه)).(١)
وفصل الحنابلة فقالوا: لوجهله المأموم وحده
وعلمه الإِمام يعيدون كلهم، أما إذا جهله الإِمام
والمأمومون كلهم حتى قضوا الصلاة صحت صلاة
المأموم وحده، (٢) لقوله : ((إذا صلى الجنب
(١) البناية على الهداية ٢/ ٣٦٠،
وحديث: (من أم قوماثم ظهر أنه ... )) أورده الزيلعي في نصب
الراية (٥٨١٢) واستغربه، وذكره العيني في البناية شرح الهداية
(٢/ ٣٦٠ ط دار الفكر) وقال: لا یعرف، وجاءت فيه الآثار،
منها: ماروى محمد بن الحسن في كتاب الآثار (٣٥٩/١ ط
المجلس العلمي بالهند) عن إبراهيم بن يزيد المكي عن عمرو بن
دينار أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال في الرجل يصلي
بالقوم جنبا: يعيد ويعيدون، وروى عبدالرزاق في مصنفه
(٣٥١/٢ ط المجلس العلمي) عن إبراهيم بن يزيد المكي عن
عمرو بن دينار عن أبي جعفر أن عليا صلى بالناس وهو جنب أو
على غير وضوء فأعاد وأمرهم أن يعيدوا خلفه.
(٢) البناية على الهداية ٢/ ٣٦٠، ومراقي الفلاح هي ١٥٧، ١٥٨،
وجواهر الإكليل ٧٨/١، ونهاية المحتاج ١٧١/٢، ١٧٢،
وكشاف القناع ١/ ٤٨٠
بالقومِ أعادَ صلاته وتمت للقوم صلاتهم)). (١)
وتفصيله في مصطلح : (طهارة).
ط - النية :
١٣ - يشترط في الإِمام عند الحنابلة نية الإمامة،
فإنهم قالوا: من شرط صحة الجماعة: أن ينوي
الإِمام أنه إمام وينوي المأموم أنه مأموم. ولو أحرم
منفردا ثم جاء آخر فصلی معه، فنوی إمامته صح
في النفل، لحديث ابن عباس أنه قال: ((بِتّ عند
خالتي ميمونة، فقامَ النبي ◌َ ﴿ متطوعا من إلليل،
فقام إلى القربة فتوضأ، فقام فصلى، فقمت لما
رأيته صنع ذلك، فتوضأت من القربة، ثم قمت
إلى شقه الأيسر، فأخذ بيدي من وراء ظهره
يعدلني كذلك إلى الشق الأيمن)). (٢)
أما في الفرض فإن كان ينتظر أحدا، كإمام
المسجد محرم وحده، وينتظر من يأتي فيصلي معه،
فيجوز ذلك أيضا. (٣)
واختار ابن قدامة أن الفرض كالنفل في صحة
صلاة من أحرم منفردا ثم نوی أن یکون إماما.
وقال الحنفية: نية الرجل الإمامة شرط لصحة
اقتداء النساء إن كن وحدهن، وهذا في صلاة ذات
ركوع وسجود، لا في صلاة الجنازة، لما يلزم من
الفساد بمحاذاة المرأة له لو حاذته، وإن لم ينو إمامة
(١) حديث: (إذا صلى الجنب بالقوم أعاد صلاته وتمت للقوم
صلاتهم)» أورده ابن قدامة في المغني (٢/ ٧٤) وقال: أخرجه
أبوسليمان محمد بن الحسن الحراني في جزء.
(٢) حديث ابن عباس: ((بت عند خالتي ميمونة .... )) أخرجه
البخاري (فتح الباري ٢/ ١٩٠ - ط السلفية).
(٣) المغني ٢/ ٢٣١ - ٢٣٢
- ٢٠٦ -

إمامة الصلاة ١٤ - ١٥
المرأة ونوت هي الاقتداء به لم تضره، فتصح صلاته
ولا تصح صلاتها، لأن الاشتراك لا یثبت دون
النية. (١)
ولا يشترط نية الإِمام الإمامة عند المالكية
والشافعية، إلا في الجمعة والصلاة المعادة والمنذورة
عند الشافعية، لكنه يستحب عندهم للإِمام أن
ينوي الإمامة في سائر الصلوات للخروج من
خلاف الموجب لها، وليحوز فضيلة الإِمامة وصلاة
الجماعة. (٢)
الأحق بالإمامة :
١٤ - وردت في ذلك الأحاديث التالية: عن أبي
سعيد قال: قال رسول الله يقول: ((إذا كانوا ثلاثة
فَلْيَؤُمُّهم أحدُهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم» رواه
أحمد ومسلم والنسائي. وعن أبي مسعود عقبة بن
عمروقال: قال رسول الله ◌ُ له: ((يَؤُمُّ القوم
أقرؤهم لكتاب الله، فإِن كانوا في القراءة سواء
فأعلمهم بالسنة، فإِن كانوا في السنة سواء فأقدمهم
هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا، ولا
يُؤْمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته
على تكرمته إلا بإذنه)). (٣)
١٥ - اتفق الفقهاء على أنه إذا اجتمع قوم وكان
فیهم ذو سلطان، کأمیر ووال وقاض فهو أولى
بالإِمامة من الجميع حتى من صاحب المنزل وإمام
الحي، وهذا إذا كان مستجمعا لشروط صحة
(١) مراقي الفلاح ص ١٥٨، وفتح القدير ٣١٤/١
(٢) بلغة السالك ٤٥١/١، ونهاية المحتاج ٢٠٤/٢، ٢٠٥
(٣) حديث: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)) أخرجه مسلم (٤٦٥/١
- ط الحليي).
الصلاة كحفظ مقدار الفرض من القراءة والعلم
بأركان الصلاة، حتى ولو كان بين القوم من هو أفقه
أو أقرأ منه، لأن ولا یته عامة، ولأن ابن عمر كان
يصلي خلف الحجاج.
وإن لم یکن بينهم ذوسلطان یقدم صاحب
المنزل، ويقدم إمام الحي وإن كان غيره أفقه أو أقرأ
أو أورع منه، إن شاء تقدم وإن شاء قدم من
یریده. لكنه يستحب لصاحب المنزل أن يأذن لمن
هو أفضل منه.
واتفقوا كذلك على أن بناء أمر الإمامة على
الفضيلة والكمال، ومن استجمع خصال العلم
وقراءة القرآن والورع وكبر السن وغيرها من
الفضائل كان أولى بالإمامة.
ولا خلاف في تقديم الأعلم والأقرأ على سائر
الناس، ولو كان في القوم من هو أفضل منه في
الورع والسن وسائر الأوصاف. (١)
وجمهور الفقهاء: (الحنفية والمالكية
والشافعية)(٢) على أن الأعلم بأحكام الفقه أولي
بالإِمامة من الأقرأ، لحديث: ((مروا أبابكر فليُصَلّ
بالناس» وکان ثمة من هو أقرأ منه، لا أعلم منه،
لقوله ﴿: ((أقرؤكم أبيّ))، (٣) ولقول أبي سعيد:
(١) مراقي الفلاح ص ١٦٣، وفتح القدير ٣٠١/١ - ٣٠٤، ونهاية
المحتاج ١٧٥/٢ - ١٧٩، وجواهر الإكليل ٨٣/١، وكشاف
القناع ٤٧٣/١، وبدائع الصنائع ١٥٧/١، والمغني لابن قدامة
٢٠٦/٢
(٢) فتح القدير ٣٠٣/١، ونهاية المحتاج ٢/ ١٧٥، وجواهر الإكليل
٨٣/١
(٣) حديث: ((أقرؤكم أُبيّ) أخرجه الترمذي (٦٦٤/٥ - ط الحلبي)
وهو حديث صحيح. الإصابة لابن حجر (٤٢٧/٣ - ط مطبعة
السعادة).
- ٢٠٧ -

إمامة الصلاة ١٦ - ١٧
((كان أبوبكر أعلمنا)»، وهذا آخر الأمرين من
رسول الله ﴿، فيكون المعول عليه. (١) ولأن
الحاجة إلى الفقه أهم منها إلى القراءة، لأن القراءة
إنما يحتاج إليها لإِقامة ركن واحد، والفقه يحتاج إليه
لجميع الأركان والواجبات والسنن.(٢)
وقال الحنابلة، وهو قول أبي يوسف من
الحنفية: إن أقرأ الناس أولى بالإِمامة ممن هو
أعلمهم، لحديث أبي سعيد قال: قال النبي ﴾:
((إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدُهم، وأحقّهم
بالإِمامة أقرؤهم))(٣) ولأن القراءة ركن لابد منه،
والحاجة إلى العلم إذا عرض عارض مفسد ليمكنه
إصلاح صلاته، وقد يعرض وقد لا يعرض . (٤)
١٦ - أما إذا تفرقت خصال الفضيلة من العلم
والقراءة والورع وکبر السن وغيرها في أشخاص
فقد اختلفت أقوال الفقهاء. فمنهم من قدم الأعلم
على الأقرأ، وقالوا: إنما أمر النبي {18 بتقديم
القارىء، لأن أصحابه كان أقرؤهم أعلمهم،
فإنهم كانوا إذا تعلموا القرآن تعلموا معه أحكامه،
وهذا قول جمهور الفقهاء. والأصل في أولوية
الإِمامة حديث أبي مسعود الأنصاري أن النبي
عليه السلام قال: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله،
فإِن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإِن
(١) فتح القدير ٣٠٣/١
(٢) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٦٣، والبدائع ١/ ١٥٧،
ونهاية المحتاج ١٧٥/٢
(٣) الحديث: «إذا كانوا ثلاثة ... )) أخرجه مسلم من حديث أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعا (صحيح مسلم ١/ ٤٦٤ - ط
عيسى الحلبي).
(٤) كشاف القناع ١/ ٤٧١، وفتح القدير ٣٠١/١.
والحديث رواه أحمد ومسلم والنسائي.
کانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإِن کانوا في
الهجرة سواء فأقدمهم سنا)). (١)
١٧ - وفي ترتيب الأولوية في الإمامة بعد الاستواء في
العلم والقراءة، قال الحنفية والشافعية: يقدم
أورعهم أي الأكثر اتقاء للشبهات، لقوله عليه
السلام: ((من صلى خلف عالم تقي فكأنما صلى
خلف نبي))(٢) ولأن الهجرة المذكورة بعد القراءة
والعلم بالسنة نسخ وجوبها بحديث: ((لا هجرة بعد
الفتح))(٣) فجعلوا الورع - وهو هجر المعاصي -
مكان تلك الهجرة. (٤)
ومثله ما صرح به المالكية حيث قالوا: الأولوية
بعد الأعلم والأقرأ للأكثر عبادة. (٥) ثم إن استووا
في الورع يقدم عند الجمهور الأقدم إسلاما، فيقدم
شاب نشأ في الإِسلام على شيخ أسلم حديثا. أما
لوكانوا مسلمين من الأصل، أو أسلموا معا فإِنه
يقدم الأكبر سنا، لقوله عليه السلام: ((وليؤمكما
أكبرُ كما سنا)). (٦) ولأن الأكبر في السن يكون أخشع
قلبا عادة، وفي تقديمه كثرة الجماعة . (٧)
(١) حديث أبي مسعود تقدم ف / ١٤
(٢) حديث: ((من صلى خلف عالم .... )) أورده الزيلعي في نصب
الراية (٢٦/٢ - ط المجلس العلمي - الهند) وقال: غريب.
(٣) حديث: ((لا هجرة بعد الفتح ... )) أخرجه البخاري (الفتح
٣/٦ - ط السلفية)، ومسلم (١٤٨٨/٣ - ط الحلي).
(٤) فتح القدير ٣٠٣/١، وابن عابدين ٣٧٤/١، ونهاية المحتاج
١٧٦/٢
(٥) جواهر الإكليل ١/ ٨٣
(٦) حديث: ((وليؤمكما أكبر كما سنا)) أخرجه البخاري (الفتح
١١١/٢ - ط السلفية).
(٧) ابن عابدين ٣٧٤/١، ونهاية المحتاج ١٧٨/١، وجواهر
الإكليل ٨٣/١
- ٢٠٨ -

إمامة الصلاة ١٨ - ١٩
١٨ - فإن استووا في الصفات والخصال المتقدمة من
العلم والقراءة والورع والسن، قال الحنفية يقدم
الأحسن خلقا، لأن حسن الخلق من باب
الفضيلة، ومبنى الإِمامة على الفضيلة، فإن كانوا
فيه سواء فأحسنهم وجها، لأن رغبة الناس في
الصلاة خلفه أكثر، ثم الأشرف نسبا، ثم الأنظف
ثوبا. فإن استووا يقرع بينهم. (١)
وقال المالكية : يقدم بعد الأسن الأشرفُ نسبا،
ثم الأحسن صورة، ثم الأحسن أخلاقا، ثم
الأحسن ثوبا . (٢)
والشافعية کالمالكية في تقدیم الأشرف نسبا، ثم
الأنظف ثوبا وبدنا، وحسن صوت)، وطيب صفة
وغيرها،ثم يقرع بينهم. (٣)
أما الحنابلة فقد صرحوا بأنه إن استووا في
القراءة والفقه فأقدمهم هجرة، ثم أُسنهم، ثم
أشرفهم نسبا، ثم أتقاهم وأورعهم، فإن استووا في
هذا كله أقرع بينهم. ولا يقدم بحسن الوجه
عندهم، لأنه لا مدخل له في الإِمامة، ولا أثر له
فيها . (٤)
وهذا التقديم إنما هو على سبيل الاستحباب
وليس على سبيل الاشتراط ولا الإيجاب، فلو قدم
المفضول كان جائزا اتفاقا مادام مستجمعا شرائط
الصحة، لكن مع الكراهة عند الحنابلة. والمقصود
بذكر هذه الأوصاف وربط الأولوية بها هو كثرة
(١) البدائع ١٥٨/١، وابن عابدين ٣٧٥/١
(٢) جواهر الإكليل ٨٣/١
(٣) نهاية المحتاج ١٧٦/٢ - ١٧٨، والمهذب ١٠٢/١، ١٠٣
(٤) المغني ٢/ ١٨٢ - ١٨٥، وكشاف القناع ١/ ٤٧١، ٤٧٢
الجماعة، فكل من كان أكمل فهو أفضل، لأن رغبة
الناس فیه أکثر.(١)
اختلاف صفة الإِمام والمقتدي:
١٩ - الأصل أن الإِمام إذا كان أقوى حالا من
المقتدي أو مساويا له صحت إمامته اتفاقا، أما إذا
كان أضعف حالا، كأن كان يصلي نافلة والمقتدي
يصلي فريضة، أو كان الإِمام معذورا والمقتدي
سليما، أو كان الإِمام غير قادر على القيام مثلا
والمقتدي قادرا، فقد اختلفت آراء الفقهاء،
وإجمالها فيما يأتي :
أولا : تجوز إمامة الماسح للغاسل وإمامة المسافر
للمقيم اتفاقا، وتجوز إمامة المتيمم للمتوضیء عند
جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والحنابلة)، وقید
الشافعية هذا الجواز بها إذا لم تجب على الإِمام
الإعادة. (٢)
ثانيا : جمهور الفقهاء على عدم جواز إمامة
المتنفل للمفترض، والمفترض للذي يؤدي فرضا
آخر، وعدم إمامة الصبي للبالغ في فرض، وإمامة
المعذور للسليم، وإمامة العاري للمكتسي،
وإمامة العاجز عن توفية ركن للقادر عليه، مع
خلاف وتفصيل في بعض الفروع، أما إمامة هؤلاء
(١) المراجع السابقة. والفتاوى الهندية ٨٣/١، والمغني ٢/ ١٨٥
(٢) فتح القدير ١/ ٣٢٠ - ٣٢٤، وابن عابدين ٣٩٦/١، والهندية
٨٥/١ والدسوقي ٣٢٩/١، والخطاب ٣٤٨/١، وجواهر
الإكليل ٢٤/١، ٢٦، ٨٧، ومغني المحتاج ٢٣٨/١، ٢٤٠،
٢٦٩، وكشاف القناع ٤٧٤/١ - ٤٨٤
- ٢٠٩ -

إمامة الصلاة ٢٠ - ٢١
لأمثالهم فجائزة باتفاق الفقهاء. (١)
وللتفصيل يرجع إلى بحث: (اقتداء).
موقف الإِمام :
٢٠ - إذا كان يصلي مع الإِمام اثنان أو أكثر فإِن
الإِمام يتقدمهم في الموقف، لفعل رسول الله والت
وعمل الأمة بذلك. وقد روي أن جابرا وجبارا
((وقف أحدهما عن يمين النبي رير والآخر عن
يساره، فأخذ بأيديهما حتى أقامهما خلفه)). (٢) ولأن
الإِمام ينبغي أن یکون بحال يمتاز بها عن غيره،
ولا يشتبه على الداخل ليمكنه الاقتداء به.
ولو قام في وسط الصف أو في ميسرته جاز مع
الكراهة لتركه السنة. ویری الحنابلة بطلان صلاة
من يقف على يسار الإِمام، إذا لم يكن أحد عن
یمینه . (٣)
ولو كان مع الإِمام رجل واحد أو صبي يعقل
الصلاة وقف الإِمام عن يساره والمأموم عن يمينه،
لما روي عن ابن عباس أنه «وقف عن يسار النبي
* فأداره إلى يمينه)). (٤) ويندب في هذه الحالة
(١) فتح القدير ٣١٠/١، ٣١٨، ٣٢٤، والزيلعي ١/ ١٤٠، وابن
عابدين ٣٧٠/١، والدسوقي ٣٢٨/١، ٣٣٣، والمواق
٥٠٧/١، وجواهر الإكليل ٧٨/١، ٨٠، ومغني المحتاج
٢٤١/١، ٢٥٣، وكشاف القناع ٤٧٦/١، ٤٨٤، والمغني لابن
قدامة ٢/ ٢٢٥، ٢٢٩
(٢) حديث جابر وجبار .... أخرجه مسلم (٢٣٠٥/٤ - ٢٣٠٦ -
ط الحلبي).
(٣) البدائع ١٥٨/١، وكشاف القناع ٤٨٥/١، والمهذب ٧٨/١،
وجواهر الإكليل ٨٣/١
(٤) حديث ابن عباس ((أنه وقف عن يسار النبي 8# .... )) أخرجه
البخاري ومسلم، ولفظ البخاري، ((بت في=
تأخر المأموم قليلا خوفا من التقدم. ولو وقف المأموم
عن يساره أو خلفه جاز مع الكراهة(١) إلا عند
الحنابلة فتبطل على ماسبق.
ولو كان معه امرأة أقامها خلفه، لقوله عليه
السلام: ((أخِّروهنّ من حيثُ أَخَّرهن اللّه). (٢)
ولو كان معه رجل وامرأة أقام الرجل عن يمينه
والمرأة خلفه، وإن كان رجلان وامرأة أقام الرجلين
خلفه والمرأة وراءهما. (٣)
٢١ - والسنة أن تقف المرأة التى تؤم النساء
وسطهن، لما روي أن عائشة وأم سلمة أمتا نساء
فقامتا وسطهن، (٤) وهذا عند الحنفية والشافعية
والحنابلة . (٥)
أما المالكية فقد صرحوا بعدم جواز إمامتها ولو
لمثلها، في فريضة كانت أو في نافلة كما تقدم في
شروط الإِمامة . (٦)
بيت خالتي ميمونة، فصلى رسول الله بحثية العشاء، ثم جاء
=
فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم قام، فجئت فقمت عن يساره
فجعلني عن يمينه ... )) (فتح الباري ٢ / ١٩٠ ط السلفية،
وصحيح مسلم ٥٢٦،٥٢٥/١ - ط عيسى الحلبي).
(١) كشاف القناع ٤٨٦/١، والبدائع ١٥٩/١
(٢) حديث: ((أخروهن من حيث .... ) سبق تخريجه (ف/ ٨).
(٣) الفتاوى الهندية ٨٨/١، والقوانین لابن جزي ص ٤٩،
وقليوبي ٢٩٦/١، والمهذب ١/ ١٠٦، ١٠٧، وكشاف القناع
٤٨٨/١، والمغني ٢٠٣/٢
(٤) حديث عائشة أخرجه عبدالر زاق (١٤١/٣ - ط المجلس
العلمي) وصححه النووي، وحديث أم سلمة أخرجه عبدالرزاق
(٣/ ١٤٠) وصححه النووي كذلك كما في نصب الراية (٣١/٢
- ط المجلس العلمي).
(٥) الاختيار ٥٩/١، والمهذب ١٠٧/١، وكشاف القناع ٤٧٩/١،
والمغني ٢/ ٢٠٢،١٩٩
(٦) جواهر الإكليل ٧٨/١، والدسوقي ٣٢٦/١
- ٢١٠ -

إمامة الصلاة ٢٢ - ٢٤
٢٢ - ولا يجوز تأخر الإِمام عن المأموم في الموقف عند
جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية والحنابلة)
الحديث: ((إنما جعل الإِمام لِيُؤْتَمّ به))(١) ومعنى
الائتمام الاتباع، والمتقدم غير تابع.(٢)
وأجاز المالكية تأخره في الموقف إذا أمكن
للمأمومین متابعته في الأرکان، لکنہم صرحوا
بكراهة تقدم المقتدي على الإِمام أو محاذاته له إلا
لضرورة. (٣)
والاختيار في التقدم والتأخر للقائم بالعقب،
وللقاعد بالآلية، وللمضطجع بالجنب. (٤)
٢٣ - هذا، ويكره أن يكون موقف الإِمام عاليا عن
موقف المقتدين اتفاقا، إلا إذا أراد الإِمام تعليم
المأمومين، فالسنة أن يقف الإِمام في موضع عال
عند الشافعية، لما روي أن النبي # فعل ذلك ثم
قال: ((أيها الناس: إنما فعلت هذا لتأتموا بي،
ولتعلموا صلاتي)). (٥) أما إذا أراد الإِمام بذلك
الكبر فممنوع. ولا بأس عند الحنابلة بالعلو
اليسير، وقدروه بمثل درجة المنبر. وقدر الحنفية
العلو المكروه بما كان قدر ذراع على المعتمد.(٦)
(١) حديث: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به ... )) أخرجه البخاري (فتح
الباري ٢/ ١٧٣ - ط السلفية).
(٢) ابن عابدين ١/ ٣٧٠، والبدائع ١٥٨/١، ١٥٩، والمهذب
١٠٧/١، ومغني المحتاج ٢٤٥/١، والمغني ٢١٤/٢، وكشاف
القناع ٤٨٦/١
(٣) بلغة السالك ٤٥٧/١، والفواكه الدواني ٢٤٦/١
(٤) المراجع السابقة .
(٥) حديث: ((أيها الناس إني صنعت هذا لتأتموا بي ... )) أخرجه
مسلم (٣٨٧/١ - ط الحلبي).
(٦) ابن عابدين ٣٩٤/١، والمهذب ١٠٧/١، والدسوقي
٣٣٦/١، والمغني لابن قدامة ٢٠٩/٢، ٢١٠، والطحطاوي
على مراقي الفلاح ص ١٩٨
ولتفصيل هذه المسائل يراجع مصطلح : (صلاة
الجماعة) و(اقتداء).
من تکره إمامتهم :
٢٤ - إن بناء أمر الإمامة على الفضيلة والكمال،
فكل من كان أكمل فهو أفضل، وإن تقدم
المفضول على الفاضل جاز وكره، وإذا أذن
الفاضل للمفضول لم يكره، وهذا القدر متفق عليه
بين الفقهاء. (١) وقد سبق بيانه في بحث الأولوية.
ثم قال الحنفية : يكره تقديم العبد لأنه لا يتفرغ
للتعلم، والأعرابي وهو من يسكن البادية لغلبة
الجهل عليه، ويكره تقديم الفاسق لأنه لا يهتم بأمر
دینه، والأعمى لأنه لا يتوقى النجاسة، كما يكره
إمامة ولد الزنى، والمبتدع بدعة غير مكفرة، كذلك
يكره إمامة أمرد وسفيه ومفلوج وأبرص شاع
برصه. (٢) ولأن في تقديم هؤلاء تنفير الجماعة،
لكنه إن تقدموا جاز، لقوله عليه السلام: ((صلوا
خلف كلِّ بَرّو فاج)).(٢)
والكراهة في حقهم لما ذكر من النقائص، فلو
عدمت بأن كان الأعرابي أفضل من الحضري،
والعبد من الحر، وولد الزنى من ولد الرشدة
والأعمى من البصير زالت الكراهة. أما الفاسق
(١) كشاف القناع ١/ ٤٧٣، والبدائع ١٥٧/١، ١٥٨، والفتاوى
الهندية ١٨٣/١، والمغني لابن قدامة ١٨٥/٢، ونهاية المحتاج
١٧٤/٢، وجواهر الإكليل ١/ ٨٣
(٢) ابن عابدين ٣٧٦/١، ٣٧٨، والاختيار ٥٨/١
(٣) حديث: ((صلوا خلف كل بر وفاجر ... )) أخرجه أبوداود
(٣٩٨/١ - ط عزت عبيد دعاس) والدارقطني (٢ / ٥٦ - ط دار
المحاسن) واللفظ له، وقال ابن حجر: منقطع (التلخيص ٣٥/٢
- ط دار المحاسن).
- ٢١١ -

إمامة الصلاة ٢٤ - ٢٥
والمبتدع فلا تخلو إمامتهما عن الكراهة بحال، حتى
صرح بعضهم بأن كراهة تقديمهما كراهة
تحریم.(١)
وقال المالكية: كره إمامة مقطوع اليد أو الرجل
والأشل والأعرابي لغيره وإن كان أقرأ، وكره
إمامة ذي السلس والقروح للصحيح، وإمامة من
یکرهه بعض الجماعة، فإن کرهه الکل أو الاکثر، أو
ذو الفضل منهم - وإن قلوا - فإمامته حرام، لقوله
عليه السلام: ((لعن رسول الله ثلاثة: رجل أم قوما
وهم له كارهون ... ))(٢) كما كره أن يجعل إماما راتبا
كل من الخصي أو المأبون أو الأقلف (غير المختون)
أو ولد الزنى أو مجهول الحال. (٣)
وقال الشافعية: يكره إمامة الفاسق والأقلف
وإن كان بالغا، كما يكره إمامة المبتدع، ومن يكرهه
أكثر القوم لأمر مذموم فيه شرعا، والتمتام والفأفاء،
واللاحن لحنا غير مغير للمعنى، لكن الأعمى
والبصير سیان في الإِمامة، لتعارض فضیلتهما، لأن
الأعمى لا ينظر مايشغله فهو أخشع، والبصير ينظر
الخبث فهو أحفظ لتجنبه. وإمامة الحر أولى من
العبد، والسميع أولى من الأصم، والفحل أولى
من الخصي والمجبوب، والقروي أولى من
البدوي . (٤)
(١) الاختیار ٨٥/١، وابن عابدين ٣٧٦/١
(٢) حديث: ((لعن رسول الله ثلاثة ... )) أخرجه الترمذي (١٩١/٢
- ط الحلبي) وقال الترمذي: محمد بن القاسم - الذي في إسناده -
تكلم فيه أحمد بن حنبل وضعفه وليس بالحافظ، وضعفه
العراقي.
(٣) جواهر الإكليل ٧٨/١، ٧٩
(٤) نهاية المحتاج ١٦٨/٢ - ١٧٤
وقال الحنابلة: تكره إمامة الأعمى والأصم
واللحان الذي لا يحيل المعنى، ومن يصرع، ومن
اختلف في صحة إمامته، وكذا إمامة الأقلف وأقطع
اليدين أو إحداهما، أو الرجلين أو إحداهما،
والفأفاء والتمتام، وأن يؤم قوما أكثرهم يكرهه
لخلل في دينه أو فضله. ولا بأس بإمامة ولد الزنى
واللقيط والمنفي باللعان والخصي والأعرابي إذا
سلم دینهم وصلحوا لها. (١)
هذا، والكراهة إنما تكون فيما إذا وجد في القوم
غير هؤلاء، وإلا فلا كراهة اتفاقا. (٢)
مايفعله الإِمام قبل بداية الصلاة:
٢٥ - إذا أراد الإِمام الصلاة يأذن للمؤذن أن
يقيمها، فإن بلالا ((كان يستأذن النبي رقم#
للإقامة))، ويسن للإِمام أن يقوم للصلاة حين يقال
(حي على الفلاح) أوحين قول المؤذن: (قد قامت
الصلاة) أو مع الإقامة أو بعدها بقدر الطاقة على
تفصيل عند الفقهاء، وإذا كان مسافرا يخبر
المأمومين بذلك ليكونوا على علم بحاله، ويصح أن
يخبرهم بعدم تمام الصلاة ليكملوا صلاتهم. كما
يسن أن يأمر بتسويه الصفوف فيلتفت عن يمينه
وشماله قائلا: اعتدلوا وسووا صفوفكم، (٣) لما روى
محمد بن مسلم قال: ((صليت إلى جانب أنس
ابن مالك يوما فقال: هل تدري لم صنع هذا
(١) المغني ١٩٦/٢ - ٢٢٩، ٢٣٠، وكشاف القناع ٤٧٥/١ - ٤٨٤
(٢) المراجع السابقة .
(٣) ابن عابدين ٣٢٢/١، وكشاف القناع ٣٢٧/١، والمهذب
١٠٢/١، والمغني ١/ ٤١٧، وجواهر الإكليل ١/ ٤٧
- ٢١٢ -

إمامة الصلاة ٢٦ - ٢٨
العود؟ فقلت: لا والله. فقال: إن النبي (ُ﴾ كان
إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمينه فقال: اعتدلوا
وسووا صفوفکم، ثم أخذه بيساره وقال: اعتدلوا
وسووا صفوفکم، وفي رواية: اعتدلوا في صفوفکم
وتراصوا، فإني أراکم من وراء ظهري».(١)
ما يفعله الإِمام أثناء الصلاة:
أ - الجهر أو الإِسرار بالقراءة:
٢٦ - يجهر الإِمام بالقراءة في الفجر والركعتين
الأوليين من المغرب والعشاء أداء وقضاء، وكذلك
في الجمعة والعیدین والتراويح والوتربعدها. ويُسِرُّ
في غيرها من الصلوات.
والجهر فیما يجهر فیه والمخافتة فيما يخافت فيه
واجب على الإِمام عند الحنفية، وسنة عند
غيرهم. (٢) وتفصيله في مصطلح: (قراءة).
ب - تخفيف الصلاة :
٢٧ - يسن للإِمام أن يخفف في القراءة والأذكار مع
فعل الأبعاض والهيئات، ویأتي بأدنی الکمال، لما
روي عن أبي هريرة أن النبي # قال: ((إذا صلى
أحدكم بالناس فَلْيُخَفَّفْ، فإن فيهم السقيم
والضعيف والکبیر))،(٣) ولحديث معاذ أنه كان
(١) حديث: ((اعتدلوا وسووا صفوفكم ... )) أخرجه أبوداود
(٤٣٤/١ - ط عزت عبيد دعاس).
وحديث «اعتدلوا في صفوفكم ... )) أخرجه البخاري (فتح
الباري ٢٠٨/٢ - ط السلفية).
(٢) فتح القدير وحاشية العناية عليه ٢٤٢/١، ٢٨١، وابن عابدين
٣٥٨/١، وجواهر الإكليل ٤٩/١، ٨١، والمهذب ١/ ٨١،
وكشاف القناع ١/ ٣٤٠
(٣) حدیث: «إذا صلی أحدكم بالناس فليخفف، فإن منهم =
يطول بهم القراءة، فقال عليه الصلاة والسلام:
((أَفَتّانْ أنت يا معاذ، صلِّ بالقوم صلاة
أضعفهم))، (١) لكنه إن صلى بقوم يعلم أنهم
يؤثرون التطويل لم يكره، لأن المنع لأجلهم، وقد
رضوا.
ويكره له الإِسراع، بحيث يمنع المأموم من فعل
ما یسن له، کتثليث التسبيح في الركوع والسجود،
وإتمام ما يسن في التشهد الأخير. (٢)
جـ ـ الانتظار للمسبوق :
٢٨ - إن أحس الإِمام بشخص داخل وهوراكع،
ينتظره یسیرا ما لم يشق على من خلفه، وهذا عند
الحنابلة، وهو الأصح عند الشافعية، لأنه انتظار
ينفع ولا يشق، فشرع كتطويل الركعة وتخفيف
الصلاة، وقد ثبت أن النبي # كان يطيل الركعة
الأولی حتی لا یسمع وقع قدم. وکان ينتظر الجماعة
فإذا رآهم قد اجتمعوا عجل، وإذا رآهم قد أبطئوا
أخر.
ويكره ذلك عند الحنفية والمالكية، وهو مقابل
الأصح عند الشافعية. (٣)
= السقيم والضعيف والكبير ... )) أخرجه البخاري (الفتح
١٩٩/٢ - ط السلفية) ومسلم (٣٤١/١ - ط الحلبي).
(١) حديث: ((أفتان أنت يا معاذ، صلّ بالقوم صلاة أضعفهم ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ١٩٢/٢ - ط السلفية) ومسلم (٣٣٩/١
- ط الحلبي).
(٢) الاختيار ٥٧/١، ٥٨، والمهذب ١٠٢/١، ١٠٣، والمغني لابن
قدامة ٢٣٦/١، ٢٣٧، وجواهر الإكليل ١/ ٥٠، والدسوقي
٢٤٧/١، وكشاف القناع ٤٦٨/١
(٣) المهذب ١/ ١٠٢، ١٠٣، وجواهر الإكليل ١/ ٧٧، والمغني
لابن قدامة ٢٣٦/٢، وابن عابدين ٣٣٢/١، ٣٣٣
- ٢١٣ -

إمامة الصلاة ٢٩ - ٣١
د - الاستخلاف :
٢٩ - إذا حدث للإِمام عذر لا تبطل به صلاة
المأمومين يجوز للإمام أن يستخلف غيره من
المأمومين لتكميل الصلاة بهم، وهذا عند جمهور
الفقهاء. (١)
وفي كيفية الاستخلاف وشروطه وأسبابه تفصيل
وخلاف ينظر في مصطلح: (استخلاف).
ما يفعله الإِمام عقب الفراغ من الصلاة:
٣٠ - يستحب للإِمام والمأمومين عقب الصلاة ذکر
الله والدعاء بالأدعية المأثورة، منها ما رواه الشيخان
((أن النبي ×# کان یقول في دُبُرِ كل صلاة مكتوبة:
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله
الحمد وهو على كل شيء قدير ... الخ))، (٢) كما
يستحب له إذا فرغ من الصلاة أن يقبل على
الناس بوجهه يمينا أو شمالا إذا لم يكن بحذائه
أحد، لما روي عن سمرة قال: ((كان النبي ﴿ ﴿ إذا
صلى صلاة أقبل علينا بوجهه)). (٣)
ویکره له المکث علی هیئته مستقبل القبلة، لما
روي عن عائشة ((أن النبي ) كان إذا فرغ من
الصلاة لا يمكث في مكانه إلا مقدار أن يقول:
اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت
(١) ابن عابدين ٤٢٢/١، ٥٦٢، والدسوقي ١/ ٣٥٠، وشرح
الروض ٢٥٢/١، ونهاية المحتاج ٣٣٦/٢، والمغني ٢/ ١٠٢
(٢) حديث: ((كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله
وحده لا شريك له ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٢٥/٢
- ط السلفية).
(٣) حديث: ((كان إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه ... )) أخرجه
البخاري (فتح الباري ٣٢٣/٢ - ط السلفية).
ياذا الجلال والإكرام))، (١) ولأن المكث يوهم
الداخل أنه في الصلاة فیقتدي به. کما یکره له أن
يتنفل في المكان الذي أم فيه.
وإذا أراد الانصراف فإن كان خلفه نساء
استحب له أن يلبث يسيرا، حتى ينصرف النساء
ولا يختلطن بالرجال، لما روت أم سلمة ((أن
رسول الله ﴿ كان إذا سلم قام النساء حين يقضي
سلامه، فيمكث يسيرا قبل أن يقوم)). (٢) ثم
ينصرف الإِمام حيث شاء عن يمين وشمال.(٣)
٣١ - ويستحب كذلك للإِمام المسافر إذا صلى
بمقيمين أن يقول لهم عقب تسليمه: أتموا
صلاتكم فإنا سفر، (٤) لما روي عن عمران بن
حصين ((أن النبي {﴾ صلى بأهل مكة ركعتين، ثم
قال لهم: صلوا أربعا فإنا سفر)). (٥)
هذا، وقد فرق الحنفية بين الصلوات التي
بعدها سنة وبين التي ليست بعدها سنة، فقالوا:
إن كانت صلاة لا تصلى بعدها سنة، كالفجر
والعصر فإن شاء الإِمام قام، وإن شاء قعد يشتغل
(١) حديث: ((كان إذا فرغ من الصلاة لا يمكث في مكانه إلا مقدار
أن يقول: اللهم أنت السلام ... )) أخرجه مسلم (١ / ٤١٤ - ط
الحلبي).
(٢) حديث أم سلمة: ((أن رسول الله# كان إذا سلم قام النساء
حين ..... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٢/ ٣٢٢ - ط
السلفية).
(٣) ابن عابدين ٣٥٦/١، ٣٥٧، ٤٥٢، والبدائع ١/ ١٥٩،
١٦٠، والمهذب ٨٧/١، ٨٨، وجواهر الإكفيل ٧٩/١، والمغني
لابن قدامة ٥٥٩/١ - ٢٨٦/٢،٥٦٢
(٤) المراجع السابقة .
(٥) حديث: ((إن النبي- صلى بأهل مكة ركعتين ... )) أخرجه
الترمذي (٤٣٠/٢ -ط الحلبي وحسنه ابن حجر لشواهده في
التلخيص (٤٦/٢ - ط دار المحاسن).
- ٢١٤ -

إمامة الصلاة ٣٢، الإمامة الكبرى ١
بالدعاء، مغیرا هيئته أو منحرفا عن مكانه. وإن
کانت صلاة بعدها سنة یکره له المكث قاعدا،
ولكن يقوم ويتنحى عن ذلك المكان ثم يتنفل.
ووجه التفرقة عندهم أن السنن بعد الفرائض
شرعت لجبر النقصان، ليقوم في الآخرة مقام ما ترك
فیھا لعذر، فیکرہ الفصل بينهما بمکث طویل، ولا
كذلك الصلوات التي ليست بعدها سنة.(١)
ولم يعثر على هذه التفرقة في كتب غير الحنفية.
الأجر على الإِمامة :
٣٢ - ذهب جمهور الفقهاء: (الشافعية والحنابلة،
والمتقدمون من الحنفية) إلى عدم جواز الاستئجار
لإمامة الصلاة، لأنها من الأعمال التي يختص فاعلها
بكونه من أهل القرية، فلا يجوز الاستئجار عليها
كنظائرها من الأذان وتعليم القرآن، لقوله عليه
الصلاة والسلام: ((اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به)). (٢)
ولأن الإِمام یصلي لنفسه، فمن أراد اقتدى به وإن لم
ينو الإِمامة، وإن توقف على نيته شيء فهو إحراز
فضيلة الجماعة، وهذه فائدة تختص به. ولأن العبد
فیما يعمله من القربات والطاعات عامل لنفسه،
قال سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالحا
فَلِنَفْسِه﴾،(٣) ومن عمل لنفسه لا يستحق الأجر
على غيره. (٤)
(١) البدائع ١٥٩/١، ١٦٠، وابن عابدين ٣٥٦/١، ٤٥٢
(٢) حديث: (اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به ... )) أخرجه أحمد
(٤٢٨/٣ - ط اليمنية) وقواه ابن حجر في الفتح (٩/ ١٠١ - ط
السلفية).
(٣) سورة النحل / ٩٧
(٤) الروضة ٨٨/٥، ونهاية المحتاج ٢٨٨/٥، وابن عابدين
٣٤/٥، والمغني ٥٥٥/٥ - ٥٥٨
وقال المالكية: جاز أخذ الأجرة على الأذان
وحده أومع صلاة، وكره الأجر على الصلاة
وحدها، فرضا كانت أو نفلا من المصلين. (١)
والمفتى به عند متأخري الحنفية جواز الاستئجار
لتعليم القرآن والفقه والإِمامة والأذان، ويجبر
المستأجر على دفع المسمى بالعقد أو أجر المثل إذا لم
تذكر مدة.
واستدلوا للجواز بالضرورة، وهي خشية ضياع
القرآن لظهور التواني في الأمور الدينية اليوم. (٢)
وهذا كله في الأجر. وأما الرزق من بيت المال
فيجوز علی ما یتعدی نفعه من هذه الأمور بلا
خلاف، لأنه من باب الإِحسان والمسامحة، بخلاف
الإِجارة فإنها من باب المعاوضة، ولأن بيت المال
لمصالح المسلمین، فإذا كان بذله لمن یتعدی نفعه
إلى المسلمين محتاجا إليه كان من المصالح، وكان
للآخذ أخذه، لأنه من أهله وجرى مجرى الوقف
على من يقوم بهذه المصالح.(٣)
الإمامة الكبرى
التعريف :
١ - الإِمامة: مصدر أمّ القوم وأم بهم. إذا تقدمهم
وصار لهم إماما. (٤) والإِمام - وجمعه أئمة - : كل
(١) جواهر الإكليل ٣٧/١
(٢) ابن عابدين ٣٤/٥
(٣) المراجع السابقة .
(٤) متن اللغة، ولسان العرب المحيط، ومحيط المحيط مادة (إمم).
- ٢١٥ -

الإمامة الكبرى ٢ - ٤
من ائتم به قوم سواء أكانوا على صراط مستقيم :
كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهِم أَتْمَةٌ يَهْدُونَ
بأَمْرِنا﴾(١) أم كانوا ضالين كقوله تعالى:
﴿وجعلناهم أئمةٌ يَدْعون إلى النارِ ويومَ القيامةِ لا
يُنْصرون). (٢)
ثم توسعوا في استعماله، حتی شمل کل من
صار قدوة في فن من فنون العلم. فالإِمام أبوحنيفة
قدوة في الفقه، والإمام البخاري قدوة في الحديث
... الخ، غير أنه إذا أطلق لا ينصرف إلا إلى
صاحب الإِمامة العظمى، ولا يطلق على الباقي
إلا بالإضافة، لذلك عرّف الرزاي الإِمام بأنه: كل
شخص یقتدى به في الدین. (٣)
والإِمامة الكبرى في الاصطلاح: رئاسة عامة في
الدّين والدنيا خلافة عن النبي (ص 9، وسميت
كبرى تمييزا لها عن الإِمامة الصغرى، وهي إمامة
الصلاة وتنظر في موضعها . (٤)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الخلافة :
٢ - الخلافة في اللغة : مصدر خلف يخلف خلافة
أي: بقي بعده أوقام مقامه، وكل من يخلف
شخصا آخر يسمى خليفة، لذلك سمي من يخلف
الرسول * في إجراء الأحكام الشرعية ورئاسة
المسلمين في أمور الدين والدنيا خليفة، ویسمی
المنصب خلافة وإمامة . (٥)
(١) سورة الأنبياء/ ٧٣
(٢) سورة القصص/ ٤١
(٣) الفصل في الملل ٤ / ٩٥
(٤) حاشية ابن عابدين ٣٦٨/١، ونهاية المحتاج ٤٠٩/٧، وروض
الطالبين على تحفة المحتاج ٧/ ٥٤٠
(٥) محيط المحيط ومتن اللغة مادة (خلف).
أما في الاصطلاح الشرعي : فهي ترادف
الإِمامة، وقد عرفها ابن خلدون بقوله: هي حمل
الكافة على مقتضى النظر الشرعي، في مصالحهم
الأخروية، والدنيوية الراجعة اليها، ثم فسر هذا
التعريف بقوله: فهي في الحقيقة خلافة عن
صاحب الشرع في حراسة الدين والدنيا . (١)
ب - الإمارة :
٣ - الإمارة لغة: الولاية، والولاية إما أن تكون
عامة، فهي الخلافة أو الإِمامة العظمى، وإما أن
تکون خاصة علی ناحیة کان ینال أمر مصر ونحوه،
أو على عمل خاص من شئون الدولة كإمارة الجيش
وإمارة الصدقات، وتطلق على منصب أمير. (٢)
ج - السلطة :
٤ - السلطة هي: السيطرة والتمكن والقهر
والتحكم ومنه السلطان وهو من له ولاية التحكم
والسيطرة في الدولة، فإِن كانت سلطته قاصرة على
ناحية خاصة فلیس بخلیفة، وإن کانت عامة فهو
الخليفة، وقد وجدت في العصور الإِسلامية
المختلفة خلافة بلا سلطة، كما وقع في أواخر
العباسیین، وسلطة بلا خلافة كما كان الحال في
عهد المماليك. (٣)
(١) مقدمة ابن خلدون ص ١٩١
(٢) الفصل في الملل والنحل لابن حزم ٤/ ٩٠
(٣) الصحاح في اللغة والعلوم ص ٤٩٣، والرائد ٨٣٣/١.
ولم يرد هذا اللفظ بلسان الشرع مرادا به لقب إسلامي بل
بمعناه الغوي، ولم يطلق قط على منصب إلا بعد استيلاء
الأعاجم على السلطة في الدولة الإسلامية.
- ٢١٦ -

الإمامة الکبری ٥ - ٧
د - الحكم :
٥ - الحكم هوفي اللغة: القضاء، يقال: حكم له
وعليه وحكم بينهما، فالحاكم هو القاضي في عرف
اللغة والشرع.
وقد تعارف الناس في العصر الحاضر على
إطلاقه على من يتولى السلطة العامة.
الحكم التكليفي :
٦ - أجمعت الأمة على وجوب عقد الإِمامة، وعلى
أن الأمة يجب عليها الانقياد لإمام عادل، يقيم
فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي
أتى بها رسول الله وَلير، ولم يخرج عن هذا الإجماع
من یعتد بخلافه .(١)
واستدلوا لذلك، بإجماع الصحابة والتابعين،
وقد ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم، بمجرد أن
بلغهم نبأ وفاة رسول الله (# بادروا إلى عقد
اجتماع في سقيفة بني ساعدة، واشترك في الاجتماع
كبار الصحابة، وتركوا أهم الأمور لديهم في تجهيز
رسول الله ژے وتشييع جثمانه الشريف، وتداولوا في
أمر خلافته.
وهم ، وإن اختلفوا في بادىء الأمر حول
الشخص الذي ينبغي أن يبايع، أو على الصفات
التي ينبغي أن تتوفر فيمن يختارونه، فإنهم لم يختلفوا
في وجوب نصب إمام للمسلمين، ولم يقل أحد
مطلقا أن لا حاجة إلى ذلك، وبايعوا أبا بكر
رضي الله عنه، ووافق بقية الصحابة الذين لم
(١) حاشية الطحطاوي على الدر ٢٣٨/١، وجواهر الإكليل
٢٥١/١، ومغني المحتاج ٢٢٩/٤، والأحكام السلطانية
للماوردي ص ٣
يكونوا حاضرين في السقيفة، وبقيت هذه السنة في
كل العصور، فكان ذلك إجماعا على وجوب نصب
الإِمام.(١).
وهذا الوجوب وجوب کفایة، کالجهاد ونحوه،
فإِذا قام بها من هو أهل لها سقط الحرج عن الكافة،
وإن لم يقم بها أحد، أثم من الأمة فريقان:
أ - أهل الاختياروهم: أهل الحل والعقد من
العلماء ووجوه الناس، حتى يختاروا إماما للأمة.
ب - أهل الإِمامة وهم: من تتوفر فيهم شروط
الإِمامة، إلى أن ينصب أحدهم إماما. (٢)
ما يجوز تسمية الإمام به :
٧ - اتفق الفقهاء على جواز تسمية الإِمام: خليفة،
وإماما، وأمير المؤمنين.
فأما تسميته إماما فتشبيها بإِمام الصلاة في
وجوب الاتباع والاقتداء به فيما وافق الشرع، ولهذا
سمي منصبه بالإِمامة الکبری.
وأما تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي # في
حراسة الدين وسياسة الدنيا في الأمة، فيقال خليفة
بإطلاق، وخليفة رسول الله وآلافله .
واختلفوا في جواز تسميته خليفة الله، فذهب
جمهور الفقهاء إلى عدم جواز تسميته بخليفة الله،
لأن أبا بكر رضي الله نهى عن ذلك لما دعي به،
وقال: لست خليفة الله، ولكني خليفة رسول الله
*. (٣) ولأن الاستخلاف إنما هو في حق الغائب،
(١) الفصل في الملل ٤/ ٨٧، ومقدمة ابن خلدون ص١١
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص٣
(٣) قول أبي بكر: لست خليفة الله، ولكن خليفة رسول الله =
- ٢١٧ -

الإمامة الكبرى ٨ - ١٠
والله منزه عن ذلك. (١) وأجازه بعضهم اقتباسا من
الخلافة العامة للآدميين في قوله تعالى: ﴿إني
جاعلٌ في الأرضِ خليفةً﴾(٢) وقوله: ﴿هو الذي
جعلكم خَلَائِفَ في الأرضِ ﴾(٣)
معرفة الإِمام باسمه وعينه :
٨ - لا تجب معرفة الإِمام باسمه وعينه على كافة
الأمة، وإنما يلزمهم أن يعرفوا أن الخلافة أفضت
إلى أهلها، لما في إيجاب معرفته عليهم باسمه وعينه
من المشقة والحرج، وإنما يجب ذلك على أهل
الاختيار الذين تنعقد ببيعتهم الخلافة، وإلى هذا
ذهب جمهور الفقهاء. (٤)
حكم طلب الإِمامة :
٩ - يختلف الحكم باختلاف حال الطالب، فإن
كان لا يصلح لها إلا شخص وجب عليه أن
يطلبها، ووجب على أهل الحل والعقد أن يبايعوه .
وإن كان يصلح لها جماعة صح أن يطلبها واحد
منهم، ووجب اختيار أحدهم، وإلا أجبر أحدهم
على قبولها جمعا لكلمة الأمة. وإن كان هناك من
= عن أبن أبي مليكة قال: قيل لأبي بكر: ياخليفة الله، فقال:
أنا خليفة رسول الله﴾. أخرجه أحمد (١/ ٦١ ط دار المعارف
بتعليق أحمد شاكر) وإسناده منقطع.
(١) مغني المحتاج ١٣٢/٤، ومقدمة ابن خلدون ص ١٩، وأسنى
المطالب ١١١/٤
(٢) سورة البقرة/ ٣٠
(٣) سورة فاطر/ ٣٩
(٤) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٤
هو أولى منه كره له طلبها، وإن كان غير صالح لها
حرم عليه طلبها . (١)
شروط الإمامة :
١٠ - يشترط الفقهاء للإِمام شروطا، منها ماهو
متفق عليه ومنها ماهو مختلف فيه.
فالمتفق عليه من شروط الإِمامة :
أ - الإِسلام، لأنه شرط في جواز الشهادة.
وصحة الولاية على ماهودون الإِمامة في الأهمية .
قال تعالى: ﴿ولن يجعلَ الله للكافرين على
المؤمنينَ سبيلا﴾(٢) والإِمامة كما قال ابن حزم:
أعظم (السبيل)، وليراعى مصلحة المسلمين.
ب - التكليف : ويشمل العقل، والبلوغ، فلا
تصح إمامة صبي أو مجنون، لأنهما في ولاية غير هما،
فلا يليان أمر المسلمين، وجاء في الأثر: ((تعوذوا بالله
من رأس السبعين، وإمارة الصبيان))(٣)
جـ - الذكورة: فلا تصح إمارة النساء، لخبر:
(لن يفلحَ قومٌ ولَّوْا أمرهم امرأة))(٤) ولأن هذا
المنصب تناط به أعمال خطيرة وأعباء جسيمة تتنافى
مع طبيعة المرأة، وفوق طاقتها. فيتولى الإِمام قيادة
الجيوش ويشترك في القتال بنفسه أحيانا .
(١) تحفة المحتاج ٧/ ٥٤٠ - ٥٤١، و٣٠٨/٨ - ٣٠٩، وأسنى
المطالب ١٠٨/٤
(٢) سورة النساء/ ١٤١
(٣) حديث: ((تعوذوا بالله ... )) أخرجه أحمد (٢/ ٣٢٦ ط الميمنية)
وإسناده ضعيف، (الميزان للذهبي ٤٠٢/٣ ط الحلبي).
(٤) حديث: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ١٢٦/٨ ط السلفية).
- ٢١٨ -

الإمامة الكبرى ١١ - ١٢
د - الكفاية ولو بغيره، والكفاية هي الجرأة
والشجاعة والنجدة، بحیث یکون قيما بأمر الحرب
والسياسة وإقامة الحدود والذب عن الأمة.
هــ الحرية : فلا يصح عقد الإمامة لمن فيه رق،
لأنه مشغول في خدمة سیده.
و- سلامة الحواس والأعضاء مما يمنع استيفاء
الحركة للنهوض بمهام الإِمامة. وهذا القدرمن
الشروط متفق علیه،(١)
١١ - أما المختلف فيه من الشروط فهو:
أ - العدالة والاجتهاد. ذهب المالكية والشافعية
والحنابلة إلى أن العدالة والاجتهاد شرطا صحة،
فلا يجوز تقليد الفاسق أو المقلد إلا عند فقد العدل
والمجتهد .
وذهب الحنفية إلى أنهما شرطا أولوية، فيصح
تقليد الفاسق والعامي، ولو عند وجود العدل
والمجتهد. (٢)
ب - السمع والبصر وسلامة اليدين والرجلين.
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنها شروط انعقاد، فلا
تصح إمامة الأعمى والأصم ومقطوع اليدين
والرجلين ابتداء، وينعزل إذا طرأت عليه، لأنه
غير قادر على القيام بمصالح المسلمین، ويخرج بها
عن أهلية الإمامة إذا طرأت عليه .
(١) حاشية الطحطاوي على الدر ٢٣٨/١، وحاشية الدسوقي
٢٩٨/٤، وجواهر الإكليل ٢/ ٢٢١، ومغني المحتاج ٤/ ١٣٠،
وشرح الروض ٤/ ١٠٨، ١٠٩
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٨/١، و٣٠٥/٤، والأحكام السلطانية
للماوردي ص٦، وجواهر الإكليل ٢٢١/٢، وشرح الروض
١٠٨/٤، ومغني المحتاج ٤/ ١٣٠، ومقدمة ابن خلدون ص
١٥١ ط بيروت، والإنصاف ١١٠/١٠
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يشترط ذلك،
فلا يضر الإِمام عندهم أن يكون في خَلْقه عيب
جسدي أو مرض منفر، كالعمى والصمم وقطع
الیدین والرجلین والجدع والجذام، إذ لم يمنع ذلك
قرآن ولا سنة ولا إجماع. (١)
جـ ـ النسب :
ويشترط عند جمهور الفقهاء أن يكون الإِمام
قرشيا لحديث: ((الأئمةُ من قريشٍ))(٢) وخالف في
ذلك بعض العلماء منهم أبوبكر الباقلاني، واحتجوا
بقول عمر: «لو کان سالم مولی أبي حذيفة حیا
لوليته))، ولا يشترط أن يكون هاشميا ولا علويا
باتفاق فقهاء المذاهب الأربعة، لأن الثلاثة الأول
من الخلفاء الراشدين لم يكونوا من بني هاشم، ولم
يطعن أحد من الصحابة في خلافتهم، فكان ذلك
إجماعا في عصر الصحابة . (٣)
دوام الإمامة :
١٢ - يشترط لدوام الإِمامة دوام شروطها، وتزول
بزوالها إلا العدالة، فقد اختلف في أثر زوالها على
منصب الإِمامة على النحو التالي:
(١) حاشية الطحطاوي ٢٣٨/١، وابن عابدين ٣٦٨/١،
و٣١٠/٣، والدسوقي ١٩٨/٤، وشرح الروض ١١١/٤،
والقليوبي ٤/٤، والفصل في الملل والنحل ٤/ ١٦٧
(٢) حديث: ((الأئمة من قريش ... )) أخرجه الطيالسي (ص ١٢٥
ط دائرة المعارف النظامية) وأصله في صحيح البخاري (الفتح
١١٤/١٣ ط السلفية) بلفظ: ((إن هذا الأمر في قريش)».
(٣) ابن عابدين ٣٦٨/١، ومغني المحتاج ٤/ ١٣٠، وروضة
الطالبين ٣١٢/٦، ٤٨/١٠، ومطالب أولي النهى ٢٦٥/٦،
وحاشية الدسوقي ٢٩٨/٤
- ٢١٩ -

الإمامة الكبرى ١٢
عند الحنفية ليست العدالة شرطا لصحة
الولاية، فيصح تقليد الفاسق الإمامة عندهم مع
الكراهة، وإذا قلد إنسان الإمامة حال كونه عدلا ،
ثم جار في الحكم، وفسق بذلك أو غيره لا ینعزل،
ولكن يستحق العزل إن لم يستلزم عزله فتنة، ويجب
أن يدعى له بالصلاح ونحوه، ولا يجب الخروج
عليه، كذا نقل الحنفية عن أبي حنيفة، وكلمتهم
قاطبة متفقة في توجيهه على أن وجهه: هو أن
بعض الصحابة رضي الله عنهم صلوا خلف أئمة
الجور وقبلوا الولاية عنهم. وهذا عندهم للضرورة
وخشية الفتنة . (١)
وقال الدسوقي: يحرم الخروج على الإِمام الجاثر
لأنه لا يعزل السلطان بالظلم والفسق وتعطيل
الحقوق بعد انعقاد إمامته، وإنما يجب وعظه وعدم
الخروج عليه، إنما هو لتقديم أخف المفسدتين، إلا
أن يقوم عليه إمام عدل، فيجوز الخروج عليه
وإعانة ذلك القائم. (٢)
وقال الخرشي : روى ابن القاسم عن مالك:
إن كان الإِمام مثل عمر بن عبدالعزيز وجب على
الناس الذب عنه والقتال معه، وأما غيره فلا، دعه
ومايراد منه، ينتقم الله من الظالم بظالم، ثم ينتقم
من کلیھما . (٣)
وقال الماوردي: إن الجرح في عدالة الإِمام، وهو
الفسق على ضربين: أحدهما ماتبع فيه الشهوة،
(١) المسامرة بشرح المسايرة ص ٣٢٣، وابن عابدين ٣٦٨/١
(٢) الدسوقي ٢٩٩/٤
(٣) الخرشي ٨/ ٦٠
والثاني ماتعلق فيه بشبهة. فأما الأول منهما فمتعلق
بأفعال الجوارح، وهو ارتكابه للمحظورات وإقدامه
على المنكرات تحكيما للشهوة وانقيادا للهوى، فهذا
فسق يمنع من انعقاد الإِمامة ومن استدامتها، فإِذا
طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها، فلوعاد
إلى العدالة لم يعد إلى الإِمامة إلا بعقد جديد.
وقال بعض المتكلمين: يعود إلى الإِمامة بعودة
العدالة من غير أن يستأنف له عقد ولا بيعة،
لعموم ولايته ولحوق المشقة في استئناف بيعته.
وأما الثاني منهما فمتعلق بالاعتقاد المتأول بشبهة
تعترض، فيتأول لها خلاف الحق، فقد اختلف
العلماء فيها: فذهب فریق منهم إلى أنها تمنع من
انعقاد الإِمامة ومن استدامتها، ويخرج منها بحدوثه
لأنه لما استوی حکم الکفر بتأويل وغیر تأويل وجب
أن يستوي حال الفسق بتأويل وغير تأويل. وقال
كثير من علماء البصرة: إنه لا يمنع من انعقاد
الإِمامة، ولا يخرج به منها، كما لا يمنع من ولاية
القضاء وجواز الشهادة . (١)
وقال أبو يعلى : إذا وجدت هذه الصفات حالة
العقد، ثم عدمت بعد العقد نظرت، فإن كان
جرحا في عدالته، وهو الفسق، فإِنه لا يمنع من
استدامة الإِمامة. سواء كان متعلقا بأفعال
الجوارح. وهو ارتكاب المحظورات، وإقدامه على
المنكرات اتباعا لشهوته، أو كان متعلقا بالاعتقاد،
وهو المتأول لشبهة تعرض يذهب فيها إلى خلاف
الحق. وهذا ظاهر كلامه (أحمد) في رواية المروزي
في الأمیر یشرب المسكر ویغل، یغزی معه، وقد
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٧
- ٢٢٠ -