النص المفهرس

صفحات 301-320

إفلاس ٤ - ٦
جـ - الحجر :
٤ - الحَجْرلغة : المنع مطلقا، وشرعا: منع نفاذ
تصرف قولي.
وهو أعم من التفليس من حيث الأثر، إذ يشمل
منع الصبي والسفيه والمجنون ومن في حكمهم من
التصرف في المال.
حكم الإِفلاس :
٥ - لما كان الإفلاس صفة للشخص لا فعلا له لم
یوصف بحل ولا حرمة، ولکن للإفلاس مقدمات
هي من فعل المكلف، کالاستدانة، وهذه قد ترد
عليها الأحكام التكليفية، ويرجع في ذلك إلى
مصطلح (استدانة).
وقد يكون سبب الإفلاس الإِعسار، وله أحكام
وضعية (آثار) مفصلة في مصطلح (إعسار)، وأما
الإفلاس من حیث إنه أثر للتفليس، فإنه يناسب
هنا الكلام على أحكام التفليس.
الحكم التكليفي للتفليس :
٦ - إذا أحاط الدين بمال المدين، وطلب الغرماء
الحجر علیه، وجب علی الحاکم تفلیسه عند
المالكية والشافعية والحنابلة، وصاحبي أبي حنيفة،
وهو المفتى به عند الحنفية. واشترط المالكية لوجوب
ذلك ألا یمکن للغرماء الوصول إلی حقهم إلا به .
أما إذا أمكن الوصول إلى حقهم بغير ذلك
كبيع بعض ماله، فإنه لا يصار إلى التفليس.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا یفلس، لأنه کامل
الأهلية، وفي الحجر عليه إهدار لآدميته.
واستدل القائلون بتفليسه : بأن الكل مجمع
على الحجر على المريض مرض الموت فيما زاد على
الثلث لحق الورثة، فلأن يحجر عليه ويمنع من
التصرف في أمواله لحق الغرماء أولى .
ومما يتصل بهذا الموضوع : أنه هل يجوز للحاكم
أن يبيع ماله جبرا عليه أو لا؟
ذهب الجمهور إلى جواز ذلك مستدلین بحديث
معاذ: «أن النبي ﴾ خجر عليه، وباع ماله في دین
كان عليه، وقسمه بين غرمائه ... ))(١)
وكذلك أثر أسيفع : أنه كان يشتري الرواحل،
فيغالي بها، ثم يسرع في السير فيسبق الحاج،
فأفلس، فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب فقال:
((أما بعد: أيها الناس فإن الأسيفع أسفع جهينة
رضي من دينه وأمانته أن يقال: سبق الحاج، إلا
أنه قد أدان معرضا، فأصبح وقد رِینَ به، فمن كان
له دین فلیاتنا بالغداة نقسم ماله بین غرمائه،
وإياكم والدين ... ))(٢)
ولأنه محجور علیه محتاج إلى قضاء دينه فجاز بيع
ماله بغير رضاه، كالصغير والمجنون .
وقال أبو حنيفة : لا يباع ماله جبرا عنه، لأنه لا
ولاية عليه في ماله، إلا أن الحاكم يجبره على البيع
إذا لم يمكن الإِيفاء بدون إجبار ، لقوله تعالى :
(١) حديث معاذ أخرجه البيهقي، وقد روي متصلا ومرسلا، ونقل
ابن حجر عن عبدالحق قوله: المرسل أصح من المتصل (سنن
البيهقي ٤٨/٦ ط الهند، والتلخيص الحبير ٣٧/٣ ط شركة
الطباعة الفنية المتحدة).
(٢) الأثر عن عمر رضي الله عنه أخرجه مالك والبيهقي. وفيه جهالة
كما في التاريخ الكبير للبخاري (السنن الكبرى للبيهقي ٦/ ٤٩ ط
الهند، والموطأ للإِمام مالك ٢/ ٧٧٠ ط عيسى الحلبي، والتاريخ
الكبير للبخاري ٣٢٨/٥ ط دار المعارف العثمانية).
- ٣٠١ -

إفلاس ٧
(( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكونَ تجارةً
عن تراضٍ منكم). (١)
واستثنى أبو حنيفة من ذلك أنه إذا كان دينه
دراهم، وفي المال دراهم دفعت للغريم جبرا.
وکذلك إن کان دینه دنانیر وفي المال دنانير، دفعت
للدائنین جبرا .
وكذلك إذا كان عليه أحد النقدين وفي ماله
النقد الآخر، لأنهما کجنس واحد.
واستدل لذلك بأن الغريم إذا ظفر بمثل دينه
أخذه جبرا، فالحاكم أولى، وهذا الاستثناء عنده
من قبيل الاستحسان.
ومما يتصل بهذا أن المدين المستغرق بالدین،
يحرم عليه دیانة كل تصرف يضر بالدائنين، كما يحرم
على الآخرين أن يتعاملوا معه بما يضر بدائنيه متى
علموا .
وتفصيل ذلك في (استدانة). (٢)
شرائط الحجر على المفلس :
الشريطة الأولى :
٧ - يشترط للحجر على المفلس عند كل من أجازه
أن يطلب الغرماء أو من ينوب عنهم أو يخلفهم
(١) سورة النساء / ٢٩
(٢) شرح الزرقاني علي خليل وحاشية البناني عليه ٢٦١/٥ - ٢٦٥،
وبداية المجتهد ٢/ ٢٨٤، ٢٨٥، وقواعد ابن رجب (قاعدة ١٢
ص١٤)، والقاعدة ٥٣ ص ٨٧، والمغني ٤٣٨/٤، وشرح
المنتهى ٢٧٨/٢ ط مطبعة أنصار السنة، والزيلعي ١٩٩/٥،
والاختيار ٢٦٩/١، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي ٢٨٥/٢ ط
عيسى الحلبي، وكشاف القناع ٣/ ٤٢٣، والهداية وشروحها
٢٠٢/٨ - ٢٠٧، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير
٢٦٣/٣، ٢٦٤، ومجلة الأحكام الشرعية بشرح الأتاسي
٥٥٣/٣
الحجر عليه. فلو طالبوا بديونهم ولم يطلبوا الحجر لم
يحجر عليه .
ولا يشترط أن يطلبه جميع الغرماء، بل لو طلبه
واحد منهم لزم، وإن أبى بقية الغرماء، ذلك أو
سکتوا، أو طلبوا ترکه لیسعی .
وإذا فلس لطلب بعضهم كان للباقين
المخاصة .
ولو طلب المدين تفليس نفسه والحجر عليه لم
يجبه الحاكم إلى ذلك من غير طلب الغرماء. وهذا
عند المالكية والحنابلة، (١) وهو مقابل الأصح عند
الشافعية. والأصح عندهم يحجر على المدين
بسؤاله أو سؤال. وکیله، قيل: وجوبا، وقيل:
جوازا .
قالوا : لأن له غرضا ظاهرا في ذلك، وهو صرف
ماله إلی دیونه .
ووجه الأول أن الحجر ينافي الحرية والرشد،
وإنما حجر بطلب الغرماء للضرورة، وأنهم لا
يتمكنون من تحصيل مقصودهم إلا بالحجر، خشية
الضياع، بخلاف المدين فإن غرضه الوفاء، وهو
متمکن منه ببيع أمواله وقسمتها على غرمائه.
وجعل بعضهم من الحجر بطلب المدین حجر
النبي و ﴿ على معاذ. قالوا: الأصوب أنه كان
بسؤال معاذ نفسه . (٢)
وقال الشافعية : ولو كان الدين القاصر، ولم
يسأل وليه الحجر، وجب على الحاكم الحجر من
غیر سؤال، لأنه ناظر مصلحته.
(١) الدسوقي على الشرح الكبير ٣/ ١٦٤، وشرح المنهاج بحاشية
القليوبي ٢٨٥/٢، وشرح المنتھی ٢/ ٧
(٢) نهاية المحتاج وحواشيه ٤/ ٣٠٠، ٣٠١، ٣٠٥
- ٣٠٢ -

إفلاس ٨ - ١٢
ومثله عندهم ما لو كانت الديون لمسجد، أو
جهة عامة كالفقراء. (١)
وقال الشافعية أيضا في حالة ما إذا طلب بعض
الدائنین الحجر دون بعض : يشترط أن یکون دین
الطالب أکثر من مال المدین، وإلا فلا حجر، لأن
دينه يمكن وفاؤه بكماله. وهذا هو المعتمد عندهم،
وفي قول: یعتبر أن یزید دین الجمیع علی ماله، لا
دين طالب الحجر فقط. (٢)
الشريطة الثانية :
٨ - يشترط أن يكون الدين الذي طلب ربه الحجر
على المدين بسببه دينا حالاً ، سواء أكان حالا
أصالة، أم حل بانتهاء أجله، فلا حجر بالدين
المؤجل، لأنه لا يطالب به في الحال، ولو طولب به
لم يلزمه الأداء. (٣)
الشريطة الثالثة :
٩ - يشترط أن تكون الديون على المفلس أكثر من
ماله. (٤)
وعلى هذا فلا یفلس بدین مساولماله، وهو قول
المالكية، ويفهم أيضا من كلام الحنابلة، وقال
المالكية: ولولم يزد دينه الحال على ماله لكن بقي
من مال المدين مالا يفي بالمؤجل يفلس أيضا،
کمن عليه مائتان. مئة حالة ومائة مؤجلة، ومعه
(١) المرجع السابق.
(٢) نهاية المحتاج ٣٠٣/٤، ٣٠٤
(٣) حاشية الدسوقي ٢٦٤/٣، ونهاية المحتاج ٣٠١/٤، ٣٠٤،
٣٠٥، وكشاف القناع ٤١٧/٣
(٤) نهاية المحتاج ٣٠١/٤، والمغني ٤ /٤٣٨
مائة وخمسون فقط، فیفلس،إلا إن کان یرجی من
تنميته للفضلة - وهي خمسون في مثالنا - وفاء
المؤجل. (١)
وقال الشافعية : إن كانت دیونه بقدر ماله، فإن
کان کسوبا ینفق من کسبه فلا حجر لعدم الحاجة،
وإن لم یکن کسوبا، وكانت نفقته من ماله، فيحجر
عليه كيلا يضيع ماله في نفقته على قول عندهم.
والأصح عندهم : أنه لا حجر في هذه الحال أيضا،
لتمكن الغرماء من المطالبة في الحال. (٢)
الشريطة الرابعة :
١٠ - الدین الذي يحجر به هو دین الآدمیین. أما
دين الله تعالى فلا يحجر به. نص على ذلك
الشافعیة. قالوا: ولو فوریا، کنذر، وإن كان
مستحقوه محصورين، وكالزكاة إذا حال الحول
وحضر المستحقون. (٣)
الشريطة الخامسة :
١١ - يشترط أن يكون الدين المحجور به لازما،
فلا حجر بالثمن في مدة الخيار، نص على ذلك
الشافعية . (٤)
الحجر على المدين الغائب :
١٢ - يصح عند الحنفية على قول الصاحبين الحجر
على المدين الغائب، ولكن يشترط علم المحجور
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢٦٤/٣
(٢) نهاية المحتاج ٣٠٣/٤
(٣) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٢/ ٢٨٥ ونهاية المحتاج وحواشيه
٣٠١/٤
(٤) حاشية القليوبي على المنهاج ٢/ ٢٨٥، ونهاية المحتاج ٣٠١/٤
- ٣٠٣ -

إفلاس ١٢ - ١٣
علیه بعد الحجر، حتى إن كل تصرف باشره بعد
الحجر قبل العلم به يكون صحيحا عندهم. (١)
وإن ثبت الدین بإقراره، أو ببینه قامت علیه عند
القاضي، فغاب المطلوب قبل الحكم وامتنع من
الحضور، قال أبو يوسف: ينصب القاضي وكيلا،
ویحکم علیه بالمال، إن سأل الخصم ذلك، وإن
سأل الخصم أن يحجر عليه، فعند أبي حنيفة
ومحمد لا يحكم ولا يحجر حتى يحضر الغائب، ثم
يحكم عليه، ثم يحجر عليه عند محمد، لأنه إنما
يحجر بعد الحكم لا قبله. كذا في الذخيرة.
وفي النوادر عن محمد: إن كانوا قد أثبتوا ديونهم
يحجر عليه . (٢)
ويصح الحجر على الغائب كذلك عند
المالکیة، إن كانت غيبته متوسطة کعشرة أيام، أو
طويلة كشهر مثلا، أما الغائب الغيبة القريبة ففي
حكم الحاضر. (٣).
واشترطوا للحجر على الغائب ألا يتقدم العلم
بملاءته قبل سفره. فإن علم ملاءته قبل سفره
استصحب ذلك ولم یفلس .. وعند ابن رشد
يفلس في الغيبة الطويلة، وإن علم ملاءته حال
خروجه . (٤)
ولم نجد للشافعية والحنابلة كلاما عن هذه
المسألة فيما اطلعنا عليه .
(١) الفتاوى الهندية ٦١/٥، وشرح مجلة الأحكام للأتاسي ٣/ ٥٥٤
(٢) الفتاوى الهندية ٦٢/٥
(٣) واللجنة ترى أن التحديد بالأيام المذكورة أمر اجتهادي يرجع فيه
إلى تقدير القاضي.
(٤) الزرقاني على خليل ٢٦٥/٥، والدسوقي ٢٦٤/٣
من يحجر على المفلس :
١٣ - لا يكون المفلس محجورا عليه إلا بحجر
القاضي عليه. والحجر للقاضي دون غيره،
لاحتياجه إلى نظر واجتهاد. هذا وإن لقيام الغرماء
على المدين الذي أحاط الدين بماله بعض أحكام
التفليس عند المالكية، ويسمى هذا عند المالكية
تفليسا عاما، وهو أن يقوم الغرماء على من أحاط
الدين بماله - وقبل أن يحجر عليه الحاكم -
فیسجنوه، أو یقوموا علیه فیستتر عنهم فلا يجدونه،
ويحولون بينه وبين التصرف في ماله بالبيع والشراء
والأخذ والإِعطاء، هذا بالإضافة إلى منع تبرعه،
ومنعهم لسفره، کما في کل مدین بدین حال أو يحل
في الغيبة، وليس لهم في هذه الحال منعه من تزوج
واحدة، وترددوا في حج الفريضة، والفتوى عندهم
على أن لهم منعه منه. (١)
ونقل ابن رجب الحنبلي في قواعده أن ابن تيمية
کان لا یری نفاذ تبرع المدين بالدين المستغرق بعد
المطالبة . (٢)
ونقل عن الإِمام أحمد أن تصرفه بالعين التي له
حق الرجوع فيها على المحجور عليه لا ينفذ إن
طالبه بها صاحبها، ولو قبل الحجر. (٣)
وأما عند سائر الفقهاء فإن المفلس قبل الحجر
عليه كغير المفلس، وما يفعله من بيع أو هبة أو إقرار
أو قضاء بعض الغرماء دون بعض فهو جائز نافذ،
لأنه رشید غیر محجور عليه، فنفذ تصرفه كغيره.
(١) الزرقاني والبناني ٢٦٤/٥
(٢) قواعد ابن رجب ، قاعدة ١٢ ص ١٤
(٣) قواعد ابن رجب ، قاعدة ٥٣ ص ٨٧
- ٣٠٤ -

إفلاس ١٤ - ١٧
ونص شارح المنتهى من الحنابلة على أنه يحرم عليه
التصرف في ماله بما يضر غريمه. (١)
وصيغة الحجر أن يقول الحاكم : منعتك من
التصرف، أو حجرت عليك للفلس. ويقتضي
کلام الجمهور التخییر بین الصیغتین، ونحوهما ۔
كفلستك - من كل ما يفيد معنى الحجر. (٢)
الإِثبات :
١٤ - لا حجر بالدين إلا إن ثبت لدى القاضي
بطريق من طرق الإِثبات الشرعية (ر: إثبات).
إشهار الحجر بالإفلاس والإِشهاد عليه :
١٥ - الذين قالوا بمشروعية الحجر على المفلس
قالوا : يستحب إظهار الحجر عليه وإشهاره لتجتنب
معاملته، كيلا يستضر الناس بضياع أموالهم. (٣)
وقال الحنفية - على رأي الصاحبين - والشافعية
والحنابلة: ويسن الإِشهاد علیه لينتشر ذلك عنه،
ولأنه ربما عزل الحاكم أومات، فیثبت الحجر عند
الآخر فیمضیه، ولا يحتاج إلى ابتداء حجر ثان.
ولأن الحجر تتعلق به أحكام، وربما يقع التجاحد
(١) المغني ٤٣٨/٤، وشرح المنتهى ٢/ ٢٧٨ مطبعة أنصار السنة.
(٢) نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي ٣٠٢/٤، والدسوقي
٢٦٤/٣
(٣) واللجنة ترى أن أي وسيلة من وسائل الإشهار أو الإعلان
" كالصحف وغيرها كافية. وفي تسجيل الحكم وضبط وقائعه
بالطرق المعروفة ما يكفي لدفع الضرر عن الراغبين بالمعاملة مع
هذا الشخص.
فيحتاج إلى إثباته. (١) ولم يتعرض المالكية لذلك
فيما اطلعنا عليه من كلامهم.
آثار الحجر على المفلس :
١٦ - إذا حجر القاضي على المفلس، تعلق بذلك
من الآثار ما يلي :
أ - تتعلق حقوق الغرماء بماله، ويمنع من
الإِقرار على ذلك المال والتصرف فيه.
ب - انقطاع الطلب عنه بدین جدید بعد الحكم
بالإفلاس.
جـ ـ حلول الدين المؤجل في ذمة المدين.
د - استحقاق من وجد عين ماله عند المدين
استرجاعه.
هـ - استحقاق بيع مال المفلس وقسمه بين الغرماء.
وفيما يلي تفصيل القول في هذه الآثار .
الأول : تعلق حق الغرماء بالمال :
١٧ - بالحجر يتعلق حق الغرماء بالمال، نظير تعلق
حق الراهن بالمال المرهون، فلا ينفذ تصرف
المحجور عليه في ذلك المال بما يضرهم، ولا ينفذ
إقراره عليه. والمال الذي يتعلق به حق الغرماء هو
مال المدین الذي يملكه حال الحجر اتفاقا عند من
يقول بجواز تفليس المدين. وأما ما يحدث له بعد
ذلك فلا يشمله الحجر عند صاحبي أبي حنيفة -
رحمهم الله - والمالكية، وعلى قول عند الشافعية -
(١) المغني ٤/ ٤٤٠، والفتاوى الهندية ٦٢/٥، ونهاية المحتاج
٤/ ٣٠٥
- ٣٠٥ -

إفلاس ١٨ - ١٩
هو مقابل الأصح عندهم - قالوا: كما لا يتعدى
حجر الراهن على نفسه في العين المرهونة إلى
غيرها.
والأصح عند الشافعية ومذهب الحنابلة :
يشمله الحجر كذلك ما دام الحجر قائما، نحو
ما ملکه بإرث، أو هبة أو اصطياد أو صدقة أو دية أو
وصية، قال الشافعية: أو شراء في الذمة. قالوا :
لأن مقصود الحجر وصول الحقوق إلى أهلها،
وذلك لا يختص بالموجود. (١)
فعلى قول الحنفية والمالكية يتصرف المحجور
علیه لفلس فيما تجدد له بعد الحجر من المال، سواء
کان عن أصل، کربح مال ترکه بیده بعض من
فلسه، أو عن معاملة جديدة، أو عن غير أصل
كميراث وهبة ووصية. ولا يمنع من ذلك التصرف
إلا بحجر جديد على ما صرح به المالكية. (٢)
الإقرار :
١٨ - على قول الحنفية والحنابلة - وهو خلاف
الأظهر عند الشافعية - لا يقبل على الغرماء إقرار
المفلس بشيء من ماله الذي حجر علیه فیه،
لاحتمال التواطؤ بين المفلس ومن أقر له، ويلزمه ما
أقر به بعد فك الحجر عنه .
والأظهر عند الشافعية : أنه يقبل في حق
الغرماء، إن أسند وجوبه إلى ما قبل الحجر عليه أو
(١) الفتاوى الهندية ٥/ ٦٢، والزرقاني ٢٦٨/٥، والشرح الكبير مع
حاشية الدسوقي ٢٦٨/٣، وشرح المنتهى ٢٧٨/٢، ونهاية
المحتاج ٣٠٩/٤
(٢) السز رقاني والبناني على خليل ٢٦٨/٥، والشرح الكبير
والدسوقي ٢٦٨/٣
أطلق، لا إن إضافه إلى ما بعد الحجر.
وعند المالكية تفصيل ، قالوا: يقبل إقراره على
غرمائه إن أقربالمجلس الذي حجر علیه فیه، أو
قریبا منه، إن کان دينه الذي حجر علیه به ثبت
بالإِقرار، أو علم تقدم المعاملة بينهما. أما في غير
ذلك إن ثبت بالبينة، فلا يقبل إقراره عليه
لغيرهم.(١)
تصرفات المفلس في المال :
١٩ - تصرفات المفلس ثلاثة أنواع :
الأول : تصرفات نافعة للغرماء، كقبوله الهبة
والصدقة، فهذه لا يمنع منها.
الثاني : تصرفات ضارة، كهبته لماله، ووقفه
له، وتصدقه به، والإِبراء منه، وسائر التبرعات،
فهذه يؤثر فيها الحجر عند الحنفية والمالكية
والحنابلة، وعلى الأظهر عند الشافعية. والقول
الثاني عند الشافعية: أن التصرف يقع موقوفا، فإن
فضل ذلك عن الدين نفذ وإلا لغا.
ومن أجل ذلك قال الحنابلة : لا يكفِّر المفلس
بغير الصوم، لئلا يضر بالغرماء. ويستثنى من هذا
النوع التصرف بعد الموت، كما لو أوصى بمال. وإنما
صح هذا لأن الوصية تخرج من الثلث بعد حق
الدائنين .
(١) الفتاوى الهندية ٦٢/٥، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي
٢٦٧/٣، ٢٦٨، وشرح المنهاج ٢٨٧/٢، والمغني ٤/ ٤٣٩،
وشرح المنتھی ٢/ ٢٧٨ .
- ٣٠٦ -

إفلاس ١٩ - ٢١
واستثنى الحنابلة أيضا تصرفه بالصدقة
اليسيرة . (١)
الثالث : تصرفات دائرة بين النفع والضر،
كالبيوع والإِجارة. والأصل في هذا النوع أنه باطل
على قول بعض الفقهاء، منهم الحنابلة والشافعية
في الأظهر، وابن عبد السلام من المالكية .
ومذهب المالكية : أنه يمنع من التصرف
المذكور، فإن أوقعه وقع موقوفا على نظر الحاكم إن
اختلف الغرماء، وعلى نظرهم إن اتفقوا، ومذهب
الحنفية على قول الصاحبين أن للمفلس أن يبيع
ماله بثمن مثله، لأنه لا يبطل حق الغرماء، وإن
باع بالغبن لا يصح منه، سواء أكان الغبن يسيرا أم
فاحشا، ويخير المشتري بين إزالة الغبن وبين
الفسخ. (٢)
ولوباع بعض ماله لغریمه بدینه، فقال
الحنابلة: لا يصح ، لأنه محجور عليه.
وقال الشافعية في الأصح عندهم : لا يصح إلا
بإذن القاضي، لأن الحجر يثبت على العموم، ومن
الجائز أن یظهر له غریم آخر.
ومقابله عند الشافعية : يصح، ولوبغير إذن
القاضي، لأن الأصل عدم الغريم الآخر. لكن
لا يصح إلا بشرط أن يكون البيع للغرماء جميعهم
بلفظ واحد، وأن يكون دينهم من نوع واحد .
(١) الفتاوى الهندية ٥/ ٦٢، وشرح المنتهى ٢٧٨/٢، وشرح المنهاج
وحاشية القليوبي ٢٨٧/٢، والزرقاني على خليل ٢٦٢/٥ -
٢٦٦
(٢) الاختيار لتعليل المختار ٢٦٩/١ ط صبيح، وتكملة شرح فتح
القدير ٢٠٦/٨، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير
٢٦٥/٣، والزرقاني والبناني ٢٦٦/٥، وشرح المنهاج ٢٨٦/٣،
وشرح المنتھی ٢٧٨/٢
وقال الحنفية : إن باع ماله من الغريم، وجعل
الدين بالثمن على سبيل المقاصة صح إن كان
الغريم واحدا. وإن كان الغريم أكثر من واحد،
فباع ماله من أحدهم بمثل قیمته يصح، کما لو باع
من أجنبي بمثل قيمته، ولكن المقاصة لا تصح،
كما لو قضی دین بعض الغرماء دون بعض.
ولم نجد المالكية تعرضوا لهذه المسألة
بخصوصها، فيظهر أنها عندهم أيضا موقوفة على
نظر القاضي أو الغرماء كما تقدم. (١)
التصرف في الذمة من المحجور عليه لفلس :
٢٠ - لو تصرف المحجور عليه لفلس تصرفا في ذمته
بشراء أو بيع أو كراء صح، نص على ذلك
المالكية، والشافعية على الصحيح عندهم،
والحنابلة، وهو مقتضى مذهب الصاحبين، لأهليته
للتصرف، والحجر یتعلق بماله لا بذمته، ولأنه لا
ضرر فيه على الغرماء، ويتبع به بعد فك الحجر
عنه. (٢)
إمضاء التصرفات السابقة على الحجر أو إلغاؤها:
٢١ - ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن للمفلس بعد
الحجر عليه إمضاء خيار، وفسخ لعيب فيها اشتراه
قبل الحجر، لأنه إتمام لتصرف سابق على حجره
فلم يمنع منه، كاسترداد وديعة أودعها قبل الحجر
(١) الفتاوى الهندية ٦٢/٥، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي
٦٢٨٦/٢، وشرح المنتهى ٢٧٨/٢
(٢) الزرقاني والبناني على خليل ٢٦٦/٥، وشرح المنتهى
٢٧٨/٢، ونهاية المحتاج ٤/ ٣٠٦
- ٣٠٧ -

إفلاس ٢٢ - ٢٤
عليه، وسواء أكان في ذلك الإِمضاء أو الفسخ حظ
للمفلس أو لم یکن.
وقال المالكية : ينتقل الخيار للحاكم أو للغرماء،
فلهم الرد أو الإِمضاء.
وصرح الحنفية بأن البيع، إن كان بمثل القيمة
جاز من المحجور عليه، فيؤخذ منه مراعاة حظ
الغرماء في الفسخ أو الإِمضاء.(١)
حكم ما يلزم المفلس من الحقوق في مدة الحجر:
٢٢ - ما لزم المفلس من دية أو أرش جناية زاحم
مستحقها الغرماء، وكذا کل حق لزمه بغیر رضی
الغريم واختياره، كضمان إتلاف المال، لانتفاء
تقصيره. بخلاف التصرفات التي تقدم ذكر المنع
منها، فإنها تكون برضا الغريم واختياره. قال
الشافعية على الأصح عندهم: ولو أقر المفلس
بجناية قبل إقراره على الغرماء، سواء أسند المفلس
سبب الحق إلى ما قبل الحجر أو إلى ما بعده. (٢)
وجعل من ذلك صاحب المغني أنه لو أفلس،
وله دار مستأجرة فانهدمت، بعدما قبض المفلس
الأجرة، انفسخت الإِجارة فيما بقي من المدة،
وسقط من الأجرة بقدر ذلك. ثم إن وجد عين ماله
أخذ بقدر ذلك، وإن لم يجده شارك الغرماء
بقدره. (٣)
(١) مطالب أولي النهى ٣٧٦/٣، والقليوبي ٢٨٦/٢، والدسوقي
١٠١/٣، والهندية ٤/ ٦٢
(٢) الفتاوى الهندية ٦٢/٥، ونهاية المحتاج ٣٠٨/٤، والمغني
٤/ ٤٤٠، ومطالب أولي النهى ٣٧٧/٣
(٣) المغني ٤/ ٤٤١
الأثر الثاني - انقطاع المطالبة عنه :
٢٣ - وذلك لقول الله تعالى: (وإن كان ذو عُسْرَةٍ
فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرةٍ)(١) وقول النبي ◌َّ لغرماء معاذ:
«خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك)) وفي رواية
((ولا سبيل لكم عليه))(٢) فمن أقرضه شيئا أوباعه
شيئا عالما بحجره لم يملك مطالبته ببدله حتى ينفك
الحجر عنه، لتعلق حق الغرماء حالة الحجر بعين
مال المفلس، ولأنه هو المتلف لماله بمعاملة من لا
شيء معه، لكن إن وجد المقرض أو البائع أعيان
مالهما فلهما أخذها كما سبق، إن لم يعلما بالحجر. (٣)
الأثر الثالث - حلول الدين المؤجل :
٢٤ - في حلول الديون التي على المفلس بالحجر
عليه قولان للفقهاء:
الأول وهو قول المالكية المشهورعندهم،
وقول للشافعي هو خلاف الأظهر عند أصحابه،
ورواية عن أحمد: أن الديون المؤجلة التي على
المفلس تحل بتفليسه. قال المالكية: ما لم يكن
المدين قد اشترط عدم حلولها بالتفليس. واحتج
أصحاب هذا القول: بأن التفلیس یتعلق به الدین
بالمال، فيسقط الأجل، كالموت.
(١) سورة البقرة/ ٢٨٠
(٢) حديث ((خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك)). وفي رواية)»
ولا سبیل لکم علیه» أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري
رضي الله عنه مرفوعا بلفظ ((أصيب رجل في عهد رسول اله #
في ثمار ابتاعها، فکثر دینه، فقال رسول الله ﴾: «تصدقوا عليه)»
فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله
* لغرمائه: ((خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك)) (صحيح
مسلم ١١٩١/٣ ط عيسى الحلبي).
(٣) كشاف القناع ٤٤٢/٣، ومطالب أولي النهى ٣/ ٤٠٠
- ٣٠٨ -

إفلاس ٢٤ - ٢٥
قال المالكية : ولو طلب الدائن بقاء دينه مؤجلا
لم يجب لذلك.
والثاني ، وهو قول الحنفية، والشافعي وهو
الأظهر عند أصحابه، ورواية عن أحمد هي التي
اقتصر عليها في الإِقناع: لا يحل الأجل بالتفليس .
قالوا: لأن الأجل حق للمفلس، فلا يسقط
بفلسه، کسائر حقوقه، ولأنه لا یوجب حلول
ما له، فلا يوجب حلول ما عليه، كالجنون
والإغماء، وليس هو كالموت، فإن الموت تخرب به
الذمة، بخلاف التفليس.
فعلى هذا القول: لا يشارك أصحاب الديون
المؤجلة أصحاب الدیون الحالة، إلا إن حل
المؤجل قبل قسمة المال فيحاصهم. أو قبل قسمة
بعضه فيشاركهم الدائن في ذلك البعض. قال
الرملي من الشافعية، وصاحب الإِقناع من
الحنابلة: وإذا بيعت أموال المفلس لم يدخر منها
شيء للمؤجل.
ولا يرجع رب الدين المؤجل على الغرماء إذا
حل دينه بشيء، لأنه لم يستحق مشاركتهم حال
القسمة. وقال الحنفية: يرجع عليهم فيما قبضوا
بالحصص.
أما على القول الأول : فيشارك أصحاب
الديون المؤجلة أصحاب الديون الحالة في مال
المفلس.(١)
(١) الزرقاني على خليل ٢٦٧/٥، والشرح الكبير مع الدسوقي
٢٦٦/٣، والمغني ٤٣٥/٤، وشرح الإقناع ٤٣٨/٣، ونهاية
المحتاج ٣٠٥/٤، وشرح المنهاج، وحاشية القليوبي ٢/ ٢٨٥،
والفتاوى الهندية ٦٤/٥
أما ديون المفلس على الناس فلا تحل بفلسه إذا
کانت مؤجلة، لا يعلم في ذلك خلاف. (١)
الأثر الرابع : مدى استحقاق الغريم أخذ عين
ماله إن وجدها:
إذا أوقع الحجر على المفلس، فوجد أحد
أصحاب الدیون عین ماله التي باعها للمفلس
وأقبضها له، (٢) ففي أحقيته باسترجاعها قولان
للعلماء :
٢٥ - القول الأول : أن بائعها أحق بها بشروطه،
وهو قول مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي
والعنبر ي وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر، وروي
هذا القول عن بعض الصحابة، منهم عثمان وعلي
رضي الله عنهما، وعن عروة بن الزبير من
التابعين .
واحتج أصحاب هذا القول بحديث أبي هريرة
رضي الله عنه المرفوع ((من أدرك ماله بعينه عند
رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره)). (٣)
واحتجوا أيضا بأن هذا عقد يلحقه الفسخ
بالإِقالة، فجاز فيه الفسخ لتعذر العوض، كالمسلم
فيه إذا تعذر، وبأنه لوشرط في العقد رهنا، فعجز
(١) كشاف القناع شرح الإقناع البهوتي ٤٣٧/٣
(٢) أما إن لم يقبضها له فهو أحق بها اتفاقا، لأنها من ضمانه (بداية
المجتهد).
(٣) الشرح الكبير مع حاشيته ٢٨٢/٣، شرح المنهاج ٢٩٣/٢،
والمغني ٤ / ٤٥٣ ط الریاض.
وحدیث « من أدرك ماله بعینه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو
أحق به من غيره)). أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه مرفوعا. (فتح الباري ٦٢/٥ ط السلفية، وصحيح
مسلم ١١٩٣/٣ ط عيسى الحلبي).
- ٣٠٩ -

إفلاس ٢٦ - ٢٧
عن تسليمه، استحق الفسخ، وهو وثيقة بالثمن،
فالعجز عن تسلیم الثمن نفسه أولی . (١)
٢٦ - القول الثاني : قول أبي حنيفة وأهل الكوفة
وقول ابن سيرين وإبراهيم من التابعين
وابن شبرمة. وروي عن علي رضي الله عنه: أنه
ليس أحق بها، بل هو في ثمنها أسوة الغرماء.
واحتجوا بأن هذا مقتضى الأصول اليقينية المقطوع
بها، قالوا: وخبر الواحد إذا خالف الأصول یرد،
كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا ندع
كتاب ربنا وسنة نبينا لحديث امرأة .
قالوا : ولما روي من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه مرفوعا: ((أيما رجل مات أو أفلس
فوجد بعض غرمائه ماله بعينه فهو أسوة الغرماء))(٢)
(١) المغني ٤ / ٤١٠، ونيل المآرب ١٢١/١، وشرح المنهاج مع
حاشية القليوبي ٢٩٣/٢، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير
٢٨٢/٣
(٢) حديث ((أيما رجل مات أو أفلس فوجد بعض غرمائه ماله بعينه
فهو أسوة الغرماء)» أورده ابن رشد في بداية المجتهد بهذا اللفظ
وقال: رواه الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة
مرفوعا، وذكره البابرتي في العناية بلفظ مقارب وقال: رواه
الخصاف بإسناده، إلا أننا لم نجد الحدیث بهذا اللفظ فیما لدينا من
مراجع السنن والآثار، وإنما أورد العيني حديثا بهذا المعنى وعزاه
إلى الدارقطني ولفظه ((أيما رجل باع سلعة فأدركها عند رجل قد
أفلس فهو ماله بين غرمائه)»، ثم نقل قول الدارقطني: لا يثبت
هذا الحديث عن الزهري رحمه الله مسندا وإنما هو مرسل،
وتعقبه بقوله: ((قلت: المرسل عندنا (الحنفية) حجة، وأسنده
الخصاف والرازي (بداية المجتهد ٢٨٧/٢ نشر دار المعرفة،
والعناية بهامش فتح القدير ٨/ ٢١٠ ط دار إحياء التراث العربي،
والعناية شرح الهداية ٢٧٦/٨ ط دار الفكر).
قالوا: وهذا الحديث أولى من غيره، لموافقته
الأصول العامة، ولأن الذمة باقية وحقه فيها. (١)
الرجوع فيما قبضه المدين بغير الشراء:
٢٧ - اختلف القائلون بالرجوع فيما قبضه الغريم
بغير الشراء
أ- فقد عمم الشافعية القول بأن له الرجوع في
عين ماله بالفسخ في سائر المعاوضات المالية المحضة
كالقرض والسلم، بخلاف غيرها، كالهبة،
والنكاح والصلح عن دم العمد والخلع.
وصنيع الحنابلة يوحي بأن قولهم في ذلك كقول
الشافعیة، وإن لم نرهم صرحوا بذلك، لكن
تمثيلهم لما يرجع فيه بعين القرض ورأس مال السلم
والعين المؤجرة يدل على ذلك.
ب - وأجاز المالكية الرجوع للوارث، ومن ذهب
له الثمن، أو تصدق علیه به، أو أحیل به .
وأَبُوْا الرجوع فيما لا يمكن الرجوع فيه
كعصمة، فلو خالعت زوجها على مال، ثم فلست
قبل أداء البدل، لم يكن لمخالعها الرجوع بالعصمة
لأنها خرجت منه، ويحاص الغرماء ببدل الخلع،
وكما لوفلس الجاني بعد الصلح عن القصاص لم
يكن لأولياء القتيل الرجوع إلى القصاص، لتعذر
ذلك شرعا بعد العفو، بل يحاصون الغرماء بعوض
الصلح. (٢)
(١) بداية المجتهد ٢٨٨/٢ وفتح القدير ٨/ ٢١٠
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢٨٣/٣، والزرقاني
٢٨٢/٥، وكشاف القناع ٣/ ٤٢٥، ومطالب أولي النهى
٣٧٨/٣، ونهاية المحتاج ٣٢٦/٤، والقليوبي ٢٩٣/٢
- ٣١٠ -

إفلاس ٢٨ - ٣١
شروط الرجوع في عين المال :
جملة الشروط التي اشترطها القائلون بالرجوع
في عين المال التي عند المفلس هي كما يلي:
الشرط الأول :
٢٨ - أن يكون المفلس قد ملكها قبل الحجر لا
بعده. فإن کان ملکها بعد الحجر فلیس البائع أحق
بها، ولو لم يكن عالما بالحجر، وذلك لأنه ليس له
المطالبة بثمنها في الحال، فلم يملك الفسخ.
وقيل : ليس هذا شرطا، لعموم الخبر. وقيل
بالتفريق بين العالم ومن لم يعلم. (١)
الشرط الثاني :
٢٩ - قال الحنابلة : أن تكون السلعة باقية بعينها،
ولم يتلف بعضها، فإن تلفت كلها أو تلف جزء
منها، كما لوانهدم بعض الدار، أو تلفت ثمرة
البستان، لم يكن للبائع الرجوع، وكان أسوة
الغرماء.
واحتجوا بقول النبي وقال : ((من أدرك ماله بعينه
عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من
غيره))(٢) قالوا: فإن قوله: ((بعينه)) يقتضي ذلك.
ولأنه إذا أدركه بعينه فأخذه انقطعت الخصومة
بینھما.
وعند المالكية والشافعية يمنع تلف كله
(١) المغني ٤/ ٤١٠، وحاشية الدسوقي ٢٨٢/٣، والزرقاني
٢٨٢/٥
(٢) حدیث « من أدرك ماله بعینه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو
أحق به)) سبق تخريجه . ف ٢٥
الرجوع، ولا يمنع تلف بعضه الرجوع، على
تفصیل عندهم في ذلك يرجع إليه في بابه.(١)
الشرط الثالث :
٣٠ - أن تكون السلعة عند المفلس على حالها التي
اشتراها عليها. فإن انتقلت عين السلعة عن الحال
التي اشتراها عليها، بعد شرائه لها - قال الحنابلة:
بما یزیل اسمھا ۔ منع ذلك الرجوع، کما لو طحن
الحنطة، أو فصل الثوب، أوذبح الكبش، أو تَتَمّرَ
رطبه، أو نجر الخشبة بابا، أونسج الغزل، أو فصل
القماش قميصا. وهذا عند المالكية والحنابلة.
وقالوا: لأنه لم يجد عین ماله.
وقال الشافعية : إن لم تزد القيمة بهذا الانتقال
رجع ولا شيء للمفلس. وإن نقصت فلا شيء
للبائع إن رجع به. وإن زادت، فالأظهر أنه يباع
وللمفلس من ثمنه بنسبة ما زاد. (٢)
الشرط الرابع :
٣١ - ألّ يكون المبيع قد زاد عند المفلس زيادة
متصلة، كالسمن والكبر، وتجدد الحمل - ما لم تلد
- وهذا على قول في مذهب أحمد.
وقول المالكية والشافعية ، وهو رواية عن أحمد :
أن الزيادة المتصلة المتولدة لا تمنع الرجوع، ويفوز
بها البائع، إلا أن المالكية يخيرون الغرماء بين أن
يعطوا السلعة، أو ثمنها الذي باعها به. (٣)
(١) المغني ٤١٣/٤، وشرح المنهاج ٢٩٤/٢، وبلغة السالك
١٣٥/٢.
(٢) الزرقاني ٢٨٣/٥، والمغني ٤١٦/٤، وشرح المنهاج بحاشية
القليوبي ٢٩٧/٢
(٣) المغني ٤ / ٤٦٥
- ٣١١ -

إفلاس ٣٢ - ٣٥
وهذا بخلاف نقص الصفة فلا يمنع
الرجوع. (١)
أما الزيادة المنفصلة فإنها لا تمنع الرجوع، وذلك
كالثمرة والولد. وهذا قول مالك والشافعي وأحمد،
سواء أُنقص بها المبيع أم لم ینقص، إذا کان نقص
صفة. والزيادة المنفصلة للمشتري وهو
المفلس. (٢)
الشرط الخامس :
٣٢ - ألا يكون قد تعلق بالسلعة حق للغير، كأن
وهبها المشتري أوباعها أو وقفها فلا رجوع، لأنه لم
يدرك متاعه بعينه عند المفلس، فلا يدخل في
النص.
وقال المالكية في المرهون : إن للدائن أن يفك
الرهن بدفع ما رهنت به العین، ویأخذها، ويحاص
الغرماء بما دفع. (٤)
الشرط السادس :
٣٣ - وهو للشافعية . قالوا: أن یکون الثمن دینا،
فلو كان الثمن عينا قدم على الغرماء بقبض العين
التي هي ثمن، وذلك كما لوباع بقرة ببعير، ثم
أفلس المشتري، فالبائع يرجع بالبعير ولا يرجع
بالمبيع، أي البقرة. (٥)
(١) المغني ٤ / ٤٦٤
(٢) المغني ٤/ ٤٦٥
(٣) المغني ٤٣١/٤، ٤٣٢، ونهاية المحتاج ٤/ ٣٣٠، ٣٣٢
(٤) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢/ ٢٨٥
(٥) نهاية المحتاج وحاشية الرشيدي ٣٣٢/٤
الشرط السابع :
٣٤ - قال الشافعية : أن یکون الثمن حالا عند
الرجوع، فلا رجوع فيما كان ثمنه مؤجلا ولم يحل،
إذ لا مطالبة في الحال.
وقال الحنابلة : إن كان الثمن مؤجلا لم يحل
رجوع البائع في السلعة، فتوقف إلى الأجل، فيختار
البائع حينئذ بين الفسخ والترك. ولا تباع فيما يباع
من مال المفلس. قالوا: لأن حق البائع تعلق بها،
فقدم على غيره، وإن كان مؤجلا، كالمرتهن. (١)
الشرط الثامن :
٣٥ - وهو للحنابلة ، قالوا : يشترط ألا يكون
البائع قد قبض من ثمنها شيئا. وإلا سقط حقه في
الرجوع. قالوا: والإِبراء من بعض الثمن كقبضه.
واحتجوا بما روى الدارقطني من حديث
أبي هريرة مرفوعا: ((أيما رجل باع سلعة، فأدرك
سلعته بعینها عند رجل قد أفلس، ولم یکن قبض
من ثمنها شيئا، فهي له. وإن کان قبض من ثمنها
شيئا فهو أسوة الغرماء)). (٢)
وقال الشافعي في مذهبه الجدید : للبائع أن
يرجع بما يقابل الباقي من دينه. وقال مالك: هو
مخير إن شاء رد ما أخذه ورجع في جميع العين،
وإن شاء حاص الغرماء ولم يرجع. (٣)
(١) نهاية المحتاج ٣٢٨/٤، وكشاف القناع ٤٢٥/٣
(٢) حديث (( أيما رجل باع سلعة فأدرك سلعته بعينها عند رجل قد
أفلس ... )) أخرجه الدارقطني وفي إسناده إسماعيل بن عياش،
قال الدارقطني: إسماعيل بن عياش مضطرب الحديث ولا يثبت
هذا عن الزهري مسندا وإنما هو مرسل (سنن الدار قطني ٢٩/٣ -
٣٠ ط دار المحاسن).
(٣) المغني ٤/ ٤٣٠، وكشاف القناع ٤٢٦/٤، ونهاية المحتاج =
- ٣١٢ -

إفلاس ٣٦ - ٣٨
الشرط التاسع :
٣٦ - وهو للمالكية ، قالوا: يشترط ألا يفديه
الغرماء بثمنه الذي علی المفلس، فإن فدوه۔ ولو
بمالهم - لم يأخذه، وكذا لوضمنوا له الثمن، وهم
ثقات، أو أعطوا به كفيلا ثقة.
وقال الشافعية والحنابلة : لا يسقط حقه في
الفسخ، ولو قال الغرماء له: لا تفسخ ونحن
نقدمك بالثمن من التركة. قال الحنابلة : لعموم
الأدلة. وقال الشافعية: لما في ذلك من المنة،
ولخوف ظهور غريم آخر. لكن لوأن الغرماء بذلوا
الثمن للمفلس، فأعطاه للبائع سقط حقه في
الفسخ. (١)
الشرط العاشر :
٣٧ - أن يكون المفلس حيا إلى أخذها، فإن مات
بعد الحجر عليه، سقط حق البائع في الرجوع.
وهذا مذهب مالك وأحمد. لحديث: (( ... فإن
مات فصاحب المتاع أسوة الغرماء))(٢) وفي رواية:
= ٣٣٢/٤، ٣٣٣، وبداية المجتهد ٢٨٨/٢، والدسوقي على
الشرح الكبير ٢٨٦/٣
(١) الزرقاني ٢٨٢/٥، ونهاية المحتاج ٣٢٩/٤، وكشاف القناع
٤٢٥/٣
(٢) حديث: (( ... فإن مات فصاحب المتاع أسوة الغرماء)).
أخرجه أبو داود من حديث أبي بكر بن عبدالرحمن بن
الحارث بن هشام، بلفظ: ((أن رسول الله # قال: ((أيما رجل
باع متاعا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه
شيئا، فوجد متاعه بعينه فهو أحق به، وإن مات المشتري
فصاحب المتاع أسوة الغرماء)). قال المنذري: وهذا مرسل،
أبو بكر بن عبدالرحمن تابعي. (عون المعبود ٣/ ٣٠٩ ط الهند
٠)
(أيما امرىء مات، وعنده مال امرىء بعينه،
اقتضى منه شيئا أولم يقتض فهو أسوة الغرماء. (١)
قالوا: ولأنه تعلق به حق غير المفلس، وهم
الورثة، کالمرهون، وکما لو باعه.
وقال الشافعي : له الفسخ واسترجاع العين،
لحديث أبي هريرة مرفوعا: ((أيما رجل مات أو
أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه، إذا وجده
بعينه)) . (٢)
الشرط الحادي عشر :
٣٨ -أن يكون البائع أيضا حيا، فلومات قبل
الرجوع فلا رجوع على قول عند الحنابلة. وفي
الإِنصاف: للورثة الرجوع. (٣)
(١) حديث (( أيما امرىء مات وعنده مال امرىء بعينه ... ))
أخرجه ابن ماجة والدارقطني من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه مرفوعا، وفي إسناديهما اليمان بن عدي، قال عنه الدارقطني:
ضعيف الحديث (سنن ابن ماجة ٢/ ٧٩١ ط عيسى الحلبي،
وسنن الدارقطني ٣/ ٣٠ ط دار المحاسن).
(٢) المغني ٤/ ٤٥٣، ٤٥٤، ومطالب أولي النهى ٣/ ٣٧٩، ونهاية
المحتاج ٤/ ٣٢٥
وحديث (( أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه
إذا وجده بعينه)) أخرجه أبو داود وابن ماجة والحاكم من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا، وفي إسناده ابو المعتمر، قال
عنه أبو داود: لا یعرف، قال الحافظ ابن حجر هو حديث حسن
يحتج بمثله، وصححه الحاكم، وأقره الذهبي. (عون المعبود
٣٠٩/٣ ط الهند، ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٥/ ١٧٧ نشر
دار المعرفة، وسنن ابن ماجة ٢/ ٧٩٠ ط عيسى الحلبي، وفتح
الباري ٤/ ٦٤ ط السلفية، والمستدرك ٢/ ٥٠ - ٥١ نشر دار
الكتاب العربي).
(٣) كشاف القناع ٤٢٨/٣، ٤٢٩
- ٣١٣ -

إفلاس ٣٩ - ٤٢
الشرط الثاني عشر :
٣٩ - قال الشافعية على الأصح عندهم: له أن
پرجع فور علمه بالحجر، فإن تراخی في الرجوع،
وادعى أنه جهل أن الرجوع على الفور، قبل منه.
ولو صولح عن الرجوع على مال لم يصح الصلح،
وبطل حقه من الفسخ إن علم.
ووجه اشتراطه عندهم أنه کالرد بالعيب،
بجامع دفع الضرر.
والقول الآخر للشافعية ، وهو مذهب الحنابلة:
أن الرجوع على التراخي. قالوا: وهو كرجوع
الأب في هبته لا بنه .(١)
الرجوع بعين الثمن :
٤٠ - لو كان الغريم اشترى من المفلس شيئا في
الذمة، وأسلم الثمن، ولم يقبض السلعة، حتى
حجر على المفلس، فهل يرجع الغريم بما أسلمه
من النقود؟ قال المالکیة: نعم یرجع إن ثبت عينها
ببينة أو طبع، قياسا للثمن على المثمن.
وقال أشهب من المالكية : لا يرجع، لأن
الأحاديث إنما فيها ((من وجد سلعته ... ))(٢)
(١) نهاية المحتاج ٣٢٥/٤، ٣٢٦، وكشاف القناع ٤٢٩/٣
(٢) حديث ((من وجد سلعته ... )) أخرجه مسلم من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: ((إذا أفلس الرجل فوجد الرجل
عنده سلعته بعينها فهو أحق به)). (صحيح مسلم ٣/ ١١٩٤ ط
عيسى الحلبي).
و: ((من وجد متاعه ... ))(١) والنقدان لا يطلق
عليهما ذلك عرفا. (٢)
ثم قد قال المالكية : ولو اشترى شراء فاسدا
ففسخه الحاكم وأفلس البائع، فالمشتري أحق
بالثمن إن كان موجودا لم يفت. (٣)
ولم نعثر على نص في هذه المسألة لسائر
المذاهب.
استحقاق مشتري العين أخذها إن حجر على
البائع للفلس قبل تقبيضها :
٤١ - نص الحنابلة على أن الرجل لوباع عينا، ثم
أفلس قبل تقبيضها، فالمشتري أحق بها من
الغرماء، لأنها عين ملكه، وذلك صادق عندهم
سواء كانت السلعة مما لا يحتاج لحق توفية، كدار
وسيارة، أو ما يحتاج إليه، كالمكيل والموزون. (٤)
ولم نجد تعرضا لهذه المسألة في المذاهب
الأخرى.
هل يحتاج الرجوع إلى حكم حاكم:
٤٢ - لا يفتقر الرجوع في العین إلی حکم حاكم،
على مذهب الحنابلة، وعلى الأصح في مذهب
الشافعية. قالوا: لأنه ثبت بالنص. (٥)
(١) حديث ((من وجد متاعه ... )) أخرجه مسلم من حديث
أبي هريرة بلفظ ((إذا أفلس الرجل فوجد الرجل متاعه بعينه فهو
أحق بها)).
(صحيح مسلم ٣/ ١١٩٤ ط عيسى الحلبي ).
(٢) الزرقاني ٢٨٢/٥، والدسوقي ٨٣/٣
(٣) الشرح الكبير والدسوقي ٣/ ٢٩٠، وجواهر الإكليل ٢/ ٩٧
(٤) كشاف القناع ٤٣٧/٣
(٥) كشاف القناع ٤٢٩/٣، ونهاية المحتاج ٣٢٦/٤، وشرح المحلي
على المنهاج ٢/ ٢٩٣
- ٣١٤ -

إفلاس ٤٣ - ٤٥
ولوحكم بمنع الفسخ حاكم فعند الشافعية :
لا ينقض حكمه قالوا: لأن المسألة اجتهادية،
والخلاف فيها قوي، إذ النص كما يحتمل أنه ((أحق
بعين متاعه)) يحتمل أنه ((أحق بثمنه)) وإن كان الأول
أظهر.
وعند الحنابلة : يجوز نقض حكمه، نقل
صاحب المغني عن نص أحمد: لوحكم حاكم بأن
صاحب المتاع أسوة الغرماء، ثم رفع إلی رجل یری
العمل بالحديث، جاز له نقض حكمه. (١) أي فما
كان بهذه المثابة لا يحتاج إلى حكم حاكم.
ما يحصل به الرجوع :
٤٣ - يحصل الرجوع بالقول، بأن يقول: فسخت
البيع أو رفعته أو نقضته أو أبطلته أورددت. نص
على هذا الشافعية والحنابلة، قال الحنابلة: فلوقال
ذلك صح رجوعه ولو لم يقبض العين. فلورجع
كذلك ثم تلفت العين تلفت من مال البائع ما لم
يتبين أنها تلفت قبل رجوعه، أو كانت بحالة لا
يصح الرجوع فيها لفقد شريطة من شرائط الرجوع
المعتبرة، أولمانع يمنع الرجوع، كما لو كان دقيقا
فاتخذه خبزا، أو حديدا فاتخذه سيفا. (٢)
أما الرجوع بالفعل : فقد نص الشافعية - في
الأصح عندهم - والحنابلة على أن الرجوع لا
يحصل بالتصرف الناقل للملكية كالبيع، ولو نوى
به الرجوع. قال صاحب مطالب أولي النهى : حتى
لو أخذ العين بنية الرجوع لم يحصل الرجوع.
(١) نهاية المحتاج ٣٢٦/٤، وكشاف القناع ٤٢٩/٣
(٢) نهاية المحتاج ٣٢٦/٤، وكشاف القناع ٤٢٩/٣
والقول الآخر : أنه يحصل بذلك، كالبيع في
مدة الخيار. (١)
ولم نجد للمالكية نصا في ذلك.
ظهور عين مستحقة في مال المفلس :
٤٤ - لو ظهر شيء مستحق في مال المفلس فهو
لصاحبه.
ولو أن المفلس باعه قبل الحجر ثم استحق
- والثمن تالف ــ فإن المشتري يشارك الغرماء
كواحد منهم، وسواء أكان تلف الثمن قبل الحجر أو
بعده، لأن دينه من جملة الديون الثابتة في ذمة
المفلس قبل إفلاسه .
وإن كان الثمن غير تالف، فالمشتري أولى به
على ما صرح به الشافعية، ويفهم من كلام
الحنابلة، لأنه عین ماله.(٢)
الرجوع في الأرض بعد البناء فيها أو غرسها:
٤٥ - عند الشافعية والحنابلة: إذا أفلس مشتري
الأرض وحجر علیه، وكان قد غرس فيها غراسا أو
بنى بناء، لم يمنع ذلك من رجوع البائع فيها.
والزرع الذي يجذ مرة بعد أخرى وتبقى أصوله
کالغراس في هذا .
ثم إن تراضى الطرفان - البائع من جهة،
والغرماء مع المفلس من الجهة الأخرى - على
القلع، أو أباه البائع وطلبوه هم فلهم ذلك، لأنه
(١) مطالب أولي النهى ٣٨٢/٣، ونهاية المحتاج ٣٢٦/٤
(٢) نهاية المحتاج ٣١٧/٤، والسراج الوهاج ص ٢٢٥ ط مصطفى
الحلبي، وكشاف القناع ٤٣٦/٣، وحاشية الدسوقي مع الشرح
الکبیر ٢٧٥/٣
- ٣١٥ -

إفلاس ٤٦ - ٤٧
ملك للمفلس لا حق للبائع فيه، ولا يمنع الإِنسان
من أخذ ملكه. ويلزم حينئذ تسوية الأرض من
الحفر، وأرش نقص الأرض بسبب القلع يجب
ذلك في مال المفلس، لأنه نقص حصل لتخليص
ملك المفلس، فكان علیه، ويقدم به الآخذ على
حقوق الغرماء عند الشافعية، لأنه لمصلحة تحصيل
المال، ويحاصهم به عند الحنابلة.
وإن أبى المفلس والغرماء القلع، لم يجبر وا
عليه، لأنه وضع بحق. وللآخذ حينئذ تملك
الغرس والبناء بقیمته قائما، لأنه غرس أو بنى وهو
صاحب حق، وإن شاء فله القلع وإعطاؤه للغرماء
مع أرش نقصه، فإن أبى الآخذ تملك الغرس
والبناء، وأبى أداء أرش النقص، فلا رجوع له
على الأظهر عند الشافعية والمقدم عند الحنابلة،
لأن الرجوع حينئذ ضرر على الغرماء، ولا يزال
الضرر بالضرر.
والوجه الآخر عند الطرفين : له الرجوع،
وتكون الأرض على ملكه، والغرس والبناء
للمفلس.(١)
ولم يتعرض المالكية والحنفية لهذه المسألة فيما
اطلعنا عليه من كلامهم.
إفلاس المستأجر :
٤٦ - عند المالكية والشافعية والحنابلة: إذا آجر عينا
له بأجرة حالة ولم يقبضها حتى حجر على المستأجر
لفلس، فالمؤجر خير، إن شاء رجع في العين
(١) شرح المنهاج ٢٩٦/٢، ونهاية المحتاج ٤/ ٣٣٥ وما بعدها،
وشرح المنتهى ٢/ ٢٨٢، وكشاف القناع ٤٣١/٣، والمغني
٤ / ٤٢٦ - ٤٢٨
بالفسخ، وإن شاء ترك ذلك للغرماء وحاص
بجميع الأجرة.
وإن اختار الفسخ، وكان قد مضى شيء من
المدة، فقال المالكية والشافعية: يشارك المؤجر
الغرماء بأجرة ما مضى، ويفسخ في الباقي .
وقال الحنابلة : في هذه الحال يسقط حقه في
الفسخ بناء على قولهم: إن تلف بعض السلعة
يمنع الرجوع. (١)
إفلاس المؤجر :
٤٧ - إن آجر دارا بعينها ثم أفلس المؤجر، فالإِجارة
ماضية ولا تنفسخ بفلسه للزومها، وسواء أقبض
العين أم لم يقبضها. وإن طلب الغرماء بيع الدار
المعينة في الحال بيعت مؤجرة، وإن اتفقوا على
تأخير بيعها حتى تنقضي الإِجارة جاز.
أما إن استأجر دارا موصوفة في الذمة، ثم أفلس
المؤجر قبل القبض، فالمستأجر أسوة الغرماء، لعدم
تعلق حقه بعين. (٢)
وقال المالكية والشافعية : وإن أفلس ملتزم عمل
في الذمة، وقد سلم للمستأجر عینا لیستوفي منها،
قدم بها كالمعينة في العقد. ثم قال الشافعية: فإن لم
يكن سلم له عينا، وكانت الأجرة باقية في يد
المؤجر، فللمستأجر الفسخ ويسترد الأجرة. فإن
كانت تالفة ضرب مع الغرماء بأجرة المثل للمنفعة،
(١) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٢٩٤/٢، ونهاية المحتاج
٣٢٧/٤، وحاشية الدسوقي ٢٦٦/٣، ٢٨٨، وكشاف القناع
٤٢٦/٣
(٢) كشاف القناع ٣/ ٤٣٦، ٤٣٧، ومطالب أولي النهى ٣٩٣/٣،
ونهاية المحتاج ٣٢٨/٤
- ٣١٦ -

إفلاس ٤٨
ولا تسلم إلیه حصته منہا بالمحاصة، لامتناع
الاعتياض عن المسلم فيه، إذ إجارة الذمة سلم في
المنافع، فيحصل له بعض المنفعة الملتزمة إن
تبعضت بلا ضرر، كحمل مائة رطل مثلا، وإلا -
كخياطة ثوب - فسخ، ويخاص بالأجرة المبذولة. (١)
ولم نجد للحنفية كلاما في هذه المسائل.
الأثر الخامس من آثار الحجر على المفلس: بيع
الحاكم ماله :
٤٨ - يبيع الحاكم مال المحجور عليه لفلس، عند
غير أبي حنيفة ومن وافقه، ليؤدي ما عليه من
الدیون .
وإنما یبیعه إن کان من غیر جنس الدین.
ويراعي الحاكم عند البيع ما فيه المصلحة
للمفلس.
وذكر ابن قدامة الأمور التالية، وذكرها غيره
أيضا:
أ - يبيع بنقد البلد لأنه أوفر، فإن كان في البلد
نقود باع بغالبها، فإن تساوت باع بجنس الدین.
ب - يستحب إحضار المفلس البيع، قال:
ليحصي ثمنه ويضبطه ليكون أطيب لقلبه، ولأنه
أعرف بجید متاعه وردیئه، فإذا حضر تكلم علیه،
فتكثر الرغبة فيه .
جـ- يستحب إحضار الغرماء أيضا ، لأنه يباع
لهم، وربما رغبوا في شراء شيء منه، فزادوا في
ثمنه، فیکون أصلح لهم وللمفلس، وأطيب
لنفوسهم وأبعد من التهمة، وربما وجد أحدهم
(١) نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي ٣٣٨/٤
عین ماله فيأخذها.
د - يستحب بيع كل شيء في سوقه، لأنه أحوط
وأكثر لطلابه وعارفي قيمته.
هـ - يترك للمفلس من ماله شيء، ويأتي
تفصیل الكلام فيه .
و- يلاحظ الحاکم نوعا من الترتیب تتحقق به
المصلحة، فيما يقدم بيعه وما يؤخره، فيقدم الأيسر
فالأيسر، حسبما هو أنظر للمفلس، إذ قد يكتفي
ببيع البعض، فيبدأ ببيع الرهن، ويدفع إلى
المرتهن قدر دينه، ويرد ما فضل من الثمن على
الغرماء، وإن بقيت من دينه بقية ضرب بها مع
الغرماء .
ثم يبيع ما يسرع إليه الفساد من الطعام الرطب
وغيره، لأن إبقاءه يتلفه. وقدمه الشافعية على بيع
الرهن.
ثم یبیع الحيوان ، لأنه معرض للتلف، ويحتاج
إلى مؤونة في بقائه.
ثم يبيع السلع والأثاث، لأنه يخاف عليه
الضياع وتناله الأيدي .
ثم يبيع العقار آخرا. قال المالكية: يستأني به
الشهر والشهرین.
ونص الشافعیة علی أن هذا الترتیب مستحب
في غير الحيوان، وما يسرع إليه الفساد، وما يخاف
علیه النهب أو استيلاء نحو ظالم عليه.
وذكر المالكية الأمور الآتية أيضا :
ز - أنه لا يبيع إلا بعد الإعذار في البينة للمفلس
فيما ثبت عنده من الدين، والإِعذار لكل من
القائمين (الدائنين المطالبين)، لأن لكل الطعن في
بينة صاحبه، ويُخُلِّف كلا من الدائنين أنه لم يقبض
- ٣١٧ -

إفلاس ٤٩
من دینه شیئا، ولا أحال به، ولا أسقطه، وأنه باق
في ذمته إلى الآن.
ح-وأنه یبیع بالخيار ثلاثا لطلب الزيادة في کل
سلعة، إلا ما يفسده التأخير.
ط - وقال الشافعية : لا یبیع بأقل من ثمن
المثل، وهو مذهب الحنابلة، كما في مطالب أولي
النهى، وبعض الشافعية قال: يبيع بما تنتهي إليه
الرغبات، قالوا جميعا: فإن ظهر راغب في السلعة
بأکثر مما بيعت به ۔ وکان ذلك في مدة خیار، ومنه
خيار المجلس - وجب الفسخ، والبيع للزائد. وبعد
مدة الخيار لا يلزم الفسخ، ولكن يستحب
للمشتري الإقالة .
ي - وقالوا أيضا : لا يبيع إلا بنقد، ولا يبيع
بثمن مؤجل، ولا يسلم المبيع حتى يقبض
الثمن.(١)
ما يترك للمفلس من ماله :
٤٩ - يترك للمفلس من ماله ما يأتي:
أ - الثياب :
یترك للمفلس بالاتفاق دست(٢) من ثيابه ، وقال
الحنفية: أودستان. ويباع ما عداهما من الثياب.
وقال الحنفية: يباع ما لا يحتاج إليه في الحال،
کثیاب الشتاء في الصيف. وقال المالكية : يباع ثوبا
(١) الزرقاني على خليل ٥/ ٢٧٠، والدسوقي ٣/ ٢٧٠، ٢٧١،
ونهاية المحتاج ٤/ ٣١٠ - ٣١٢، والمغني ٤ /٤٤٣، ٤٤٤،
ومطالب أولي النهى ٣٨٩/٣، ٣٩٠، وانظر فتح القدير
٢٠٧/٨، والفتاوى الهندية ٦٢/٥، والدر المختار وحاشيته
٩٨/٥ ط بولاق ١٣٢٦ هـ
(٢) الدست - كما في المصباح - ما يلبسه الإنسان ويكفيه لتردده في
حوائجه، وجمعه دسوت، کفلس وفلوس. وعبر عنه ابن عابدين
بالبدلة.
◌ُمعَتِه إن کثرت قیمتهما، ویشتری له دونهما، وهو
بمعنى ما صرح به الحنابلة والشافعية من أن الثياب
إن كانت رفيعة لا يلبس مثله مثلَها تباع، ويترك له
أقل ما يكفيه من الثياب.
وقال المالكية والشافعية : يترك لعياله كما يترك
له من الملابس. (١)
ب - الكتب :
وتترك له الكتب التي يحتاج إليها في العلوم
الشرعية وآلتها، إن كان عالما لا يستغني عنها. عند
الشافعية، وعلى قول في مذهب المالكية. والمقدم
عند المالكية أنها تباع أيضا. (٢)
جـ ـ دار السكنى :
قال مالك والشافعي۔۔ في الأصح عنه - وشریح:
تباع دار المفلس ویکتری له بدها، واختار هذا
ابن المنذر، لأن النبي صل﴿ قال لغرماء الذي أصيب
في ثمار ابتاعها: «خذوا ما وجدتم، ولیس لكم إلا
ذلك)) . (٣)
وقال أحمد وإسحاق ، وهو قول عند الحنفية
والشافعية: لا تباع داره التي لا غنى له عن
سكناها. فإن كانت الدار نفيسة بيعت واشتري له
(١) ابن عابدين ٩٥/٥، والزرقاني على خليل ٢٧٠/٥، والدسوقي
٢٧٧/٣، ونهاية المحتاج ٣١٩/٤، وشرح المحلي على المنهاج
٢٩١/٢، والمغني لابن قدامة ٤/ ٤٤١، ٤٤٥
(٢) الزرقاني ٢٧٠/٥، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي ٣١٩/٤
(٣) حديث: ((خذوا ما وجدتم ... )) سبق تخريجه (ف ٢٣)
- ٣١٨ -

إفلاس ٤٩ - ٥٠
ببعض ثمنها مسکن یبیت فیه، ویصرف الباقي إلى
الغرماء. (١)
د - آلات الصانع :
قال الحنابلة وبعض المالكية: تترك للمفلس آلة
صنعته، ثم قال المالکیة من هؤلاء: إنما تترك إن
كانت قليلة القيمة، كمطرقة الحداد: وقال
بعضهم: تباع أيضا. ونص الشافعية أنها تباع. (٢)
هـ - رأس مال التجارة :
قال الحنابلة وابن سريج من الشافعية: يترك
للمفلس رأس مال يتجر فيه، إذا لم يحسن الكسب
إلا به. قال الرملي: وأظنه يريد الشيء اليسير، أما
الکثیر فلا.
ولم نرنصا في ذلك للحنفية والمالكية. (٣)
و - القوت الضروري :
عند المالكية والحنابلة : يترك للمفلس أيضا من
ماله قدر ما يكفيه وعياله من القوت الضروري
الذي تقوم به البنية، لا ما يترفه. قال المالكية :
وتترك له ولزوجاته وأولاده ووالديه النفقة الواجبة
عليه، بالقدر الذي تقوم به البنية. وهذا إن كان
ممن لا يمكنه الكسب، أما إن كان ذا صنعة
(١) الفتاوى الهندية ٦٢/٥، ونهاية المحتاج ٣١٨/٤، ٣١٩،
والمغني ٤ / ٤٤٤، ٤٤٥
(٢) الزرقاني ٥/ ٢٧٠، ونهاية المحتاج ٣١٩/٤، ومطالب أولي
النهى ٣٩١/٣
(٣) نهاية المحتاج ٣١٧/٤
یکتسب منها، أويمكنه أن يؤجر نفسه فلا يترك له
شيء.
ثم قد قال المالكية : یترك ذلك له ولمن ذکر قدر
ما يكفيهم إلى وقت يظن بحسب الاجتهاد أنه
يحصل له فيه ما تتأتى معه المعيشة .
أما عند الشافعية فلا يترك له من القوت شيء
ما عدا قوت يوم القسمة، ولا نفقة عليه أيضا
لقريب، لأنه معسر بخلاف حاله قبل القسمة .
وتسقط نفقة القريب لما بعد القسمة أيضا عند
الحنابلة . (١)
الإنفاق على المفلس وعلى عياله مدة الحجر وقبل
قسمة ماله على الغرماء :
٥٠ - عند الحنفية على قول الصاحبين، والشافعية
والحنابلة، وهو مقتضى مذهب المالكية كما تقدم:
يجب على الحاكم أن ينفق من مال المفلس عليه -
أي على المفلس - بالمعروف، وهو أدنى ما ينفق
على مثله، إلى أن يقسم ماله. وذلك لأن ملكه لم
يزل عن ماله قبل القسمة. وكذلك ينفق على من
تلزم المفلس نفقته، من زوجة وقریب ولوحدث
بعد الحجر، لقول النبي # ((ابدأ بنفسك ثم بمن
تَعُول)) (٢) وهذا ما لم يستغن المفلس بكسب
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣/ ٢٧٧، ونهاية المحتاج
٣١٧/٤، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي ٢٩٠/٢، ٢٩١،
والمغني ٤٤٦/٤، ومطالب أولي النهى ٣٩١/٣
(٢) حديث: ((ابدأ بنفسك ثم بمن تعول)». أخرجه مسلم من
حديث جابر رضي الله عنه مرفوعا بلفظ ((ابدأ بنفسك فتصدق
عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء
فلذی قرابتك، فان فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا)»
یقول: فیین یدیك، وعن یمینك وعن شمالك. ( صحيح مسلم
٦٩٢/٢ - ٦٩٣ ط عيسى الحلبي).
- ٣١٩ -

إفلاس ٥١ - ٥٣
حلال لائق به . (١)
وفي الخانية من كتب الحنفية: ولا يضيق عليه في
مأكوله ومشروبه وملبوسه، ويقدر له المعروف
والكفاف. (٢)
أما بعد القسمة فقد تقدم بیان ما يترك له من
النفقة .
المبادرة بقسم مال المفلس بين غرمائه :
٥١ - نص المالكية على أنه لا ينبغي الاستيناء
(التمهل والتأخير) بقسم مال المفلس، وقال
الشافعية والحنابلة: يندب المبادرة بالقسم لبراءة
ذمة المدين، ولئلا يطول زمن الحجر عليه، ولئلا
يتأخر إيصال الحق لمستحقه، وتأخير قَسْمِه مطلٌ
وظلم للغرماء. قال الشافعية: ولا يفرط في
الاستعجال، کیلا یطمع فیه بثمن بخس. وقال
المالكية: إن كان يخشى أن يكون على المفلس دين
لغير الغرماء الحاضرين فإن القاضي يستأني بالقسم
باجتهاده. (٣)
ونص الشافعية على أنه لا يلزم الحاكم أن ينتظر
لیتم بيع الأموال کلها، بل یندب للحاكم عندهم
أن يقسم بالتدريج كل ما يقبضه. فإن طلب
الغرماء ذلك وجب. فإن تعسر ذلك لقلة الحاصل
يؤخر القسمة حتى يجتمع ما تسهل قسمته،
فيقسمه، ولو طلبه الغرماء لم يلزمه . (٤)
(١) نهاية المحتاج ٤/ ٣١٧، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي
٢ / ٢٩٠، وكشاف القناع ٣/ ٤٣٤، والفتاوى الهندية ٦٣/٥،
والشرح الكبير، وحاشية الدسوقي عليه ٢٧٧/٣
(٢) شرح المجلة للأتاسي ٣/ ٥٥٦م ١٠٠٠
(٣) نهاية المحتاج ٣١١/٤، وحاشية الدسوقي ٣/ ٣١٥، ومطالب
أولي النهى ٣٨٩/٣
(٤) نهاية المحتاج ٣١٥/٤
هل يلزم قبل القسمة حصر الدائنين؟
٥٢ - نص المالكية والشافعية والحنابلة على أنه
لا يكلف القاضي غرماء المفلس إثبات أنه لا غريم
غيرهم، وذلك لاشتهار الحجر، فلو كان ثمة غريم
لظهر. وهذا بخلاف قسمة التركة عند جمیعهم،
فإن القاضي لا يقسم حتى يكلفهم بينة تشهد
بحصرهم. (١)
ظهور غريم بعد القسمة :
٥٣ - لو قسم الحاكم مال المفلس بين غرمائه، فظهر
غریم بعد ذلك بدين سابق على الحجر، شارك كل
واحد منهم بالحصة، ولم تنقض القسمة. فإن أتلف
أحدهم ما أخذه رجع علیه کذلك، على ما نص
عليه الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. ثم قال
الشافعية: فإن كان الآخذ معسرا جعل ما أخذه
كالمعدوم، وشارك من ظهر الآخرين.
وقال المالكية : إن اقتسموا، ولم يعلموا بالغريم
الآخر، یرجع علی کل واحد منهم بما ینوبه، ولا
يأخذ أحدا عن أحد. وإن كانوا عالمين يرجع
عليهم بحصته، ولكن يأخذ المليء عن المعدم،
والحاضر عن الغائب، والحي عن الميت، أي في
حدود ما قبضه كل منهم. وفي قول عند الشافعية:
تنقض القسمة بکل حال، کما لو ظهر وارث بعد
قسمة التركة . (٢)
(١) حاشية الدسوقي ٣/ ٢٧١، ٢٧٢، ونهاية المحتاج ٣١٦/٤،
وكشاف القناع ٤٣٧/٣
(٢) الفتاوى الهندية ٦٤/٥، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي
٢٧٤/٣، ٢٧٦، والزرقاني ٥/ ٢٧٥، ونهاية المحتاج ٣١٦/٤،
٣١٧، وكشاف القناع ٤٣٨/٣
- ٣٢٠ -