النص المفهرس
صفحات 121-140
أكل ١٧ - ٢٠
قال صنع أبوالهيثم ابن النبهان للنبي وملي طعاما
فدعا النبي وسلم وأصحابه، فلما فرغوا قال: ((أثيبوا
أخاكم، قالوا: يا رسول الله وما إثابته؟ قال: إن
الرجل إذا دخل بيته فأكل طعامه وشرب شرابه
فدعوا له، فذلك إثابته))(١)
و - الأكل بثلاثة أصابع :
١٧ - السنة الأكل بثلاثة أصابع، قال عياض:
والأكل بأكثر منها من الشره وسوء الأدب، ولأنه غير
مضطر لذلك لجمعه اللقمة وإمساکها من جهاتها
الثلاث،: وإن اضطر إلى الأكل بأكثر من ثلاثة
أصابع، لخفة الطعام وعدم تلفيقه بالثلاث يدعمه
بالرابعة أو الخامسة . (٢) هذا إن أکل بیده، ولا بأس
باستعمال الملعقة ونحوها کما یأتي .
ز - أكل اللقمة الساقطة :
١٨ - إذا وقعت اللقمة فليمط الآكل عنها الأذى
ولیأکلها ولا يدعها للشيطان، لأنه لا يدري موضع
البركة في طعامه، وقد يكون في هذه اللقمة
الساقطة، فتركها يفوت على المرء بركة الطعام، (٣)
لما روي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صل﴾ ((كان
= أخرجه أبو داود واللفظ له والبيهقي. وسكت عنه المنذري وقال
عبدالقادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: هو حديث صحيح.
( عون المعبود ٤٣٣/٣ ط الهند. والسنن الكبرى للبيهقي
٢٨٧/٧ ط دائرة المعارف العثمانية، وجامع الأصول ٣١١/٤)
(١) حديث جابر قال: ((صنع أبو الهيثم ... )) أخرجه أبو داود
وقال المنذري: فیه رجل مجهول، وفیه یزید بن عبدالرحمن أبو
خالد المعروف بالدالاني وقد وثقه غير واحد وتكلم فيه بعضهم.
( عون المبعود ٣/ ٤٣٣ ط الهند)
(٢) نيل الأوطار ٤٩/٩، وأسنى المطالب ٢٢٧/٣
(٣) نيل الأوطار ٩/ ٤٤ وما بعدها.
إذا طعم طعاما لعق أصابعه الثلاث وقال : وإذا
سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها،
ولا يدعها للشيطان)). (١)
حـ - عدم الاتكاء أثناء الأكل :
١٩ - وذلك لقوله ﴾ ((أما أنا فلا آكل متكئا))(٢) قال
الخطابي : المتكىء هنا الجالس معتمدا على وطاء
تحته، كقعود من يريد الإكثار من الطعام. وسبب
الحديث المذكور قصة الأعرابي المذکور في حدیث
عبدالله بن بسرقال: ((أهديت للنبي ﴿﴿ شاة،
فجثا رسول الله ﴿ على ركبتيه يأكل، فقال
أعرابي: ما هذه الجلسة؟ فقال: إن الله جعلني
عبدا كريما، ولم يجعلني جبارا عنيدا ... ))(٣)
واختلف في صفة الاتكاء، لكن مرادهم أن
الإكثار من الطعام مذموم، ومراده ◌َ ايز ذم فعل من
یستکثر الطعام، ومدح من لا یأکل إلا البلغة من
الزاد، ولذلك قعد مستوفزا . (٤)
ط - التسوية بين الحاضرين على الطعام :
٢٠ - فقد روي عن جابر أن رسول الله ( # أتى
(١) حديث أنس: ((أن النبي # كان إذا أكل طعاما ... )). أخرجه
مسلم (١٦٠٧/٣ ط عيسى الحلبي)
(٢) حديث: ((أما أنا فلا آكل متكنا ... )). أخرجه البخاري من
حديث جحيفة رضي الله عنه بلفظ: ((إني لا آكل متكئا)) وفي
رواية: ((لا آكل وأنا متكىء)) وأما اللفظ الوارد في صلب الموسوعة
فهو للترمذي. ( فتح الباري ٩/ ٥٤٠ ط السلفية، وتحفة
الأحوذي ٥٥٧/٥ - ٥٥٩ نشر المكتبة السلفية).
(٣) حديث عبد الله بن بسر قال: ((أهديت للنبي ﴿ ... )) أخرجه
ابن ماجه. وقال الحافظ البوصيري في الزوائد : إسناده صحيح
رجاله ثقات (سنن ابن ماجه ١٠٨٦/٢ ط عيسى الحلبي).
(٤) أسنى المطالب ٢٢٧/٣، ونيل الأوطار ٩/ ٤٤ وما بعدها.
- ١٢١ -
أكل ٢٠ - ٢٢
بعض حجر نسائه، فدخل، ثم أذن لي فدخلت
الحجاب عليها، فقال: هل من غداء؟ فقالوا:
نعم. فأتي بثلاثة أقرصة فوضعن على نبي (مائدة
من خوص) فأخذ رسول الله څے قرصا فوضعه بین
يديه، وأخذ قرصا آخر فوضعه بين يدي، ثم أخذ
الثالث فکسره اثنین، فجعل نصفه بین یدیه ونصفه
بين يدي، ثم قال: هل من أُدْم؟ قالوا: لا، إلا
شيء من خَلّ، قال: هاتوه، فنعم الأدم هو)).(١)
والتسوية بين الحاضرين على الطعام مستحبة،
حتى لو كان بعض الحاضرين أفضل من بعض. (٢)
هذا، ومن آداب الأكل أثناء الطعام إكرام
الخبز، لحديث عائشة مرفوعا: ((أكرموا الخبز))، (٣)
وعدم البصاق والمخاط حال الأكل إلا لضرورة.
ومن آدابه كذلك الأكل مع الجماعة، والحديث غير
المحرَّم على الطعام، ومؤاكلة صغاره وزوجاته،
وألا يخص نفسه بطعام إلا لعذر كدواء، بل يؤثرهم
على نفسه فاخر الطعام، كقطعة لحم وخبز لين
أو طيب.
(١) حديث جابر: أخرجه مسلم (١٦٢٢/٣، ١٦٢٣ ط عيسى
الحلبي، ونيل الأوطار ١٦٣/٨ ط دائرة المعارف العثمانية).
(٢) فتح الباري ٩/ ٤٣٧
(٣) حديث: ((أكرموا الخبز ... )). أخرجه الحاكم والبيهقي من
حديث عائشة رضي الله عنها.
وذكر السخاوي والمناوي طرق الحديث المختلفة وكلها
مطعون فيها، لكن صنيع الحافظ العراقي يؤذن بأنه شدید
الضعف لا موضوع، وأمثل طرقه طريق الحاكم والبيهقي من
حديث عائشة المشار إليه آنفا. وحكم الألباني بحسنه .
( فيض القدير ٢/ ٩١ - ٩٣، والمقاصد الحسنة ص ٧٨ نشر
مكتبة الخانجي، وصحيح الجامع الصغير ٣٨٩/١)
وإذا فرغ ضيفه من الطعام ورفع يده قال
صاحب الطعام: كُلْ، ويكررها عليه مالم يتحقق
أنه اكتفى منه، ولا يزيد على ثلاث مرات، وأن
يتخلل، ولا يبتلع ما يخرج من أسنانه بالخلال بل
يرميه . (١)
آداب الأكل بعد الفراغ منه :
٢٢ - يسن أن يقول الآكل ما ورد من حمد الله
والدعاء بعد تمام الأكل، فقد كان النبي مَّةٍ إذا رفع
مائدته قال: ((الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه
غير مَكْفِيّ (٢) ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا))(٣)
وقد كان الرسول و﴿ إذا أكل طعاما غير اللبن
قال: ((اللهم بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرا منه)) وإذا
شرب لبنا قال: ((اللهم بارك لنا فيه، وزدنا
منه)) . (٤)
وقد روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول
الله وَلّ قال: ((من أطعمه الله طعاما فليقل: اللهم
بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه، ومن سقاه الله لبنا
فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه)). (٥)
(١) أسنى المطالب ٢٢٧/٣
(٢) أحسن ما قيل في تفسيره: أنه وصف لله تعالى، أي غير محتاج إلى
أحد، لكنه هو الذي يطعم عباده ويكفيهم.
(٣) حديث: ((كان النبي # إذا رفع مائدته ... )) أخرجه البخاري
(فتح الباري ٩/ ٥٨٠ ط السلفية).
(٤) حديث: ((وقد كان رسول اللّه بي اذا أكل طعاما غير اللبن .. ))
)) أخرجه الترمذي بلفظ: ((من أطعمه الله الطعام فليقل: اللهم
بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه، ومن سقاه الله لبنا فليقل: اللهم
بارك لنا فيه وزدنا منه)). وقال: هذا حديث حسن.
( سنن الترمذي ٥/ ٥٠٦، ٥٠٧ ط استانبول.)
(٥) نيل الأوطار ٥٥٢/٩، وحاشية ابن عابدين ٢١٥/٥ =
- ١٢٢ -
٩٫٥٠
أکل ٢٣ - ٢٥
آداب عامة في الأكل :
أ - عدم ذم الطعام :
٢٣ - روى أبوهريرة رضي الله عنه قال: ((ما عاب
النبي وير طعاما قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه
تركه))(١) والمراد الطعام المباح، أما الحرام فكان
یعیبه ویذمه وینهی عنه .
وذهب بعضهم إلى أنه إن كان العيب من جهة
الخلقة کره، وإن كان من جهة الصنعة لم یکره، لأن
صنعة الله لا تعاب وصنعة الآدميين تعاب. والذي
يظهر التعميم، فإِن فيه كسر قلب الصانع.
قال النووي: من اداب الطعام المتأكدة ألا
يعاب كقوله: مالح، حامض، قليل الملح، غليظ،
رقيق، غير ناضج، وغير ذلك - قال ابن بطال:
هذا من حسن الآداب، لأن المرء قد لا يشتهي
الشيء ویشتهيه غيره، وکل مأذون في أکله من قبل
الشرع ليس فيه عيب. (٢)
وحديث: ((من أطعمه الله طعاما ... )) أخرجه الترمذي
=
وأبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وفي إسناده
عمر بن حرملة، ويقال: ابن أبي حرملة سئل عنه أبو زرعة
فقال: بصري لا أعرفه إلا في هذا الحديث. كما أن في إسناده
علي بن زيد بن جدعان أبو الحسن البصري وقد ضعفه جماعة من
الأئمة .
( تحفة الأحوذي ٩/ ٤٢١، ٤٢٢ نشر المكتبة السلفية، وعون
المعبود ٣٩٣/٣ ط الهند).
(١) حديث: ((ما عاب النبي 8* طعاما ... )). أخرجه البخاري
ومسلم (فتح البساري ٩/ ٥٤٧ ط السلفية، وصحيح مسلم
١٦٣٢/٣ ط عيسى الحلبي).
(٢) فتح الباري ٩/ ٥٤٧
ب - استعمال الملاعق والسكاكين وأدوات الطعام :
٢٤ - يجوز استعمال السكين وما في معناه، لخبر
الصحيحين عن عمروبن أمية الضمري أنه رأى
النبي وَ ل ﴾ («يحتز من كتف شاة في يده، فدعي إلى
الصلاة، فألقاها والسكين التي يحتزبها، ثم قام
فصلى ولم يتوضأ)). (١)
وأما خبر ((لا تقطعوا اللحم بالسكين))(٢) فقد
سئل عنه الإِمام أحمد فقال: ليس بصحيح. وقال
ابن مفلح: أما تقطيع الخبز بالسكين فلم أجد فيه
كلاما . (٣)
جـ ـ تحري الأكل من الحلال :
٢٥ - قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تَأْكُلُوا
أموالَكُمْ بينكم بالباطِلِ إلا أن تكونَ تجارةً عن
تراضٍ منكم﴾. (٤)
وقال النبيِ رَله: ((لا يَحْلبنَّ أحدٌ ماشيةَ امرىءٍ
(١) حديث عمر بن أمية الضمري: ((أنه رأى النبي # يحتز من كتف
شاة ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٤٧/٩ ط
السلفية).
(٢) حديث: (( لا تقطعوا اللحم بالسكين ... )) أخرجه أبو داود من
حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا وقال: وليس هو بالقوي.
قال المنذري : في إسناده أبو مشعر السدي المدني واسمه نجيح
وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه ويستضعفه جدا
ويضحك إذا ذكره غيره، وتكلم فيه غير واحد من الأئمة. وقال
أبو عبدالرحمن السناني: أبو معشر له أحاديث مناكير منها هذا.
( عون المعبود ٣ / ٤١١ ط الهند)
(٣) الآداب الشرعية لأبن مفلح ٢٢١/٣ ط المنار.
وترى اللجنة أن هذا من الأمور العادية والأصل فيها الإباحة .
(٤) سورة النساء/ ٢٩
- ١٢٣ -
أکل ٢٥ - ٢٦
بغير إِذْنِه، أيحب أحدكم أن تُؤْتِى مشربْتُه، (١)
فتُكْسر خزانتُهُ ، فَيُنْتَقَلَ طعامُه، فإِنما تخزن لهم
ضروع ماشيتهم أطعماتِهِم، فلا يحلبن أحدٌ ماشية
أحدٍ إلا بإذنه))(٢)
قال الشافعي رحمه الله : أصل المأكول والمشروب
إذا لم يكن لمالك من الآدميين، أو أحله مالكه، أنه
حلال إلا ما حرم الله عز وجل في كتابه أو على لسان
نبيه ◌َّ، فإِن ما حرم رسول اللّه وَّو لزم في كتاب
الله عز وجل أن يحرم. ويحرم مالم يختلف المسلمون
في تحریمه، وکان في معنی کتاب أو سنة أو إجماع،
فإن قال قائل فما الحجة في أن كل ماكان مباح
الأصل یحرم بمالکه، حتى يأذن فيه مالكه فالحجة
فيه: أن الله عز وجل قال: ﴿لا تأكلوا أموالكم
بينكم بالباطلِ إلا أن تكونَ تجارةً عن تراض
منكم﴾. (٣) وقال تبارك وتعالى: ﴿وآتوا النساءَ
صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلةً فإِن طِبْنَ لكم عن شيءٍ منه نَفْسا
فكلوه هَنيئا مَريئا﴾(٤) وقال: ﴿وآتوا اليتامى
أموالهم﴾، (٥) مع آي كثيرة في كتاب الله عز وجل
حظر فيها أموال الناس إلا بطيب أنفسهم. (٦)
ومما روي في تحريم مال الغير بغير إذنه ما ورد
عن عمير مولى أبي اللحم قال: أقبلت مع سادتي
نريد الهجرة، حتى أن دنونا من المدينة، قال:
(١) المشربة بضم الراء وفتحها: الغرفة (المصباح).
(٢) حديث: ((لا يحلبن أحدكم ماشية أحد ... )) أخرجه البخاري
من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعا.
( فتح الباري ٨٨/٥ ط السلفية).
(٣) سورة النساء/ ٢٩
(٤) سورة النساء/ ٤
(٥) سورة النساء/ ٢
(٦) الأم ٢/ ٢١٣
فدخلوا المدينة، وخلفوني في ظهرهم قال : فأصابني
مجاعة شديدة، قال: فمربي بعض من يخرج من
المدينة فقالوا لي: لودخلت المدينة فأصبت من تمر
حوائطها، فدخلت حائطا، فقطعت منه قنوین،
فأتاني صاحب الحائط، فأتى بي إلى رسول اللّه ◌َثير
وأخبره خبري، وعلي ثوبان، فقال لي: «أيهما
أفضل؟ فأشرت له إلى أحدهما، فقال: خذه،
وأعطى صاحب الحائط الآخر، وأخلى سبيلي)) (١).
وفي هذا دليل على أن الحاجة لا تبيح الإقدام على
مال الغير مع وجود ما يمكن الانتفاع به أو بقيمته،
ولو كان مما تدعو حاجة الإِنسان إليه، فإنه هنا أخذ
أحد ثوبيه، ودفعه إلى صاحب النخل . (٢)
مايترتب على قاعدة تحري الحلال في الأكل :
أ - حكم المضطر :
٢٦ - من غلب على ظنه هلاك نفسه، ولم يجد إلا
ميتة أونحوها من المحرمات أومال الغير ، لزمه
الأكل منه بقدر ما يحيى نفسه، لقوله تعالى : ﴿ ولا
تُلْقُوا بأيديكم إلى التَهْلُكَةِ﴾. (٣) وقوله تعالى :
﴿فمن اضْطُرَّ غيرَ باغٍ﴾ أي على مضطر آخر (ولا
(١) حديث عمير. قال ((أقبلت مع سادتي ... )) أخرجه أحمد بن
حنبل بهذا اللفظ من حديث عمير مولى أبي اللحم: وفي إسناده
عبدالرحمن بن اسحاق تكلم فيه جماعة، وقال النسائي
وابن خزيمة : ليس به بأس، ونقل الشوكاني قول الهيثمي: إن
حديث عمير هذا أخرجه أحمد بإسنادين في أحدهما ابن لهيعة.
وفي الآخر أبو بكر بن زيد بن المهاجر، ذكره ابن أبي حاتم ولم
يذكر فيه حرجا ولا تعديلا: وبقية رجاله ثقات.
( مسند أحمد ٢٢٣/٥ ط الميمنية، ونيل الأوطار ١٥٣/٨ ط
المطبعة العثمانية المصرية).
(٢) نيل الأوطار ١٣٢/٩
(٣) سورة البقرة/ ١٩٥
- ١٢٤ -
أكل ٢٦ - ٢٧
عادٍ) أي سد الجوعة فأكل (فلا إِثمَ عليه). (١) قال
الزركشي : وينبغي أن یکون خوف حصول الشین
الفاحش في عضو ظاهر، كخوف طول المرض كما
في التيمم. واكتفي بالظن، كما في الإِکراه علی أکل
ذلك، فلا يشترط فيه التيقن ولا الإِشراف على
الموت. (٢) وللمضطر أن يأكل مايسد الرمق أي
ما يحفظ الحياة وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي،
وهو الأظهر عند الحنابلة. قال المواق: ونص الموطأ:
ومن أحسن ما سمعته في الرجل يُضطر إلى الميتة أنه
یأکل منها حتی یشبع ویتزود منها، فإن وجد عنها
غنى طرحها . (٣)
ويحرم الأكل من الميتة على المضطر في سفر
المعصية، كقاطع الطريق والآبق، لقوله تعالى :
﴿فمن اضْطُرّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثمَ عليه﴾(٤)
قال مجاهد: غير باغ على المسلمين ولا عاد
عليهم. وقال سعيد بن جبير: إذا خرج يقطع
الطريق فلا رخصة له. (٥) فإن تاب وأقلع عن
معصيته حل له الأكل. (٦) وفي ذلك خلاف
وتفصيل يرجع إليه تحت عنوان (اضطرار).
وإن اضطر فلم يجد ميتة، ومع رجل شيء كان
له أن یکابره، وعلى الرجل أن يعطيه، وإذا کابره
أعطاه ثمنه وافيا، فإن كان إذا أخذ شيئا خاف
-
(١) سورة البقرة/ ١٧٣
(٢) أسنى المطالب ١/ ٥٧٠
(٣) ابن عابدين ٥٧/٣، والمواق ٣/ ٢٣٣، وقليوبي ٢٦٢/٤،
والمغني ٧٣/١١
(٤) سورة البقرة/ ١٧٣
(٥) المغني لابن قدامة ٧٥/١١، ٧٦
(٦) أسنى المطالب ١/ ٥٧٢
مالك المال على نفسه لم یکن له مكابرته .(١)
قال القرافي في الذخيرة: وإذا أكل مال مسلم
اقتصر على سد الرمق، إلا أن يعلم طول الطريق
فلیتزود، لأن مواساته تجب إذا جاع.
ب - الأکل من بستان الغیر وزرعه دون إذنه:
٢٧ - قال صاحب المغني من الحنابلة: من مر
ببستان غیرہ یباح له الأکل منه، من غیر فرق بین
أن يكون مضطرا إلى الأكل أولا، ومحل ذلك إذا لم
يكن للبستان حائط، أي جدار يمنع الدخول إليه
لحرزه، لما في ذلك من الإِشعار بعدم الرضى .
ودليل ذلك ما روي عن النبي ◌َّفي أنه قال: ((إذا
أتى أحدكم حائطا، فأراد أن يأكل، فلیناد:
ياصاحب الحائط، ثلاثا، فإن أجابه وإلا فليأكل،
وإذا مر أحدكم بإبل فأراد أن يشرب من ألبانها،
فليناد: ياصاحب الإِبل أو ياراعي الإِبل، فإن
أجابه، وإلا فليشرب)). (٢)
وروي عن أحمد أنه قال: يأكل مما تحت
الشجر، وإذا لم يكن تحت الشجر فلا يأكل ثمار
الناس وهو غني، ولا يأكل بضرب بحجر، ولا
یرمي ، لأن هذا يفسد.
(١) الام ٢/ ٢٥
(٢) حديث: (( إذا أتى أحدكم حائطا ... )) أخرجه أحمد بن حنبل
في مسنده من حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعا. وعزاه
الشوكاني فضلا عما سبق إلى ابي يعلي بهذا اللفظ وابن ماجه
وابن حبان والحاكم والمقدسي وصححه الألباني.
( مسند احمد بن حنبل ٧/٣، ٨ ط الميمنية وسنن ابن ماجه
٧٧١/٢، ط عيسى الحلبي، وفتح الباري ٥/ ٨٩ ط السلفية،
والجامع الصغير بتحقيق الألباني ١/ ١٣٥، ١٣٦، ونيل الأوطار
٨/ ١٥٤ ط المطبعة العثمانية المصرية).
- ١٢٥ -
أكل ٢٧ -٢٨
غير أنه يمتنع على الإِنسان أن يأخذ خبنة،
وهي ما تحمله وتخرج به من ثمار الغير، لأن هذا
منهي عنه بنص الحديث الشريف، فقد سئل النبي
وَ* عن الثمر المعلق فقال: ((من أصاب بِفِيهِ منْ
ذي حاجةٍ غيرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فلا شيء عليه، ومن
خرج بشيء منه فعليه غرامة مِثْليه والعقوبة)). (١)
وقول المالكية کقول الحنابلة، ولکن قیدوه بحال
الحاجة. أما في غير الحاجة فالأصح عندهم
المنع . (٢)
وعند الشافعية قال النووي : من مر بثمر غيره أو
زرعه لم يجزله أن يأخذ منه، ولا یأکل بغير إذن
صاحبه إلا أن یکون مضطرا فیأکل ویضمن.
وحکم الثمار الساقطة من الأشجار حکم سائر
الثمار إن كانت داخل الجدار، فإن كانت خارجه
فکذلك إن لم تجر عادتهم بإباحتها، فإن جرت
بذلك، فهل تجري العادة المطردة مجرى الإِباحة؟
والأصح: أنها تجري مجرى الإباحة. (٣)
وأما الأكل من الزرع فعن أحمد فيه روايتان:
إحداهما قال: لا يأكل، إنما رخص في الثمار وليس
الزرع، وقال: ماسمعنا في الزرع أن يمس منه.
ووجهه أن الثمار خلقها الله للأكل رطبة، والنفوس
(١) حديث: ((فقد سئل النبي ◌َّر عن الثمر المعلق ... )) أخرجه
أحمد والترمذي وأبو داوود واللفظ له من حديث عبدالله بن
عمرو بن العاص. قال الترمذي : هذا حديث حسن، وقال أحمد
شاکر تعليقا على إسناد أحمد بن حنبل : إسناده صحيح (مسند
احمد بن حنبل بتحقيق أحمد شاكر ١١/ ١٦٠ رقم ٦٩٣٦، وسنن
الترمذي ٣/ ٥٨٤ ط استانبول، وسنن أبي داود ٣٣٥/٢، ٣٣٦
ط عزت عبید دعاس).
(٢) الفواكه الدواني ٣٧٥/٢ - ٣٧٦
(٣) الروضة ٣/ ٢٩٢، وشرح الروض ١/ ٥٧٤، والمهذب ٢٥٨/١
ط دار المعرفة .
تتشوق إليها، والزرع بخلافها .
والرواية الثانية: قال یأکل من الفريك، لأن
العادة جارية بأكله رطبا، أشبه الثمر. وكذلك
الحکم في الباقلاء والحمص وشبهه مما يؤ کل رطبا،
فأما الشعير ومالم تجر العادة بأكله فلا يجوز الأكل
منه، قال: والأولى في الثمار وغيرها ألا يؤكل منها
إلا بإذن، لما فيه من الخلاف والأخبار الدالة على
التحريم. (١)
وعنه أيضا في حلب الماشية روايتان: إحداهما
يجوز له أن يحلب ويشرب ولا يحمل. والثانية : لا
يجوز له أن يحلب ولا يشرب، ولكل منهما مايسنده
من قول الرسول وَلها .
فالإِباحة يسندها الحديث المتقدم .
والحظر يدل له حديث الرسول وي الفر قال: ((لا
يحلبن أحد ماشيةَ امرىء بغير إذنه، أيحب أحدكم
أن تؤتى مشربتُه فتكسر خزانُتُه فينتقل طعامه، فإنما
تخزن لهم ضروعُ ماشيتهم أطعماتِهم، فلا يحلبن
أحد ماشية أحدٍ إلا بإذنه)). (٢)
حكم أخذ النثار في العرس وغيره :
٢٨ - النثار مكروه في العرس وغيره، روي ذلك
عن أبي مسعود البدري وعكرمة وابن سيرين
وعطاء وعبد الله بن يزيد الخطبي وطلحة وزبيد
اليامي، وبه قال مالك والشافعي وأحمد لما روي أن
النبي ◌َّ﴾ ((نهى عن النهيى والمثلة)).(٣) ولأن فيه نهبا
وتزاحما وقتالا ، وربما أخذه من یکره صاحب النثار
(١) المغني لابن قدامة ١١/ ٧٧
(٢) حديث: ((لا يحلبن أحد ماشية أحد ... )) سبق تخريجه ف/ ٢٥
(٣) حديث: ((أن النبي {﴾ نهى عن النهبى والمثلة ... )) أخرجه
البخاري (١١٩/٥ - الفتح - ط السلفية).
- ١٢٦ -
أكل ٢٨ - ٢٩، أكولة ١
لحرصه وشرهه ودناءة نفسه، ويحرمه من يحب
صاحبه لمروءته وصيانة نفسه وعرضه. والغالب
هذا، فإن أهل المروءات يصونون أنفسهم عن
مزاحمة سفلة الناس على شيء من الطعام أو غيره،
ولأن في هذا دناءة، والله يحب معالي الأمور ويكره
سفسافها.
وروي عن أحمد رواية ثانية: أنه ليس بمكروه،
اختارها أبوبكر، وهو قول الحسن وقتادة والنخعي
وأبي حنيفة وأبي عبيد وابن المنذر، لما روى عبدالله
بن قرط قال: قرب إلى رسول الله وَلقر خمس
بدنات أو ست، فطفقن یزدلفن إلیه، بأیتهن يبدأ،
فنحرها رسول اللّه وَالر، وقال كلمة لم أسمعها،
فسألت من قَرُّبَ منه فقال قال: ((من شاء
اقتطع)) (١) وهذا جار مجرى النشار، وقد روي أن
النبي ومَّ دعي إلى وليمة رجل من الأنصار ثم أتوا
بنهب فأنهب عليه. قال الراوي ونظرت إلى رسول
اللّه ◌ُل يزاحم الناس أو نحو ذلك، قلت: يارسول
أو مانهيتنا عن النهبة؟ قال: ((نهيتكم عن نهبة
العساكر))(٢) ولأنه نوع إباحة فأشبه إباحة الطعام
للضيفان . (٣)
(١) حديث: ((من شاء اقتطع ... )) أخرجه أبو داود وقال عبدالقادر
الأرناؤوط محقق جامع الاصول: إسناده قوي. (سنن أبي داود
٣٧٠/٢ ط عزت عبيد دعاس، وجامع الأصول ٣٥٥/٣)
(٢) حديث: ((نهيتكم عن نهبة العساكر ... )) أورده ابن الأثير في
النهاية بلفظ: ((أنه نثر شيء في إملاك فلم يأخذوه، فقال النبي
((ما لكم لا تنتهبون؟ قالوا: أو ليس قد نهيت عن النهبى؟
فقال: إنما نهيت عن نهى العساكر، فانتبهوا)).
ولم نعثر عليه فيما لدينا من مراجع السنن والآثار.
( النهاية في غريب الحديث والأثر ١٣٣/٥ ط عيسى
الحلبي).
(٣) مواهبالجليل ٤ / ٦ والمغني مع الشرح الكبير ١١٨/٨
زمان الأكل بالنسبة للصائم :
٢٩ - يسن للصائم أن يؤخر سحوره إلى آخر الليل
مع تحقق بقاء الليل، وأن يعجل فطوره بعد التيقن
من غروب الشمس. (١) وتفصيل ذلك ينظر تحت
عنوان (الصوم).
أكولة
التعريف :
١ - الأكولة لغة : صيغة مبالغة، بمعنى: كثيرة
الأكل، وتكون بمعنى المفعول أيضا أي المأكولة،
وفي الحديث: ((نُهِيَ المصدِّقُ عن أخذ الأَكُولَةِ من
الأنعامِ في الصدقَةِ)). (٢) واختلف في تفسير الأكولة
فقيل: هي الشاة التي تعزل للأكل وتسمن.
وقيل: أكولة غنم الرجل: الخصي والهرمة والعاقر
والكبش. (٣)
وعند الفقهاء : شاة اللحم تسمن لتؤکل، ذكرا
كان أو أنثى، وكذا توصف به المرأة الكثيرة
الأكل . (٤)
(١) كتاب الأم ٨٢/٢، وأسنى المطالب ٤١٩/١
(٢) عن سفيان بن عبدالله أن عمر بن الخطاب بعثه مصدقا فكان فيما
قال له: (( .... لا تأخذ الأكولة)). أخرجه مالك (٢٦٥/١ - ط
الحلبي) وصححه النووي كما في نصب الراية (٢ /٢٥٥ - ط
الحلبي).
(٣) ترتيب القاموس، والمختار مادة: ((أكل))، وطلبة الطلبة ص ١٧
(٤) الخرشي ١٥٢/٢ ط دار صادر، وابن عابدين ٢/ ٢٢ ط بولاق،
والقليوبي ٢/ ١١ ط مصطفى الحلبي، والفروع ١/ ٧٦١ ط المنار
الأولى.
- ١٢٧ -
أكولة ٢ - ٤، ألبسة ١ - ٢
الألفاظ ذات الصلة :
٢ - الربّى: الشاة التي تربى للبن، وهي من كرائم
الأموال مثل الشاة الأكولة . (١)
الحكم الإِجمالي ومواطن البحث :
٣ - يتفق الفقهاء على أنه ليس للساعي أن يأخذ
الأكولة من الغنم، لأنها من كرائم الأموال. (٢)
لقوله وال# لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: ((إياك وكرائم
أموالهم)) رواه الجماعة، (٣) هذا إن كانت الغنم
خيارا ولئاما، وكذا إن كانت كلها لئاما، لا يأخذ
الساعي الأكولة إلا برضى المالك. (٤) فإن كانت
كلها خيارا فإن من الفقهاء من قال: تجب الأكولة،
ومنهم من قال: تكفي الوسط. (٥)
٤ - والزوجة الأكولة لا تختلف عن غيرها في مقدار
النفقة عند من يقدر للزوجة بحسب يسار الزوج أو
إعساره، وكذا لا تختلف عن غيرها عند من يقول
بالكفاية، غير أن المالكية قالوا: إن الزوجة الأكولة
يجب لها كفايتها من الأكل أو يطلقها، ولا خيار له
في فسخ النکاح وإمضائه، وهذا مالم يشترط كونها
غير أكولة، وإلا فله ردها مالم ترض بالوسط. (٦)
(١) القاموس مادة ((رب)).
(٢) الخرشي ٢/ ١٥٢ ط دار صادر، وابن عابدين ٢٢/٢ ط بولاق،
والقليوبي ٢/ ١١ ط مصطفى الحلبي، والفروع ١/ ٧٦١ ط المنار
الأولى.
(٣) ابن عابدين ٢/ ٢٢ .
والحديث ((إياك وكرائم أموالهم)) أخرجه البخاري (٣٢٢/٣ -
الفتح - ط السلفية) ومسلم (١/ ٥١ - ط الحلبي).
(٤) الخرشي ١٥٢/٢، وابن عابدين ٢٢/٢، والقليوبي ٢/ ١١،
ومطالب أولي النهى ٢/ ٤١
(٥) ابن عابدين ٢٣/٢، والقليوبي ١١/٢، والخرشي ٢/ ١٥٢،
والفواكه الدواني ٤٠١/١، ومطالب أولي النهى ٢/ ٤١،
والفروع ٧٦١/١
(٦) الدسوقي ٢/ ٥٠٩ ط الحلبي، ومنح الجليل ٧٦١/٣
ألبسة
التعريف :
١ - الألبسة: جمع لباس، وهو مايستر البدن ويدفع
الحر والبرد، ومثله الملبس، واللبس بالكسر. ولبس
الكعبة والهودج : كسوتهما.
ويقال: لبست امرأة، أي تمتعت بها زمانا.
ولباس كل شيء غشاؤه. واللَّبوس بفتح اللام
مايُلْبس، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةً لَبُوسٍ
لكم﴾ يعني الدرع. (١) قال الله تعالى: ﴿يابني آدمَ
قد أنزلنا عليكم لباساً يوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشا،
ولِبَاسُ التقوى ذلك خيرٌ، ذلك مِنْ آيات الله
لعلهم يذَّكرون﴾.(٢)
الحكم التكليفي :
٢ - استعمال اللباس تعتريه الأحكام الخمسة :
فالفرض منه: مايستر العورة ويدفع الحر والبرد،
قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذوا زِينَتَكُم عندَ كلِّ
مَسْجِدٍ﴾(٣) أي مايستر عورتكم عند الصلاة.
والمندوب إليه أو المستحب: هو ما يحصل به
أصل الزينة وإظهار النعمة، قال تعالى : ﴿وامًا
بنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، (٤) وعن أبي الأحوص عن
(١) الصحاح للمرعشلي ، والصباح المنير، ولسان العرب، ومختار
الصحاح للرازي مادة (لبس). والآية من سورة الأنبياء / ٨٠
(٢) سورة الأعراف/ ٢٦
(٣) سورة الأعراف/ ٣١
(٤) سورة الضحى/ ١١
- ١٢٨ -
ألبسة ٢
أبيه قال: ((دخلت على النبي ﴿ فرآني سيِّءَ الهيئةِ
فقال: ألك شيءٌ؟ قلتُ: نعم. من كل المال قد
أتاني الله تعالى فقال: إذا كان لكَ مالٌ فَلْيُرَ
عليك)) . (١)
وعن ابن عمرورضي الله عنهما أن النبي وقال
قال: ((إن اللَّهَ يُحب أن يَرَى أثرَ نِعمته على
عبده)). (٢)
......::
ومن المندوب : اللبس للتزين، ولا سيما في
الجُمَع والأعياد ومجامع الناس، لحديث عائشة
رضي الله عنها أن النبي وسلم قال: ((ما على أحدكم
إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة غير ثوبي
مهنته))(٣) ومحله إذا لم يكن للتكبر .
والمكروه : هو اللباس الذي يكون مظنة للتكبر
والخيلاء، لحديث عمروبن شعيب عن أبيه عن
جده أن النبي ◌َّ قال: ((وكلوا واشربوا والبسوا من
غير إسراف ولا مخيلة)). (٤)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كل
ماشئت، والبس ماشئت، ما أخطأتك اثنتان:
سرف ومخيلة))(٥) والمخيلة هى الكبر. وقال
(١) حديث: ((إذا كان لك مال فلير عليك .. )) أخرجه أحمد
(٤٧٣/٣ - ط اليمنية) والنسائي (١٩٦/٨ ط المكتبة التجارية)
وإسناده صحيح.
(٢) حديث: (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ... )).
أخرجه الترمذي (١٢٢/٥ ط الحلبي) وإسناده حسن.
(٣) حديث: ((ما على أحدكم ... )) أخرجه ابن ماجة (٣٤٨/١
ط الحلبي)، وفي الزوائد: إسناده صحيح
(٤) حديث: ((كلوواشربوا ... )) أخرجه أحمد (١٨١/٢ ط
اليمنية) والحاكم (٤/ ١٣٥ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه
ووافقه الذهبي.
(٥) عن ابن عباس قال: ((كل ما شئت ... )) أخرجه ابن أبي شيبة في
٦
المصنف (٤٠٥/٨ ط الدار السلفية) وإسناده صحيح.
عبدالله بن عمرو: قلت يارسول الله: ((أَمِنَ الكِبرْ
أن يكون لي الحلةُ فألبسها؟ قال: لا. قلت: أمن
الكبر أن تكون لي راحلةٌ فأركبها؟ قال: لا. قلت:
أمن الکبر أن أصنعَ طعاما فأدعو أصحابي؟ قال:
لا. الكبر أن تَسْفَهَ الحقَ وتَغْمِصَ الناسَ))(١) وسفه
الحق: جهله. وغمص الناس: احتقارهم.
والحرام : هو اللبس بقصد الكبر والخيلاء، لما
ورد في الأحاديث السابقة. ومن الحرام لبس الحرير
والذهب مثلا بالنسبة للرجال، ولو بحائل بینه وبین
بدنه، ما لم يدع إلى لبسه ضرورة، أو مرض كحكة
به، فيلبس الحرير لذلك، لما روي عن علي رضي
الله عنه قال: أخذ رسول الله وَ ل﴿ حريرا فجعله في
یمینه، وذهبا فجعله في شماله. فقال: ((إن هذين
حرامٌ على ذكورٍ أمتي)). (٢)
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن
النبي ◌َّ قال: ((حُرِّمَ لباسُ الحرير والذهب على
ذكور أمتي، وأُحِلَّ لإِنائهم)).(٣)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((إنما نهى
(١) حديث: ((الكبر أن تسفه الحق ... )) أخرجه أحمد (٢/ ١٧٠ ط
الميمنية). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله ثقات.
(٢٢٠/٤ ط القدسي).
(٢) حديث: ((إن هذين حرام على ذكور أمتي ... )) أخرجه
أبو داود (٣٣٠/٤ ط عزت عبيد دعاس)، والنسائي (٨/ ١٦٠
ط المكتبة التجارية الكبرى) من حديث علي بن أبي طالب وهو
صحيح لطرقه .
(٣) حديث: ((حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل
الإناثهم ... )) أخرجه أحمد (٣٩٢/٤ ط اليمنية) والنسائي
(١٦١/٨ ط المكتبة التجارية). من حديث أبي موسى
الأشعري، وهو صحيح لطرقه .
- ١٢٩ -
ألبسة ٣ - ٤
النبي ﴾ عن الثوب المصمت من الحرير))(١) أي
الخالص الذي لا يخالطه شيء، وهذا ما عليه عامة
الفقهاء. (٢)
ولتفصيله ينظر مصطلح (حرير) و(ذهب).
حكمة مشروعية اللباس :
٣ - لما كان في إظهار العورة أمام الغير على نحوما
كان في الجاهلية إخلال بالصفة الإنسانية الكريمة
والآداب العامة، ولما يسببه كشفها من إخلال
بالأخلاق وذيوع مفاسد عظيمة الأثر بين أفراد
المجتمع، کان لابد للشارع تکریما للإِنسان۔کما في
قوله سبحانه وتعالى: ﴿ولقد كَرَّمْنَا بني آدم﴾ _(٣)
واحتراما لآدميته، وتمييزا له عن سائر الحيوانات،
من أن يحفظ عليه إنسانيته، فأنعم عليه بنعمه التي
لا تعد ولا تحصى، وكان منها اللباس شرعة منه
للآدميين لتستر به عوراتهم، وليكون لهم بهذا
الستر مايزينهم ويجملهم، بدلا من قبح العري
الذي کان متفشیا بینهم وشناعته مظهرا ومخبرا، وفي
هذا يقول الله تبارك وتعالى : ﴿يابني آدمَ قد أُنْزلنا
علیکم لباساً يواري سوءاتِکم وریشا، ولباسُ
التقوى ذلك خيرٌ، ذلك من آياتِ اللَّه لعلهم
(١) حديث: ((إنما نهى عن الثوب المصمت من الحرير ... )) أخرجه
أحمد (٢٦٧/٣ ط دار المعارف) وإسناده صحيح.
(٢) رد المحتار على الدر المختار ٥/ ٢٢٣ - ٢٢٤، والمغني لابن قدامة
٥٨٢/١ - ٥٨٧ ط مطبعة الرياض الحديثة، وروضة الطالبين
٦٥/٢ - ٦٩، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ٧٣/١، ١١٥،
ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٢/ ٣٦٢، ٣٦٥، ٣٦٩،
والشرح الكبير ٢١١/١ - ٢٢٠، والشرح الصغير ١/ ٥٩
(٣) سورة الإسراء/ ٧٠
يذَّكرون﴾(١) وقوله تعالى: ﴿يابني آدمَ خُذُوا
زِينَتَكُم عند كلِّ مسجدٍ، وكلوا واشربوا ولا
تَسْرفوا، إنه لا يُحِبُّ المسرفين﴾(٢) فقد أمر سبحانه
بأخذ الزينة وأهمها ستر العورة، وتفصيل مايتصل
بستر العورة ينظر في (استتار، وعورة، وصلاة).
حكم الألبسة تبعا لذواتها :
٤ - الأصل في اللباس الحل مهما كانت المادة التي
صنع منها إلا ما ورد نص بتحريمه كالحرير
للذكور، وتفصيله في مصطلح (حریر).
ذ
وكذلك ماکان من جلود الميتة وما لا یزکی، فإِذا
دبغت طهرت، وحل لبسها ولو في الصلاة .
وتفصيله في (إهاب) و(دباغة).
وأما الملابس المصنوعة من الصوف أو الشعر أو
الوبر، فإن كانت من مأكول اللحم فهي طاهرة
حلال، سواء أخذت منه في حیاته أو بعد تذکیته أو
بعد موته، وإنما حلت - ولو جزت من الميتة - لأنها لا
تحلها الحياة .
وفيما أخذ من غير مأكول اللحم أو من نجس
العين، تفصيل وخلاف ينظر في مصطلح
(شعر). (٣)
(١) سورة الأعراف/ ٢٦
(٢) سورة الأعراف/ ٣١
(٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١١٥، والدسوقي ١/ ٢٢٠،
ونهاية المحتاج ٣٦٦/٢، والمغني ٥٨٩/١، وكشاف القناع
٢٨٢/١
- ١٣٠ -
ألبسة ٥ - ٧
لبس جلود السباع :
٥ - جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والشافعية)
على جواز الانتفاع بجلود السباع بشرط الدباغ(١)
لقوله عليه السلام: ((أيما إهابٍ دُبغَ فقد طَهُرَ)(٢)
وقال القاضي أبويعلى الحنبلي: لا يجوز الانتفاع
بها قبل الدبغ ولا بعده، لما روى أبو ريحانة قال:
((كان رسول الله وَل﴿ نهى عن ركوب النمور))(٣)
أخرجه أبوداود وابن ماجة.
وعن معاوية والمقداد بن معد یکرب «أن رسول
الله * كان ينهى عن لبس جلود السباع والركوب
عليها))(٤) رواه أبو داود. وروي أن النبي ◌َّر ((نهى
عن افتراش جلود السباع)»(٥)
وأما الثعالب فیبنی حکمها على حلها، وفيها
للحنابلة روايتان، كذلك يخرج في جلودها، فإن
قيل بتحريمها فحكم جلودها حكم جلود بقية
(١) ابن عابدين ٢٢٤/٥، والمهذب ١٧/١، والدسوقي ١/ ٥٥
(٢) حديث: ((أيما إهاب دبغ ... )) أخرجه مسلم (١/ ٢٧٧ ط
الحليي) من حديث ابن عباس
(٣) حديث كان النبي ﴿ل: ((ينهى عن ركوب النمور ... )) أخرجه
ابن ماجة (١٢٠٥/٢ - ط الحلبي) وأبو داود (٣٧٢/٤ ط عزت
عبيد الدعاس) من حديث معاوية، وإسناده صحيح.
(٤) حديث: ((أن النبي ◌ُ نهى عن لبس جلود السباع ... ))
أخرجه أبو داود (٤/ ٣٧٣ ط عزت عبید دعاس) وإسناده حسن
(٥) حديث أن النبي ◌َ﴾ ((نهى عن افتراش جلود السباع ... ))
أخرجه الترمذي (٢٤١/٤ ط الحلبي). من حديث أبي المليح عن
أبيه بلفظ: ((نهى النبي* عن جلود السباع ان تفترش)) وإسناده
صحيح.
السباع وكذلك السنانير البرية. (١)
لبس الثياب الجميلة :
٦ - من المتفق عليه أنه يباح من الألبسة الثوب
الجميل مالم يكن من محرم كالحرير للذكور،
ويستحب التزين في الأعياد والجمع ومجامع الناس،
وذلك بدون صلف ولا خيلاء. (٢)
ومن ترك ذلك وهو قادر عليه تزمتا أو تدينا فقد
أخطأ، فليس ذلك مما يدعو إليه الشرع، وانظر
القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ من حَرَّمِ زِينَةً
اللَّهِ التي أُخْرِجَ لِعبادِهِ والطيباتِ من الرزقِ﴾.(٣)
الألبسة من حیث ألوانها وأشكالها وصفاتها
ومناسبتها لعادات الناس:
تختلف الألبسة من حیث ألوانها:
أ - اللون الأبيض :
٧ - اتفق الفقهاء على استحباب لبس ما كان
أبيض اللون من الثياب، وتکفین الموتی به،
لحديث سمرة بن جندب قال: قال رسول الله
ريج: ((البسوا من ثيابكم البياض، فإنها أطهر
وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم)) (٤)
قال الشوكاني : أما کونه أطیب فظاهر، وأما
كونه أطهر فلأن أدنى شيء يقع عليه يظهر،
(١) المغني ٦٦/١ - ٨٠.
.(٢) حاشية ابن عابدين ٢٢٣/٥ - ٢٢٤، ونهاية المحتاج إلى شرح
المنهاج ٢/ ٣٦١، ٣٨٣
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٩٦/٧ - ١٩٨، والآية من سورة
الأعراف/ ٣٢
(٤) حديث: ((البسوا من ثيابكم البياض ... )) أخرجه النسائي
(٣٤/٤ ط المكتبة التجارية) وصححه ابن حجر في الفتح
١٣٥/٣ ط السلفية.
- ١٣١ -
ألبسة ٨
فيغسل إذا كان من جنس النجاسة، فيكون نقيا.
كما ثبت عنه وَّ في دعائه ((ونَقِّني من الخطايا كما
يُنْقّى الثوب الأبيض من الدنس)).(١)
وقد استحب عمر رضي الله عنه لبس البياض
لقارىء القرآن. (٢)
ب - اللون الأحمر :
٨ - ذهب بعض الحنفية والحنابلة إلى القول بكراهة
لبس مالونه أحمر متى كان غير مشوب بغيره من
الألوان للرجال دون النساء، لقول البراء بن عازب
(نهانا النبي وَّر عن المياثر الحمر والقسي)) (٣)
ولقول عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما
((مَرّ على النبي ◌ََّ رجل عليه ثوبان أحمران، فسلم
عليه، فلم يرد عليه النبي وَچ))(٤)
واستدلوا على جواز لبس الثوب الأحمر إذا
خالطه لون آخر بأحاديث منها: حديث هلال بن
عامر عن أبيه قال: ((رأيت رسول الله وَ ل بمنى
(١) حديث: ((ونقني من الخطايا ... )) أخرجه البخاري (فتح
الباري ٢/ ٢٢٧ ط السلفية)
(٢) رد المحتار على الدر المختار ٥٤٥/١، ٥٥٦، والمهذب في فقه
الإمام الشافعي ١/ ٢١١، وروضة الطالبين ٧٦/٢، والمجموع
شرح المهذب ٤٥٢/٤، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٩٨/٢
- ٩٩، والشرح الكبير ٣٨١/١، وكشاف القناع عن متن الإقناع
٨٦/١ ط مطبعة النصر الحديثة، والمغني لابن قدامة ١/ ٥٨٧
مطبعة الرياض الحديثة، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري
١٠/ ٣٠٥ - ٣٠٦، ونيل الأوطار للشوكاني ٢/ ١١٠
(٣) حديث البراء ((نهانا النبي ◌َّر عن المياثر الحمر والقسي ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٢٩٢/١٠ ط السلفية).
(٤) حديث: (مرّ على النبي ﴿ رجل عليه ثوبان أحمران ... ))
أخرجه أبو داود (٣٣٦/٤ - ط عزت عبيد دعاس) وأعله
ابن حجر في الفتح (١٠ / ٣٠٦) براو ضعيف فيه.
يخطب على بغلةٍ، وعليه بردٌ أحمر، وعلي أمامه يعبر
عنه))(١) وحديث البراء بن عازب قال: ((كان
رسول الله وَالر مربوعا، وقد رأيته في حلة حمراء، لم
أرشيئا قط أحسن منه {38)). (٢)
وروي البيهقي أنه عليه الصلاة والسلام ((كان
يلبس يوم العيد بردةً حمراء)). (٣)
والمراد بالحلة الحمراء بردان يمنيان منسوجان
بخطوط حمر مع سود، أو خضر، كسائر البرود
اليمنية، ووصفت بالحمرة باعتبار مافيها من
الخطوط الحمر، وإلا فالأحمر البحت منهي عنه
عندهم ومكروه لبسه، وبهذا حملوا الأحاديث
المبيحة على أنها وردت بشأن البرود اليمنية وهي
التي تشتمل على اللون الأحمر وغيره(٤)
وأما أحاديث النهي فهي خاصة بما كان أحمر
خالصا لا يخالطه شيء.
وذهب بعض الحنفية والمالكية والشافعية إلى
القول بجواز لبس الثوب الأحمر الخالص غير المزعفر
والمعصفر، لحديث البراء بن عازب وحديث
هلال بن عامر المتقدمين، ولقول ابن عباس رضي
(١) حديث عامر: ((رأيت رسول اللّه ◌َ بمنى يخطب ... )) أخرجه
أبو داود (٣٣٨/٤ - ط عزت عبيد دعاس) وحسنه ابن حجر في
الفتح (٣٠٥/١٠ - ط السلفية).
(٢) حديث: ((كان رسول الله مربوعا وقد رأيته في حلة حمراء
.... )) أخرجه البخاري (الفتح ٣٠٥/١٠ - ط السلفية).
(٣) حديث: ((كان يلبس يوم العيد بردة حمراء)). أخرجه البيهقي
(٣/ ٢٨٠ - ط العثمانية) وإسناده صحيح.
(٤) حاشية ابن عابدين ٥٥٦/١، ٢٢٨/٥، والمجموع شرح
المهذب ٤/ ٤٥٢، والشرح الكبير ٣٨١/١، والمغني لابن قدامة
٥٨٦/١ ط طبعة الرياض الحديثة، وكشاف القناع عن متن
الإقناع ١/ ٢٨٤ ط النصر الحديثة.
- ١٣٢ -
ألبسة ٩ - ١١
الله عنهما: ((كان رسول الله وَل﴿ يَلْبِسُ يومَ العيدِ بُرْدً
حمراء)) .(١)
جـ - اللون الأسود :
٩ - أجاز الفقهاء لبس الأسود بغير كراهة في ذلك
للرجل والمرأة، لما روي عن عائشة رضي الله عنها
أنها قالت: ((خرج النبي ◌َّ﴿ ذاتَ غداة، وعليه
مِرطٌ مرحّل من شعر أسود))(٢)
وعن جابر قال: ((رأيت رسول الله ێ دخلَ يومَ
فتح مكةَ وعليه عِمَامَةٌ سوداء)) (٣) وعن عائشة
رضي الله عنها قالت: ((صنعتُ لرسولِ الله ◌ِلـ
بردة سوداءَ فَلَبِسَها فلما عرق فيها وَجَدَ رِيحَ الصوفِ
فقذفها، وكانت تُعْجِبُهُ الريحُ الطيبة)) (٤).
وعن أم خالد قالت: ((أتي النبي ◌ّ بثياب فيها
خميصةٌ سوداء فقال: من ترون نكسوهذه
الخميصة؟ فأسكت القوم، فقال: ائتوني بأم
خالد، فأتي بي إلى النبي ﴿ فألبسنيها بيده
وقال: أبلي وأخلقي مرتين)) وجعل ينظر إلى علم
الخميصة ویشیر بیده إليّ ويقول: يا أم خالد هذا
سناه، هذا سناه. والسناه بلسان الحبشة:
(١) حديث ابن عباس: ((كان رسول الله ﴿ يلبس يوم العيد ... ))
سبق تخريجه آنفا.
(٢) حديث: ((عن خرج النبي ور ذات غداة وعليه مرط مرحل من
شعر أسود)». أخرجه مسلم (٤/ ١٦٤٩ ط الحلبي).
(٣) حديث جابر: ((رأيت رسول الله) يوم فتح مكة وعليه عمامة
سوداء)». أخرجه مسلم (٢/ ٩٩٠ - ط الحلبي).
(٤) حديث عائشة: صنعت لرسول الله # بردة سوداء ... أخرجه
أحمد (١٣٢/٦ - ط اليمنية) وأبوداود (٣٣٩/٤ - ط عزت عبيد
دعاس) وإسناده صحيح.
الحسن)). (١)
وفي هذا الحديث دليل على أنه يجوز للنساء
لباس الثياب السود، ولا خلاف في ذلك عند
العلماء كما قاله الشوكانى. (٢)
د - اللون الأصفر :
١٠ - اتفق الفقهاء على جواز لبس الأصفر مالم
يكن معصفرا أو مزعفرا(٣) لقول عبدالله بن جعفر:
((رأيت على رسول الله ﴿ ﴿ ثوبين أصفرين))(٤)
ولقول عمران بن مسلم: ((رأيت على أنس بن
مالك إزارا أصفر)). (٥).
هـ - اللون الأخضر :
١١ - ذهب بعض الفقهاء إلى استحباب لبسه لأنه
(١) حديث: ((ائتوني بأم خالد ... )) أخرجه البخاري (الفتح
٣٠٣/١٠ - ط السلفية).
(٢) حاشية ابن عابدين ٥٤٥/١، والمجموع شرح المهذب
٤٥٢/٤، والشرح الكبير ٣٨١/١، وكشاف القناع عن متن
الإقناع ٣٨٦/١ ط النصر الحديثة، ونيل الأوطار للشوكاني
١١٣/٢
(٣) رد المحتار على الدر المختار ٣٥٦/١، والمجموع شرح المهذب
٤٥٢/٤، والشرح الكبير ٣٨١/١، وكشاف القناع عن متن
الإقناع ١/ ٢٨٦ ط النصر الحديثة، ومجمع الزوائد ١٢٩/٥
(٤) حديث عبد الله بن جعفر: ((رأيت على رسول الله﴾ ثوبین
أصفرين ... )) أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد (١٢٩/٥ -
ط القدسي) وقال الهيثمي: فيه عبد الله بن مصعب الزهري ضعفه
ابن معين .
(٥) الأثر عن عمران بن مسلم: ((رأیت علی أنس بن مالك إزارا
أصفر ... )) أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد (١٣٠/٥)
وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
- ١٣٣ -
ألبسة ١٢ - ١٣
لباس أهل الجنة، لما في قوله تعالى: ﴿عالیھم
ثيابُ سُنْدُسٍ خُضْرُ وإِسْتَبْرَقٌ﴾.(١)
ولحديث أبي رمثة قال: ((رأيت رسول الله وَله
وعليه بردان أخضران))(٢)
و- المخطط الألوان :
١٢ - وذلك يجوز لبسه، لما روي عن أنس رضي الله
عنه قال: ((كان أحب الثياب إلى النبي وَّ ر أن
يلبسها الحبرة)) والحبرة هي الثوب المخطط الألوان
كما قال الجوهري . (٣)
ما يحرم أو يكره من الألبسة :
أ - الألبسة التي عليها نقوش أو تصاوير أو صلبان
أو آیات:
١٣ - يحرم على الرجل والمرأة لبس الثياب التي
عليها تصاوير الحيوانات على الأصح، لحديث
أبي طلحة قال: سمعت رسول الله وَ لثم يقول: ((لا
تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تصاوير)» (٤)
فإن أزيل من الصورة مالا تبقى بإزالته الحياة
کالرأس، أو لم یکن لها رأس فلا بأس به.
(١) سورة الإنسان / ٢١
(٢) حديث أبي رمثة: ((رأيت رسول الله﴾ وعليه بردان
أخضران ... )) أخرجه أبو داود (٣٣٤/٤ - ط عزت عبيد
دعاس) وإسناده صحيح.
(٣) نيل الأوطار ٢/ ٩٥ ط دار الجيل.
وحديث: ((كان أحب الثياب ... )) أخرجه البخاري (الفتح
٢٧٦/١٠ ط السلفية).
(٤) حديث: ((لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تصاوير)). أخرجه
البخاري (الفتح ١٠/ ٣٨٠ - ط السلفية).
كما يحرم جعل الصليب في الثوب ونحوه
كالطاقية وغيرها مما يلبس، لقول عائشة رضي الله
عنها أن رسول الله ێ «کان لا يترك في بيته شيئا فیه
تصليب إلا قضبه))(١) أي قطع موضع الصليب منه
دون غيره، والقضب القطع. وهذا الشيء يشمل
الملبوس والستور والبسط والآلات وغير ذلك. كما
يحرم تصويرها في نسج الثياب على الأصح، لقوله
وَل﴿ : ((إن أشدَّ الناسِ عذابا عند الله يومَ القيامةِ
المصورون))(٢)
والصلاة في الثوب الذي عليه تصاوير الحيوانات
أو الصلبان حرام مع صحة الصلاة، لحديث أنس
قال: ((كان قرامٌ لعائشةَ سَتَرَتْ به جانب بيتها،
فقال لها: أميطي عنا قِرامَك هذا، فإنه لا تزال
تصاويره تعرض لي في صلاتي))(٣) والقِرام بكسر
القاف، ستر رقیق.
وكذلك لبس الثوب الذي نقشت فيه آيات
تلهي المصلي عن صلاته، أو كان من شأن لبسه
امتهانها .
ولا بأس بلبس الثياب المصورة بصور غير
الحيوانات، كشجر وقمر وجبال وكل مالا روح فيه،
لما روى البخاري عن ابن عباس لما قال له المصور:
لا أعرف صنعة غيرها. قال: إن لم يكن بدّ فصور
(١) حديث: ((كان لا يترك في بيته شيئا فيه ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٣٨٥/١٠ - ط السلفية).
(٢) حديث: ((ان أشد الناس عذابا يوم القيامة ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٣٨٢/١٠ - ط السلفية).
(٣) حديث أنس: ((كان قرام لعائشة ... )) أخرجه البخاري (الفتح
٣٩١/١٠ - ط السلفية).
- ١٣٤ -
ألبسة ١٤
من الأشجارمالا نفس له. (١) هذا ما جرى عليه
جمهور الفقهاء. (٢)
أما التصاوير المنقوشة على الستور والبسط
والوسائد والأبواب وافتراشُها والجلوسُ عليها
وتعليقها واستخداماتها المختلفة. فالأحكام فيها
تنظر في مصطلح (تصوير).
ب - الألبسة المزعفرة ونحوها :
١٤ - ذهب الشافعية إلى تحريم لبس الثياب
المزعفرة دون المعصفرة للرجال وإباحتها للنساء،
فعن أنس رضي الله عنه قال: ((نهى النبي * أن
يتزعفر الرجل))(٣)
ولو صبغ بعض ثوب بزعفران، فهل هو
كالتطريف فيحرم مازاد على الأربع الأصابع، أو
كالمنسوج من الحرير وغيره فيعتبر الأكثر؟ الأوجه أن
المرجع في ذلك إلى العرف، فإن صح إطلاق
(١) الأثر عن ابن عباس ((لما قال له المصور ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٤ / ٤١٦ - ط السلفية).
(٢) حاشية ابن عابدين ٦٠٧/١، والفتاوى الخانية بهامش الفتاوى
الهندية ٣٦٩/٦، وحاشية قليوبي ٢٩٧/٣، وشرح روض
الطالب من أسنى المطالب ٢٢٥/٣ - ٢٢٦، وروضة الطالبين
٢٨٩/١، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٣٦٩/٢، والمجموع
شرح المهذب ١٨٦/٣، والشرح الكبير ٣٣٧/٢ - ٣٣٨،
وكشاف القناع عن متن الإقناع ٢٧٩/١ - ٢٨٠ ط النصر
الحديثة، والمغني لابن قدامة ١/ ٥٩٠ ط الرياض الحديثة،
والآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح الحنبلي ٣/ ٥١٢ -
٥١٤، ٥٢٣، ٥٢٤ ط الرياض الحديثة، ونيل الأوطار للشوكاني
٩٧/٢ - ١٠١ ط دار الجيل
(٣) حديث: ((نهى النبي ## أن يتزعفر الرجل)) أخرجه البخاري
(الفتح ٣٠٤/١٠ - ط السلفية) ومسلم (١٦٦٢/٣ - ط
الحلبي).
المزعفر عليه عرفا حرم وإلا فلا. ولا يكره لغير المرأة
مصبوغ بغير الزعفران والعصفر والأحمر والأصفر
والأخضر وغيرها سواء أصبغ قبل النسج أم بعده،
لعدم ورود نهي في ذلك. (١)
وقال الحنفية والحنابلة بكراهة لبس الثياب
المزعفرة والمعصفرة للرجال دون النساء، (٢) لحديث
أنس السابق. ولما روي عن عبدالله بن عمروبن
العاص رضي الله عنهما قال: ((رأى النبي ◌َّ علي
ثوبين معصفرين فقال: أأمك أمرتك بهذا؟ قلت:
أغسلهما، قال: بل أحرقهما))(٣)
وعن علي رضي الله عنه قال: ((نهاني رسول الله
وَس عن التختم بالذهب، وعن لباس القسي،
وعن القراءة في الركوع والسجود وعن لباس
المعصفر)) (٤)
وأجاز المالكية لغير المحرم لبس المعصفر ونحوه
كالمزعفر، ما لم يكن مقدما (أي شديد الحمرة)
والمقدم: هو القوى الصبغ الذي ردّ في العصفر مرة
بعد أخرى، وإلا كره لبسه للرجال في غير
الإِحرام .
وحرم عند الجميع على المحرم لبس ماكان
مزعفرا أومعصفرا، سواء كان رجلا أو امرأة، إذا
-
(١) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٣٦٩/٢، والمجموع شرح
المهذب ٣٣٩/٤
(٢) حاشية ابن عابدين ٢٢٨/٥، ٤٨١، والفتاوى الهندية
٣٣٢/٥، والمغني لابن قدامة ١/ ٥٨٥ ط الرياض الحديثة،
وكشاف القناع عن متن الإقناع ١/ ٢٨٤ ط النصر الحديثة.
(٣) حديث: ((أأمك أمرتك بهذا؟)) أخرجه مسلم (١٦٤٧/٣ - ط
اخلبي).
(٤) حديث علي ((نهاني رسول الله (صلير عن التختم ... )) أخرجه
مسلم (٣/ ١٦٤٨ ط الحلبي).
- ١٣٥ -
ألبسة ١٥ - ١٦
کان ریح الطيب باقیا، لأنه طيب، ولا بأس بسائر
الألوان غير ذلك.(١)
جـ - لبس مايشف أو يصف :
١٥ - لا يجوز لبس الرقيق من الثياب إذا کان یشف
عن العورة، فيعلم لون الجلد من بياض أو حمرة،
سواء في ذلك الرجل والمرأة ولو في بيتها، هذا إن
رآها غير زوجها، لما يأتي من الأدلة، وهو بالإِضافة
إلى ذلك مخل بالمروءة، ومخالفته لزي السلف، ولا
تصح الصلاة في مثل تلك الثياب، ويجوز للمرأة
لبسه إذا کان لا يراها إلا زوجها. أما ما كان رقيقا
یستر العورة، ولکنه یصف حجمها حتی یری
شکل العضو فإنه مكروه. لقول جرير بن عبدالله :
(إن الرجل ليلبس وهو عار، يعني الثياب الرقاق)(٢)
وعن أسامة بن زيد قال: ((كساني رسول الله (َالچيم
قبطية کثیفة مما أهداها له دحية الكلبي، فکسوتها
امرأتي، فقال لي رسول الله وعلي مالك لم تلبس
القبطية؟ قلت: يارسول الله كسوتها امرأتي. فقال
رسول الله *: مرها فلتجعل تحتها غلالة، فإني
أخاف أن تصف حجم عظامها))(٣)
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٥٩/٢، وجواهر الإكليل
١٨٨/١ ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل ١٤٧/٣ -١٤٨ ط
النجاح بليبيا .
(٢) الأثر عن جرير «إن الرجل ليلبس وهو عار، يعني الثياب الرقاق»
أخرجه الطبراني (٣٢٩/٢ - ط وزارة الأوقاف العراقية) وقال
الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٣٦/٥ - ط
القدسي).
(٣) حديث: ((أسامة: مرها فلتجعل تحتها غلالة ... )) أخرجه =
ففيه دليل على النهي عن لبس اللباس الذي
يصف ما تحته من البدن، ولهذا ورد في حدیث
علقمة عن أمه قالت: ((دخلت حفصة بنت
عبدالرحمن على عائشة وعليها خمار رقيق، فشقته
عائشة، وکستها خمارا کثیفا)». (١) والخمار بالكسر
هو: ما تغطي به المرأة رأسها. (٢)
وعن دحية الكلبي قال: أتي رسول اللّه وَلؤلؤ
بقباطي، فأعطاني منها قبطية. فقال: ((اصدعها
صدعين، فاقطع أحدهما قميصا، وأعط الآخر
امرأتك تختمر به)) فلما أدبر قال: ((وأمرُ امرأتك أن
تجعل تحته ثوبا لا يصفها))، وقباطي جمع: قُبْطية
بکسر أو ضم وسکون، أي ثوب يصنعه قبط مصر
رقيق أبيض. (٣)
د - الألبسة المخالفة لعادات الناس :
١٦ - لبس الألبسة التي تخالف عادات الناس
= أحمد (٥/ ٢٠٥ - ط الميمنية) وحسنه الهيثمي في المجمع (١٣٧/٥
- ط القدسي).
وانظر: حاشية ابن عابدين ١/ ٢٧٤ - ٢٧٥، ٢٣٨/٥
والمهذب ٧١/١، وجواهر الإكليل ٤٢/١، وكشاف القناع عن
متن الإقناع ٢٧٨/١ ط النصر الحديثة، والمغني لابن قدامة
١/ ٥٧٧ - ٥٧٩ ط الرياض الحديثة، والآداب الشرعية لابن
مفلح الحنبلي ٣/ ٥٢٣ - ٥٢٤ ط الرياض الحديثة، ومجمع
الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي ١٣٦/٥ ط القدسي.
(١) حديث أم علقمة: ((دخلت حفصة ... )) أخرجه البيهقي
(٢٣٥/٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) وفي إسناده جهالة (ميزان
الاعتدال ٦١٣/٤ - ط الحلبي).
(٢) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ١٣٦/٥
(٣) حديث دحية الكلبي ((اصدعها صدعين ... )) أخرجه أبو داود
(٣٦٤/٤ - ط عزت عبيد دعاس) وفي إسناده جهالة .
- ١٣٦ -
ألبسة ١٦ - ١٧
مکروه لما فيه من شهرة، أي مايشتهر به عند الناس
ویشار إلیه بالأصابع، لئلا يكون ذلك سببا إلى
حملهم على غيبته، فيشاركهم في إثم الغيبة .
فعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا أن رسول
الله ﴾ نهى عن الشهرتین فقيل: يارسول الله وما
الشهرتان؟ قال: ((رقة الثياب وغلظها، ولينها
وخشونتها، وطولها وقصرها، ولکن سدادا بین ذلك
واقتصادا))(١)
وعن ابن عمر مرفوعا ((من لبس ثوب شهرة
ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة))(٢) قال في لسان
العرب: الشهرة ظهور الشيء في شنعة حتى يشهره
الناس، ويكره لبس زي مزر به لأنه من الشهرة،
فإن قصد به الاختيال أو إظهار التواضع حرم لأنه
ریاء: «من سمع سمع الله به، ومن راءی راءی
به».(١)
ويكره زي أهل الشرك، لحديث ابن عمر
مرفوعا («من تشبه بقوم فهو منهم)(٤) کما کره طول
الرداء مخافة أن يغفل عنه فيجره من خلفه، وقد جاء
(١) حديث: ((نهى عن الشهرتين .... )) أخرجه البيهقي (٢٧٣/٣
- ط دائرة المعارف العثمانية) وقال: هذا منقطع.
(٢) حديث: ((من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة ... )) أخرجه
أبو داود (٣١٤/٤ - عزت عبيد دعاس) وحسنه المنذري في
الترغيب (٤٤/٣ - ط دار إحياء الكتب العربية).
١
(٣) كشفاف القناع عن متن الإقناع ٢٧٨/١ - ٢٧٩، ٢٨٥، ٢٨٦ -
ط النصر الحديثة.
وحديث: (من راءى راءى الله به ... )). أخرجه مسلم
(٢٢٨٩/٤ - ط الحلبي).
(٤) الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي ٣/ ٥٣٣.
وحديث ((من تشبه بقوم فهو منهم ... )). أخرجه أبو داود
(٣١٤/٤ - ط عزت عبيد دعاس) وحسنه ابن حجر في الفتح
(٢٢٢/١٠ - ط بولاق).
النهي عن ذلك لمن فعله بطرا، والتوقي من ذلك
على كل حال من الأمر الذي ينبغي، لقوله {وَلفي ((لا
ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطر)). (١)
هـ - الألبسة النجسة :
١٧ - لبس الثوب النجس لستر العورة في غير
صلاة جائز.
أما في الصلاة، فلو وجد ساترا نجسا ولم يجد
غيره فإنه يستتر به ولا يصلي عاريا، كما هو مذهب
الحنابلة، وأحد قولين لكل من المالكية والشافعية.
أما القول الآخر عند المالكية، وهو الأظهر عند
الشافعية فإنه يصلي عاريا ولا يستتر بالنجس. أما
عند الحنفية فإذا كان الربع من الثوب طاهرا وجب
الاستتاربه ولا يصلي عاريا، وإن كان الطاهر أقل
من ربعه يخير بين الاستتاربه أو الصلاة عاريا، وإن
كان كله نجسا فذهب محمد بن الحسن إلى أنه
يصلي به ولا يصلى عريانا، لأن في الصلاة به ترك
فرض واحد، وفي الصلاة عريانا ترك الفروض من
قيام وركوع وسجود، بل يصلي قاعدا بالإِيماء.
وذهب أبوحنيفة وأبويوسف إلى التفريق في ذلك
بين النجس الأصلي كجلد ميتة لم يدبغ وبين
المتنجس، فلا يستتر بالأول، ويستتر بالثاني. (٢)
(١) المدخل لابن الحاج ١٣٧/١، والدين الخالص ٤/ ٥٢١، ومجمع
الزوائد ومنبع الفوائد ٥/ ١٣٥.
وحديث: ((لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٢٥٨/١٠ - ط السلفية).
(٢) رد المحتار على الدر المختار ٢٧٦/١، وفتح القدير ١٨٤/١ ط
بولاق، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٣٠، وروضة
الطالبين ٢٨٨/١، والمجموع شرح المهذب ١٤٣/٣، =
- ١٣٧ -
ألبسة ١٨ - ١٩
و- الألبسة المغصوبة :
١٨ - ليس للعاري أخذ الثوب قهرا (غصبا) من
مالکه للصلاة فیه، وتصح بدونه مالم يجد غيره، لما
في ذلك من حق الآدمي، فأشبه ما لو لم يجد ماء
یتوضأ به إلا أن یغصبه، فإنه یتیمم، وهذا عند
الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة. (٢)
حكم اتخاذ الألبسة الخاصة
بالمناسبات والأشخاص:
أ - ملابس الأعياد ومجامع الناس :
١٩ - جعل الله تعالى الأعياد أيام فرح وسرور
وزينة للمسلمين، ولذا فإن الفقهاء متفقون على
أن التطيب والتزين لها مستحب، والتزين بلبس
الثياب الجميلة والجديدة، وأفضلها البياض، لقوله
*: ((البسوا من ثيابكم البياض، فإِنها من خير
ثيابكم))، (٢) ولما في ذلك من إظهار نعمة الله تعالى
على عبده التي يحب أن يرى أثرها عليه، ولذا لا
ينبغي ترك إظهار الزينة والتطيب في الأعياد مع
القدرة عليها تقشفا، فقد ورد أن الله تعالی ((يحب
أن يرى أثر نعمته على عبده».(٣)
= وشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٢١٢/١، والمغني لابن
قدامة ٥٨٧/١، ٥٩٤ - ٥٩٥ ط الرياض الحديثة.
(١) الفتاوى الهندية ٥٩/١، وحاشية ابن عابدين ٢٧٦/١،
وروضة الطالبين ٢٨٨/١، والشرح الكبير ٢١١/١، والمغني
لابن قدامة ٥٩٥/١
(٢) حديث: ((البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم ... ))
أخرجه أبو داود (٢٠٩/٣ - ط عزت عبيد دعاس) وإسناده
صحیح.
(٣) حديث: ((إن الله تعالى يحب أن يرى أثر ... )) سبق تخريجه
(ف/ ٢).
وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ((أن
النبي و# كان يلبس في العيدين بردة حبرة)). (١)
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول
الله ◌َ﴾ ((ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم
الجمعة سوى ثوب مهنته)). (٢)
وعن جابر ((أن النبي ﴿ كان يَعْتُمّ، ويلبس
برده الأحمر في العيدين والجمعة)). (٣)
وعن جابر قال: ((كانت للنبي ◌ّ﴾ جبة يلبسها
في العيدين ويوم الجمعة)). (٤)
وكان ﴿﴿ يلبس بردين أخضرين ولبس مرة بُرّدا
أحمر. (٥) وروي عن علي بن الحسين بن علي بن
أبي طالب أنه كان يلبس كساء خز بخمسين
(١) حديث: ((كان رسول الله # يلبس في العيدين بردة حبرة))
أخرجه ابن الأحمر كما في المغني لابن قدامة (٢/ ٣٧٠ - ط
الرياض) وضعفه النووي في المجموع (٦/٥ - ط المنيرية).
(٢) حديث: ((ماعلى أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى
ثوب مهنته ... )) أخرجه ابن ماجة (٣٤٨/١ - ط الحلبي) وقال
البوصيري : إسناده صحيح.
(٣) عن جابر ((كان النبي ◌ٍَّ يعتم، ويلبس برده الأحمر في العيدين
والجمعة ... )). أخرجه البيهقي (٣/ ٢٨٠ - ط دائرة المعارف
العثمانية) وفي إسناده انقطاع.
(٤) حديث: ((كان للنبي 18 جبة يلبسها في العيدين ويوم
الجمعة ... )). أخرجه ابن خزيمة (١٣٢/٣ - ط المكتب
الإِسلامي) وإسناده ضعيف. (فيض القدير ٥/ ١٧٤ ط المكتبة
التجارية).
وانظر: رد المحتار على الدر المختار ٥٥٦/١، وفتح القدير
٤٠/٢ ط دار إحياء التراث العربي، وحاشية الجمل على شرح
المنهج ٩٨/٢، والمهذب ١٢٦/١، وجواهر الإكليل ١٠٣/١،
والمغني لابن قدامة ٢/ ٣٧٠ ط الرياض الحديثة، وكشاف القناع
عن متن الإقناع ٢/ ٥١ - ٥٢ ط النصر الحديثة.
(٥) حديث البردين: أخرجه عبدالله بن أحمد في زوائد المسند
(٧٦/١٢ - ط دار المعارف) وإسناده صحيح.
- ١٣٨ -
ألبسة ١٩ - ٢١
دينارا، يلبسه في الشتاء، فإذا كان الصيف تصدق
به، أو باعه فتصدق بثمنه، وکان یلبس في الصيف
ثوبين من متاع مصر ممشقين (أي مصبوغين بالمشق
وهو صبغ أحمر) ويقرأ قوله تعالى : ﴿قل من حَرَّمَ
زينةَ اللهِ التي أخرجَ لعبادِهِ والطيباتِ من
الرزقِ﴾(١) فقد دلت على استحباب لباس الرفيع
من الثياب والتجمل بها في الجمع والأعياد وعند
لقاء الناس وزيارة الإِخوان.
قال أبوالعالية: كان المسلمون إذا تزاوروا
تجملوا. وفي صحيح مسلم من حديث عمربن
الخطاب أنه رأى حلة سیراء تباع عند باب
المسجد، فقال: يارسول لو اشتريتها ليوم الجمعة
وللوفود إذا قدموا عليك، فقال رسول الله (لاتر :
((إنما يلبس هذا من لاخلاق له في الآخرة»(٢) فما
أنکر ذکر التجمل وإنما أنکر علیه كونها سیراء،
(والسيراء نوع من البرود، فيه خطوط صفر، أو
يخالطه حریر).
وقال أبو الفرج: كان السلف يلبسون الثياب
المتوسطة لا المترفعة ولا الدّون، ويتخيرون
أجودها للجمعة والعيدين وللقاء الإِخوان، ولم يكن
تخير الأجود عندهم قبيحا.
وأما اللباس الذي يزري بصاحبه - أي وهو يجد
غيره - فإنه يتضمن إظهار الزهد وإظهار الفقر،
وكأنه لسان شكوى من الله تعالى، ويوجب احتقار
اللابس، وكل ذلك مكروه منهي عنه.
(١) سورة الأعراف / ٣٢
(٢) حديث عمر رضي الله عنه ((رأى حلة سيراء ... )) أخرجه مسلم
(١٦٤٠/٣ - ط الحلبي).
فإن قال قائل : تجويد اللباس هوى النفس،
وقد أمرنا بمجاهدتها، وتزين للخلق وقد أمرنا أن
تکون أفعالنا لله لا للخلق؟ فالجواب: أنه لیس کل
ما تهواه النفس يذم، ولا كل مايتزين به للناس
یکره. وإنما ینہی عن ذلك إذا کان الشرع قد نهى
عنه، أو على وجه الرياء في باب الدين، فإن
الإِنسان يحب أن یری جمیلا، وذلك حظ للنفس
لا يلام عليه، ولهذا يسرح شعره، وينظر في المرآة،
ويسوي عمامته، ويلبس بطانة الثوب الخشنة إلى
داخل، وظهارته الحسنة إلى خارج، وليس في
شيء من هذا مايكره ولا يذم.
وقد روى مكحول عن عائشة رضي الله عنها
قالت: كان نفر من أصحاب رسول الله (صلالفول
ينتظرونه على الباب، فخرج یریدهم، وفي الدار
ركوة فيها ماء، فجعل ينظر في الماء، ويسوي لحيته
وشعره، فقلت يارسول الله: وأنت تفعل هذا؟
قال: «نعم إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليھییء
من نفسه، فإن الله جميل يحب الجمال)). (١)
ب - ملابس الإحرام بالحج :
٢٠ - يلبس المحرم ملابس خاصة، وبيان مايراعى
في ذلك تقدم في مصطلح (إحرام ) ج ٢ ص ١٢٨
ج - ملابس المرأة المحدة :
٢١ - الإِحداد بمعناه العام : ترك الزينة وما في
(١) حديث: ((إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهىء ... )) أخرجه
السمعاني في أدب الإملاء (ص ٣٢ - ط ليدن) وإسناده ضعيف
لإرساله.
وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٩٥/٧ - ١٩٧،
والمغني لابن قدامة ٢/ ٣٧٠ ط الرياض الحديثة.
- ١٣٩ -
ألبسة ٢٢ - ٢٣
معناها. واختلف في لبس المحدة لبعض الثياب
الملونة على وجه الزينة وفي لبس الحلي، وتفصيل
ذلك ينظر في مصطلح (إحداد: ج ٢ ص ١٠٣).
د - لباس العلماء :
٢٢ - ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه یندب للعلماء
أن يكون لباسهم فاخرا، كصوف وجوخ رفيع
وأبراد رقيقة، وأن تكون ثيابهم واسعة، ويحسن لهم
لف عمامة طويلة تعارفوها، فإن عُرِفَ عُرْفٌ في بلاد
أخر أنها تفعل بغير الطول يفعل، لإظهار مقام
العلم، ولأجل أن يعرفوا فَيُسْألوا عن أمور
الدين.(١) فقد كان أصحاب رسول الله (وآثار
یعتمون، ویرخون الذئابة بین أكتافهم، لأن
إرخاءها من زي أهل العلم والفضل والشرف،
ولذا لا يجوز أن يمكّن الكفارمن التشبه بهم، وأن
يلبسوا القلانس إذا انتهوا في عملهم وعندهم
عظمت منزلتهم واقتدی الناس بهم، فیتمیزون بها
للشرف على من دونهم، لما رفعهم الله بعلمهم
على جهلة خلقه، وكذلك الخطباء على المنابر لعلو
مقامهم. (٢)
وعلى هذا فما صار شعارا للعلماء يندب لهم
لبسه ليعرفوا بذلك، فيسألوا، وليطاوعوا فيما عنه
زجروا، وعلل ذلك ابن عبدالسلام بأنه سبب
لامتثال أمر الله تعالى والانتهاء عما نهى الله عنه. (٣)
(١) حاشية ابن عابدين ٢٧٤/٣، ٢٢٦/٥، وكشاف القناع
٢٧٩/١
(٢) أحكام أهل الذمة لابن قيم الجوزية ٢/ ٧٣٨، ٧٤٦ الطبعة
الأولى مطبعة جامعة دمشق.
(٣) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٢/ ٣٧٠
وكره المالكية والحنابلة لهم سعة ثيابهم وطولها،
وطول أكمامهم، والكبر الخارج عن عادة الناس لما
في ذلك من إضاعة للمال المنهي عنها، وقد نهى
النبي ﴿ عن إضاعته، فقد يفصل من ذلك الكم
ثوب غيره(١) وروى مالك رحمه الله تعالى في موطئه
أن النبي ﴿ قال: ((إزرة المسلم إلى أنصاف
ساقيه. لاجناح عليه فيما بينه وبين الكعبين.
ما أسفل من ذلك ففي النار. ما أسفل من ذلك
ففي النار. لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره
بطرا))(٢) فهذا نص صريح منه عليه الصلاة
والسلام أنه لا يجوز للإنسان أن يجر ثوبه بقصد
التكبر. إذ أن ماتحت الكعبين ليس للإنسان به
حاجة فمنعه منه. وأباح ذلك للنساء، فللمرأة أن
تجر ثوبها خلفها شبرا أو ذراعا للحاجة الداعية إلى
ذلك، وهي التستر والإِبلاغ فيه، إذ أن المرأة كلها
عورة إلا ما استثنى، وذلك فيها بخلاف الرجال.
لباس أهل الذمة :
٢٣ - اتفق الفقهاء على وجوب أخذ أهل الذمة بما
یمیزهم عن المسلمین في لباسهم، فلا يتشبهون
بهم، لأنهم لما كانوا مخالطين لأهل الاسلام كان
لا بد من تمییزهم عنهم، کی تکون معاملتهم مختلفة
عن معاملة المسلمين من التوقير والإِجلال، وذلك
(١) المدخل لابن الحاج ١٢٤/١، ١٢٩، ١٣٥، والخطاب
١٥٢/٦، وكشاف القناع ٢٧٩/١، والآداب الشرعية ٥٣٣/٣
- ٥٣٤، والإنصاف ٢٠٢/١١
(٢) حديث: ((إزرة المسلم إلى أنصاف ساقيه ... )) أخرجه أبو داود
(٣٥٣/٤ - ط عزت عبيد دعاس) وإسناده صحيح (فيض القدير
١/ ٤٨٠ - ط المكتبة التجارية).
- ١٤٠ -