النص المفهرس
صفحات 121-140
إطعام ٢٥ - ٢٦
وكذا يستحب عند غير الحنفية أن يذبح عن الصبي
شاتين إن أمكن، فإن أولم بغير الشاة جاز، فقد أولم
النبي﴿ بشاة، (١) وأولم على صفية
بحيس (٢) وأولم على بعض نسائه بمدين من
شعير. (٣) وإجابة طعام الوليمة واجب لمن دعي
إليها إذا لم يخالطها حرام، لقوله ◌َّل: ((إذا دعي
أحدكم إلى الوليمة فليأتها)) (٤)
القدرة على الإطعام :
٢٥ - من وجب عليه إطعام في كفارة يمين أو ظهار
أو فطر في رمضان فعجز عن الإِطعام، استقرذلك
في ذمته، وتأخر وجوب الأداء إلى وقت القدرة
عليه، لأن إيجاب الفعل على العاجز محال، وهذا
باتفاق الفقهاء في غير كفارة الفطر في رمضان، إذ
عند الحنابلة ومقابل الأظهر للشافعية تسقط كفارة
الفطر في رمضان عمن عجز عنها، لقول النبي وَلا
(١) حديث: ((فقد أولم النبي # بشاة)) يدل عليه ما أخرجه
البخاري من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ «ما أولم النبي
* على شيء من نسائه ما أولم على زينب، أو لم بشاة».
(فتح الباري ٩/ ٢٣٢ ط السلفية).
حديث: ((أولم النبي # على صفية بحيس)) أخرجه
(٢)
البخاري من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ ((إن رسول الله
* أعتق صفية وتزوجها، وجعل عتقها صداقها وأولم عليها
بحيس» (فتح الباري ٩/ ٢٣٢ ط السلفية).
حديث: ((أولم النبي ◌َ﴾ على بعض نسائه بمدين من شعير))
(٣)
أخرجه البخاري من حديث صفية بنت شيبة بلفظ ((أولم
النبي ## على بعض نسائه بمدین من شعير» (فتح الباري
٢٣٨/٩ ط السلفية).
(٤) ابن عابدين ٢٢٢/٤، والمغني ٥٢٢/٤، والدسوقي
٢١٦/٢، مع المراجع السابقة وحديث: ((إذا دعي أحدكم إلى
الوليمة فليأتها)). أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر
رضي الله عنهما مرفوعا. (فتح الباري ٩/ ٢٤٠ ط السلفية،
وصحيح مسلم ١٠٥٢/٢ ط عيسى الحلبي).
للأعرابي: ((خذه واستغفر الله وأطعم أهلك)) (١)
فقد أمره النبي لم أن يطعمه أهله، ولم يأمره بكفارة
أخری، ولا بین له بقاءها في ذمته. ولا دلیل علی
التخصيص، بخلاف الكفارات الأخرى، لعموم
أدلتها للوجوب حال الإِعسار، ولأنه القياس، وقد
خولف في رمضان للنص. (٢) (ر - كفارة).
٢٦ - ويشترط فيمن يجب عليه الإِطعام ألا يكون
سفیها، لأن السفیه محجور عليه في ماله ولا يملك
التصرف فيه، ولو صدر منه مايوجب الإطعام في
كفارة يمين أو ظهار أو فدية في الحج. فعند الحنفية
والشافعية والحنابلة يكفر بالصوم ولا يكفر
بالإِطعام، لأنه ممنوع من ماله، ورأى الحنفية أن
محظورات الإحرام التي لا يجزىء فيها الصوم يلزمه
فيها الدم، ولكن لا يمكن من التكفير في الحال،
بل يؤخر إلی أن یصیر رشیدا مصلحا لماله، فهو
بمنزلة الفقير الذي لا يجد مالا . وعند المالكية يلزم
مايجب عليه من إطعام في ماله. وينظر وليه فيه بوجه
النظر. (٣) وينظر تفصيل ذلك في (سفه، وكفارة).
(١) حديث: ((خذه واستغفر الله وأطعم أهلك)) أخرجه البخاري
من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ ((أطعمه أهلك))
وأخرجه مسلم بلفظ ((اذهب فأطعمه أهلك)) وأخرجه أبوداود
بلفظ «كله أنت وأهل بيتك وصم يوما واستغفر الله)).
(فتح الباري ٤/ ١٦٣ ط السلفية، وصحيح مسلم
٧٨١/٢، ٧٨٢ ط عيسى الحلبي، وسنن أبي داود ٢/ ٧٨٦ ط
استنبول).
(٢) بدائع الصنائع ١١٢/٥، ونهاية المحتاج ١٩٨/٣، والمهذب
١٩٢/١، وشرح منتهى الإرادات ٤٥٣/١ ط دار الفكر،
ومنح الجلیل ٦٩٨/٤، ٦٩٩
(٣) ابن عابدين ٩٣/٥، ٩٤، والفتاوى الهندية ٥٩/٥، وفتح
القدير ١٩٩/٨ ومنح الجليل ١٧٤/٣، ونهاية المحتاج
٤/ ٣٥٥، والمغني ٥٢٣/٤، ٥٢٤، ومنتهى الإرادات
٢٧٨/٢
- ١٢١ -
٠٠٠
إطعام ٢٧ - ٣١
الإِطعام عن الغير :
٢٧ - الإِطعام الذي يجب على المكلف لفعل
يوجب عليه ذلك يعتبر من العبادات المالية،
والعبادات المالية تقبل النيابة عن المكلف، ولذلك
من أمر غيره أن يطعم عن ظهاره ففعل ذلك الغير
صحّ.
وهذا باتفاق الفقهاء مع اختلافهم فيما لو أطعمـ
إنسان عن غيره بدون إذنه، حيث صرح المالكية
بأنه لو کفر عن الحانث رجل بغیر أمره أجزا عنه،
لأنها من الأفعال التي يقصد منها مصلحة مع قطع
النظر عن فاعلها فلم تتوقف على النية، قال ابن
عبدالبر: أحب إلي ألا يكفر إلا بأمره. (١)
إطعام الزوجة من مال زوجها :
٢٨ - أجاز الفقهاء للزوجة التصدق بالشيء اليسير
من بيت زوجها من غير إذنه، لحديث السيدة
عائشة رضي الله عنها مرفوعا ((إذا أنفقت المرأة من
طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت
(٢) ولأن العادة السماح
ولزوجها أجرہ بما کسب»
وطیب النفس به إلا أن یمنع رب البيت فليس لها
ذلك. (٣)
(١) ابن عابدين ٢٣٧/٢، ٥٨٣، وشرح منتهى الإرادات
٤٥٣/١، ٣٠٣/٢، والكافي لابن عبدالبر ٤٥٤/١،
والمهذب ١٩٤/١، والفروق ٢٠٥/٢، وجواهر الإكليل
١٦٣/١
(٢) حديث: ((إذا أنفقت المرأة ... )) أخرجه البخاري ومسلم
واللفظ له من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا (فتح الباري
٣٠٣/٣ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد
عبدالباقي ٢/ ٧١٠ ط عيسى الحلبي) ..
(٣) البدائع ١٩٧/٧، والهداية ٥/٤، ٩٦، ومنتهى الإرادات
٢٩٩/٢، وإعلام الموقعين ٤/ ٣١٤
الحلف على الإِطعام :
٢٩ - حلف على آخر أن يأكل معه فهو على أن
يأكل معه مايطعم على وجه التطعم كجبن وفاكهة
وخبز، وقيل: هو على المطبوخ. (١)
ويندب إبرار القسم، لما ثبت أن النبي وَ لفي ((أمر
بإِبرار القسم)» (٢) فإن أحتثه ولم يأكل معه فالكفارة
على الحالف، لأن الحالف هو الحانث، فكانت
الكفارة علیه، كما لو كان هو الفاعل. وكذلك إن
حلف أن يطعم غيره فهو على ماتقدم، فإن وفى لم
يحنث وإن لم يوف حنث. (٣)
الوصية بالإطعام :
٣٠ - الوصية بالإِطعام إذا أعانت على محرم فهي
باطلة في الأصح، كالوصية بالإِطعام بعد الموت ثلاثة
أيام، حيث تجتمع النائحات، لأنها من الإِعانة
على المحرم، فإِذا لم تعن على حرام جازت ووجب
إخراجها من ترکته في حدود الثلث، کمن أوصی
بالأضحية، أو بإطعام الفقراء، أو بفطرة رمضان أو
بنذر علیه. (٤)
الوقف على الإِطعام :
٣١ - في وقف الطعام على الإِطعام إن قصد بوقفه
(١) واللجنة ترى أن الحكم في هذا هو العرف لأن الأيمان مبنية
عليه .
(٢) حديث: ((أن النبي (لغز أمر بإبرار القسم)) أخرجه البخاري من
حديث البراء رضي الله عنه بلفظ («أمرنا النبي 143 بسبع ونهانا
عن سبع، أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت
العاطس، وإجابة الداعي، ورد السلام، ونصر المظلوم،
وإبرار القسم ... )) (فتح الباري ٦٠٣/١٠ ط السلفية).
(٣) ابن عابدين ٩٤/٣، والمغني ٨/ ٧٣١
(٤) الحطاب ٦/ ٣٨٠، وقليوبي ٢٥٥/٤، والمغني ٥٩/٦، وابن
عابدین ٤٢٦/٥
- ١٢٢ -
إطعام ٣١ ، أطعمة ١
بقاء عينه لم يصح، لأنه يؤدي إلى فساد الطعام
وذلك إضاعة للمال، وإن كان على معنی أنه وقف
للقرض إن احتاج إلیه محتاج ثم يَرُدُّ مثله، فقد رأی
جمهور الفقهاء: (المالكية والشافعية والحنابلة)
جوازه، وإن کان الموقوف أرضا أو شجرة ذات ثمر
لإطعام ثمرها جاز، لما روي: أن عمر رضي الله
عنه أصاب أرضا بخيبر فأتى النبي { # يستأمره
فیھا، فقال له رسول الله ێے: «إن شئت حبست
أصلها وتصدقت بها غير أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع
ولا يوهب ولا يورث)» فتصدق بها عمر في الفقراء
وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل
والضيف (١) فإن كان حيوانا ملك الموقوف عليه
صوفه ولبنه وسائر منافعه، وإن كان الوقف لمعصية
أو لأهل الفسق فالأرجح رده، لأنه معصية. (١)
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (وقف).
أطعمة
التعريف :
١ - الأطعمة: جمع طعام، وهو في اللغة: كل
مايؤكل مطلقا، وكذا كل ما يتخذ منه القوت من
(١) حديث: ((إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥/ ٣٥٤، ٣٥٥ ط السلفية)،
ومسلم (١٢٥٥/٣ ط عيسى الحلبي) من حديث ابن عمر
رضي الله عنهما.
(٢) المغني مع الشرح الكبير ١٩٤/٦، ومنتهى الإرادات
٤٩٢/٢، والمهذب ٤٤٧/١، ٤٤٨، ٤٥٠، الدسوقي
٧٧/٤، الاختيار ٣/ ٤١
الحنطة والشعير والتمر.
ويطلقه أهل الحجاز والعراق الأقدمون على
القمح خاصة.
ويقال: طعم الشيء يطعمه (بوزن: غنم يغنم)
طعما (بضم فسكون) إذا أكله أو ذاقه. وإذا
استعمل هذا الفعل بمعنى الذواق جاز فيما يؤكل
وفيما يشرب، (١) كما في قوله تعالى: ﴿إن الله
مُبْتِلِيكُمْ بِنَهَر، فمن شرب منه فليس مني ومن لم
يَطْعمه فإنه مني﴾. (٢)
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوى الأول.
ویذکرونه أيضا في الربا يريدون به (مطعوم
الآدميين) سواء أكان للتغذى، كالقمح والماء، أم
للتأدم كالزيت، أم للتفكه كالتفاح، أم للتداوي
والإصلاح كالحبة السوداء والملح .
وقد يطلق الفقهاء لفظ ((الأطعمة)) على (كل ما
يؤكل وما يشرب، سوى الماء والمسكرات).
ومقصودهم: ما یمکن أكله أو شربه، على سبيل
التوسع، ولو كان مما لا يستساغ ولا يتناول عادة،
كالمسك وقشر البيض. (٣) وإنما استثني الماء لأن له
بابا خاصا باسمه، واستثنيت المسكرات أيضا،
لأنها يعبر اصطلاحا عنها بلفظ (الأشربة).
ثم إن موضوع الأطعمة هو عنوان يدل به على
ما یباح وما یکره وما يحرم منها .
وأما آداب الأكل والشرب فإنها يترجم لها بكلمة
(١) لسان العرب، وتاج العروس مادة: (طعم).
(٢) سورة البقرة / ٢٤٩ .
(٣) انظر كتب الشافعية وغيرهم في مباحث الربا والكفارة والفدية
والأطعمة، وخاصة مطالب أولي النهى في الفقه الحنبلى
٣٠٨/٦.
- ١٢٣ -
أطعمة ٢ - ٦
(الأدب)، ويرجع إليها في مصطلح (أكل،
وشرب).
كما أن الولائم المشروعة يترجم لها بعناوين
أخرى تخصها، كالعقيقة والوكيرة. (ر: إطعام).
تقسيم الأطعمة
٢ - تنقسم الأطعمة إلى نوعين: حيوانية، وغير
حيوانية .
ثم إن الحيوان ينقسم إلى قسمين رئيسين:
مائي، وبري.
وفي كل من القسمين أنواع فيها ما يؤكل وفيها
ما لا يؤكل.
وينقسم المأكول من الحيوان :
(أولا) إلى: مباح، ومكروه.
(ثانيا) إلى: ما تشترط الذكاة في حله، وما لا
تشترط .
٣ - والمقصود بالحيوان في هذا المقام أنواع الحيوان
جميعا مما يجوز للإنسان أكله شرعا أو لا يجوز، ولا
يراد به ما يشمل الإِنسان نفسه بالنسبة للإنسان،
بل الكلام محصور فيما يحل للإِنسان أو لا يحل،
باعتبار أن ما سوى الإنسان قد خلقه الله سبحانه
لمنفعة الإِنسان ومصلحته، فمنه ما ينتفع به
الإِنسان بالأكل وغيره، ومنه ما ينتفع به لغير الأكل
من وجوه المنافع .
٤ - أما الإِنسان نفسه، الذي هو أشرف الحيوان
جمیعا والذي سخر له كل ما عداه، فلا يدخل لحمه
في مفهوم الأطعمة وتقسيمها إلى حلال وحرام،
لكرامته في نظر الشريعة الإسلامية، أيا كانت
سلالته ولونه ودینه وبیئته .
فحرمة لحمه على بني جنسه معلومة من الدين
بالضرورة، ومصرح بها في مواضع مختلفة من كتب
الفقه. (١)
ولذلك لا يبحث الفقهاء عن حرمة لحمه في
باب الأطعمة، وإنما يذكر ذلك في حالات
الاضطرار الاستثنائية. وتفصيله في مصطلح :
(ضرورة)
٥ - ويجب التنبه إلى أن الحيوانات غير المأكولة يعبر
الفقهاء عادة عن عدم جواز أكلها بإحدى العبارات
التالية: ((لا يحل أكلها))، ((يحرم أكلها))، ((غير
مأكول))، ((يكره أكلها)). وهذه العبارة الأخيرة تذكر
في كتب الحنفية في أغلب الأنواع، ویراد بها
الكراهة التحريمية عندما يكون دليل حرمتها في
نظرهم غير قطعي .
فالحيوانات غير المأكولة واحد منها حرمة أكله
قطعية إجماعية، وهو الخنزير. وفي بقيتها خلاف
قوي أو ضعيف، فيصح وصفها بالحرمة أو
بالكراهة (التحريمية).
الحكم التكليفي:
٦ - الحكم التكليفي ليس منصبا على ذوات"
الأطعمة، وإنما على أكلها أو استعمالها، وليس هناك
حکم جامع للأطعمة کلها، لذلك سیذکر حکم
کل نوع عند الكلام عليه.
ويتبين لمن تتبع ما في كتب الفقه المختلفة في
أبواب الأطعمة وغيرها أن الأصل في الأطعمة
(١) الدر المختار بحاشية ابن عابدين ١٣٦/١، والشرح الصغير
٣٢٣/١، ونهاية المحتاج ١٥٢/٨، ومطالب أولي النهى
٣٢٣/٦.
- ١٢٤ -
أطعمة ٧ -٩
الحل، ولا یصار إلى التحریم إلا لدليل خاص،
وأن لتحريم الأطعمة بوجه عام - ولو غير حيوانية -
أسبابا عامة عديدة في الشريعة متصلة بقواعدها
العامة ومقاصدها في إقامة الحياة الإنسانية على
الطريق الأفضل. وكذلك يرى المتتبع أسبابا
لكراهة الأطعمة بوجه عام غير الأسباب المتعلقة
بأنواع الحيوان.
وسنعرض فيما يلي بإيجاز أمثلة لذلك.
ما يحرم أكله لأسباب مختلفة:
٧ - يظهر من الاستقراء وتتبع تعليلات فقهاء
المذاهب فيما يحكمون بحرمة أكله أنه يحرم أكل
الشيء مهما كان نوعه لأحد أسباب خمسة:
السبب الأول: الضرر اللاحق بالبدن أو العقل:
ولهذا أمثلة كثيرة :
٨ - (منها) الأشياء السامة، سواء أكانت حيوانية
كالسمك السام، وكالوزغ والعقارب والحيات
السامة والزنبور والنحل، وما يستخرج منها من مواد
سامة. أم كانت نباتية كبعض الأزهار والثمار
السامة. أم جمادية كالزرنيخ، فكل هذه تحرم،
لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتلوا أنفسكم﴾،(١) ولقول
الرسول يلي: ((من تحسى سما فقتل نفسه فسمه في
يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها
أبدا)). (٢)
لكن صرح المالكية والحنابلة بأن هذه السموم
(١) سورة النساء / ٢٩.
(٢) حديث: ((من تحسى سما ..... )) أخرجه البخارى (الفتح
٢٤٧/١٠ - ط السلفية)
إنما تحرم على من تضره. (١) وهذا ظاهر فإن كثيرا
من الأدوية التي يصفها الأطباء محتوية على السموم
بالقدر الذي لا يضر الإنسان، بل يفيده ويقتل
جراثيم الأمراض، كما أن تأثر الأشخاص بالسموم
أنواعا ومقادیر یختلف.
وهذا لا تأباه قواعد المذاهب الأخرى، حیث
المفهوم أن المحرم هو تعاطي القدر الضار من هذه
السموم .
٩ - (ومنها) الأشياء الضارة وإن لم تكن سامة، وقد
ذكر منها في كتب الفقه: الطين، والتراب،
والحجر، والفحم على سبيل التمثيل، وإنما تحرم
على من تضره. ولا شك أن هذا النوع یشمل ما
کان من الحیوان أو النبات أو الجماد.
ويعرف الضار من غير الضار من أقوال الأطباء
والمجربين.
ولا فرق في الضرر الحاصل بالسمیات أو سواها
بین أن یکون مرضا جسمانيا أيا كان نوعه، أو آفة
تصيب العقل کالجنون والخبل.
وذكر المالكية في الطين قولين: الحرمة،
والكراهة، وقالوا: إن المعتمد الحرمة، وذكر
الشافعية حرمة الطين والحجر على من يضرانه،
وذكر الحنابلة كراهة الفحم، والتراب، والطين
الکثیر الذي لا یتداوی به.
وعلل صاحب ((مطالب أولي النهى)) الكراهة
بالضرر، مع أنه قبل ذلك جعل الضرر سيبا
للتحريم.(٢)
(١) الشرح الصغير ١٨٣/٢ طبعة دار المعارف، ومطالب أولي
النهى ٣٠٩/٦.
(٢) المراجع السابقة، والظاهر أن هذا الخلاف لیس خلاف دليل
وبرهان، وإنما هو خلاف مبنى على التجربة .
- ١٢٥ -
أطعمة ١٠ - ١٢
السبب الثاني: الإِسكار أو التخدير أو الترقيد:
١٠ - فيحرم المسكر، وهو ما غيب العقل دون
الحواس مع نشوة وطرب، كالخمر المتخذ من عصير
العنب النییء، وسائر المسكرات، سواء أكانت من
غير الحيوان كالنبيذ الشديد المسكر، أم من الحيوان
كاللبن المخيض الذي ترك حتى تخمر وصار
مسکرا .
ويحرم أكل كل شيء مخدر (ويقال له: المفسد)،
وهو ما غیب العقل دون الحواس بلا نشوة وطرب،
کالحشيشة .
ويحرم أيضا المرقد وهو ما غيب العقل والحواس
معا، كالأفيون والسيكران.
فما كان من المسكرات التي تشرب شربا فإنه يتبع
موضوع الأشربة، ويرى تفصيل أحكامه فيها، وقد
يشار إليه هنا بمناسبة الضرر. وما كان من
المخدرات أو المرقدات الجامدة التي تؤكل أكلا فإنه
يدخل في موضوع الأطعمة هنا، وقد يذكر في
موضوع الأشربة بالمناسبة.
السب الثالث: النجاسة :
١١ - فيحرم النجس والمتنجس بما لا يعفى عنه:
- فالنجس كالدم.
- والمتنجس كالسمن الذي ماتت فيه الفأرة وكان
مائعا فإنه یتنجس کله، فإن کان جامدا ینجس ما
حول الفأرة فقط، فإذا طرح ما حولها حل أكل
باقیه .
ومن أمثلة المتنجس عند الحنابلة: ما سقي أو
سمد بنجس من زرع وثمر، فهو محرم لتنجسه،
ولا يحلحتی یسقی بعد ذلك بماء طاهر يستهلك عين
النجاسة، ونقل في الإِنصاف عن ابن عقيل قوله :
ليس بنجس ولا محرم، بل يطهر بالاستحالة،
كالدم يستحيل لبنا، وجزم به في التبصرة. (١)
ومما يذكر هنا أن روث ما يؤكل لحمه طاهر،
فالتسميد به لا يحرم الزرع .
وصرح الحنفية والمالكية والشافعية في المسقي
المذكور أنه لا يتنجس ولا يحرم. (٢)
ومن أمثلة المتنجس - على خلاف بين الفقهاء -
البيض الذي سلق بماء نجس، (٣) وتفصيله في
(بيض).
السبب الرابع: الاستقذار عند ذوي الطباع
السليمة :
١٢ - ومثل له الشافعية بالبصاق والمخاط والعرق
والمني، فكل هذه طاهرة من الإِنسان، ولكن يحرم
تناولها للاستقذار. واستثنوا ما كان الاستقذار فيه
لغارض كغسالة يد فلا تحرم. (٤) ومثل الحنابلة
للمستقذرات بالروث والبول والقمل
والبرغوث. (٥)
(١) الإنصاف ٣٦٨/١٠، والمغني مع الشرح الكبير ١١/ ٨٢.
(٢) ابن عابدين ٢١٧/٥، والخرشي ٨٨/١، وتحفة المحتاج
٨/ ١٤٩
(٣) الشرح الصغير ٥٧/١ ط - دار المعارف، وتحفة المحتاج
٨/ ١٤٩.
(٤) مثلوا أيضا للاستقذار لسبب عارض باللحم إذا أنتن، فلا
يحرم (تحفة المحتاج ١٤٨/٨)، ومعنى ذلك قطعا أنه لا يحرم
استقذارا، فلا ينافى أنه يحرم طبا للضرر إذا كان إنتانه قد
وصل إلى درجة ضارة، فإن الشافعية كغيرهم في تحريم تناول
ما يضر (اللجنة).
(٥) مطالب أولي النهى ٦/ ٣٠٩.
-١٢٦ -
٠
أطعمة ١٣ - ١٥
ومما ينبغي التنبه له أن الحنابلة يقولون : إن روث
ما يؤكل لحمه طاهر، وكذا بوله، ولكن يحرم تناولهما
للاستقذار. فالقذارة لا تنافي الطهارة إذ ليس كل
طاهر يجوز أكله. (١)
السبب الخامس: عدم الإِذن شرعا لحق الغير:
١٣ - من أمثلة هذا السبب أن يكون الطعام غير
مملوك من یرید أکله، ولم يأذن له فيه مالکه ولا
الشارع، وذلك كالمغصوب أو المسروق أو المأخوذ
بالقمار أو بالبغاء. بخلاف ما لو أذن فيه الشارع،
كأكل الولي من مال موليه بالمعروف، وأكل ناظر
الوقف من مال الوقف. وأكل المضطر من مال
غيره، فإنهم مأذونون من الشارع، كما سيأتي في
الكلام عن حالة الاضطرار. وفي قضية عدم الإِذن
الشرعي إذا تعلق بالحيوان الذي يحل أكله يفرق
جمهور الفقهاء بين صحة التذكية وحرمة الفعل غير
المأذون بالنسبة للفاعل.
فإذا غصب مسلم أو کتابي شاة مثلا، أو سرقها
فذبحها بصورة مستوفية شرائطها، فإن الذبيحة
تكون لحما طاهرا مأكولا، ولكن الذابح يكون
متعديا بذبحها دون إذن من صاحبها ولا إذن
الشرع، وهو ضامن لها. وكذلك لا يحل له ولا
لغيره أكل شيء من لحمها دون إذن أيضا لمانع حق
الغير. (٢) وللتفصيل ينظر في: (غصب) و
(ذبائح).
(١) المرجع السابق
بداية المجتهد ١/ ٤٥٢.
(٢)
ما يكره أكله لأسباب مختلفة :
١٤ - ذكر الفقهاء (١) أمثلة للأطعمة المكروهة،
منها الأمثلة التالية :
أ - البصل والثوم والكراث ونحوها من ذوات
الرائحة الكريهة، فیکره أکل ذلك، لخبث رائحته
ما لم يطبخ، فإن أکله کره دخوله المسجد حتى
یذهب ريحه، لقول رسول الله مآله: «من أکل ثوما
أو بصلا فلیعتزلنا - أو ليعتزل مسجدنا - وليقعد في
بيته)). (٢)
وصرح أحمد بن حنبل أن الكراهة لأجل الصلاة
في وقت الصلاة.
ب - الحب الذي داسته الحمر الأهلية أو البغال،
وینبغی أن يغسل.
جـ ـ ماء البئر التي بين القبور وبقلها، لقوة احتمال
تسرب التلوث إليها .
د - اللحم النبىء واللحم المنتن، قال صاحب
((الإِقناع)) من الحنابلة بكراهتهما، لكن الراجح عند
الحنابلة عدم الكراهة. (٣)
الحيوان المائي : حلاله وحرامه :
١٥ - المقصود بالحيوان المائي ما يعيش في الماء،
(١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ١٣٦/١ و١٣٩ و
٢١٧/٥، والشرح الصغير مع حاشية الصاوى ١/ ١٩ و
٣٢٢ - ٣٢٥، وشرح الخرشى على خليل ٨٨/١، ونهاية
المحتاج ١٤٨/٨ - ١٤٩، ومطالب أولي النهى ٣٠٨/٦ -
٣٠٩ و٣١٥ و ٣١٧.
(٢) حديث: ((من أكل ثوما أو بصلا ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٥٧٥/٧ - ط السلفية) ومسلم (٣٩٤/١ - ط
الحلبى) واللفظ له .
(٣) الظاهر بالنسبة للمنتن بأن مقيد بأنه يكون تغيرا طفيفا، أما
إذا اشتد نتنه حتى خيف ضرره فإن أكله عندئذ يجب أن
يخضع لقاعدة الضرر التي تقتضى التحريم. (اللجنة).
- ١٢٧ -
أطعمة ١٥
ملحا كان أو عذبا، من البحار أو الأنهار أو
البحيرات أو العيون أو الغدران أو الآبار أو
المستنقعات أو سواها.
ولا يحل عند الحنفية من الحيوان المائي شيء
سوی السمك فيحل أكله سواء أكان ذا فلوس
(قشر) أم لا .
وهناك صنفان من الحيوان المائي اختلف فيهما
الحنفية، للاختلاف في كونهما من السمك أو من
الحيوانات المائية الأخرى، وهما الجريث،
والمارماهي. (١) فقال الإِمام محمد بن الحسن بعدم
حل أكلهما، لكن الراجح عند الحنفية الحل فيهما،
لأنهما من السمك.
ويستثنى من السمك ما كان طافيا، فإنه لا
يؤكل عندهم. والطافي: هو الذي مات في الماء
حتف أنفه، بغير سبب حادث، سواء أعلا فوق
وجه الماء أم لم يعل، وهو الصحيح .
(وإنما يسمى طافيا إذا مات بلا سبب ولو لم يعل
فوق سطح الماء نظرا إلى الأغلب، لأن العادة إذا
مات حتف أنفه أن يعلو). (٢)
وإن حكمة تحريم الطافي احتمال فساده وخبثه
حینما یموت حتف أنفه ویری طافیا لا یدری کیف
(١) الجرِّيث - بكسر وتشديد الراء - سمك أسود، وقيل: نوع
من السمك مدور كالترس. والمار ماهي: سمك في صورة
الحية،. كذا في الدر المختار على تنوير الأبصار من كتب
الحنفية، وحاشية ((رد المحتار)) لابن عابدين (١٩٥/٥).
والمار ماهي ضبط بالشكل في لسان العرب (مادة جريث)
بتسكين الراء، وكذا ضبطه أيضا بالشكل الشيخ أحمد محمد
شاكر في تعليقاته على كتاب ((المعرب)) للجواليقى، وعزاه إلى
اللسان، وابن الأثير في النهاية .
(٢) البدائع ٣٥/٥ - ٣٦، وحاشية ابن عابدين ١٩٥/٥،
والخانية ٣/ ٣٥٦ بهامش الهندية.
ومتى مات؟ فأما الذي قتل في الماء قتلا بسبب
حادث فلا فرق بينه وبين ما صيد بالشبكة وأخرج
حتى مات في الهواء.
وإذا ابتلعت سمكة سمكة أخرى فإن السمكة
الداخلة تؤكل، لأنها ماتت بسبب حادث هو
ابتلاعها .
وإذا مات السمك من الحر أو البرد أو كدر الماء
ففيه روايتان عند الحنفية :
(إحداهما): أنه لا يؤكل، لأن هذه الأمور
الثلاثة ليست من أسباب الموت غالبا، فالظاهر أن
السمك فيها مات حتف أنفه فيعتبر طافيا.
(والثانية): أنه يؤكل، لأن هذه الأمور الثلاثة
أسباب للموت في الجملة فیکون میتا بسبب حادث
فلا يعتبر طافيا، وهذا هو الأظهر، وبه يفتى.
وإذا أخذ السمك حیا لم يجز أكله حتى يموت
أو یمات.
واستدل من حرم الطافي بالأدلة التالية :
أ - بحديث أبى دواد عن جابر بن عبد الله رضى
الله عنهما، قال: قال رسول الله وَله: ((ما ألقى
البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه فطفا فلا
تأكلوه)». (١)
وروی نحوه سعید بن منصور عن جابر مرفوعا
أيضا.
ب - بآثار عن جابر بن عبد الله، وعلي بن أبي
طالب، وعبد الله بن عباس رضى الله عنهم: أنهم
(١) حديث: ((ما ألقى البحر ...... )) أخرجه ابن ماجه
(١٠٨١/٢ - ط الحلبى)، وأبو داود (١٦٦/٤ ط عزت
عبيد دعاس) وصوب أبو داود وقفه. وفي التعليق على سنن
ابن ماجه قال الدميرى: هو حديث ضعيف باتفاق الحفاظ
لا يجوز الاحتجاج به.
- ١٢٨ -
أطعمة ١٦
نهوا عن أكل الطافي. ولفظ جابر في رواية: ((ما طفا
فلا تأكلوه، وما كان على حافتيه أو حسر عنه
فكلوه)). وفي رواية أخرى: ((ما حسر الماء عن
ضفتي البحر فکل، وما مات فيه طافیا فلا تأكل)).
ولفظ علي: ((ما طفا من صيد البحر فلا تأكلوه)).
ولفظ ابن عباس: ((لا تأكل منه - أى من سمك
البحر - طافيا)). (١)
١٦ - وذهب من عدا الحنفية إلى إباحة كل
حيوانات البحر بلا تذكية ولو طافية (٢) حتى
ماتطول حياته في البر، كالتمساح والسلحفاة
البحرية، والضفدع والسرطان البحريين.
الآثار عن جابر وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس
(١)
رضى الله عنهم في النهي عن أكل الطافي أخرجها ابن حزم
في المحلى (٣٩٤/٧)، وأعلها بالضعف والانقطاع.
(٢) قد يبدو أن المذاهب التي تحظر أكل الطافي من السمك
تطمئن إليها النفس من الناحية الطبية أكثر، لأن السمكة
الطافية التي ماتت حتف أنفها، وطفت فوق الماء قد تكون
فسدت وتفسخت لمضي زمن على موتها كاف لفسادها، إذ لا
يدرى متى كان موتها، فالطافي مظنة للفساد، فالتحرز عنه
أليق بقواعد الشريعة التي حرمت الخبائث. وقد نص الفقهاء
على عدم جواز أكل اللحم إذا فسد وقالوا: إن الحظر هنا
لسبب طبي نظرا لضرره.
وقد يقال: إنه عند تعارض الأدلة من النصوص في حل
الطافي وعدمه يحكّم الأصل، وهو الإباحة، من جهة الدليل
الشرعي، ومجرد الطفو لا يستلزم الفساد، ولحالة الفساد.
حكمها الخاص وهو المنع للفساد لا لموتها وطفوها. وعندئذ
يجب أن يلحظ في موضوع الطافي عند من يقول بحله قيد
عام تفرضه قواعد الشريعة ولا مجال للخلاف فيه، وهو ألا
تكون السمكة الطافية قد بدت عليها آثار الفساد والتفسخ.
وهذا عندئذ معنى ما روي عن ابن عباس (كما في نيل
"الأوطار ١٤٧/٨) في بعض الروايات: ((طعامه - أى البحر
- ميتته إلا ما قذرت منها)) أى استقذرت، فإن الاستقذار
لحيوان تحل في الأصل ميتته إنما يكون لفساده وتفسخه
بالمكث فتأمل. (اللجنة).
ولا يعد الفقهاء طیر الماء بحریا، لأنه لا یسکن
تحت سطح الماء، وإنما یکون فوقه وینغمس فيه عند
الحاجة ثم يطير، ولهذا لا يحل عندهم إلا بالتذكية.
وللمالكية في كلب البحر وخنزيره قول بالإِباحة،
وآخر بالكراهة، والراجح في كلب الماء الإِباحة،
وفي خنزيره الكراهة، (أى الكراهة التنزيهية عند
الحنفية).
واختلفوا في إنسان الماء، (١) فمنهم من حرمه
ومنهم من أباحه، وهو الراجح، وصرح المالكية
بجواز قلي السمك وشیه من غیر شق بطنه ولو حیا.
قالوا: ولا يعد هذا تعذيبا، لأن حياته خارج الماء
(١) إن المراجع العلمية الحديثة التي بين أيدينا يستفاد منها أن
إنسان الماء (ويسمى بالفرنسية: سيرين (Sirene) هو حيوان
أسطورى يوصف في القصص الخيالية بأن نصفه الأعلى امرأة
ونصفه الأسفل سمكة (ر: معجم وموسوعة لا روس
الفرنسية في كلمة (Sirene))
وقد نقلنا کلام فقهاء المذاهب في حکم إنسان الماء كما ورد
في مصادره، حرصا على أمانة نقل الفقه في هذه الموسوعة،
ورأينا أن نثبت هنا هذه الملاحظة حوله.
على أننا نرى أن صنيع الفقهاء القدامى في ذكر هذه
الأنواع وتقرير الحكم الفقهي فيها لا محل لنقده بأنهم
يذكرون أحكام أنواع من الحيوان أسطورية، ذلك لأن
الفقهاء وقفوا أمام أخبار ووقائع يرويها الصيادون وغيرهم
من الناس والرحالين لا يمكن تكذيبها، لأنها محتملة، كما لا
يمكن الجزم بصحتها. فواجبهم أن يقرروا لها أحكاما على
تقدير صحتها الاحتمالية، ولا سيما أن الشائع من القديم أن
عجائب البحر وحیوانه أکثر وأکبر من عجائب البر اليابس،
وأنه لا يوجد في البر نوع من الحيوان إلا وله نظير في البحر.
وهذا قد أكده الاستاذ العلامة محمد فريد وجدى في دائرة
معارفه نقلا عن المصادر العلمية الحديثة الأجنبية (ر: دائرة
معارف القرن العشرين للعلامة محمد فريد وجدى كلمة :
بحر - البحر حيويا).
- ١٢٩ -
أطعمة ١٧
کحیاة المذبوح. (١)
١٧ - ويستحب عند الشافعية ذبح ما تطول حياته
كسمكة كبيرة. ويكون الذبح من جهة الذيل في
السمك، ومن العنق فيما يشبه حيوان البر. فإذا لم
یکن مما تطول حیاته کره ذبحه وقطعه حیا .
وهذا التعميم في الحل هو أصح الوجوه
عندهم. وهناك سواه وجهان آخران:
(أحدهما) أنه لا يحل من حيوان البحر سوى
السمك كمذهب الحنفية .
(والثاني) أن ما يؤكل مثله في البر كالذي على صورة
الغنم يحل، وما لا يؤكل مثله في البر كالذي على
صورة الكلب والحمار لا يحل.
ويحرم عند الشافعية الحيوان (البرمائي) (٢) أي
الذي یمکن عیشه دائما في کل من البر والبحر إذا
لم يكن له نظير في البر مأكول. وقد مثلوا له
بالضفدع، والسرطان، والحية، والنسناس، (٣)
والتمساح، والسلحفاة. (٤) وتحريم هذا النوع
(١). الشرح الصغير ٣١٢/١ و٣٢٢ - ٣٢٣، والرهونى مع
كنون ٤٢/٣، والخرشى على مختصر خليل ٨٣/١.
(٢)
التسمية بالبرمائي من الموسوعة أخذا من لغة العصر.
النسناس: بفتح النون ويجوز كسرها: حيوان يوجد بجزائر
(٣)
الصين، يثب على رجل واحدة، وله عين واحدة، يقتل
الإنسان إذا ظفر به، وينقز (أى يثب صعدا ويقفز) كنقز
الطير (ر: حاشية البجيرمى على شرح المنهج ٤/ ٣٠٤،
ومحيط المحيط مادة: نسنس).
(٤) السلحفاة: بضم السين وكسرها مع فتح اللام وسكون
الحاء، وفيها لغات أخرى: دابة برية ونهرية وبحرية، لها
أربع قوائم، تختفى بين طبقتين عظميتين صقيلتين، والكبار
من البحرية تبلغ مقدارا عظيما، ويقال لها: اللجأة أيضا،
والذكر يقال له: الغيلم. وهي معربة عن لفظ ((سولاح باى))
بالفارسية (محيط المحيط).
البرمائي هو ما جرى عليه الرافعي والنووى في
((الروضة)) وأصلها واعتمده الرملي. لكن صحح
النووى في ((المجموع)) أن جميع ما يكون ساكنا في
البحر فعلا تحل ميتته، ولو كان مما يمكن عيشه في
البر، إلا الضفدع، وهذا هو المعتمد عند الخطيب
وابن حجر الهيتمى، وزادا على الضفدع كل ما فيه
سم.
وعلى هذا فالسرطان والحية والنسناس والتمساح
والسلحفاة إن كانت هذه الحيوانات ساكنة البحر
بالفعل تحل، ولا عبرة بإمكان عيشها في البر، وإن
كانت ساكنة البر بالفعل تحرم .
واختلفوا في الدنيلس: (١) فأفتى ابن
عدلان بحله، ونقل عن الشيخ عز الدين
ابن عبد السلام الإِفتاء بتحريمه. (٢)
ولا يعتبر الإِوز والبط مما يعيش في البر والبحر،
لأنها لا تستطيع العيش في البحر دائما، فهي من
طيور البر، فلا تحل إلا بالتذكية كما يأتي
(ف / ٤١).
ويكره عند الشافعية ابتلاع السمك حيا إذا لم
يضر، وكذا أكل السمك الصغير بما في جوفه،
ويجوز قليه وشيه من غیر شق بطنه، لکن یکره ذلك
(١) قال الدميرى: ((الدنيلس هو نوع من الصدف والحلزون))
ويظهر من مجموع ما قالوه فيه أنه الصدف الصغير الذي
يسمى في مصر: أم الخلول.
(٢) لعل الإِفتاء بالتحريم مبنى على ما قيل من أن الدنيلس هو
أصل السرطان، فإذا كان السرطان محرما كان أصله محرما.
والافتاء بالحل مبنى على أن كلا من الدنيلس والسرطان أصل
برأسه ، أو على أن السرطان الذي يعيش في البحر حلال،
وإن أمكن عيشه في البر، كما صححه النووي في المجموع
(ر: حياة الحيوان للدميري ٣٣٩/١، وتحفة المحتاج لابن
حجر مع حاشية الشرواني ٨/ ١٧٥).
- ١٣٠ -
أطعمة ١٨ - ٢٠
إن كان حيا، وأيا ما كان فلا يتنجس به
الدهن. (١)
١٨ - وذهب الحنابلة في الحيوان البرمائي، ككلب
الماء والسلحفاة والسرطان إلى أنه إنما يحل بالتذكية .
وزادوا بالإِضافة للضفدع استثناء الحية
والتمساح، فقالوا بحرمة الثلاثة: فالضفدع للنهي
عن قتلها، والحية لاستخباثها، والتمساح لأن له
نابا یفترس به. لكنهم لم يستثنوا سمك القرش فھو
حلال، وإن كان له ناب يفترس به. والظاهر أن
التفرقة بينهما مبنية على أن القرش نوع من السمك
لا يعيش إلا في البحر بخلاف التمساح.
وقد قالوا: إن كيفية ذكاة السرطان أن يفعل به
ما يميته، بأن يعقر في أي موضع كان من
بدنه. (٢)
وإذا أخذ السمك حيا لم يجز أكله حتى يموت
أو يمات، كما يقول الحنفية والحنابلة. ويكره شيه
حیا، لأنه تعذيب بلا حاجة، فإنه يموت سريعا
فيمكن انتظار موته. (٣)
١٩ - وفي حيوانات البحر مذاهب أخرى: منها أن
ابن أبي ليلى يقول: إن ما عدا السمك منها يؤكل
(١) نهاية المحتاج ١٤٣/٨، وشرح المنهج مع حاشية
البجيرمي ٣٠٤/٤، وتحفة المحتاج مع حاشية الشرواني
١١٢/٨ - ١١٤، ١٧٥، وأسنى المطالب ١/ ٥٥٤.
(٢) المقنع لابن قدامة ٥٢٩/٣، ومطالب أولى النهى ٣١٥/٦ و
٣٢٩.
(٣) البدائع ٣٥/٥ - ٣٦، وابن عابدين ١٩٥/٥، والصاوى
على الشرح الصغير ٣٢٣/١، والدسوقي على الشرح الكبير
١١٥/٢، والخرشي على مختصر خليل ٩٣/١، ونهاية
المحتاج ١٤٢/٨، وتحفة المحتاج مع حاشية الشروانى
١٧٤/٨ - ١٧٥، وحاشية البجيرمى على المنهج ٣٠٣/٦ -
٣٠٤، ومطالب أولى النهى ٣٢٨/٦.
بشريطة الذكاة. والليث بن سعد يقول كذلك
أيضا، غير أنه لا يحل عنده إنسان الماء ولا خنزيره،
وعن سفيان الثوري في هذا روايتان :
إحداهما: تحريم ما سوى السمك كمذهب
الحنفية .
وثانيهما : الحل بالذبح کقول ابن أبي ليلى. (١)
٢٠ - ودليل الجمهور الذين أحلوا كل ما يسكن
جوف الماء ولا يعيش إلا فيه قوله تعالى: ﴿وما
يستوي البحران، هَذَا عَذْب فُرات سائِغ شرَابه
وهَذَا مِلْحٌ أُجَاج، ومن كلُّ تأكلون لحما
طريا﴾. (٢) وقوله سبحانه: ﴿أُحِل لكم صيد
البحر وطَعَامُه متاعاً لكم وللسيَّارَة﴾، (٣) فلم
يفرق عزوجل بين ما يسميه الناس سمكا وما
يسمونه باسم آخر کخنزير الماء أو إنسانه، فإن هذه
التسمية لا تجعله خنزيرا أو إنسانا.
ومن أدلة ذلك أيضا قوله صل* لما سئل عن
الوضوء بماء البحر: ((هو الطهور ماؤه، الحل
میتته». (٤)
وهذا دليل على حل جميع الحیوان الذي یسکن
البحر سواء أخذ حيا أم ميتا، وسواء أكان طافيا أم
لا .
واستدلوا أيضا بحديث دابة العنبر، وهو حديث
صحيح أخرجه مسلم عن أبي الزبير المكي، قال
حدثني جابر، قال: ((بعثنا رسول الله وَ الر، وأمر
(١) البدائع ٣٥/٥، والمحلى ٣٩٤/٧.
(٢) سورة فاطر / ١٢ .
(٣) سورة المائدة / ٩٦.
(٤) حديث: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)). أخرجه مالك
(٢٢/١ - ط الحلبي) وصححه البخارى وغيره، (التلخيص
الحبير ٩/١ ط الشركة الفنية المتحدة).
- ١٣١ -
أطعمة ٢٠ - ٢١
علينا أبا عبيدة، نتلقى عيرا(١) لقريش، وزودنا
جرابا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا
تمرة تمرة. قال أبو الزبير: فقلت لجابر: كيف كنتم
تصنعون بها؟ قال: نمصها كما يمص الصبى، ثم
نشرب عليها الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل. وكنا
نضرب بعصينا الخبط، (٢) ثم نبله بالماء ونأكله.
قال: وانطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا كهيئة
الكثيب(٣) الضخم، فأتيناه فإذا هو دابة تدعى
العنبر. قال أبو عبيدة: ميتة؟ ثم قال: لا ، بل نحن
رسل رسول الله وَلهر، وفي سبيل الله تعالى، وقد
اضطررتم، فكلوا. فأقمنا عليه شهرا ونحن
ثلاثمائة حتى سمنا، ولقد رأيتنا نغترف من وقب
عينه (٤) بالقلال (٥) الدهن، ونقتطع منه
الفدر (٦) كالثور أو كقدر الثور، فلقد أخذ منا أبو
عبيدة ثلاثة عشر رجلا، فأقعدهم في وقب عينه،
وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعظم
بعير معنا فمر تحتها. (٧) وتزودنا من لحمه
وشائق. (٨) فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله وَله
فذكرنا له ذلك، فقال: ((هو رزق أخرجه الله تعالى
(١) العير: هي الإِبل بأحمالها.
(٢) الخبط: ورق الشجر يخبط بعصا أو نحوها فينتشر، تأكله
الإِبل.
(٣) الكثيب (بالثاء المثلثة): التل من الرمل.
(٤) وقب العين: هو نقرتها، أو التجويف الذي تقع فيه.
(٥) جمع قلة (بضم القاف وتشديد اللام) وهي: الجرة الكبيرة.
(٦) القدر (بكسر الفاء وفتح الدال): جمع قدرة، وهي: القطعة
من كل شيء.
(٧) أي: من تحت الضلع، والضلع مؤنثة .
(٨) وشائق جميع وشيقة، وهي: القطعة من اللحم الذي يؤخذ
فيغلى قليلا ولا ينضج، ويحمل في الأسفار. وقيل: هي
القدید .
لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟))،
فأرسلنا إلى رسول الله مص لل منه فأكله. (١)
فهذا الحديث يستدلون به: على أربعة أمور:
(أولا) على أن حيوان البحر من غير السمك يحل
أكله في حالتي الاختيار والضرورة.
(ثانيا) على أنه لا يحتاج إلى ذكاة.
(ثالثا) على حل الطافي، لأنه لا يدرى هل مات
حتف أنفه أو بسبب حادث.
(رابعا) على أن صيد المجوسي والوثني للسمك لا
تأثير له، لأنه إذا كانت ميتته حلالا فصيد المجوسي
والوثني والمسلم سواء.
هذا، والفسيخ إن كان صغيرا كان طاهرا في
المذاهب الأربعة، لأنه معفو عما في بطنه، لعسر
تنقية ما فيه، وإن كان كبيرا فهو طاهر عند الحنفية
والحنابلة وابن العربي والدردير من المالكية، خلافا
للشافعية ولجمهور المالكية. وإذا اعتبر طاهرا فإن
أکله مع تفسخه والتغير في رائحته يتبع فيه شرعا
رأي الطب في ضرره أو عدمه: فإن قال الأطباء
الثقات: إنه ضار يكون أكله محظورا شرعا لضرره
بالصحة، وإلا فلا. (٢)
الحیوان البري: حلاله وحرامه:
٢١ - المقصود بالحيوان البري: ما يعيش في البر من
الدواب أو الطيور. ويقسم بحسب أنواعه
(١) حديث جابر: ((بعثنا رسول الله ...... )) أخرجه
مسلم (١٥٣٦/٣ - ط الحلبي).
(٢) البجيرمى على منهج الطلاب ٤/ ٣٠٤، ومثله في البجيرمى
على الإقناع ٨٩/١، ٩٢، والشرح الصغير بحاشية
الصاوى ٢٢/١، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين
٢١٢/١، ومطالب أولى النهى ٢٣٤/١.
- ١٣٢ -
أطعمة ٢٢ - ٢٤
وخصائصه وما يتصل به من أحكام إلى ثلاثة عشر
نوعا:
النوع الأول: الأنعام:
٢٢ - الأنعام (بفتح الهمزة) جمع نعم (بفتحتين)
وهو اسم يتناول ثلاثة أنواع هي: الإِبل، والبقر،
والغنم، سواء أكانت البقر عرابا أم جواميس،
وسواء أكانت الغنم ضأنا أم معزا، فكلها حلال
بإجماع المسلمين المستند إلى نصوص كثيرة. منها
قوله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ
ومَنّافِعُ، ومنها تأكلون﴾، (١) ومنها قوله جل شأنه
﴿اللّه الذي جَعَل لَّكُم الأنعام لتركبوا منها، ومنها
تَأْكُلون﴾. (٢) واسم الأنعام يقع على هذه
الحيوانات بلا خلاف بين أهل اللغة. (٣)
النوع الثاني: الأرنب:
٢٣ - الأرنب حلال أکلها عند الجمهور. وقد صح
عن أنس أنه قال: ((أنفجنا (٤) أرنبا فسعى القوم
فلغبوا، فأخذتها وجئت بها أبا طلحة، فذبحها
وبعث بوركها - أو قال: بفخذها إلى النبي ◌َلخير
فقبله.)) (٥)
وعن محمد بن صفوان (أو صفوان بن محمد) أنه
سورة النحل / ٥.
(١)
(٢) سورة غافر / ٧٩.
(٣) البدائع ٣٥/٥ - ٣٦، والدسوقى على الشرح الكبير
١١٥/٢، ونهاية المحتاج ١٤٢/٨، ومطالب أولى النهى
٣٢٨/٦.
(٤) نفجت الأرنب: ثارت، كما في القاموس، وأنفجها: أثارها.
(٥) حديث أنس: ((أنفجنا أرنبا .... )) أخرجه البخارى (الفتح
٦٦١/٩ - ط السلفية) ومسلم (١٥٤٧/٣ - ط الحلبي).
قال: ((صدت أرنبین فذبحتهما بمروة، (١) فسألت
رسول اللّهِ وَلقر، فأمرني بأكلهما)). (٢)
ثم إنها من الحيوان المستطاب، وليست ذات
ناب تفترس به، ولم يرد نص بتحريمها، فهذه
المناطات تستوجب حلها كما سيرى في الأنواع
المحرمة .
وقد أكلها سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه
ورخص فيها أبوسعيد الخدرى وعطاء وابن المسيب
والليث وأبو ثور وابن المنذر. (٣)
النوع الثالث: الحيوانات المفترسة:
٢٤ - المراد بالحيوانات المفترسة: كل دابة لها ناب
يفترس به، سواء أكانت أهلية كالكلب والسنور
الأهلي، (٤) أم وحشية كالأسد والذئب والضبع
والنمر والفهد والثعلب والسنور الوحشي
والسنجاب والفنك والسمور والدلق (وهو أبو
مقرض) والدب والقرد وابن آوى والفيل.
وحكمها: أنها لا يحل شيء منها عند الحنفية
(١) المروة واحدة المرو، وهي: حجارة بيض رقاق براقة تقدح
منها النار، (ر: المعجم الوسيط) وقد يكون لها حد صالح
للقطع كالسكين.
(٢) حديث محمد بن صفوان ((صدت أرنبين فذبحتهما
بمروة ... )) أخرجه أبو داود (٢٤٩/٣ - ط عزت عبيد
دعاس) وابن ماجه (٢/ ١٠٨٠ - ط الحلبي)، وصححه
البخارى كما في نصب الراية (٢٠١/٤ - ط المجلس
العلمي).
(٣) البدائع ٣٩/٥، والشرح الصغير للدردير ٣٢٢/١، ونهاية
المحتاج ١٤٣/٨، والشرح الكبير بأسفل المغنى لابن قدامة
٨١/١١ و٨٢، والمحلى لابن حزم ٤٣٢/٧، والبحر
الزخار ٤/ ٣٢٥.
(٤) السنور: هو الهر، أي القط.
- ١٣٣ -
أطعمة ٢٥ - ٣٠
والشافعية والحنابلة وهو قول للمالكية، غير أن
الضبع والثعلب قال بحلهما أبو يوسف ومحمد. (١)
٢٥ - واستدل الجمهور على تخريم هذا النوع كله
أو كراهته كراهة تحريمية - بقطع النظر عن الأمثلة
- بحديث أبي هريرة رضى الله عنه عن رسول الله
وَ ل # أنه قال: ((أكل كل ذي ناب من السباع
حرام)). (٢)
ومن استثنى الضبع منهم استدل بأخبار كثيرة
عن بعض الصحابة، منها ما ورد من حديث ابن
أبي عمار قال: سألت جابر بن عبد الله عن الضبع
أآكلها؟ قال: ((نعم، قلت: أصيد هي؟ قال:
نعم، قلت: أسمعت ذلك من نبي الله وَ ﴾؟ قال:
نعم.))(٣) وروی أيضا من حديث نافع مولى ابن
عمر، قال: أخبر رجل ابن عمر أن سعد بن أبي
وقاص يأكل الضباع، قال نافع: فلم ينكر ابن
عمر ذلك.
٢٦ - والقول المشهور للمالكية أنه : یکره تنزيها أكل
الحيوانات المفترسة سواء أكانت أهلية كالسنور
والكلب، أم متوحشة کالذئب والأسد.
وللمالكية في القرد والنسناس قول بالإِباحة، وهو
خلاف المشهور عندهم لكن صححه صاحب
التوضيح . (٤)
(١) البدائع ٣٩/٥، وحاشية ابن عابدين ١٩٤/٥.
(٢) حديث: ((أكل كل ذي ناب من السباع حرام)) أخرجه مالك
(٤٩٦/٢ - ط الحلبي)، وأخرجه مسلم (٣/ ١٥٣٤ - ط
الحلبي) بلفظ مقارب.
(٣) حديث جابر في الضبع أخرجه الترمذى (٢٥٢/٤ - ط
الحلبي) وابن ماجه (١٠٧٨/٢ - ط الحلبي) وصححه
البخارى كما في التلخيص (١٥٢/٤ - ط دار المحاسن).
(٤) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢/ ١٠٤ طبع المكتبة
التجارية الكبرى.
٢٧ - لكن الشافعية أباحوا بعض الأمثلة السابق
ذكرها: بالإِضافة إلى الضبع والثعلب كالسنجاب
والفنك والسمور محتجين بأن أنيابها ضعيفة.
وقالوا في السنور الوحشي، والأهلي، وابن آوى،
والنمس، والدلق: إنها محرمة في الأصح، وقيل في
هذه الخمسة الأخيرة كلها بالحل عندهم. (١)
٢٨ - أما الحنابلة فقد أباحوا من الأمثلة السابقة
الضبع فقط. وقالوا: إن في الثعلب والسنور
الوحشي رواية بالإِباحة. (٢)
٢٩ - وأما المالكية فقد استدلوا بقول الله تعالى:
﴿قُلْ لا أجِدٍ فِيما أُوحِي إليّ مُحُرَّمَا عَلى طَاعِم
يَطْعمه ... ﴾ الخ الآية (٣) فإن لحوم السباع
ليست مما تضمنته الآية، فتكون مباحة، وأما ما ورد
من النهي عن أكل كل ذى ناب فهو محمول على
الكراهة. (٤)
النواع الرابع: كل وحش ليس له ناب يفترس به
وليس من الحشرات: (٥)
٣٠ - وذلك كالظباء، وبقر الوحش، وحمر
الوحش، وإبل الوحش. وهذا النوع حلال بإجماع
المسلمين، لأنه من الطيبات.
لکن قال المالكية : إذا تأنس حمار الوحش صار
حکمه حکم الحمار الأهلي، وحکم الأهلي سيأتي
نهاية المحتاج ٨/ ١٤٣ - ١٤٤.
(١)
المقنع ٥٢٥/٣ - ٥٢٨.
(٢)
سورة الأنعام / ١٤٥ .
(٣)
(٤)
المنتقى ١٣١/٣.
فإن كان له ناب يفترس به فهو من النوع الثالث المتقدم
(٥)
المحظور عند الجمهور، (ر: ف/ ٢٤) وإن كان معدودا من
الحشرات فهو من النوع الحادى عشر الذي سيأتى حكمه
(ر: ف/ ٥١).
- ١٣٤ -
أطعمة ٣١ - ٣٤
(ر: ف ٤٦). فإن عاد إلى التوحش رجع مباحا كما
كان. (١)
النوع الخامس: کل طائر له مخلب صائد:
٣١ - وذلك كالبازى والباشق والصقر والشاهين
والحدأة والعقاب، وهذا النوع - بقطع النظر عن
الأمثلة - مكروه تحريما عند الحنفية، وحرام في باقي
المذاهب، (٢) إلا عند المالكية فقد قالوا في المشهور
عنهم: إن جميع هذه الطيور مباحة ولو كانت
جلالة، (٣) وروي عن جماعة منهم عدم جواز
أكلها. ومال المازري لحمل النهي على التنزيه. (٤)
٣٢ - ومن أدلة تحريم هذا النوع أو كراهته كراهة
تحریمیة حدیث ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول
الله ټ﴾ «نهی عن أکل کل ذی ناب من السباع،
وعن كل ذى مخلب من الطير)). (٥) والمراد محلب
يصيد به، إذ من المعلوم أنه لا يسمى
ذا مخلب عند العرب إلا الصائد بمخلبه وحده.
وأما الديك والعصافير والحمام وسائر ما لا يصيد
بمخلبه فلا تسمى ذوات مخالب في اللغة، (٦) لأن
(١) انظر المراجع الآتية في النوع الثامن: الخيل (ف/ ٤٤
حاشية).
(٢) البدائع ٣٩/٥، ونهاية المحتاج ١٤٤/٨، والمقنع ٥٢٧/٣،
والمحلى ٤٠٣/٧، والبحر الزخار ٣٢٩/٤.
(٣) الجلالة مأخوذة من الجلة (بتثليث الجيم وتشديد اللام) وهي
البعر ونحوه من روث الحيوان، فسميت الدابة جلالة إذا
كانت تتغذى بالجلة ونحوها من النجاسات كما في القاموس.
(٤) الرهونی وکنون ٣٩/٣.
(٥) حديث ابن عباس: «نھی رسول الله پے عن أکل کل ذى
ناب من السباع .. )). أخرجه مسلم (١٥٣٤/٣ - ط
الحلبى).
(٦) المحلى ٤ / ٤٠٥.
مخالبها للاستمساك والحفر بها، وليست للصيد
والافتراس.
واستدل المالكية بالحصر الذي في قوله تعالى:
﴿قُلْ لَا أَجِدُ فيما أُوحِيَ إليّ ◌ُحرَّما على طَاعِم يَطْعَمُه
إلا أن يكُوَّنَ مَيْتَةً أوْ دماً مسْفُوحا أو لحمَ خِنْزير فإنه
رِجْسٌ أوْ فِسْقَا أُهِلّ لغير اللهِ به﴾. (١)
النوع السادس: الطائر الذي لا يأكل إلا الجيف
غالبا :
٣٣ - اتفق الحنفية والشافعية والحنابلة على تحريم
الغراب الأسود الكبير والغراب الأبقع، إلا أن
الحنفية عبروا بالكراهة التحريمية. والمقصود
واحد، وهو منع الشارع الأكل، ومعلوم أن دليل
المنع لیس قطعیا، وما کان کذلك يصح أن يعبر عنه
بالتحريم وبالكراهة التحريمية. وكلا النوعين لا
يأكل غالبا إلا الجيف، فهما مستخبثان عند ذوى
الطبائع السليمة، ويدخل في هذا النوع النسبر،
لأنه لایأکل سوی اللحم من جيف وسواها، وإن
لم يكن ذا مخلب صائد. (٢)
٣٤ - ويحل غراب الزرع، وهو نوعان :
أحدهما: الزاغ وهو غراب أسود صغير، وقد
يكون محمر المنقار والرجلين.
وثانيهما: الغداف الصغير، وهو غراب صغير
لونه كلون الرماد، وكلاهما يأكل الزرع والحب ولا
يأكل الجيف. وبحلهما أيضا قال الشافعية
(١) سورة الأنعام / ١٤٥ .
(٢) أي: بل له منسر، وهو من الطائر الجارح شبيه المنقار لغير
الجارح، أما المخلب فهو شبيه الظفر للانسان .. (المصباح:
خلب ونسر، وحياة الحيوان للدميري ٢/ ٤١٠ ط بولاق).
- ١٣٥ -
أطعمة ٣٥ - ٣٩
والحنابلة. (١)
٣٥ - وأما العقعق، وهو غراب نحو الحمامة حجما،
طويل الذنب فيه بياض وسواد، فهو حرام عند
الجمهور، حلال عند أبي حنيفة، مکروہ تحریما عند
أبي يوسف. والأصح عند الحنفية حله، لأنه يخلط
فیأکل الجیف والحب، فلا يكون مستخبثا.
٣٦ - وليست العبرة عند الحنفية بالأسماء، ولا
بالكبر والصغر، ولا بالألوان، وإنما العبرة بنوع
غذائه: فالذي لا يأكل إلا الجيف غالبا مكروه
تحریما، والذي يخلط حلال عند أبي حنيفة خلافا
لأبي يوسف، والذي لا یأکل الجیف حلال اتفاقا،
هذا مذهب الحنفية. (٢)
٣٧ - والمالكية أباحوا الغربان كلها من غير كراهة
على المشهور. وروي عن جماعة منهم عدم جواز
آكلة الجيف. (٣)
٣٨ - وحجة القائلين بتحريم الغربان أو كراهتها
التحريمية (إلا ما استثنى) حديث عائشة رضى الله
عنها أن رسول الله وَ القر قال: ((خمس فواسق تقتلن
في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة،
والكلب العقور، والحديا)). (٤) وحديث عائشة
رضى الله عنها أيضا أن رسول الله وَلقوله قال: ((خمس
(١) نهاية المحتاج ١٤٣/٨، والمقنع ٥٢٧/٣.
(٢) البدائع ٥/ ٤٠، وحاشية ابن عابدين على الدر المختار
١٩٤/٥.
(٣) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١١٩/٢، ونهاية المحتاج
١٤٣/٨، والمقنع ٥٢٧/٣.
(٤) الحديا: (بضم الحاء وتشديد الياء) تصغير: الحدأة، وزان
(عنبة) وهي طائر من الجوارح (وتسميها العامة الحداية)
وجمعها حدا كعنب، وحداء ككساء. والمراد بالفواسق هنا:
المؤذيات .
من الدواب كلهن فاسق، يقتلن في الحرم:
الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب
العقور)) (١) وحديث ابن عمر رضى الله عنهما أن
رسول الله وَالله قال: ((خمس من الدواب ليس على
المحرم في قتلهن ◌ُناح: الغراب، والحدأة،
والفأرة، والعقرب، والكلب العقور)). (٢)
فالغراب الأبقع الذي ذكر في الحديث أبيح
قتله، وكذا سائر الغربان التي يدل عليها عموم لفظ
((الغراب)) في الأحاديث الأخرى.
وما أبيح قتله فلا ذكاة له، لأن كلمة القتل متى
أطلقت تنصرف إلى إزهاق الروح بأية وسيلة
استطاعها الإِنسان، فلو حل بالذكاة لكان إزهاق
روحه بغيرها إضاعة للمال، وقد نهى عليه الصلاة
والسلام عن إضاعة المال.
وقد روى ابن أبي شيبة عن عروة رضى الله عنه
أنه قال: من يأكل الغراب وقد سماه رسول اللّه الخ
فاسقا؟ وروى عبد الرزاق عن الزهرى أنه قال:
كره رجال من أهل العلم أكل الحداء والغراب
حيث سماهما رسول الله وَال# من فواسق الدواب التي
تقتل في الحرم.
٣٩ - وحجة المالكية أن إباحة القتل لا دلالة فيها
على تحريم الأكل لقوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما
أوحي إلي محرما على طاعم ... ) الآية. ومعلوم أن
الغراب ليس في الآية، فيكون مباح الأكل.
(١) حديث عائشة: ((خمس من الدواب كلهن فاسق .. )) أخرجه
البخارى (الفتح ٣٤/٤) ومسلم (٨٥٧/٢ - ط الحلبي).
(٢) حديث ابن عمر: ((خمس من الدواب ليس على المحرم في
قتلهم من جناح ... )) أخرجه مسلم (٨٥٨/٢ - ط
الحلبي).
- ١٣٩ -
٠٠
أطعمة ٤٠ - ٤٣
٤٠ - وحجة من استثنى إباحة بعض الأنواع من
الغربان أن الأحاديث التي ورد فيها وصف الغراب
بالأبقع أشعرت أن الغراب المذكور هو المتصف
بصفة توجب خبثه، وقد لوحظ أن هذه الصفة هي
كونه لا يأكل إلا الجيفة غالبا، فحملت الأحاديث
المطلقة عليه، ثم ألحق بالأبقع ما ماثله وهو
الغداف الكبير. واختلفوا في العقعق تبعا لاختلاف
أنظارهم في كونه يكثر من أكل الجيفة أو لا يكثر.
النوع السابع: کل طائر ذی دم سائل، وليس له
مخلب صائد، وليس أغلب أكله الجيف:
٤١ - وذلك كالدجاج، والبط، والإِوز، والحمام
مستأنسا ومتوحشا، والفواخت، (١) والعصافير،
والقبج، (٢) والكركي، (٣) والخطاف، (٤)
واليوم، (٥) والدبسي، (٦) والصلصل، (٧)
(١) الفواخت: جمع فاختة وهي من الحمام الذي له طوق،
وسميت بذلك، لأن لونها يشبه الفخت (بفتح فسكون)
وهو ضوء القمر أول ما يبدو.
(٢) التبج (بفتح القاف والباء): الحجل، والكروان، واحدته:
قبجة (بفتحتين) وتطلق على الذكر والأنثى (القاموس،
وحياة الحيوان، وتاج العروس، والمعجم الوسيط).
(٣) الكركى: (بوزن: كرسي) طائر يقرب من الوزة، أبتر
الذنب رمادي اللون في خده علامات سود، وهو قليل
اللحم، صلب العظم، یأوي إلى الماء أحيانا، وجمعه کراکی
(بفتح أوله وتشديد آخره).
(٤) الخطاف ۔ بضم فتشدید - طائر أسود یقال له: زوار الهند
(٥) اليوم واليومة - بضم أولهما - طائر لا يبرز في النهار لضعف
باصرته، يحب الوحدة ویسکن الخراب، ولذلك يتشاءم به .
(٦) الدبسى (بوزن: كرسي) طائر أدكن يقرقر.
(٧) الصلصل (بضم الصادين) طائر صغير يسميه العجم:
الفاختة
واللقلق، (١) واللحام، (٢) والهدهد، والصرد،
والخفاش (الوطواط).
فكل هذا مأكول عند الحنفية. (٣)
٤٢ - وقال المالكية بإباحة هذا النوع كله ولو جلالة
في المشهور عنهم، إلا الخفاش فالمشهور عندهم فيه
الكراهة، وقيل بكراهة الهدهد والصرد، لما رواه
أبوداود بسند صحيح عن ابن عباس رضى الله
عنهما أنه وَلّ ((نهى عن قتل أربع من الدواب:
النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد)). (٤) وقيل
بالكراهة في الخطاف أيضا، وخص بعضهم
الكراهة فيه بما يعشش في البيوت احتراما لمن عشش
عنده. (٥)
٤٣ - واتفق الشافعية والحنابلة على التفصيل التالي
في هذا النوع، فذكروا أنه يحرم ما أمر الشارع
بقتله، وما نهى عن قتله، وما استخبث، ويحل ما
لم يكن كذلك. لكنهم اختلفوا في التطبيق:
(١) اللقلق (بفتح اللامين) ويقال له: اللقلاق (بزيادة ألف قبل
آخره) طائر أعجمى نحو الأوزة طويل العنق، وكنيته عند
أهل العراق: أبو خديج، وهو يأكل الحيات ويوصف
بالفطنة والذكاء.
(٢) اللحام (باللام) هكذا في نسخة حاشية ابن عابدين. ولم نعثر
عليه في اللسان ولا في غيره، ولعله تحريف عن النحام (بنون
مضمومة، وتخفيف الحاء) وهو طائر أحمر على خلقة الأوز،
ويقال له بالفارسية: ((سرخ آوى)) يكون آحادا وأزواجا في
الطيران، والواحدة نحامة.
(٣) المراجع السابقة في مبحث الأرنب (ف/ ٢٣)، وحاشية ابن
عابدين ١٩٤/٥.
حديث ابن عباس: ((نهى ◌َّ عن قتل أربع من
(٤)
الدواب ... )) أخرجه أبو داود (٤١٨/٥ - ٤١٩ - ط عزت
عبيد دعاس) وقواه البيهقي وقال ابن حجر: ((رجاله رجال
الصحيح)) (التلخيص الحبير ٢/ ٢٧٠ - ط دار المحاسن).
(٥) حاشيتا الرهونی وکنون ٣٨/٣.
- ١٣٧ -
أطعمة ٤٣ - ٤٤
فالرخمة والخفاش واللقلق والخطاف والسنونو تحرم
عند الشافعية والحنابلة.
والبغاثة (١) تحرم عند الشافعية.
والببغاء والطاووس يحرمان عند الشافعية خبث
غذائهما، ويحلان عند الحنابلة.
والأخيل، ويسمى: الشِّقراق (٢) يحرم عند الحنابلة
لخبثه، ويحل عند الشافعية .
وأبو زريق، ويسمى : الدرباب (٣) أو القيق، نص
الحنابلة على تحريمه لخبثه، ومقتضى كلام الشافعية
أنه يحل.
والهدهد والصرد يحرمان في المذاهب الثلاثة للنهى
عن قتلهما.
ويحرم العقعق عند الثلاثة أيضا، لأنه يأكل الجيف
کالغراب الأبقع، وقد سبق ذكره (ر: ف ٣٣).
(١) البغاث - بتثليث الباء، والضم أشهر - طائر أبغث (أي أغبر)
منقط، رمادي اللون، أصفر من الرخمة بطيء الطيران (ر:
المصباح والقاموس) وقيل: هو كل مالا يصيد من صغار
الطیر کالعصافير، فھو اسم نوع، وهذا ليس حله محل
خلاف. فالمقصود هنا المعنى الأول الذي يقع على طائر معين
دون الرخمة حجما .
(٢) الشقراق: ويقال فيه أيضا: شقراق (كقرطاس) وشرقرق
(كسفرجل)، وبصيغ أخرى، وهو طائر مرقط بخضرة وحمرة
وبیاض، ویکون بأرض الحرم کما في القاموس.
(٣) الدرباب: هكذا جاء في مطالب أولى النهى من كتب الحنابلة
(٣١١/٦) وفي حياة الحيوان للدميري: درباب (بالدال
المهملة وبالباء الموحدة بعد الراء) ووصفوه بأنه مرقط بين
الغراب والشقراق شبها، ولم نره كذلك في شيء من معجمات
اللغة، بل ذكر في مادة (قيق) من معجم متن اللغة للشيخ
أحمد رضا ما يفيد أن أبا زريق والقيق والزرياب (بزاى في
أوله، وبالياء المثناه بعد الراء) هي أسماء لمسمى واحد هو
هذا الطائر، كما أفاد الدميرى في حياة الحيوان أن الدرباب
(بالدال المهملة) هو أبو زريق والقيق أيضا في تسمية
الناس .
والنعامة، والكركى، والحبارى، والدجاج،
والبط، والإِوز، والغرنیق، وسائر طيور الماء - سوى
اللقلق - كلها مما يؤكل على المذاهب الثلاثة، وكذا
الحمام، وهو اسم لكل ما عب وهدر کالقمري،
والدبسي، واليمام، والفواخت، والقطا، والحجل.
وكذلك العصفور وكل ما على شكله، كالعندليب
المسمى بالهزار، والصعوة، والزرزور، حلال في
المذاهب الثلاثة، لأنها معدودة من الطيبات، (كما
يقول الحنفية، وإن كان هؤلاء يقولون بالكراهة
التنزيهية في بعض منها على ما سبق بيانه).
النوع الثامن : الخيل :
٤٤ - ذهب الشافعية والحنابلة، وهو قول للمالكية إلى
إباحة الخيل، سواء أكانت عرابا أم براذين. (١)
وحجتهم حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنهما،
قال: ((نهى رسول الله وَل يوم خيبر عن لحوم الحمر
الأهلية، وأذن في لحوم الخيل)). (٢) وحديث أسماء
بنت أبي بكر رضى الله عنهما قالت: ((نحرنا على
عهد رسول الله وَله فرسا فأكلناه ونحن
بالمدينة)). (٣)
وذهب الحنفية في الراجح عندهم، وهو قول ثان
للمالكية، إلى حل أكلها مع الكراهة التنزيهية .
وحجتهم هي اختلاف الأحاديث المروية في
(١) البراذين: الخيل غير العربية، والعراب: الخيل العربية.
(٢) حديث جابر: ((نهى رسول الله وَل* يوم خيبر ... )) أخرجه
البخارى (فتح البارى ٦٤٨/٩ - ط السلفية) ومسلم
(١٥٤١/٣ - ط الحلبي).
(٣) حديث أسماء: ((نحرنا على عهد رسول الله الخير
فرسا .... )) أخرجه البخارى (الفتح ٦٤٨/٩ ط السلفية)
ومسلم (١٥٤١/٣ - ط الحلبي).
- ١٣٨ -
أطعمة ٤٥ - ٤٦
الباب واختلاف السلف، فذهبوا إلى كراهة الخيل
احتياطا، ولأن في أكلها تقليل آلة الجهاد. (١)
٤٥ - وبناء على الكراهة التنزيهية يقرر الحنفية: أن
سؤر الفرس ولبنها طاهران، لأن كراهة أكل الخيل
ليست لنجاستها، بل لاحترامها، لأنها آلة الجهاد،
وفي توفيرها إرهاب العدو، (٢) كما يقول الله تعالى:
﴿وَأَعِدّوا لهم ما اسْتَطَعْتُم مِنْ قُوّة ومِنْ رِبَاط الخَيْل
تُرْهِبُون به عَدوَّ اللهِ وعَدوكمْ﴾ . (٣)
وذهب أبو حنيفة في رواية الحسن بن زياد عنه
إلى الكراهة التحريمية، ونحوه قول للمالكية
بالتحريم، وبه جزم خليل في مختصره. (٤)
وحجتهم قول الله تعالى: ﴿والخيلَ والبغالَ
والحميرَ لِتَرَكبوها وزينةٌ﴾ (٥) فالاقتصار على
الرکوب والزينة يدل على أنها ليست مأکولة، إذ لو
کانت ماکولة لقال: ومنها تأكلون، كما قال قبل
ذلك: ﴿والأنعام خلقها، لكم فيها دفء ومنافع،
ومنها تأكلون﴾. وكذا الحديث المروى عن خالد بن
الوليد رضى الله عنه أن النبى بَّة ((نهى عن أكل
لحوم الخيل والبغال والحمير، وكل ذي ناب من
(١) البدائع ٣٨/٥ - ٣٩، وحاشية ابن عابدين ١٤٨/١ و
١٩٣/٥، ونهاية المحتاج ١٤٣/٨، والمقنع ٥٢٨/٣،
والمغني مع الشرح الكبير ٦٦/١١، والشرح الكبير وحاشية
الدسوقي ١١٧/٢، وحاشيتا الرهونى وكنون ٣٩/٣.
(٢) الدر المختار بحاشية رد المحتار ١٩٣/٥ - ١٩٤، ونقل هنا
في رد المحتار عن الطحطاوى أن الخلاف في خيل البر، أما
خيل البحر فلا تؤكل عند الحنفية اتفاقا.
(٣) سورة الأنفال / ٦٠.
(٤) ابن عابدين ١٩٣/٥، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي
١١٧/٢.
(٥) سورة النحل / ٨.
السباع، وكل ذى مخلب من الطير)). (١)
ولما كانت دلالة الآية والحديث على التحريم غير
قطعية كان الحكم هو الكراهة التحريمية عند
الحنفية .
ولا مانع من تسميتها (تحريما) بناء على أن
التحریم هو المنع بالمعنی الشامل لما كان دليله قطعيا
أو ظنیا .
النوع التاسع: الحمار الأهلي:
٤٦ - ذهب الشافعية والحنابلة - وهو القول الراجح
للمالكية - إلى حرمة أكله. ونحوه مذهب الحنفية
حيث عبروا بالكراهة التحريمية التي تقتضي المنع،
وسواء أبقي على أهليته أم توحش.
ومن أدلة التحريم أو الكراهة التحريمية:
حديث أنس بن مالك رضى الله عنه: ((أن رسول
الله ێ أمر منادیا فنادى: إن الله ورسوله ینهیانكم
عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس، فأكفئت
القدور وإنها لتفور باللحم)). (٢)
وحديث جابر بن عبد الله أن رسول اللّه الله
((نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في
لحوم الخيل)). (٣)
وذكر ابن حزم أنه نقل تحريم الحمر الأهلية عن
النبى ◌َ# من طريق تسعة من الصحابة بأسانيد
كالشمس، فهو نقل تواتر لا يسع أحدا
(١) حديث خالد: ((نهى النبي عن أكل لحوم الخيل
والبغال ... )) ذكره ابن حزم (٤٠٨/٧ ط المنيرية) وأعله
الامام أحمد وغيره كذا في التلخيص (١/٤ ط دار المحاسن).
(٢) حديث أنس أن رسول الله 3 لخ أمر مناديا فنادى.
أخرجه البخارى (الفتح ٦٥٣/٩ - ط السلفية).
(٣) حديث جابر. سبق تخريجه (ف/ ٤٤).
- ١٣٩ -
أطعمة ٤٧ - ٤٩
خلافه. (١)
والقول الثاني للمالكية: أنه يؤكل مع الكراهة
أي التنزيهية .
٤٧ - وقد نقل ابن قدامة: أن الإمام أحمد قال: إن
خمسة عشر من أصحاب النبي # كرهوا الحمر
الأهلية، (٢) وأن ابن عبد البر قال: لا خلاف بين
علماء المسلمين اليوم في تحريمها، وأن ابن عباس
وعائشة كانا یقولان بظاهر قوله تعالى: ﴿قل لا أجد
فیما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن یکون
ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير﴾. (٣) تلاها
ابن عباس وقال: ما خلا هذا فهو حلال، وأن
عكرمة وأبا وائل لم يريا بأكل الحمر بأسا.
ونقل الكاساني أن بشرا المريسي قال بإباحتها .
وصفوة القول أن فيها ثلاثة مذاهب:
(الأول) التحريم أو الكراهة التحريمية.
(والثاني) الكراهة التنزيهية .
(والثالث) الإباحة. (٤)
(١) المحلى ٧/ ٤٠٦ - ٤٠٧.
(٢) المقصود أنهم کرهوها تحريما، فإن ابن قدامة قال: أكثر أهل
العلم يرون تحريم الحمر الأهلية قال أحمد: خمسة عشر ...
الخ (ر: المغنى ٦٥/١١). فاستدلال ابن قدامة على تحريم
الأكثر بهذه العبارة دليل على أن المقصود كراهة التحريم التي
يعبر كثير من الفقهاء عنها بالتحريم. وقال الكاساني الحنفى
في البدائع (٣٧/٥): ((نحن لا نطلق اسم المحرم على لحوم
الحمر الأهلية، إذ المحرم المطلق ما ثبتت حرمته بدليل
مقطوع به، فأما ما كانت حرمته محل الاجتهاد فلا يسمى
محرما (على الاطلاق)، فنسيمه مكروها فنقول بوجوب
الامتناع عن أكلها عملا، مع التوقف في اعتقاد الحل
والحرمة».
سورة الأنعام / ١٤٥.
(٢)
البدائع ٣٧/٥، والدسوقي على الشرح الكبير ١١٧/٢،
(٤)
ونهاية المحتاج ١٤٤/٨، والمقنع ٥٢٥/٣، والمغنى
٦٥/١١ - ٦٦، والمحلى ٤٠٦/٧ - ٤٠٧.
النوع العاشر: الخنزير:
٤٨ - الخنزير حرام لحمه وشحمه وجمیع أجزائه،
لقوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على
طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة، أو دما مسفوحا،
أو لحم خنزير فإنه رجس، أو فسقا أهل لغير الله
به﴾. (١)
٤٩ - قال الألوسي: ((خص اللحم بالذكر مع أن
بقية أجزائه أيضا حرام، خلافا للظاهرية، (٢)
(١) سورة الأنعام / ١٤٥.
قال صاحب تفسير المنار (٩٨/٢) في معرض بيانه
حكمة الشريعة في تحريمه: ((حرم الله لحم الخنزير فإنه قذر،
لأن أشهى غذاء الخنزير إليه القاذورات والنجاسات، وهو
ضار في جميع الأقاليم، كما ثبت بالتجربة. وأكل لحمه من
أسباب الدودة القتالة ويقال: إن له تأثيرا سيئا في العفة
والغيرة)).
والدودة القتالة هي الدودة الخبيثة ذات المخالب،
واسمها بالفرنجية (تريشين Trichine) تعيش في طور بلوغها
في أمعاء الخنزير وتنتقل إلى الانسان وتتجه إلى القلب، ثم
تنشب بعدئذ وتتوضع في العضلات، وخاصة عضلات
الصدر والجنب والحنجرة والعين، وكذا في الحجاب الحاجز،
وتبقى أجنتها محتفظة بحيويتها في الجسم سنين عديدة،
وينشأ منها مرض خطير جدا يسمى بالفرنسية: (تريشينوز
(Trichine كما في موسوعة لا روس الكبير، مادة) (Trichinoes
(٢) وقوله: ((خلافا للظاهرية)) فيه نظر، فإنه لم يخالف فيه
أحد، بل نقل ابن حزم الظاهرى في المحلى (٣٩٠/٧،
٣٩١، ٤٣٠) حكاية الإجماع على تحريم كل أجزائه،
وأقرها حيث قال: ((لا يحل أكل شيء من الخنزير، لا لحمه
ولا شحمه، ولا جلده، ولا عصبه، ولا غضروفه، ولا
حشوته، ولا مخه، ولا عظمه، ولا رأسه، ولا أطرافه، ولا
لبنه، ولا شعره، الذكر والأنثى والصغير والكبير سواء.
ولا يحل الانتفاع بشعره لا في خرز ولا في غيره. ومن حكى
هذا الإجماع: النيسابورى في تفسيره، فقد قال: ((وأما لحم
الخنزير فأجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم =
- ١٤٠ -