النص المفهرس

صفحات 41-60

اقتصار ١٠، اقتضاء ١ - ٢
وقد تبعه في ذلك القلیوبي في حاشیته على
شرح المنهاج للمحلي،(١) فیقول: إن الفسخ یرفع
العقد من أصله، وهو ضعيف.
ويقول المحلي: بناء على الأصح: إن الفسخ
يرفع العقد من حينه . (٢)
التبيين : (٣)
١٠ - التبيين: أن يظهر في الحال أن الحكم كان
ثابتا من قبل، مثل أن يقول في اليوم : إن کان زید
في الدار فأنت طالق، وتبين في الغد وجوده فیھا،
يقع الطلاق في اليوم، ويعتبر ابتداء المدة منه. (٤)
ويخالف التبيين الاقتصار في أن الحكم في
التبیین یظهر أنه کان ثابتا من قبل، في حين أن
الحكم في الاقتصار يثبت في الحال فقط.
هذا، ولما كان الاقتصار إنشاء للعقود، أو
الفسوخ المنجزة، شملها جميعا، لأن التنجيز هو
الأصل فيها.
مثال العقود: البيع والسلم والإِجارة والقراض
وغير ذلك.
ومثال الفسوخ : الطلاق والعتاق وغير ذلك .
أما إذا كانت الفسوخ غير منجزة، بأن كان لها
أثر رجعي، وانسحب حكمها على الماضي،
فتدخل حينئذ في باب الاستناد. ومثاله مالوقال:
أنت طالق قبل موت فلان بشهر، لم تطلق حتى
(١) القليوبي على شرح المنهاج ٣٢٦/٢
(٢) شرح المحلي على المنهاج ٢٠٨/٢
(٣) قال ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار: كذا عبارتهم فهو
مصدر بمعنى التبين، أي الظهور ((٤٤٣/٢))
(٤) الأشباه والنظائر مع الحموي ٢/ ١٥٧
يموت فلان بعد اليمين بشهر، فإن مات لتمام
الشهر طلقت مستندا إلى أول الشهر، فتعتبر العدة
أوله .
اقتضاء
التعريف :
١ - الاقتضاء : مصدر اقتضى، يقال: اقتضيت
منه حقي، وتقاضيته: إذا طلبته وقبضته وأخذته
منه، وأصله من قضاء الدین . (١)
والاقتضاء في استعمال الفقهاء بمعناه اللغوي .
ويستعمله الأصوليون بمعنى الدلالة. يقولون :
الأمر يقتضي الوجوب أي يدل عليه، ويستعملونه
أيضا بمعنى الطلب.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - القضاء :
٢ - القضاء : إعطاء الحق والفراغ منه، ومنه أداء ما
على الإِنسان من حقوق الله تعالى، سواء كان
أداؤها في الوقت المحدد لها، ومنه قول الله
عز وجل: (فإِذا قَضَيْتُمْ مناسِگگُمْ)(٢) أي أديتموها
وفرغتم منها، أو كان أداؤها بعد خروج وقتها
كقضاء الفائتة .
وبعض الأصوليين يقول: إن لفظ القضاء عام
(١) لسان العرب والمصباح مادة (قضى)، وفيض القدير ٤ /٢٦، وفتح
الباري ٤ / ٢٤٥
(٢) سورة البقرة / ٢٠٠
- ٤١ -

اقتضاء ٣ - ٥
يجوز إطلاقه على تسليم عين الواجب (وهو
الأداء)، أو تسليم مثله (وهو القضاء)، لأن معنى
القضاء: الإِسقاط والإِتمام والإِحكام، وهذه المعاني
موجودة في تسليم عين الواجب، كما هي موجودة في
تسليم مثله، فيجوز إطلاق القضاء على الأداء
بطريق الحقيقة لعموم معناه، إلا أنه لما اختص
بتسلیم المثل عرفا أو شرعا کان في غيره مجازا، وكان
إطلاقه على الأداء حقيقة لغوية، مجازا عرفيا أو
شرعيا . (١)
ويشمل أيضا أداء ما على الإِنسان من حقوق
لغيره كقولهم: لو عرف الوصي دينا على الميت
فقضاء لا یأثم. (٢)
ب - الاستيفاء :
٣ - الاستيفاء: طلب الوفاء، يقال: استوفيت من
فلان ما لي عليه أي : أخذته حتى لم يبق عليه
شيء، واستوفيت المال: إذا أخذته كله. (٣) وهو
بذلك نوع من أنواع الاقتضاء.
دلالة الاقتضاء :
٤ - دلالة الاقتضاء هي تقدیر محذوف يتوقف عليه
صحة الكلام أو صدقه.
والكلام الذي لا يصح إلا بالزيادة هو
المقتضي، والمزيد هو المقتضى، وطلب الزيادة هو
الاقتضاء، والحکم الذي ثبت به هو حکم
المقتضى، ومثاله ما يتوقف عليه لصحة قول
القائل: أعتق عبدك عني بألف، فنفس هذا
(١) كشف الأسرار ١٣٧/١
(٢) ابن عابدين ٧٠٣/٢
(٣) لسان العرب مادة (وفى).
الكلام هو المقتضي، لعدم صحته في نفسه شرعا،
لأن العتق فرع الملكية، فكأنه قال: بعنى عبدك
بكذا أو وكلتك في إعتاقه، وطلب الزيادة التي يصح
بها الكلام هي الاقتضاء، وهذه الزيادة (وهي
البيع) هي المقتضى، وما ثبت بالبيع (وهو الملك)
هو حکم المقتضى، ومثاله ما يتوقف عليه صدق
المتكلم، كقول النبي وسلم:«رفع عن أمتي الخطأ
والنسيان وما استكرهوا عليه»(١) فإِن رفع الخطأ
وغيره مع تحققه ممتنع فلابد من إضمار نفي حكم
يمكن نفيه، كنفي المؤاخذة والعقاب.
ومنه ما أُضْمر لصحة الكلام عقلا، كقوله
تعالی: (واسأل القرية)، (٢) فإنه لا بد من إضمار
(أهل) لصحة الملفوظ به عقلا. (٣)
الاقتضاء بمعنى الطلب :
٥ - الحكم التكليفي هو: خطاب الله تعالى المتعلق
بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير. والاقتضاء -
وهو الطلب - إما أن يكون طلب الفعل أو طلب
ترکه . (٤)
(١) حديث : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» قال
العجلوني في كشف الخفاء (٥٢٢/١ - ط الرسالة): قال في
اللآلىء: لا يوجد بهذا اللفظ، وأقرب ما وجد ما رواه ابن عدي
عن أبي بكرة بلفظ: ((رفع الله عن هذه الأمة ثلاثا: الخطأ،
والنسيان والأمر يكرهون عليه» ثم نقل استنكار ابن عدي لهذه
الرواية، وكذلك إعلال الإِمام أحمد له. وذكر أنه ورد بلفظ:
((وضع ... الحديث)). أخرجه ابن ماجة (١ / ٦٥٩ - ط الحلبي)
وقال: ((رجاله ثقات)).
(٢) سورة يوسف / ٨٢، وهل يقدر المقتضى عاما أو خاصا، هذه
مسألة خلافية تنظر في الملحق الأصولي.
(٣) كشف الأسرار ٧٦/١، والأحكام للآمدي ٢/ ١٤١
(٤) الأحكام للآمدي ١/ ٤٩
- ٤٢ -

اقتضاء ٦، اقتناء ١ - ٣
وطلب الفعل، إن كان على سبيل الجزم فهو
الإيجاب، وإن كان غير جازم فهو الندب. وأما
طلب الترك، فإِن كان جازما فهو التحريم، وإن
كان غير جازم فهو الكراهة .
أما التخيير فهو قسيم الاقتضاء، إذ هوما كان
فعله وتركه على السواء.
اقتضاء الحق :
٦ - الشائع في استعمال الفقهاء هو التعبير بلفظ
(الاستيفاء) مقصودا به أخذ الحق، سواء أكان حقا
مالیا کاستیفاء الأجیر أجرته، أم کان حقا غير مالي
كاستيفاء المنافع والقصاص وغير ذلك.(١)
ويأتي الاقتضاء بمعنى طلب قضاء الحق، ومنه
الحديث: ((رحمَ اللهُرجلًا سَمْحا إذا باعَ، وإذا
اشتری، وإذا اقتضی»(٢) قال ابن حجر في شرحه :
أي طلب قضاء حقه بسهولة وعدم إحاف.(٣) (ر:
اتباع. استيفاء).
اقتناء
التعريف :
١ - الاقتناء : مصدر اقتنى الشيء يقتنيه، إذا
(١) نهاية المحتاج ٣٠٥/٥، وبدائع الصنائع ٢٤٧/٧
(٢) حديث: ((رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا
اقتضى)» أخرجه البخاري (٣٠٦/٤ - الفتح - ط السلفية).
(٣) فتح الباري ٤/ ٢٤٥ ط - البهية.
اتخذه لنفسه، لا للبيع أو للتجارة. يقال: هذه
الفرس قنية، وقُنية (بكسر القاف وضمها) إذا
اتخذها للنسل أو للركوب ونحوهما، لا للتجارة. (١)
وقَنَوْتُ البقرة، وقَنَيْتُها: أي اتخذتها للحلب أو
الحرث. ومال قنيان: إذا اتخذته لنفسك.
والمعنى الاصطلاحى لهذا اللفظ لا يفترق عن
المعنى اللغوى.
حكم الاقتناء :
٢ - الاقتناء للأشياء قد یکون مباحا، بل قد يكون
مندوبا، مثل اقتناء المصاحف وكتب الحديث
والعلم.
وقد یکون مباحا في حال دون حال، مثل اقتناء
الذهب والفضة، واقتناء الكلب المعلّم وغير ذلك
من المباحات بشروطها، ينظر تفصيلها في مصطلح
(إباحة).
وقد يكون حراما مثل الخنزير والخمر وآلات
اللهو المحرم. (٢)
٣ - وقد تعرض الفقهاء لزكاة المقتنيات وقالوا: لا
يزكي المقتنى من النعم في الجملة إلا ما أسيم لحمل
أو ركوب أونسل، إذا بلغت نصابا، لقوله عليه
الصلاة والسلام ((في خمسٍ من الإِبِلِ السائمةِ
صدقٌ))(٣)
(١) لسان العرب والمصباح المنير والقاموس المحيط.
(٢) قليوبي ١٥٧/٢، ٨/٣، ١٥٧، ٢٩٧، وابن عابدين
١٣٤/٥، ١٤٧، ٢١٧، وجواهر الإكليل ٤/٢، ٣٥، والشرح
الصغير ٢٢/٣، ٢٤، ١٤١/٤، ٤٧٤، والمغني ١ /٧٧،
١٥/٣، ٢٥١/٤ - ٢٥٥، ٣٢١/٨
(٣) حديث: ((في خمس من الإبل ... )) ورد بلفظ: ((من لم يكن معه
إلا أربع من الإِبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت =
- ٤٣ -

اقتناء ٣، اقتيات ١ - ٣، أقراء
كما يزكى المقتنى من الذهب والفضة مضروبها
وتبرها وحلیها وآنيتها، نوی التجارة أو لم ینو، إذا
بلغ ذلك نصابا. وهذا عند الحنفية، ووافقهم على
ذلك المالكية والشافعية والحنابلة في الجملة، إلا في
حلي النساء. (١) (ر: زكاة).
اقتیات
التعريف :
١ - الاقتيات لغة: مصدر اقتات، واقتات: أکل
القوت، والقوت: ما يؤكل ليمسك الرمق، (٢)
کالقمح والأرز.
والأشياء المقتاتة: هي التي تصلح أن تكون قوتا
تغذى به الأجسام على الدوام، بخلاف مایکون
قواما للأجسام لا على الدوام. (٣)
ويستعمل الاقتيات عند الفقهاء بالمعنى
اللغوي، إذ عرفه الدسوقي بأنه: ماتقوم البنية
باستعماله بحيث لا تفسد عند الاقتصار عليه . (٤)
والأغذية أعم من القوت، فإِنها قد يتناولها
الإِنسان تقوتا أو تأدما أو تفكها أو تداويا.
الحكم الإجمالي : ومواطن البحث :
٢ - يتكلم الفقهاء عن الاقتيات في الزكاة، وفي بيع
= غمسا من الإبل ففيها شاة». أخرجه البخاري (الفتح ٣١٧/٣
- ط السلفية).
(١) الاختيار ١٠٧/١، ١١٠، والوجيز ٧٩/١، والمغني
٥٧٥/٢، ٥٧٧، والكافي ٢٨٤/١، ٢٨٦، وجواهر الإكليل
١٣٨،١١٨/١
(٢) المصباح مادة : (قوت).
(٣) النظم المستعذب ١/ ١٦٠، ١٦١ نشر دار المعرفة.
(٤) الدسوقي ٤٧/٣ نشر دار الفكر.
الربويات، وفي الاحتكار.
ففي الزكاة لا يخالف أحد من الفقهاء في وجوب
الزكاة في الزروع والتمار إن کانت مما يقتات اختيارا
ويدخر، أما غير القوت ففي بعض أنواعه زكاة عند
بعض الفقهاء، ولا زكاة فيه عند البعض الآخر. (١)
٣ - وفي بيع الربويات لا يعتبر الاقتيات علة في
الربا عند جمهور الفقهاء.
وعند المالكية: علة الربا الاقتیات والادخار، إذ
حرموا الربا في کل ما کان قوتا مدخرا، ونفوه عما
لیس بقوت کالفواکه، وعما هو قوت لا يدخر
كاللحم، وفي معنى الاقتيات عندهم: مايصلح
القوت كالملح والتوابل. (٢)
وفي الاحتكار يتفق الفقهاء على منع احتكار
الأقوات على اختلاف بينهم في ذلك المنع،
فأغلبهم على تحريمه .
ونظرا لأهمية الأقوات لكل الناس قال أكثر
الفقهاء: الاحتكار لا يجري إلا في الأقوات. (٣) وقد
سبق تفصيل ذلك في بحث (احتكار).
أقراء
أنظر : قُرءٍ .
(١) تبيين الحقائق ١/ ٢٩٠ نشر دار المعرفة، والخرشي ١٦٨/٢،
والمغني ٢/ ٦٩٠، ٦٩١، والمهذب ١/ ١٦٠ نشر دار المعرفة.
(٢) جواهر الإكليل ٢/ ١٧ .
(٣) حاشية الشرنبلالي على درر الحكام ١/ ٤٠٠ ط الآستانة،
ومواهب الجليل ٤/ ٣٨٠ ط ليبيا، والمغني ٢٤٣/٤، ٢٤٤ ط
الرياض، ونهاية المحتاج ٤٥٦/٣
- ٤٤ -

إقراء ١ - ٦
إقراء
التعريف :
١ - الإِقراء لغة: الحمل على القراءة، يقال: أقرأ
غيره يقرئه إقراءً. وأقرأه القرآن فهو مقرىء، وإذا
قرأ الرجل القرآن أو الحديث على الشيخ يقول:
أقرأني فلان، أي حملني على أن أقرأ عليه.(١)
ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى
اللغوي. (الحمل على القراءة) سواء أكان ذلك
بقصد الاستماع والذكر، أم كان بقصد التعليم
والحفظ.(٢)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - القراءة والتلاوة :
٢ - القراءة والتلاوة بمعنی واحد، تقول: فلان يتلو
کتاب الله : أي يقرأه ویتکلم به، قال الليث: تلا
يتلو تلاوة يعني: قرأ، والغالب في التلاوة أنها تكون
للقرآن، وجعله بعضهم أعم من تلاوة القرآن
وغیره. (٧)
(١) لسان العرب مادة: (قرأ).
(٢) المهذب ٢٠١/١، والمغني ٢٠٤/٣ ط الرياض، ومنح الجليل
٤٢٧/١
(٣) لسان العرب مادة (قرأ) و(ثلا).
ب - المدارسة :
٣ - المدارسة هي: أن يقرأ الشخص على غيره،
ويقرأ غيره عليه. (١)
جـ - الإدارة :
٤ - الإدارة هي : أن يقرأ بعض الجماعة قطعة، ثم
يقرأ غيرهم ما بعدها، وهكذا. (٢)
الحكم الإجمالي :
٥ - الإِقراء بقصد الذكر واستماع القرآن - وخاصة
ممن كان صوته حسنا - أمر مستحب. فعن
ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال لي
رسول الله#: ((اقرأ عليّ القرآن، فقلت: يارسول
الله أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن
أُسمَعَهُ من غيري، قال: فقرأت عليه سورة النساء
حتی جئت إلى هذه الآية: (فکیف إذا چِثْنَا من
کل أمةٍ بشهيدٍ وچئنا بك على هؤلاء شهيدا) قال:
حَسْبُكَ الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان)). (٣)
وفي ذلك تفصيل: (ر: استماع - قرآن).
٦- والإِقراء بقصد التعليم والحفظ، ومنه قوله
تعالى: (سَنُفْرَتُك فلاتنسى). (٤) فهو يعتبر في
الجملة من فروض الكفاية. جاء في منح الجليل :
من فروض الكفاية القيام بعلوم الشرع ممن هو أهل
له، غير ما يجب عينا، وهو ما يحتاجه الشخص في
(١) حاشية ترشيح المستفيدين على فتح المعين ص ١٦٥
(٢) المرجع السابق.
(٣) حديث ابن مسعود: أخرجه البخاري (٩٨/٩ الفتح ط
السلفية)، ومسلم (٥٥١/١ ط الحلبي).
(٤) سورة الأعلى / ٦
- ٤٥ -

إقراء ٦، إقرار ١ - ٣
نفسه، ثم قال: والمراد بالقيام بها حفظها وإقراؤها
وقراءتها وتحقيقها. (١)
ويتعلق بذلك أحكام مختلفة كأخذ الأجرة على
ذلك. وينظر تفصيل ذلك في - (تعليم - إجارة -
اعتكاف).
إقرار
التعريف :
١ - من معاني الإقرار في اللغة: الاعتراف. يقال:
أقربالحق إذا اعترف به. وأقرّ الشيء أو الشخص
في المكان: أثبته وجعله يستقر فيه.(٢)
وفي اصطلاح الفقهاء، الإقرار: هو الإِخبار عن
ثبوت حق للغير على المخبر، وهذا تعريف
الجمهور. (٣)
وذهب بعض الحنفية إلى أنه إنشاء، وذهب
آخرون منهم إلى أنه إخبار من وجه، وإنشاء من
وجه . (٤)
(١) منح الجليل ٧٠٩/١
(٢) المصباح، والقاموس المحيط، واللسان.
(٣) الفتاوى الهندية ١٥٦/٤، وتبيين الحقائق ٢/٥، ومواهب
الجليل ٢١٦/٥، والشرح الصغير ٥٢٥/٣، والبناني على شرح
الزرقاني ٦/ ٩١، ونهاية المحتاج ٥/ ٦٤ - ٦٥، وحاشية قليوبي
٢/٣، وكشاف القناع ٦/ ٤٥٢
(٤) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٤/ ٤٤٨، ٤٤٩، وحاشية
الطحطاوي ٣٢٧/٣
والإِقرار عند المحدثين والأصوليين هو: عدم
الإنكار من النبي# على قول أو فعل صدر
أمامه. وتنظر أحكامه في مصطلح (تقرير)، والملحق
الأصولي.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاعتراف :
٢ - الاعتراف لغة: مرادف للإقرار. يقال: اعترف
بالشيء: إذا أقرّ به على نفسه. وهو كذلك عند
الفقهاء.
يقول قاضي زادة: روي في السنة أن النبي ﴾
((رجم ماعزا بإقراره بالزنى، والغامدية باعترافها))،
وقال في قصة العسيف: ((واغُديا أنيس إلى امرأة
هذا فإِن اعترفت فارجمها)).(١) فأثبت الحدّ
بالاعتراف. فالاعتراف إقرار، وقال القليوبي: إنه
تفسير بالمرادف. (٢)
ب - الإنكار :
٣ - الإِنكار: ضد الإِقرار. يقال في اللغة: أنكرت
حقه: إذا جحدته . (٣)
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي (ر: مصطلح: إنكار). ١
(١) حديث: ((رجم ماعز ... )) أخرجه البخاري (الفتح ١٢/ ١٣٥
- ط السلفية)، ومسلم (٣/ ١٣٢٠ ط عيسى الحلبي)، وحديث
رجم الغامدية أخرجه مسلم (١٣٢٢/٣ ط عيسى الحلبي).
وحديث «اغديا يا أنيس ... )) أخرجه البخاري (الفتح ١٣٧/١٢
- ط السلفية) ومسلم (١٣٢٥/٣ - ط الحلبي).
(٢) نتائج الأفكار (تكملة الفتح)) ٦/ ٢٨١، وحاشية قليوبي ٢/٣،
وروض الطالب ٢/ ٢٨٧، والمغني ١٤٩/٥
(٣) المصباح المنير.
- ٤٦ -

إقرار ٤ - ٧
والمنكِر في الاصطلاح: من يتمسك ببقاء
الأصل.(١)
جـ ـ الدعوى :
٤ - الدعوى في الاصطلاح: مباينة للإِقرار، فهي
قول مقبول عند القاضي يقصد به طلب حق قِبَل
الغیر، أو دفع الخصم عن حق نفسه. (٢)
د - الشهادة :
٥ - الشهادة هي : الإِخبار في مجلس الحكم بلفظ
الشهادة لإِثبات حق للغير على الغير. (٣)
فيجمع كلا من الإِقرار والدعوى والشهادة أنها
إخبارات، والفرق بينها أن الإِخبار إن کان عن حق
سابق على المخبر ویقتصر حکمه علیه فإقرار، وإن
لم يقتصر: فإما ألا یکون للمخبر فيه نفع، وإنما هو
إخبار عن حق لغيره على غيره فهو الشهادة، وإما
أن یکون للمخبر نفع فيه، لأنه إخبار بحق له، فهو
الدعوى. (٤)
كما تفترق من ناحية أن الإِقرار يصح بالمبهم
ويلزم تعيينه .
أما الدعوى بالمبهم فإِن کانت بما يصح وقوع
العقد عليه مبهما كالوصية فإِنها تصح ..
(١) حاشية ابن عابدين ٣/ ١٤٤
(٢) الدر المختار ٤/ ٤١٩
(٣) الدر بحاشية الطحطاوي ٢٢٧/٣، وحاشية قليوبي ٣١٨/٤
(٤) الدر المختار بحاشية ابن عابدين ٤٤٨/٤، وتبيين الحقائق
٢/٥، ومواهب الجليل ٢١٦/٥، والشرح الصغير ٥٢٥/٣،
والشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣٩٧/٣، وبلغة
السالك ٢/ ١٩٠، ونهاية المحتاج ٦٥/٥، وحاشية قليوبي ٢/٣
وأما الدعوى على المدعى عليه المبهم فلا
تصح، ولا تسمع.
وأما الشهادة بالمبهم فإِن كان المشهود به يصح
مبهما صحت الشهادة به كالعتق والطلاق، وإلا لم
تصح، لا سيما الشهادة التي لا تصح بدون
دعوى. (١)
الحكم التكليفي :
٦ - الأصل في الإِقرار بحقوق العباد الوجوب، ومن
ذلك: الإقرار بالنسب الثابت لئلا تضيع
الأنساب، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن
رسول الله وَل﴿ قال حين نزلت آية الملاعنة: ((أيما
رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عنه
وفضحه الله على رؤوس الأولين والآخرين))(٢)
وكذلك الإقرار بالحق الذي عليه للغير إذا كان )
متعينا لإِثباته، لأن مالا يتم الواجب إلا به فهو
واجب .
دليل مشروعية الإِقرار :
٧ - ثبتت حجية الإِقرار بالكتاب والسنة والإجماع
والمعقول.
أما الكتاب فقوله تعالى: ((ولَيُمْلِل الذي عليه
الحقُّ))(٣) أمره بالإِملال، فلو لم يقبل إقراره لما كان
لإملاله معنى .
(١) القواعد لابن رجب ص ٢٣٤
(٢) حديث: ((أيما رجل جحد ولده ... )) أخرجه أبوداود (٦٩٥/٢
- ط عزت عبيد دعاس) وأعله ابن حجر في التلخيص (٢٢٦/٣ -
ط دار المحاسن).
(٣) سورة البقرة / ٢٨٢
- ٤٧ -

إقرار ٨ - ٩
وقوله تعالى: ((بل الإِنسانُ على نفسِهِ
بصیرة» (١) أي شاهد کما قاله ابن عباس.
وأما السنة: فما روي أنه عليه الصلاة والسلام
رجم ماعزا والغامدية بإِقرارهما، فإِذا وجب الحدّ
بإقراره على نفسه فالمال أولى أن يجب.
وأما الإِجماع: فلأن الأمة أجمعت على أن
الإِقرار حجة قاصرة على المقر، حتى أوجبوا عليه
الحدود والقصاص بإقراره، والمال أولى .
وأما المعقول: فلأن العاقل لا يقر على نفسه
كاذبا بما فيه ضرر علی نفسه أوماله، فترجحت
جهة الصدق، في حق نفسه، لعدم التهمة، وكمال
الولاية . (٢)
أثر الإِقرار :
٨ - أثر الإِقرار ظهور ما أقربه، أي ثبوت الحق في
الماضي، لا إنشاء الحق ابتداء، فلو أقر لغيره بمال
والمقَرّله يعلم أن المقِرّ كاذب في إقراره، لا يحل له
أخذ المال عن كره منه فيما بينه وبين الله تعالى، إلا
أن يسلمه إياه بطيب نفس منه فيكون تمليكا مبتدأ
على سبيل الهبة .
وقال صاحب النهاية ومن يحذو حذوه: حکمه
لزوم ما أقربه على المقر. (٣)
(١) سورة القيامة / ١٤
(٢) تبيين الحقائق ٣/٥ وحاشية الطحطاوي ٣٢٦/٣ والمغني
١٤٩/٥، وكشاف القناع ٤٥٣/٦، وانظر تفسير القرطبي
٣٨٥/٣
وحديث رجم الغامدية ورجم ماعز سبق تخريجهما ف (٢)
(٣) تكملة فتح القدير ٦/ ٢٨٠ - ٢٨٢
حجية الإِقرار :
٩ - الإِقرار خبر، فكان محتملا للصدق والكذب
باعتبار ظاهره، ولكنه جعل حجة لظهور رجحان
جانب الصدق فيه، إذ المقِرّ غير متهم فيما يقربه
على نفسه .
قال ابن القيم: الحكم بالإِقرار يلزم قبوله بلا
خلاف. (١)
والأصل أن الإِقرار حجة بنفسه، ولا يحتاج
لثبوت الحق به إلى القضاء، فهو أقوی مایحکم به،
وهو مقدم على البينة. (٢) ولهذا يبدأ الحاكم
بالسؤال عنه قبل السؤال عن الشهادة. قال
القاضي أبوالطيب: ولهذا لوشهد شاهدان
للمدعي ثم أقر المدعى عليه حكم بالإِقرار وبطلت
الشهادة. (٣) ولذا قيل: إنه سيد الحجج.
على أن حجيته قاصرة على المقر وحده لقصور
ولاية المقرعن غيره فيقتصر عليه . (٤) فلا يصح
إلزام أحد بعقوبة نتيجة إقرار آخر بأنه شاركه في
جريمته. وهذا ماجرى عليه القضاء في عهد
الرسول #. فقد روي أن رجلا جاء إلى النبي
ڑ فقال: «إنه قد زنی بامرأة - سماها- فأرسل
النبي ◌َّ إلى المرأة فدعاها فسألها عما قال،
فأنكرت فحدّه وتركها)). (٥)
(١) الطرق الحكمية ص ١٩٤ وبداية المجتهد ٢/ ٣٩٣ ط الخانجي.
(٢) الطرق الحكمية ص ١٩٦
(٣) حاشية الرملي الكبير على أسنى المطالب ٢٨٨/٢
(٤) الهداية وتكملة الفتح ١/ ٢٨٢، وتبيين الحقائق ٣/٥
(٥) سبل السلام ٤ / ٦ الطبعة الثانية سنة ١٩٥٠، والهداية وتكملة
الفتح ٦/ ٢٨٢.
وحديث: ((جاء رجل إلى النبي ومَله: فقال: انه قد زنى بامرأة
... )) أخرجه أبوداود (٦١١/٤ - ط عزت عبيد=
- ٤٨ -

إقرار ٩-١٢
غير أن هناك بعض حالات لابد فيها للحكم
بمقتضى الإِقرار من إقامة البينة أيضا. وهذا إذا ما
طلب تعدّی الحكم إلى الغير. فلو ادعی شخص
على مدين الميت أنه وصيّه في التركة، وصدقه
المدين في دعوى الوصاية والدين، فإِن الوصاية لا
تثبت بهذا الإِقرار بالنسبة لمدين آخرينكر الوصاية
وإنما يحتاج إلى بينة .
وفي الدر المختار: أحد الورثة أقربالدين المدعى
به علی مورثه، وجحده الباقون، يلزمه الدین کله
إن وفت حصته من الميراث به، وقيل: لا يلزمه إلا
حصته من الدین رفعا للضرر عنه، لأنه إنما أقربما
يتعلق بکل الترکة.
وهو قول الشعبي والبصري والثوري ومالك
وابن أبي ليلى، واختاره ابن عابدين، ولوشهد
هذا المقرمع آخر أن الدين كان على الميت قبلت
شهادته، ولا يؤخذ منه إلا مايخصه.
وبهذا علم أنه لا يحل الدين في نصيبه بمجرد
إقراره، بل بقضاء القاضي عليه بإِقراره. يقول ابن
عابدين: ولو أقر مَنْ عنده العين أنه وكيل بقبضها لا
يكفي إقراره، ويكلف الوكيل إقامة البينة على
إثبات الوكالة حتی یکون له قبض ذلك .
ثم الإِقرار حجة في النسب، ويثبت به النسب
إلا إذا کذبه الواقع، کان یقر بنسب من لا يولد مثله
لمثله .(١)
= دعاس) وذكره الشوكاني في النيل (١٠٦/٧ - ط العثمانية) وذكر
أن النسائي استنكره، وذكر ان فيه من يتكلم فيه.
(١) حاشية ابن عابدين ٤٥٦/٤ -٤٥٧، والزرقاني على خليل
١٠٤/٦، ١٠٥، ومغني المحتاج ٢٥٩/٢، وابن عابدين
٤ /٤٦٥، والمغني ٥/ ٢٠٠
سبب الإقرار :
١٠ - سبب الإقرار كما يقول الكمال بن الهمام: إرادة
إسقاط الواجب عن ذمته بإخباره وإعلامه، لئلا
يبقى في تبعة الواجب. (١)
رکن الإقرار :
١١ - أركان الإقرار عند غير الحنفية أربعة: مقِرً،
ومقَرّله، ومقَرَّبه، وصيغة،(٢) وذلك لأن الركن
عندهم هومالا يتم الشيء إلا به، سواء أكان جزءا
منه أم لازما له. وزاد بعضهم كما يقول الرملي: المقَرّ
عنده من حاكم أو شاهد، وقال: وهذه الزيادة محل
نظر، إذ لو توقف تحقق الإِقرار على ذلك لزم أنه لو
أقر خاليا بحيث لا يسمعه شاهد، ولم يكن أمام
قاض، ثم بعد مدة تبين أنه أقر على هذا الوجه في
يوم كذا، لم يعتدّ بهذا الإِقرار، لعدم وجود هذا
الركن الزائد، وهو ممنوع، ولذا فإنه لا يشترط. (٣)
وأما ركن الإِقرار عند الحنفية فهو الصيغة فقط،
صراحة كانت أو دلالة، وذلك لأن الرکن عندهم:
مايتوقف عليه وجود الشيء، وهو جزء من ماهيته.
المقر ومايشترط فيه :
المقرمن صدر منه الإِخبار عن ثبوت حق للغير
على نفسه وتشترط فيه أمور:
الشرط الأول : المعلومية .
١٢ - أول مايشترط لاعتبار الإقرار والأخذ به أن
(١) فتح القدير على الهداية ٤/ ٢٨٠
(٢) التاج والإكليل ٢١٦/٥، والشرح الصغير ٥٢٩/٣، وأسنى
المطالب ٢٨٧/٢ - ٢٨٨، ونهاية المحتاج ٥/ ٦٥
(٣) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٦٥/٥
- ٤٩ -

إقرار ١٣ - ١٦
یکون المقر معلوما حتى لو قال رجلان: لفلان على
واحد منا ألف درهم لا یصح، لأنه إذا لم یکن
معلوما لا يتمكن المقَرّ له من المطالبة، وكذلك إذا
قال أحدهما : غصب واحد منا، أوزنی، أو سرق،
أو شرب، أو قذف، لأن من عليه الحق غير معلوم
ويجبران على البيان.
الشرط الثاني : العقل :
١٣ - ويشترط في المقرأن يكون عاقلا. فلا يصح
إقرار الصبي غير المميز والمجنون والمعتوه والنائم
والسكران على تفصيل يأتي بيانه.
إقرار المعتوه :
١٤ - لا يصح إقرار المعتوه ولوبعد البلوغ، لأن
حكمه حكم الصبي المميز، فلا يلتزم بشيء فيه
ضرر(١) إلا إذا كان مأذونا له فيصح إقراره بالمال،
لكونه من ضرورات التجارة: کالدیون، والودائع،
والعواري، والمضاربات، والغصوب، فيصح إقراره
لالتحاقه في حقها بالبالغ العاقل. بخلاف مالیس
من باب التجارة: كالمهر، والجناية، والكفالة،
حيث لا يصح إقراره بها لأنها لا تدخل تحت
الإذن. (٢)
إقرار النائم والمغمى عليه :
١٥ - النائم والمغمى عليه إقرارهما كإقرار المجنون،
(١) التلويح ١٦٦/٣، وشرح المنار لابن ملك ص ٩٥٠
(٢) تبين الحقائق ٣/٥، والهداية ونتائج الأفكار ٦/ ٢٨٤، وحاشية
ابن عابدين ٤/ ٤٤٩ - ٤٥٠
لأنهما حال النوم والإغماء ليسا من أهل المعرفة
والتمييز، وهما شرطان لصحة الإِقرار. (١)
إقرار السكران :
١٦ - السكران من فقد عقله بشرب مایسکر،
وإقرار السكران جائز بالحقوق كلها إلا الحدود
الخالصة، والردة بمنزلة سائر التصرفات. (٢) وهذا
عند الحنفية والمزني من الشافعية وأبي ثور إذا كان
سکره بطریق محظور، لأنه لا ینافي الخطاب، إلا إذا
أقربما يقبل الرجوع كالحدود الخالصة حقا لله
تعالى، لأن السكران يكاد لا يثبت على شيء
فأقيم السكر مقامه فيما يحتمل الرجوع فلا يلزمه
شيء.
وإن سکر بطريق غير محرم، كمن شرب المسكر
مكرها لا يلزمه شيء، وكذا من شرب ما لا يعلم
أنه مسكر فسكر بذلك.(٣)
وقال المالكية : إن السكران لا يؤاخذ بإقراره،
لأنه وإن کان مكلفا إلا أنه محجور عليه في المال،
وكما لا يلزمه إقراره لا تلزمه العقود، بخلاف
جنایاته فإِنها تلزمه .
وقال جمهور الشافعية: إقرار السكران صحیح،
ويؤاخذ به في كل ما أقربه، سواء وقع الاعتداء
فيها على حق الله سبحانه أو على حق العبد، لأن
(١) المصادر السابقة .
(٢) الهداية وتكملة الفتح ٦/ ٢٨٤
(٣) تبيين الحقائق ٣/٥ -٤، والمهذب ٧٧/٢، ٣٤٤، وأسنى
المطالب ٢٨٣/٣، والدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤٦٩/٤،
والبحر الرائق ٧/٥، والمغني ١٩٥/٨
- ٥٠ -

إقرار ١٧ - ١٩
المتعدي بسكره يجب أن يتحمل نتيجة عمله،
تغليظا عليه وجزاء لما أقدم عليه وهو يعلم أنه
سیذهب عقله. (١)
١٧ - أما من تغیب عقله بسبب یعذر فيه فلا يلزم
بإِقراره، سواء أقربما يجب فيه الحد حقا لله خالصا أو
مافیه حق العبد أيضا.
وکذا فإنه لا یصح إقرار السكران في رواية عند
الحنابلة، قال ابن منجا: إنها المذهب وجزم به في
الوجيز وغيره. وجاء في أول كتاب الطلاق عند
الحنابلة أن في أقوال السكران وأفعاله خمس روايات
أو ستة، وأن الصحيح في المذهب: أنه مؤاخذ
بعبارته . (٢)
إقرار السفيه :
١٨ - السفیه بعد الحجر علیه لا يصح إقراره بالمال،
لأنه من التصرفات الضارة المحضة من حيث
الظاهر، وإنما قبل الإِقرار من المأذون للضرورة.
وإذا بلغ الصبي سفيها أوذا غفلة وحجر عليه
بسبب ذلك أو اعتبر محجورا عليه فإنه في تصرفاته
المالية الضارة يأخذ حكم الصبي المميز، فإذا تزوج
وأقربأن المهر الذي قرره لها أكثر من مهر المثل
فالزيادة باطلة، وهكذا فإن القاضي يرد كل
تصرفاته المالية الضارة. (٣)
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣٩٧/٣، والمهذب ٧٧/٢،
٣٤٤، وأسنى المطالب ٢٨٣/٣
(٢) الانصاف ١٣٢/١٢، وكشاف القناع ٤٥٤/٦
(٣) البدائع ١٧١/٧، والهداية ونتائج الأفكار ٦/ ٢٨٣، وشرح
المنارص ٩٨٩، والتوضيح والتلويح ٣١٨/٣، وحاشية
الدسوقي ٣٩٧/٣
وعلى القول بأن الحجر عليه لابد من الحكم به
ولا يكون تلقائيا بسبب السفه فإِن السفيه المهمل
- أي الذي لم يحجر عليه - يصح إقراره.
ونص الشافعية علی أنه لا یصح إقراره بنكاح،
ولا بدين أسند وجوبه إلى ماقبل الحجر، أو إلى
مابعده، ولا يقبل إقراره بعين في يده في حال
الحجر، وكذا بإتلاف مال الغير، أو جناية توجب
المال في الأظهر. وفي قول عندهم يقبل، لأنه إذا
باشر الإِتلاف یضمن، فإذا أقر به قُبِل إقراره،
ويصح إقراره بالحد والقصاص لعدم تعلقهما بالمال،
وسائر العقوبات مثلهما لبعد التهمة، ولو كان الحد
سرقة قطع، ولا يلزمه المال. (١)
وذكر الأدمي البغدادي من الحنابلة: أن السفيه
إن أقربحد أو قود أو نسب أو طلاق لزم - ويتبع به
في الحال - وإن أقربمال أخذ به بعد رفع الحجر عنه.
والصحيح من مذهب الحنابلة: صحة إقرار
السفیه بالمال سواء لزمه باختياره أولا ، ویتبع به بعد
فك الحجر عنه، وقيل: لا يصح مطلقا، وهو
احتمال ذكره ابن قدامة في المقنع في باب الحجر،
واختاره هو والشارح. (٢)
الشرط الثالث : البلوغ .
١٩ - أما البلوغ فإنه ليس بشرط لصحة الإِقرار(٣)
فيصح إقرار الصبى العاقل المأذون له بالدين
والعين، لأن ذلك من ضرورات التجارة، ويصح
(١) نهاية المحتاج ٣٥٨/٤
(٢) الإنصاف ١٢٨/١٢ - ١٢٩
(٣) البدائع ٢٢٢/٥ -٢٢٣، وتبيين الحقائق ٤/٥، ونهاية المحتاج
٣٠٧/٤، ومواهب الجليل ٢١٦/٥، والمغني ١٤٩/٥ - ١٥٠
- ٥١ -

إقرار ١٩ - ٢١
إقراره في قدر ما أذن له فيه دون مازاد، ونص
الحنابلة على أنه المذهب وعليه جمهور الأصحاب،
وهو قول أبي حنيفة .
وقال الشافعي : لا يصح إقراره بحال لعموم
الخبر: ((رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى
يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى
یستیقظ)»(١) ولأنه لا تقبل شهادته، وفي قول عند
الحنابلة: إنه لا يصح إقرار المأذون له إلا في الشيء
اليسير. إلا أنه لا يصح إقرار المحجور عليه، لأنه
من التصرفات الضارة المحضة من حيث
الظاهر. (٢) ويقبل إقرار الصبي ببلوغه الاحتلام في
وقت إمکانه، إذ لا یمکن معرفة ذلك إلا من
جهته، وكذا ادعاء الصبية البلوغ برؤية
الحيض. (٣) ولوادعى البلوغ بالسن قبل ببينة،
وقيل: يصدق في سن يبلغ في مثلها، وهي تسع
سنين، وقيل: عشر سنين، وقيل: اثنتا عشرة سنة،
ويلزمه بهذا البلوغ ما أقر به . (٤)
وأفتى الشيخ تقي الدين: فیمن أسلم أبوه،
فادعى أنه بالغ، بأنه إذا كان لم يقر بالبلوغ إلى
حين الإِسلام فقد حكم بإسلامه قبل الإقرار
بالبلوغ. وذلك بمنزلة ما إذا ادعت انقضاء العدة
بعد أن ارتجعها، وقال: هذا يجىء في کل من أقر
(١) حديث : ((رفع القلم عن ثلاثة ... )) أخرجه أبو داود (٤ / ٥٦٠
ط عزت عبيد دعاس) وقواه ابن حجر كما في فيض القدير
(٣٦/٤ ط المكتبة التجارية).
(٢) البدائع ٢٢٢/٧، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي
٣٩٧/٣، ونهاية المحتاج ٦٦/٥، والإنصاف ١٢٨/١٢ -
١٢٩، والمغني ٥/ ١٥٠
(٣) التاج والإكليل ٢١٦/٥، ونهاية المحتاج ٦٦/٥
(٤) الإنصاف ١٣١/١٢ - ١٣٢
بالبلوغ بعد حق ثبت في حق الصبي، مثل
الإِسلام، وثبوت أحكام الذمة تبعا لأبيه.
الشرط الرابع : فهم المقر لما يقربه .
٢٠ - لابد للزوم الإِقرار واعتباره أن تكون الصيغة
مفهومة للمقر فلولقن العامي كلمات عربية لا
يعرف معناها لم يؤاخذ بها، لأنه لما لم يعرف مدلولها
يستحيل عليه قصدها، لأن العامي - غير المخالط
للفقهاء - يقبل منه دعوى الجهل بمدلول کثیر من
ألفاظ الفقهاء، بخلاف المخالط فلا يقبل منه فیما
لا يخفى على مثله معناه. وبالأولى لو أقر العربي
بالعجمية أو العكس وقال: لم أدرِماقلت، صدق
بیمینه، لأنه أدری بنفسه والظاهر معه .(١)
الشرط الخامس : الاختيار .
٢١ - ويشترط في المقر الاختيار، مدعاة للصدق،
فيؤاخذ به المكلف بلا حجر، أي حال كونه غير
محجور عليه. فإذا أقر الحر البالغ العاقل طواعية
بحقٍ لزمه. وقال الحنابلة: إنه يصح من مكلف
مختار بما يتصور منه التزامه، بشرط كونه بيده وولايته
واختصاصه، ولو على موكله أو مورثه أو مولیه .(٢)
(١) المنثور في القواعد للزركشي ١٣/٢ - ١٤
(٢) البدائع ٢٢٢/٧، وتبيين الحقائق ٣/٥ -٤، والهداية ونتائج
الأفكار ٢٨٤/٦، وحاشية ابن عابدين ٤٤٩/٤، والشرح
الصغير بحاشية الصاوي ٥٢٥/٣، والشرح الكبير وحاشية
الدسوقي ٣٩٧/٣، ومواهب الجليل ٢١٦/٥، ونهاية المحتاج
٣٠٧/٤، والإنصاف ١٢٥/١٢ - ١٢٦، والمغني ١٤٩/٥ -
١٥٠
- ٥٢ -

إقرار ٢٢ - ٢٤
الشرط السادس : عدم التهمة .
٢٢ - ويشترط في المقر لصحة إقراره أن یکون غير
متهم في إقراره، لأن التهمة تخل برجحان الصدق
على جانب الكذب في إقراره، لأن إقرار الإِنسان
على نفسه شهادة. قال الله تعالى: ((يا أيها الذين
آمنوا كونوا قَوَّامِين بالقِسْطِ شهداءَ لله ولو على
أنفسكم))(١) والشهادة على نفسه إقرار. والشهادة
ترد بالتهمة. (٢) ومن أمثلته: ما لو أقر لمن بينه وبينه
صداقة أو مخالطة . (٣)
٢٣ - وممن يتهم في إقراره المدين المحجور عليه،
لإحاطة الدين باله الذي حجر علیه فیه، وهو
مايعبر عنه بالمفلس.
بل صرح المالكية أن هذا القید - ألا يكون متهما
- إنما يعتبر في المريض ونحوه والصحيح المحجور
عليه، لإِحاطة الدين بماله الذي حجر عليه فيه. (٤)
والصحيح: أن المفلس بالنسبة لما فلس فيه
متهم في إقراره، فلا یقبل إقراره لأحد، حیث کان
الدين الذي فلس فيه ثابتا بالبينة، لأنه متهم على
ضياع مال الغرماء، ولا يبطل الإقرار، بل هولازم
يتبع به في ذمته، ویؤاخذ به المقرّ فیما يجد له من مال
فقط، ولا يحاص المقَرّ له الغرماء بالدين الذي أقرله
به المفلس. (٥)
(١) سورة النساء / ١٣٥
(٢) البدائع ٢٢٣/٧، وحاشية الدسوقي ٣٩٧/٣، والشرح الصغير
٥٢٧/٣، والتاج والإكليل ٢١٦/٥، والمهذب ٣٤٥/٢،
وكشاف القناع ٦/ ٤٥٥
(٣) الدسوقي ٣٩٨/٣
(٤) حاشية الدسوقي ٣٨٧/٣
(٥) بلغة السالك على الشرح الصغير ١٩٠/٣، =
ونقل القاضي عن الإِمام أحمد أن المفلس إذا
أقر، وعليه دين ببينه، يبدأ بالدين الذي بالبينة،
لأنه أقربعد تعلق الحق بتركته، فوجب ألا يشارك
المقرله من ثبت دينه ببينة، كغريم المفلس الذي أقر
له بعد الحجر عليه، وبهذا قال النخعي والثوري
وأصحاب الرأي . (١)
وفصل الشافعية، فقالوا: لو أقر المفلس بعين أو
دين وجب قبل الحجر، فالأظهر قبوله في حق
الغرماء لانتفاء التهمة الظاهرة، وقيل: لا يقبل
إقراره في حق الغرماء، لئلا يضرهم بالمزاحمة، ولأنه
ربما واطأ المقَرّ له.
وإن أسند وجوبه إلى مابعد الحجر لم يقبل في
حقهم، بل يطالب بعد فك الحجر. ولو لم يسند
وجوبه إلى ماقبل الحجر ولا لما بعده، فقياس
المذهب - على ماقاله الرافعي - تنزيله على الأقل،
وهو جعله كالمسند إلى مابعد الحجر. (٢)
إقرار المريض مرض الموت :-
٢٤ - وممن يتهم في إقراره : المريض مرض موت في
بعض الحالات على ماسنبينه في مصطلح (مرض
الموت) وإن كان الأصل أن المرض ليس بمانع من
صحة الإقرار في الجملة. (٣)
إذ الصحة ليست شرطا في المقر لصحة إقراره،
لأن صحة إقرار الصحيح برجحان جانب الصدق،
وحال المريض أدل على الصدق، فكان إقراره أولى
= وحاشية الدسوقي ٣٩٨/٣، وانظر حاشية ابن عابدين عند
الكلام عن إقرار المريض المدين ٤/ ٤٦١ - ٤٦٣
(١) المغني ٥/ ٢١٣ ط الرياض.
(٢) نهاية المحتاج ٣٠٧/٤، والمهذب ٣٤٥/٢
(٣) البدائع ٢٢٣/٧
- ٥٣ -

إقرار ٢٤
بالقبول. (١) غير أن المالكية نصوا على أن من أقر
بشيء في صحته: بشيء من المال، أو الدين، أو
البراآت، أو قبض أثمان المبيعات، فإقراره عليه
جائز، لا تلحقه فیه تهمة، ولا یظن فيه تولیج،
والأجنبي والوارث في ذلك سواء، وكذا القريب
والبعيد والعدو والصديق. (٢)
ويقول الحطاب: من أقربشيء في صحته
لبعض ورثته، قدم المقَرّله بعد موت المقِر، ويقيم
البينة على الإقرار. قال ابن رشد: هذا هو المعلوم
من قول ابن القاسم وروايته عن مالك المشهور في
المذهب. ووقع في المبسوط لابن كنانة والمخزومي
وابن أبي حازم ومحمد بن مسلمة أنه لا شيء له،
وإن أقر له في صحته إذا لم يقم عليه بذلك بينة حتى
هلك إلا أن يعرف سبب ذلك، فإن عرف ذلك
فبها وإلا فإِذا لم يعرف له سبب فلا شيء له، لأن
الرجل یتهم أن يقربدین في صحته لمن يثق به من
ورثته على ألا يقوم به حتى يموت .. وقيل: إنه
نافذ ویحاص به الغرماء في الفلس، وهو قول ابن
القاسم في المدونة والعتبية، وقال ابن رشد: لا
يحاس به على قول ابن القاسم إن ثبت ميله إليه
إلا بالیمین، واختار ابن رشد إبطال الإقرار بالدین
مراعاة لقول المدنيين. (٣)
وعلى هذا فإقرار المريض مرض موت بالحد
والقصاص مقبول اتفاقا، وكذا إقراره بدین لأجنبي
فإنه ينفذ من کل ماله مالم یکن علیه دیون أقربها في
حال صحته عند الحنفية والمالكية والشافعية،
-ـ
(١) البدائع ٢٢٣/٧، وحاشية الدسوقي ٣٩٨/٣
(٢) شرح الزرقاني ٦/ ٩٤
(٣) مواهب الجلیل ٥/ ٢٢١ - ٢٢٢
وأصح الروايات عند الحنابلة، وهو المذهب
عندهم، وجزم به في الوجيز، لأنه لم يتضمن إبطال
حق الغير وكان المقَرّله أولى من الورثة، لقول
عمر: إذا أقر المريض بدين جاز ذلك عليه في جميع
تركته، ولأن قضاء الدين من الحوائج الأصلية،
وحق الورثة يتعلق بالتركة بشرط الفراغ. وفي رواية
عند الحنابلة: أنه لا يقبل، وفي رواية أخرى
عندهم لا يصح بزيادة على الثلث. (١)
قال ابن قدامة: أجمع کل من نحفظ عنه من
أهل العلم على أن إقرار المريض في مرضه لغير
وارث جائز، وحکی أصحابنا روایة أخری أنه لا
يقبل، لأنه إقرار في مرض الموت أشبه الإقرار
لوارث. وقال أبوالخطاب في رواية أخرى: إنه لا
يقبل إقراره بزيادة على الثلث، لأنه ممنوع من عطية
ذلك الأجنبي، كما هو ممنوع من عطية الوارث، فلا
يصح إقراره بما لا يملك عطيته بخلاف الثلث فما
دون. (٢) والمقصود بالأجنبي هنا أن يكون غير
وارث في المقِر فيشمل القريب غير الوارث.
ويصرح المالكية بذلك فيقولون: إن أقر لقريب غير
وارث کالخال أو لصديق ملاطف أو مجهول حاله -
لا یدری ھل ھو قریب اُم لا ۔ صح الإقرار إن کان
لذلك المقِر ولد وإلا فلا، وقيل: يصح.
وأما لو أقر لأجنبي غير صديق كان الإِقرار لازما
(١) حاشية ابن عابدين ٤٦١/٤ - ٤٦٢، والبدائع ٢٢٤/٧، وفتح
القدير ٧/٧، وحاشية الدسوقي ٣٩٨/٣ - ٣٩٩، وشرح
الزرقاني ٩٢/٦ - ٩٤، وبلغة السالك ٢/ ١٩٠، ونهاية المحتاج
٦٩/٥، والمهذب ٣٤٥/٢، والمغني ٢١٣/٥، والإنصاف
١٣٤/١٢
(٢) المغني ٢١٤/٥
- ٥٤ -

إقرار ٢٤
كان له ولد أم لا. (١) وقال الشافعية: للوارث
تحليف المقَرّ له على الاستحقاق. (٢)
وأما إقرار المريض لوارث فهو باطل إلا أن
يصدقه الورثة أو يثبت ببينة عند الحنفية والمذهب
عند الحنابلة، وفي قول للشافعية. وعند المالكية :
إن کان متهما في إقراره کان یقر لوارث قریب مع
وجود الأبعد أو المساوي،(٣) کمن له بنت وابن عم
فأقر لابنته لم يقبل وإن أقر لابن عمه قبل، لأنه لا
یتهم في أنه یزري ابنته ویوصل المال إلی ابن عمه .
وعلة منع الإِقرار التهمة، فاختص المنع
بموضعها . (٤)
وأطال المالكية في تصوير ذلك والتفريع عليه .
وقالوا: من مرض بعد الإِشهاد في صحته لبعض
ولده فلا كلام لبقية أولاده إن كتب الموثق أن
الصحیح قبض من ولده ثمن ماباعه له، فإن لم
يكتب فقيل: يحلف مطلقا. وقيل: يحلف إن اتهم
الأب بالمیل إلیه .
قال المواق (٥): لا يقبل إقرار المريض لمن يتهم
علیه. وسئل المازري عمن أوصی بثلث ماله، ثم
(١) حاشية الدسوقي ٣٩٩/٣ - ٤٠٠
(٢) نهاية المحتاج ٦٩/٥ - ٧٠
(٣) حاشية ابن عابدين ٤/ ٤٦١ - ٤٦٢، والهداية وتكملة الفتح
٨/٧، والبدائع ٢٢٤/٧، وحاشية الدسوقي ٣٩٨/٣ - ٣٩٩،
وشرح الزرقاني ٦/ ٩٣ - ٩٤، وبلغة السالك ٢ / ١٩٠، ونهاية
المحتاج ٦٩/٥ - ٧٠، والمهذب ٣٤٥/٢، والمغني ٢١٤/٥،
والإنصاف ١٣٥/١٢ - ١٣٦
(٤) حاشية الدسوقي ٣٩٨/٣، والمغني ٢١٤/٥، وشرح الزرقاني
٠ ٩٢/٦، وبلغة السالك ١٩٠/٢
(٥) التاج والإكليل ٢١٨/٥
اعترف بدنانير لمعين: فأجاب إن اعترف في صحته
حلف المقر له يمين القضاء .
واستدل القائلون ببطلان الإقرار بما روي أن
رسول الله وسلم قال: ((لا وصية لوارث، ولا إقرار له
بالدين))(١)، وبالأثر عن ابن عمر أنه قال: ((إذا أقر
الرجل في مرضه بدین لرجل غیر وارث فإنه جائز
وإن أحاط بماله، وإن أقر لوارث فهو باطل إلا أن
يصدقه الورثة)). وقول الواحد من فقهاء الصحابة
مقدم على القياس. ولم يعرف لابن عمر في ذلك
مخالف من الصحابة فكان إجماعا، ولأنه تعلق حق
الورثة بماله في مرضه، ولهذا يمنع من التبرع على
الوارث أصلا، ففي تخصيص البعض به إبطال
حق الباقين(٢).
وفي كتب الحنابلة: لو أقرت المرأة بأنها لا مهر لها
على زوجها لم يصح، إلا أن يقيم بينة أنها
أخذته . (٣)
(١) حديث: ((لا وصية لوارث ولا إقرار له بالدين)) بهذا اللفظ
أخرجه الدارقطني (١٥٢/٤ - ط دار المحاسن) وفي إسناده نوح
ابن دراج وهو متهم بالكذب. وميزان الاعتدال للذهبي
(٤ /٢٧٦ - ط الحلبي).
وأما الجزء الأول من الحديث ((لا وصية لوارث)) فقد أخرجه
الترمذي (٤٣٣/٤ ط استانبول)، والنسائي (٢٤٧/٦) وقال
الترمذي: هو حديث حسن صحيح. وقال ابن حجر في الفتح :
لقد جنح الشافعي في الأم إلى أن هذا المتن متواتر، فقال: وجدنا
أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش
وغيرهم لا يختلفون في أن النبي * قال عام الفتح: ((لا وصية
لوارث)» (فتح الباري ٣٧٢/٥ ط السلفية).
(٢) شرح الزرقاني ٩٤/٦، وحاشية الدسوقي ٣٩٩/٣ - ٤٠١
(٣) الإِنصاف ١٣٧/١٢
- ٥٥ -

إقرار ٢٥ - ٢٧
إقرار المريض بالإِبراء :
٢٥ - إذا أقر المريض أنه أبرأ فلانا من الدين الذي
عليه في صحته لا يجوز، لأنه لا يملك إنشاء الإِبراء
للحال، فلا يملك الإِقرار به، بخلاف الإِقرار
باستيفاء الدين، لأنه إقرار بقبض الدين، وأنه
يملك إنشاء القبض فيملك الإِخبار عنه
بالإِقرار. (١) وهذا مذهب الحنفية .. ويقرب منهم
الشافعية إذ يقولون: إذا أبرأ المريض مرض الموت
أحد مدیونیه، والتركة مستغرقة بالديون، لم ينفذ
إبراؤه لتعلق حق الغرماء. (٢) بينما يقول المالكية في
باب الإِقرار: وإن أبرأ إنسان شخصا مما قبله أو أبرأه
من کل حق له عليه، أو أبرأه وأطلق برىء مطلقا مما
في الذمة وغيرها معلوما أو مجهولا . (٣) وهذه العبارة
بإطلاقها شاملة للمريض وللصحيح، وشاملة
للإِبراء من دين الصحة وغيره.
الركن الثاني: المقَرّ له ، ومايشترط فيه :
المقَرله من يثبت له الحق المقَربهِ، ويحق له
المطالبة به أو العفو عنه (٤) واشترط الفقهاء فيه
مايأتي :
الشرط الأول : ألا يكون المقَرّ له مجهولا :
٢٦ - فلابد أن يكون معينا، بحيث يمكن أن
(١) البدائع ٢٢٨/٧
(٢) الموسوعة الفقهية جـ ١ بحث (إبراء) ص ١٧٠
(٣) الشرح الصغير ٥٣٨/٣
(٤) المهذب ٢/ ٣٤٥، والمغني ١٥٣/٥
يطالب به، ولو كان حملا. كأن يقول: علي ألف
لفلان، أو علي ألف لحمل فلانة، وسيأتي تفصيل
الإقرار للحمل. أويكون مجهولا جهالة غير
فاحشة، كأن يقول: عليّ مال لأحد هؤلاء
العشرة، أو لأحد أهل البلد، وكانوا محصورين عند
الشافعية، والناطفي وخواهر زادة من الحنفية . (١)
الإِقرار مع جهالة المقرّ له :
٢٧ - أجمع الفقهاء على أن الجهالة الفاحشة بالمقر
له لا يصح معها الإِقرار، لأن المجهول لا يصلح
مستحقا، إذ لا يجبر المقر على البيان، من غير
تعیین المستحق، فلا یفید الإِقرار شيئا.
وأما إذا كانت الجهالة غير فاحشة بأن قال: علي
ألف لأحد هذين، أو لأحد هؤلاء العشر: أو لأحد
أهل البلد وكانوا محصورين، فهناك اتجاهان :
الأول : ما ذهب إليه الشافعية، وهو ما اختاره
الناطفي وخواهر زادة من الحنفية. أن هذا الإِقرار
صحيح، لأنه قد يفيد وصول الحق إلى المستحق
بتحليف المقر لكل من حصرهم، أو بتذكره، لأن
المقرقد ينسى، وهو مايفهم من مغنى ابن قدامة،
لأنه مثل بالجهالة اليسيرة .
والثاني : ماذهب إليه جمهور الحنفية، وهوما
اختاره السرخسي : من أن أي جهالة تبطل
الإِقرار، لأن المجهول لا يصلح مستحقا، ولا يجبر
المقر على البيان، من غير تعيين المدعي . (٢)
(١) نهاية المحتاج ٥/ ٧٢، وابن عابدين ٤ / ٤٥٠
(٢) المغني ٥/ ١٦٥ وابن عابدين ٤/ ٤٥٠
- ٥٦ -

إقرار ٢٨ - ٢٩
الشرط الثاني : أن تكون للمقر له أهلية استحقاق
المقر به حسّا وشرعا:
٢٨ - فلو أقر لبهيمة أودار، بأن لها عليه ألفا وأطلق
لم يصح الإقرار، لأنهما ليسا من أهل الاستحقاق.
أما لو ذکر سببا یمکن أن ینسب إلیه، کما لو
قال: علي كذا لهذه الدابة بسبب الجناية عليها، أو
هذه الدار بسبب غصبها أو إجارتها، فالجمهور على
أن هذا الإقرار صحيح، ويكون الإقرار في الحقيقة
لصاحب الدابة أو الدار وقت الإقرار. وهو اختيار
المرداوي، كما جزم به صاحب الرعاية، وابن مفلح
في الفروع من الحنابلة. لكن جمهور الحنابلة على
أن هذا الإقرار لا يصح، لأن هذا الإقرار وقع للدار
وللدابة، وهما ليستا من أهل الاستحقاق. (١).
الإقرار للحمل :
٢٩ - إن أقر لحمل امرأة عيّنها بدينٍ أوعين فقال:
عليّ كذا، أو عندي كذا لهذا الحمل وبينّ السبب
فقال: بإرث أو وصية، کان الإقرار معتبرا ولزمه ما
أقربه لإمكانه. وكان الخصم في ذلك وليّ الحمل
عند الوضع، إلا إذا تم الوضع لأکثر من أربع سنين
- من حين الاستحقاق مطلقا - التي هي أقصى مدة
الحمل - كما يرى فريق من الفقهاء - أولستة أشهر
فأكثر - التي هي أقل مدة الحمل - وهي فراش لم
يستحق، لاحتمال حدوث الحمل بعد الإقرار. ولا
(١) نهاية المحتاج ٧/ ٧٣، وحاشية قليوبي على المنهاج ٣/ ٤،
والمهذب ٢٤٦/٢، والشرح الصغير ٥٢٦/٣، وحاشية
الدسوقي ٤٩٨/٣، والإنصاف ١٤٥/١٢، والمغني ١٥٣/٥ -
١٥٤، وكشاف القناع ٦/ ٤٥٩، والدر المختار وحاشية ابن
عابدین ٤/ ٤٥٥
يصح الإقرارإلا لحمل یتیقن وجوده عند الإقرار(١)،
ويكون ذلك بما إذا وضعته لأقل من ستة أشهر، أو
لأکثر من ذلك إلى سنتين عند الحنفية، وإلى أربعة
عند الشافعية. وينص المالكية: ولزم الإقرار
للحمل، وإن كان الإقرار أصله وصية فله الكل،
وإن کان بالإِرث من الأب -وهو ذكر- فكذلك،
وإن کان أنثی فلها النصف، وإن ولدت ذکرا وأنثى
فھوبینہما بالسوية إن أسنده إلى وصية، وأثلاثا إن
أسنده إلى إرث، إلا إذا كانت جهة التوريث
يستوي فيها الذكر والأنثی کالأخوة لأم، وإن أُسند
السبب إلى جهة لا تمكن في حقه كقوله: باعني
شيئا فلغو للقطع بكذبه، وعند الشافعية قول بغير
ذلك.
وإن أطلق الإِقرار ولم يسنده إلى شيء صح عند
الحنابلة، لإطلاقهم القول بصحة الإقرار بحال
حمل امرأة، لجواز أن يكون له وجه. (٢) وقال
أبوالحسن التميمي: لا يصح إلا أن يسنده إلى
سبب من إرث أوصية، وقيل: لا يصح مطلقا.
قال في النكت: ولا أحسب هذا قولا في المذهب.
وصح في الأظهر عند الشافعية، ويحمل على
الممكن في حقه، صونا لكلام المكلف عن الإلغاء
ما أمكن. وفي قول عند الشافعية: لايصح، إذ
المال لا يجب إلا بمعاملة أو جناية، وهما منتفیان في
حقه، فحمل الإطلاق على الوعد. (٣) وقال
(١) الهداية وتكملة الفتح ٣٠٤/٦، والبدائع ٢٢٣/٧، وحاشية
الدسوقي ٤٠١/٣
(٢) كشاف القناع ٦/ ٤٦٤
(٣) الأنصاف ٢٢٣/٥، ١٥٦/١٢، ونهاية المحتاج ٥/ ٧٣ - ٧٤،
والمهذب ٣٤٥/٢ - ٣٤٦، وتكملة الفتح على الهداية ٣٠٤/٦
- ٥٧ -

إقرار ٣٠ - ٣٣
أبو یوسف من الحنفية: إن أجمل الإِقرارلا يصح،
لأن الإقرار المبهم يحتمل الصحة والفساد، لأنه إن
كان يصح بالحمل على الوصية والإِرث فإنه يفسد
بالحمل على البيع والغصب والقرض، كما أن
الحمل في نفسه محتمل الوجود والعدم، والشك من
وجه واحد یمنع صحة الإقرار، فمن وجهین أولى .
وقال محمد: يصح حملا لإقرار العاقل على
الصحة.
ولو انفصل الحمل ميتا فلاشيء على المقر
للحمل أو ورثته، للشك في حیاته وقت الإقرار.
فيسأل القاضى المقر حسبة عن جهة إقراره من إرث
أو وصية ليصل الحق لمستحقه. وإن مات المقرقبل
البيان بطل. وإن ألقت حيا وميتا جعل المال
للحي .(١)
الإقرار للميت :
٣٠ - لوقال: لهذا الميت عليّ كذا فذلك إقرار
صحيح، وهو إقرار في الحقيقة للورثة يتقاسمونه
قسمة الميراث، لكن إن كان المقرله حملا ثم سقط
ميتا بطل الإقرار، إن كان سبب الاستحقاق ميراثا
أو وصية، ويرجع المال إلى ورثة المورث، أو ورثة
الموصي.(٢)
الإقرار بالحمل :
٣١ - نص الحنفية: على أن من أقر لرجل بحمل
(١) البدائع ٢٢٣/٧، والدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤٥٥/٤،
وحاشية الدسوقي والشرح الكبير ٤٠١/٣، ومواهب الجليل
٢٢٣/٥، والمغني ٥/ ١٥٤، والإنصاف ١٢/ ١٥٦ - ١٥٨،
وكشاف القناع ٦/ ٤٦٤
(٢) نهاية المحتاج ٧٥/٥، وتكملة الفتح ٣٠٥/٦، والبدائع
٢٢٣/٧
فرس أو حمل شاة فإن إقراره صحیح ولزمه ما أقر به،
لأن له وجها صحيحا وهو الوصية بالحمل، بأن
تكون الفرس أو الشاة لواحد، وأوصى بحملها
الرجل، ومات والمقر وارثه، وقد علم بوصية
مورثه. (١)
الإقرار للجهة :
٣٢ - الأصل أنه يصح الإقرارلمن كان لديه أهلية
مالية أو استحقاق كالوقف والمسجد، فيصح الإِقرار
لهما. (٢) على نفسه بمال له، ويصرف في إصلاحه
وبقاء عينه، كأن يقول ناظر على مسجد أو وقف:
ترتب في ذمتي مثلا للمسجد أو للوقف كذا. (٣) فإِن
الإقرار لهذا ومثله كالطريق والقنطرة والسقاية،
يصح، ولو لم يذكر سببا، كغلة وقف أووصية، لأنه
إقرار من مکلف مختار فلزمه، كما لوعين السبب
ويكون لمصالحها، فإذا أسنده لممكن بعد الإِقرار
صح. (٤) وفي وجه عند الحنابلة ذكره التميمي : أن
الإِقرار للمسجد ونحوه من الجهات لا يصح إلا مع
ذكر السبب.(*)
الشرط الثالث : ألا يُكَذَّبَ المِقِرّ في إقرارهِ :
٧ ٣٣ - يشترط الفقهاء لصحة الإِقرار ألا يكذِّب المقرّ
له المقِرّ فيما أقربه، فإِن كذّبه بطل إقراره (٦) لأن
(١) الهداية والعناية وتكملة الفتح ٣٠٨/٦، والبدائع ٢٢٤/٧
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢٩٨/٣
(٣) الشرح الصغير ٢٥٦/٣
(٤) نهاية المحتاج ٥/ ٧٥، وكشاف القناع ٦/ ٤٥٩
(٥) الإنصاف ١٤٦/١٢
(٦) حاشية ابن عابدين ٤٦٩/٤، وحاشية الدسوقي ٣٩٨/٣،
ونهاية المحتاج ٥/ ٧٥، وكشاف القناع ٤٧٦/٦
- ٥٨ -

إقرار ٣٣ - ٣٤
الإِقرار مما يرتد بالرد إلا في بعض مسائل: منها
الإِقرار بالحرية والرق والنسب وولاء العتاقة والوقف
والطلاق والميراث والنكاح وإبراء الكفيل وإبراء
المدين بعد قوله: أبرئني. (١) فلو قال المقَرله للمقر:
ليس لي عليك شيء، أولا علم لي، واستمر
التکذیب فلا يؤاخذ بإقراره.
والتکذیب یعتبر من بالغ رشید.(٢)
وفص الشافعية على أنه إن كذّب المقَرله المقِر
وكان قد أقر له بعين، ترك المال المقَربه في يد المقِرّ في
الأصح، لأن يده مشعرة بالملك ظاهرا، والإِقرار
بالطارىء عارضه التكذيب فسقط، فتبقی یده
على ما معه يد ملك لا مجرد استحفاظ. ويقابل
الأصح أن الحاكم ينزعه منه ويحفظه إلى ظهور
مالكه. (٣) وإذا ادعى المقَرله جنسا آخر بعد أن
كذب المقِر حلف المقر. (٤)
أما إذا أقر المقر بشيء ثم ادعى أنه كاذب في
إقراره حلف المقَرله أووارثه على المفتى به - عند
الحنفية - أن المقرلم يكن كاذبا في إقراره. وقيل: لا
يحلّف، وفي جامع الفصولين: أقر فمات فقال
ورثته: إنه أقر كاذبا فلم يجز إقراره، والمقَرله عالم به
ليس لهم تحليفه، إذ وقت الإِقرار لم يتعلق حقهم
بمال المقر فصح الإِقرار، وحيث تعلق حقهم صار
حقا للمقرله.(٥)
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤/ ٤٦٩
(٢) الشرح الصغير ٥٢٦/٣ -٥٢٧، والشرح الكبير وحاشية
الدسوقي ٣٩٨/٣
(٣) نهاية المحتاج ٥/ ٧٥
(٤) كشاف القناع ٦/ ٤٨٠
(٥) حاشية ابن عابدين ٤/ ٤٥٧ - ٤٥٨
الركن الثالث : المقرّ به :
٣٤ - المقربه في الأصل نوعان: حق الله تعالى،
وحق العبد. (١) وحق الله تعالى نوعان: حق
خالص الله، وحق الله فيه حق للعبد أيضا.
ولصحة الإِقرار بحق الله شروط هي : تعدد
الإِقرار، ومجلس القضاء والعبارة. حتى إن
الأخرس إذا کتب الإقرار فیما هو حق الله بيده، أو
بما يعرف أنه إقرار بهذه الأشياء يجوز، بخلاف الذي
اعتقل لسانه، لأن للأخرس إشارة معهودة فإذا أتى
بها يحصل العلم بالمشار إليه، وليس ذلك لمن اعتقل
لسانه، ولأن إقامة الإشارة مقام العبارة أمر
ضروري، والخرس ضرورة لأنه أصلي، وكذلك
فإِنه لا يشترط لصحة الإِقرار بحق الله تعالى
الصحو حتی یصح إقرار السكران، وفي ذلك کله
تفصيل وخلاف مبين في الحدود، وعند الكلام عن
حق الله تعالى.
وأما حق العبد فهو المال، من العين والدين
والنسب والقصاص والطلاق والعتاق ونحوها، ولا
يشترط لصحة الإِقرار بها ما يشترط لصحة الإِقرار
بحقوق الله تعالى. فهي تثبت مع الشبهات،
بخلاف حقوق الله تعالى .
والشرائط المختصة بحقوق العباد نوعان: نوع
يرجع إلى المقَرله، وهو أن يكون معلوما على
ماسبق، ونوع يرجع إلى المقَربه، فيشترط لصحة
الإقرار بالعين والدين الفراغ عن تعلق حق الغير.
فإِن كان مشغولا بحق الغير لم يصح، لأن حق
الغير معصوم محترم، فلا يجوز إبطاله من غير
(١) بدائع الصنائع ٢٢٣/٧، والمهذب ٣٤٣/٢
- ٥٩ -

إقرار ٣٥ - ٣٦
رضاه، فلابد من معرفة وقت التعلق. (١)
٣٥ - ولما کان الإقرار إخبارا عن کائن، وذلك قد
يكون معلوما وقد يكون مجهولا، فإِن جهالة المقربه
لا تمنع صحة الإقرار بغير خلاف. (٢) فلو أتلف
على آخر شيئا ليس من ذوات الأمثال فوجبت عليه
قيمته، أو جرح آخر جراحة ليس لها في الشرع أرش
مقدر فأقربالقيمة والأرش، فكان الإقرار بالمجهول
إخبارا عن المخبر عنه على ماهوبه. ويجبر على
البيان لأنه هو المجمل، فكان البیان علیه، قال الله
تعالى: (فإِذا قَرأْنَاه فاتّبِعْ قُرْآنه ثم إنّ علينا بيانَه)(٣)
ويصح بيانه متصلا ومنفصلا، لأنه بيان محض فلا
يشترط فيه الوصل.
٣٦ - لابد أن یبین شیئا له قيمة، لأنه أقر بما في
ذمته، ومالا قيمة له لا یثبت في الذمة، وإذا بین
شیئا له قيمة فإن صدقه المقر له وادعی علیه زيادة،
أخذ ذلك القدر المعين، وأقام البينة على الزيادة،
وإلا حلفه عليها إن أراد، لأنه منكر للزيادة،
والقول قول المنکر مع یمینه، وإن کذبه وادعى عليه
مالا آخر أقام البينة، وإلا حلفه علیه، ولیس له أن
يأخذ ماعينه، لأنه أبطل إقراره بالتكذيب.
وعلى هذا فإذا قال: لفلان عليَّ مال، يصدّق
(١) البدائع ٢٢٤/٧
(٢) البدائع ٧/ ٢١٤، ورد المحتار ٤/ ٤٥٠، وتبيين الحقائق وحاشية
الشلبي عليه ٥/ ٤، وتكملة الفتح والهداية ٦/ ٢٨٥، وحاشية
الدسوقي ٣/ ٤١٠، والتاج والإكليل ٢٣٠/٥ - ٢٣١، ومواهب
الجليل ٢٣١/٥، ونهاية المحتاج ٢٨٦/٥، والمهذب ٣٤٤/٢،
والمغني ١٨٧/٥، وكشاف القناع ٤٥٣/٦، ٤٦٥، والإنصاف
٢٠٤/١٢
(٣) سورة القيامة / ١٨ - ١٩
في القليل والكثير. لأن المال اسم ما يتمول، وهذا
يقع على القليل والكثير، ويصح بيانه متصلا
ومنفصلا. (١) وبهذا قال الحنفية والشافعية
والحنابلة. ونقل ابن قدامة عن أبي حنيفة أنه لا
يقبل تفسيره بغير المال الزكوي، وأن بعض
أصحاب مالك حکوا عنه ثلاثة أوجه : أحدها کغیر
المالکیة، والثاني : لا يقبل إلا أول نصاب من نصب
الزكاة من نوع أموالهم، والثالث: ما يقطع فيه
السارق ويصح مهرا. (٢)
ويقول الزيلعي : لم يصدّق في أقل من درهم،
لأن مادونه لا يطلق عليه اسم المال عادة وهو
المعتبر .
ولو قال: له علي مال عظیم فالواجب نصاب،
لأنه عظیم في الشرع حتى اعتبر صاحبه غنيا. وعن
أبي حنيفة أنه لا يصدق في أقل من عشرة دراهم،
لأنه نصاب السرقة والمهر، وهو عظيم حيث تقطع
به الید ویصلح مهرا.(٣)
وحبره القاضي على البیان، ولا بد أن یبین ماله.
قيمة، لأن ما لا قيمة له لا يجب في الذمة، فإِذا بین
بمالا قيمة له اعتبر رجوعا، والقول قوله مع یمینه،
وإن ادعى المقرله أكثر من ذلك فالقول قول المقر
مع يمينه. (٤)
ولو أقر له بشيء أو حق، وقال: أردت حق
(١) البدائع ٢١٤/٧، ورد المحتار ٤ / ٤٥٠، وتبيين الحقائق ٤/٥ -
٥، ونهاية المحتاج ٨٦/٥، والمغني ١٨٧/٥، وكشاف القناع
٤٧٦/٦
(٢) المغني ١٨٨/٥ - ١٨٩
(٣) تبیین الحقائق ٥/٥
(٤) تكملة الفتح والهداية ٦/ ٢٨٥
- ٦٠ -