النص المفهرس
صفحات 281-300
إشارة ١٢ - ١٤
الأول : أنها لغوفي الجملة. وهو مذهب الحنفية
والشافعية والحنابلة، إلا في مسائل معدودة نص
عليها الحنفية والشافعية أقاموا فيها الإِشارة مقام
النطق. وإنما قالوا بإلغائها، لأنها مهما قويت دلالتها
فإنها لا تفيد اليقين الذي تفيده العبارة، ومن
المسائل التي استثنوها :
أ - إشارة المفتي بالجواب .
ب - أمان الكفار، ينعقد بالإِشارة تغليبا لحقن
الدم، فلو أشار المسلم إلى الكافر بالأمان، فانحاز
إلى صف المسلمين لم يحل قتله.
جـ - إذا سلم عليه في الصلاة فرد بالإِشارة لم
تفسد صلاته .
د - الإِشارة بالعدد في الطلاق.
هـ - لو أشار المحرم إلى الصيد فصید، حرم
عليه الأكل منه. وزاد الحنفية الإِشارة بالإِقرار
بالنسب لتشوف الشرع إلى إثباته، وبالإِسلام
والكفر.
الثاني : أن إشارة الناطق معتبرة کنطقه، ما
دامت مفهومة بين الناس ومتعارفا بينهم على
مدلولها. وقالوا: إن التعاقد بالإِشارة أولى من
التعاقد بالأفعال (التعاطى)، لأن الإشارة يطلق
عليها أنها كلام. قال الله تعالى: (قال: آيتك ألّ
تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) وهذا مذهب
المالكية إلا في عقد النكاح خاصة، دون تعيين
(٢)
المنكوحة أو الناكح.
(١) سورة آل عمران/ ٤١
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٤٨، ومواهب الجليل
٢٢٩/٤، والبدائع ١٦/٤، وابن عابدين ٤٥٢/٤، والمغني
٥٦٢/٣، والروضة ٣٩/٨، وإعانة الطالبين ١٦/٤، وكشاف
القناع ٦/ ٤٥٣ ط الریاض.
تعارض عبارة النص مع إشارته :
١٣ - سبق بيان المراد بعبارة النص وبإشارته (ر:
ف ١)، فإذا تعارضت عبارة نص وإشارة آخر
يرجح مفهوم العبارة في الجملة، على خلاف
وتفصيل ينظر في الملحق الأصولي.
رد السلام في الصلاة :
١٤ - اختلف الفقهاء في جوازرد السلام في
الصلاة، فرخصت طائفة من التابعين في الرد
بالقول كسعيد بن المسيب والحسن البصري
وقتادة. وروى عن أبي هريرة أنه كان إذا سلم عليه
وهو في الصلاة رده حتى يسمع. (١) وذهب جماعة
إلى أنه يرد بعد الانصراف من الصلاة. (٢)
واتفق الأئمة الأربعة على أن رد السلام بالقول
في الصلاة مبطل لها. (٣) على اختلاف بينهم في
بعض التفاصيل.
فالراجح عند المالكية : أن الرد بالإِشارة
واجب. (٤)
ويرى الشافعية أنه يستحب الرد بالإشارة.(٥)
وذهب الأحناف إلى أنه يكره رده بالإشارة
باليد، ولا تفسد به الصلاة، جاء في حاشية ابن
عابدين: رد السلام بيده لا يفسدها، خلافا لمن
(١) الأثر عن أبي هريرة أورده صاحب عون المعبود ٣٤٧/١ ط
الهند، ولم ينسبه إلى كتاب من كتب الحديث.
(٢) حاشية عون المعبود ٣٤٧/١، وسبل السلام ١٤١/١، والمغني
لابن قدامة ٨١٥/١
(٣) شرح منح الجليل ١٨٣/١، والمغني لابن قدامة مع الشرح
الكبير ٨١٥/١، وحاشية ابن عابدين ٤١٥/١، ونهاية المحتاج
٤٤/٢
(٤) منح الجليل ١٨٣/١
(٥) إعانة الطالبين ١٩٠/٤، ونهاية المحتاج ٢/ ٤٤
- ٢٨١ -
إشارة ١٤ - ١٦
عزا إلى أبي حنيفة أنه مفسد، فإنه لم يعرف نقله
من أحد من أهل المذهب.(١)
وعند الحنابلة يرد بالإِشارة. (٢)
وقد استدل القائلون بالرد بعد الانصراف من
الصلاة بحديث ابن مسعود قال: ((كنا نسلم على
رسول الله چ، وهو في الصلاة، فیرد علینا، فلما
رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد
علينا وقال: إن في الصلاة شغلا)). (٣)
واستدل القائلون بالردّ بالإِشارة بحديث جابر
قال: ((إن رسول الله ◌ُ لير بعثني لحاجة، ثم أدركته
وهو یسیر فسلمت عليه فأشار إليّ، فلما فرغ دعاني
فقال: إنك سلمت عليّ آنفا وأنا أصلي» وفي رواية
لمسلم: ((فلما انصرف قال: إنه لم يمنعني أن أردّ
عليك إلا أني كنت أصلي)). (٤)
وحديث ابن عمر عن صهيب أنه قال: ((مررت
برسول الله وَالقر وهو يصلي، فسلمت عليه فرد إلي
إشارة)) . (٥)
(١) حاشية ابن عابدين ٤١٤/١، ٤١٥,
(٢) المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير ٧١٥/١، ٧١٦/٤
(٣) حديث: ((كنا نسلم على رسول الله﴾ ... )). أخرجه
البخاري ومسلم، من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه.
(فتح الباري ٧٢/٣ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد
فؤاد عبدالباقي ٣٨٢/١ ط عيسى الحلبي ١٣٧٤ هـ، وجامع
الأصول في أحاديث الرسول ٥/ ٤٨٥، ٤٨٦ نشر مكتبة الحلواني
١٣٩٠ هـ).
(٤) حديث: ((أن رسول الله# بعثني لحاجة ... )) أخرجه مسلم
من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعا (صحيح مسلم بتحقيق
محمد فؤاد عبدالباقي ٣٨٣/١، ٣٨٤ ط عيسى الحلبي).
(٥) حديث: ((مررت برسول الله ﴾ وهو يصلي)). أخرجه الترمذي
وأبو داود والنسائي من حديث صهيب رضي الله عنه، وقال
الترمذي: حديث صهيب حسن. (تحفة الأحوذي ٢/ ٣٦٣ نشر
المکتبة السلفية، وسنن أبي داود ٥٦٨/١ ط استانبول، وسنن =
الإشارة في التشهد :
١٥ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يستحب للمصلي
في التشهد الإِشارة بسبابته، وتسمى في اصطلاح
الفقهاء ((المسبحة)) وهي التي تلي الإِبهام، ويرفعها
عند التوحيد ولا يحركها، (١) لحديث ابن الزبير أنه
مَطّ: ((كان يشير بأصبعه إذا دعا، ولا يحركها))(٢)
وقيل يحركها، لحديث وائل بن حجر أنه وتخلّ: ((رفع
أصبعه فرأيته يحركها))(٣) وتفصيل كيفية الإِشارة من
حيث عقد الأصابع أو بسطها، والتحريك وعدمه
يأتي في (الصلاة).
إشارة المحرم إلى الصيد :
١٦ - إذا أشار المحرم إلى صيد، أودل حلالا عليه
فصاده حرم على المحرم أكله. (٤) وهذا القدرلا
= النسائي ٥/٣ ط المطبعة المصرية بالأزهر، وجامع الأصول
٤٩٧/٥ نشر مكتبة الحلواني).
(١) الروضة ٢٦٢/١، والمغني لابن قدامة ٣٨٣/١
(٢) حديث: ((أنه كان يشير بأصبعه إذا دعا ... )) أخرجه
أبو داود والنسائي من حديث عبدالله بن الزبير رضي الله عنه،
وقال النووي: إسناده صحيح (سنن النسائي ٣٢/٣ ط مصطفى
الحلبي ١٣٨٣ هـ، وعون المعبود ٣٧٤/١ - ٣٧٥ ط الهند،
وجامع الأصول ٥/ ٤٠٤ نشر مكتبة الحلواني، والمجموع
للنووي ٣/ ٤٥٤ ط المنيرية.
(٣) حديث: ((أَنه ◌َّ﴾ رفع أصبعه)) أخرجه النسائي وابن ماجة
وابن خزيمة والبيهقي من حدیث وائل بن حجر رضي الله عنه،
قال الحافظ البوصيري تعليقا على إسناد ابن ماجة: إسناده
صحيح ورجاله ثقات، وقال محقق صحيح ابن خزيمة: إسناده
صحيح. (سنن النسائي ٣٧/٣ ط المطبعة المصرية بالأزهر،
وسنن ابن ماجة ٢٩٥/١ ط عيسى الحلبي ١٣٧٢ هـ، وصحيح
ابن خزيمة ٣٥٤/١ نشر المكتب الإسلامي، وسنن البيهقي
١٣٢/٢ ط الهند).
(٤) فتح القدير ٢٥٦/١، وروضة الطالبين ١٤٩/٣، ومغني
المحتاج ٥٢٤/١
- ٢٨٢ -
----
إشارة ١٧ - ١٨
يعلم فيه خلاف بين الفقهاء، لحديث أبي قتادة في
قصة اصطياده وهو غير محرم، قال: فقال النبي
وَله: ((منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار
إليها؟ قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقي من
لحمها)). (١) وإن لم تكن منه إعانة على قتله بشيء
حل له الأكل منه عند جمهور الفقهاء للحديث
السابق . (٢)
واختلف الفقهاء في وجوب الجزاء على المشير،
فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يجب عليه الجزاء،
لأن الإِشارة إلى الصيد من محظورات الإِحرام
بدليل تحريم الأکل منه، فتكون جناية على الصيد
بتفویت الأمن علی وجه ترتب عليه قتله، فصارت
كالقتل.(٣)
وعند المالكية والشافعية لا جزاء على المشير،
لأن النص علق الجزاء بالقتل، وليست الإشارة
قتلا . (٤)
الإشارة إلى الحجر الأسود والركن اليماني:
١٧ - اتفق الفقهاء على استحباب استلام الحجر
الأسود والركن اليماني باليد أو غيرها عند الطواف،
لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((ما تركت
استلام هذين الركنين في شدة ولا رخاء منذ رأيت
(١) حديث : أبي قتادة في قصة اصطياده. أخرجه البخاري ومسلم
من حديث أبي قتادة واللفظ للبخاري (فتح الباري ٤/ ٢٨ ، ٢٩
ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي
٨٥٣/٢، ٨٥٤ ط عيسى الحلبي ١٣٧٤هـ).
(٢) سبل السلام ٢/ ١٩٣
(٣) فتح القدير ٢/ ٢٥٧، والمغني لابن قدامة ٤١٨/٣
(٤) مغني المحتاج ١/ ٥٢٤، وروضة الطالبين ١٤٩/٣، والقوانين
الفقهية ٩٢ ط دار القلم - بيروت، والحطاب ١٧٦/٣
النبي ﴿﴿ يستلمهما)). (١) كما اتفقوا على استحباب
الإِشارة إلى الحجر الأسود عند تعذر الاستلام،
لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((طاف
النبي ﴿ بالبيت على بعير، كلما أتى على الركن
أشار إليه)». (٢)
واختلفوا في الإِشارة إلى الركن اليماني عند تعذر
الاستلام. فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف والمالكية
والحنابلة إلى أنه لا يشير إليه إن عجز عن
استلامه، وذهب الشافعية ومحمد بن الحسن إلى
أنه يشير إلى الركن اليماني قياسا على الحجر
الأسود. (٣)
التسليم بالإشارة :
١٨ - لا تحصل سنة ابتداء السلام بالإشارة باليد أو
الرأس للناطق، ولا يسقط فرض الرد عنه بها. لأن
السلام من الأمور التي جعل لها الشارع صيغا
مخصوصة، لا يقوم مقامها غيرها، إلا عند تعذر
صيغتها الشرعية. وتكاد تتفق عبارات الفقهاء على
القول: بأنه لابد من الإسماع، ولا يكون الإسماع
إلا بقول . (٤)
(١): حديث ((ما تركت استلام هذين الركنين ... )) أخرجه
البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (فتح الباري
٤٧١/٣ ط السلفية).
(٢) حديث: ((طاف النبي ﴿ بالبيت على بعير ... )) أخرجه
البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما (فتح الباري
٤٧٦/٣ ط السلفية).
(٣) مغني المحتاج ٤٨٨/١، والبحر الرائق ٢/ ٣٥٥، وابن عابدين
١٦٦/٢، والدسوقي ٤١/٢، والخرشي ٣٢٥/٢ -٣٢٦،
وكشاف القناع ٤٧٨/٢ - ٤٧٩، والمغني ٣٩٣/٣ - ٣٩٦ ط
أولی.
(٤) نهاية المحتاج ٤٨/٨، وكفاية الطالب ٣٧٨/٢، وحاشية ابن
عابدین ٢٦٥/٥
- ٢٨٣ -
إشارة ١٩ - ٢٠
وقد ورد في الحديث : ((لا تسلموا تسليم
اليهود، فإن تسليمهم بالأكف والرءوس
والإِشارة))(١). وروى علقمة عن عطاء بن أبي
رباح قال: ((كانوا يكرهون التسليم باليد)). (٢) يعني
الصحابة رضوان الله عليهم.
أما الأصم ومن في حكمه، وغير المقدور على
إسماعه كالبعيد، فالإشارة مشروعة في حقه، وقال
بعض الفقهاء: إذا سلم على أصم لا يسمع ينبغي
أن يتلفظ بالسلام، لقدرته عليه، ويشير باليد. (٣)
ويسقط فرض الرد من الأخرس بالإِشارة، لأنه
مقدوره، ويرد عليه بالإِشارة والتلفظ معا. (٤) وانظر
مصطلح: (سلام).
الإِشارة في أصل اليمين :
١٩ - لا تنعقد يمين الناطق بالإشارة، لأنها لا
تنعقد إلا بأسماء الله وصفاته. أما الأخرس فذهب
بعض الفقهاء إلى أن يمينه لا تنعقد. (٥) وذهب
آخرون إلی أنه إذا كانت له إشارة مفهمة حلف،
وتصح يمينه، وإن كانت غير مفهمة، ووجبت
(١) حديث: ((لا تسلموا تسليم اليهود ... )) أخرجه النسائي في
عمل اليوم والليلة من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعا، وقال
عنه صاحب فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد: سنده
جيد (تحفة الاشراف بمعرفة الأطراف ٢/ ٢٩٠ نشر الدار القيمة
بالهند ١٣٨٦ هـ، وفضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد
٤٦٣/٢ ط السلفية ١٣٧٨هـ).
(٢) الأثر عن عطاء بن أبي رباح أخرجه البخاري في الأدب المفرد
(فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد ٢/ ٤٦٤ ط السلفية
١٣٧٨ هـ)
(٣) الأذكار للنووي ص ٢٢٠ - ٢٢١، ونهاية المحتاج ٤٨/٨
(٤) المراجع السابقة .
(٥) المنثور في القواعد ١٦٥/١
علیه یمینه، وقف حتى تفهم إشارته . (١) ونسب
الزركشي هذا للإِمام الشافعي. وانظر مصطلح
(أيمان).
إشارة القاضي إلى أحد الخصوم :
٢٠ - لا يجوز للحاكم أن يعمل أعمالا تسبب التهمة
وسوء الظن في مجلس الحكم، مما يوهم أنه يفضله
علی خصمه، کالأشارة لأحد الخصمین باليد، أو
بالعين أو بالرأس، لأن ذلك يسبب انكسارالقلب
الخصم الآخر، وقد يحمله ذلك على ترك الدعوى
واليأس من العدالة، مما يترتب عليه ضياع حقه .
وهذا محل اتفاق بين الفقهاء. (٢)
وقد روى عمر بن شبه في كتاب قضاة البصرة
بإسناده عن أم سلمة أن النبي وَّر قال: ((من ابتلي
بالقضاء بين المسلمين، فليعدل بينهم في ◌َظِهِ
وإشارته ومقعده، ولا يرفع صوته على أحد
الخصمين ما لا يرفع على الآخر)» وفي رواية:
((فليسوِّ بينهم في النظر والإِشارة والمجلس)). (٣)
(١) المغني لابن قدامة ٩/ ١٩٠ ط بولاق، والمنثور في القواعد
١١٥/١، وكشاف القناع ٦/ ٤١٧
(٢) المغني لابن قدامة ٧١/١٠، والبحر الرائق ٣٠٦/٦ -٣٠٧
ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام تأليف علي حيدر ٥٣٨/٤ مادة
١٧٩٨
(٣) حديث: ((من ابتلي بالقضاء ... )) أخرجه أبو يعلى
والدارقطني والطبر اني من حديث أم سلمة رضي الله عنها، قال
الهيثمي والشوكاني: وفي إسناده عبادة بن كثير الثقفي وهو ضعيف
(نيل الأوطار ٢٧٥/٨ ط المطبعة العثمانية، ومجمع الزوائد
١٩٧/٤ نشر مكتبة القدسي، وسنن الدارقطني ٤/ ٢٠٥ نشر
السيد عبدالله هاشم يماني بالمدينة المنورة ١٣٨٦هـ).
- ٢٨٤ -
إشارة ٢١ - ٢٢، إشاعة ١
إشارة المحتضَر إلى الجاني عليه :
٢١ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يعتبر قول
المحتضر: قتلني فلان، ولا یکون ذلك لوثا، لأنه لا
يقبل دعواه على الغير بالمال، فلا يقبل ادعاؤه عليه
بالدم، ولأنه مدع فلا يكون قوله حجة على
غيره. (١) لحديث: ((لو يُعطى الناس بدعواهم
لادعى ناس دماء رجال وأموالهم))(٢) فإذا لم تعتبر
أقواله فلا تقبل إشارته من باب أولى . وذهب مالك
إلى أنه إذا قال المحتضر الحر المسلم البالغ العاقل:
قتلني فلان عمدا، ثم مات فإنه يكون لوثا، فيثبت
القصاص بعد حلف أولياء الدم يمين القسامة .
أما إذا قال: قتلني خطأ، ففي ذلك عن الإِمام
مالك روايتان :
إحداهما : لا يقبل قوله، لأنه يتهم على أنه أراد
إغناء ورثته .
والثانية : أن قوله يقبل، وتكون معه القسامة،
ولا يتهم، لأنه في حال يصدق فيه الكاذب، ویتوب
فيه الفاجر، فمن تحقق مصيره إلى الآخرة وأشرف
على الموت فلا يتهم في إراقة دم مسلم ظلما، وغلبة
الظن في هذا ينزل منزلة غلبة الظن في صدق
الشاهد، والغالب من أحوال الناس عند الموت
التوبة والاستغفار والندم على التفريط. وتزوده من
(١) المجموع للنووي ١٩/ ٣٨٠، والمغني لابن قدامة ٨/ ٥٠١،
والجمل على شرح المنهج ١٠٦/٥، وروضة الطالبين ١١/١٠
(٢) حديث: ((لو يعطى الناس ... )) أخرجه البخاري ضمن قصة
من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، ومسلم - واللفظ له -
مرفوعا، ولم يذكر القصة (فتح الباري ٨/ ٢١٣ ط السلفية،
وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ١٣٣٦/٣ ط عيسى
الحلبي ١٣٧٥ هـ)
دنياه قتل نفس خلاف الظاهر وغير المعتاد. (١)
إشارة المحتضر إلى تصرفات مالية :
٢٢ - إذا كان المحتضر قادرا على النطق فلا تقبل
إشارته، أما إذا كان غير قادر على النطق فإشارته
تقوم مقام عبارته. وفي حاشية ابن عابدين: إن لم
يكن معتقل اللسان لم تعتبر إشارته إلا في أربع :
الكفر، والإِسلام، والنسب، والإِفتاء. (٢)
وعند المالكية : أن الإِشارة المفهمة كالنطق
مطلقا. (٣) وعلى هذا فإن إشارة المحتضر إلى
تصرف مالي كعبارته، سواء أكان قادرا على النطق
أم لا .
إشاعة
التعريف :
١ - الإشاعة مصدر أشاع، وأشاع ذكر الشيء:
أطاره وأظهره، وشاع الخبر في الناس شيوعا أي
انتشر وذاع وظهر. (٤)
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى
اللغوي .
(١) شرح الزرقاني ٨/ ٥٠، وحاشية الدسوقي ٢٨٨/٤
(٢) حاشية ابن عابدين ٩/٤، والأشباه والنظائر ص ٢٤٨، ومغني
المحتاج ٥٣/٣، وتحفة المحتاج ٦/ ٩٣.
(٣) مواهب الجليل ٢٢٩/٤
(٤) لسان العرب والمصباح المنير مادة: (شيع).
- ٢٨٥ -
إشاعة ٢ - ٥
وقد تطلق الإِشاعة على الأخبار التي لا يعلم
من أذاعها. (١)
وكثيرا ما يعبر الفقهاء عن هذا المعنى بألفاظ
أخرى غير الإشاعة كالاشتهار ، والإِفشاء،
والاستفاضة. (٢)
الحكم الإجمالي :
٢ - قد تكون الإِشاعة حراما، إذا كانت إظهارا لما
يمس أعراض الناس كإشاعة الفاحشة، لقوله
تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في
الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة). (٣)
هذا هو الحكم الأخروي، وبالنسبة للحكم
المترتب على الإِشاعة الكاذبة فهو حد القذف إن
توفرت شروطه، وإلا فالتعزير. ر: (قذف،
تعزير).
أما المشاع عنه فلا عقوبة عليه بمجرد الإشاعة،
قال القليوبي : لا يكتفى بالإِشاعة - أي شيوع
الزنى - في جواز القذف، لأن الستر مطلوب. (٤)
وقد ورد أن في آخر الزمان ((يجلس الشيطان بین
الجماعة، فيتكلم بالكلمة فيتحدثون بها،
ويقولون: لا ندري من قالها)). (٥)
(١) ابن عابدين ٩٧/١، ٤١٥، ٤٢٠/٥ ط بولاق ثالثة، والجواهر
٢٧٥/١ ط دار المعرفة، والنظم المستعذب بهامش المهذب
٣١٠/٢ ط دار المعرفة .
(٢) الجواهر ٢٤١/٢، ٢٤٢، وابن عابدين ١/ ٩٧، وقليوبي
٣٢/٤ ط الحلبي، والقرطبي ٢٠٦/١٢ ط دار الكتب، وهامش
المهذب ٣٢٦/٢
(٣) سورة النور/ ١٩
(٤) القرطبي ٢٠٦/١٢، وقليوبي ٣٢/٤
(٥) ورد في آخر الزمان ((يجلس الشيطان ... )). أخرجه مسلم في
مقدمة صحيحه (١٢/١ - ط الحلبي) عن عبد الله بن مسعود=
فمثل هذا لا ينبغي أن يسمع فضلا عن أن
يثبت به حکم.
على أن من واجب أولي الأمر قطع دابر الفساد
بالطرق المناسبة .
٣ - وقد تكون الإشاعة طريقا لثبوت بعض
الأحكام، ومن ذلك: أيمان القسامة، فإنها يكتفى
لطلبها بالإِشاعة، فالإِشاعة هنا تعتبر لوثا . (١)
ومن ذلك : سقوط الحد عن الزوجین إن دخلا
بلا شهود وثبت الوطء، إن فشا النكاح، أي شاع
واشتهر. (٢)
٤ - وإذا كان إظهار الشيء يترتب عليه منع الوقوع
في الحرام، فإن إشاعته تكون مطلوبة، وذلك
كإشاعة الرضاعة ممن ترضع، قال ابن عابدين :
الواجب على النساء ألا يرضعن كل صبي من غير
ضرورة، وإذا أرضعن فليحفظن ذلك، وليشهرنه
ويكتبنه احتياطا. (٣)
مواطن البحث :
٥ - تنظر مواطن الإِشاعة في أبواب الرضاع،
والنكاح، والشهادة، والقسامة، والصيام (في رؤية
الهلال) والقذف، وأصل الوقف، وثبوت النسب.
= موقوفا عليه أنه قال: ((إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل فيأتي
القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب فيتفرقون، فيقول الرجل
منهم: سمعت رجلا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه يحدث)).
(١) قليوبي ٣٢/٤، ١٦٥
(٢) الجواهر ٢٧٥/١
(٣) ابن عابدين ٤١٥/٢
- ٢٨٦ -
أشباه ١ - ٣
أشباه
التعريف اللغوي :
١ - الأشباه جمع مفرده شبه، والشِّبْهُ والشَّبَهُ: المثل،
والجمع أشباه، وأشبه الشيء مائله، وبينهم أشباه
أي أشیاء يتشابهون بها. (١)
التعريف الاصطلاحي :
أ - عند الفقهاء :
٢ - لا يخرج استعمال الفقهاء للفظ الأشباه عن
المعنى اللغوي .
ب - عند الأصوليين :
٣ - اختلف الأصولیون في تعریف الشبه، حتی قال
إمام الحرمین الجويني: لا يمكن تحديده، وقال
غيره: یمکن تحديده.
فقيل : هو الجمع بين الأصل والفرع بوصف
يوهم اشتماله على الحكمة المقتضية لحكم من غير
تعيين، كقول الشافعي في النية في الوضوء والتيمم :
طهارتان فأنى تفترقان .
وقال القاضي أبوبكر : هو أن يكون الوصف لا
يناسب الحكم بذاته، لكنه يكون مستلزما لما يناسبه
بذاته.
(١) لسان العرب مادة (شبه).
وحكى الأبياري في ((شرح البرهان)) عن
القاضي أنه: ما يوهم الاشتمال على وصف مخيل.
وقيل : الشبه هو الذي لا يكون مناسبا للحكم
ولكن عرف اعتبار جنسه القريب في الجنس
القريب.(١)
وأوضح تعریف له هو ما قاله شارح مسلم
الثبوت: الشبه هوما ليس بمناسب لذاته، بل
يوهم المناسبة، وذلك التوهم إنما هو بالتفات
الشارع إليه في بعض الأحكام، فيتوهم فيه
المناسبة، كقولك: إزالة الخبث طهارة تراد للصلاة
فتعين فيها الماء، ولا يجوز مائع آخر، كإزالة الحدث
يتعين فيها الماء . (٢)
وفي المستصفى : قياس الشبه هو الجمع بين
الفرع والأصل بوصف، مع الاعتراف بأن ذلك
الوصف لیس علة للحكم، وذلك کقول أبي حنيفة
مسح الرأس لا يتكرر تشبيها له بمسح الخف
والتيمم، والجامع أنه مسح، فلا يستحب فيه
التكرار قياسا على التيمم ومسح الخف. (٣)
وفي الرسالة يقول الشافعي في قياس الشبه :
يكون الشيء له في الأصول أشباه، فذلك يلحق
بأولاها به وأكثرها شبها فيه، فقد يختلف القايسون
في هذا. (٤)
(١) إرشاد الفحول للشوكاني ص ٢١٩ ط مصطفى الحلبي.
(٢) فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت بهامش المستصفى ٢/ ٣٠١
ط بولاق (الأميرية).
(٣) المستصفى ٢/ ٣١١، ٣١٢ ط السابقة.
(٤) الرسالة ص ٤٧٩ ط مصطفى الحلبي تحقيق الشيخ أحمد شاكر.
- ٢٨٧ -
أشباه ٤ - ٧
صفته (الحكم الإجمالي) :
أولا : عند الفقهاء :
٤ - إذا نيط الحكم بأصل فتعذر انتقل إلى أقرب
شبه له. (١) ولذلك اعتبر جمهور الفقهاء الشبه
طريقا من طرق الحكم في أبواب معينة، من ذلك
جزاء صيد المحرم، قال الله تعالى: (ومن قتله
منكم متعمدا فجزاءٌ مثلُ ما قَتَّل من النَّعَم يحكم به
ذوا عدل منكم) (٢) أي يحكمان فيه بأشبه
الأشياء، (٣) ومن ذلك في النسب ما روي أن عائشة
رضي الله تعالى عنها قالت: ((دخل عليّ رسول
الله ﴾ وهو مسرور تبرق أسارير وجهه فقال: أي
عائشة . ! ألم تري أن مجززا المدلجي دخل فرأى
أسامة وزیدا وعلیھما قطيفة قد غطيا رءوسهما وبدت
أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من
بعض)). (٤)
وذلك يدل على أن إلحاق القافة يفيد النسب
لسرور النبي # به، وهو لا يسر بباطل. وقد أخذ
بهذا جمهور الفقهاء خلافا للحنفية .
٥ - ويشترط في القضاء بالشبه قول أهل الخبرة
والمعرفة في الأمر الذي يكون فيه التخاصم، کاعتبار
مجزز المدلجي من أهل الخبرة في القيافة. (٥).
(١) المنثور في القواعد للزركشي ٢٢٣/٢
(٢) سورة المائدة/ ٩٥
(٣) المغني ٣/ ٥١١ ط الریاض، ومنح الجليل ١/ ٥٣٨
(٤) حديث ((أي عائشة ألم تري ... )) أخرجه البخاري ومسلم من
حديث عائشة رضي الله عنها (فتح الباري ١٢ / ٥٦ ط السلفية،
وصحيح مسلم بتحقیق محمد فؤاد عبدالباقي ١٠٨٢/٢ ط عيسى
الحلبي).
(٥) الطرق الحكمية ص ١٩٥، ١٩٦، ١٩٨، والتبصرة ١٠٨/٢
٦ - لكن الاعتماد على الشبه بقول أهل الخبرة
یکون فيما لم يرد فيه نص أوحكم، ولذلك يعتبر
اللعان مانعا من إعمال الشبه، وقد قال النبي ◌َّ في
قصة المتلاعنین: ((إن جاءت به أکحل العینین،
سابغ الأليتين، مدلج الساقين، فهو لشريك بن
سحماء، فجاءت به كذلك، فقال النبي ◌َلاء: لولا
ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن)). (١)
وهذا بالنسبة للنص، أما بالنسبة للحكم فقد
قال الله تعالى في جزاء الصيد: (یحکم به ذوا عدل
منكم) وقد قضى الصحابة رضوان الله عليهم في
بعض الحيوانات، کقول عمر وعثمان وعلي وزید بن
ثابت وابن عباس ومعاوية: «في النعامة بدنة». (٢)
وما لم يقض فيه الصحابة فيرجع فيه إلى قول
عدلين من أهل الخبرة. (٣)
٧ - ويلاحظ أن الإمام أبا حنيفة وأصحابه يخالفون
الجمهور في الاعتماد على الشبه في النسب. كما أن
الشبه في جزاء الصيد هو عند الجمهور من حیث
الخلقة، وعند الحنفية المثل هو القيمة . (٤) وتفصيل
ذلك يرجع إليه في مواضعه.
(١) حديث (( لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن)) أخرجه
البخاري الفتح ٤٤٩/٨ ط السلفية).
(٢) ((في النعامة بدنة)» من قول عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت
وابن عباس ومعاوية. أخرجه الشافعي في الأم (٢/ ١٩٠ ط دار
المعرفة وعنه البيهقي ١٨٢/٥ ط دائرة المعارف العثمانية) وقال
الشافعي: هذا لا يثبت عند أهل العلم بالحديث. ونقله عنه
البيهقي وأقره، ونقل عنهما ابن حجر في التلخيص (٣/ ٢٨٤ ط
دار المحاسن).
(٣) الطرق الحكمية ص ٢٠٠، ٢٠١
(٤) المغني ٣/ ٥١١، والاختيار ١٦٦/١، ومنح الجليل ٥٣٩/١،
والمهذب ٢٢٣/١
- ٢٨٨ -
أشباه ٨ - ١٠
٨ - كذلك يعتمد على الشبه في الاختلاف الواقع
بين المتداعيين عند المالكية.
جاء في تبصرة الحكام: إن اختلف البائع
والمشتري في ثمن السلعة، فإن ادعى أحدهما ثمنا
يشبه ثمن السلعة، وادعى الآخر ما لا يشبه أن
يكون ثمنا لها، فإن كانت السلعة فائتة (أي قد
خرجت من يد المدعى عليه بهلاك أوبيع أو نحوهما)
فالقول قول مدعي الأشبه منهما اتفاقا (أي عند
المالكية)، لأن الأصل عدم التغابن، والشراء
بالقيمة وما يقاربها. وإن كانت السلعة قائمة
فالمشهور أنه لا یراعی الأشبه، لأنهما قادران على رد
السلعة . (١)
وفي المنثور في القواعد للزركشي في باب الربا:
إذا كان المبيع لا يكال ولا يوزن فيعتبر بأقرب
الأشياء شبها به على أحد الأوجه. (٢)
والصلح مع الإِقرار يحمل على البيع أو الإِجارة
أو الهبة. والأصل فيه أن الصلح يجب حمله على
أقرب العقود إليه وأشبهها به، لتصحيح تصرف
العاقد ما أمكن. (٣) ر: (صلح).
ثانيا : عند الأصوليون
٩ - اختلف الأصوليون هل الشبه حجة أم لا؟
فقيل : إنه حجة وإليه ذهب الأكثرون ، وقيل: إنه.
ليس بحجة وبه قال أكثر الحنفية. وقيل غير
ذلك. (٤)
٠٠٠
(١) التبصرة بهامش فتح العلي المالك ٢/ ٥٠
(٢) المنثور في القواعد ٢٢٤/٢
(٣) الهداية ٣/ ١٩٤
(٤) إرشاد الفحول ص ٢١٩، ٢٢٠ ط مصطفى الحلبي.
وينظر تفصيل ذلك في الملحق الأصولي
( القياس ).
المراد بفن الأشباه والنظائر في علم الفقه :
١٠ - المراد بفن الأشباه والنظائر- كما ذكر الحموي
في تعليقه على أشباه ابن نجيم -: المسائل التي
یشبه بعضها بعضها مع اختلافها في الحکم لأمور
خفية أدركها الفقهاء بدقة أنظارهم. (١)
وفائدته كما ذكر السيوطي (٢) أنه فن به يطلع
على حقائق الفقه ومداركه ومآخذه وأسراره،
ويتمهر في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق
والتخريج، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست
بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضى على
مر الزمان .
وقد كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى
الأشعري : اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس
الأمور عندك، فاعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها
بالحق فیما ترى. (٣).
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم والحموي عليه ١٨/١ ط دار الطباعة
العامرة
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٦، ٧ ط مصطفى الحلبي.
(٣) والأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (اعرف الأمثال
والأشباه ... )) أخرجه الدارقطني (٢٠٦/٤، ٢٠٧ ط دار
المحاسن بالقاهرة). وقواه ابن حجر في التلخيص (٤/ ١٩٦ ط
دار المحاسن بالقاهرة .
- ٢٨٩ -
٠٫٠٠
اشتباه ١ - ٣
اشتباه
التعريف :
١ - الاشتباه مصدر : اشتبه ، يقال اشتبه الشيئان
وتشابها: أشبه كل واحد منهما الآخر. والمشتبهات
من الأمور: المشكلات. والشبهة اسم من الاشتباه
وهو الالتباس. (١)
والاشتباه في الاستعمال الفقهي أخص منه في
اللغة، فقد عرف الجرجاني الشبهة بأنها: ما لم
يتيقن كونه حراما أو حلالا . (٢) وقال السيوطي :
الشبهة ما جهل تحليله على الحقيقة وتحريمه على
الحقيقة. (٣) ويقول الكمال بن الهمام: الشبهة
ما يشبه الثابت وليس بثابت، ولابد من الظن
لتحقق الاشتباه. (٤)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الالتباس :
٢ - الالتباس هو: الإِشكال، والفرق بينه وبين
الاشتباه على ما قال الدسوقي : أن الاشتباه معه
دليل (يرجح أحد الاحتمالين) والالتباس لا دليل
معه .(٥)
(١) لسان العرب والمصباح. مادة: (شبه)
(٢) التعريفات الجرجانية ص ١١٠
(٣) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٠٩
(٤) الهداية والفتح ١٤٨/٤ ط أولى أميرية، والأشباه والنظائر لابن
نجیم ص ٥٠
(٥) حاشية الدسوقي ١/ ٨٢
ب - الشبهة :
٣ - يقال : اشتبهت الأمور وتشابهت: التبست فلم
تتميز ولم تظهر، ومنه اشتبهت القبلة ونحوها،
والجمع فيها شبه وشبهات. (١) وقد سبق أنها مالم
يتعين كونه حراما أو حلالا نتيجة الاشتباه .
وللفقهاء في تقسيمها وتسميتها اصطلاحات،
فجعلها الحنفية نوعين :
الأول : شبهة في الفعل ، وتسمى شبهة اشتباه
أو شبهة مشابهة، أي شبهة في حق من اشتبه عليه
فقط، بأن يظن غير الدليل دليلا، كما إذا ظن
جارية امرأته تحل له، فمع الظن لا يحدّ، حتى لو
قال: علمت أنها تحرم علي حُدّ.
النوع الثاني : شبهة في المحل، وتسمى شبهة
حكومية أو شبهة ملك، أي شبهة في حكم الشرع
بحل المحل. وهي تمنع وجوب الحد، ولو قال
علمت أنها حرام علي. وتتحقق بقيام الدليل النافي
للحرمة في ذاته، لکن لا یکون الدلیل عاملا لقيام
المانع كوطء أمة الابن، لقوله رسله: ((أنت ومالُك
لأبيك))، (٢) ولا يتوقف هذا النوع على ظن الجاني
واعتقاده، إذ الشبهة بثبوت الدليل قائمة. (٣)
وجعلها الشافعية ثلاثة أقسام :
(١) شبهة في المحل ، كوطء الزوجة الحائض أو
الصائمة، لأن التحریم لیس لعينه بل لأمر عارض
كالإيذاء وإفساد العبادة.
(١) المصباح مادة: (شبه).
(٢) حديث: ((أنت ومالك لأبيك)) أخرجه ابن ماجة (٢/ ٧٦٠ط
الحلبي) وقواه السخاوي في المقاصد (ص ١٠٢ط الخانجي
بمصر).
(٣) الهداية والفتح والعناية ٤/ ١٤٠ - ١٤١، وتبيين الحقائق وحاشية
الشلبي ١٧٥/٣ - ١٧٦، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٥٠
- ٢٩٠ -
اشتباه ٤ - ٨
(٢) وشبهة في الفاعل، كمن يجد امرأة على
فراشه فيطؤها، ظانا أنها زوجته.
(٣) وشبهة في الجهة، كالوطء في النكاح بلا
ولي أو بلا شهود. (١) وتفصيل ذلك في مصطلح
شبهة .
والمقصود هنا بيان أن الشبهة أعم من الاشتباه،
لأنها قد تنتج نتيجة الاشتباه، وقد تنتج دون
اشتباه .
جـ - التعارض :
٤ - التعارض لغة : المنع بالاعتراض عن بلوغ
المراد. (٢)
واصطلاحا : تقابل الحجتين المتساويتين على
وجه توجب کل واحدة منهما ضد ما توجبه الأخری.
وسيأتي أن التعارض أحد أسباب الاشتباه .
د - الشك :
٥ - الشك لغة : خلاف اليقين، وهو التردد بين
شیئین، سواء استوى طرفاه، أو رجح أحدهما على
الآخر، (٣) وقد استعمله الفقهاء كذلك.
وهو عند الأصوليين: التردد بين أمرين بلا
ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك، (٤) فالشك
سبب من أسباب الاشتباه.
(١) المهذب ٢٦٩/٢، ونهاية المحتاج ٤٠٥/٧، وفتح القدير
١٤٠/٤
(٢ المصباح، بتصرف.
(٣) المصباح المنير .
(٤) التعريفات للجرجاني ص ١٢٥، ومجلة الأحكام العدلية المادة ٤
والبحر الرائق ١٤٣/١
هـ - الظن :
٦ - الظن خلاف اليقين. وقد يستعمل بمعنى
اليقين، (١) كما في قوله تعالى: (الذين يظنون أنهم
ملاقوربهم). (٢)
وفي الاصلاح : هو الاعتقاد الراجح مع احتمال
النقيض، (٣) وهو طريق لحدوث الاشتباه. (٤)
و - الوهم :
٧ - الوهم : ما سبق القلب إليه مع إرادة غيره. (٥)
وفي الاصطلاح : هو إدراك الطرف المرجوح،
أو كما قال عنه ابن نجيم: رجحان جهة الخطأ، (٦)
فهو دون كل من الظن والشك، وهو لا يرتقي إلى
تکوین اشتباه. (٧)
أسباب الاشتباه :
٨ - قد ينشأ الاشتباه نتيجة خفاء الدليل بسبب من
الأسباب، كالإِجمال في الألفاظ واحتمالها التأويل،
ودوران الدلیل بین الاستقلال بالحكم وعدمه،
ودورانه بین العموم والخصوص، واختلاف الرواية
بالنسبة للحديث، وكالاشتراك في اللفظ، أو
التخصيص في عامه، أو التقیید في مطلقه، كما ينشأ
(١) المصباح المنير .
(٢) سورة البقرة / ٤٦
(٣) التعريفات للجرجاني ص ١٢٥، والبحر الرائق ١١٩/٢،
والأشباء لابن نجیم ص ٢٩، ونهاية المحتاج ٢٤٨/١
(٤) الهداية والفتح والعناية ١٤٨/٤، والأشباه والنظائر ص ١٠
(٥) المصباح المنير .
(٦) البحر الرائق ٢/ ١١٩
(٧) التعريفات للجرجاني ص ٢٢٨، والأشباه لابن نجيم ص ٢٩،
ونهاية المحتاج ٤٨/١
- ٢٩١ -
اشتباه ٩ - ١١
الاشتباه عند تعارض الأدلة دون مرجح. کما أن
النصوص في دلالتها لیست علی وضع واحد،
فمنها ما دلالته على الأحكام ظنية، فيجتهد
الفقهاء للتعرف على مايدل عليه النص، وقد
يتشابه الأمر عليهم نتيجة ذلك، إذ من الحقائق
الثابتة اختلاف الناس في تفكيرهم، وتباين
وجهات نظرهم.(١)
والاشتباه الناشىء عن خفاء في الدليل يعذر
المجتهد فیه، بعد بذله الجهد واستفراغه الوسع،
ویکون فیما انتهى إليه من رأي قد اتبع الديل
المرشد إلى تعرف قصد الشارع. (٢) وبيان ذلك
فيما يلي:
أ - اختلاف المخبرين :
٩ - ومن ذلك مالو أخبره عدل بنجاسة الماء،
وأخبره آخر بطهارته. فإِن الأصل عند تعارض
الخبرين وتساوهما تساقطهما، وحينئذ يعمل
بالأصل وهو الطهارة، إذ الشيء متى شك في
حکمه رد إلى أصله، لأن الیقین لا يزول بالشك،
والأصل في الماء الطهارة. (٣)
ومن هذا القبيل مالو أخبر عدل بأن هذا اللحم
ذبحه مجوسي، وأخبر عدل آخر أنه ذكاه مسلم،
فإِنه لا يحل لبقاء اللحم على الحرمة التي هي
(١) انظر حول هذه المعاني الموافقات ٤/ ١٥٦، ١٧٣، ١٧٦، ٢١١
- ٢١٤، والإِحكام لابن حزم ١٢٤/٢، وبداية المجتهد
١/ المقدمة.
(٢) مستخلص من الموافقات للشاطبي ٤/ ٢٢٠
(٣) البحر الرائق ١/ ١٤٠، ١٤٣ ط أولى، ومواهب الجليل والتاج
والإكليل ٥٣/١ط الثانية، والمهذب ١٥/١ - ١٦، ونهاية
المحتاج ٨٧/١، وكشاف القناع ٣١/١ - ٣٢، والمغني ٦٥/١
الأصل. إذ حل الأكل متوقف على تحقق الذكاة
الشرعية. وبتعارض الخبرين لم يتحقق الحل،
فبقيت الذبيحة على الحرمة .
ب - الإخبار المقتضى للاشتباه :
١٠ - وهو الإِخبار الذي اقترنت به قرائن توقع في
الاشتباه. مثال ذلك: أن يعقد على امرأة، ثم
تزف إلیه أخری بناء على أنها زوجته، ویدخل بها
على هذا الاعتقاد، ثم يتبين أنها ليست المرأة التي
عقد عليها. فإِن وطئها فإِنه لا حد عليه اتفاقا، لأنه
اعتمد دليلا شرعياً في موضع الاشتباه، وهو
الإخبار. وقد أورد الفقهاء فروعا كثيرة مثل هذا
الفرع، وهي مبنية على هذا الأساس. (١)
جـ - تعارض الأدلة ظاهرا :
١١ - لا يوجد بين أدلة الأحكام الشرعية في واقع
الأمر تعارض، لأنها جميعها من عند الله تعالى. أما
ما يظهر من التعارض بين الدليلين فلعدم العلم
بظروفهما وشروط تطبيقهما، أوبما يراد بكل منهما
على سبيل القطع، أو لجهلنا بزمن ورودهما، وغير
ذلك مما يرتفع به التعارض.
فمن الاشتباه بسبب تعارض الأدلة في الظاهر
ما إذا سرق الوالد من مان ولده، إذ أن نصوص
العقاب على السرقة تشمل في عمومها هذه
الواقعة. فالله سبحانه وتعالى يقول: (والسارق
والسارقة فاقطعوا أيديهما ... ). (٢) غير أنه قد جاء
(١) المبسوط ٩/ ٥٧ - ٥٨، وتبيين الحقائق ١٧٩/٣، وفتح القدير
١٤٦/٤
(٢) سورة المائدة / ٣٨
- ٢٩٢ -
:
اشتباه ١١ - ١٢
في السنة ما یفید حل مال الابن لأبيه. فقد روي أن
الرسول ﴿ قال: ((أنت ومالك لأبيك))(١) وقوله:
((إن أطيب ما أكل الرجل من کسبه، وإن ولده من
كسبه))(٢) ووجود مثل هذا ينتج اشتباها في الحكم
يترتب عليه إسقاط الحد، لأن من أعظم الشبهات
أخذ الرجل من مال جعله الشرع له، وأمره بأخذه
وأكله. وقال أبو ثور وابن المنذر بإِقامة الحد. (٣)
وتفصيل ذلك في مصطلح (سرقة).
ومن الاشتباه الناشىء عن تعارض الأدلة في
الظاهر ما ورد بالنسبة لطهارة سؤر الحمار، فقد
روي عن عبدالله بن عباس أنه كان يقول: ((الحمار
يعتلف القت والتبن فسؤره طاهر))(٤) وعن جابر أن
النبي ﴿ سئل ((أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال:
نعم، وبما أفضلت السباع كلها»، (٥) وروي عن
(١) حديث: ((أنت ومالك لأبيك)) سبق تخريجه(ف ٣)
(٢) حديث: ((إن اطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من
كسبه)) أخرجه أحمد (٤١/٦ - ط اليمنية)، وأبو داود (٣/ ٨٠٠ ۔
ط عزت عبيد دعاس) والنسائي (٧/ ٢٤١ط المطبعة المصرية
بالأزهر)، والترمذي (تحفة الأحوذي ٥٩١/٤ - ٥٩٢ نشر المكتبة
السلفية)، وابن ماجة (سنن ابن ماجة بتحقيق محمد فؤاد
عبدالباقي ٧٢٣/٢ط عيسى الحلبي)، من حديث عائشة رضي
الله عنها مرفوعا، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
(٣) فتح القدير ٢٣٨/٤ ط أولى أميرية، وحاشية الدسوقي
٤/ ٣٣٧، وشرح المنهج بحاشية الجمل ١٤٢/٥ ط دار إحياء
التراث العربي، والمغني ٨/ ٢٧٥
(٤) أثر عبدالله بن عباس أورده صاحب البدائع، ولم نعثر عليه فيما
لدينا من مراجع السنن والآثار (بدائع الصنائع ٦٥/١ نشر دار
الكتاب العربي ١٣٩٤ هـ).
(٥) حديث: ((أن النبي ﴿ سئل أنتوضأ مما أفضلت الحمر .... ؟))
أخرجه الدارقطني (٦٢/١ - ط شركة الطباعة الفنية)، والبيهقي
(٢٤٩/١ - ط دائرة المعارف العثمانية) وأعلاه بأحد الرواة
الضعفاء.
عبدالله بن عمر أنه كان يقول: ((إنه رجس))(١)
والتوقف في الحكم عند تعارض الأدلة واجب.
فلذلك کان مشکوکنا فيه، والمراد بالشك التوقف
عن إعطاء حكم قاطع، لتعارض الأدلة. (٢) قال
ابن عابدين: الأصح أن سؤر الحمار مشكوك في
طهوريته (أي كونه مطهرا، لا في طهارته في ذاته)
وهو قول الجمهور. وسببه تعارض الأخبار في
لحمه، وقيل: اختلاف الصحابة في سؤ ره، وقد
استوى ما يوجب الطهارة والنجاسة فتساقطا
للتعارض، فيصار إلى الأصل، وهوهنا شيئان:
الطهارة في الماء، والنجاسة في اللعاب، وليس
أحدهما أولى من الآخر، فبقي الأمر مشکلا،
نجسا من وجه، طاهرا من وجهه. (٣)
د - اختلاف الفقهاء :
١٢ - من ذلك ما قاله الفقهاء من عدم وجوب الحد
بالوطء في نكاح مختلف فيه، کالنكاح بلا ولي،
فالحنفیة یجیزونه. وسقوط الحد بسبب ذلك قول
أكثر أهل العلم، لأن الاختلاف في إباحة الوطء فيه
شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات (٤) ويرجع في
تفصيل ذلك إلی باب (حد الزنى).
(١) الأثر عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أخرجه عبدالرزاق وابن
أبي شيبة بلفظ: ((أنه كان يكره سؤر الحمار)» (مصنف عبدالرزاق
١٠٥/١٠، ومصنف ابن أبي شيبة ٢٩/١).
(٢) البدائع ٦٥/١، والمغني ٤٨/١
(٣) حاشية ابن عابدين ١٥١/١
(٤) فتح القدير ١٤٣/٤ - ١٤٤، والبدائع ٣٥/٧، والشرح الكبير
وحاشية الدسوقي ٣١٣/٤، ومواهب الجليل والتاج والإكليل
٢٩١/٦، ٢٩٣، وحاشية قليوبي ٤/ ١٨٠، ونهاية المحتاج
٤٠٥/٧، والمغني ١٨٤/٨
- ٢٩٣ -
.أ
اشتباه - ١٣
ومن ذلك المصلي بالتیمم إذا رأی سرابا، وكان
أکبر رأیه أنه ماء، فإِنه یباح له أن ينصرف، وإن
استوى الأمران لا يحل له قطع الصلاة، وإذا فرغ
من الصلاة، إن ظهر أنه كان ماء يلزمه الإِعادة،
وإلا فلا. نص على ذلك الحنفية. (١) والشافعية
والحنابلة على أن من تيمم لفقد الماء فوجده أو توهمه
بطل تيممه إن لم يكن في صلاة. ويحصل هذا
التوهم برؤية سراب. ومحل بطلانه بالتوهم إن
بقي من الوقت زمن لوسعى فيه إلى ذلك لأمكنه
التطهر به والصلاة فيه. وإذا بطل التيمم بتوهم
وجود الماء فإِنه بطلانه بالظن أو الشك أولى، سواء
أتبين له خلاف ظنه أم لم يتبين، لأن ظن وجود الماء
مبطل للتيمم. وعند المالكية: إن وجد الماء بعد
الدخول في الصلاة فيجب عليه إتمامها. (٢)
ونص الحنابلة علی أن من خاف على نفسه أو
ماله إذا ما طلب الماء ساغ له التيمم، ولو كان خوفه
بسبب ظنه فتبين عدم السبب. مثل من رأى سواداً
باللیل ظنه عدوا، فتبین أنه ليس بعدوبعد أن تیمم
وصلى لم يعد لكثرة البلوى. وقيل: يلزمه الإِعادة،
لأنه تيمم من غير سبب مبيح للتيمم. (٣)
هـ - الاختلاط :
١٣ - يقصد به اختلاط الحلال بالحرام وعسر التمييز
بينهما. كما لو اختلطت الأواني التي فيها ماء طاهر
بالأواني التي فيها ماء نجس، واشتبه الأمر، بأن لم
(١) الفتاوى البزازية بهامش الفتاوى الهندية ٦٠/١
(٢) نهاية المحتاج ٢٨٦/١ - ٢٨٧، والمغني ٢٧١/١، ٢٧٢، ومنح
الجليل ٩٣/١
(٣) كشاف القناع ١٦٤/١ - ١٦٥، والمغني ٢٣٩/١
يمكن التمييز بينهما، فإنه يسقط استعمال الماء،
ويجب التيمم عند الحنفية والحنابلة، وهو قول
سحنون من المالکیة، لأن أحدهما نجس یقینا،
والآخر طاهر يقينا، لكن عجز عن استعماله لعدم
علمه فيصار إلى البدل.
وتفصيل ذلك يرجع فيه إلى مصطلح (ماء). (١)
ومن هذا القبيل ما إذا اشتبهت عليه ثياب
طاهرة بنجسة، وتعذر التمييز بينها، ولم يجد ثوبا
طاهرا بيقين، وليس معه ما يطهرهما به، واحتاج
إلى الصلاة، فالحنفية، وهو المشهور عند المالكية،
ومذهب الشافعية خلافا للمزني، أنه یتحری بینها،
ويصلي بما غلب على ظنه طهارته. وقال الحنابلة
وابن الماجشون من المالكية: لا يجوز التحري
ويصلي في ثياب منها بعدد النجس منها، ويزيد
صلاة في ثوب آخر. وقال أبو ثور والمزني: لا يصلي
في شيء منها کالأواني. (٢)
وإنما يتحرى - عند من قال بذلك - إذا لم يجد
ثوبا طاهرا، أوما يطهر به ما اشتبه عليه من
الثياب. وإذا تحرى فلم يترجح أحدهما على الآخر
صلى في أحدهما. والقائلون بالتحري هنا قالوا :
لأنه لا خلف للثوب في ستر العورة، بخلاف
الاشتباه في الأواني، لأن التطهر بالماء له خلف وهو
التيمم. (٣)
(١) البحر الرائق ١/ ١٤٠ - ١٤١، والأشباه والنظائر لابن نجيم
١٤٦/١، ومواهب الجليل والتاج والإكليل ١/ ١٧٠، وحاشية
الدسوقي ٨٢/١، ونهاية المحتاج ٧٦/١، والمهذب ١٦/١،
وكشاف القناع ٤٧/١، والمغني ١/ ٦٢
(٢) المغني ١/ ٦٢ ط الرياض.
(٣) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٢٠، والفتاوي الهندية
٣٨٣/٥، وحاشية الدسوقي ٧٩/١، ومواهب الجليل
١٦٠/١، ونهاية المحتاج ١٦/٢
- ٢٩٤ -
اشتباه ١٤
و - الشك (بالمعنى الأعم يشمل أيضا الظن
والوهم):
١٤ - ومن ذلك ما قالوه فيمن أيقن بالوضوء وشك
في الحدث من أنه لا وضوء عليه، إذ اليقين لا يزول
بالشك، وهو ما ذهب إليه فقهاء المذاهب، (١) غير
أنه نقل عن مالك أنه قال: من أيقن بالوضوء وشك
في الحدث ابتدأ الوضوء، وقد روی ابن وهب عن
مالك أنه قال: أحب إلي أن يتوضأ، وهذا يدل
على أن الوضوء عند مالك في ذلك إنما هو
استحباب واحتياط، (٢) كما أجمعوا على أن من أيقن
بالحدث وشك في الوضوء أن شكه لا يعتبر وعليه
الوضوء، (٣) لأنه المتيقن. والمراد بالشك هنا مطلق
التردد سواء أكان على السواء أم كان أحد طرفيه
أرجح (٤). وعلى هذا فلا فرق بين أن يغلب على
ظنه أحدهما أويتساوى الأمران عندهما، لأن غلبة
الظن إذا لم تكن مضبوطة بضابط شرعي لا يلتفت
إليها، ولأنه إذا شك تعارض عنده الأمران، فيجب
سقوطهما كالبينتين إذا تعارضتا، ويرجع إلى
الیقین(٥)
وقالوا : من تيقن الطهارة والحدث معا واشتبه
عليه الأمر فلم يعلم الأخير منهما والأسبق فيعمل
بضد ما قبلهما، فإن کان قبل ذلك محدثا فهو الآن
متطهر، لأنه تيقن الطهارة بعد ذلك الحدث وشك
(١) حاشية ابن عابدين ١٠٢/١، والتاج والإكليل ٣٠١/١، ونهاية
المحتاج ١١٤/١، والمهذب ٣٢/١، والمغني ١٩٦/١
(٢) التاج والإكليل ٣٠١/١
(٣) المراجع السابقة .
(٤) نهاية المحتاج ١/ ١١٤
(٥) المغني ١/ ١٩٧
في انتقاضها، لأنه لا يدري هل الحدث الثاني قبلها
أو بعدها. وإن کان متطهرا وکان یعتاد التجديد فهو
الآن محدث، لأنه متيقن حدثا بعد تلك الطهارة
وشك في زواله، لأنه لا يدري هل الطهارة الثانية
متأخرة عنه أم لا. (١)
ومن هذا القبيل ما قالوه في الصائم لوشك في
غروب الشمس، فإنه لا يصح له أن يفطر مع
الشك، لأن الأصل بقاء النهار. ولو أفطر وهو شاك
ولم يتبين الحال بعد ذلك فعليه القضاء اتفاقا . (٢)
أما إذا شك الصائم في طلوع الفجر فالمستحب
له ألا يأكل لاحتمال أن يكون الفجر قد طلع،
فیکون الأکل إفسادا للصوم فیتحرز عنه، لما روي
أن رسول الله ﴿ قال: ((الحلال بَيْنٌّ والحرام بَيْنْ
وبينهما أمور مشتبهات))(٣). وقوله ◌َلآخر: ((دع
ما يريبك إلى ما لا يريبك (٤)). ولو أكل وهو شاك
فإِنه لا يحكم بوجوب القضاء عليه، لأن فساد
(١) حاشية ابن عابدين ١٠٢/١، والتاج والإكليل ٣٠١/١، ونهاية
المحتاج ١١٤/١، والمهذب ٣٢/١، والمغني ١٩٧/١
(٢) البدائع ١٠٥/٢، وحاشية الدسوقي ٥٢٦/١، ونهاية المحتاج
١٧١/٣، والإقناع في فقه الإمام أحمد ٣١٢/١ - ٣١٥، ط دار
المعارف.
(٣) حديث: ((الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات)) أخرجه
البخاري (١٢٦/١ - الفتح - ط السلفية) من حديث النعمان بن
شير.
(٤) حديث: ((دع ما يريبك إلى مالا يريبك)) علقه البخاري من
حديث حسان بن أبي سنان، وأخرجه أحمد والنسائي والحاكم
مرفوعا من حديث الحسن بن علي. قال الحاكم: هذا حديث
صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، وسكت عنه ابن
حجر (فتح الباري ٢٩٢/٤ - ٢٩٣ ط السلفية، ومسند أحمد بن
حنبل ١/ ٢٠٠ط اليمنية، وسنن النسائي ٣٢٧/٨ -٣٢٨، نشر
المكتبة التجارية، والمستدرك ١٣/٢ نشر دار الكتاب العربي).
- ٢٩٥ -
اشتباه - ١٥
الصوم مشكوك فيه، إذ الأصل بقاء الليل فلا يثبت
النهار بالشك، وإلى هذا اتجه فقهاء الحنفية
والشافعية والحنابلة. (١)
وقال المالكية: من أكل شاكّا في الفجر فعليه
القضاء مع الحرمة، وإن كان الأصل بقاء الليل،
هذا بالنسبة لصوم الفرض. وقيل: وفي النفل
أيضا. كما قيل مع الكراهة لا الحرمة. ومن أكل
معتقدا بقاء الليل أو حصول الغروب ثم طرأ
الشك، فعليه القضاء بلا حرمة . (٢)
ز - الجهل :
١٥ - ومن ذلك الأسير في دار الحرب، إذا لم يعرف
دخول رمضان، وأراد صومه، فتحری وصام شهرا
عن رمضان فتبين أنه أخطأ. فإِذا كان صام قبل
حلول شهر رمضان فعلا لم يجزئه، لأنه أدی الواجب
قبل وجوبه ووجود سببه، وهو مشاهدة الشهر، (٣)
ونقل الشيرازي عن الأصحاب من الشافعية قولا
آخر بالإِجزاء، لأنه عبادة تفعل في السنة مرة، فجاز
أن يسقط فرضها بالفعل قبل الوقت عند الخطأ،
كالوقوف بعرفة إذا أخطأ الناس ووقفوا قبل يوم
عرفة، ثم قال: والصحیح أنه لا يجزئه، لأنه تیقن
الخطأ فيما يؤمن مثله في القضاء، فلم يعتد بها
(١) البدائع ١٠٥/٢، ونهاية المحتاج ١٧١/٣، والإقناع في فقه
الإمام أحمد ٣١٢/١، ٣١٥ ط دار المعارف.
(٢) حاشية الدسوقي ٥٢٦/١
(٣) البدائع ٢/ ٨٦، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١/ ٥١٩،
والمهذب ١٨٧/١، ونهاية المحتاج ٣/ ٤٥٩، وكشاف القناع
٢٧٦/٢، والإقناع في فقه الإمام أحمد ٣١٦/١ط دار المعرفة
بلبنان.
فعله، كما لو تحرى في وقت الصلاة فصلى قبل
الوقت . (١)
وإن تبين أن الشهر الذي صامه كان بعد رمضان
صحّ.
وإذا كان الشهر الذي صامه ناقصا، ورمضان
الذي صامه الناس تاما صام يوما، إذ لابد من
موافقة العدد، لأن صوم شهر آخر بعده يكون
قضاء، والقضاء يكون على قدر الفائت. (٢) وعند
الشافعية وجه آخر اختاره أبو حامد الاسفراييني
بالإِجزاء، لأن الشهر يقع على ما بين الهلالین،
ولهذا لو نذر صوم شهر، فصام شهرا نقاصا بالأهلّة
أجزأه. ثم قال الشيرازي: والصحيح عندي أنه
يجب عليه صوم يوم . (٣)
ومن ذلك الاشتباه في القبلة بالنسبة لمن يجهلها .
فقد نص فقهاء المذاهب على أن من اشتبهت عليه
جهة القبلة، ولم يكن عالما بها، سأل من بحضرته
من يعلمها من أهل المكان. وحد الحضرة أن يكون
بحيث لوصاح به سمعه. (٤) فإذا تحری بنفسه
وصلی دون سؤال، وتبین له بعد ذلك أنه لم يصب
القبلة، أعاد الصلاة، لعدم إجزاء التحري مع
القدرة على الاستخبار، لأن التحري دون
الاستخبار، إذ الخبر ملزم له ولغيره، بينما التحري
ملزم له دون غيره، فلا يصار إلى الأدنى مع إمكان
الأعلى، أما إذا لم يكن بحضرته أحد يرجع إليه في
٠
(١) المهذب ١/ ١٨٧
(٢) المراجع السابقة للمذاهب.
(٣) المهذب ١/ ١٨٧
(٤) الفتاوى الهندية ٦٤/١، والبدائع ١١٨/١، وكشاف القناع
٣٠٧/١
- ٢٩٦ -
--- -
:
اشتباه ١٦ - ١٧
ذلك، أو کان وسأله ولم يجبه، أو لم يدله ثم تحرى،
فإن صلاته تصح، حتى لو تبين له بعد ذلك أنه
أخطأ، لما روي عن عامر بن ربيعة أنه قال: (١) ((كنا
مع رسول الله ﴾ في ليلة مظلمة، فلم ندر اين
القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله - أي
قبالته - فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله (ێ ،
فنزل قول الله سبحانه (فأينما تولوا فَثَمّ
وجهُ الله)). (٢)
ولأن العمل بالدليل الظاهر واجب إقامة
للواجب بقدر الوسع، وإقامة للظن مقام اليقين
لتعذره . (٣)
ولما روي عن علي رضي الله عنه أن ((قبلة
المتحري جهة قصده))(٤) وإن تحرى ثم قَبْلَ الصلاة
أخبره عدلان من أهل الجهة أن القبلة إلى جهة
أخرى، أخذ بقولهما ولا عبرة بالتحري . (٥)
ح - النسيان :
١٦ - ومن ذلك المرأة إذا نسيت عادة حيضها،
واشتبه عليها الأمر بالنسبة للحيض والطهر، بأن لم
تعلم عدد أيام حيضها المعتادة، ولا مكان هذه
الأيام من الشهر فإنها تتحرى، فإِن وقع تحريها على
(١) حديث ((كنا مع رسول الله {لفر ... )) أخرجه الترمذي (١٧٦/١
- ط الحلبي). وذكر ابن كثير في تفسيره له أسانيد أخرى ١/ ٢٧٨
وقال: هذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشد بعضها بعضا.
(٢) سورة البقرة / ١١٥
(٣) تبيين الحقائق ١/ ١٠١، وكشاف القناع ٣٠٧/١
(٤) الأثر عن علي رضي الله عنه ((أن قبلة المتحري جهة قصد)) أورده
الزيلعي في تبيين الحقائق، ولم نعثر عليه فيما لدينا من مراجع
السنن والآثار (تبيين الحقائق ١٠١/١، ط دار المعرفة).
(٥) الفتاوى الهندية ١/ ٦٤
طهر تعطی حکم الطاهرات، وإن کان علی حیض
أعطيت حكمه، لأن غلبة الظن من الأدلة
الشرعية .
وإن ترددت ولم يغلب على ظنها شيء فهي
المحيرة، وتسمى المضللة، لا يحكم لها بشيء من
الطهر أو الحيض على التعيين، بل تأخذ بالأحوط
في حق الأحکام، لاحتمال کل زمان يمر عليها من
الحيض والطهر والانقطاع، ولا يمكن جعلها
حائضا دائما لقيام الإجماع على بطلانه، ولا طاهرا
دائما لقیام الدم، ولا التبعیض لأنه تحكم، فوجب
الأخذ بالأحوط في حق الأحكام للضرورة. (١)
وتفصيل أحكامها في مصطلح (استحاضة).
ط ـ وجود دليل غير قوي على خلاف الأصل :
١٧ - ومن ذلك ما قاله فقهاء الحنفية وابن شبرمة
والثوري وابن أبي ليلى (٢) في إثبات الشفعة بسبب
الجوار، أوبسبب الشركة في مرافق العقار، ووافقهم
الشافعية في الصحيح عندهم بالنسبة للشريك في
ممر الدار، بأن كان للمشتري طريق آخر إلى
الدار، أو أمكن فتح باب لها إلى شارع.
وأما جمهور الفقهاء فيقصرونها على الشركة في
نفس العقار المبيع فقط، فإِذا وقعت الحدود فلا
شفعة، لأن الشفعة تثبت على خلاف الأصل، إذ
هي انتزاع ملك المشتري بغیر رضاء منه، وإجبار
(١) حاشية ابن عابدين ١/ ١٩٠ - ١٩١، وتبيين الحقائق وحاشية
الشلبي ١/ ٦٢ - ٦٣، وبداية المجتهد ٥٧/١، وشرح الزرقاني
١٣٥/١، ٣٣٦، ونهاية المحتاج ٣٢٨/١، والمهذب ٤٨/١،
والمغني ٣٢١/١
(٢) المغني ٣٠٨/٥، والبدائع ٤/٥، والمبسوط ١٤/ ٩١ - ٩٢
- ٢٩٧ -
اشتباه ١٧
له على المعاوضة، (١) ولما روى جابر من قول النبي
وَي: ((الشفعة فيما لم يقسم، فإِذا وقعت الحدود
وصرفت الطرق فلا شفعة»(٢) وبما روي عن
سعيد بن المسيب أن رسول الله وض#* قال: ((إذا
قسمت الأرض وحدت فلا شفعة فيها)). (٣)
ومقتضى الأصل أن لا يثبت حق الأخذ
بالشفعة أصلا، لكنها ثبتت فيما لا يقسم بالنص
الصريح غير معقول المعنى، فبقي الأمر في المقسوم
علی الأصل، أو ثبت معلولا بدفع ضرر خاص وهو
ضرر القسمة . (٤)
وما استدل به الحنفیة ومن معهم من أحاديث،
فإِن في أسانيدها مقالا . قال ابن المنذر: الثابت عن
رسول الله ہے حديث جابر - السابق ذكره - وما
عداه من الأحاديث التي استدل بها الحنفية ومن
معهم، کالحديث الذي رواه أبو رافع ((الجار أحق
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤٧٣/٣ - ٤٧٤، ومنهاج
الطالبين وحاشية قليوبي ٤٣/٣ - ٤٤، والمهذب ٣٨٤/١،
والمغني ٣٠٨/٥ -٣٠٩، ومواهب الجليل والتاج والإكليل
٣١٠/٥ -٣١١
(٢) حديث ((الشفعة فيما لم يقسم .... )) أخرجه البخاري من
حديث جابر رضي الله عنه بلفظ: ((قضى النبي ﴾ بالشفعة في
كل ما لم يقسم، فإِذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة))
(فتح الباري ٤٣٦/٤ط السلفية).
(٣) حديث: ((إذا قسمت الأرض ... )) أخرجه مالك عن سعيد بن
المسيب بلفظ: ((أن رسول الله﴿ قضى بالشفعة فيما لم يقسم بين
الشركاء، فإذا وقعت الحدود بينهم فلا شفعة فيه)). (الموطأ
٧١٣/٢ط الحلبي).
(٤) البدائع ٥/ ٤
بسقبه))، (١) والحديث الذي رواه سمرة أن النبي
وَلِ* قال: ((جار الدار أحق بالدار))(٢) فإِن فيها
مقالا. على أنه يحتمل أنه أراد بالجار الشريك،
فإِنه جار أيضا. فكل هذا أورث شبهة عند
الجمهور، لأن ما استدل به الحنفية غير قوي،
وجاء على خلاف الأصل، ولذا لم يثبتوا الشفعة
بسبب الجوار والشركة في مرافق العقار، وقصروها
على الشركة في العقار نفسه .
وبناء على هذا الاشتباه: لو قضى قاض بها لا
يفسخ قضاؤه. (٣)
ومن الاشتباه الناجم عن وجود دليل غير قوي
على خلاف الأصل: ما قاله الحنفية من أن دلالة
العام الذي لم يخصص قطعيته، فيدل على جميع
الأفراد التي يصدق عليها معناه. فإِذا دخله
التخصيص كانت دلالته ظنية .
بينما يرى جمهور الأصوليين أن دلالة العام في
(١) حديث ((الجار أحق بسقبه)) أخرجه البخاري (٤٣٧/٤ - الفتح
ط السلفية) وأبو داود (٧٨٦/٣ ط عزت عبيد دعاس).
(٢) حديث ((جار الدار أحق بالدار)) أخرجه أبو داود والترمذي،
واللفظ له، من حديث سمرة مرفوعا، وقال الترمذي: حديث
سمرة حسن صحيح، وصححه ابن حبان من حديث أنس رضي
الله عنه، وله شاهد من حديث الشريد بن سويد الثقفي رضي الله
عنه. (عون المعبود ٣/ ٣٠٧ ط الهند، وتحفة الأحوذي ٤/ ٦٠٩،
٦١٠ نشر السلفية، وموارد الظمآن ص ٢٨١ ط دار الكتب
العلمية، ومسند أحمد بن حنبل ٣٨٨/٤ نشر المكتب
الإِسلامي).
(٣) المغني ٣٠٩/٥ - ٣١٠
(٤) الإِحكام للآمدي ٣/ ١٨٠، وكشف الأسرار ٣٠٧/١. والعام:
هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له دفعة واحدة بحسب وضع
واحد، وصيغته وضعت للاستغراق والشمول ما لم يصرفها
صارف. (انظر الأسنوي ٢٨٢/١، ومسلم الثبوت ١/ ٢٥٥،
وإرشاد الفحول ص ١٠٨، وكشف الأسرار ١/ ٢٩١ - ٣٠٦)
- ٢٩٨ -
أ
i
٠
--------- -
٠
اشتباه - ١٧
جميع أحواله ظنية، إذ الأصل أنه ما من عام إلا
وخصص. وما دام العام لا يكاد يخلومن مخصص،
فإن هذا يورث شبهة قوية تمنع القول بقطعيته في
إفادة الشمول والاستغراق، ويترتب على هذا
الخلاف أن الحنفية يمنعون تخصيص عام الكتاب
والسنة المتواترة ابتداء بالدليل الظني، خلافا
للجمهور.
وعلى هذا فقد ذهب الحنفية إلى تحريم أكل
ذبيحة المسلم، إذا تعمد ترك التسمية عليها،
لعموم قوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يُذكر اسم الله
عليه)(١) ولم يخصصوا هذا العموم بحديث:
((ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم
يذكره))، (٢) لأنه خبر آحاد، وقد وافقهم المالكية
والحنابلة في تحريم ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية
عمدا، بينما الشافعية يجيزون أكلها، لأن دلالة
العام عندهم ظنية، فيجوز تخصيصه بما هو ظني،
وإن كرهوا تعمد الترك. (٣) وتفصيل ذلك في
(تذكية، وتسمية).
ومن هذا القبيل أيضا : اختلاف الفقهاء في
سرقة ما قيمته نصاب من الماء المحرز، فالأصل في
الماء المحرز أنه مال متقوم، وأنه ملك لمن أحرزه،
ولا شركة فيه ولا شبهة الشركة، وقد ورد النهي عن
((بيع الماء إلا ماحُل(4). ولهذا قال جمهور الفقهاء
(١) سورة الأنعام / ١٢١
(٢) حديث ((ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أم لم يذكره)) أخرجه
أبو داود في المراسيل كما في نصب الراية (١٨٣/٤ - ط المجلس
العلمي) وأعله ابن القطان بالإِرسال وبجهالة أحد رواته.
(٣) البدائع ٤٥/٥، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢/ ١٠٦،
وشرح الخطيب المسمى بالإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع
٤/ ٢٥٤، والمغني ٨/ ٥٨١
(٤) حديث ((النهي عن بيع الماء إلا ما حمل)) أخرجه أبو عبيد من =
بوجوب القطع، يقول ابن رشد: اختلف الفقهاء
في الأشياء التي أصلها مباح، هل يجب في سرقتها
القطع؟ فذهب الجمهور إلى أن القطع في كل
متمول يجوز بيعه وأخذ العوض فیه، وعمدتهم
عموم الآية الموجبة للقطع، يقول الله تعالى :
(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)(١) وعموم الآثار
الواردة في اشتراط النصاب، ومنها ما ثبت عن
السيدة عائشة رضي الله عنها أن الرسول و﴿ قال:
((لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعد)). (٢)
ويقول الدسوقي : ويجب القطع وإن كان
المسروق محقرا كماء وحطب، لأنه متمول مادام
محرزا، ولو كان مباح الأصل (٣). وهذا مذهب
الشافعية، (٤) والقول المشهور عن أبي يوسف. (٥)
لکن أبا حنيفة ومحمد بن الحسن، والحنابلة یرون
عدم القطع، لأنه لا يتمول عادة، ولأن الإِباحة
الأصلية تورث شبهة بعد الإِحراز، ولأن التافه لا
يحرز عادة، أو لا يحرز إحراز الخطير، وينتهون الى
أن الاعتماد على معنى التفاهة دون إباحة الأصل،
= حديث مشيخته بلفظ: ((أن رسول الله * نهى عن بيع الماء إلا
ما حمل منه)) وفي إسناده إرسال وإبهام، كما أن أبا بكر بن
عبدالله بن أبي مريم ضعيف، وفي إسناده بقية وهو مدلس وقد
عنعن السند (الأموال للحافظ أبي عبيد القاسم بن سلام
ص ٣٠٢ نشر المكتبة التجارية، وميزان الاعتدال ٣٣١/١،
٤/ ٤٩٧، ٤٩٨ ط عيسى الحلبي).
(١) سورة المائدة / ٣٨
(٢) بداية المجتهد ٢/ ٢٧٦ وحديث ((لا تقطع يد السارق إلا في ربع
دينار فصاعدا)) رواه مسلم (١٣١٢/٣ - ط الحلبي) والنسائي
(٨١/٨ - ط المكتبة التجارية).
(٣) حاشية الدسوقي ٤/ ٣٣٤
(٤) الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ١٧١/٤، وأسنى المطالب
١٤١/٤
(٥) الهداية والفتح ٢٥٧/٤، والمبسوط ١٥٣/٩
- ٢٩٩ -
اشتباه - ١٨
وإن كان منهم من يرى أن السبب شبهة
الشركة . (١)
ى - الإِبهام مع عدم إمكان البيان :
١٨ - ومن ذلك ما إذا طلق الرجل إحدى زوجتیه،
دون تعیین واحدة منهما، ثم مات قبل البيان،
فيحدث الاشتباه بسبب ذلك فيمن وقع عليها
الطلاق.
فالحنفية يفصلون في هذه المسألة أحكام المهر
المسمى، وحكم الميراث، وحكم العدة. فأما
حکم المهر فإِن كانتا مدخولا بهما فلكل واحدة منهما
جميع المهر، لأن كل واحدة منهما تستحق جميع
المهر، منكوحة كانت أو مطلقة. وإن كانتا غير
مدخول بهما فلهما مهر ونصف مهر بينهما، لكل
واحدة منهما ثلاثة أرباع المهر، لأن كل واحدة منهما
يحتمل أن تكون زوجة متوفى عنها، ويحتمل أن
تكون مطلقة. فإن كانت زوجة متوفى عنها تستحق
جميع المهر، لأن الموت بمنزلة الدخول، وإن كانت
مطلقة تستحق النصف فقط، لأن النصف سقط
بالطلاق قبل الدخول، فلكل واحدة منهما كل المهر
في حال، والنصف في حال، وليست إحداهما بأولى
من الأخرى، فيتنصف، فيكون لكل واحدة ثلاثة
أرباع مهر.
وأما حكم الميراث، فهو أنهما يرثان منه ميراث
امرأة واحدة، ويكون بينهما نصفين في الأحوال
کلها، لأن إحداهما منكوحة بیقین، وليست
إحداهما بأولى من الأخری، فیکون قدر ميراث
(١) فتح القدير ٢٢٦/٤، والبدائع ٦٧/٧ - ٦٩، والمغني ٨/ ٢٤٦
امرأة واحدة بينهما بالسوية .
وأما حكم العدة، فعلى كل واحدة منهما عدة
الوفاة وعدة الطلاق، أيهما أطول، لأن إحداهما
منكوحة والأخرى مطلقة، وعلى المنكوحة عدة
الوفاة، وعلى المطلقة عدة الطلاق، فدارت كل
واحدة من العدتين في حق كل واحدة من المرأتين
بين الوجوب وعدم الوجوب، والعدة يحتاط في
إيجابها، ومن الاحتياط القول بوجوبها على كل
واحدة منهما.(١)
والمالكية يوافقون الحنفية(٢) في حكم الميراث
والصداق. ولم نقف على نص لهم بالنسبة للعدة.
ولهم في الصداق تفصيل يرجع إليه في مصطلح
(صداق).
أما الشافعية فإنهم بالنسبة للميراث يرون أنه
يوقف للزوجتين من ماله نصيب زوجة إلى أن
يصطلحا، لأنه قد ثبت إرث إحداهما بيقين،
ولیست إحداهما بأولی من الأخرى، فإِن قال وارث
الزوج: أنا أعرف الزوجة منهما ففيه قولان:
أحدهما : يرجع إليه، لأنه لما قام مقامه في
استلحاق النسب قام مقامه في تعيين الزوجة.
والثاني : لا يرجع إليه، لأن كل واحدة منهما
زوجة في الظاهر، وفي الرجوع إلى بيانه إسقاط
وارث مشارك، والوارث لا يملك إسقاط من
يشاركه في الميراث. وقيل: إنه في صورة ما إذا طلق
إحدی زوجتیه دون تعیین لا یرجع إلی الوارث قولا
واحدا، لأنه اختيار شهوة . (٣)
(١) البدائع ٢٢٦/٣ - ٢٢٧
(٢) حاشية الدسوقي ٢/ ٢٧٥
(٣) المهذب ١٠١/٤ - ١٠٢، وحاشية البجيرمي على الخطيب
٧٨/٣
- ٣٠٠ -