النص المفهرس

صفحات 181-200

إعادة ١١ ، إعارة ١ - ٤
لأن ما فعله أولا هو الفرض، فإعادته: فعله ثانية
على الوجه نفسه. (١)
أما على القول بأن الفرض يسقط بالفعل الثاني
فظاهر.
وأما على القول بأن الفرض يسقط بالفعل
الأول، فإن المقصود من تكرار الفعل ثانية هو
جبران نقصان الفعل الأول، فالأول فرض
ناقص، والثاني فرض كامل، مثل الفعل الأول
ذاتا مع وصف الكمال، ولو كان الفعل الثاني نفلا
للزم أن تجب القراءة في الركعات الأربع للصلاة
المعادة، وألا تشرع الجماعة فيها، ولم يذكر الفقهاء
شيئا من هذا.
ولا يلزم من كون الصلاة الثانية فرضا عدم
سقوط الفرض بالأولى، لأن المراد أنها تكون فرضا
بعد الوقوع، أما قبله فالفرض هو الأولى،
وحاصله توقف الحكم بفرضية الأولى على عدم
الإعادة، وله نظائر: کسلام من علیه سجود السهو
يخرجه خروجا موقوفا، وكفساد الصلاة الوقتية مع
تذكر صلاة فائتة. (٢)
إعارة
التعريف :
١ - الإعارة في اللغة: من التعاور، وهو التداول
والتناوب مع الرد. والإِعارة مصدر أعار، والاسم
(١) حاشية ابن عابدين ١/ ٤٨٧ طبعة بولاق الأولى، والمغني
١١٣/٢ ط الرياض.
(٢) حاشية ابن عابدين ١/ ٤٨٧.
منه العارية، وتطلق على الفعل، وعلى الشيء
المعار، والاستعارة طلب الإعارة. (١)
وفي الاصطلاح عرفها الفقهاء بتعاريف
متقاربة .
فقال الحنفية: إنها تمليك المنافع مجانا. (٢)
وعرفها المالكية: بأنها تمليك منفعة مؤقتة بلا
عوض. (٣)
وقال الشافعية: إنها شرعا إباحه الانتفاع
بالشيء مع بقاء عينه . (٤)
وعرفها الحنابلة: بأنها إباحة الانتفاع بعين من
أعيان المال. (٥)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - العمرى:
٢ - العمرى: تمليك المنفعة طول حياة المستعير
بغير عوض، فهي أخص.
ب - الإجارة:
٣ - الإِجارة: تمليك منفعة بعوض، فتجتمع مع
الإعارة في تمليك المنفعة عند القائلین بالتمليك،
وتنفرد الإِجارة بأنها بعوض، والإِعارة بأنها بغير
عوض . (٦)
ج - الانتفاع :
٤ - الانتفاع: هو حق المنتفع في استعمال العين
واستغلالها، وليس له أن يؤاجره، ولا أن يعيره
(١) تاج العروس مادة (عور).
(٢) ابن عابدين ٤/ ٥٠٢.
(٣) الشرح الصغير ٣/ ٥٧٠، والزرقاني ١٢٦/٦.
(٤) شرح المنهاج وحواشيه ١١٥/٥.
(٥) المغني ٥/ ٢٢٠ ط الرياض
(٦) الشرح الصغير ٣/ ٥٧٠.
- ١٨١ -

إعارة ٥ - ٦
لغيره، والمنفعة أعم من الانتفاع، لأن له فيها
الانتفاع بنفسه وبغيره، كأن يعيره أو يؤاجره. (١)
دليل مشروعيتها :
٥ - الأصل في مشروعية الإِعارة الكتاب والسنة
والإِجماع والمعقول:
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ
الْمَاعُونَ﴾ (٢) فقد روي عن ابن عباس وابن مسعود
أنهما قالا: الماعون العواري. وفسر ابن مسعود
العواري بأنها القدر والميزان والدلو.
وأما السنة: فما روي عن النبي وَّ أنه قال في
خطبة حجة الوداع: ((والعارية مؤداة. والدين
مقضي. والمنحة مردودة. والزعيم غارم)).(٣)
وروى صفوان بن أمية أن النبي ◌َّ استعار منه
أدرعا يوم حنين، فقال: أغصبا يا محمد؟ قال ((بل
عارية مضمونة)). (٤)
وأجمع المسلمون على جواز العارية .
ومن المعقول: أنه لما جازت هبة الأعيان جازت
هبة المنافع، ولذلك صحت الوصية بالأعيان
والمنافع جميعا. (٥)
(١) هامش الزرقاني ١٣٢/٦، والشرح الصغير ٣/ ٥٧٠،
والدسوقي ٤٣٣/٣.
(٢) سورة الماعون / ٧.
(٣) حديث ((العارية مؤداة. )) أخرجه أبو داود (٨٢٥/٣ - ط عزت
عبيد دعاس) من حديث أبي أمامة، وأخرجه الترمذي مختصرا
وقال: حديث أبي أمامة حديث حسن. (تحفة الأحوذي
٤ / ٤٨١، ٤٨٢ نشر السلفية).
(٤) حديث ((بل عارية مضمونة)) أخرجه أبو داود (٨٢٣/٣ - ط
عزت عبيد دعاس) وأحمد (٤٠١/٣ - ط الميمنية) والبيهقي
(٢٨٩/٦ - ط دائرة المعارف العثمانية) وقواه البيهقي
بشواهده .
(٥) الاختيار ٥٥/٢، والشرح الصغير ٥٧٠/٣، والمغني
٢٢٠/٥
حكمها التكليفي :
٦ - اختلف الفقهاء في حكم الإعارة بعد إجماعهم
على جوازها، فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية
والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن حكمها في
الأصل الندب، لقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الخَيرَ﴾(١)
وقول النبي _ # ((كل معروف صدقة)) (٢) وليست
واجبة لأنها نوع من الإِحسان. لقول النبي والتر:
((إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما
عليك))، (٣) وقوله: ((ليس في المال حق
سوى الزكاة)) (٤)
وقيل: هي واجبة.
واستدل القائلون بالوجوب بقوله تعالى:
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلَّيْنَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ
سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُنَ وَيَمْنَعُونْ
المَاعُونَ﴾ (٥) نقل عن كثير من الصحابة أنها
عارية القدر والدلو ونحوهما .
قال صاحب الشرح الصغير: وقد يعرض لها
الوجوب، كغني عنها، فيجب إعارة كل ما فيه
إحياء مهجة محترمة لا إجرة لمثله، وكذا إعارة
سكين لذبح مأكول يخشى موته، وهذا المنقول عن
(١) سورة الحج / ٧٧.
(٢) حدیث «کل معروف صدقة)) أخرجه البخاري (فتح البارى
٤٤٧/١٠ - ط السلفية).
(٣) حديث ((إذا أديت زكاة مالك ..... )) أخرجه الترمذي
(تحفة الأحوذي ٢٤٥/٣، ٢٤٦ نشر السلفية) وابن ماجة
(١/ ٥٧٠ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
مرفوعا، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
(٤) حديث ((ليس في المال حق سوى الزكاة)) أخرجه ابن ماجة
(١/ ٥٧٠ - ط الحلبي) وأعله ابن حجر في التلخيص
(١٦٠/٢ - ط دار المحاسن).
(٥) سورة الماعون / ٤ - ٧.
- ١٨٢ -

إعارة ٧ - ٨
المالكية لا تأباه قواعد المذاهب الأخرى.
وقد تكون حراما كإعطائها لمن تعينه على
معصية .
وقد تكون مكروهة كإعطائها لمن تعينه على
فعل مكروه. (١)
أركان الإعارة:
٧ - قال المالكية والشافعية والحنابلة إن أركان
العارية أربعة هي: المعير، والمستعير، والمعار،
والصيغة، وذهب الحنفية - كما في سائر العقود - إلى
أن ركنها هو الصيغة فقط، وما عداه يسمى أطراف
العقد، كما يسمى المعار محلا .
أ - المعير: ويشترط فيه أن يكون مالكا للتصرف في
الشيء المعار، مختارا يصح تبرعه، فلا تصح إعارة
مكره، ولا محجور عليه، ولا إعارة من يملك
الانتفاع دون المنفعة كسكان مدرسة موقوفة.
وقد صرح الحنفية بأن الصبي المأذون إذا أعار
ماله صحت الإعارة . (٢)
ب - المستعير: وهو طالب الإِعارة، ويشترط فيه أن
يكون أهلا للتبرع عليه بالشيء المعار، وأن يكون
معينا، فلو فرش بساطه لمن يجلس عليه لم يكن
عارية، بل مجرد إباحة .
جـ - المستعار (المحل): هو الذي يمنحه المعير
(١) فتح القدير ٧/ ٤٦٤، والشرح الصغير ٣/ ٥٧٠، ونهاية
المحتاج ١١٧/٥.
(٢) الفتاوى الهندية ٣٧٢/٤.
للمستعير للانتفاع به. ويشترط فيه أن يكون
منتفعا به انتفاعا مباحا مقصودا مع بقاء عينه. أما
ما تذهب عينه بالانتفاع به كالطعام فليس إعارة،
كما لا تحل إذا كانت الإعارة لانتفاع محرم، كإعارة
السلاح لأهل البغي أو الفساد، ولا يعار ما لا نفع
فیه . (١)
د - الصيغة: وهي كل ما يدل على الإِعارة من لفظ
أو إشارة أو فعل، وهذا عند المالكية والحنابلة.
والصحيح عند الشافعية أنه لا بد من اللفظ
للقادر عليه. أو الكتابة مع النية، وفي غير
الصحيح أنها تجوز بالفعل.
وعند الحنفية أن ركن الإعارة الإيجاب بالقول
من المعير، ولا يشترط القول في القبول، خلافا
لزفر فإنه ركن عنده، وهو القياس، وتنعقد عندهم
بكل لفظ يدل عليها ولو مجازا . (٢)
ما تجوز إعارته :
٨ - تجوز إعارة كل عين ينتفع بها منفعة مباحة مع
بقائها، کالدور والعقار والدواب. والثياب والحلي
للبس، والفحل للضراب، والكلب للصيد، وغير
ذلك، لأن النبي وَلّ استعار أدرعا من
صفوان. (٣) وذكر إعارة الدلو والفحل. وذكر ابن
مسعود عارية القدر والميزان، فيثبت الحكم في هذه
(١) الشرح الصغير ٣/ ٥٧٠، ومنح الجليل ٤٨٧/٣، وتكملة
حاشية ابن عابدين ٢/ ٢٦٩ .
(٢) حاشية ابن عابدين ٥٠٢/٤ وما بعدها، والبدائع ٣٨٩٧/٨
- ٣٨٩٨ ط الإِمام، والشرح الصغير ٣/ ٥٧١، والمغني
٢٢٤/٥، ونهاية المحتاج ١١٦/٥ - ١٢٣
(٣) حديث ((استعار أدرعا من صفوان)) سبق تخريجه (ف ٥).
- ١٨٣ -

إعارة ٩
الأشياء. وما عداها مقيس عليها إذا كان في
معناها. ولأن ما جاز للمالك استيفاؤه من المنافع
ملك إعارته إذا لم يمنع منه مانع، ولأنها أعيان
تجوز إجارتها فجازت إعارتها. ويجوز استعارة
الدراهم والدنانير ليزن بها أو للتزين، فإن
استعارها لینفقها فهذا قرض، وقيل: ليس هذا
جائزا ولا تكون العارية في الدنانیر.
وقال الحنفية: إنه تجوز أيضا إعارة المشاع سواء
أكان قابلا للقسمة أم لا . وسواء أكان الجزء المشاع
مع شريك أم مع أجنبي، وسواء أكانت العارية
من واحد أم من أكثر، لأن جهالة المنفعة لا تفسد
الإعارة. ولم نعثر على حكم ذلك عند غير
الحنفية. (١)
طبيعتها من حیث اللزوم وعدمه:
٩ - إذا تمت الإِعارة بتحقق أركانها وشروطها،
فهل تلزم بحيث لا يصح الرجوع فيها من المعير أو
لا تلزم؟
ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية
والحنابلة) إلى أن الأصل أن للمعير أن يرجع في
إعارته متى شاء، سواء أكانت الإِعارة مطلقة أم
مقيدة بعمل أو وقت، إلا أن الحنابلة قالوا: إن
أعاره شيئا لينتفع به انتفاعا يلزم من الرجوع في
العارية في أثنائه ضرر بالمستعير لم يجز له الرجوع،
لأن الرجوع يضر بالمستعير، فلم يجز له الإِضرار
به، مثل أن یعیره لوحا یرقع به سفينته، فرقعها به
ولحج بها في البحر، لم يجز له الرجوع ما دامت في
(١) ابن عابدين ٧٦٧/٤، والمغني ٢٢٤/٥ - ٢٢٥، والشرح
الصغير ٥٧٢/٣، ونهاية المحتاج ١٢٠/٥.
البحر، وله الرجوع قبل دخولها في البحر وبعد
الخروج منه، لعدم الضرر فيه.
وقال الحنفية والشافعية والحنابلة: إذا رجع
المعير في إعارته بطلت، وتبقى العين في يد المستعير
بأجر المثل إذا حصل ضرر، كمن استعار جدار
غيره لوضع جذوعه فوضعها، ثم باع المعير
الجدار، ليس للمشترى رفعها، وقيل: له رفعها
إلا إذا شرط البائع وقت البيع بقاء الجذوع. وقد
ارتضى القول بالرفع صاحب الخلاصة والبزازية
وغيرهما، واعتمده في تنوير البصائر، وقالوا أيضا:
إن للوارث أن يأمر الجار برفع الجذوع على أي
حال. (١)
وقال المالكية: إن أعار المعير أرضا للبناء أو
الغراس إعارة مطلقة، ولم يحصل غرس ولا بناء
فللمعير الرجوع في الإِعارة ولا شيء عليه على
المعتمد، وعلى غير المعتمد يلزمه بقاء الأرض في يد
المستعير المدة المعتادة، وإن رجع المعير بعد حصول
الغراس والبناء فله ذلك أيضا، ويترتب عليه
إخراج المستعير من الأرض ولو كانت الإِعارة
قريبة، لتفريط المستعير بتركه اشتراط الأجل، لكن
ماذا يلزم المعير حينئذ؟ في قول أنه يلزمه دفع ما
أنفق المستعير من ثمن الأعيان التي بنى بها أو
غرسها من أجرة النقلة. وفي قول إن عليه دفع
القيمة إن طال زمن البناء والغرس لتغير الغرس
والبناء بطول الزمان. وفي قول إن محل دفع القيمة
إذا كانت الأعيان التي بنى بها المستعير هي في
ملكه ولم يشترها أو كانت من المباحات. ومحل دفع
(١) ابن عابدين ٧٦٨/٤، وتحفة المحتاج ٤٢٨/٥، ونهاية
المحتاج ٥/ ١٣٠، والمغني ٢٣٢/٥ ط الرياض.
- ١٨٤ -

إعارة ٩ - ١٠
ما أنفق إن اشتراه للعمارة. وكل ذلك في الإِعارة
الصحيحة، فإن وقعت فاسدة فعلى المستعير أجرة
المثل، ويدفع له المعير في بنائه وغرسه قيمته. (١)
وذهب المالكية إلى أن الإعارة إن قيدت بعمل
أو أجل لزمت، ولا يجوز الرجوع قبل انتهاء العمل
أو الأجل أيا كان المستعار، أرضا لزراعة أو
لسکنی أو لوضع شيء بها، أو كان حيوانا لركوب
أوحمل أو غير ذلك، أو عرضا.
وإن لم تقيد بعمل أو أجل بأن أطلقت فلا
تلزم، ولربها أخذها متى شاء، ولا يلزم قدر ما
تقصد الإِعارة لمثله عادة على المعتمد. وفي غير
المعتمد أنه يلزم بقاؤه في يد المستعير لما يعار لمثله
عادة. وقيل: إنه تلزم إذا أعيرت الأرض للبناء
والغرس وحصلا .
ودليل جواز الرجوع إلا فيما استثني أن الإِعارة
مبرة من المعير، وارتفاق من المستعير، فالإِلزام غير
لائق بها. (٢)
وقال الحنفية: إذا أذن أحد لبعض ورثته ببناء
محل في داره، ثم مات، فلباقي الورثة مطالبته
برفعه إن لم تقع القسمة، أو لم يخرج في قسمه.
وإذا استعار أحد دارا، فبنى فيها بلا إذن المالك.
أو قال له صاحب الدار: ابن لنفسك، ثم باع
المعير الدار بحقوقها يؤمر الباني بهدم بنائه.
وذكر الشافعية والحنابلة أنه لو أعار إنسان مدفنا
لدفن میت، فلا يجوز له الرجوع حتی یندرس أثر
المدفون بحيث لا يبقى منه شيء، فیرجع حينئذ
وتنتهي العارية .
(١) حاشية الدسوقي ٤٣٩/٣.
(٢) نهاية المحتاج شرح المنهاج ١٢٩/٥.
وحكم الورثة حكم مورثهم في عدم الرجوع،
ولا أجرة لذلك، محافظة على كرامة الميت، ولقضاء
العرف بعدم الأجرة، والميت لا مال له. وقواعد
المذاهب الأخرى لا تأبى هذا الحكم. (١)
آثار الرجوع :
١٠ - قال الحنفية: إن المعير إذا رجع في إعارته
بطلت الإِعارة، ويبقى المعار في يد المستعير بأجر
المثل كما مر إن حصل ضرر للمستعير بأخذ المعار
منه. وأوردوا الأحكام الخاصة بكل نوع مما يعار.
فقالوا في إعارة الأرض للبناء والغرس: لو أعار
أرضا إعارة مطلقة للبناء والغرس صح للعلم
بالمنفعة، وله أن يرجع متى شاء، ويكلف المعير
المستعير قلع الزرع والبناء إلا إذا كان فيه مضرة
بالأرض، فيتركان بالقيمة مقلوعين، لئلا تتلف
أرضه، أو يأخذ المستعير غراسه وبناءه بلا تضمين
المعير. وذكر الحاكم الشهيد أن للمستعير أن
يضمن المعير قيمتها قائمين في الحال ويكونان له
وأن يرفعها، إلا إذا كان الرفع مضرا بالأرض
فحينئذ يكون الخيار للمعير. وفيه رمز إلى أنه لا
ضمان في العارية المطلقة. وعنه أن عليه القيمة.
وأشار أيضا إلى أنه لا ضمان في المؤقتة بعد انقضاء
الوقت فيقلع المعير البناء والغرس إلا أن يضر
القلع بالأرض، فحينئذ يضمن قيمتهما مقلوعين لا
قائمین.
وإن وقّت المعير الإِعارة فرجع عنها قبل الوقت
(١) ابن عابدين ٧٦٨/٤، والشرح الكبير ٤٣٩/٣، والشرح
الصغير ٥٧٣/٣، ونهاية المحتاج شرح المنهاج ١٢٩/٥،
والمغني ٢٢٩/٥ - ٢٣٠.
- ١٨٥ -

إعارة ١٠ - ١١
كلف المستعير قلعها، وضمن المعير له ما نقص
البناء والغرس، لكن هل يضمنهما قائمين أو
مقلوعين؟ .
ما مشى عليه الكنز والهداية أنه يضمنهما
مقلوعين، وذكر في البحر عن المحيط ضمان القيمة
قائما إلا أن يقلعه المستعير ولا ضرر، فإن ضمن
فضمان القيمة مقلوعا. وعبارة المجمع: وألزمناه
الضمان فقيل: ما نقصهما القلع، وقيل: قيمتهما
ويملكهما. وقيل: إن ضر يخير المالك بين ضمان ما
نقص، وضمان القيمة، ومثله في درر البحار
والمواهب والملتقى وكلهم قدموا الأول، وبعضهم
جزم به وعبر عن غيره بقيل فلذا اختاره المصنف
(ابن عابدين) وهو رواية القدوري، والثاني رواية
الحاكم الشهيد. (١)
وقال القاضى زكريا الأنصاري في المنهج: إذا
أعار لبناء أو غرس، ولو إلى مدة، ثم رجع بعد أن
بنى المستعير أو غرس، فإن شرط علیه قلعه لزمه،
وإن لم يشرط فإن اختار المستعير القلع قلع مجانا
ولزمه تسوية الأرض، لأنه قلع باختياره، وإن لم
يختر قلعه خير المعير بين تملكه بقيمته مستحق
القلع حین التملك، وبین قلعه مع ضمان نقصه،
وهو قدر التفاوت بين قيمته قائما وقيمته مقلوعا
وبين تبقيته بأجرة. (٢)
وقال الحنابلة: إن أعاره أرضا للغراس والبناء،
وشرط عليه القلع في وقت أو عند رجوعه، ثم
رجع لزم المستعير القلع، وإن لم يشترط لم يلزمه إلا
أن يضمن له المعير النقص، فإن أبى القلع في
(١) ابن عابدين ٤/ ٥٠٤ ط بولاق.
(٢) الجمل على شرح المنهج ٣/ ٤٦٤.
الحال التي لا يجبر عليه فيها، فبذل له المعير قيمة
الغراس والبناء ليملكه أجبر المستعير عليه، فإن
امتنع المعير من دفع القيمة وأرش النقص، وامتنع
المستعير من القلع ودفع الأجر لم يقلع، وإن أبيا
البيع ترك بحاله وللمعير التصرف بأرضه على وجه
لا يضر بالشجر. (١)
إعارة الأرض للزرع:
١١ - للفقهاء اختلاف وتفصيل في الحكم الذي
يترتب على الرجوع في إعارة الأرض للزراعة قبل
تمام الزرع.
فمذهب الحنفية، وهو الأصح عند الشافعية،
وهو الوجه المقدم عند الحنابلة، وعليه المذهب،
وهو القول غير المعتمد عند المالكية أن معير الأرض
للزراعة إذا رجع قبل تمام الزرع وحصاده فليس له
أخذها من المستعير، بل تبقى في يده بأجر المثل.
وهذا الحكم عند الحنفية استحسان سواء أكانت
الإعارة مطلقة أم مقيدة.
وحجتهم في ذلك: أنه يمكن الجمع بين
مصلحة المعير والمستعير، بأن يأخذ المعير أجر مثل
الأرض من تاريخ رجوعه حتى حصاد الزرع،
فينتفي ضرره بذلك، ويبقي الزرع في الأرض
حتى يحصد. وفي ذلك مصلحة المستعير، فلا
يضر بالقلع قبل الحصاد، وهذا هو الأصح عند
الشافعية في الإعارة المطلقة إن نقص الزرع
بالقلع، لأنه محترم، وله أمد ينتهي إليه، وتبقى
بأجر المثل.
(١) الشرح الكبير على المقنع ٣٦٠/٥ - ٣٦١.
- ١٨٦ -

إعارة ١٢
والمالكية ثلاثة أقوال في الإِعارة المطلقة :
أحدها: هذا.
والثاني: أن الأرض تبقى في يد المستعير المدة
التي تراد الأرض لمثلها عادة.
والثالث: لا تبقى، وهو قول أشهب.
أما المقيدة بعمل أو أجل فلا يرجع قبل انقضاء
العمل أو الأجل.
ومقابل الأصح عند الشافعية ألّ أجرة على
المستعير، بل تبقى الأرض في يده حتى الحصاد بلا
أجر، لأن منفعة الأرض إلى الحصاد. والثالث أن
للمعير القلع لانقطاع الإِباحة .
ومذهب الحنابلة كمذهب الحنفية في عدم جواز
الرجوع، لكنهم قالوا: إن كان الزرع مما يحصد
قصيلا فله الرجوع في وقت إمكان حصاده، ولم
يتعرض الحنفية لهذا النوع من الزرع، كالبرسيم
والشعير الأخضر. (١)
إعارة الدواب وما في معناها:
١٢ - قال الحنفية: إن إغارة الدواب إما أن تكون
مطلقة أو مقيدة، فإن كانت مطلقة، بأن أعار
دابته مثلا ولم يسم مكانا ولا زمانا ولا ركوبا ولا
حملا معينا فللمستعير أن يستعملها في أى زمان
ومكان شاء، وله أن يحمل أو يركب، لأن الأصل
في المطلق أن يجرى على إطلاقه، وقد ملكه منافع
العارية مطلقا فكان له أن يستوفيها على الوجه
الذي ملكها. إلا أنه لا يحمل عليها ما يضرها،
(١) البدائع ٣٩٠٤/٨، وابن عابدين ٣٧٢/٤، ٧٧٢/٥
والشرح الصغير ٣/ ٥٧٧ ط دار المعارف، والقوانين الفقهية
ص ٢٤٥، ٢٤٦، ونهاية المحتاج ١٣٩/٥، والمغني
٢٢٩/٥، ٢٣٠.
ولا يستعملها أكثر مما جرى به العرف، حتى لو
فعل فعطبت ضمن، لأن العقد وإن خرج مخرج
الإِطلاق لكن المطلق يتقيد بالعرف والعادة دلالة،
کما یتقید نصا.
ولا يملك المستعير تأجير العارية، فإن أجرها
وسلمها إلى المستأجر فهلكت عنده ضمّن المستعير
أو المستأجر، لكن إذا ضمن المستأجر رجع على
المستعير.
وإذا قيد المعير الإعارة تقیدت بما قيدها به.
فإن خالف المستعير، وعطبت الدابة ضمن
بالاتفاق. وإن خالف وسلمت فهناك اتجاهان:
المالكية والشافعية والحنابلة يرون أن المستعير
يضمن أجر ما زاد في المسافة أو الحمل (١) وتقدير
ذلك يرجع فيه إلى أهل الخبرة.
ولم يتعرض الحنفية لهذا الفرع في كتاب الإِعارة
ولكن تعرضوا لهذه المسألة في كتاب الإِجارة
فقالوا: ((إذا زاد على الدابة شيئا غير متفق عليه
وسلمت يجب عليه المسمى فقط، وإن كان لا يحل
له الزيادة إلا برضى المكارى)). (٢)
ولما كان كل من الإِعارة والإِجارة فيه تمليك
المنفعة وكان أخذ الأجر في الإِجارة مسلما وفي
الإِعارة غير مسلم، لأنها من باب الاحسان
والتبرع، فإن عدم وجوب أجر في مقابلة الزيادة
يكون في الإعارة من باب أولى.
فإذا أعار إنسانا دابة على أن يركبها المستعير
(١) الزرقاني والبناني ١٣٢/٦، ونهاية المحتاج ١٢٧/٥
١٢٨، والمغني ٢٣٢/٥.
(٢) ابن عابدين ٤/ ٧٧٠، والبدائع ٣٩٠٠/٨ - ٣٩٠١.
واللجنة ترى أن هذه الأحكام بما فيها من تفصيلات يمكن
أن تجرى على السيارات وسائر وسائل النقل الحديثة.
- ١٨٧ -
سبه

إعارة ١٣ - ١٤
بنفسه فليس له أن يعيرها غيره. لأن الأصل في
المقيد اعتبار القيد فيه إلا إذا تعذر اعتباره.
والاعتبار في هذا القيد ممكن، لأنه مقيد لتفاوت
الناس في استعمال الدواب، فإن خالف المستعير
وأعار الدابة فهلكت ضمن.
تعليقها وإضافتها :
١٣ - جمهور الفقهاء المالكية والشافعية - ما عدا
الزركشي - وفي قول للحنفية أنه لا يجوز إضافتها،
ولا تعليقها، لأنها عقد غير لازم فله الرجوع متى
شاء .
وفي قول آخر للحنفية جواز إضافتها دون
تعلقیھا .
وقد ذكر بعض المالكية والشافعية فروعا ظاهرها
أنها تعليق أو إضافة كقولهم: أعرني دابتك اليوم
أعيرك دابتي غدا، والواقع أنها إجارة لا إعارة. (١)
ولم نطلع على تصريح للحنابلة بحكم إضافة
الإِعارة أو تعليقها. وإن كانوا قد صرحوا بأن
الأصل في الإِعارة عدم لزومها .
حكم الإعارة وأثرها:
١٤ - مذهب الحنفية - عدا الكرخي - ومذهب
المالكية، وهو وجه للحنابلة، وهو المروي عن
الحسن والنخعي والشعبي وعمر بن عبد العزيز
والثورى والأوزاعي وابن شبرمة أن الإِعارة تفيد
تمليك المنفعة، والدليل على ذلك أن المعير سلط
(١) البدائع ٣٨٩٨/٨ ط الإمام، وابن عابدين ٢٣/٥،
٢٣٣/٤ والشرح الصغير ٥٧٣/٣، والرملي هامش الروض
٣٢٩/٢.
المستعير على تحصيل المنافع، وصرفها إلى نفسه
على وجه زالت يده عنها، والتسليط على هذا
الوجه يكون تمليكا لا إباحة، كما في الأعيان.
ومذهب الشافعية والحنابلة والكرخي من
الحنفية وهو المروي عن ابن عباس وأبي هريرة
وذهب إليه إسحاق أنها تفيد إباحة المنفعة، وذلك
لجواز العقد من غير أجل، ولو كان تمليك المنفعة
لما جاز من غير أجل كالإِجارة.
وكذلك الإعارة تصح بلفظ الإباحة، والتمليك
لا ينعقد بلفظ الإِباحة .
وثمرة الخلاف تظهر فيما لو أعار المستعير الشيء
المستعار إلى من يستعمله كاستعماله، فهل تصح
إعارته أو لا تصح؟ مذهب المالكية والمختار من
مذهب الحنفية أن إعارته صحیحة، حتى ولو قيد
المعير الإِعارة باستعمال المستعير بنفسه، لأن التقييد
بما لا يختلف غير مفيد. وعند الشافعية والحنابلة
لا يجوز.
وفي البحر: وللمستعير أن يودع، على المفتى به،
وهو المختار، وصحح بعضهم عدمه، ويتفرع
عليه ما لو أرسلها على يد أجنبي فهلكت ضمن
على القول الثاني لا الأول. فللمعير أجر المثل.
ويترتب على مذهب القائلين بالإِباحة، وهم
الشافعية والحنابلة والكرخي من الحنفية، أنه لو
أعار المستعير الشيء فلمالك العارية أجر المثل،
ويطالب المستعير الأول أو الثاني أيهما شاء، لأن
المستعير الأول سلط غيره على أخذ مال المعير بغير
إذنه. ولأن المستعير الثاني استوفى المنفعة بغير إذن
مالكها. فإن ضمّن المالك المستعير الأول رجع
على المستعير الثاني، لأن الاستيفاء حصل منه
- ١٨٨ -

إعارة ١٥
فاستقر الضمان عليه. وإن ضمن الثاني لم يرجع
على الأول. إلا أن يكون الثاني لم يعلم بحقيقة
الحال، فيحتمل أن يستقر الضمان على الأول،
لأنه غرّ الثاني ودفع العين إليه على أنه يستوفي
منافعها بدون عوض. وإن تلفت العين في يد
الثاني، استقر الضمان عليه بكل حال، لأنه قبضها
على أن تكون مضمونة عليه. فإن رجع على الأول
رجع الأول على الثاني. وإن رجع على الثاني لم
یرجع على أحد. (١)
ضمان الإعارة:
١٥ - لا خلاف بين الفقهاء في أن العارية إن
تلفت بالتعدي من المستعیر فإنه یضمنها، لأنها إن
كانت أمانة كما يقول الحنفية: فالأمانات تضمن
بالتعدي. ومذهب المالكية کذلك فیما لا یغاب
عليه، أى لا يمكن إخفاؤه، كالعقار والحيوان،
بخلاف ما يمكن إخفاؤه، كالثياب والحلي فإنه
یضمنه، إلا إذا أقام بينة على أنه تلف أو ضاع بلا
سبب منه، وقالوا: إنه لا ضمان في غير ما ذكر.
وعند الشافعية والحنابلة يضمن المستعير بهلاك
الشيء المعار، ولو كان الهلاك بآفة سماوية، أو
أتلفها هو أو غيره ولو بلا تقصير. وقالوا: إن تلفت
باستعمال مأذون فيه، كاللبس والركوب المعتاد لم
يضمن شيئا، لحصول التلف بسبب مأذون فيه .
وحجة الحنفية حديث: ((ليس على المستعير غير
(١) البدائع ٣٨٩٨/٨، والاختيار ١١٨/٢، والشرح الصغير
٥٧٠/٣، وحاشية ابن عابدين ٥٠٣/٤، ونهاية المحتاج
١١٩/٥، وأسنى المطالب ٣٢٨/٢، والمغني ٢٢٧/٥،
والإقناع ٣٠٥/١ ط دار المعرفة.
المغل ضمان)) (١) والمغل هو الخائن. ولأن الضمان
إما أن يجب بالعقد أو بالقبض أو بالإِذن، ولیس
هنا شيء من ذلك. أما العقد فلأن اللفظ الذي
تنعقد به العارية لا ينبىء عن التزام الضمان، لأنه
لتمليك المنافع بغير عوض أو لإِباحتها على
الاختلاف. وما وضع لتمليك المنافع لا يتعرض
فیه للعین حتی یوجب الضمان عند هلاكه.
وأما القبض فإنما يوجب الضمان إذا وقع بطريق
التعدی، وما هنا ليس كذلك، لكونه مأذونا فيه.
وأما الإِذن فلأن إضافة الضمان إليه فساد في
الوضع، لأن إذن المالك في قبض الشيء ينفي
الضمان فکیف یضاف إليه.
واستدل الشافعية والحنابلة بقول النبي صل هر في
حديث صفوان ((بل عارية مضمونة)) (٢) وبقوله
((على اليد ما أخذت حتى تؤدي)). (٣) ولأنه
أخذ ملك غيره لنفع نفسه منفردا بنفعه من غیر
استحقاق، ولا إذن في الإتلاف، فکان مضمونا
كالغاصب والمأخوذ على وجه العموم.
واستدل المالكية في التفرقة بین ما يمكن إخفاؤه
وما لا یمکن بحمل أحادیث الضمان علی ما یمکن
إخفاؤه، والأحاديث الأخرى على ما لا يمكن
(١) حديث ((ليس على المستعير غير المغل ضمان)) أخرجه
الدارقطني (٤١/٣ - ط دار المحاسن) وفي إسناده عمرو بن
عبد الجبار وعبيدة بن حسان، قال عنهما الدارقطني:
ضعيفان، وقال: إنما يروى عن شريح القاضي غير مرفوع.
(٢) حديث ((بل عارية مضمونة)) سبق تخريجه (ف ٥).
. (٣) حديث ((علي اليد ما أخذت حتى تؤدي)). أخرجه الترمذي
(تحفة الأحوذي ٤/ ٤٨٢، ٤٨٣ نشر السلفية) وأبو داود
(٨٢٢/٣ - ط عزت عبيد دعاس) من حديث سمرة رضي
الله عنه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، قال
المباركفوري: وسماع الحسن من سمرة فيه خلاف مشهور.
- ١٨٩ -

إعارة ١٥ - ١٦
إخفاؤه. (١)
ثم قال الحنفية: إن الإِتلاف يكون حقيقة،
ويكون معنى. فالإِتلاف حقيقة بإتلاف العين،
كعطب الدابة بتحميلها ما لا يحمله مثلها، أو
استعمالها فيما لا يستعمل مثلها فيه، والإِتلاف
معنى بالمنع بعد الطلب، أو بعد انقضاء المدة، أو
بجحود الإِغارة، أو بترك الحفظ، أو بمخالفة
الشروط في استعمالها، فلو حبس العارية بعد
انقضاء المدة أو بعد الطلب قبل انقضاء المدة
يضمن لأنها واجبة الرد في هاتين الحالتين، لقوله
عليه الصلاة والسلام: ((العارية مؤداة)) (٢) وقوله
عليه الصلاة والسلام (علی الید ما أخذت حتى
ترده)). (٣) ولأن حكم العقد انتهى بانقضاء المدة
أو الطلب، فصارت العين في يده كالمغصوب.
والمغصوب مضمون الرد حال قيامه،ومضمون
القيمة حال هلاکه.
ولم ينص المالكية على المراد بالهلاك عندهم،
ولكن يفهم من كلامهم السابق في إعارة الدواب
أن المراد به تلف العين. قالوا: وإن ادعى المستعير
أن الهلاك أو الضياع ليس بسبب تعديه أو تفريطه
في الحفظ فهو مصدق في ذلك بيمينه، إلا أن تقوم
بينة أو قرينة على كذبه، وسواء في ذلك ما یغاب
عليه وما لا يغاب. (٤)
(١) العناية شرح الهداية ٤٦٩/٧، وتبيين الحقائق للزيلعي
٨٥/٥، والشرح الكبير ٤٣٦/٣، وبداية المجتهد
٣٤٢/٢، وأسنى المطالب ٣٢٨/٢، والمغني ٢٢١/٥.
(٢) حديث ((العارية مؤداة)) سبق تخريجه (فقرة ٥).
(٣) حديث ((على اليد ما أخذت .. )) سبق تخريجه بهذا المعنى
آنفا.
(٤) البدائع ٣٩٠٦/٨ - ٣٩٠٧ ط الإمام، والشرح الصغير
٥٧٤/٣.
شرط نفي الضمان:
١٦ - قال الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو أحد
وجهين عند المالكية: إن شرط نفي الضمان فيما
يجب ضمانه لا يسقطه، وقال أبو حفص العكبرى
من الحنابلة: يسقط، وقال أبو الخطاب: أومأ إليه
أحمد، وهو قول قتادة والعنبرى، لأنه لو أذن في
إتلاف العين المعارة لم يجب ضمانها، فكذلك إذا
أسقط عنه ضمانها. وقيل: بل مذهب قتادة
والعنبری أنها لا تضمن إلا أن يشترط ضمانها،
فيجب، لقول النبي وَلي لصفوان ((بل عارية
مضمونة)). (١)
واستدل لعدم سقوط الضمان بأن كل عقد
اقتضى الضمان لم يغيره الشرط، كالمقبوض ببيع
صحيح أو فاسد، وما اقتضى الأمانة فكذلك،
كالوديعة والشركة والمضاربة .
والوجه الآخر عند المالكية أنه لا يضمن بشرط
السقوط، لأنه معروف من وجهين: العارية
معروف، وإسقاط الضمان معروف آخر، ولأن
المؤمن عند شرطه. ونص الحنفية أن شرط الضمان
باطل كشرط عدمه، خلافا للجوهرة، حیث جزم
فيها بصيرورتها مضمونة بشرط الضمان.
وذهب الشافعية في المعتمد عندهم - وهو قول
أكثر الحنفية - إلى أنه لو أعار عينا بشرط ضمانها
عند تلفها بقدر معين فسد الشرط دون العارية.
قال الأزرعي من الشافعية وفيه وقفة. (٢) ولا يرد
(١) حديث ((بل عارية مضمونة)) سبق تخريجه (فقرة ٥).
(٢) الشرح الكبير ٤٣٦/٣، وأسنى المطالب ٣٢٨/٢، والمغني
٢٢١/٥ - ٢٢٢، وابن عابدين ٧٦٩/٤، والجوهرة
٣٥١/١، والزيلعي ٨٥/٥.
- ١٩٠ -

إعارة ١٧ - ١٨
هنا مذهب الحنابلة لأنهم يقولون بالضمان مطلقا.
كيفية التضمين:
١٧ - مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو
مقابل المعتمد عند الشافعية أنه يجب ضمان العين
بمثلها إن كانت مثلية، وإلا فبقيمتها يوم التلف.
والأصح عند الشافعية أنه إذا وجب الضمان في
العارية فإنها تضمن بقيمتها يوم التلف، متقومة
كانت أو مثلية، لأن رد مثل العين مع استعمال
جزء منها متعذر، فصار بمنزلة فقد المثل، فيرجع
للقيمة، ولا تضمن العارية بأقصى القيمة، ولا
بيوم القبض. (١)
الاختلاف بين المعير والمستعير:
١٨ - تقدم أن الحنفية يقولون: إن العارية من
الأمانات فلا تضمن. وكذلك المالكية فيما
لا يخفى. وفرعوا على ذلك أنها لا تضمن، إلا
بالتعدي، وأن الأمین یصدق فيما يدعيه بيمينه.
واعتبار المقبوض عارية أو غير عارية، وأن
هناك تعديا أم لا، يرجع فيه العرف والعادة.
فقد قال الحنفية: إنه اذا اختلف رب الدابة
والمستعیر فیما أعارها له، وقد عقرها الركوب أو
الحمولة، فالقول قول رب الدابة. وقال ابن أبي
ليلى: القول قول المستعير. وحجته أن رب الدابة
يدعي على المستعير سبب الضمان، وهو المخالفة في
الاستعمال، وهو منكر لذلك فالقول قوله.
واحتج الحنفية بأن الإِذن في الاستعمال يستفاد
(١) البدائع ٣٩٠٧/٨، ونهاية المحتاج ١٤١/٥، والمغني
٢٢٣/٥، ونيل المآرب ١٣٧/١ ط الأميرية، والخرشي
١٢٣/٦، والشرح الصغير ٣/ ٥٧٤، والقوانين الفقهية /
٢١٨.
من جهة صاحب الدابة، ولو أنكر أصل الإِذن
كان القول قوله، فكذلك إذا أنكر الإِذن على
الوجه الذي انتفع به المستعير.
وفي الولواجية: إذا جهز الأب ابنته ثم مات
فجاء ورثته يطلبون قسمة الجهاز بينهم، فإن كان
الأب اشترى لها الجهاز في صغرها أو بعدما
کبرت، وسلمه إليها في حال صحته، فليس للورثة
حق فيه بل هو للبنت خاصة.
فهذا يدل على أن قبول قول المالك أنها عارية
بيمينه ليس على إطلاقه، بل ذلك إذا صدقه
العرف.
وقالوا: كل أمين ادعى إيصال الأمانة إلى
مستحقها قبل قوله بیمینه، کالمودع إذا ادعى الرد
والوكيل والناظر، وسواء كان ذلك في حياة
مستحقها أو بعد موته، إلا في الوكيل بقبض
الدین، إذا ادعى بعد موت الموكل أنه قبضه ودفعه
له في حياته لم يقبل قوله، إلا ببينة. (١)
ولو جهز ابنته بما يجهز به مثلها، ثم قال: كنت
أعرتها الأمتعة. إن كان العرف مستمرا بين الناس
أن الأب يدفع الجهاز ملكا لا إعارة، لا يقبل قوله
إنه إعارة، لأن الظاهر يكذبه. وإن لم يكن العرف
كذلك أو تارة وتارة فالقول له في جميع الجهاز، لا
في الزائد على جهاز مثلها، والفتوى على ذلك.
وإن كان الجهاز أكثر مما يجهز به مثلها فالقول له
اتفاقا .
والمالكية كالحنفية في أن المستعير يصدق
بيمينه، إذ قالوا: إذا هلكت العين المعارة واختلف
(١) حاشية ابن عابدين ٥٠٦/٤، ٥٠٧، والمبسوط ١٤٣/١١
ط دار المعرفة .
- ١٩١ -

إعارة ١٨ - ١٩
المعير والمستعير في سبب هلاكها أو تعيبها، فقال
المعیر: هلكت أو تعییت بسب تفريطك، وقال
المستعیر: ما فرطت، فإنه يصدق بیمینه أنها ما
هلكت أو تعيبت بسبب تفريطه. فإن نكل غرم
بنكوله. ولا ترد اليمين على المدعي لأنها يمين
تهمة .
وإذا وجب الضمان على المستعير فعليه جميع
قيمته في حالة الهلاك، أو عليه الفرق بين قيمته
سلیما ومتعیبا.
وإن کان المستعار غیر آلة حرب کفاس ونحوه،
وأتى به إلى المعير مكسورا فلا يخرجه من الضمان،
إلا أن تشهد البينة أنه استعمله استعمالا معهودا في
مثله، فإن شهدت البينة بعكسه فكسر لزمه
الضمان. (١)
وإذا اختلف المالك والمنتفع في كون العين
عارية أو مستأجرة ينظر:
فإن كان الاختلاف قبل مضي مدة لمثلها أجر،
ردت العين إلى مالكها، وصرح الحنابلة هنا
بتحليف مدعي الإعارة.
وإن كان الاختلاف بعد مضي مدة لمثلها أجر، فقد
صرح الحنفية والشافعية والحنابلة بأن القول قول
المالك مع يمينه، لأن المنتفع يستفيد من المالك
ملك الانتفاع، ولأن الظاهر یشهد له فكان القول
قول المالك في التعيين، لكن مع اليمين، دفعا
للتهمة .
١٩ - وإن اختلفا في كونها عارية أو مستأجرة بعد
تلف العين: فمذهب الشافعية والحنابلة كما قال
(١) الشرح الكبير ٤٣٦/٣ - ٤٣٧.
ابن قدامة: إن اختلفا في ذلك بعد مضي مدة لمثلها
أجر وتلف البهيمة، وكان الأجر بقدر قيمتها، أو
كان ما يدعيه المالك منهما أقل مما يعترف به
الراكب، فالقول قول المالك بغير يمين. سواء
ادعى الإجارة أو الإعارة، إذ لا فائدة في اليمين
على شيء يعترف له به. ويحتمل ألا يأخذه إلا
بيمين، لأنه يدعى شيئا لا يصدق فيه، ويعترف له
الراکب بما يدعيه فيحلف على ما يدعيه، وإن كان
ما يدعيه المالك أكثر، مثل إن كانت قيمة البهيمة
أكثر من أجرها فادعى المالك أنها عارية لتجب له
القيمة، وأنكر استحقاق الأجرة، وادعى الراكب
أنها مكتراة، أو كان الكراء أکثر من قيمتها،
فادعى المالك أنه أجرها لیجب له الكراء، وادعی
الراكب أنها عارية، فالقول قول المالك في
الصورتين، فإذا حلف استحق ما حلف عليه.
وقواعد الحنفية والمالكية تقتضي أن القول حينئذ
قول من يدعي الإعارة، لأنه ينفي الأجرة. وأما
الضمان فلا ضمان على كل حال في الإِجارة
والإِعارة.
فإن تلفت العين قبل ردها تلفا تضمن به
العارية فقد اتفقا على الضمان لها، لضمان كل من
العارية والمغصوب. (١)
وإذا اختلفا، فادعى المالك الغصب، وادعى
المنتفع الإعارة، فإن كان قبل الاستعمال والدابة
تالفة فالقول قول المنتفع، لأنه ينفي الضمان،
والأصل براءة الذمة، وإن كان بعد الاستعمال
فالقول قول المالك مع يمينه، لأن الظاهر أن
(١) نهاية المحتاج ٥/ ١٤٠، والمغني ٢٣٦/٥.
- ١٩٢ -

إعارة ٢٠ - ٢٢
الهلاك جاء من الاستعمال. (١)
وقال الشافعية والحنابلة: إن كان الاختلاف
عقيب العقد، والدابة قائمة لم يتلف منها شيء،
فلا معنى للاختلاف، ويأخذ المالك بهيمته.
وكذلك إن كانت الدابة تالفة، لأن القيمة تجب
على المستعير كوجوبها على الغاصب.
وإن كان الاختلاف بعد مضي مدة لمثلها أجر
فالاختلاف في وجوبه، والقول قول المالك، لأنه
ینکر انتقال الملك إلی الراكب، والراکب یدعيه
والقول قول المنكر، لأن الأصل عدم الانتقال،
فيحلف ويستحق الأجرة. (٢)
نفقة العارية :
٢٠ - ذهب الشافعية - ما عدا القاضى حسين -
والحنابلة، وهو المعتمد عند المالكية إلى أن نفقة
العارية التي بها بقاؤها كالطعام مدة الإعارة على
مالكها، لأنها لو كانت على المستعير لکان کراء،
وربما كان ذلك أكثر من الكراء فتخرج العارية عن
المعروف إلى الكراء، ولأن تلك النفقة من حقوق
الملك.
ومذهب الحنفية، وغير المعتمد عند المالكية،
وهو ما اختاره القاضى حسین من الشافعية أن ذلك
على المستعير، لأن مالك الدابة فعل معروفا فلا
یلیق أن یشدد عليه.
وقال بعضهم: إنها على المستعير في الليلة
والليلتين، وعلى المعير في المدة الطويلة كما في
(١) الفتاوى الهندية ٣٧٢/٤، ومجمع الضمانات / ٦٢.
(٢) المغني ٥/ ٢٣٤ - ٢٣٧ ط الریاض، وابن عابدين ٧٦٨/٤
المواق، وقد عكس ذلك عبد الباقي الزرقاني. (١)
مؤونة رد العارية :
٢١ - فقهاء المذاهب الثلاثة، وهو الأظهر عند
المالكية على أن مؤونة رد العارية على المستعير، لخبر
(علی الید ما أخذت حتى تؤدى))، (٢) ولأن
الإعارة مكرمة فلو لم تجعل المؤونة على المستعير
لامتنع الناس منها. وهذا تطبيق القاعدة ((كل ما
كان مضمون العين فهو مضمون الرد)».
وعلى المستعير ردها إلى الموضع الذي أخذها
منه، إلا أن يتفقا على ردها إلى مكان غيره، لأن ما
لزم رده وجب رده إلى موضعه كالمغصوب. (٣)
ما يبرأ به المستعير:
٢٢ - لا خلاف بين الفقهاء في أن المستعير لو رد
الدابة إلى مالکها أو وکیله في قبضها فإنه یبرأ منها.
أما إن ردها بواسطة آخرين وإلى غير المالك
والوكيل ففي ذلك خلاف وتفصيل :
قال الحنفية في الاستحسان والمالكية: إن رد
المستعير الدابة مع خادمه أو بعض من هو في عياله
فلا ضمان عليه إن عطبت، لأن يد من هو في عياله
(١) لا يخفى أن هذا الخلاف محله الحيوان الذي يهلك إن لم يتفق
عليه. أما إعارة الأشياء التي لا تتلف بعدم الإنفاق عليها،
وإنما يتوقف على الانفاق التمكن من منافعها فذلك على
المستعير إن شاء أن ينتفع بها، وإلا ردها (اللجنة).
وانظر أسنى المطالب ٣٢٩/٢، والشرح الكبير ٤٤١/٣،
ومنتهى الإرادات ٥٠٦/١.
(٢) حديث ((على اليد ما أخذت .... )) سبق تخريجه (ف ١٥).
(٣) حاشية ابن عابدين ٥٠٥/٤، والشرح الكبير ٤٤١/٤،
والزرقاني ١٣٦/٦، ومغني المحتاج ١٢٤/٥، والمغني
٢٢٤/٥.
- ١٩٣ -

إعارة ٢٢ - ٢٣
في الرد كيده، كما أن يد من في عياله في الحفظ
كيده. والعرف الظاهر أن المستعير يرد المستعار بيد
من في عياله ولهذا يعولهم، فكان مأذونا فيه من
جهة صاحبها دلالة. وكذلك إن ردها إلى خادم
صاحب الدابة، وهو الذي يقوم عليها، فهو بريء
استحسانا. والقياس ألا يبرأ ما لم تصل إلى
صاحبها، كالمودع إذا رد الوديعة لا يبرأ عن الضمان
ما لم تصل إلى يد صاحبها.
وجه الاستحسان أن صاحبها إنما يحفظ الدابة
بسائسها. ولو دفع المستعير الدابة إلى مالكها فهذا
يدفعها إلى السائس، فكذلك إذا ردها على
السائس. والعرف الظاهر أن صاحب الدابة يأمر
السائس بدفعها إلى المستعیر، وباستردادها منه إذا
فرغت، فيصير مأذونا في دفعها إليه دلالة.
وهذا في غير المعار النفيس، إذ فيه لا بد من
التسليم للمالك، وإلا لم يبرأ. (١)
وعند الشافعية أنه يجوز الرد إلى الحاكم عند غيبة
المعير أو الحجر عليه بسفه أو فلس، فلو رد الدابة
إلى الإِسطبل، والثوب ونحوه للبيت الذي أخذه
منه لم يبرأ، إلا أن يعلم به المالك أو يخبره به ثقة.
وكذلك لا يبرأ عندهم بالرد إلى ولده أو زوجته،
حتى ولو لم يجد المالك أو وکیله، بل يجب الضمان
عليهما بالرد إليهما، فإن أرسلاها إلى المرعى وتلفت
فالضمان عليهما، لحصول التلف في يدهما، حتى
لو غرما لم يرجعا على المستعير، ولو غرم المستعير
رجع عليهما. (٢)
(١) المبسوط ١٣٩/١١ - ١٤٠، وابن عابدين ٥٠٥/٤، والبناني
هامش الزرقاني ١٣١/٦.
(٢) أسنى المطالب ٣٢٩/٢.
والحنابلة كالشافعية في أنه إذا ردها إلى المكان
الذي أخذها منه، أو إلى ملك صاحبها لم يبرأ،
لأنه لم یردها إلى مالکها ولا نائبه فیھا، کما لو دفعها
إلى أجنبي .
وإن ردها إلى من جرت عادته بحصول ذلك
على يديه، كزوجته المتصرفة في ماله، أو رد الدابة
إلى سائسها، فقياس المذهب أنه يبرأ، قاله
القاضى. وقاس ذلك على الوديعة، وقد قال الإِمام
أحمد فيها: إذا سلمها المودع إلى امرأته لم یضمنها،
لأنه مأذون في ذلك عرفا أشبه ما لو أذن فيه
نطقا . (١)
ما تنتهي به الإِعارة:
٢٣ - تنتهي الإعارة بأحد الأسباب الآتية:
١) انتهاء المدة في الإعارة المؤقتة .
٢) رجوع المعير في الحالات التي يجوز فيها
الرجوع .
جنون أحد المتعاقدين.
٣)
الحجر عليه لسفه أو فلس.
٤)
موت أحد المتعاقدين.
٥)
٦) هلاك العين المعارة.
٧) استحقاقها للغير. (٢)
(١) المغني ٥/ ٢٢٤ ط الرياض.
واللجنة ترى أن الخلاف في هذه المسألة مبنى على اختلاف
العرف، فمن جرى العرف أن يده كيد المستعير في الحفظ
والأمانة كالابن الذي في العيال والخدم الخاص يعتبر تسليمه
كتسليم المستعير نفسه، ومن جرى العرف أن يده كيد
المالك، كالزوجة والولد الذي في العيال والخادم الخاص
یعتبر تسلمه کتسلم المالك، فإن كان لا يطمئن إلى هؤلاء
فعليه أن ينص في عقد الإعارة على عدم التسليم إلا إليه، أو
من یرید التسليم إليه .
(٢) ابن عابدين ٥٠٦/٤، والشرح الكبير ٤٣٣/٣، ونهاية
المحتاج ١٣٠/٥ - ١٣١، والمغني ٢٢٤/٥.
- ١٩٤ -

إعارة ٢٤ - ٢٦، إعانة ١
استحقاق العارية، وتلف المستعار المستحق،
ونقصانه :
٢٤ - يختلف الفقهاء في رجوع المستحق على المعير
أو المستعير عند تلف المستعار المستحق أو نقصانه،
وفيمن يكون عليه قرار الضمان، ولهم في ذلك
رأیان :
الأول: يرجع المستحق على المستعير، وليس له
أن يرجع على المعير، وهو قول الحنفية والمالكية.
وقد علل الحنفية لذلك بأن المستعير يأخذ
لنفسه، ولأنها عقد تبرع، والمعیر غیر عامل له، فلا
يستحق السلامة، ولا يثبت به الغرور. (١)
الثاني: الرجوع على المعير أو المستعير، وهو
قول الشافعية والحنابلة، فالرجوع على المعير
لتعديه بالدفع للغير، وأما على المستعير فلقبضه
مال غيره - وهو المستحق - بغير إذنه، غير أنهم
يختلفون في الذي يكون عليه قرار الضمان، فقال
الشافعية: إن رجع على المستعير فلا يرجع على من
أعاره، لأن التلف أو النقص كان من فعله، ولم
يغر بشيء من ماله فيرجع به، وإن ضمنه المعير
فمن اعتبر العارية مضمونة قال: للمعير أن يرجع
على المستعير، لأنه كان ضامنا، ومن اعتبر العارية
غير مضمونة لم يجعل له أن يرجع عليه بشيء، لأنه
سلطه على الاستعمال.
وقال الحنابلة: إن ضمن المستعير رجع على
المعير بما غرم، لأنه غره وغرمه، ما لم يكن المستعير
عالما بالحال فيستقر عليه الضمان، لأنه دخل على
بصيرة، وإن ضمّن المالك المعير لم يرجع بها على
(١) البحر الرائق ٣٢٤/٧، والمدونة ٣٦١/٥ نشر دار صادر.
أحد إن لم يكن المستعير عالما، وإلا رجع
علیه. (١)
أثر استحقاق العارية على الانتفاع:
٢٥ - صرح الحنابلة بأنه إذا استعار شخص شيئا
فانتفع به ثم ظهر مستحقا، فلمالكه أجر مثله،
يطالب به المعير أو المستعير. فإن ضمن المستعير
رجع على المعير بما غرم، لأنه غره وغرمه، لأن
المستعير استعار على ألا أجر عليه. وإن رجع على
المعير لم يرجع على أحد. (٢) وقواعد المذاهب
الأخری لا تأبى ذلك.
الوصية بالإِعارة :
٢٦ - ذهب جمهور الفقهاء إلى صحة الوصية
بالإِعارة إذا خرج مقابل المنفعة من الثلث باعتبارها
وصية بالمنفعة. وخالف في ذلك ابن أبي لیلی وابن
شبرمة. (٣)
إعانة
التعريف :
١ - الإعانة لغة: من العون، وهو اسم بمعنى
المساعدة على الأمر.
يقال : أعنته إعانة، واستعنته، واستعنت به
(١) الأم ٢٥٧/٣، وكشاف القناع ٤/ ٦١.
(٢) كشاف القناع ٣٧٣/٤، والفروع ٩٤٦/٢، والمغني
٢٣٣/٥.
(٣) كشاف القناع ٣٧٣/٤، والفروع ٩٤٦/٢، والمغني ٦/ ٦٣
ط الرياض، والدسوقي ٤٢٣/٤، ٤٤٥.
- ١٩٥ -

إعانة ٢ - ٧
فأعانني. كما يقال: رجل معوان، وهو الحسن
المعونة، وكثير المعونة للناس. (١)
الألفاظ ذات الصلة :
الإغاثة :
٢ - الإِغاثة : هي الإِعانة والنصرة في حال شدة أو
ضيق . (٢)
أما الإعانة فلا يشترط أن تكون في شدة أو
ضيق .
٣ - الاستعانة: هي طلب العون. يقال: استعنت
بفلان فأعانني وعاونني، (٣) وفي الحديث: ((اللهم
إنا نستعينك ونستغفرك)). (٤)
الحكم التكليفي :
٤ - يختلف الحكم التكليفي للإِعانة بحسب
أحوالها، فقد تكون واجبة، وقد تكون مندوبة،
وقد تكون مباحة أو مكروهة أو محرمة .
الإعانة الواجبة :
أ - إعانة المضطر :
٥ - اتفق الفقهاء على وجوب إعانة المضطر إلى
الطعام والشراب بإعطائه ما يحفظ عليه حياته،
وكذلك بإنقاذه من كل ما يعرضه للهلاك من غرق
أو حرق، فإن كان قادرا على ذلك دون غيره
(١) لسان العرب والمصباح في مادة: (عون).
(٢) المصباح المنير واللسان في مادة: (غوث).
(٣) الجوهري ولسان العرب في مادة : (عون).
(٤) حديث ((اللهم إنا نستعينك ونستغفرك)) أورده الزيلعي في نصب
الراية وعزاه إلى مراسيل أبي داود (نصب الراية ١٣٥/٢، ١٣٦
ط دار المأمون).
وجبت الإِعانة عليه وجوبا عينيا، وإن كان ثَمَّ غيره
كان ذلك واجبا كفائيا على القادرين، فإن قام به
أحدهم سقط عن الباقين، وإلا أثموا جميعا، لما
روي أن قوما وردوا ماء فسألوا أهله أن يدلوهم على
البئر فأبوا، فسألوهم أن يعطوهم دلوا، فأبوا أن
يعطوهم، فقالوا لهم: إن أعناقنا وأعناق مطایانا قد
كادت أن تقطع، فأبوا أن يعطوهم، فذكروا ذلك
لعمر رضي الله عنه، فقال لهم: فهلا وضعتم فيهم
السلاح .. ؟! (١)
ومثل ذلك إعانة الأعمى إذا تعرض لهلاك،
وإعانة الصغير لإنقاذه من عقرب ونحوه. (٢)
ب - الإِعانة لإنقاذ المال :
٦ - تجب الإعانة لتخليص مال الغير من الضياع
قليلا كان المال أو كثيرا، حتى أنه تقطع الصلاة
لذلك.(٣) وفي بناء المصلي على صلاته أو استئنافها
خلاف يرجع إليه في مبطلات الصلاة.
جـ - الإعانة في دفع الضرر عن المسلمين:
٧ - يجب إعانة المسلمين بدفع الضرر العام أو
الخاص عنهم، لقول الله تعالى: (وتعاونوا على
(١) الأثر عن عمر رضي الله عنه ((فهلا وضعتم فيهم السلاح)) أورده
أبو يوسف في الخراج، ولم يذكر له إسنادا، وأورده السرخسي في
المبسوط أيضا .. (الرتاج بتحقيق الكبيسي ١ / ٦٥١ ط مطبعة
الإِرشاد، والمبسوط ١٦٦/٢٣، وانظر المغني ٦٠٢/٨ ط
الرياض، وحاشية الدسوقي ٤/ ٢٤٢، والجمل ٧/٥ ط إحياء
التراث العربي).
(٢) حاشية الدسوقي ٢٨٩/١ ط دار الفكر، والخطاب ٣٦/٢ ط
لیبیا، وابن عابدين ١/ ٤٤٠، ٤٧٨
(٣) حاشية الدسوقي ٢٨٩/١ ط دار الفكر، والخطاب ٣٦/٢ ط
ليبيا، وابن عابدين ٤٣٨/١، ٤٤٠، والمغني ٤٩/٢ ط
الرياض، والمجموع ٨١/٤
- ١٩٦ -

إعانة ٨ - ١١
البِرّ والتقوى، ولا تُعَاونوا على الإِثم
والعُدوان).(١) ولقول رسول الله يخليه: ((المسلم أخو
المسلم لا يَظلمه ولا يُسْلمه، ومن كان في حاجة
أخيه كان الله في حاجته)). (٢)
وكلما كان هناك رابطة قرابة أو حرفة كان التعاون
بينهم أوجب. (٣) (ر: عاقلة).
د - إعانة البهائم :
٨ - صرح الفقهاء بوجوب إعانة البهائم بالإِنفاق
علیھا فیما تحتاج إليه من علف وإقامة ورعایة، لما
روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي و # قال:
«عُذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت
فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها، إذ حبستها،
ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)) (٤) وعن
أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ ي قال:
(بینما رجل يمشي بطریق اشتد عليه العطش وجد
بئرا، فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث
يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ
هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ بي، فنزل
البئر فملأ خفه، ثم أمسکه بفیه فسقى الكلب،
(١) سورة المائدة/ ٢
(٢) حديث ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ... )) أخرجه
البخاري من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعا (فتح
الباري ٩٧/٥ ط السلفية)، وانظر جواهر الإكليل ١/ ٢٥١
وقليوبي وعميرة ٢١٤/٤، وإعانة الطالبين ١٨٩/٢
(٣) ابن عابدين ٤١٤/٥، والدسوقي ٢٨٢/٤، وإعانة الطالبين
١٨٩/٢
(٤) حديث: ((عذبت امرأة في هرة سجنتها)) أخرجه البخاري
ومسلم واللفظ له من حديث عبداله بن عمر رضي الله عنهما
مرفوعا. (فتح الباري ٥/ ٤١ ط السلفية، وصحيح مسلم
١٧٦٠/٤ ط عيسى الحلبي).
فشكر الله له، فغفر له. قالوا : يارسول الله وإن لنا
في البهائم أجرا، فقال: في كل ذاتٍ كبدٍ رطبةٍ
أجر)). (١)
الإعانة المندوبة :
٩ - وتكون الإعانة مندوبة إذا كانت في خير
لم يجب.
الإعانة المكروهة :
ء
١٠ - الإعانة على فعل المكروه تأخذ حكمه فتكون
مكروهة، مثل الإعانة على الإِسراف في الماء، أو
الاستنجاء بماء زمزم ، أو على الإِسراف في المباح
بأن يستعمله فوق المقدر شرعا. مثل إعطاء السفيه
المال الكثير، وإعطاء الصبي غير الراشد ما
لا يحسن التصرف فيه. (٢)
الإعانة على الحرام :
١١ - تأخذ الإِعانة على الحرام حكمه، مثل
الإعانة على شرب الخمر، وإعانة الظالم على
ظلمه، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:
سمعت رسول الله # يقول: أتاني جبريل فقال:
((يا محمد إن الله عز وجل لعن الخمر وعاصرها
ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها
(١) حديث: ((بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه
العطش ... )). أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه مرفوعا (فتح الباري ٤٣٨/١٠ ط السلفية).
وانظر المغني ٧/ ٦٣٤، ٦٣٥ ط الرياض، والاختيار
١٤/٤، وحاشية الدسوقي ٢/ ٢٢ ط دار الفكر، ونهاية المحتاج
٢٢٩/٧ ط المكتب الإسلامي.
(٢) ابن عابدين ٨٩/١ ط بولاق.
- ١٩٧ -

إعانة ١١ - ١٤
ومبتاعها وساقيها ومستقیها)). (١)
وعن ابن عمر - في إعانة الظالم - عن رسول الله
وي* أنه قال: ((من أعان على خصومة بظلم (أو
يعين على ظلم) لم يزل في سخط الله حتى
ينزع)). (٢)
وعن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود عن أبيه
رضي الله عنهما أن رسول الله حص ين قال: ((مثل الذي
یعین قومه علی غیر الحق کمثل بعیر تردی في بئر
فهو ينزع منها بذنبه)). (٣)
ولحديث (( من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة
لقي الله عز وجل، مکتوب بین عینیه: آیس من
رحمة الله)). (٤)
(١) حديث: ((أتاني جبريل ... )) أخرجه أحمد والحاكم من
حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا، وقال الحاكم: هذا
حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، كما قال أحمد
شاكر محقق المسند: إسناده صحيح (مسند أحمد بن حنبل
٣٢٢/٤ ط دار المعارف بمصر، والمستدرك ٤٥/٤)
(٢) حديث: ((من أعان على خصومة بظلم ... )). أخرجه
أبو داود وابن ماجة من حديث ابن عمر رضي الله عنهما
مرفوعا، وفي إسناديهما مطر بن طهمان الوراق، قال عنه
المنذري: قد ضعفه غیر وواحد، کما أن في إسناد أبي داود
المثنى بن يزيد الثقفي وهو مجهول. (عون المعبود ٣/ ٣٣٤ ط
الهند، وسنن ابن ماجة ٧٧٨/٢ ط عيسى الحلبي).
(٣) حديث ((مثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل بعير ... ))
أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث عبدالله بن مسعود
رضي الله عنه مرفوعا، وعزاه المنذري إلى أبي داود، قال
المناوي: فيه انقطاع، فإن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود لم
يسمع من أبيه. (موارد الظمآن ص ٢٩٠ - ٢٩١ ط دار الكتب
العلمية، والترغيب والترهيب ٢٤٦/٤ ط السعادة، وفيض
القدير ٥/ ٥١١ ط المكتبة التجارية).
(٤) حديث ((من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة ... )) أخرجه
ابن ماجة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا، وقال
الحافظ البوصيري في الزوائد: في إسناده یزید بن أبي زياد،
بالغوا في تضعيفه، حتى قيل كأنه حديث موضوع. (سنن =
وحديث ((انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قالوا:
يارسول الله، هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره
ظالما؟ قال : تأخذ فوق یدیه». (١)
إعانة الكافر :
أ - الإعانة بصدقة التطوع :
١٢ - يجوز دفع صدقات التطوع للكافر غير
الحربي. (٢) انظر مصطلح (صدقة).
ب - الإعانة بالنفقة :
١٣ - صرح الفقهاء بوجوب النفقة - مع اختلاف
الدين - للزوجة وقرابة الولاد أعلى وأسفل،
لإطلاق النصوص، ولأن نفقة الزوجة جزاء
الاحتباس، وذلك لا يختلف باختلاف الدین.
وأما قرابة الولاد فلمکان الجزئية، إذ الجزئية في
معنى النفس، ونفقة النفس تجب مع الكفر فكذا
الجزء، وتفصيله في مصطلح (نفقة). (٣)
جـ - الإِعانة في حالة الاضطرار :
١٤ - يجب إعانة المضطر ببذل الطعام والشراب إليه
إذا کان معصوما، مسلما كان أو ذمیا أو معاهدا،
فإن امتنع من له فضل طعام أو شراب من دفعه
للمضطر إليه - ولو كافرا - جاز له قتاله بالسلاح أو
= ابن ماجة ٨٧٤/٢ ط عيسى الحلبي، وفيض القدير ٦/ ٧٢ ط
المكتبة التجارية).
(١) حديث: ((انصر أخاك ظالما أو مظلوما)» .. أخرجه البخاري
من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعا (فتح الباري ٩٨/٥ ط
السلفية).
(٢) ابن عابدين ٦٧/٢، ومغني المحتاج ١٢١/٣
(٣) الاختيار ١١/٤، وبلغة السالك ٣٢٨/٢، ومغني المحتاج
٤٢٦/٣، ٤٤٦، ٤٤٧، والمغني ٧/ ٦٠١ وما بعدها.
- ١٩٨ -

إعانة ١٥ - ١٧
بغير السلاح. (١) على خلاف وتفصيل في
المذاهب يرجع إليه في مصطلح (اضطرار).
آثار الإعانة :
يترتب على الإِعانة آثار منها :
أ - الأجر على الإِعانة :
١٥ - الأجر على الإِعانة إما أخروي، وهو على
الواجب والمستحب منها، وإما دنيوي. فإن الإعانة
من التبرعات، والأصل أنه لا يستحق عليها أجر،
سواء أكانت برا للوالدين مثل إعانة الولد لوالده،
أم للناس مثل إعانة المحتاج بالقرض والصدقة
والكفالة . (٢)
وقد يأخذ المعين أجرا على بعض الأعمال التي
يؤدي فيها فعلا معينا مثل الوكالة، وهي مشروعة
بالكتاب والسنة .
ولتفصيل ذلك يرجع إلى تلك الأبواب في كتب
الفقه وفي مصطلحاتها . (٣)
ب - العقاب على الإعانة :
١٦ - لم يذكر العلماء عقوبات معينة للإعانة على
المحرم، غير أنهم قالوا بالتعزير على الذنوب التي لم
(١) ابن عابدين ٢٨٣/٥، والدسوقي ١١٦/٢، ١١٧، وجواهر
الإكليل ٢١٨/١، ومغني المحتاج ٣٠٨/٤، ٣٠٩، ومطالب
أولي النهى ٣١٩/٦
(٢) الاختيار ١١٨/١، ١٥٦/٢، ١٦٦، ٤٨/٣ ط المعرفة،
والمغني ٤/ ٥٣٤، ٥٩١/٥ ط الرياض، وجواهر الإكليل
٧٥/٢، ١٢٥، ٢١١ ط شقرون، ونهاية المحتاج ٤٣٩/٤،
٤٠١/٥، ٦/ ١٤٩ ط مصطفى الحلبي.
(٣) الاختيار ٢/ ٥٠، ١٥٦، والمغني ٧٩/٥، ٣٩٧، وجواهر
الإکلیل ٢/ ١٢٥، ١٤٥، ونهاية المحتاج ١٤/٥، ٢٥٨
تشرع فيها الحدود، (١) لأن درء المفسدين مستحب
في العقول، (٢) فيجب على الحاكم درء الفساد
بردع المفسدين ومن يعينهم على ذلك بتعزیرهم بما
يتناسب مع تلك الإِعانة المحرمة .
أما عن الإِثم الآخروي المترتب على الإعانة في
الحرام، فقد وردت في ذلك آثار كثيرة: منها ما
روى جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن النبي وله
قال لكعب بن عجرة رضي الله عنه: ((أعاذك الله
من إمارة السفهاء. قال: وما إمارة السفهاء؟ قال:
أمراء یکونون بعدي، لا يهتدون بهديي، ولا
یستنون بسنتي، فمن صدقهم بکذبهم، وأعانهم
على ظلمهم، فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا
يردون على حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم
یعنهم على ظلمهم، فأولئك مني وأنا منهم،
وسيردون على حوضي، ياكعب بن عجرة: إنه لا
يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به.
ياكعب بن عجرة: الناس غاديان، فمبتاع نفسه
فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها)). (٣)
١٧ - نص بعض الفقهاء على أن المعين على
الجريمة يأخذ حكم الأصيل في بعض الأحوال،
كالربيئة، ومقدم السلاح، والممسك للقتل، والردء
ونحوهم. ويرجع إلى ذلك في مباحث الجنايات
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٣٦ ط مصطفى الحلبي.
(٢) إعلام الموقعين ٢/ ١٠٢ ط محيي الدين.
(٣) حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي (ێز قال لكعب
بن عجرة: «أعاذك الله من إمارة السفهاء ... )). أخرجه أحمد
والبزار. قال الهيثمي: رجالهما رجال الصحيح (مسند أحمد بن
جنبل ٣/ ٣٢١ ط الميمنية، وكشف الأستار عن زوائد البزار
٢٤١/٢ ط مؤسسة الرسالة، ومجمع الزوائد ٢٤٧/٥ نشر
مكتبة القدسي).
- ١٩٩ -

إعانة ١٨ ، إعتاق ، اعتبار ١
والميراث وغيرها.
جـ - الضمان :
١٨ - من ترك الإعانة الواجبة قد يلحقه الضمان.
قال المالكية والشافعية والحنابلة: إذا ترك إنسان
إعانة مضطر فمنع عنه الطعام حتى مات، فإذا لم
يقصد ذلك فعلیه الضمان، وإن قصده فعمد عند
الشافعية والمالكية .
وصرح الحنفية والحنابلة، بجواز قتال المانعين
للطعام والشراب - غير المحوز - عن المضطرين له
والمشرفين على الهلاك، لما روي أن قوما وردوا ماء
فسألوا أهله أن يدلوهم على البئر فأبوا، فسألوهم
أن يعطوهم دلوا فأبوا أن يعطوهم، فقالوا لهم: إن
أعناقنا وأعناق مطايانا قد كادت أن تقطع فأبوا أن
يعطوهم. فذكروا ذلك لعمر رضي الله عنه. فقال
لهم عمر: فهلا وضعتم فيهم السلاح. (١) وفيه
دليل على أن المضطر إذا منع من الماء، له أن يقاتل
بالسلاح عليه. على أن الحنفية لم يصرحوا بضمان
المتسبب في هلاك العطشان والجائع، وإن كانت
قواعدهم تدل على ذلك (ر: صيال).
ومن رأی خطرا محدقا بإنسان، أو علم بذلك
وكان قادرا على إنقاذه فلم يفعل، فقد ذهب
أبو الخطاب من الحنابلة إلى أنه يضمن، خلافا
للجمهور الذين ربطوا الضمان بالمباشرة أو
التسبب .
كما يضمن حامل الحطب عند الشافعية إذا ترك
تنبيه الأعمى ومن في معناه حتى ترتب على ذلك
(١) سبق تخريجه في ف (٥).
ضرر له أو لثيابه . (١)
هذا وقد يجب الضمان في بعض عقود التبرعات
مثل الكفالة بأمر المكفول، فيضمن عند عجز
المكفول المدين.
وفي الوكالة عند التفريط أو التعدي، (٢) وهي
من الإِعانات. ر: (كفالة، وكالة).
إعتاق
انظر : عتق .
اعتبار
التعريف :
١ - الاعتبار لغة بمعنی الاتعاظ كما في قوله تعالى:
(فاعتبر وا يا أُولِي الأبصار).(٣) قال الخليل: العبرة
الاعتبار بما مضى أي الاتعاظ والتذكر.
ويكون الاعتبار بمعنى الاعتداد بالشيء في
ترتب الحكم، (٤) وكثيرا مايستعمله الفقهاء بهذا
المعنى .
(١) الدسوقي ٢٤٢/٤ ط دار الفكر، والجمل ٧/٥ ط إحياء
التراث، والمغني ٩/ ٤٢١ ط مكتبة القاهرة، وقليوبي وعميرة
٢١٢/٤، والمبسوط ١٦٦/٢٣ ط المعرفة.
(٢) الاختيار ١٥٦/٢، ١٦٦، والخطاب ٩٦/٥، ١٨١ ط دار
الفكر، وحواشي التحفة ٥/ ٢٥٧، ٢٩٤ ط دار صادر، والمغني
٥٣٤/٤، ٥٣٥، ١٢٥/٥
(٣) سورة الحشر / ٢
(٤) المصباح المنير ولسان العرب .
- ٢٠٠ -