النص المفهرس

صفحات 21-40

أشربة ١٨ - ١٩
فذهب الحنفية إلى جواز الانتباذ في كل شيء
من الأواني، سواء الدباء(١) والحنتم(٢) والمزفت(٣)
والنقير، (٤) وغيرها، لأن الشراب الحاصل بالانتباذ
فيها ليست فيه شدة مطربة، فوجب أن یکون
الانتباذ في هذه الأوعية وغیرها مباحا. وما ورد من
النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية منسوخ بقوله
ول: «كنت نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأدم،
فاشربوا في کل وعاء، غير ألا تشربوا مسکرا)) وفي
رواية ((نهيتكم عن الظروف، وإن ظرفا لا يحل شيئا
ولا يحرمه، وكل مسكر حرام))(٥) فهذا إخبار صريح
عن النهي عنه فيما مضى، فكان هذا الحديث
ناسخا للنهي .
ويدل عليه أيضا ما روى أحمد عن أنس، قال:
((نهى رسول الله و لز عن النبيذ في الدّباء والنقير
والحنتم والمزفّت، (٦) ثم قال بعد ذلك: ((ألا كنت
نهیتکم عن النبيذ في الأوعية، فاشربوا فیما شئتم،
(١) الدُّبَّاء بضم الدال وتشديد الباء، والواحدة دباءة، هي: القرعة
اليابسة المجعولة وعاء. (المصباح المنير مادة: (دبو).
(٢) الحتتم: جرار مدهونة خضر، كانت تحمل الخمر فيها إلى المدينة
(النهاية لابن الأثير).
(٣) المزفت: الوعاء المطلي بالزفت وهو القار، وهو مما يحدث التغير في
الشراب سريعا (المصباح المنير مادة: زفت).
(٤) التقير: خشبة تنقر أو تحفر كقصعة وقدح وينبذ فيها. (المصباح
المنير مادة: نقر).
(٥) حديث: ((كنت نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأدم ... » وفي
رواية ((نهيتكم عن الظروف، - وإن الظروف أو ظرفا - لا يحل
شیئا ولا یحرمه، وکل مسکر حرام) أخرجه مسلم (١٥٨٥/٣ -ط
الحلبي).
(٦) حديث: ((نهى عن النبيذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت»
أخرجه مسلم (١٥٧٩/٣ - ط الحلبي).
ولا تشربوا مسكرا، من شاء أوكى سقاءه على
إثم)».(١)
والقول بنسخ الانتباذ في الأوعية المذكورة هو
قول جمهور الفقهاء، ومنهم الشافعية والحنابلة في
الصحیح عندهم، فلا محرم ولا يكره الانتباذ في أي
وعاء. (٢)
وقال جماعة منهم ابن عمر وابن عباس ومالك
وإسحاق: یکره الانتباذ في الدباء والمزفّت، وعليهما
اقتصر مالك، فلا يكره الانتباذ في غير الدبّاء
والمزفت. وكره أحمد في رواية والثوري الانتباذ في
الدباء والحنتم والنقير والمزفت، لأن النبي $ نهى
عن الانتباذ فيها، فالنهي عند هؤلاء باق، سدا
للذرائع، لأن هذه الأوعية تعجل شدة النبيذ.
حالات الاضطرار :
١٩ - ما سبق من تحريم الخمر أو الأنبذة عند
الإِسكار إنما هو في الأحوال العادية. أما عند
الاضطرار فإن الحكم يختلف، ويرخص شرعا
تناول الخمر، ولكن بمعياره الشرعي الذي تباح به
المحرمات، كضرورة العطش، أو الغصص، أو
الإكراه، فيتناول المضطر بقدرما تندفع به
(١) أي من شاء ربط بالخيط فم سقائه: (وعائه المصنوع من الجلد)
للحفظ، مع أن فيه شرابا محرما، فيتحمل جزاء ذلك، والواجب
عليه إراقته إن لم يتخلل (نيل الأوطار ١٨٣/٨).
وحديث: ((ألا كنت نهيتكم عن النبيذ في الأوعية ... ))
أخرجه أحمد (٤٨١/٣ ط المیمنیة) من حديث ابن الرسیم، وقال
الهيثمي في المجمع (١٦٣/٥ ط القدسي): فيه يحيى بن عبدالله
الجابر، وهو ضعيف عند الجمهور، وابن الرسيم لم أعرفه.
(٢) المنتقى على الموطأ ١٤٨/٣، وبداية المجتهد ١/ ٤٩٠ -٤٩١،
والمغني ٣١٧/٨، والمدونة ٢٦٣/٦
- ٢١ -

أشربة ٢٠ - ٢٢
الضرورة، وهذا ليس مجمعا على جميعه، بل فيه
خلاف بين الفقهاء على النحو التالي:
أ - الإكراه :
٢٠ - ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى
جواز شرب الخمر عند الإكراه، لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان
وما استكرهوا عليه))(١) إلا أن الشافعية مع قولهم
بالجواز ألزموا شارب الخمر عند الإكراه - وکل آكل
حرام أو شاربه - أن يتقیأه إن أطاقه، لأنه أبيح
شربه للإِکراه، ولا يباح بقاؤه في البطن بعد زوال
السبب. (٢) ولزيادة التفصيل راجع مصطلح:
(إكراه).
ب - الغصص أو العطش :
٢١ - يجوز للمضطر شرب الخمر إن لم يجد غيرها
(ولو ماء نجسا كما صرح به المالكية والحنابلة)
لإِساغة لقمة غص بها، باتفاق فقهاء المذاهب
الأربعة، خلافا لابن عرفة من المالكية الذي یری
أن ضرورة الغصص تدرأ الحد ولا تمنع الحرمة.
وإنما حلت عند غيره من الفقهاء لدفع الغصص
إنقاذا للنفس من الهلاك، والسلامة بذلك قطعية،
(١) حديث: ((إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا
علیه» أخرجه ابن ماجة (١ / ٦٥٩ ط الحليي) وصححه ابن رجب
الحنبلي في جامع العلوم والحكم (ص ٣٥٠ ط الحلبي).
(٢) الدسوقي مع الشرح الكبير ٤/ ٣٥٣، والفواكه الدواني
٢٨٩/٢٠، والخطاب ٣١٨/٦، وكشاف القناع ١١٧/٦، ونهاية
المحتاج ١٠/٨، والفتاوى البزازية بهامش الهندية ٦/ ١٢٧،
وحاشية ابن عابدين ٨٨/٥
وهي من قبيل الرخصة الواجبة عند الشافعية. (١)
أما شرب الخمر لدفع العطش، فذهب الحنفية
- وهو قول يقابل الأصح عند الشافعية ۔ إلى جواز
شربها في حالة الضرورة، كما يباح للمضطر تناول
الميتة والخنزير، وقيدها الحنفية بقولهم: إن كانت
الخمر ترد ذلك العطش(٢) ومفهومه أنها إن لم ترد
العطش لا يجوز.
وذهب المالكية - وهو الأصح عند الشافعية - إلى
تحريم شربها لدفع العطش، قال المالكية: لأنها لا
تزيل العطش، بل تزيده حرارة لحرارتها
ویبوستها. (٣) وقيد الحنابلة حرمة شربها بكونها
صرفا، أي غير ممزوجة بما يروي من العطش، فإن
مزجت بما يروي من العطش جاز شربها لدفع
الضرورة. (٤) وأما ضرورة التداوي فسيأتي بيانها في
أواخر هذا البحث.
(الثاني) من أحكام الخمر: أنه يكفر مستحلها :
٢٢ - لقد ثبتت حرمة الخمر بدليل قطعي، وهو
القرآن الكريم والسنة والإجماع، کما سبق. فمن
استحلها فهو كافر مرتد حلال الدم والمال. (٥)
وللتفصيل في ذلك انظر مصطلح: (ردة).
(١) الفتاوى الهندية ٤١٢/٥، والدسوقي مع الشرح الكبير
٣٥٢/٤، والفواكه الدواني ٢٨٩/٢، والخطاب ٣١٨/٦،
والخرشي على خليل ١٠٨/٨، وكشاف القناع ٦/ ١١٧،
والإنصاف ٢٢٩/١٠، ومغني المحتاج ١٨٨/٤
(٢) الفتاوى الهندية ٥/ ٤١٢، ونهاية المحتاج ٨/ ١٢
(٣) الدسوقي مع الشرح الكبير ٤/ ٣٥٣، والفواكه الدواني
٢٨٩/٢، والخطاب ٣١٨/٦
(٤) كشاف القناع ١١٧/٦
(٥) الفتاوى الهندية ٥/ ٤١٠، والهداية مع فتح القدير ٢٨/٩،
والمغني ٨/ ٣٠٣ و٣٠٤، وشرح روض الطالب ١٥٨/٤
- ٢٢ -

أُشربة ٢٣ - ٢٤
هذا، وإن الخمر التي يكفر مستحلها هي ما
اتخذ من عصير العنب، أما ما أسكر من غير عصير
العنب النيء فلا یکفر مستحله، وهذا محل اتفاق
بين الفقهاء، لأن حرمتها دون حرمة الخمر الثابتة
بدلیل قطعي، وهذه ثبتت حرمتها بدليل ظني غیر
مقطوع به من أخبار الآحاد عن النبي ◌َ # وآثار
الصحابة . (١)
(الثالث) عقوبة شاربها :
٢٣ - ثبت حد شارب الخمر بالسنة، فقد وردت
أحاديث كثيرة في حد شارب الخمر، منها ما روي
عن أنس ((أن النبي * أتي برجل قد شرب
الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين. قال :
وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال
عبدالرحمن: أخف الحدود ثمانون، فأمر به
عمر».(٢)
وعن السائب بن يزيد قال: ((كنا نؤتى بالشارب
في عهد رسول الله پڼ، وإمرة أبي بکر، فصدرا من
خلافة عمر، فنقوم إلیه بأیدینا ونعالنا وأردیتنا،
حتی کان آخر إمرة عمر، فجلد أربعین، حتى إذا
عتوا وفسقوا جلد ثمانين)). (٣)
(١) الفتاوى الهندية ٥/ ٤١٠، والهداية مع تكملة فتح القدير
٢٨/٩، والمغني ٣٠٣/٨، ٣٠٤، وشرح روض الطالب
١٥٨/٤، وحاشية القليوبي على شرح المنهاج ٤/ ٢٠٢، ومغني
المحتاج ١٨٦/٤، والمحلى ٧/ ٤٩١، وفيه أن الظاهرية يكفرون
مستحل النبيذ ككفر مستحل الخمر المجمع عليه.
(٢) حديث أنس: ((أن النبي# أتي برجل ... )) أخرجه مسلم
(١٣٣٠/٣ - ط الحلبي).
(٣) حديث السائب بن يزيد قال: ((كنانؤتى بالشارب .... ))
أخرجه البخاري (١٢ /٦٦ - الفتح ط السلفية).
وقد أجمع الصحابة ومن بعدهم على جلد
شارب الخمر، ثم اختلفوا في مقداره ما بین أربعين
أو ثمانين. والجمهور على القول بالثمانين. (١)
وتفصيله في (حد الشرب).
وعلى هذا يحد عند الجمهور شارب الخمر سواء
أسکر أم لم یسکر، وكذا شارب کل مسکر، سواء
أشرب كثيرا أم قليلا. والمفتى به عند الحنفية أنه
يحد من شرب الخمر قليلها أو كثيرها، وكذا يحد من
سكر من شرب غيرها. (٢)
ضابط السكر :
٢٤ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة وصاحبا
أبي حنيفة وغيرهم إلى أن السكران هو الذي
يكون غالب كلامه الهذيان، واختلاط الكلام،
لأن هذا هو السكران في عرف الناس وعاداتهم،
فإِن السكران في متعارف الناس اسم لمن هذى،
وإليه أشار الإِمام علي رضي الله عنه بقوله: (٣) ((إذا
سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفتري
ثمانون».
فحد السكر الذي يمنع صحة العبادات،
ويوجب الفسق على شارب النبيذ ونحوه هو الذي
(١) حاشية ابن عابدين مع الدر المختار ٥/ ٢٨٩، والفواكه الدواني
٢٩٠/٢، ومغني المحتاج ١٨٧/٤، والمغني ٣٠٤/٨
وما بعدها، ونيل الأوطار ٧/ ١٤٦ وما بعدها.
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ٢٩٣٥ وما بعدها، وتبيين الحقائق ٤٥/٦ -
٤٧، ومغني المحتاج ٤/ ١٨٧، والمغني ٨/ ٣٠٤ وما بعدها،
والدسوقي على الشرح الکبیر ٣٥٢/٤، وابن عابدين ١٦٢/٣ -
١٦٣، ٢٨٩/٥ - ٢٩٣
(٣) أثر علي رضي الله عنه: «إذا سكر هذى ... )) رواه مالك في
الموطأ (٨٤٢/٢ - ط الحلبي)، وأعله ابن حجر في التلخيص
(٧٥/٤ ط دار المحاسن).
- ٢٣ -

أشربة ٢٥ - ٢٦
يجمع بين اضطراب الكلام فهما وإنهاما، وبین
اضطراب الحركة مشيا وقياما، فيتكلم بلسان
منكسر، ومعنى غير منتظم، ويتصرف بحركة
مختبط، ومشي متمايل، وما زاد على ذلك مما يذكره
الإمام أبو حنيفة فهو زيادة في حد السكر أي
مقداره. (١)
وذهب أبو حنيفة إلى أن السكر الذي يتعلق به
وجوب الحد هو الذي یزیل العقل بحيث لا يفهم
السكران شيئا، ولا يعقل منطقا، ولا يفرق بين
الرجل والمرأة، والأرض والسماء، لأن الحدود يؤخذ
في أسبابها بأقصاها، درءاً للحد، لقوله عليه
الصلاة والسلام: ((ادرءوا الحدود عن المسلمين ما
استطعتم)) (٢)
وقول الصاحبین أبي يوسف ومحمد مال إلیه أکثر
المشايخ من الحنفية، وهو المختار للفتوى عندهم.
قال في الدر: يختار للفتوى لضعف دليل الإمام. (٣)
طرق إثبات السكر :
٢٥ - إن إثبات الشرب الموجب لعقوبة الحد لأجل
(١) مختصر الطحاوي ص ٢٧٨، والبدائع ٥/ ٢٩٤٧، وحاشية ابن
عابدين ٢٩٢/٥، والتاج والإكليل ٣١٧/٦، والأحكام
السلطانية للماوردي ص ٢٢٩، ولأبي يعلى ص ٢٥٤، والمغني
٣١٢/٨، والمحلى ٧/ ٥٠٦
. (٢) البدائع ٢٩٤٦/٦ - ٢٩٤٧، ونفي الحد عند أبي حنيفة قبل
وصول السكر إلى غايته ليس معناه عدم استحقاق العقوبة، بل
تجب عقوبة التعزير بما يكفي للردع كما هو معلوم.
وحديث: ((ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم)) أخرجه
الترمذي (٣٣/٤ - ط الحلبي) والحاكم (٤/ ٣٨٤ - ط دائرة
المعارف العثمانية)، وضعفه ابن حجر في التلخيص (٦٥/٤ ط
دار المحاسن) وصحح وقفه على ابن مسعود.
(٣) الدر المختار بحاشية ابن عابدين ١٦٥/٣
إقامته على الشارب بواسطة الشهادة أو الإقرار أو
القيء ونحوها تفصيله في حد شرب الخمر. وانظر
مصطلح (إثبات).
حرمة تملك وتمليك الخمر :
٢٦ - يحرم على المسلم تملك أو تمليك الخمر بأي
سبب من أسباب الملك الاختيارية أو الإِرادية،
كالبيع والشراء والهبة ونحو ذلك، لقوله عليه
الصلاة والسلام: ((إن الذي حرم شربها حرم
بیعها». (١)
وعن جابر قال: سمعت رسول الله # يقول:
((إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير
والأصنام)). (٢)
أما إذا كان التملك للخمر بسبب جېري
کالإِرث، فإنها تدخل في ملکه وتورث، کما إذا
كانت ملكا لذمي فأسلم، أو تخمر عند المسلم
عصير العنب قبل تخلله، ثم مات والخمر في
حوزته، فإنها تنتقل ملکیتها إلى وارثه بسبب غير
إرادي، فلا یکون ذلك من باب التملك والتمليك
الاختياري المنهي عنه.
وينبني على ما تقدم أن الخمر هل هي مال أو
لا؟ اختلف العلماء في ذلك:
فذهب الحنفية في الأصح عندهم، والمالكية إلى
(١) حديث: ((إن الذي حرم شربها حرم بيعها)) أخرجه مسلم
(١٢٠٦/٣ ط الحلبي).
(٢) حديث: ((إن اله ورسوله حرم ... )) أخرجه البخاري ومسلم
من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما مرفوعا. (فتح الباري
٤٢٤/٤ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد
عبدالباقي ١٢٠٧/٣ ط عيسى الحلبي).
- ٢٤ -

أشربة ٢٧ - ٢٨
أنها مال متقوم، (١) لكن يجوز إتلافها لغرض
صحيح، وتضمن إذا أتلفت لذمي .
في حين ذهب الحنفية - في مقابل الأصح -
والشافعية والحنابلة إلى أنها ليست بمال، وعلى هذا
فيجوز إتلافها، لمسلم كانت أو ذمي.
أما غير الخمر من المسكر المائع، فذهب
الجمهور ومحمد من الحنفية إلى أنه لا يجوز إتلافه
خلافا لأبي حنيفة وأبي يوسف. (٢)
وللتفصيل انظر في ذلك مصطلحي (بيع)،
و(إتلاف).
ضمان إتلاف الخمر أو غصبها :
٢٧ - اتفق الفقهاء على أن الخمر إن كانت لمسلم
فلا یضمن متلفها، واختلفوا في ضمان من أتلف
خمرا لذمي، فذهب الحنفية والمالكية إلى القول
بالضمان، وذهب الشافعية والحنابلة إلى القول
بعدم الضمان، لانتفاء تقومها كسائر النجاسات.
واتفقوا أيضا على أنه لا تراق الخمرة المغصوبة
من مسلم إذا كانت محترمة - وهي التي عصرت لا
بقصد الخمرية، وإنما بقصد التخليل - وترد إلى
المسلم، لأن له إمساكها لتصير خلا. والضمان هنا
(١) المتقوّم بكسر الواو المشددة: ما يباح الانتفاع به شرعا، وغير
المتقوم: ما لا يباح الانتفاع به شرعا، كالخمر والخنزير ونحوهما.
(تكملة فتح القدير ٣١/٩، وابن عابدين على الدر المختار
٢٨٩/٥)
(٢) ابن عابدين ٢٨٩/٥، ٢٩٢، وتكملة فتح القدير ٣١/٩،
والخطاب ٥/ ٢٨٠، والشرح الصغير ٤٧٤/٤، وشرح الروض
٣٤٤/٢، ومغني المحتاج ٢٨٥/٢، والمجموع ٢٢٧/٩،
٢٣٠، والمغني ٥/ ٢٢٢ - ٢٢٣ مطابع سجل العرب، والإنصاف
١٩٢/٥ و١٢٤/٦ -١٢٥، والمنتقى على الموطأ ١٥٨/٣،
والمهذب ٢٦١/١
إذا وجب على المسلم، فإنه يكون بالقيمة عند
الحنفية والمالكية لا بالمثل، لأن المسلم ممنوع عن
تلیکه وملکه إياها، لما فيه من إعزازها. وإذا وجب
لذمي على ذمي، فقد صرح الحنفية بأنه يكون
بالمثل. (١) وينظر أيضا مصطلح (إتلاف)
و(ضمان).
حكم الانتفاع بالخمر :
٢٨ - ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم الانتفاع
بالخمر للمداواة، وغیرها من أوجه الانتفاع،
کاستخدامها في دهن، أوطعام، أوبل طین.
واحتجوا بقوله #1: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما
حرم عليكم)). (٢) وأخرج مسلم في صحيحه وغيره
أن طارق بن سويد رضي الله عنه سأل النبي #
عن الخمر فنهاه۔ أو کرہ ان یصنعها ۔ فقال: إنما
أصنعها للدواء، فقال: ((إنه ليس بدواء، ولكنه
داء)) . (٣)
وقال الجمهور : يحد من شربها لدواء. (٤)
وذهب الشافعية إلى أن التداوي بالخمر حرام
في الأصح إذا کانت صرفا غير ممزوجة بشيء آخر
(١) البدائع ٢٩٣٦/٦، وحاشية ابن عابدين ٢٩٢/٥، وتبيين
الحقائق ٥/ ٢٣٤، ٢٣٥، والخطاب ٥/ ٢٨٠، والشرح الكبير
مع المغني ٥/ ٣٧٦، ونهاية المحتاج ٥/ ١٦٥، وحاشية القليوبي
على شرح المنهاج ٣/ ٣٠ وما بعدها.
(٢) حديث : «إن اله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)) أخرجه ابن
حبان (موارد الظمآن ص ٣٩ ط السلفية) وأبو يعلى كما في مجمع
الزوائد (٨٦/٥ - ط القدسي)، وقال الهيثمي: رجاله رجال
الصحیح ماعدا حسان بن مخارق.
(٣) حديث طارق بن سويد: ((إنه ليس بدواء ولكنه داء)) أخرجه
مسلم (٣/ ١٥٧٣ - ط الحلبي).
(٤) حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ٣٥٢/٤، ومغني المحتاج
١٨٨/٤، وكشاف القناع ١١٦/٦ - ١١٧، وبدائع الصنائع
٢٩٣٥/٦
- ٢٥ -

أشربة ٢٩ - ٣١
تستهلك فيه، ويجب الحدّ. أما إذا كانت ممزوجة
بشيء آخر تستهلك فيه، فإنه يجوز التداوي به عند
فقد ما يقوم به التداوي من الطاهرات، وحينئذ
تجري فيه قاعدة الضرورة الشرعية. وكذا يجوز
التداوي بذلك لتعجيل شفاء، بشرط إخبار طبيب
مسلم عدل بذلك، أو معرفته للتداوي به، وبشرط
أن یکون القدر المستعمل قليلا لا یسکر.
وذهب الإمام النووي إلى الجزم بحرمتها فقال:
المذهب الصحيح تحريم الخمر للتداوي . (١)
حكم سقيها لغير المكلفين :
٢٩ - يحرم على المسلم المكلف أن يسقي الخمر
الصبي، أو المجنون، فإن أسقاهم فالإِثم علیه لا
على الشارب، ولا حد على الشارب، لأن خطاب
التحريم متوجه إلى البالغ العاقل. (٢) وقد قال
#: (الخمر أُمُّ الخبائث))(٣) وقال: ((لعن الله الخمر
وشاربها وساقیھا وبائعها ومبتاعها وعاصرها
ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها)). (٤)
ويحرم أيضا على المسلم أن يسقي الخمر للدواب.
صرح بذلك المالكية والحنابلة.
(١) المجموع ٩/ ٥١، والقليوبي ٢٠٣/٤، ونهاية المحتاج ١٢/٨،
ومغني المحتاج ٤/ ١٨٨
(٢) البدائع ٢٩٣٥/٦، ومغني المحتاج ١٨٨/٤، وحاشية عميرة
على المحلي ٤/ ٢٠٢
(٣)، (٤) حديث: ((لعن الله الخمر ... )) أخرجه أبو داود
وابن ماجة وزیادة (وآکل ثمنها)، له من حديث ابن عمر
مرفوعا، وأخرجه الترمذي وابن ماجة من حديث أنس بن
مالك مرفوعا، ولفظ الترمذي: ((لعن رسول الله # في
الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها
والمحمولة إليه وساقیھا وبائعها وآکل ثمنها والمشتري ها
والمشتراة له». قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث =
الاحتقان أو الاستعاط(١) بالخمر:
٣٠ - ذهب الحنفية إلى أنه يكره تحريما الاحتقان
بالخمر (بأخذها حقنة شرجية) أو جعلها في سعوط،
لأنه انتفاع بالمحرّم النّجس، ولكن لا يجب الحد،
لأن الحد مرتبط بالشرب، فهو سبب تطبيق الحد.
ويلاحظ۔۔ کما سبق - أنه يستوجب عقوبة أخری
زاجرة بطريق التعزير.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الاحتقان بها
يعتبر حراما. وخلافهم مع الحنفية إنما هو في
التسمية، فالحنفية يسمون ما طلب الشارع تركه
على وجه الحتم والإِلزام بدليل ظني مكروها
تحريما، والجمهور يسمونه حراما. وهم يوافقون
الحنفية في أنه لا حد في حالة الاحتقان بالخمر، لأن
الحد للزجر، ولا حاجة للزجر في هذه الحالة، لأن
النفس لا ترغب في مثل ذلك عادة. ولكن الحنابلة
قالوا بوجوب الحد في حالة الاستعاط، لأن
الشخص أوصل الخمر إلى باطنه من حلقه. (٢)
حكم مجالسة شاربي الخمر :
٣١ - يحرم مجالسة شراب الخمر وهم يشربونها، أو
الأكل على مائدة يشرب عليها شيء من المسكرات
خمرا کان أو غيره، لقول النبي قاقير: ((من كان يؤمن
= أنس، قال الحافظ ابن حجر والمنذري: رجاله ثقات (عون
المعبود ٣٦٦/٣ ط الهند، وسنن ابن ماجة بتحقيق محمد
فؤاد عبدالباقي ٢/ ١١٢١، ١١٢٢ ط عيسى الحلبي،
وتحفة الأحوذي ٥١٦/٤، ٥١٧ نشر المكتبة السلفية،
والتلخيص الحبير ٧٣/٤ ط شركة الطباعة الفنية،
والترغيب والترهيب ٢٩٢/٤، ٢٩٣ ط مطبعة السعادة).
(١) استعاط الدواء إدخاله في الأنف.
(٢) نهاية المحتاج ١١/٨، والمغني ٣٠٧/٨، والشرح الكبير
٣٥٢/٤، وحاشية ابن عابدين مع الدر المختار ٥/ ٢٩٠
- ٢٦ -

أشربة ٣٢ - ٣٤
بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة یشرب عليها
الخمر)). (١)
نجاسة الخمر :
٣٢ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخمر نجسة
نجاسة مغلظة، کالبول والدم لثبوت حرمتها
وتسميتها رجسا.(٢) كما ورد في القرآن الكريم:
(إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام
رجس ... ) (٣) والرجس في اللغة: الشيء القذر
والنتن . (٤)
أما الأشربة الأخرى المختلف فيها فالحكم
بالحرمة يستتبع عندهم الحكم بنجاستها. (٥)
وذهب بعض الفقهاء، منهم ربيعة شيخ مالك
والصنعاني والشوكاني، إلى طهارتها، تمسكا
بالأصل، وحملوا الرجس في الآية على القذارة
المعنوية.(٦) أما البهيمة إذا سقيت خمرا، فهل تحل
أو تحرم لأجل الخمر؟ في المسألة تفصيل ينظر في
مصطلح (أطعمة).
(١) كشاف القناع ١١٨/٦. وحديث: ((من كان يؤمن ... ))
أخرجه الدارمي من حديث جابر رضي اله عنه مرفوعا، وأصله
في سنن أبي داود من حديث سالم عن أبيه بلفظ: ((نهى رسول الله
* عن مطعمين: عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر،
وأن يأكل (الرجل) وهو منبطح على بطنه)). قال أبو داود: هذا
الحديث لم يسمعه جعفر من الزهري وهو منكر. (سنن أبي داود
١٤٤/٤ ط استنبول، وسنن الدارمي ١١٢/٢ نشر دار إحياء
السنة النبوية).
(٢) المجموع ٢/ ٥٦٤
(٣) سورة المائدة / ٩
(٤) المصباح المنير .
(٥) حاشية ابن عابدين مع الدر المختار ٢٨٩/٥ - ٢٩١، وتبيين
الحقائق ٤٥/٦
(٦) ابن عابدين ٢٨٩/٥، والمجموع ٥٦٤/٢، والمغني ٣١٨/٨،
ومغني المحتاج ١٨٨/٤، والمحلى ١٦٣/١
أثر تخلل الخمر وتخليلها :
٣٣ - إذا تخللت الخمر بنفسها بغير قصد التخليل
يحل ذلك الخل(١) بلا خلاف بين الفقهاء. (٢) لقوله
*: ((نعم الأدم الخل)). (٣)
ويعرف التخلل بالتغير من المرارة إلى
الحموضة، بحيث لا يبقى فيها مرارة أصلا عند
أبي حنيفة ، حتى لوبقي فيها بعض المرارة لا يحل
شربہا، لأن الخمر عنده لا تصیر خلا إلا بعد
تکامل معنی الخلیة فیه. کما لا یصیر العصير خمرا
إلا بعد تكامل معنى الخمرية .
وقال الصاحبان: تصیر الخمر خلا بظهور قليل
من الحموضة فیها، اکتفاء بظهور الخلیة فیه، کما
أن العصیر یصیر خمرا بظهور دلیل الخمرية، کما
أشرنا في بیان مذهبهما.
تخليل الخمر بعلاج :
٣٤ - قال الشافعية والحنابلة، وهو رواية عن مالك
لا يحل تخليل الخمر بالعلاج كالخل والبصل والملح،
أو إيقاد نار عندها، ولا تطهر حينئذ، لأننا مأمورون
باجتنابها، فيكون التخليل اقترابا من الخمر على
وجه التمول، وهو مخالف للأمربالاجتناب، ولأن
الشيء المطروح في الخمر يتنجس بملاقاتها
(١) الخل معروف، والجمع خلول، سمي بذلك، لأنه اختل منه
طعم الحلاوة، يقال: اختل الشيء: إذا تغیر واضطرب (ر:
المصباح المنير).
(٢) المحلى ١/ ١١٧، والبحر الزخار ٤/ ٣٥١ وما بعدها، والروضة
البهية ٢٩٠/٢
(٣) وفي لفظ: ((نعم الإدام الخل)) رواه مسلم وأحمد وأصحاب السنن
الأربعة عن جابر بن عبدالله، وأخرجه مسلم عن عائشة، ورواه
الحاكم والبيهقي عن آخرين (نصب الراية ٤/ ٣١٠، والمقاصد
الحسنة للسخاوي ص ٤٤٧).
- ٢٧ -

أشربة ٣٤
فينجسها بعد انقلابها خلا، ولأن الرسول # أمر
بإِهراق الخمر بعد نزول آية المائدة بتحريمها.
وعن أبي طلحة أنه «سأل النبي ﴿﴿ عن أيتام
ورثوا خمرا، فقال: أهرقها، قال: أفلا أخللها؟
قال: لا))(١)
وعن ابن عباس ((أهدى رجل لرسول الله وَالڼ
راوية خمر، فقال له رسول الله وقالفيه: أما علمت أن
الله حرمها؟ فقال: لا، فساره رجل إلى جنبه،
فقال: بم ساررته؟ فقال: أمرته أن يبيعها، فقال له
رسول الله ګ#1: إن الذي حرم شربها حرم بيعها،
ففتح الرجل المزادتین حتى ذهب ما فيهما)). (٢)
(١) حديث: ((سأل أبو طلحة النبي # عن أيتام ورثوا خمرا ... ))
أخرجه أحمد وأبو داود والدارمي من حديث أنس بن مالك رضي
الله عنه: قال شعيب الأرناؤوط: إسناده قوي. وأصله في صحيح
مسلم من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ: ((أن النبي 18 سئل
عن الخمر تتخذ خلا؟ فقال: لا،(مسند أحمد بن حنبل
١١٩/٣ ط الميمنية وعون المعبود ٣٦٦/٣، ٣٦٧ ط الهند، وسنن
الدارمي ١١٨/٢ نشر دار إحياء السنة النبوية، وشرح السنة
للبغوي بتحقيق شعيب الأرناؤوط ٣٢/٨ نشر المكتب
الإسلامي).
وأجاب الطحاوي عن الحديث بأنه محمول على التغليظ
والتشدید، لأنه كان في ابتداء الإسلام، کما ورد ذلك في سؤر
الكلب. يعني أن ذلك المعنى قد انعدم في زماننا لاستقرار
التحریم، فلا محتمل الوقوع في الفساد، کما کان یحتمل ذلك في
مبدأ التحريم لتعلق النفوس بالخمر، فلو أبقيت الخمر في البيوت
حتى تتخلل على مدى الزمان، لأدى ذلك إلى وقوع الناس
بشربها.
وأجاب بعض الحنفية بأن حديث أبي طلحة مروي برواية
أخرى، ذكر فيها أن النبي # أذن بتخليلها، فتعارضت
الروايتان، فسقط الاحتجاج بالحديث (نصب الراية ٣١١/٤،
والبدائع ١١٤/٥).
(٢) حديث ابن عباس ((أهدى رجل .... )) رواه مالك في الموطأ
وأحمد ومسلم والنسائي (نيل الأوطار ١٦٩/٨، والمنتقى على
الموطأ ١٥٣/٣) والراوية: المزادة من ثلاثة جلود ويوضع فيها =
فقد أراق الرجل مافي المزادتين بحضرة النبي (18
ولم ینکر علیه، ولو جاز تخليلها لما أباح له إراقتها،
ولنبهه على تخليلها.
وهذا نهي يقتضي التحريم، ولو كان إلى
استصلاحها سبيل مشروع لم تجزإراقتها، بل
أرشدهم إليه، سيما وهي لأيتام يحرم التفريط في
أموالهم.
واستدلوا أيضا بإجماع الصحابة - كما يقولون -
فقد روى أسلم عن عمر رضي الله عنه أنه صعد
المنبر فقال: ((لا تأکل خلا من خمر أفسدت، حتى
يبدأ الله تعالی إفسادها، وذلك حین طاب الخل،
ولا بأس على امرىء أصاب خلا من أهل الكتاب
أن يبتاعه مالم يعلم أنهم تعمدوا إفسادها)) فعند
ذلك يقع النهي .(١) وهذا قول یشتهر بین الناس،
لأنه إعلان للحكم بين الناس على المنبر، فلم
ینکر أحد. وبه قال الزهري .
وظاهر الرواية عند الحنفية، والراجح عند
المالكية أنه يحل شربها، ويكون التخليل جائزا
أيضا،(٢) لأنه إصلاح، والإِصلاح مباح، قياسا
على دبغ الجلد، فإن الدباغ يطهره، لقوله %×:
((أيما إهاب دبغ فقد طهر))(٣) وقال عن جلد الشاة
= الماء. والمزادة: جلود يضم بعضها إلى بعض، يوضع فيها الماء.
(١) أثر عمر رواه أبو عبيد في كتاب الأموال بنحو من هذا المعنى ص
١٠٤ وما بعدها (المغني ٣٣٠/٨).
(٢) البدائع ١١٤/٥، وابن عابدين ٢٩٠/١، والمنتقى على الموطأ
١٥٣/٣ -١٥٤، وبداية المجتهد ١/ ٤٦١، والقوانين الفقهية
ص ٣٤
(٣) حديث: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)) أخرجه النسائي بهذا اللفظ
(١٧٣/٧ - ط المكتبة التجارية) ورواه مسلم (١/ ٢٧٧ ط
الحلبي) بلفظ: ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر)).
- ٢٨ -

:
أشربة ٣٥ - ٣٧
الميتة: ((إن دباغها یحله كما يحل خل الخمر)(١) فأجاز
النبي ﴿﴿ التخليل، كما ثبت حل الخل شرعا،
بدليل قوله﴿ أيضا: ((خير خلكم خل خمركم))(٢)
وبدليل قوله الذي سبق ذكره أيضا: ((نعم الأدم
الخل))، فإِنه لم يفرق بين التخلل بنفسه والتخليل،
فالنص مطلق. (٣) ولأن التخليل يزيل الوصف
المفسد، ويجعل في الخمر صفة الصلاح،
والإِصلاح مباح، لأنه يشبه إراقة الخمر.
وفي رواية ثالثة عن مالك - وهي المشهورة - أنه
على سبيل الكراهة.
تخليل الخمر بنقلها، أو بخلطها بخل :
٣٥ - إذا نقلت الخمر من الظل إلى الشمس، أو
بالعكس، ولو بقصد التخليل، فتخللت يحل الخل
الحاصل عند الحنفية والمالكية والشافعية.
والصحيح عند الحنفية: أنه لو وقعت الشمس على
الخمر بلا نقل، کرفع سقف کان فوقها، لا يحل
نقلها. وعلل الشافعية الحل بقولهم: لأن الشدة
المطربة (أي الإِسكار) التي هي علة النجاسة
والتحريم، قد زالت من غير أن تعقب نجاسة في
الوعاء، فتطهر.
وقال الحنابلة: إن نقلت الخمر من موضع إلى
آخر، فتخللت من غير أن يلقى فيها شيء، فإن لم
(١) حديث: ((إن دباغها محله كما يحل خال الخمر)) (يعني جلد الشاة
الميتة). أخرجه الدارقطني (٢٦٦/٤ - ط دار المحاسن) وقال:
تفرد به فرج بن فضالة وهو ضعيف.
(٢) حديث: ((خير خلكم خل خركم)) أخرجه البيهقي في المعرفة
وقال: تفرد به المغيرة بن زياد وليس بالقوي (نصب الراية
للزيلعي ٣١١/٤ - ط المجلس العلمي بالهند). ويلاحظ أن أهل
الحجاز يسمون خل العنب خل الخمر.
(٣) تبيين الحقائق للزيلعي ٤٨/٦
یکن قصد تخلیلها حلت بذلك، لأنها تخللت بفعل
الله تعالى، وإن قصد بذلك تخليلها احتمل أن
تطهر، لأنه لا فرق بينهما إلا القصد، فلا يقتضي
تحريمها. ويحتمل ألّ تطهر، لأنها خللت بفعل،
كما لو ألقي فيها شيء. (١)
إمساك الخمر لتخليلها :
٣٦ - اختلفوا في جواز إمساك الخمر بقصد تخلیلها.
فذهب الحنفية والشافعية إلى جوازه، وهذا الخل
عندهم حلال طاهر.
وذهب الحنابلة إلى تحريم إمساك الخمر بقصد
تخليلها، لكن يحل عندهم للخلال إمساك الخمر
لیتخلل، لئلا يضيع ماله. (٢)
طهارة الإِناء :
٣٧ - إذا تخللت الخمرة وطهرت - حسب اختلاف
أقوال العلماء السابقة في طهارتها أونجاستها - فإن
الإِناء الذي فيه الخمر يطهر أعلاه وأسفله عند
أكثرهم. وهناك اختلاف عند المالكية حول طهارة
(١) مغني المحتاج ٨١/١، وحاشيتي قليوبي وعميرة على شرح
المحلي ١/ ٧٢، والمغني ٣١٩/٨، وكشاف القناع ١/ ١٨٧،
والمبسوط ٢/٢٤، ٧، ٢٠، والبدائع ١١٢/٥ - ١١٤، ونتائج
الأفكار تكملة فتح القدير ١٥٥/٨، ١٦٦، وتبيين الحقائق
للزيلعي ٦/ ٤٤، ٤٨، والفتاوي الهندية ٤١٠/٢، والدر
المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٥/ ٣١٩، ومختصر الطحاوي
ص ٢٧٩، والخرشي مع خليل ٨٨/١، والخطاب ٩٧/١ - ٩٨،
والدسوقي ٥٢/١
(٢) البدايع ٢٩٣٧/٦، والهندية ٤١٠/٥، والدسوقي ١/ ٥٢،
والخطاب ٩٧/١، ومغني المحتاج ٨١/١ -٨٢، والمغني
٣١٩/٨، وكشاف القناع ١٨٧/١
- ٢٩ -

أشربة ٣٧، إشعار ١ - ٤
أعلى الإِناء، لكن في حاشية الدسوقي الجزم
بالطهارة. (١)
أما الحنفية فالمفتى به في مذهبهم أن أعلى الإِناء
يطهر تبعا. وذهب بعضهم إلى أن أعلاه لا يطهر،
لأنه خمريابسة إلا إذا غسل بالخل، فتخلل من
ساعته فيطهر. (٢)
إشعار
التعريف :
١ - الإِشعار: الإِعلام، يقال أشعر البدنة:
أعلمها، وذلك بأن يشق جلدها، أويطعنها في
سنامها في أحد الجانبین بمبضع أونحوه، ليعرف
أنها هدي. (٣)
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى
اللغوي . (٤)
الألفاظ ذات الصلة :
التقليد :
٢ - التقليد : وهو للبدنة ، أن يعلق في عنقها شيء
(١) حاشية الباجوري مع ابن القاسم ١١١/١، وحاشية الدسوقي
على الشرح الكبير ٥٢/١، والرهوني على الزرقاني ١/ ٧٤،
وكشاف القناع ١/ ١٨٧
(٢) حاشية ابن عابدين ٢٩٠/٥
(٣) لسان العرب المحيط مادة: (شعر). والمطلع على أبواب المقنع
ص ٢٠٥ - ٢٠٦
(٤) حاشية ابن عبدين ٢/ ١٩٧ ط بولاق، والمغني ٣/ ٥٤٩ ط
الرياض، وجواهر الإكليل ٢٠٣/١ ط المعرفة.
من نعل أونحوه، لیعلم أنها هدي، فليس في
التقليد خروج دم. والفرق ظاهر. (١)
صفته ( الحكم الإجمالي ) :
٣ - اختلف الفقهاء في حکم إشعار بدن الهدي
وهي الإِبل خاصة، فجمهور الفقهاء: (المالكية
والشافعية والحنابلة وصاحبا أبي حنيفة) على أنه
يسن إشعارها، لما روت عائشة رضي الله عنها أنها
قالت: ((فتلت قلائد هدي النبي ◌َ﴾، ثم أُشعرها
وقلدها))(٢) وفعله الصحابة، ولأنه إيلام لغرض
صحيح فجاز كالكي، والوسم، والفصد،
والحجامة، وتشعر البقرة كالإِبل لأنها من البُذْن.
وكره أبو حنيفة الإشعار للبدنة، لأنه مثلة
وإيلام، ولم يكره أبو حنيفة أصل الإشعار، وإنما
كره إشعار أهل زمانه الذي يخاف منه الهلاك، فأمّا
من قطع الجلد دون اللحم فلا بأس به، وهو
مستحب لمن أحسنه. (٣)
مواطن البحث :
٤ - أورد بعض الفقهاء مسألة إشعار البدن في الحج
عند الكلام عن الهدي، والبعض الآخر عند
الكلام عن النية عند الإِحرام.
(١) المطلع على أبواب المقنع ص ٢٠٦، والمبسوط ٤/ ١٣٧ ط دار
المعرفة .
(٢) حديث: ((فتلت قلائد هدي النبي ## ثم أشعرها) أخرجه
البخاري واللفظ له، ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها
(فتح الباري ٣/ ٥٤٤ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد
فؤاد عبد الباقي ٢/ ٩٥٧ ط عيسى الحلبي).
(٣) جواهر الإكليل ١٧٧/١، والمهذب ٢٤٢/١ - ٢٤٣، والمغني
٥٤٩/٣، والمبسوط ١٣٨/٤، وحاشية ابن عابدين ٢/ ١٩٧
- ٣٠ -
م

إشلاء ١ - ٤، إشهاد ١
إشلاء
التعريف :
١ - الإِشلاء في اللغة مصدر: أشلی الكلب إذا
دعاه باسمه، أما من قال: أشليت الكلب على
الصيد، فإنما معناه: دعوته فأرسلته على الصيد.
وقد ثبتت صحة إشلاء الكلب بمعنی إغرائه،
والمراد به التسليط على أشلاء الصيد، وهي
أعضاؤه.(١)
ولا يخرج استعمال الفقهاء للإِشلاء عن معنى
الإغراء(٢) والتسليط عليه.
الألفاظ ذات الصلة :
الزجر :
٢ - الزجريكون بمعنى: النهي والمنع بلفظ،
يقال: زجرته فانزجر، ويقال: زجر الصياد
الکلب: أي صاح به فانزجر، أي منعه عن متابعة
الصيد فامتنع، فالزجر على هذا ضد الإِشلاء. (٣)
(١) لسان العرب المحيط، والمغرب في ترتيب المعرب، ومعجم
مقاييس اللغة، والنهاية في غريب الحديث والأثر. مادة: (شلا).
(٢) المبسوط ٢٢٣/١١ ط السعادة، والخطاب ٢١٦/٣-٢١٨،
وحلية العلماء للقفال ٣٦٩/٣ ط الرسالة، وكشاف القناع
٢٢٤/٦ ط مكتبة النصر الحديثة.
(٣) لسان العرب المحيط .
صفته ( الحكم الإجمالي ) :
٣ - استجابة الكلب للإِشلاء - بمعنى الدعاء - لا
يكون علامة على كون الجارح معلما، وخاصة
الكلب، لأنه ألوف يأتي إلى صاحبه بمجرد
الدعاء، وعلامة التعلم هنا: أن يأتي بما يكون
مخالفا لطبعه.
أما استجابة الكلب للإِشلاء - بمعنى التسليط
والزجر - فقد عده جمهور الفقهاء من علامة كون
الكلب معلما، بحيث يستجيب لهذا الإِشلاء،
فینفذ ما یریده صاحبه.(١)
مواطن البحث :
٤ - استعمل الفقهاء الإشلاء في باب الصيد عند
الكلام عن شروط حل الصيد.
إشهاد
التعريف :
١ - الإِشهاد في اللغة : مصدر أشهد، وأشهدته
علی کذا فشهد عليه أي: صار شاهدا، وأشهدني
عقد زواجه: أي أحضرني.(٢)
ولا يخرج استعمال الفقهاء للإِشهاد عن هذين
المعنيين.
(١) المبسوط ٢٢٢/١١ -٢٢٣، والمدونة ٢/ ٥١ ط دار صادر،
ونهاية المحتاج مع حواشيه ١١٦/٨ ط الحلبي، وكشاف القناع
٢٢٤/٦
(٢) الصحاح، والمغرب مادة :. (شهد) وتكملة فتح القدير ٣٤١/٨
- ٣٤٢
- ٣١ -

إشهاد ٢ - ٦
وسيقتصر البحث على الإِشهاد بالمعنى الأول
وهو: طلب تحمل الشهادة.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الشهادة :
٢ - قد تكون الشهادة دون سبق إشهاد، تحصل
بطلب أو دونه، والإِشهاد هو طلب تحمل الشهادة.
ب - الاستشهاد :
٣ - الاستشهاد يأتي بمعنى الإشهاد، أي طلب
تحمل الشهادة، كما في قوله تعالى: (واستشهدوا
شهیدین من رجالکم، فإن لم یکونا رجلين فرجل
وامرأتان)(١)
وقد يأتي الاستشهاد بمعنى طلب أداء
الشهادة . (٢)
کما یأتي الاستشهاد بمعنى أن يقتل في سبيل
الله .
ج - الإعلان (والإشهار).
٤ - قد یتحقق الإعلان دون الإِشهاد، کما لو أعلنوا
النكاح بحضرة صبيان، أو أمام نساء. (٣)
وقد يتحقق الإشهاد دون الإعلان، کإشهاد
رجلین علی النكاح واستکتامهما.
(١) سورة البقرة / ٢٨٢
(٢) طلبة الطلبة ص ١٣٢، والنظم المستعذب ١٠٤/٢، ٣٢٥ط
مصطفى الحلبي، والإقناع ٦٦/٤، والخرشي ٧/ ١٨٨
(٣) فتح القدير ٣٥٢/٢ ط بولاق، ونهاية المحتاج ٦/ ١١٧ ط
الحلبي.
صفته (حكمه التكليفي) :
٥ - الإشهاد تعتريه الأحكام الخمسة، فیکون
واجبا کما في النكاح،(١) ویکون مندوبا، کالإشهاد
في البيع(٢) عند أكثر الفقهاء، وجائزا كما في البيع (٣)
عند البعض، ومكروها كالإِشهاد على العطية، أو
الهبة للأولاد إن حصل فيها تفاوت عند البعض،
وحراما كالإشهاد على الجور. (٤)
وذهبت طائفة من أهل العلم إلى إيجاب
الإشهاد في كل ما ورد الأمر به . (٥)
مواطن الإشهاد :
رجوع الأجنبي بقيمة ما جهز به الميت إذا أشهد:
٦ - ذهب الحنفية والشافعية إلى أن الأجنبي أو
الغریب۔ الذي لا يلزمه تجهيز الميت - لو کفن الميت
كفن المثل، وكذا كل ما يلزمه، فإنه يرجع بقيمة
ما دفع إن نوی الرجوع، وأشهد بذلك، غير أن
الإشهاد عند الشافعية لا يعتد به إلا بعد العجز عن
استئذان الحاکم، وکان مال المیت غائبا، أو امتنع
من يلزمه تجهيز الميت عن ذلك. (٦)
وعند الحنابلة : لا يشترط الإِشهاد للرجوع،
ويرجع إن نوى الرجوع، أشهد أولم يشهد،
(١) العناية على الهداية ٢/ ٣٥١ ط بولاق الأولى، ونهاية المحتاج
٢١٣/٦، والخطاب ٤٠٨/٣ - ٤١٠
(٢) الطحطاوي على الدر ٢٢٨/٣، وتبصرة الحكام ١٨٦/١
(٣) المجموع ٩/ ١٥٥ ط المنيرية .
(٤) معين الحكام ص ١٠٢، ونهاية المحتاج ٥/ ٤١٢، ومطالب أولى
النهي ٤/ ٤٠٠، ٤٠٢، والفروع ٦٠٦/٢
(٥) تبصرة الحكام ١٨٦/١، ١٨٧، والمغني ٣٠٢/٤
(٦) ابن عابدين ٤٥٨/٥ ط بولاق الأولى، والجمل على المنهج
١٦٣/٢
- ٣٢ -

إشهاد ٧ - ٨
استأذن الحاكم أولا.(١) ولم أقف على حكم
اشتراط الإشهاد عند المالكية . (٢)
الإشهاد على إخراج زكاة الصغير :
٧ - أغلب الفقهاء ممن أوجبوا الزكاة في مال الصغير
لا يطلبون الإشهاد على إخراجها. (٣)
ويشهد الوصي عند ابن حبيب من المالكية على
إخراج زكاة مال الصغير، فإن لم يشهد وكان
مأمونا صدق، وغير المأمون هل يلزمه غرم المال أو
يحلف؟ لم يجد الخطاب فيه نصا. وكالزكاة عنده
زكاة الفطر. (٤)
الإشهاد في البيع :
الإشهاد على عقد البيع :
٨ - الإشهاد على عقد البيع أقطع للنزاع، وأبعد
عن التجاحد، لذلك ينبغي الإشهاد عليه عند
عامة الفقهاء. إلا أنهم يختلفون في حكمه
التکلیفي، ولهم في ذلك ثلاثة آراء:
أ - ندب الإشهاد فيما له خطر: وهو قول الحنفية
والمالكية والحنابلة، وهو ما جاء في بعض كتب
الشافعية، واستدلوا على ذلك بقول الله سبحانه :
(وأشهدوا إذا تبايعتم).(٥) حملوا الأمر على
الندب، وصرفه عن الوجوب عندهم أدلة كثيرة
منها: أن النبي # اشترى من يهودي طعاما بنسيئة
(١) كشاف القناع ٤٠٢/٤ نشر مكتبة النصر.
(٢) منح الجليل ٣/ ٩٧
(٣) الخطاب ٦/ ٣٩٩، ونهاية المحتاج ٣/ ١٢٧، وقواعد ابن رجب
ص ٦٤
(٤) الخطاب ٦/ ٣٩٩
(٥) سورة البقرة / ٢٨٢
فأعطاه درعا له رهنا، (١) واشترى من رجل
سراويل، (٢) ومن أعرابي فرسا(٣) فجحده الأعرابي
حتى شهد له خزيمة بن ثابت، ولم ينقل أنه أشهد
في شيء من ذلك، ولأن الصحابة کانوا یتبایعون في
عصره في الأسواق فلم يأمرهم بالإِشهاد ولا نقل
عنهم فعله.
أما الأشياء القليلة الخطر كحوائج البقال
والعطار وشبههما، فلا يستحب ذلك فيها، لأن
العقود تكثر فيشق الإشهاد عليها وتقبح إقامة البينة
(١) حديث: ((اشترى رسول اله# من يهودي ... )). أخرجه
البخاري، ومسلم واللفظ له من حديث عائشة رضي الله عنها
(فتح الباري ٤٣٣/٤ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد
فؤاد عبدالباقي ١٢٢٦/٣ ط عيسى الحلبي).
(٢) حديث: ((شراء النبي # سراويل)) أخرجه أحمد بن حنبل
والترمذي وابن ماجة والحاكم من حديث سويد بن قيس ولفظ
الترمذي : ((جلبت أنا ونخرفة العبدي بزا من هجر فجاءنا النبي
* فساومنا بسراويل، وعندي وزان يزن بالأجر فقال النبي !
للوزان: زن وأرجح». وقال الترمذي: حديث سوید حديث
حسن صحيح، وقسال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم
يخرجاه، وأقره الذهبي (مسند أحمد بن حنبل ٤/ ٣٥٢ط الميمنية،
وتحفة الأحوذي ٤/ ٥٣٢، ٥٣٣ نشر المكتبة السلفية، وسنن ابن
ماجة بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٢/ ٧٤٧، ٧٤٨ط عيسى
الحلبي، والمستدرك ٢/ ٣٠، ٣١ نشر دار الكتاب العربي).
(٣) حديث: ((اشترى من أعرابي فرسا نجحده
الأعرابي ... )). أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، والحاكم من
حديث عم عمارة بن خزيمة الأنصاري مطولا والحديث سكت
عنه أبو داود والمنذري، وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد
ورجاله باتفاق الشيخين ثقات ولم يخرجاه، وأقره الذهبي (مسند
أحمد بن حنبل ٢١٥/٥، ٢١٦ نشر المكتب الإسلامي، وعون
المعبود ٣/ ٣٤٠، ٣٤١ ط الهند، وسنن النسائي ٧/ ٣٠١، ٣٠٢
ط المطبعة المصرية بالأزهر، والمستدرك ١٧/٢، ١٨ نشردار
الكتاب العربي، والفتح الرباني للبناء الساعاتي ٠٥،٥٤/١٩
الطبعة الأولى ١٣٧٠هـ).
- ٣٣ -

إشهاد ٩ - ١١
عليها، والترافع إلى الحاكم من أجلها،بخلاف
الكبيرة الخطر.(١)
ب- جواز الإشهاد، وهو قول الشافعية، قالوا:
إن الأمر في الآية للإرشاد، لا ثواب فیه إلا لمن قصد
الامتثال. (٢)
ج - وجوب الإشهاد : وهو قول طائفة من أهل
العلم، روي ذلك عن ابن عباس، وممن رأى
وجوب الإِشهاد على البيع عطاء، وجابر بن زيد،
والنخعي لظاهر الأمر، ولأنه عقد معاوضة فيجب
الإشهاد عليه كالنكاح. (٣)
طلب الإشهاد من الوكيل بالبيع :
٩ - ذهب الحنفية، والشافعية إلى أن الموكل لو أمر
الوكيل بالبيع والإِشهاد، فباع ولم يشهد، فالبيع
جائز، لأنه أمره بالبيع مطلقا، وأمره بالإِشهاد كان
معطوفا على الأمر بالبيع، فلا يخرج به الأمر بالبيع
من أن يكون مطلقا، ألا ترى أن الله عز وجل أمر
بالإِشهاد على البيع فقال تعالى: (وأشهدوا إذا
تبایعتم)(٤) ثم من باع ولم یشهد کان بيعه جائزا،
أما إذا شرط عليه الإِشهاد، كقوله: بع بشرط أن
تشهد فقد قال الشافعية: إنه يوجب الإِشهاد (6) ولا
يلزم الموكل بدونه إلا بإجازته .
(١) الطحطاوي على الدر ٢٢٨/٣، وأحكام القرآن للجصاص
٣٧٢/١، ٣٧٣ ط البهية، وتبصرة الحكام ١٨٦/١، والمجموع
١٥٥/٩ نشر المكتبة السلفية، والمغني ٣٠٢/٤، ٣٠٣ ط
الرياض، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ١٥٧ ط الرياض.
(٢) الجمل على المنهج ٧٨/٣
(٣) المغني ٣٠٢/٤
(٤) سورة البقرة / ٢٨٢
(٥) المبسوط ٧٨/١٩، وأشباه ابن نجيم ص ٨٣ ط الحسينية،
والقليوبي ١٥٤/٢
ولم أقف على حكم هذه المسألة عند المالكية
والحنابلة.
الإشهاد على بيع مال الصغير نسيئة :
١٠ - ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يجب
الإِشهاد على بيع مال الصغير نسيئة خوف
جحده، (١) قال الشافعية: ولو ترك الإِشهاد بطل
البيع على المعتمد، (٢) فإن عسر الإِشهاد كأن كان
يبيع الوصي أو الأمين شيئا فشيئا من مال الصغير،
فإنه يقبل قولهما، فإن باعا مقدارا كبيرا جملة فلابد
من الإِشهاد.(٣)
ولا يجب الإِشهاد عند الحنفية على بيع مال
الصغير نسيئة، وهو قول المالكية بالنسبة للأب، (٤)
أما الوصي ففيه قولان. أحدهما يصدق بلا بينة،
والثاني تلزمه البينة . (٥)
الإشهاد على سائر العقود :
١١ - الإِشهاد على سائر العقود والتصرفات حكمه
حكم الإِشهاد على البيع عند الحنفية والشافعية،
باستثناء النكاح عندهما، والرجعة عند الشافعية،
فالإِشهاد واجب وسيأتي تفصيل ذلك.(٦)
وعند المالكية سائر الحقوق والمداينات كالبيع
يسن الإِشهاد فيها ما لم يتعلق بها حق للغير
(١) شرح الروض ٧٣/٣، ونهاية المحتاج ٣٦٦/٤، ومطالب أولي
النهي ٤١٠/٣
(٢) الجمل على المنهج ٣٤٨/٣
(٣) الشبراملسي على النهاية ٤/ ٣٧٠
(٤) الفتاوى البزازية ٥/ ٢٢١
(٥) الدسوقي ٢٩٩/٣
(٦) الطحطاوي على الدر ٢٢٨/٣، والمجموع ٩/ ١٥٤
- ٣٤ -

إشهاد ١٢ - ١٥
فيجب، وكذا إن لم يتعلق بها حق للغير وطلب
الإشهاد أحد العاقدين. (١) وذكر التسولي في شرح
التحفة ما يفيد وجوب الإشهاد في عقود التبرعات
کالوقف، والهبة، والوصية، وكذلك کل ماکان من
غير عوض كالتوكيل والضمان ونحوهما، حيث
جعل الإشهاد في هذه شرط صحة. (٢)
:
الإشهاد عند الامتناع عن تسليم وثيقة الدين :
١٢ - لو كان لرجل حق على آخر بوثيقة، فدفع
الذي عليه الحق ما عليه، وطلب الوثيقة منه أو
حرقها، فالمالكية والحنابلة على أنه لا يلزم دفع
الوثیقة، وإنما للمدین أن یشهد علی صاحب
الدین وتبقى الوثیقة بیده، لأنه يدفع بها عن نفسه،
إذ لعل الذي كان عليه الدين أن يستدعي بينة قد
سمعوا إقرار صاحب الدین بقبضه منه، أو حضروا
دفعه إليه، ولم يعلموا على أي وجه كان الدفع،
فیدعي أنه إنما دفع إليه ذلك المال سلفا أو ودیعة،
ويقول: هات بينة تشهد لك أن ما قبضت مني هو
من حق واجب لك، فبقاء الوثيقة وقيامه بها يسقط
هذه الدعوى التي تلزمه، وقال الحنابلة: لأنه ربما
خرج ما قبضه مستحقا فیحتاج إلى حجة بحقه،
قالوا: ولا يجوز لحاكم إلزامه. (٣) وقال عيسى بن
دينار وأصبغ: له أخذ الوثيقة، وبه قال شارح
المنتهى من الحنابلة (٤) ولم نقف على حكم ذلك
(١) تبصرة الحكام ١٨٦/١
(٢) البهجة شرح التحفة على الأرجوزة ٢٢٨/٢
(٣) الخطاب ٥/ ٥٥، ٥٦، والفروع ٦٠٦/٢
(٤) الخطاب ٥٥/٥، ٥٦ وشرح منتهى الإرادات ٣١٩/٢
عند فقهاء الحنفية والشافعية . (١)
الإشهاد على قضاء الدين عن الغير :
١٣ - لوقضى الرجل دين غيره ونوى الرجوع فإن
جمهور الفقهاء لا يشترطون الإِشهاد على قضاء
الدين ونية الرجوع.
وقال القاضي من الحنابلة: الإِشهاد على نية
الرجوع شرط للرجوع، لأن العرف جرى على أن
من دفع دين غيره من غير إشهاد كان متبرعا. (٢)
الإشهاد على رد المرهون:
١٤ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة في الصحيح
عندهم إلى أن المرتهن لوادعى رد العين المرهونة
وأنكر الراهن، فالقول قول الراهن، ولا يصدق
المرتهن إلا ببينة. (٣)
وقواعد الحنفية تقضي بقبول قول المرتهن، لأنه
أمين، والأمين مصدق فيما يدعيه، ويوافق الحنابلة
- في مقابل الأصح - في هذا الحنفية. (٤)
الإشهاد عند إقراض مال الصغير :
١٥ - يشترط الإِشهاد على إقراض الولي مال
الصغير عند الشافعية، أما عند بقية الفقهاء الذين
أجازوا تسليف مال الصغير، فيجوز عندهم
(١) المحلي على المنهاج ٤/ ٣٠٤، واللجنة ترى أن ما تعورف عليه
من أخذ الوثيقة أو إلحاق بيان بحصول الوفاء مما تقتضيه طبيعة
التعامل، ولا يخالف نصا شرعيا، فإن جرى عرف بذلك التزم.
(٢) جامع الفصولين ٢/ ١٥٦، ١٦٢، والبهجة شرح التحفة
١٨٩/١ نشر دار المعرفة والقليوبي ٣٣١/٢، ٣٣٢، وقواعد
ابن رجب ص ١٣٧
(٣) الشرح الصغير ٣٣٨/٣ ط دار المعارف، والباجوري على ابن
قاسم ٣٧٨/١، والإنصاف ٥/ ١٦٩
(٤) الاختيار ٢/ ٦٥ ط مصطفى الحلبي، وأشباه ابن نجيم ص
٢٧٥، وابن عابدين ٥٠٦/٤، والإنصاف ١٦٩/٥
- ٣٥ -

إشهاد ١٦ - ١٨
الإقراض بلا إشهاد، وإن کان الإشهاد حينئذ أولى
احتياطا . (١)
الإشهاد على الحكم بالحجر :
١٦ - للفقهاء في الإشهاد على الحجر رأيان :
أحدهما: الوجوب، وهو قول الصاحبين من
الحنفية في الحجر على المدين، وإنما وجب الإشهاد
لأن الحجر حكم من القاضي ويتعلق به أحكام،
وربما يقع فيه التجاحد فیحتاج إلی إثباته، ویأخذ
السفيه حكم المدين في الحجر وما يترتب عليه، (٢)
أما أبو حنفية فإنه يمنع الحجر علیھما، وإن كان
يرى الحجر على من يترتب على تصرفاته ضرر
عام، كالطبيب الجاهل والمفتي الماجن والمكاري
المفلس. (٣)
ووجوب الإشهاد هوما يؤخذ من قواعد
المالكية، وفروعهم. جاء في الحطاب: من أراد أن
يحجر على ولده أتی الإمام ليحجر عليه، ویشهر
ذلك في المجامع والأسواق، ويشهد على ذلك.
ولأنه يتعلق به حق للغير فوجب الإِشهاد عليه . (٤)
ووجوب الإشهاد وجه محكي عند الشافعية في
الحاوي والمستظهري عن أبي علي بن أبي هريرة في
حجر السفیه، ووصفوه بأنه شاذ.(١)
الثاني : استحباب الإشهاد، وهو قول الشافعية
والحنابلة، سواء أكان الحجر لمصلحة الإنسان نفسه
أم بسبب الدين. (٢) والحاكم هو الذي يشهد. (٣)
الإشهاد على فك الحجر :
١٧ - الصبي إذا بلغ رشیدا، وکان ولیه هو الأب
فلا يحتاج في فك الحجر إلى إشهاد. لأنه وليه
بحكم الشرع. أما إذا بلغ سفيها فالحجر عليه
وفکه عنه من القاضي، ولا بد فيه من إشهاد.
أما إذا كان القائم عليه الوصي المختار أو
الوصي من القاضي فإنه يحتاج في فك الحجر عنه
إلى الإشهاد والإشهار، لأن ولايتهما مستمدة من
القاضي . (٤)
الإِشهاد على دفع المال إلى الصغير بعد بلوغه:
١٨ - للفقهاء في الإشهاد على تسليم مال الصغير
إذا بلغ رأیان:
الأول : وجوب الإشهاد، وهو الصحيح عند
الشافعية،(٥) وبه قال مالك، وابن القاسم، (٦)
عملا بظاهر الأمر في قوله تعالى (فإذا دفعتم إليهم
(١) جامع الفصولين ١٣/٢، ١٤، والخطاب ٦/ ٤٠٠، والقليوبي
٢٠٨/٢
(٢) ومقتضى الحجر هنا على هؤلاء وأمثالهم يقتضي الإشهاد
والإشهار (اللجنة)
(٣) شرح أدب القاضي للخصاف ٣٨٨/٢، وأحكام القرآن
للجصاص ٥٨٢/١ ط البهية
(٤) الخطاب ٦٤/٥، وأحكام القرآن للجصاص ٥٨٢/١، وتبصرة
الحكام ١٨٧/١
(١) روضة الطالبين ٤/ ١٩١
(٢) شرح الروض ١٨٤/٢، ٢١٤، والروضة ٤/ ١٣٠، ١٩١،
والمغني ٤/ ٥٢٠، وشرح منتهى الإرادات ٢٧٧/٢
(٣) المراجع السابقة.
(٤) الشرح الصغير ٣٨٣/٣ ط دار المعارف والدسوقي ٢٩٦/٣
(٥) تفسير الفخر الرازي ١٩٢/٩ ط البهية الأولى.
(٦) التاج والإكليل ٦/ ٤٠٥
- ٣٦ -

إشهاد ١٩ - ٢١
أموالهم فأشهدوا علیهم)،(١) ولا يصدق الدافع في
دعوی رد مال الصغیر حتی یشهد. (٢)
الثاني : استحباب الإِشهاد، وهو قول الحنفية،
والحنابلة، للاحتياط لكل واحد من اليتيم وولي
ماله، وهو قول ضعيف للشافعية، فأما اليتيم،
فلأنه إذا قامت علیه البينة كان أبعد من أن يدعي
ما ليس له، وأما الوصي فلأنه يبطل دعوى اليتيم
بأنه لم يدفعه إليه. (٣)
ويصدق في دعوى الرد عند أبي حنيفة
وأصحابه. (٤) وعند الشافعية في مقابل
الصحيح. (٥)
وقریب من قول الحنفية والحنابلة، قول ابن
الماجشون وابن عبدالحكم من المالكية، أنه يصدق
الوصي بيمينه وإن لم يشهد ولوطال الزمان، على
ما هو المعروف من المذهب، وفي الموازية: إن طال
الزمان کعشرين سنة یقیمون معه ولا يطلبون،
فالقول قوله بیمینه، لأن العرف قبض أموالهم إذا
رشدوا، وجعل ابن زرب الطول ثمانية أعوام. (٦)
الإشهاد على ما وكل في قبضه :
١٩ - عند تنازع الوکیل والموکل في دعوى على ما
وكل في قبضه، فالوكيل كالمودع عند الحنفية في أنه
أمين، إلا الوكيل بقبض الدين إذا ادعى بعد موت
(١) سورة النساء/ ٤
(٢) الفخر الرازي ١٩٢/٩، والتاج والإكليل ٤٠٥/٦
(٣) أحكام القرآن للجصاص ٥٩/٢، ٨٢، ومطالب أولي النهى
٤٠٢/٣، والقليوبي ٢/ ٣٥١
(٤) الفخر الرازي ١٩٢/٩
(٥) القليوبي ٣٥١/٢
(٦) الزرقاني على خليل ٢٠٣/٨
الموكل أنه قبضه ودفعه في حال حياته، لم يقبل قوله
إلا ببينة،(١) والوکیل کالمودع أيضا عند الاختلاف
في الرد عند المالكية والشافعية، (٢) وكذا الوکیل بغير
أجر عند الحنابلة لا يختلف عن المودع يقبل قوله بلا
إشهاد، فإن کان وکیلا بأجر ففیه وجهان ذکرهما
أبو الخطاب، (٣) وهو قول ضعيف للشافعية. (٤)
إشهاد الوکیل بقضاء الدین ونحوه:
٢٠ - يتفق الفقهاء على أن الموكل إذا دفع للوكيل
مالا وأمره بقضاء الدين وبالإِشهاد على القضاء،
ففعل ولم يشهد، وأنكر المستحق، فالوكيل يضمن
ويصدق المستحق، فإن أمره بقضاء الدين ولم يأمره
بالإِشهاد فقال: قبضته، وأنكر المستحق، فإن
المستحق یصدق باتفاق، ولا يقبل قول الوكيل على
الغريم، وله مطالبة الموكل، لأن ذمته لا تبرأ بالدفع
إلى وكيله. (٥)
وتفصيل ذلك في (الوكالة والشهادة).
الإشهاد على الوديعة :
إشهاد المودع :
٢١ - ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أنه
يستحب الإشهاد عند تسليم الوديعة إلى الوديع
(١) الأشباه والنظائر لابن نجیم ص ٢٧٥
(٢) الخرشي ٦/ ٨٢، والزرقاني على خليل ٨٧/٦، والقليوبي
٣٥١/٢، وشرح الروض ٣/ ٨٥
(٣) المغني ٥/ ١٠٥، ومطالب أولي النهى ٣/ ٤٧٧
(٤) القليوبي ٢/ ٣٥٠
(٥) المبسوط ٧١/١٩، والزرقاني على خليل ٦/ ٨٥، ونهاية المحتاج
٦٢/٥، والمغني ١١٣/٥
- ٣٧ -
:

إشهاد ٢٢ - ٢٤
للاستیثاق، قياسا على البيع. وظاهر نصوص
الحنابلة الجواز. (١)
الإشهاد على رد الوديعة إلى مالكها :
٢٢ - فقهاء الحنفية والحنابلة والأصح عند
الشافعية، لا یلزم عندهم أن یشهد المودع علی رد
الودیعة إلى مالكها، لأنه مصدق في الرد على
المودع فلا فائدة في الإشهاد،(٢) وعدم لزوم الإشهاد
قول المالكية إن كان المودع أخذها دون إشهاد، (٣)
فإن أخذها بإشهاد فإنه لا يبرأ في دعوى الرد إلا
ببينة، لأنه حين أشهد عليه لم يكتف بأمانته، ولا بد
أن تكون البينة مقصودة للتوثق، أما إذا دفعها أمام
شهود، ولم يشهد عليها، فليس بشهادة حتى
یقول: اشهدوا بأني استودعته كذا وكذا. (٤)
ولو تبرع الوديع بالإِشهاد على نفسه فلا يبرأ إلا
بإشهاد. (٥)
ولزوم الإِشهاد على الرد - إن أخذها المودع
بإشهاد - رواية عن أحمد، وخرجها ابن عقيل على
أن الإشهاد على دفع الحقوق الثابتة بالبينة واجب،
فیکون تركه تفريطا فيجب فيه الضمان . (٦)
(١) أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٨٣، وتبصرة الحكام ١٨٦/١،
والمجموع ١٥٤/٩، وشرح الروض ٧٥/٣، والإقناع
للحجاوي ٣٧٨/٢
(٢) المبسوط ٢١/ ٦٠ نشر دار المعرفة، وأحكام القرآن للجصاص
٨٣/٢، وحواشي شرح الروض ٨٤/٣، والمغني ٣٩٦/٦،
وكشف المخدرات ص ٣٠٣ ط السلفية
(٣) الخرشي ١١٦/٦ نشر دار صادر، ومنح الجليل ٤٧٦/٣ ط
ليبيا.
(٤) كفاية الطالب الرباني ٢٢١/٢، وأحكام القرآن لابن العربي
٣٢٧/١
(٥) منح الجليل ٤٧٦/٣
(٦) الإنصاف ٣٣٨/٦ الطبعة الأولى، وتصحيح الفروع ٦٠٥/٢
ط المنار.
فإذا قال المودع : لا أرد حتى تشهد، فمن قال
يقبل قوله بيمينه - وهم الشافعية في وجه، ورواية
عن أحمد - وذلك حيث يكون عليه بينة بالوديعة -
فليس له التأخير حتی یشهد، لوجود ما يبرىء به
ذمته، وهو قبول قوله بیمینه.(١)
الإشهاد في الرد على رسول المالك أو وكيله :
٢٣ - ذهب المالكية ، وهو ما صححه البغوي من
الشافعية إلى أن الوديع إن رد الوديعة على رسول
المالك أو وكيله فله التأخير حتى يشهد، (٢) فإن لم
یشهد فلا یصدق في دعوی التسلیم إلی الرسول أو
الوکیل.
وذهب الحنابلة، وهو ما صححه الغزالي من
الشافعية إلى أنه يصدق بيمينه ولو لم يشهد. (٣)
ولم يصرح الحنفية بالإِشهاد في الرد على
الوكيل، لكنهم قالوا: يضمن المودع إن سلم
الوديعة دون عذر لغير المالك، ومن لم يكن من
عيال الوديع الذين يحفظ بهم ماله عادة. وهذا يدل
على أن الأولى الإِشهاد ليدرأ الضمان عن نفسه في
حال الجحود . (٤)
الإِشهاد عند قيام بعض الأعذار بالمودع :
٢٤ - المالكية يلزمون بالإِشهاد على الأعذار التي
تمنع من بقاء الوديعة تحت يده، ويكون بمعاينة
العذر، ولا يكفي قوله: اشهدوا أني أودعها
لعذر. (٥)
(١) تبيين الحقائق ٧٧/٥، والروضة ٣٤٥/٤، ٣٤٤/٦، والفروع
وتصحيحه ٦٠٥/٢
(٢) منح الجليل ٣/ ٤٧٤، والروضة ٣٤٥/٦ - ٣٤٦
(٣) الإنصاف ٣٣٩/٦، ٣٥٢، والفروع ٧٨٩/٢، والروضة
٣٤٦/٦
(٤) المبسوط ١١/ ١١٣، ١٢٤
(٥) منح الجلیل ٣/ ٣٦٥
- ٣٨ -

إشهاد ٢٥
ولا يخالف الحنفية في وجوب الإشهاد على
الأعذار، إذ لا يصدق المودع عندهم إن دفعها
لأجنبي لعذر إلا ببينة .(١)
وعند الشافعية إن تعذر الرد إلى المالك فإنه
يسلمها إلى القاضي، ويشهد القاضي على نفسه
بقبضها كما قاله الماوردي، والمعتمد خلافه، فإن
فقد القاضي سلمها لأمين. وهل يلزمه الإِشهاد
علیها؟ وجهان حکاهما الماوردي أوجههما عدمه .
كما في مسألة القاضي . (٢) هذا إن أراد سفرا.
والحريق والإِغارة عذران كالسفر.
فإذا مرض مرضا مخوفا، وعجز عن الرد إلى
الحاكم أو الأمين، أشهد وجوبا على الإِيصاء بها
إليهما. (٣) ولم ينص الحنابلة على الإِشهاد عند قيام
الأعذار بالمودَع، (٤) ولا يضمن المودع عندهم إن
سلمها لأجنبي لعلة، كمن حضره الموت أو أراد
سفرا. (٥)
الإشهاد في الشفعة :
٢٥ - الشفيع إما أن يكون حاضرا وقت البيع أو
غائبا، فإن كان حاضرا فإنه يلزمه لثبوت الشفعة
طلبها على الفور، عند الحنفية والشافعية
والحنابلة .
على أن الحنفية قالوا: إن الأصل إشهاد الشفيع
(١) تبيين الحقائق ٥/ ٧٧ نشر دار المعرفة، والمبسوط ١٢٥/١١
(٢) اللجنة ترى أن الإشهاد من القاضي على نفسه هنا مسألة
إجرائية، تخضع لتبدل الأوضاع الزمنية كالاكتفاء بإثبات ذلك في
سجل المحكمة أو بعض الجهات الضابطة المعتمدة.
(٣) نهاية المحتاج والشبراملسي عليها ٦/ ١١٧، ١١٨
(٤) الإنصاف ٦/ ٣٢٩ وما بعدها.
(٥) مطالب أولي النهى ٤ / ١٥٥
على طلب المواثبة للتوثيق، وهذا الإِشهاد على
الطلب ليس شرطا للثبوت، لكن ليتوثق حق
الشفعة إذا أنكر المشتري طلبها .
وإنما يصح طلب الإِشهاد بحضرة المشتري أو
البائع أو المبيع . (١)
ثم طلب الإِشهاد مقدر بالتمکن من الإِشهاد،
فمتی تمکن من الإِشهاد عند حضرة واحد من هذه
الأشياء، ولم يطلب الإِشهاد، بطلت شفعته نفيا
للضرر عن المشتري. (٢)
وإنما يحتاج إلى طلب المواثبة، ثم إلى طلب
الإِشهاد بعده، إذا لم يمكنه الإِشهاد عند طلب
المواثبة، بأن سمع الشراء حال غيبته عن المشتري
والبائع والدار، أما إذا سمع عند حضرة أحد هؤلاء
الثلاث، وأشهد على ذلك، فذلك يكفيه، ويقوم
مقام الطلبين. (٣)
وعند الشافعية والحنابلة إن كان الشفيع في
البلدة فلا يلزمه الإشهاد على الطلب، بل يكفيه
الطلب وحده، (٤) وإن كان غائبا فالحنابلة كالحنفية
في لزوم طلب الشفعة والإِشهاد عليه، فإن لم يفعل
سقط حقه، سواء قدر على التوكيل أم عجز عنه،
سار عقيب العلم أو أقام . (٥)
وعند الشافعیة إن كان الشفیع غائبا يلزمه
الطلب، فإن عجز فإنه يلزمه التوكيل، فإن عجز
(١) نهاية المحتاج ٢١٤/٥، والقليوبي ٣/ ٥٠، والمغني ٣٣١/٥،
والفتاوى الهندية ١٧٢/٥
(٢) الفتاوى الهندية ١٧٢/٥
(٣) الفتاوى الهندية ١٧٢/٥، ١٧٣
(٤) مطالب أولي النهى ٤/ ١١٠، ونهاية المحتاج ٢١٤/٥
(٥) المغني ٣٣١/٥
- ٣٩ -
:

إشهاد ٢٦
عن التوكيل فليشهد، (١) ولا يكفي الإشهاد عن
الطلب والتوكيل عند القدرة عليهما. (٢)
وذهب المالکیة إلى أنه ليس الإِشهاد شرطا
لثبوت حق الشفعة للشفيع، بل يثبت حقه ولو لم
یشهد. إلا أنهم صرحوا بسقوط شفعته بالآتي :
أ - سكوته عن المطالبة مع علمه بهدم المشترى
أو بنائه أو غرسه .
ب - أن يحضر الشفيع عقد البيع ويشهد عليه
ویسکت۔۔ بلا مانع - شھرین.
جـ۔ أن يحضر العقد ولا یشهد ویسکت- بلا
عذر - سنة من يوم العقد. (٣)
تأخير الرد للإشهاد :
٢٦ - من كان تحت يده عين لغيره، إما أن يقبل
قوله عند التجاحد في الرد أولا ، فإن كان يقبل قوله
كالأمانة ففي تأخير الرد ثلاثة آراء:
الأول : منع التأخير ، وهو الأصح عند
الشافعية، (٤) والصحيح عند الحنابلة .(٥)
ولا يخالف جمهور المالكية في هذا، فإن أخره
ضمن عند الهلاك(٦) عند الأئمة الثلاثة.
الثاني : جواز التأخير للإِشهاد، لأن البينة
تسقط اليمين عن الراد، وهو قول ابن عبدالسلام
(١) نهاية المحتاج ٢١٤/٥، والقليوبي ٣/ ٥٠
(٢) القليوبي ٣/ ٥٠
(٣) الدسوقي ٤٨٣/٣
(٤) القليوبي ٢/ ٣٥١، والنهاية ١٢٤/٥
(٥) تصحيح الفروع ٦٠٥/٢، والمغني ١١٧/٥، والفروع
٧٩٣/٢، ٧٩٤
(٦) الزرقاني علي خليل ٨٧/٦، والخرشي ٦/ ٨٢
من المالكية، (١) ومقابل الأصح عند الشافعية، (٢)
ومقابل الصحيح عند الحنابلة، قالوا وهو قوي
خصوصا في هذه الأزمنة . (٣)
فإن کان صاحب اليد لا يقبل قوله في الرد إلا
ببينة كالغصب، فإن له التأخير للإشهاد عند
المالكية . (٤)
الثالث : التفريق بين ما إذا أخذها ببينة أو
بدون ذلك، فله التأخير عند الرد حتی یشهد أنه
أخذها ببينة، وهو قول الشافعية والحنابلة. فإن لم
تكن عليه بينة، فالأصح عند البغوي من الشافعية
التأخير نصا.
وعند الحنابلة لا فرق بينه وبين من يؤخذ قوله
بیمینه .(٥)
ومن تتبع فروع الحنفية نجد أنهم يمنعون تأخير
الرد للإشهاد، سواء أكانت الید ید ضمان أم يد
أمانة، ولم نر عندهم من يقول بالتأخير
للإشهاد. (٦)
(١) الخطاب، والتاج والإكليل ٥/ ٢١٠، والزرقاني علي خليل
٨٧/٦
(٢) القليوبي ٣٥١/٢
(٣) تصحيح الفروع ٦٠٥/٢، وشرح منتهى الإرادات ٣١٩/٢
(٤) الزرقاني على خليل ٦/ ٨٧، والخرشي ٦/ ٨٢، ١١٨،
والخطاب ٥/ ٢١٠
(٥) القليوبي ٣٥١/٢، وتصحيح الفروع ٦٠٥/٢، والمغني
١١٧/٥
(٦) بدائع الصنائع ٣٨٨٨/٨ ط الإمام، ودرر الحكام شرح غرر
الأحكام ٢/ ٢٤٥ط أحمد كامل، والخادمي على الدر ص ٣٦٣،
والبحر الرائق ٣٠٨/٧، ٣٠٩ ط العلمية، وجامع الفصولين
١١٢/٢، ١١٨
- ٤٠ -