النص المفهرس

صفحات 141-160

ألبسة ٢٤ - ٢٨
لا يجوز لهم. وإذا وجب التمییز وجب أن یکون بما
فيه صغارهم لا إعزازهم، وفي ذلك تفصيل ينظر في
مصطلح (أهل الذمة).
الألبسة التي تجزىء في النفقة الواجبة :
٢٤ - يجب الزوجة والأولاد والوالدين ومن تجب لهم
النفقة كسوة مقدرة على حسب حال من تجب
عليه، على خلاف في ذلك ينظر في مصطلح
(نفقة).
ما يجزىء من الألبسة في كفارة اليمين:
٢٥ - في کفارة الأیمان إن اختار الحانث أن یکفر
بالكسوة کسا عشرة مساکین بما يطلق عليه اسم
الكسوة، وتفصيل ذلك في مصطلح (كفارة).
شراء الألبسة أو استئجارها للصلاة فيها :
٢٦ - أجاز الحنفية والشافعية شراء الألبسة أو
استئجارها للصلاة. وقال الحنابلة: إن وجد من
يبيعه ثوبا بثمن مثله، أويؤجره بأجرة مثله، أو
زيادة یتغابن الناس بمثلها، وقدر على ذلك
العوض لزمه قبوله. وإن کانت کثیرة لا یتغابن
الناس بمثلها لم يلزمه، وقال المالکیة: إذا کان بثمن
معتاد لزمه وإلا فلا . (١) (ر: صلاة، وإجارة).
مايترك للمفلس من الألبسة :
٢٧ - إذا حجر على المفلس يترك له من اللباس
(١) الفتاوى الهندية ٤٦٥/٤ - ٤٦٦، والشرح الكبير وحاشية
الدسوقي عليه ٢١١/١، وروضة الطالبين ٥/ ٢٢٥ ط المكتب
الإسلامي، والمغني لابن قدامة ١/ ٥٩٤ ط الرياض الحديثة.
أقل مایکفیه، وما لا غنى له عنه: قميص وسراويل
وشيء يلبسه على رأسه، إما عمامة أو قلنسوة أو
غيرهما مما جرت به عادته. ولرجله حذاء، وإن
احتاج إلى جبة أو فروة أو نحوهما ترك له ذلك. وإن
كان له ثياب رفيعة لا يلبس مثله مثلها بيعت
واشترى له كسوة مثله، ورد الفضل على الغرماء.
فإن كانت إذا بيعت واشتري له کسوة لا يفضل
منها شيء تركت له، فإنه لا فائدة في بيعها. وفي
قول للحنفية: يترك له مثل ماهو لا بسه، لأنه إذا
غسل ثيابه لابد له من ملبس يلبسه .
وتزاد المرأة مالا غنى لها عنه، كمقنعة وغيرها مما
یلیق بها .
ويترك لعياله من الملابس والثياب مثل مايترك
له.(١) (ر: إفلاس).
سلب القتيل من الألبسة :
٢٨ - إذا قال الإِمام: من قتل قتیلا فله سلبه،
فسلب القتيل من الألبسة مباح لمن حارب الكفار
دفاعا عن الإِسلام والمسلمين، وقتل منهم من يجوز
قتله، وذلك اتفاقا، وكذلك إذا لم يقل الإِمام ذلك
عند الحنابلة. والأصل فيه قوله ﴿ ((من قَتَّلَ قتيلا
له عليه بينةً فله سَلَبُهُ)». (٢)
(١) حاشية ابن عابدين ٩٥/٥، وشرح روض الطالب من أسنى
المطالب ١٩٣/٢ ط المكتبة الإسلامية، وجواهر الإكليل
٨٩/٢، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل ٥٠٢/٢، والمغني
لابن قدامة ٤ / ٤٩٠ ط الرياض الحديثة.
(٢) حديث: ((من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٣٥/٨ - ط السلفية) ومسلم (١٣٧١/٣ - ط
الحلبي).
- ١٤١ -

ألبسة ٢٩
وسلب القتیل ماکان لا بسا له من ثياب وعمامة
وقلنسوة ومنطقة ودرع ومغفر وبيضة وتاج وأسورة
وران وخف بما فيه من حلية ونحو ذلك. (١)
وفي إعطائه لمن قتله تفصیل یرجع إليه في
مصطلح (غنيمة).
سنن اللبس وآدابه وأدعيته المأثورة :
٢٩ - من السنة أن يبدأ المسلم وهو يلبس ثوبه أو
نعله أو سراويله وشبهها بالیمین، بإدخال الید
الیمنی في کم الثوب، والرجل الیمنی في کل من
النعل والسراويل، وفي الخلع بالأيسر ثم الأيمن.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله
* يُعْجِبُهُ التيمنُ في شأنه كله، في طهوره وَتَنَعُلِهِ
وَتَرَجُلِهِ»(٢) وفي رواية أخرى ((كان رسول الله وَلّ
يحب التيامن ما استطاع في طهوره وتنعله وترجله
وفي شأنه كله)). (٣) وعن أبي هريرة رضي الله عنه
قال ((كان النبي (﴿ إذا لبس قميصا بدأ بميامنه)) (٤)
وعنه رضي الله عنه أن النبي و يز قال: ((إذا لبستم
(١) رد المحتار على الدر المختار ٢٣٨/٣ - ٢٤١، والشرح الكبير
وحاشية الدسوقي عليه ٢/ ١٩٠ - ١٩١، وجواهر الإكليل
٢٦٠/١ - ٢٦١، والمهذب ٢٣٨/٢ -٢٣٩، والمغني لابن قدامة
٣٨٧/٨ - ٣٩٤ ط الرياض الحديثة.
(٢) حديث: ((كان يعجبه التيمن ... )) أخرجه البخاري (الفتح
٢٦٩/١ ط السلفية) ومسلم (٢٢٦/١) واللفظ للبخاري.
(٣) عن عائشة: ((كان رسول الله # يحب التيمن في شأنه كله ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٥٢٣/١ ط السلفية) ومسلم (٢٢٦/١
ط الحلبي).
(٤) حديث: ((كان إذا لبس قميصا بدأ بميامنه ... )) أخرجه
الترمذي (٢٣٩/٤ ط الحلبي) وإسناده صحيح. (فيض القدير
١٥٩/٥ - ط المكتبة التجارية).
وإذا توضأتم فابدءوا بمیامنكم))(١) وعن حفصة
رضي الله عنها أن النبي ﴿ ((كان يجعل يمينه
لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل شماله لما سوى
ذلك))(٢) رواه أبوداود وأحمد، وعن أبي هريرة
رضي الله عنه مرفوعا إلى النبي # قال: ((إذا
انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ
بالشمال».(٣)
ولهذا اتفق العلماء على استحباب التيامن في
الأمور الشريفة، والتیاسر فیما سوى ذلك. فالتيامن
كلبس الثوب والخف والمداس والسراويل وغير
ذلك، والتیاسر كخلع الثوب والسراويل والخف وما
أشبه ذلك فیستحب التیاسر فیه، وذلك لكرامة
الیمین وشرفها .
ویستحب لمن لبس ثوبه سواء أكان قميصا أم
إزارا أم عمامة أم رداء أن يقول: بسم الله، وأن
يدعو بما ورد.
فعن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن النبي واله
قال: ((من لبس ثوبا جديدا فقال: الحمد لله الذي
کساني هذا، ورزقنيه من غیر حولٍ مني ولا قوةٍ،
(١) حديث: ((إذا لبستم وإذا توضأتم فأبدءوا بميامنكم ... ))
أخرجه أبو داود (٤ / ٣٧٩ - ط عزت عبيد دعاس) وصححه
النووي في رياض الصالحين (ص ٣٣٧ - ط الرسالة).
(٢) حديث: ((كان يجعل يمينه ... )) أخرجه أحمد وأبو داود واللفظ
وله، وفي إسناده أبو أيوب الإفريقي، لينه أبو ذرعة ووثقه
ابن حبان، وقال النووي: إسناده جيد، وقال ابن سيد الناس:
هو معلل. (عون المعبود ١٢/١، ١٣ ط الهند، وفيض القدير
٥/ ٢٠٤ ط المكتبة التجارية).
(٣) حديث: ((إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ
بالشمال ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٣١١/١٠ ط السلفية)
ومسلم (١٦٦٠/٣ ط الحلبي).
- ١٤٢ -

ألبسة ٢٩ ، التباس ١ - ٣
غفر الله له ما تقدم من ذنبه)). (١)
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:
كان رسول الله ﴿ اذا اسْتَجَدَّ ثوبا سماه باسمه
عمامة أو قميصا أورداء ثم يقول: ((اللهم لك الحمدُ
أنت کسَوْتنیِهِ. أسألك خيره وخیر ماصُنِعَ له،
وأعوذُ بك من شرِهِ وشرِ ما صُنِعَ له)). (٢)
وعن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول
الله * يقول: ((من لبس ثوبا جديدا فقال:
الحمد لله الذي كساني ما أداري به عورتي،
وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الذي
أخلق فتصدق به، كان في حفظ الله وفي كنف الله
عز وجل وفي سبيل الله حيا وميتا)). (٣)
ذلك هو سنن اللبس وآدابه، وما في ذلك من
أدعية مأثورة . (٤)
(١) حديث معاذ بن أنس: ((من لبس ثوبا جديدا ... )) أخرجه
أبو داود (٤/ ٣١٠ ط عزت عبيد دعاس) وحسنه ابن حجر كما في
الفتوحات (٣٠٠/١ ط المنيرية).
(٢) حديث : أبي سعيد الخدري: «کان إذا استجد ثوبا سماه
باسمه ... )). أخرجه أبو داود (٣٠٩/٤ ط عزت عبيد دعاس)
وحسنه ابن حجر كما في الفتوحات (٣٠٤/١ ط المنيرية).
(٣) حديث: (من لبس ثوبا ... )) أخرجه الحاكم (١٣٩/٤ ط
دائرة المعارف العثمانية) وفي إسناده على بن يزيد الألهاني وهو
ضعيف.
(٤) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٢/ ٣٧١، والمجموع شرح
المهذب ٤/ ٤٦٠ - ٤٦١ ط المكتبة السلفية، والأذكار المنتخبة من
كلام سيد الأبرار# ص ٢٢ - ٢٤، والشرح الكبير ١٠٣/١،
وكشاف القناع عن متن الإقناع ٢٨٨/١ ط النصر الحديثة،
ومجمع الزوائد ومنبع الفوائد للھیشمي ١١٨ - ١١٩، وفتح الباري
بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني ٣٠٣/١٠.
التباس
التعريف :
١ - الالتباس في اللغة من اللّبْس وهو: الخلط.
ويأتي بمعنى الاشتباه والإشكال. يقال : التبس
عليه الأمر أي: اشتبه وأشكل. (١)
ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللفظ عن هذا
المعنى اللغوي، حتى إن بعضهم سوى بين
الاشتباه والالتباس، وعرف أحدهما بالآخر، كما
جاء في كتب المالكية: قال ابن عبدالسلام:
الاشتباه الالتباس. (٢)
٢ - ويظهر من تتبع عبارات الفقهاء أن المالكية قد
انفردوا باستعمال لفظ (الالتباس)، وغير المالكية
أکثروا من استعمال لفظي (اشتباه وشك) بدلا من
كلمة التباس، كما هو الملاحظ في بحث خفاء
القبلة، ونكاح الأجنبية التي اشتبهت بأخته،
وطهارة الماء والثياب والأواني الملتبسة وغيرها. (٣)
الحكم الإجمالي :
٣ - یختلف حكم الالتباس تبعا لاختلاف متعلقه،
فإذا التبس الحلال بالحرام يرجح جانب الحرمة
احتیاطا، کمن التبست علیه الأجنبية بأخته، بأن
(١) المصباح المنير ولسان العرب مادة: (لبس).
(٢) مواهب الجليل ١٧٣/١
(٣) الاختيار ٤٧/١، والفروق للقرافي ٢٢٨/١، والشرح الكبير
للدردير ٧/١، ونهاية المحتاج ٦٣/١، ٧٧، والإقناع ١/ ١٢
- ١٤٣ -

التباس ٠٣ التزام ١ - ٢
شك في الأجنبية وأخته من الرضاع حرمتا معا.
وكذا إذا اشتبهت المذكاة بالميتة . (١)
ومن التبست عليه القبلة سأل واجتهد وتحرى،
فإذا خفيت تخير وصلى مع تفصيل في ذلك.(٢)
كذلك لواشتبه على شخص ماء طاهر بماء
نجس، أو التبست علیه الأواني أو الثياب، يجتهد
ویتحری عند جمهور الفقهاء، وإن كان الأرجح عند
بعض الحنفية الطهارة. (٣)
ولمعرفة أحكام الالتباس والألفاظ ذات الصلة به
يرجع إلى مصطلح (اشتباه).
التزام
التعريف :
١ - الالتزام في اللغة يقال: لزم الشيء يلزم لزوما
أي: ثبت ودام، ولزمه المال وجب عليه، ولزمه
الطلاق: وجب حكمه، وألزمته المال والعمل
فالتزمه، والالتزام: الاعتناق. (٤)
والالتزام : إلزام الشخص نفسه مالم یکن لازما
له، أي ما لم يكن واجبا عليه قبل، وهو بهذا المعنى
(١) الفروق للقرافي ٢٢٧/١، ومسلم الثبوت ٩٦/١، والأشباه
والنظائر لابن نجیم ص ٦١ - ٦٥
(٢) الزيلعي ١٠١/١، والشرح الكبير للدردير ٢٢١/١، والمغني
٤٩٣/١
(٣) البحر الرائق ١٤٣/١، والفروق للقرافي ٢٢٨/١، ونهاية
المحتاج ٧٦/١، وكشاف القناع ١/ ٣٠
(٤) لسان العرب والمصباح المنير.
شامل للبيع والإِجارة والنكاح وسائر العقود. (١)
وهذا المعنى اللغوي جرت عليه استعمالات
الفقهاء، حيث تدل تعبيراتهم على أن الالتزام عام
في التصرفات الاختيارية، وهي تشمل جميع
العقود، سواء في ذلك المعاوضات والتبرعات. (٢)
وهو ما اعتبره الحطاب استعمالا لغويا، فقد عرفه
بأنه: إلزام الشخص نفسه شيئا من المعروف
مطلقا، أو معلقا على شيء، فهو بمعنى العطية،
فدخل في ذلك الصدقة والهبة والحبس (الوقف)
والعارية والعمرى والعرية والمنحة والإِرفاق
والإِخدام والإِسكان والنذر.
قال الحطاب في كتابه تحرير الكلام في مسائل
الالتزام: وقد يطلق في العرف على ما هو أخص
من ذلك، وهو التزام المعروف بلفظ الالتزام. (٣)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - العقد، والعهد :
٢ - من معاني العقد لغة: العهد، ويقال: عهدت
إلى فلان في كذا وكذا، وتأويله: ألزمته ذلك، فإذا
قلت عاقدته أو عقدت عليه فتأويله: أنك ألزمته
ذلك باستيثاق، وتعاقد القوم: تعاهدوا . (٤)
وفي المجلة العدلية: العقد: التزام المتعاقدين
(١) فتح العلي المالك ٢١٧/١ نشر دار المعرفة.
(٢) المنثور ٣٩٢/٣، وقواعد الأحكام ٦٩/٢، ٧٣، والمجلة
م/ ١٠٣، ومرشد الحيران مواد ٢١٣، ٢١٤، والبدائع
١٦٨/٥، وأحكام القرآن للجصاص ٢/ ٣٦٠، وإعلام الموقعين
٣٤٩/١، ٢٩/٢
(٣) فتح العلي المالك ١/ ٢١٧، ٢١٨
(٤) لسان العرب مادة : (عقد).
- ١٤٤ -

التزام ٣ - ٨
وتعهدهما أمرا، وهو عبارة عن ارتباط الإيجاب
بالقبول. (١)
وبذلك يكون العقد التزاما .
٣ - أما العهد فهو في اللغة: الوصية، يقال عهد
إليه يعهد: إذا أوصاه، والعهد: الأمان، والموثق،
والذمة .
والعهد: كل ما عوهد الله عليه، وكل مابين
العباد من المواثيق فهو عهد، والعهد: اليمين يحلف
بها الرجل.
وبذلك يعتبر العهد نوعا من أنواع الالتزام
أيضا . (٢)
ب - التصرف :
٤ - يقال صرف الشيء: إذا أعمله في غير وجه
كأنه يصرفه عن وجه إلى وجه، ومنه التصرف في
الأمور. (٣)
وبهذا المعنى يكون التصرف أعم من الالتزام،
إذ من التصرف ما ليس فيه التزام.
جـ - الإلزام :
٥ - الإِلزام : الإِثبات والإِدامة، وألزمته المال
والعمل وغيره. (٤)
فالإِلزام سبب الالتزام، سواء أكان ذلك بإلزام
الشخص نفسه شيئا، أم بإلزام الشارع له.
(١) المجلة العدلية م/ ١٠٣
(٢) المصباح المنير ولسان العرب مادة: (عهد)، وأحكام القرآن
للجصاص ٣٦١/٢
(٣) لسان العرب مادة: (صرف)
(٤) المصباح المنير ولسان العرب مادة: (لزم).
يقول الراغب الأصفهاني: الإِلزام ضربان:
إلزام بالتسخير من الله، أومن الإِنسان. وإلزام
بالحكم والأمر، (١) والإِلزام لا يتوقف على
القبول. (٢)
د - اللزوم :
٦ - اللزوم : الثبوت والدوام، ولزمه المال: وجب
عليه، ولزمه الطلاق: وجب حكمه. (٣) فاللزوم
يصدق على ما يترتب على الالتزام متى توفرت
شروطه، وعلى ما يقرره الشرع إذا توافرت شروط
معينة. أما الالتزام فهو أمر يقرره الإِنسان باختياره
أبتداء.
هـ - الحق :
٧ - الحق ضد الباطل، وحق الأمر أي ثبت، قال
الأزهري: معناه وجب يجب وجوبا، وهو مصدر
حق الشيء إذا وجب وثبت.
والحق اصطلاحا : هو موضوع الالتزام، أي ما
يلتزم به الإنسان تجاه الله، أو تجاه غيره من
الناس . (٤)
و- الوعد :
٨ - الوعد يدل على ترجية بقول، والوعد يستعمل
في الخير حقيقة وفي الشر مجازا. والوعد: العهد. (٥)
(١) المفردات للراغب الأصفهاني (لزم).
(٢) البدائع ٣٣٢/٧
(٣) لسان العرب مادة: (لزم).
(٤) المصباح المنبر مادة (حقق)، وابن عابدين ١٨٨/٤، والمنثور في
القواعد للزركشي ٥٨/٢ - ٦٤، والفروق للقرافي ١/ ١٤٠.
١٩٥، والذخيرة ص ٦٨
(٥) مقاييس اللغة لابن فارس والمصباح المنير ولسان العرب مادة:
(وعد).
- ١٤٥ -

التزام ٩ - ١١
والعِدَةُ ليس فيها إلزام الشخص نفسه شيئا
الآن، وإنما هي كما قال ابن عرفة: إخبار عن إنشاء
المخبر معروفا في المستقبل.
والفرق بين ما يدل على الالتزام، وما يدل على
العدة: هوما يفهم من سياق الكلام وقرائن
الأحوال. والظاهر من صيغة المضارع: الوعد،
مثل: أنا أفعل، إلا أن تدل قرينة على الالتزام كما
يفهم من كلام ابن رشد. وذلك مثل ما لوسألك
مدين أن تؤخره إلى أجل كذا، فقلت: أنا
أؤ خرك، فهو عدة، ولو قلت: قد أُخرتك، فهو
التزام . (١)
أسباب الالتزام :
٩ - من تعريف الالتزام اللغوي والشرعي، ومن
استعمالات الفقهاء وعباراتهم، يتبين أن سبب
الالتزام هو تصرفات الإِنسان الاختيارية التي
يوجب بها حقا على نفسه، وسواء أكان هذا الحق
تجاه شخص، كالالتزامات التي يبرمها، ومنها
العقود والعهود التي يتعهد بها، والأيمان التي
يعقدها، والشروط التي يشترطها. أم كان
لحق الله، كنذر صلاة أو صوم أو اعتكاف أو صدقة
مثلا .
وهناك أسباب أخرى سيأتي ذكرها فيما بعد.
وبيان ذلك فيما يأتي :
التصرفات الاختيارية :
١٠ - التصرفات التي يباشرها الإِنسان باختياره
(١) فتح العلي المالك ١/ ٢٥٤، ٢٥٧
ويوجب بها حقا على نفسه تتناول العقود بالمعنى
العام الذي أطلقه الفقهاء، وهي التي تنعقد
بإرادتين متقابلتين (أي بالإِيجاب والقبول) أو التي
تنعقد بإرادة واحدة (أي بالإِيجاب فقط) وهذه قد
تسمى عقودا على سبيل التوسع.
والتصرف يتم بإيجاب وقبول إذا كان من شأنه
أن يرتب التزاما في جانب كل من الطرفين، كالبيع
والإِجارة والمساقاة والمزارعة. أما التصرف الذي
يرتب التزاما في جانب أحد الطرفين دون الآخر
فيتم بإيجاب الطرف الملتزم وحده، كالوقف والوصية
لغير معين والجعالة والإِبراء من الدين والضمان
والهبة والعارية. وهذا في الجملة مع مراعاة اختلاف
الفقهاء في اشتراط القبول في بعضها .
ويدخل فيما يتم بإرادة منفردة: الأيمان والنذور،
وما شاكل ذلك. فهذه التصرفات كلها التي تتم
بإرادتین، أو بإرادة واحدة متی استوفت أركانها
وشرائطها على النحو المشروع، فإنه يترتب عليها
الالتزام بأحكامها.
١١ - ونصوص الفقهاء صريحة في أن الالتزام يشمل
كل ما ذكر، ومن هذه النصوص :
أ - في كتاب البيوع من المجلة العدلية. العقد:
التزام المتعاقدين وتعهدهما أمرا، وهو عبارة عن
ارتباط الإيجاب بالقبول. (١)
ب - جاء في المنثور في القواعد للزركشي: العقد
الشرعي ينقسم باعتبار الاستقلال به وعدمه إلى
ضربين :
الأول: عقد ينفرد به العاقد، مثل عقد النذر
(١) المادة ١٠٣ من المجلة العدلية.
- ١٤٦ -

التزام ١١ - ١٢
والیمین والوقف، إذا لم يشترط القبول فيه، وعد
بعضهم منه الطلاق والعتاق إذا كانا بغیر عوض،
قال الزركشي: وإنما هو رفع للعقد.
:٠٫٠
والثاني : عقد لا بد فيه من متعاقدین، كالبيع
والإِجارة والسلم والصلح والحوالة والمساقاة والهبة
والشركة والوكالة والمضاربة والوصية والعارية
والوديعة والقرض والجعالة والمكاتبة والنكاح والرهن
والضمان والكفالة .(١)
جـ - وفي المنثور أيضا: ما أوجبه الله على
المكلفین ینقسم إلى ما يكون سببه جناية ويسمى
عقوبة، وإلى ما يكون سببه التزاما ويسمى ثمنا أو
أجرة أو مهرا أو غيره(٢)
د - في القواعد العزبن عبدالسلام: المساقاة
والمزارعة التابعة لها هي التزام أعمال الفلاحة بجزء
شائع من الغلة المعمول على تحصيلها.
وفيه كذلك: التزام الحقوق من غير قبول
أنواع :
أحدها : بنذر في الذمم والأعيان .
الثاني : التزام الديون بالضمان.
الثالث : ضمان الدرك.
الرابع : ضمان الوجه .
الخامس : ضمان ما يجب إحضاره من الأعيان
المضمونات. (٣)
هـ - من الأمثلة التي ذكرها الحطاب في
الالتزامات :
(١) المنثور في القواعد ٣٩٧/٢، ٣٩٨
(٢) المنثور في القواعد ٣٩٢/٣
٠:٠٠
(٣) وقواعد الأحكام في مصالح الأنام ٢/ ٦٩، ٧٣ وأحكام القرآن
للجصاص ٣٦٠/٢، وأحكام القرآن لابن العربي ٥٢٤/٢
(١) إذا قال له: إن بعتني سلعتك بكذا فقد
التزمت لك كذا وكذا، فالشيء الملتزم به داخل في
جملة الثمن، فيشترط فيه ما يشترط في الثمن.
(٢) إذا قال له: إن أسكنتني دارك سنة، فهذا
من باب الإِجارة، فيشترط فيه شروط الإِجارة، بأن
تكون المدة معلومة والمنفعة معلومة، وأن يكون
الشيء الملتزم به مما يصح أن يكون أجرة. (١)
وأمثال هذه النصوص كثيرة في كتب الفقه.
ومنها يمكن القول بأن الأسباب الحقيقية
للالتزامات: هي تصرفات الإِنسان الاختيارية.
إلا أن المشتغلين بالفقه في العصر الحديث زادوا
على ذلك ثلاثة مصادر أخرى(٢) ليست في الحقيقة
التزاما، بل هي إلزام أولزوم، ولكن يترتب عليها
مثل ما يترتب بالالتزام باعتبار التسبب أو المباشرة.
وبيانها کمايلي:
(١) الفعل الضار أو (الفعل غير المشروع):
١٢ - الفعل الضار الذي يصيب الجسم أو المال
يستوجب العقوبة أو الضمان.
والأضرار متعددة فمنها إتلاف مال الغير، ومنها
الجناية على النفس أو الأطراف، ومنها التعدي
بالغصب، أو بالسرقة، أو بالتجاوز في الاستعمال
المأذون فيه، كتجاوز المستأجر، والمستعير،
والحجام، والطبيب، والمنتفع بالطريق، ومنها
(١) فتح العلي المالك ١/ ٢٧٥، ٢٧٦
(٢) انظر في ذلك: مذكرة مبتدأة في بيان الالتزامات للأستاذ أحمد
إبراهيم ٣٦، ٣٧، والمدخل إلى نظرية الالتزام العامة للدكتور
مصطفى الزرقا ٩٦/٢ وما بعدها، ومصادر الحق للدكتور
السنهوري ٣٩/١ ومابعدها.
- ١٤٧ -

التزام ١٣
التفريط في الأمانات كالودائع والرهون.
ففي كل ذلك يصير الفاعل ملزما بضمان فعله،
وعليه العوض في المثلي بمثله، وفي القيمي بقيمته،
وهذا في الجملة، إذ من الإِتلافات ما لا ضمان فيه،
كمن صال عليه إنسان أو بهيمة ولم يندفع إلا بالقتل
فقتله، كما أن من الأعمال المباحة ما فيه الضمان،
کالمضطر الذي يأكل مال غيره، ففيه الضمان عند
غير المالكية .
والضابط في ذلك كما قال الزركشي : أن
التعدي مضمون أبدا إلا ما قام دليله، وفعل المباح
ساقط أبدا إلا ما قام دليله .
والأصل في منع الضرر قول النبي وَالر: ((لا
ضررولا ضرار))(١) وفي كل ما سبق تفصيلات كثيرة
تنظر في مصطلحاتها وأبوابها.
(٢) الفعل النافع أو (الإِثراء بلا سبب):
١٣ - قد يقوم الإِنسان بفعل نافع لغيره، فيصير
دائنا لذلك الغیر بما قام به أو بما أدى عنه. وهذا ما
يسميه المشتغلون بالفقه في العصر الحديث (الإِثراء
(١) انظر في ذلك أشباه ابن نجيم ٢٨٩، ٢٩٠، والمنثور في القواعد
٦٠/٢، ٣٢٢ - ٣٣٢، والتبصرة لابن فرحون بهامش فتح العلي
٣٤٦/٢ - ٣٥٨ نشر دار المعارف بيروت، والفروق للقرافي
١٩٥/١، ١٩٦، والقواعد لابن رجب من ٢٠٤ - ٢٠٧ و٢٨٥ .
٢٩١.
وحديث: ((لا ضرر ولا ضرار ... » أخرجه مالك من حديث
يحيى المازني مرسلا، ووصله ابن ماجة عن عبادة بن الصامت،
وفي إسناده انقطاع. والحديث حسنه النووي وقال: له طرق
يقوي بعضها، بعضا وقال العلائي: للحديث شواهد ینتهي
مجموعها إلى درجة الصحة أو الحسن المحتج به. (الموطأ ٢/ ٧٤٥
ط عيسى الحلبي، وسنن ابن ماجة ٢/ ٧٨٤ ط عيسى اخلبي،
وفيض القدير ٦/ ٤٣١، ٤٣٢ ط المكتبة التجارية):
بلا سبب) وهم يعنون بذلك: أن من أدى عن
غيره دينا أو أحدث له منفعة فقد افتقر المؤدي
وأثرى المؤدي عنه بلا سبب، وبذلك يصبح المثري
ملزما بأداء أو ضمان ما أداه عنه غيره أو قام به .
وليست هناك قاعدة يندرج تحتها ذلك، وإنما
هي مسائل متفرقة في أبواب الفقه، كإنفاق المرتهن
على الرهن، والملتقط على اللقيط أو اللقطة،
والنفقة على الرقيق والزوجات والأقارب والبهائم
إذا امتنع من يجب عليه الإِنفاق، وإنفاق أحد
الشريكين على المال المشترك مع غيبة الآخر أو
امتناعه. ومن ذلك: بناء صاحب العلو السفل
بدون إذن صاحبه، أو إذن الحاكم لاضطراره
لذلك، وبناء الحائط المشترك، ودفع الزكاة لغير
المستحق .. وهكذا.
ففي مثل هذه المسائل يكون المنتفع ملزما بها
أُدي عنه، ويكون لمن أنفق حق الرجوع بما أنفق في
بعض الأحوال. (١)
وفي ذلك خلاف وتفصيل، في بيان متى يحق له
الرجوع، ومتى لا يحق، إذ القاعدة الفقهية، أن
من دفع دينا عن غيره بلا أمره يعتبر متبرعا، ولا
پرجع بما دفع .
والقاعدة الخامسة والسبعون في قواعد ابن رجب
هي فیمن يرجع بما أنفق على مال غيره بغير إذنه،
وفيها كثير من هذه المسائل.
(١) انظر في ذلك البزازية ٦٥/٦، ٦٦، ومنح الجليل ٩٨/٣، وفتح
العلي المالك ٢/ ٢٧٥، ٢٨٨، ومنتهى الإرادات ٢٤٣/٢،
٢٥٠، ٢٥٥، ٤٨٢، والقواعد لابن رجب ص ١٣٧ ومابعدها.
ومرشد الحيران المواد ٢٠٢، ٧٦٥، ومجمع الضمانات ٤٥٨،
٤٥٩
- ١٤٨ _

التزام ١٤ - ١٥
وتنظر هذه المسائل في أبواب الفقه، كالشركة
والرهن واللقطة والزكاة وغيرها، وفي مجمع
الضمانات كثير من هذه الأمثلة، وفي الفروق
للقرافي: كل من عمل عملا أو أوصل نفعا لغيره
من مال أو غيره بأمره أو بغير أمره نفذ ذلك، فإن
كان متبرعا لم يرجع به، أو غير متبرع وهر منفعة
فله أجر مثله، أومال فله أخذه ممن دفعه عنه بشرط
أن یکون المنتفع لابد له من عمل ذلك.(١)
(٣) الشرع :
١٤ - يعتبر المسلم بإسلامه ملتزما بأحكام الإِسلام
وتکالیفه .
جاء في مسلم الثبوت: الإِسلام: التزام حقيقة
ما جاء به النبي مليار. (٢)
ومما يعتبر المسلم ملتزما به ما يلزمه به الشارع
نتيجة ارتباطات وعلاقات خاصة. ومن ذلك :
إلزامه بالنفقة على أقاربه الفقراء، لقوله تعالى :
(وعلى المولود له رِزْقُهُنّ وكِسْوتُهُنّ بالمعروفِ).
وقوله سبحانه (وعلى الوارثِ مثل ذلك)(٣) وقوله
تعالى: (وقضى ربِّك ألا تَعْبُدوا إلا إياهُ وبالوالدَیْن
إِحْسَانا). (٤)
ومن ذلك الولاية الشرعية، كولاية الأب والجد
لقوله تعالى: ﴿وابْتَلُوا اليتامى حتى إذا بَلَغُوا
النِّكلحَ فإن آنَسْتُمْ منهم رُشْدا فادفعوا إليهم
(١) الفروق ١٨٩/٣، وتهذيب الفروق ٢١٩/٣ (الفرق ١٧١)
والمنثور ١٥٧/١
(٢) فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ١/ ١٨٠
(٣) سورة البقرة / ٢٣٣
(٤) سورة الإسراء / ٢٣
أموالهم). (١) وذلك لوفور الشفقة في الولي وعدم
حسن تصرف القاصر.
ومن ذلك الالتزام بقبول الميراث، وغير ذلك مما
يعتبر المسلم ملتزما به دون توقف على قبوله.
يقول الكاساني: اللزوم هنا بإلزام من له ولاية
الإلزام، وهو الله تبارك وتعالى، فلم يتوقف على
القبول، كسائر الأحكام التي تلزم بإلزام الشرع
ابتداء . (٢)
على أنه يمكن أن يضاف إلى هذه الأسباب:
الشروع، فمن شرع في عبادة غير واجبة أصبح
ملتزما بإتمامها بالشروع فيها، ووجب القضاء
بفسادها، كما يقول المالكية والحنفية. (٣)
هذه هي المصادر الثلاثة (الفعل الضار - والفعل
النافع - والشرع) التي عدها المشتغلون بالفقه
الإِسلامي في العصر الحديث من مصادر الالتزام،
إلا أنها في الحقيقة تعتبر من باب الإِلزام، وليست
من باب الالتزام، كما مر في كلام الكاساني.
١٥ - والفقهاء عبر وا في التصرفات الناشئة عن
إرادة الإِنسان بأنها التزام، أما ما كان بغير إرادته
فالتعبير فيها بالإِلزام أو اللزوم. ذلك أن الالتزام
الحقيقي هوما أوجبه الإِنسان على نفسه والتزم به.
ولذلك يقول القرافي: إن الكافر إذا أسلم يلزمه
ثمن البياعات وأجر الإِجارات ودفع الديون التي
اقترضها ونحو ذلك، ولا يلزمه القصاص والغصب
(١) سورة النساء / ٦
(٢) منح الجليل ٤٤٧/٢، والمهذب ١٦٦/٢، ومنتهى الإِرادات
٢٥٤/٣، والهداية ٤٨/٢، والأشباه للسيوطي ١٧٢، والبدائع
٣٣٢/٧
(٣) ابن عابدين ٤٥٢/١ ط أولى، والخطاب ٩٠/٢ ط النجاح
بليبيا .
- ١٤٩ -

التزام ١٦
والنهب، لأن ما رضي به حال كفره واطمأنت نفسه
بدفعه لمستحقه لا يسقط بالإِسلام، وما لم يرض
بدفعه لمستحقه کالقتل والغصب ونحوه فإن هذه
الأمور إنما دخل عليها معتمدا على أنه لا يوفيها
أجلها، فهذا كله يسقط، لأن في إلزامه ما لم يعتقد
لزومه تنفيرا له عن الإِسلام. (١)
إلا إذا اعتبرنا هذه الإلزامات تنشىء التزامات
حکما وبذلك یمکن رد مصادر كل الالتزامات إلى
الشرع، فالشرع هو الذي رسم حدودا لکل
التصرفات، ما يصح منها ومالا يصح، ورتب عليها
أحكامها .
لكن الله سبحانه وتعالى جعل لما أوجبه على
الإِنسان أسبابا مباشرة، ومن ذلك أنه جعل
تصرفات الإنسان الاختيارية سبب التزاماته.
ويوضح ذلك الزركشي إذ يقول: ما أوجبه الله
على المكلفين ينقسم إلى ما يكون سببه جناية
ویسمی عقوبة، وإلی ما یکون سببه إتلافا ویسمی
ضمانا، وإلى ما يكون سببه التزاما ويسمى ثمنا أو
أجرة أو مهرا أو غيره، ومنه أداء الدیون والعوارى
والودائع، واجبة بالالتزام. (٢)
ويقول: حقوق الآدميين المالیة تجب بسبب
مباشرته من التزام أو إتلاف. (٣)
الحكم التكليفي للالتزام :
١٦ - الالتزام بأحكام الإسلام أمر واجب على كل
مسلم .
(١) الفروق للقرافي ٣/ ١٨٤ - ١٨٥ ط دار المعرفة.
(٢) المنثور في القواعد للزركشي ٣٩٢/٣
(٣) المنثور ٢/ ٦٠
ومن ذلك ما أوجبه علیه من عقوبات وضمان
متلفات والقيام بالنفقات وأعمال الولاية. أما
بالنسبة لتصرفات الإِنسان الاختيارية فالأصل فيها
الإِباحة. إذ لكل إنسان الحرية في أن يتصرف
التصرف المشروع الذي يلتزم به أمرا، ما دام ذلك
لم يمس حقا لغيره. (١) وقد تعرض له الأحكام
التكليفية الأخرى.
فیکون واجبا، کبذل المعونة بیعا أو قرضا أو
إعارة للمضطر لذلك. (٢) وكوجوب قبول الوديعة
إذا لم يكن من يصلح لذلك غيره، وخاف إن لم
يقبل أن تهلك. (٣)
ویکون مندوبا، إذا كان من باب التبرعات التي
تعین الناس علی مصالحهم، لأنه إرفاق بهم،
يقول الله تعالى: (وَتَعاوَنُوا على البِرِّ والتقوى)، (٤)
ولقول النبي ﴿ : ((كلَّ معروفٍ صدقةٌ)). (٥)
ويكون حراما إذا كان فيه إعانة على معصية،
ولذلك لا يصح إعارة الجارية لخدمة رجل غير
(١) المنثور ٣٩٣/٣، ومنتهى الإرادات ٢/ ٢٦٠، والاختيار ٤/٢،
والمغني ٤٣٢/٥
(٢) الفروق ٩٤/٣، ومنح الجليل ٢/ ٤٦٢، ٤٦/٣
(٣) المهذب ٣٦٥/١، ٣٦٦، ومنح الجليل ١١٩/٤، في باب
اللقطة .
(٤) سورة المائدة / ٢.
(٥) الاختيار ٤٨/٣، ٥٥، ومنح الجليل ٤٦/٣، والمهذب
٤٤٧/١، ٤٥٣، والمغني ١٤٩/٥
وحديث: ((كل معروف صدقة)) أخرجه البخاري ومسلم مرفوعا.
(فتح الباري ٤٤٧/١٠ ط السلفية، وصحيح مسلم ٢/ ٦٩٧ ط
مصطفى الحلبي).
- ١٥٠ -

التزام ١٧ - ١٨
محرم، ولا الوصية بخمر لمسلم، ولا نذر
المعصية . (١)
ویکون مکروها، إذا أعان على مكروه، کمن
يفضل بعض أولاده في العطية. (٢)
أركان الالتزام :
١٧ - ركن الالتزام عند الحنفية هو: الصيغة فقط
ويزاد عليها عند غيرهم: الملتزم (بكسر الزاي)
والملتزم له، والملتزم به، أي محل الالتزام.
أولا : الصيغة :
١٨ - تتكون الصيغة من الإيجاب والقبول معا في
الالتزامات التي تتوقف على إرادة الملتزم والملتزم
له، كالنكاح وكعقود المعاوضات، مثل البيع
والإِجارة، وهذا باتفاق.
أما الالتزامات بالتبرعات كالوقف والوصية
والهبة ففيها اختلاف الفقهاء بالنسبة للقبول. (٣)
ومن الالتزامات ما يتم بإرادة الملتزم وحده
باتفاق، کالنذر والعتق والیمین.
وصيغة الالتزام (الإِيجاب) تكون باللفظ أوما
يقوم مقامه من كتابة أو إشارة مفهمة ونحوها مما يدل
على إلزام الشخص نفسه ما التزمه . (٤)
وقد يكون الالتزام بالفعل كالشروع في الجهاد
(١) جواهر الإكليل ٢/ ١٤٥، والمهذب ٤٥٩/١
ے
(٢) جواهر الإكليل ١٤٥/٢، والشرح الصغير ٣٥/٤، والمغني
٦٦٦/٥
(٣) تكملة ابن عابدين ٣٠٣/٢، والبدائع ٢/٦، ١١٥، وجواهر
الإكليل ٢/ ١٧، ونهاية المحتاج ٤/ ٤٢٤، وقواعد الأحكام
٧٣/٢، وأشباه السيوطي ٣٠٣، ٣٠٤، والمغني ٥/ ٦٠٠،
٦٠١، والمنثور ٤٠٥/٢
(٤) نهاية المحتاج ٤٣٩/٤، ٧٦/٥، وفتح العلي ٢١٨/١
والحج، وكمن قام إلى الصلاة فنوى وكبر فقد
عقدها لربه بالفعل .(١)
كذلك يكون الالتزام بمقتضى العادة، ومن
القواعد الفقهية (العادة محكّمة) ومن ذلك من
تزوجت وهي ساكنة في بيت لها، فسكن الزوج
معها، فلا كراء عليه، إلا أن تبين أنها ساكنة
بالكراء . (٢)
ويلاحظ أن أغلب الالتزامات قد میزت بأسماء
خاصة، فالالتزام بتسليم الملك بعوض بيع،
وبدونه هبة أو عطية أو صدقة، والالتزام بالتمكين
من المنفعة بعوض إجارة، وبدونه إعارة أو وقف أو
عمری، وسمی التزام الدین ضمانا، ونقله حوالة،
والتنازل عنه إبراء، والتزام طاعة الله بنية القربة:
نذرا(٣) وهكذا.
ولكل نوع من هذه الالتزامات صيغ خاصة
سواء أكانت صريحة، أم كناية تحتاج إلى نية أو
قرينة، وتنظر في أبوابها.
وقد ذكر الفقهاء ألفاظاً خاصة تعتبر صريحة في
الالتزام وهي: التزمت، أو ألزمت نفسي . ومنها
أيضا لفظ (عليّ) أو (إليّ)، جاء في الهداية(٤) في
باب الكفالة لوقال: علي أو إلي تصح الكفالة،
لأنها صيغة الالتزام، وقال مثل ذلك ابن عابدين.
وفي نهاية المحتاج: (٥) شرط الصيغة في الإِقرار لفظ
(١) إعلام الموقعين ١٣٢/٢، وأحكام القرآن لابن العربي
٥٢٦/٢، والقواعد لابن رجب / ٢٣٣
(٢) فتح العلي المالك ٢٤٨/١
(٣) فتح العلي المالك ٢١٨/١ ط دار المعرفة.
(٤) الهداية ٣/ ٨٧، وابن عابدين ٢٥٣/٤
(٥) نهاية المحتاج ٧٦/٥، ٢٠٩/٨، وقليوبي ٣٢٩/٢
- ١٥١ -

التزام ١٩ - ٢٠
أو كتابة من ناطق أو إشارة من أخرس تشعر
بالالتزام بحق، مثل: لزيد هذا الثوب، و((علي)»
و((في ذمتي)) للمدين الملتزم، و((معي)) و((عندي))
للعين.
ثانيا : الملتزم :
١٩ - الملتزم هو من التزم بأمر من الأمور كتسليم
شيء، أو أداء دين، أو القيام بعمل. والالتزامات
متنوعة على ماهو معروف.
فما كان منها من باب المعاوضات فإنه يشترط فيه
في الجملة أهلية التصرف.
وما كان من باب التبرعات فيشترط فيه أن
يكون أهلا للتبرع. (١)
وفي ذلك تفصيل من حيث تصرف الوكيل
والولي والفضولي، ومن الفقهاء من أجازوصية
السفيه والصبي المميز كالحنابلة. (٢) وينظر ذلك في
أبوابه .
ثالثا : الملتزم له :
٢٠ - الملتزم له الدائن، أو صاحب الحق: فإن كان
الالتزام تعاقديا، وكان الملتزم له طرفا في العقد،
فإنه يشترط فيه الأهلية، أي أهلية التعاقد على
ما هو معروف في العقود، وإلا تم ذلك بواسطة من
ینوب عنه .
وإذا كان الالتزام بالإِرادة المنفردة فلا يشترط في
الملتزم له ذلك.
والذي يشترط في الملتزم له في الجملة أن يكون
(١) فتح العلي المالك ١/ ٢١٧، ونهاية المحتاج ٤٦٤/٥، ٤/ ٤٢٠،
٣٤/٦، والبدائع ١١٨/٦، ٢٠٧، والمادة ١٦٨ من مرشد
الحيران.
(٢) منتهى الإرادات ٥٣٩/٢
ممن يصح أن يملك، أويملك الناس الانتفاع به
کالمساجد والقناطر. (١)
وعلى ذلك فإنه يصح الالتزام للحمل، ولمن
سيوجد، فتصح الصدقة عليه والهبة له. (٢) وعند
المالكية تجوز الوصية لميت علم الموصي بموته،
ویصرف الموصى به في قضاء ما عليه من الديون،
وإلا صرف لورثته وإلا بطلت الوصية . (٣)
کما أن کفالة دین الميت المفلس جائزة، وقد أقر
النبي ◌َّ ذلك، فقد روى البخاري عن سلمة بن
الأكوع ((أن النبي لل أتي برجل يصلي عليه فقال:
هل عليه دين؟ قالوا: نعم ديناران، قال: هل ترك
لهما وفاء؟ قالوا: لا، فتأخر، فقيل: لم لا تصلي
عليه؟ فقال: ما تنفعه صلاتي وذمته مرهونة إلا إن
قام أحدكم فضمنه، فقام أبوقتادة فقال: هما علي
يا رسول الله، فصلى عليه النبي وَلات)). (٤)
(١) فتح العلي المالك ٢١٧/١
(٢) الاختيار ٦٤/٥، وفتح العلي ٢٤٨/١، ٢٤٩، والمغني ٦/ ٥٦،
٥٨
(٣) جواهر الإكليل ٣١٧/٢
(٤) جواهر الإكليل ١٠٩/٢، ونهاية المحتاج ٤١٨/٤، والمغني
٤/ ٥٩١.
وحديث: ((سلمة بن الأكوع .... )) أخرجه البخاري بلفظ
((كنا جلوسا عند النبي # إذا أتي بجنازة فقالوا: صلِّ عليها،
فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا. قال: فهل ترك شيئا؟ قالوا:
لا. فصلى عليه. ثم أتي بجنازة أخرى فقالوا: يارسول الله صل
عليها، قال: هل عليه دين؟ قيل: نعم. قال. فهل ترك شيئا؟
قالوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليها، ثم أتي بالثالث فقالوا: صل
عليها. قال: هل ترك شيئا؟ قالوا: لا. قال: فهل عليه دين؟
قالوا: ثلاثة دنانير. قال: صلوا على صاحبكم. قال أبو قتادة:
صل علیه یارسول الله وعلي دینه، فصلی علیه)). (فتح الباري
٤ / ٤٦٦، ٤٦٧ ط السلفية).
- ١٥٢ -

التزام ٢١ - ٢٢
كما أنه يجوز الالتزام للمجهول، فقد نص الفقهاء
على صحة تنفيل الإِمام في الجهاد بقوله محرضا
للمجاهدین: من قتل قتیلا فله سلبه، وعندئذ من
يقتل عدوا يستحق أسلابه، ولو لم یکن ممن سمعوا
مقالة الإِمام. (١)
ومن ذلك ما لو قال رجل: من يتناول من مالي
فهو مباح فتناول رجل من غير أن يعلم. (٢)
ومن ذلك أيضا بناء سقاية للمسلمين أوخان
لأبناء السبيل. (٣)
وينظر تفصيل ذلك في مواضعه .
رابعا : محل الالتزام (الملتزم به):
٢١ - الالتزام هو إيجاب الفعل الذي يقوم به الملتزم
كالالتزام بتسليم المبيع للمشتري، وتسليم الثمن
للبائع، وكالالتزام بأداء الدين، والمحافظة على
الوديعة، وتمكين المستأجر والمستعير من الانتفاع
بالعين، والموهوب له من الهبة، والمسكين من
الصدقة، والقيام بالعمل في عقد الاستصناع
والمساقاة والمزارعة، وفعل المنذور، وإسقاط الحق
... وهكذا.
وهذه الالتزامات ترد على شيء تتعلق به، وهو
قد يكون عينا أودينا، أو منفعة أو عملا، أوحقا،
وهذا مايسمى بمحل الالتزام أو موضوعه .
ولكل محل شروط خاصة حسب طبيعة التصرف
المرتبط به، والشروط قد تختلف من تصرف إلى
(١) ابن عابدين ٢٣٨/٣، والاختيار ١٣٢/٤، وشرح منتهى
الإرادات ٢/ ١٠٧
(٢) تكملة ابن عابدين ٢٩٩/٢
(٣) الاختيار ٤٥/٣
آخر، فما يجوز الالتزام به في تصرف قد لا يجوز
الالتزام به في تصرف آخر.
إلا أنه يمكن إجمال الشروط بصفة عامة مع
مراعاة الاختلاف في التفاصيل. وبيان ذلك
فيما يلي:
أ - انتفاء الغرر والجهالة :
٢٢ - يشترط بصفة عامة في المحل الذي يتعلق به
الالتزام انتفاء الغرر، والغررينتفي عن الشيء - كما
يقول ابن رشد - بأن يكون معلوم الوجود، معلوم
الصفة، معلوم القدر، ومقدورا على تسليمه .
وانتفاء الغرر شرط متفق عليه في الجملة في
الالتزامات التي تترتب على المعاوضات المحضة
كالبيع والإِجارة، مبيعا وثمنا ومنفعة وعملا
وأجرة .(١)
هذا مع استثناء بعضها بالنسبة لوجود محل
الالتزام وقت التصرف كالسلم والإِجارة
والاستصناع، فإنها أجيزت استحسانا مع عدم
وجود المسلم فيه والمنفعة والعمل، وذلك للحاجة.
ويراعى كذلك الخلاف في بيع الثمر قبل بدو
صلاحه .
وإذا كان شرط انتفاء الغرر متفقا عليه في
المعاوضات المحضة، فإن الأمر يختلف بالنسبة
لغيرها من تبرعات كالهبة بلا عوض والإِعارة،
(١) بداية المجتهد ١٤٨/٢، ١٧٢، ٢٢٠، ٢٢٦، والبدائع ٣/٥،
١٤٧، ١٤٨، ١٥٦، ١٥٨، والمهذب ٤٠٢/١ ومابعدها،
ونهاية المحتاج ٢١/٣، ٢٢ وإعلام الموقعين ٢٨/٢، والمغني
٤٣٤/٥ - ٤٣٧، وأشباه ابن نجيم ٩١، ٩٢، والمنشور في
القواعد ٢/ ٤٠٠، ٤٠١، ٤٠٣
- ١٥٣ -

التزام ٢٣ - ٢٥
وتوثيقات كالرهن والكفالة وغيرها .
فمن الفقهاء من يجيز الالتزام بالمجهول
وبالمعدوم وبغير المقدور على تسليمه، ومنهم من لا
يجيز ذلك. وأكثرهم تمسكا بذلك الحنفية
والشافعية .
٢٣ - ومن العسير في هذا المقام تتبع كل التصرفات
لمعرفة مدى انطباق شرط انتفاء الغرر على كل
تصرف .
ولذلك سنكتفي ببعض نصوص المذاهب التي
تلقي ضوءا على ذلك، على أن يرجع في
التفصیلات إلى مواضعها :
(١) في الفروق للقرافي: الفرق الرابع
والعشرون بين قاعدة: ما تؤثر فيه الجهالات
والغرر، وقاعدة: ما لا يؤثر فيه ذلك من
التصرفات.
وردت الأحاديث الصحيحة في نهيه عليه
الصلاة والسلام عن بيع الغرر وعن بيع المجهول.
واختلف العلماء بعد ذلك، فمنهم من عممه في
التصرفات، وهو الشافعي، فمنع من الجهالة في
الهبة والصدقة والإِبراء والخلع والصلح وغير ذلك.
ومنهم من فصّل، وهو مالك، بين قاعدة ما يجتنب
فيه الغرر والجهالة، وهوباب المماكسات والتصرفات
الموجبة لتنمية الأموال وما يقصد به تحصیلها،
وقاعدة مالا يجتنب فيه الغرر والجهالة، وهو مالا
يقصد لذلك، وانقسمت التصرفات عنده ثلاثة
أقسام: طرفان وواسطة.
٢٤ - فالطرفان : أحدهما معاوضة صرفة، فيجتنب
فيها ذلك إلا ما دعت الضرورة إليه عادة .
وثانيهما ما هو إحسان صرف لا يقصد به تنمية
المال، كالصدقة والهبة والإِبراء، فإن هذه
التصرفات لا يقصد بها تنمية المال، بل إن فاتت.
على من أحسن إليه بها لا ضرر عليه، فإن لم يبذل
شيئا بخلاف القسم الأول إذا فات بالغرر
والجهالات ضاع المال المبذول في مقابلته، فاقتضت
حكمة الشرع منع الجهالات فيه. أما الإِحسان
الصرف فلا ضرر فيه، فاقتضت حكمة الشرع
وحثه على الإِحسان التوسعة فیه بکل طريق،
بالمعلوم والمجهول، فإن ذلك أيسر لكثرة وقوعه
قطعا، وفي المنع من ذلك وسيلة إلى تقليله، فإذا
وهب له عبده الآبق جاز أن يجده، فيحصل له ما
ينتفع به ولا ضرر عليه إن لم يجده، لأنه لم يبذل
شیئا .
وهذا فقه جمیل. ثم إن الاحاديث لم يرد فيها ما
يعم هذه الأقسام حتى نقول: يلزم منه مخالفة
نصوص الشرع، بل إنما وردت في البيع ونحوه .
٢٥ - وأما الواسطة بين الطرفين فهو النكاح، فهو
من جهة أن المال فيه ليس مقصودا - وإنما مقصده
المودة والألفة والسكون - يقتضي أن يجوز فيه
الجهالة والغرر(١) مطلقا، ومن جهة أن صاحب
الشرع اشترط فيه المال بقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا
بأموالِكُمْ﴾(٢) يقتضي امتناع الغرر والجهالة فيه .
فلوجود الشبهين توسط مالك فجوز فيه الغرر
القليل دون الكثير، نحو عبد من غير تعيين وشورة
بيت (وهي الجهاز)، ولا يجوز على العبد الآبق
والبعير الشارد، لأن الأول يرجع فيه إلى الوسط
(١) جواز الغرر والجهالة مقصود بهما الصداق بدفيل مابعده.
(٢) سورة النساء / ٢٤
- ١٥٤ -

٠٠
التزام ٢٥ - ٢٦
المتعارف، والثاني ليس له ضابط فامتنع، وألحق
الخلع بأحد الطرفين الأولين الذي يجوز فيه الغرر
مطلقا، لأن العصمة وإطلاقها ليس من باب ما
بقصد للمعاوضة، بل شأن الطلاق أن یکون بغير
شيء فهو كالهبة. فهذا هو الفرق، والفقه مع مالك
رحمه الله.(١)
وفي الفروق كذلك: اتفق مالك وأبو حنيفة على
جواز التعليق في الطلاق والعتاق قبل النكاح وقبل
الملك، فيقول للأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق،
وللعبد: إن اشتريتك فأنت حر، فيلزمه الطلاق
والعتاق إذا تزوج واشترى خلافا للشافعي،
ووافقنا الشافعي على جواز التصرف بالنذر قبل
الملك، فيقول: إن ملكت دينارا فهو صدقة .
وجميع ما يمكن أن يتصدق به المسلم في الذمة
في باب المعاملات.
ودليل ذلك.
أولا : القياس على النذر في غير المملوك بجامع
الالتزام بالمعدوم .
وثانيا : قال الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾(٢)
والطلاق والعتاق عقدان عقدهما على نفسه فيجب
الوفاء بهما.
وثالثا . قوله عليه الصلاة والسلام: ((المسلمونَ
على شُرُوطِهم»، (٣) وهذان شرطان فوجب الوقوف
(١) الفروق للقرافي ١/ ١٥٠، ١٥١
(٢) سورة المائدة / ١
(٣) حديث: ((المسلمون على شروطهم)) أخرجه الترمذي (تحفة
الأحوذي ٤ / ٥٨٤ نشر السلفية) من طريق كثير بن عبدالله وقال:
هذا حديث حسن صحيح، وأبوداود (١٩/٤، ٢٠=
معهما . (١)
٢٦ - (٢) في المنثور للزركشي : من حكم العقود
اللازمة أن يكون المعقود عليه معلوما مقدورا على
تسليمه في الحال، والجائز قد لا يكون كذلك،
كالجعالة تعقد على رد الآبق.
ثم قال: حيث اعتبر العوض في عقد من
الطرفین أومن أحدهما فشرطه أن يكون معلوما،
كثمن المبيع وعوض الأجرة، إلا في الصداق
وعوض الخلع، فإن الجهالة فيه لا تبطله، لأن له
مرادا (بدلا) معلوما وهو مهر المثل، وقد يكون
العوض في حكم المجهول، كالعوض في المضاربة
والمساقاة. (٢)
(٣) في إعلام الموقعين بعد أن قرر ابن القيم أن
العلة في بطلان بيع المعدوم هي الغرر قال: وكذلك
سائر عقود المعاوضات بخلاف الوصية فإنها تبرع
محض، فلا غرر في تعلقها بالموجود والمعدوم، وما
يقدر على تسليمه وما لا يقدر، وطَّرْدُه (مثاله):
الهبة، إذ لا محذور في ذلك فيها، وقد صح عن
النبي ◌ّ هبة المشاع المجهول في قوله لصاحب كُبّة
الشعر حين أخذها من المغنم، وسأله أن يهبها له
= ط عزت عبيد دعاس) والحاكم (المستدرك ٤٩/٢) من طريق
کثیر بن زید.
قال الذهبي: هذا الحديث لم يصححه الحاكم، وكثير ضعفه
النسائي ومشاه غيره. وقد نوقش الترمذي في تصحيح حديثه، فإن في
إسناده كثيربن عبدالله وهو ضعيف جدا، قال الشوكاني بعد أن ذكر
طرق الحديث المختلفة: ولا يخفى أن الأحاديث المذكورة والطرق
يشهد بعضها لبعض فأقل أحوالها أن يكون المتن الذي اجتمعت عليه
حسنا (نيل الأوطار ٣٧٨/٥، ٣٧٩ ط دار الجيل)
(١) الفروق ١٦٩/٣
(٢) المنثور في القواعد للزركشي ٤٠٠/٢ - ٤٠٣، ١٣٨/٣، ١٣٩
- ١٥٥ -

التزام ٢٧ - ٢٨
فقال: ((أما ما كانَ لِي وَلِبَنِي عبد المطلب فَهُوَلك))(١)
٢٧ -(٤) في القواعد لابن رجب (٢) في إضافة
الإنشاءات والإِخبارات إلى المبهمات قال: أما
الإِنشاءات فمنها العقود، وهي أنواع:
أحدها : عقود التمليكات المحضة كالبيع
والصلح بمعناه (أي على بدل)، وعقود التوثيقات
كالرهن والكفالة، والتبرعات اللازمة بالعقد أو
بالقبض بعدة كالهبة والصدقة، فلا يصح في مبهم
من أعيان متفاوتة، كعبد من عبيد، وشاة من
قطيع، وكفالة أحد هذين الرجلين، وضمان أحد
هذين الدينين. وفي الكفالة احتمال، لأنه تبرع،
فهو كالإعارة والإِباحة، ويصح في مبهم من أعيان
متساوية مختلطة، كقفيز من صبرة، فإِن كانت
متميزة متفرقة ففيه احتمالان ذكرهما في التلخيص،
وظاهر كلام القاضي الصحة.
والثاني : عقود معاوضات غير متمحضة،
كالصداق وعوض الخلع والصلح عن دم العمد،
ففي صحتها على مبهم من أعيان مختلفة وجهان:
أصحهما الصحة.
والثالث: عقد تبرع معلق بالموت فيصح في
المبهم بغير خلاف لما دخله من التوسع، ومثله عقود
التبرعات، كإعارة أحد هذين الثوبين وإباحة أحد
(١) إعلام الموقعين ٢٨/٢.
وحديث: ((أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك .. ))
أخرجه أحمد وأبوداود والنسائي والبيهقي مطولا، وقال أحمد شاكر
محقق مسند أحمد بن حنبل : إسناده صحيح (مسند أحمد بن حنبل
بتحقيق أحمد شاكر ٢١/١١ رقم ٦٧٢٩/١، وعون المعبود
١٥/٣ ط الهند، وسنن النسائي ٢٦٢/٥ - ٢٦٤).
(٢) القواعد لابن رجب / ٣,
هذين الرغيفين، وكذلك عقود المشاركات
والأمانات المحضة، مثل أن يقول: ضارب بإحدى
هاتين المائتين - وهما في كيسين - ودع الأخرى عندك
وديعة. وأما الفسوخ فما وضع منها على التغليب
والسراية صح في المبهم. كالطلاق والعتاق ..
الخ.
ب - قابلية المحل لحكم التصرف :
٢٨ - يشترط كذلك في المحل الذي يتعلق به
الالتزام: أن يكون قابلا لحكم التصرف، بمعنی
ألا يكون التصرف فيه مخالفا للشرع.
وهذا الشرط متفق عليه بصفة عامة مع
الاختلاف في التفاصيل.
يقول السيوطي : كل تصرف تقاعد عن تحصيل
مقصوده فهو باطل. فلذلك لم يصح بيع الحر ولا
الإِجارة على عمل محرم . (١)
ويقول ابن رشد في الإجارة: (٢) مما اجتمعوا
على إبطال إجارته: كل منفعة كانت لشيء محرم
العين، كذلك كل منفعة كانت محرمة بالشرع،
مثل أجر النوائح وأجر المغنيات، وكذلك كل منفعة
كانت فرض عين على الإِنسان بالشرع، مثل
الصلاة وغيرها .
وفي المهذب: (٣) الوصية بما لا قربة فيه،
كالوصية للكنيسة والوصية بالسلاح لأهل الحرب
باطلة .
وبالجملة فإنه لا يصح الالتزام بما هو غير
(١) الأشباه للسيوطي / ١٦٧، ٣١٠
(٢) بداية المجتهد ٢/ ٢٢٠، والمغني ٢٤٦/٤، ٢٤٧
(٣) المهذب ٤٥٨/١
- ١٥٦ -

التزام ٢٩ - ٣١
مشروع، كالالتزام بتسليم الخمر أو الخنزير في بيع
أو هبة أووصية أو غير ذلك، ولا الالتزام بالتعامل
بالربا، أو الزواج بمن تحرم عليه شرعا. وهكذا.
وینظر تفصيل ذلك في مواضعه.
آثار الالتزام :
آثار الالتزام هي: ما تترتب عليه، وهي المقصد
الأصلي للالتزام. وتختلف آثار الالتزام تبعا
لاختلاف التصرفات الملزمة واختلاف الملتزم به،
ومن ذلك :
(١) ثبوت الملك :
٢٩ - يثبت ملك العين أو المنفعة أو الانتفاع أو
العوض وانتقاله للملتزم له في التصرفات التي
تقتضي ذلك متی استوفت أركانها وشرائطها، مثل
البيع والإِجارة والصلح والقسمة، ومع ملاحظة
القبض فيما يشترط فيه القبض عند من يقول
به . (١) وهذا باتفاق.
(٢) حق الحبس :
٣٠ -یعتبر الحبس من آثار الالتزام. فالبائع له حق
حبس المبيع، حتى يستوفي الثمن الذي التزم به
المشتري، (٢) إلا أن يكون الثمن مؤجلا.
والمؤجر له حق حبس المنافع إلى أن يستلم
الأجرة المعجلة. وللصانع حق حبس العين بعد
(١) بدائع الصنائع ٢٠١/٤، ٢٤٣/٥، والأشباه لابن نجيم / ٣٤٦
- ٣٥٣، والتكملة لابن عابدين ٣٠٥/٢، والذخيرة ١٥١،
ومنح الجليل ٢/ ٥٥٠، وجواهر الإكليل ٢١٢/٢، ٢١٧،
والأشباه للسيوطي ٣٤٤ - ٣٥١، والمنثور في القواعد ٢/ ٤٠٦ -
٤٠٨، والقواعد لابن رجب ٦٩
(٢) البدائع ٥/ ٢٤٩، ٢٥٠، والمنثور ١٠٦/١
الفراغ من العمل إذا كان لعمله أثر في العین،
كالقصار والصباغ والنجار والحداد. (١)
والمرتهن له حق حبس المرهون حتى يؤدي
الراهن ما عليه. يقول ابن رشد: حق المرتهن في
الرهن أن یمسکه حتی یؤدي الراهن ما علیه،
والرهن عند الجمهور يتعلق بجملة الحق المرهون
فیه وببعضه، أعني أنه إذا رهنه في عدد ما، فأدی
منه بعضه، فإن الرهن بأسره یبقی بعد بید المرتهن
حتى يستوفي حقه. وقال قوم: بل یبقی من الرهن
بيد المرتهن بقدر ما يبقى من الحق، وحجة الجمهور
أنه محبوس بحق، فوجب أن یکون محبوسا بكل جزء
منه، أصله (أي المقيس عليه) حبس التركة على
الورثة حتى يؤدوا الدين الذي على الميت. وحجة
الفريق الثاني أن جمیعه محبوس بجمیعه، فوجب أن
يكون أبعاضه محبوسة بأبعاضه، أصله الكفالة. (٢)
ومن ذلك حبس المدین بما علیه من الدین، إذا
كان قادرا على أداء دينه وماطل في الأداء، وطلب
صاحب الدين حبسه من القاضي، وللغريم
كذلك منعه من السفر، لأن له حق المطالبة
بحبسه . (٣)
(٣) التسليم والرد :
٣١ - يعتبر التسليم من آثار الالتزام فيما يلتزم
الإِنسان بتسليمه .
(١) البدائع ٢٠٣/٤، ٢٠٤، والهداية ٢٣٣/٣، والحطاب
٤٣١/٥
(٢) بداية المجتهد ٢/ ٢٧٥، والهداية ٤/ ١٣٠
(٣) البدائع ٧/ ١٧٣، والقواعد لابن رجب/ ٨٧، والتبصرة
٣١٩/٢ ط دار المعرفة.
- ١٥٧ -

التزام ٣١ - ٣٢
فالبائع ملتزم بتسليم المبيع للمشتري، والمؤجر
ملتزم بتسليم العين وما يتبعها للمستأجر بحيث
تكون مهيأة للانتفاع بها، والمشتري والمستأجر
ملتزمان بتسليم العوض، وأجير الوحد (الأجير
الخاص) ملتزم بتسليم نفسه، والكفيل ملتزم
بتسليم ما التزم به، والزوج ملتزم بتسليم
الصداق، والزوجة ملتزمة بتسليم البضع،
والواهب ملتزم بتسليم الموهوب عند من يرى
وجوب الهبة، ورب المال في السلَم والمضاربة
مطالب بتسليم رأس المال.
وهكذا كل من التزم بتسليم شيء وجب عليه
القيام بالتسلیم .
ومثل ذلك رد الأمانات والمضمونات، سواء
أكان الرد واجبا ابتداء أم بعد الطلب، وذلك
كالمودع والمستعار والمستأجر والقرض والمغصوب
والمسروق واللقطه إذا جاء صاحبها، وما عند
الوكيل والشريك والمضارب إذا فسخ المالك
وهكذا .
مع اعتبار أن التسليم في کل شيء بحسبه، قد
یکون بالإِقباض، وقد يكون بالتخلية والتمكين من
الملتزم به . (١)
(٤) ثبوت حق التصرف :
يثبت للملتزم له حق التصرف في الملتزم به
(١) البدائع ٢٠٣/٤، ٢٣٥/٥، ٢٤٣ و٧/٦، ١٢، ٨٤، وابن
عابدين ٤٣/٤، والتكملة ٣٠٤/٢، ومنح الجليل ٢/ ٥٥٠،
والخرشي ٧/ ١٠٥، وبداية المجتهد ٢/ ١٤٥، ومغني المحتاج
٧٤/٢، والمنشور ٩٢/٣، والأشباه للسيوطي ٣٥١، ٣٥٢،
والقواعد لابن رجب ص ٥٣، ٦٩، ٧٤، والمغني ٢١٨/٤،
٥٩٢
بامتلاكه، لكن يختلف نوع التصرف باختلاف نوع
الملكية في الملتزم به، وذلك كما يأتي :
٣٢ - أ - إذا كان الملتزم به تمليكا للعين أو للدين،
فإنه يثبت للمالك حق التصرف فيه بكل أنواع
التصرف من بيع وهبة ووصية وعتق وأكل ونحو
ذلك، لأنه أصبح ملکه، فله ولاية التصرف فيه .
وهذا إذا كان بعد القبض بلا خلاف، أما قبل
القبض فإن الفقهاء يختلفون فيما يجوز التصرف فيه
قبل القبض ومالا يجوز.
وبالجملة فإِنه لا يصح عند الحنفية والشافعية،
وفي رواية عن الإِمام أحمد التصرف في الأعيان
المملوكة في عقود المعاوضات قبل قبضها. إلا العقار
فيجوز بيعه قبل قبضه عند أبي حنيفة وأبي يوسف
خلافا لمحمد. ودليل منع التصرف قبل القبض
قول النبي ﴿ لحكيم بن حزام: ((لا تَبَعْ مالم
تَقْبِضْهُ))(١) ولأن فيه غرر انفساخ العقد على اعتبار
الهلاك .
وعند المالكية، والمذهب عند الحنابلة: أنه يجوز
التصرف قبل القبض إلا في الطعام، فلا يجوز
التصرف فيه قبل قبضه، لقول النبي صل: ((من
ابتّاع طعاما فلا يبعْهُ حتى يَسْتَوْفِيه))(٢)
(١) حديث: ((لا تبع مالم تقبضه ... )) أخرجه الترمذي وأبوداود
والنسائي بلفظ: ((لا تبع ماليس عندك)) قال الترمذي. هذا
حديث حسن صحيح، وأقر المنذري تحسين الترمذي. (سنن
أبي داود ٧٦٨/٣، ٧٦٩ ط عزت عبيد دعاس، وتحفة الأحوذي
٤/ ٤٣٠، ٤٣١ نشر السلفية، وسنن النسائي ٢٨٩/٧ ط
المطبعة المصرية).
(٢) حديث: ((من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه ... )) أخرجه
البخاري من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعا.
(فتح الباري ٤/ ٣٤٤ ط السلفية).
- ١٥٨ -

التزام ٣٢ - ٣٣
وأما الديون :
فعند الحنفية يجوز التصرف فيها قبل القبض إلا
في الصرف والسلم :
أما الصرف فلأن كل واحد من بدلي الصرف
مبیع من وجه وثمن من وجه. فمن حیث هو ثمن
يجوز التصرف فيه قبل القبض، ومن حيث هو مبيع
لا يجوز، فغلب جانب الحرمة احتياطا.
وأما السلم فلأن المسلم فیہ مبيع بالنص،
والاستبدال بالمبيع المنقول قبل القبض لا يجوز.
وكذلك يجوز تصرف المقرض في القرض قبل
القبض عندهم، وذكر الطحاوي: أنه لا يجوز.
وعند المالكية يجوز التصرف في الديون قبل
القبض فيما سوى الصرف والسلم، فإِن الإِمام
مالکا منع بيع المسلم فيه قبل قبضه في موضعین:
أحدهما: إذا كان المسلم فيه طعاما، وذلك بناء
على مذهبه في أن الذي يشترط في صحة بيعه
القبض هو الطعام، على ما جاء عليه النص في
الحدیث.
والثاني: إذا لم يكن المسلَم فيه طعاما فأخذ
عوضه المسلم (صاحب الثمن) مالا يجوز أن يسلم
فيه رأس ماله، مثل أن يكون المسلم فيه عرضا
والثمن عرضا مخالفا له، فيأخذ المسلِم من المسلّم
إلیه إذا حان الأجل شيئا من جنس ذلك العرض
الذي هو الثمن، وذلك أن هذا يدخله إما سلف
وزیادة، إن كان العرض المأخوذ أکثر من رأس مال
السلم، وإما ضمان وسلف إن كان مثله أو أقل.(١).
(١) البدائع ٢٣٤/٥، وبداية المجتهد ٢/ ٢٢٤ نشر مكتبة الكليات
الأزهرية .
وعند الشافعية إن كان الملك على الديون
مستقرا، كغرامة المتلف وبدل القرض جاز بيعه ممن
عليه قبل القبض، لأن ملکه مستقر علیه، وهو
الأظهر في بیعه من غيره. وإن کان الدین غير
مستقر فإِن کان مسلما فيه لم يجز، وإن كان ثمنا في
بيع ففيه قولان .
وعند الحنابلة: كل عوض ملك بعقد ينفسخ
بهلاكه قبل القبض لم يجز التصرف فيه قبل قبضه،
كالأجرة وبدل الصلح إذا كانا من المكيل أو الموزون
أو المعدود، وما لا ینفسخ العقد بهلاكه جاز
التصرف فيه قبل قبضه، كعوض الخلع وأرش
الجناية وقيمة المتلف.
أما ما يثبت فيه الملك من غير عوض، كالوصية
والهبة والصدقة، فإنه يجوز في الجملة التصرف فيه
قبل قبضه عند الجمهور. (١)
٣٣ - ب - وإذا كان الملتزم به تمليكا للمنفعة، فإِنه
يثبت لمالك المنفعة حق التصرف في الحدود المأذون
فيها، وتمليك المنفعة لغيره كما في الإِجارة والوصية
بالمنفعة والإعارة وهذا عند المالكية وفي الإِجارة عند
جميع المذاهب، وفي غيرها اختلافهم، والقاعدة
عند الحنفية: أن المنافع التي تملك ببدل يجوز
تمليكها ببدل كالإِجارة، والتي تملك بغير عوض لا
(١) ابن عابدين ١٦٢/٤ - ١٦٥، والبائع ٢٣٤/٥، والهداية
٥٦/٣، ٢٢٤، وحاشية الدسوقي ١٥١/٣، وبداية المجتهد
١٤٤/٢ - ١٤٦، ٢٠٥، ومغني المحتاج ٦٨/٢، ٦٩، والمهذب
٢٦٩/١، ٢٧٠، والمغني ١٢٦/٤، ١٢٧، ١٢٨، ومنتهى
الإِرادات ١٧٦/٢، والقواعد لابن رجب من ٧٨ إلى ٨٣
- ١٥٩ -

التزام ٣٤ - ٣٧
يجوز تمليكها بعوض. فالمستعير يملك الإعارة ولا
يملك الإجارة . (١)
٣٤ - جـ ــ وإذا كان الملتزمُ به حقَ الانتفاع فقط،
فإِن حق التصرف يقتصر على انتفاع الملتزم له
بنفسه فقط، كما في العارية عند الشافعية، وفي وجه
عند الحنابلة، وكالإِباحة للطعام في الضيافات. (٢)
٣٥ - د - وإذا كان الملتزم به إذنا في التصرف، فإنه
يثبت للمأذون له حق التصرف المطلق إذا كان
الإذن مطلقا، وإلا اقتصر التصرف على ما أذن
به، وذلك كما في الوكالة والمضاربة. (٣)
وفي کل ذلك تفصیل ینظر في مواضعه.
(٥) منع حق التصرف :
٣٦ - قد ينشأ من بعض الالتزامات منع حق
التصرف ومن أمثلة ذلك:
الرهن، فلا يصح تصرف الراهن في المرهون
ببيع أو غيره، لأن المرتهن أخذ العين بحقه في
الرهن، وهو التوثق باستيفاء دينه وقبض المرهون.
فالمرتهن بالنسبة إلى الرهن كغرماء المفلس المحجور
عليه . (٤)
(٦) صيانة الأنفس والأموال :
٣٧ - الأصل أن المسلم ملتزم بحكم إسلامه
(١) الأشباه لابن نجيم ص ٢٧٤، ٣٥٣، ومنح الجليل ٤٨٦/٣،
ومغني المحتاج ٣٨٩/٢، والمغني ٢٢٦/٥
(٢) المراجع السابقة.
(٣) البدائع ٢٤/٦، و١٩٧/٧، والهداية ٣/٤، والدسوقي
٣٠٤/٣، ومغني المحتاج ٢/ ١٠٠، والمغني ٨٤/٥، ٩٤
(٤) القواعد لابن رجب ص ٨٧، والمنثور ٢٣٨/٣
بالمحافظة على دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم
لقول النبي * في خطبته يوم النحر: ((إنّ دماءَكُمْ
وأموالكم حرامٌ کحرْمَةِ یومِکم هذا، في شھرِكُم
هذا، في بلدكم هذا)».(١)
أما بالنسبة لغير المسلمين، فإِن مما يصون
دماءهم وأموالهم التزامُ المسلمين بذلك بسبب
العقود التي تتم معهم، كعقد الأمان المؤقت أو
الدائم. إذ ثمرة الأمان حرمةُ قتلهم واسترقاقهم
وأخذ أموالهم، ما داموا ملتزمين بموجب عقد
الأمان أو عقد الذمة. (٢)
ومن صيانة الأموال: الالتزام بحفظ الوديعة
بجعلها في مكان أمين. وقد يجب الالتزام بذلك
حرصا على الأموال، ولذلك يقول الفقهاء: إن لم
یکن من يصلح لأخذ الودیعة غیره وخاف إن لم
يقبل أن تهلك تعين عليه قبولها، لأن حرمة المال
كحرمة النفس، لما روى ابن مسعود أن النبي صل*
قال: ((حُرْمَةُ مالِ المؤمنِ كَحُرْمةٍ دمه)).(٣) ولو
(١) حديث: ((إن دماءكم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا ... ))
أخرجه البخاري ومسلم ضمن حديث طويل بلفظ: ((فإن
دماءكم وأموالكم)) - قال محمد: وأحسبه قال - وأعراضكم
عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا في شهركم هذا.
(فتح الباري ٧/١٠، ٨ ط السلفية، وصحيح مسلم ٣/ ١٣٠٥
ط عيسى الحلبي).
(٢) البدائع ٧/ ١٠٥، والفواكه الدواني ١ / ٤٦٨، والمغني
٢٣٨/٥، ٤٦٢/٧، ٤٦٣
(٣) حديث: ((حرمة مثل المؤمن ... )) أخرجه أحمد في مسنده
(٤٤٦/١) من طريق الهجري من حديث عبدالله بن مسعود
رضي الله عنه مرفوعا بلفظ: ((سباب المسلم أخاه فسوق، وقتاله
کفر، وحرمة ماله کحرمة دمه». قال أحمد شاكر: إسناده ضعيف
لضعف الهجري (المسند بتحقيق أحمد شاكر ٦/ ١٣٢) وأخرجه
أبو نعيم في الحلية من حديث الحسن بن صالح=
- ١٦٠ -