النص المفهرس
صفحات 241-260
إسقاط ٣٩ - ٤٠
ما يتعلق به النفع العام، أو هو امتثال أوامره
ونواهيه .
- وحق خالص للعباد، وهو مصالحهم المقررة
بمقتضى الشريعة .
- وما اجتمع فيه حق الله وحق العبد، كحد
القذف والتعزيز.
والأصل أن الحق لله سبحانه وتعالى، لأنه
ما من حق للعبد إلا وفيه حق لله تعالى، وهو أمره
بإيصال ذلك الحق إلى مستحقه.
وإفراد نوع من الحقوق بجعله حقا للعبد فقط،
إنما هو بحسب تسليط العبد على التصرف فيه
بحيث لو أسقطه لسقط، فكل واحد من الحقين
(حق الله وحق العبد) موكول لمن هو منسوب إليه
ثبوتا وإسقاطا . (١).
وبيان ذلك فيما يأتي :
حق الله سبحانه وتعالى :
٣٩ - ذكر حق الله هنا فيما يقبل الإسقاط إنما هو
باعتبار قبوله للإسقاط من قبل الشارع، أما من قبل
العباد فلا يجوز على ما سيأتي .
وحقوق الله : إما عبادات محضة مالیة کالزكاة،
أو بدنية كالصلاة، أو جامعة للبدن والمال کالحج.
وإما عقوبات محضة كالحدود. وإما كفارات وهي
مترددة بين العقوبة والعبادة.
ويقول الفقهاء: إن حقوق الله مبنية على
المسامحة، بمعنى أنه سبحانه وتعالى لن يلحقه
(١) شرح المنار ص ٨٨٦، والذخيرة ص ٦٨ نشر وزارة الأوقاف
بالكويت، والمنثور ٥٨/٢ - ٦٤، والتلويح ١٥١/٢، والفروق
١/ ١٤٠، ١٩٥
ضرر في شيء، ومن ثم قُبل الرجوع عن الإِقرار
بالزنى فيسقط الحد، بخلاف حق الآدميين فإِنهم
يتضررون. (١)
وبإِيجاز نذكر الأسباب الموجبة لإسقاط حق الله
كما اعتبرها الشارع:
٤٠ - حقوق الله سبحانه وتعالى تقبل الإسقاط في
الجملة للأسباب التي يعتبرها الشرع مؤدية إلى
ذلك، تفضلا منه، ورحمة بالعباد، ورفعا للحرج
والمشقة عنهم، کإسقاط العبادات والعقوبات عن
المجنون، وكإسقاط بعض العبادات بالنسبة
لأصحاب الأعذار كالمرضى والمسافرين، لما ينالهم
من مشقة. وقد فصل الفقهاء المشاق وأنواعها،
وبينوا لكل عبادة مرتبة معينة من مشاقها المؤثرة في
إسقاطها، وأدرجوا ذلك تحت قاعدة: المشقة تجلب
التيسير، أخذا من قوله تعالی: (يريد الله بكم
اليسر ولا يريد بكم العسر)، (٢) وقوله تعالى: (وما
جعل عليكم في الدين من حرج). (٣).
والحكم المبني على الأعذار يسمى رخصة.
ومن أقسام الرخصة ما يسمى رخصة إسقاط،
كإسقاط الصلاة عن الحائض والنفساء، وإسقاط
الصوم عن الشيخ الكبير الذي لا يقوى
عليه . (٤)
(١) شرح المنار ص ٨٨٦، والمنثور في القواعد ٥٨/٢، ٥٩،
والفروق للقرافي ١/ ١٤٠، ١٩٥، والتلويح على التوضيح
١٥١/٢ وما بعدها، والموافقات ٣٧٥/٢
(٢) سورة البقرة / ١٨٥
(٣) سورة الحج / ٧٨
(٤) الأشباه لابن نجيم ص ٧٥ وما بعدها وص ٨٣، والمنثور في
القواعد ٢٥٣/١، والذخيرة ص ٣٣٩ -٣٤٢، والفروق للقرافي
١١٨/١، ١١٩، والتلويح ٢٠١/٢
- ٢٤١ -
إسقاط ٤٠ - ٤١
وصلاة المسافر قصرا فرض عند الحنفية، وفي
قول للمالكية، وتعتبر رخصة إسقاط، لقول النبي
وَالر: ((صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا
صدقته)). (١) وجه الاستدلال: أن التصدق بما لا
يحتمل التمليك إسقاط لا يحتمل الرد، وإن كان
ممن لا يلزم طاعته كولي القصاص، فهو من الله
الذي تلزم طاعته أولى . (٢).
والمذهب عند المالكية والشافعية والحنابلة: أن
قصر الصلاة سنة للترفيه عن العبد.
کذلك یسقط فرض الکفایة عمن لم يقم به، إذا
ـام به غيره، بل إن القرافي يقول: يكفي في سقوط
المأمور به على الكفاية ظن الفعل، لا وقوعه
تحقيقا . (٣)
ومن ذلك أيضا إسقاط الحرمة في تناول المحرّم
للضرورة، كأكل المضطر للميتة، وإساغة اللقمة
بالخمر لمن غص بها، وإباحة نظر العورة
للطبيب. (٤) ويسري هذا الحكم على المعاملات،
فمن الرخصة ما سقط مع كونه مشروعا في الجملة ،
وذلك كما في السلم، لقول الراوي: ((نهى النبي
وَّر عن بيع ما ليس عند الإِنسان، ورخص في
السلم)). (٥) وأن الأصل في البيع أن يلاقي عينا،
(١) حديث: ((صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)) أخرجه
مسلم (١/ ٤٧٨ - ط الحلبي)
(٢) التلويح ٢/ ١٣٠، وأشباه ابن نجيم ص ٧٥
(٣) الفروق للقرافي ١١٧/١، والمغني ٣٤٥/٨، والشرح الكبير
بهامش المغني ٢/ ١٠١
(٤) التلويح ٢/ ١٢٩، وأشباه ابن نجيم ص ٧٥ وما بعدها، ومسلم
الثبوت ١١٨/١، والمنثور في القواعد ٢/ ١٦٤
(٥) حديث: ((نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان)) أخرجه أبو داود
(٣٠٣/٣ - عون المعبود - ط الهند)، والبيهقي (٢٦٧/٥ط دائرة
المعارف العثمانية)، والترمذي (تحفة الأحوذي ٤/ ٤٣٠، ٤٣١ ط =
وهذا حكم مشروع، لكنه سقط في السلم. (١)
ومن التخفيف : مشروعية الطلاق، لما في البقاء
على الزوجية من المشقة عند التنافر، وكذا
مشروعية الخلع والافتداء، ومشروعية الكثابة
ليتخلص العبد من دوام الرق. (٢) وكل ذلك
مفصل في أبوابه الخاصة من كتب الفقه، وفي
بابي : الرخصة والأهلية من كتب الأصول.
حقوق العباد :
٤١ - المقصود بحقوق العباد هنا، ماعدا الأعيان
والمنافع والديون، وذلك كحق الشفعة والقصاص
والخيار. والأصل أن كل من له حق إذا أسقطه
- وهو من أهل الإِسقاط، والمحل قابل للسقوط -
سقط .
فالشفيع له حق الأخذ بالشفعة بعد البيع، فإِذا
أسقط هذا الحق وترك الأخذ بالشفعة سقط حقه،
وولي الدم في القتل العمد له حق القصاص، فإِذا
عفا وأسقط هذا الحق كان له ذلك، والغانم قبل
القسمة له حق التملك، ويجوز له إسقاط هذا
الحق، وإذا ثبت حق الخيار للبائع أو للمشتري
كان لمن ثبت له منهما هذا الحق أن يسقطه. وهكذا
متى ثبت لإِنسان حق، وهو جائز التصرف، كان
= السلفية)، من حديث حكيم بن حزام مرفوعا بلفظ ((لا تبع
ماليس عندك)). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. أما
الترخیص في السلم فھو مفهوم من أحادیث کثرة، ولیس بهذا
اللفظ، منها قوله : ((من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم
ووزن معلوم)) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٢٨/٥ ط
السلفية).
(١) التلويح ١٢٩/٢
(٢) الأشباه لابن نجيم ص ٨٠، ٨١
- ٢٤٢ -
إسقاط ٤٢
من حقه إسقاطه، إلا لمانع من ذلك كما سيأتي،
وهذا باتفاق . (١)
هذا بالنسبة لإسقاط الحقوق بدون عوض، أما
إسقاطها نظير عوض فبيانه كالآتي :
٤٢ - فرق الكثير من فقهاء الحنفية بين ما يجوز
الاعتياض عنه من الحقوق ومالا يجوز بقاعدة هي :
أن الحق إذا كان مجردا عن الملك فإنه لا يجوز
الاعتياض عنه، وإن كان حقا متقررا في المحل
الذي تعلق به صح الاعتیاض عنه.
وفرق البعض الآخر من الحنفية بقاعدة أخرى
هي : أن الحق إذا كان شرع لدفع الضرر فلا يجوز
الاعتياض عنه، وإذا كانت ثبت على وجه البر
والصلة فيكون ثابتا له أصالة، فيصح الاعتياض
عنه .
ومن يرجع إلى الأمثلة التي أوردوها يتبين له أنه
لا يكاد يوجد فرق بين القاعدتين، ففي الأشباه
لابن نجيم: (٢) الحقوق المجردة لا يجوز الاعتياض
عنها، كحق الشفعة، فلو صالح عنه بمال بطلت
ورجع به، ولو صالح المخيرة بمال لتختاره بطل ولا
شيء لها، ولو صالح إحدى زوجتيه بمال لتترك
نوبتها لم يلزم، ولا شيء لها. هكذا ذكروه في
الشفعة. وخرج عنها حق القصاص وملك
النكاح، وحق الرق، فإنه يجوز الاعتياض عنها .
والكفيل بالنفس إذا صالح المكفول له بمال لم يصح
ولم يجب، وفي بطلانها روايتان .
(١) البدائع ٢٤٧/٧،٢٩٧/٥، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٦٠،
وأشباه ابن نجيم ص ٣١٦، والفروق للقرافي ١٩٥/١ - ١٩٧.
والخرشي ٦/ ٩٩، وقليوبى ٣٢٥/٤، والمنثور في القواعد ٤/٢
(٢) الأشباه لابن نجيم ص ٢١٢
وفي حاشية ابن عابدين: (١) لا يجوز الاعتياض
عن الحقوق المجردة كحق الشفعة، ثم أورد نفس
الأمثلة التي جاءت في الأشباه، ثم قال: وعدم
جواز الصلح عن حق الشفعة وحق القسم للزوجة
وحق الخيار في النكاح للمخيرة إنما هو لدفع الضرر
عن الشفيع والمرأة، وماثبت لذلك لا يصح الصلح
عنه، لأن صاحب الحق لما رضي علم أنه لا يتضرر
بذلك، فلا يستحق شيئا. أما حق القصاص وملك
النكاح وحق الرق فقد ثبت على وجه البر
والصلة، فهو ثابت له أصالة، لا على وجه رفع
الضرر عن صاحبه. وسار صاحب البدائع على أن
الحق الذي يجوز الاعتياض عنه، هو الحق الثابت
في المحل أصالة. (٢)
أما الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) فلم
نعثر لهم على قاعدة يمكن الاستناد إليها في معرفة
الحقوق التي يجوز الاعتياض عنها والتي لا يجوز،
وإنما يعرف ذلك بالرجوع إلى المسائل في أماكنها
من أبواب الفقه، كالحضانة والشفعة والخيار في
العقود وما شابه ذلك، ولذلك سنكتفى بذكر بعض
الأمثلة. والجمهور أحيانا مع الحنفية في بعض
المسائل، مع اتفاقهم في سبب الاعتیاض، وأحيانا
يختلفون عنهم. وسيظهر ذلك من الأمثلة .
أ - الاعتياض عن حق الشفعة، هو غير جائز
عند الحنفية كما سبق، ويوافقهم في الحكم وفي
العلة الشافعية والحنابلة. في حين أجاز الاعتياض
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٤، ١٥
(٢) البدائع ٦/ ٢١/٥،٤٩
- ٢٤٣ -
إسقاط ٤٢
عنها المالكية، وفي رواية عن الإمام أحمد : إذا كان
الاعتياض من المشتري لا من غيره. (١)
ب - هبة الزوجة يومها لضرتها، لا يجوز
الاعتياض عنه عند الحنفية، ووافقهم الشافعية
والحنابلة. قال الشافعية: لأنه ليس عينا ولا منفعة
فلا يقابل بمال. وقال الحنابلة: إن الزوجة من حقها
كون الزوج عندها، وهو لا يقابل بمال. وقال
ابن تيمية: قياس المذهب جواز أخذ العوض عن
سائر حقوقها من القسم وغيره. والمالكية أجازوا
الاعتیاض عن حقها في ذلك، لأنه عوض عن
الاستمتاع أو عن إسقاط الحق. (٢)
جـ - إذا تعذررد المبيع المعيب كان للمشتري
الحق في الاعتياض عن العيب. وهذا عند الحنفية
والمالكية، وهو المذهب عند الشافعية، لأن الرضى
بالعيب يمنع الرجوع بالنقصان، ولأن النبي وَّر
جعل لمشتري المصراة الخيار بين الإمساك من غير
أرش وبين الرد. وعند الحنابلة: يجوز إمساك المبيع
والاعتیاض عن العيب، لأنه فات علیه جزء من
المبيع، فكان له المطالبة بعوضه، ويخالف المصراة،
لأن الخيار له بالتدليس، وكذلك في القول الثاني
(١) نهاية المحتاج ٢١٧/٥، والمهذب ٢٩١/١، وشرح منتهى
الإِرادات ٢٦٦/٢، والقواعد ص ١٩٩، ومنح الجليل
٥٩١/٣، وفتح العلي المالك ٣٠٧/١
(٢) نهاية المحتاج ٦/ ٣٨٢، ومتح الإرادات ١٠٢/٣، ومنح
الجليل ١٧٤/٢، وفتح العلي المالك ٣١٣/١، والمغني ٣٩/٧،
وكشاف القناع ٢٠٦/٥
عند الشافعية . (١)
د - القصاص يجوز الاعتياض عنه عند جميع
الفقهاء. (٢)
هـ- يصح الصلح عن إسقاط حق الدعوى،
كحق الشفعة والشرب، إلا ما كان مخالفا للشرع
كدعوى الحد والنسب، ولأن الصلح في الدعوى
لافتداء اليمين، وهو جائز. (٣)
و- يجوز الصلح عن التعزير الذي هوحق
العبد، لكن قال أبو حنيفة: إن التعزير الذي فيه
حق الله كقبلة الأجنبية، فالظاهر عدم صحة
الصلح فيه . (٤)
ز- يجوز الاعتياض عن إسقاط حق الحضانة
عند الحنفية والمالكية، على القول بأنها حق
الحاضن . (٥)
حـ - يجوز الاعتياض عن إسقاط حق الرجوع
في الهبة عند الحنفية(٦)
ونكتفي بذكر هذه الأمثلة، إذ من العسير حصر
الحقوق التي يجوز الاعتیاض عنها، ويرجع في ذلك
إلى المسائل في أبوابها من كتب الفقه.
(١) البدائع ٢٨٩/٥، ومنح الجليل ٦٦٨/٢، والمغني ٤/ ١٦٢.
١٦٣، ومنتهى الإرادات ١٧٦/٢، والمهذب ١/ ٩١
(٢) البدائع ٤٨/٦، والمنح ٢١٥/٣، والمنتهى ٢٦٥/٢، والمهذب
١٨٩/٢
(٣) ابن عابدين ٤٧٨/٤
(٤) البدائع ٤٨/٦، ٦٥/٧، والذخيرة ص ٦٨
(٥) منح الجلیل ٢/ ١٨٥، وابن عابدين ٣٦٦/٢
(٦) ابن عابدين ٣٢٥/٢، ٥١٥/٤
- ٢٤٤ -
إسقاط ٤٣ - ٤٥
ما لا يقبل الإسقاط
أ - العين :
٤٣ - العين ما يحتمل التعيين مطلقا، جنسا ونوعا
وقدرا وصفة، كالعروض من الثياب، والعقار من
الأرضين والدور، والحيوان من الدواب، والمكيل
والموزون. (١)
ومالك العين يجوز له التصرف فيها بالنقل على
الوجه المشروع من بيع أو غيره. أما التصرف فيها
بالإِسقاط - أي رفع الملك وإزالته، بأن يقول
الشخص مثلا: أسقطت ملكي في هذه الدار
لفلان، يريد بذلك زوال ملكه وثبوته لغيره - فهذا
باطل، ولا يفيد زوال ملك المسقط عن العين،
وثبوت الملك فيها للمسقط له.
وقد اتفق الفقهاء على أن الأعيان لا تقبل
الإسقاط. (٢) إلا ماورد بالنسبة للعتق والوقف على
ماسبق بيانه .
٤٤ - لكن لوحدث هذا التصرف من المالك،
وكانت العين تحت يد المسقط له، فإِن كانت العين
مغصوبة هالکة صح الإِسقاط، لأنه حينئذ يكون
إسقاطا لقيمتها المترتبة في ذمته، فصار إسقاطا
للدین، وإسقاط الدين صحيح.
وإن كانت العين قائمة، فمعنى إسقاطها
إسقاط ضمانها لو هلكت، وتصير بعد البراءة من
عینها کالأمانة، لا تضمن إلا بالتعدي. وقال زفر
رحمه الله: لا يصح الإِبراء وتبقى مضمونة.
(١) البدائع ٤٦/٦
(٢) الأشياء لابن نجيم ص ٣٥٦، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٤٧٢ -
٤٧٥، والتكملة ١٤٤/٢، ١٦٤، وقليوبي ١٣/٣، والدسوقي
٤١١/٣، وشرح منتهى الإرادات ٢٦٣/٢
وإن كانت العين أمانة، فالبراءة عنها لا تصح
ديانة، بمعنى أن مالكها إذا ظفر بها أخذها.
وتصح قضاء، فلا يسمع القاضي دعواه بعد
البراءة. وقد قالوا: الإِبراء عن الأعيان باطل ديانة
لا قضاء. ومعناه أنها تكون ملكا له بالإِبراء، وإنما
الإِبراء عنها صحيح في سقوط الضمان، أو يحمل
على الأمانة. ويقول المالكية: إن البراءة من
المعينات يسقط بها الطلب بقيمتها إذا فاتت،
والطلب برفع اليد عنها إن كانت قائمة. وهذا هو
المشهور من المذهب، إلا إنه نقل عن المازري ما
ظاهره أن الأبراء يشمل الأمانات وهي معينات
(وهذا في الإِبراء العام). كذلك صرح ابن
عبد السلام بأن الإسقاط في المعين، والإِبراء أعم
منه یکون في المعين وغيره . (١)
ب - الحق :
ذكر فيما سبق ما يقبل الإسقاط من الحقوق،
سواء أكان من حق الله أم من حق العبد، ونذكر
فيما يلي ما لا يقبل الإِسقاط منهما.
ما لا يقبل الإسقاط من حقوق الله تعالى:
٤٥ - الأصل أن حق الله لا يقبل الإسقاط من أحد
من العباد، وأن ذلك موكول إلى صاحب الشرع
لاعتبارات خاصة، كالتخفيف عن العباد على
ما سبق. فحق الله الخالص من العبادات كالصلاة
والزكاة، ومن العقوبات کحد الزنی وحد شرب
الخمر، ومن الكفارات وغير ذلك من الحقوق التي
(١) منح الجليل ٣/ ٤٢٦
- ٢٤٥ -
إسقاط ٤٦ - ٤٧
ثبتت للعبد بمقتضى الشريعة كحق الولاية على
الصغيرة، حق الله هذا لا يجوز لأحد من العباد
إسقاطه، لأنه لا يملك الحق في ذلك، بل إن من
حاول ذلك فإنه يقاتل، كما فعل أبو بكر رضي الله
عنه بما نعي الزكاة. (١) حتى إن السنن التي فيها
إظهار الدین، وتعتبر من شعائره، کالأذان، لو
اتفق أهل بلدة على تركه وجب قتالهم. (٢)
٤٦ - كذلك لا يجوز التحيل على إسقاط
العبادات، کمن دخل عليه وقت صلاة، فشرب
خمرا أو دواء منوما حتى يخرج وقتها - وهو فاقد
لعقله - كالمغمى عليه. وكمن كان له مال يقدر به
على الحج، فوهبه كيلا يجب عليه الحج. (٢)
٤٧ - وتحرم الشفاعة لإسقاط الحدود الخالصة لله
تعالی. وفي السرقة كذلك بعد الرفع للحاكم، لأن
الحد فيها حق الله تعالى، وقد روت عائشة رضي
الله تعالى عنها: «أتي رسول الله څ﴾ بسارق قد
سرق، فأمر به فقطع، فقيل : يا رسول الله ماكنا
نراك تبلغ به هذا، قال: لو كانت فاطمة بنت محمد
لأقمت عليها الحد)). (٤) وروى عروة قال: شفع
(١) المغني ٢/ ٥٧٢، والأثر أخرجه البخاري ضمن حديث طويل
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أبا بكر رضي عنه قال: ((والله لو
منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله بية لقاتلتهم على
منعها ... )) (فتح الباري ٢٦٢/٣ ط السلفية).
(٢) الاختيار ٤٢/١، ومنح الجليل ١/ ١١٧
(٣) الموافقات ٣٧٩/٢ و٢٠١/٤، والشرح الصغير ١/ ٦٠٠ط دار
المعارف، والمغني ٢/ ٥٣٤ ط المنار.
(٤) حديث ((أتي رسول الله { بسارق ... )) أخرجه البخاري
ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها، ولفظ البخاري: ((أن
قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها
رسول الله ﴾؟ ومن يجترىء عليه إلا أسامة حب رسول الله ﴾،
فكلم رسول الله # فقال: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام=
الزبير في سارق فقيل: حتى يأتي السلطان، قال :
إذا بلغ السلطان فلعن الله الشافع والمشفع. (١)
ولقول النبي بية لصفوان، حين تصدق على
السارق: ((فهلا قبل أن تأتيني به)). (٢)
= فخطب، فقال: يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا
إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه
الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد بدهاء
(فتح الباري ١٢ / ٨٧ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد
فؤاد عبد الباقي ١٣١٥/٣ ط عيسى الحلبي)
(١) الأثر عن الزبير ((إذا بلغ السلطان فلعن الله الشافع والمشفع.
أخرجه مالك في الموطأ، قال ابن حجر في الفتح: وهو منقطع من
وقفه. وقال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: وإسناد
رجاله ثقات إلا أنه مرسل. وأخرجه الطبراني في الأوسط
والصغير، قال الهيثمي : وفيه أبو غزبة محمد بن موسى الأنصارى
ضعفه أبو حاتم وغيره، ووثقه الحاكم، وعبد الرحمن بن أبي
الزناد ضعيف. قال الحافظ ابن حجر: وهو عند ابن أبي شيبة
بسند حسن عن الزبير موقوفا، وسند آخر حسن عن علي نحوه
كذلك. وأخرجه الدارقطني من حديث الزبير موصولا مرفوعا
بلفظ: ((اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي. فإذا وصل الوالي فعفا.
فلا عفا الله عنه)). قال الحافظ: والموقوف هو المعتمد، (تنوير
الحوالك ٣/ ٤٩، ٥٠ نشر مكتبة المشهد الحسيني، وفتح الباري
٨٧/١٢، ٨٨ط السلفية، ومجمع الزمان ٦/ ٢٥٩ ط مكتبة
القدسي ١٣٥٣ هـ).
(٢) المهذب ٢٨٣/٢، ٢٨٤، والمغني ٨/ ٢٨٢ط الرياض. وحديث
عائشة: ((فهلا قبل أن تأتيني به)) أخرجه مالك (الموطأ بتحقيق
محمد فؤاد عبد الباقي ٨٣٤/٢، ٨٣٥ط عيسى الحلي
١٣٧٠ هـ) وأحمد (٤٦٥/٦ - ط الميمنية) وأبو داود (عون المعبود
٤ / ٢٤٠، ٢٤١ ط الهند) ضمن قصة من حديث صفوان بن
أمية. قال الحافظ ابن عبدالبر : رواه جمهور أصحاب مالك
مرسلا. ورواه أبوعاصم النبيل وحده عن مالك عن الزهري عن
صفوان بن عبداته عن جده فوصله. قال الحافظ ابن عبد الهادي
في تنقيح التحقيق : حديث صفوان حديث صحيح، ر واه
أبو داود والنسائي وابن ماجة وأحمد في مسنده من غير وجه، قال
عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: وإسناده حسن
(جامع الأصول ٣/ ٦٠٠ - ٦٠٢ نشر مكتبة الحلواني).
- ٢٤٦ -
إسقاط ٤٨ - ٥٠
وقال النووي في شرح مسلم: وأجمعوا على
تحريم الشفاعة في الحدود بعد بلوغه الإِمام، فأما
قبل بلوغه الإِمام فقد أجازه أكثر العلماء، إذا لم يكن
المشفوع فیه صاحب شر وأنی للمسلمین، فإن كان
لم يشفع فيه . (١)
٤٨ - ويلاحظ أن السرقة، وإن كان الحد فيها هو
حق الله، إلا أن الجانب الشخصي فيها متحقق
ناحية المال، ولذلك يجوز الإِبراء من المال. (٢) أما
الحد فإنه يجوز العفو عنه قبل الرفع للحاكم، أما
بعده فلا يجوز. لكن قال الحنفية - غیر زفر، ورواية
لأبي يوسف - لو أن المسروق منه ملك المسروق
للسارق سقط الحد. (٣)
والقذف مما يجتمع فيه حق الله وحق العبد، مع
الاختلاف في تغليب أحدهما، وعلى الجملة، فإنه
يجوز العفوفيه (أي الإِسقاط) قبل الترافع وبعده
عند الشافعية والحنابلة، ولا يجوز بعد الرفع عند
الحنفية، غير أن المالكية قيدوا العفو بعد الترافع بما
إذا كان المقذوف يريد الستر على نفسه، ويثبت
ذلك بالبينة. ولا يشترط هذا القيد بين الابن
وأبيه. وروي عن الإِمام أبي يوسف أنه يجوز العفو
كذلك بعد الرفع للإِمام. (٤)
وأما التعزير ، فما كان منه حقا للآدمي جاز
العفو عنه، وما كان حقا لله فهو موكول إلى الإِمام.
(١) المنثور في القواعد ٤٢٦/١، وحاشية ابن عابدين ٣/ ١٤٠،
والمغني ٢٨١/٨، ٢٨٢
(٢) منح الجليل ٤٢٤/٣
(٣) المغني ٢٦٩/٨، والمهذب ٢٨٣/٢، ٢٨٤، ومنح الجليل
٥١٥/٤، والاختيار ١١١/٤
(٤) الهداية ٢/ ١١٣، والمهذب ٢٧٥/٢، والتبصرة ٢٦٨/٢،
ومنتهى الإرادات ٣٥١/٣
ونقل عن الإِمام مالك أنه يجب على الإِمام إقامته
إذا كان في حق الله. وعن الإِمامين أبي حنيفة
وأحمد أن ماكان من التعزير منصوصا عليه، كوطء
جارية امرأته فيحب امتثال الأمرفيه، وما لم يكن
منصوصا عليه فهو موكول إلى الإِمام . (١)
٤٩ - وما دامت حدود الله لا تقبل الإسقاط من
العباد، فبالتالي لا يجوز الاعتياض عن إسقاطها،
فلا يصح أن يصالح سارقا أو شاربا ليطلقه ولا
يرفعه للسلطان، لأنه لا يصح أخذ العوض في
مقابلته. وكذا لا يصح أن يصالح شاهدا على ألّ
يشهد عليه بحق الله أولآدمي، لأن الشاهد في إقامة
الشهادة محتسب حقا لله تعالى، لقوله تعالى :
(وأقيموا الشهادة لله)(٢) والصلح عن حقوق الله عز
وجل باطل ويجب عليه رد ما أخذ، لأنه أخذه بغیر
حق . (٣)
وهناك أيضا مايعتبر حقالله تعالى مما شرع
أصلا لمصلحة العباد، ولذلك لا يسقط بالإِسقاط،
لما في ذلك من منافاة الإسقاط لما هو مشروع. ومن
أمثلة ذلك:
الولاية على الصغير :
٥٠ - من الحقوق التي اعتبرها الشارع وصفا ذاتيا
لصاحبها، ولاية الأب على الصغير، فهي لازمة
له ولا تنفك عنه، فحقه ثابت بإثبات الشرع، فهي
حق عليه لله تعالى، ولذلك لا تسقط بإسقاطه،
(١) الدسوقي ٣٥٤/٤، والتبصرة ٢/ ٣٠٣، والحطاب ٦/ ٣٢٠،
وابن عابدين ١٨٦/٣، ١٨٧، والمهذب ٢٧٥/٢، والمغني
٣٢٦/٨
(٢) سورة الطلاق / ٢
(٣) البدائع ٤٨/٦، وشرح منتهى الإرادات ٢٦٦/٢
- ٢٤٧ -
:
إسقاط ٥١ - ٥٢
لأن ذلك يعتبر خلاف المشروع، وهذا
باتفاق. (١)
أما غير الأب کالوصي ففيه خلاف. فعند
الحنفية والمالكية: إذا كان الوصي قد قبل الوصاية،
ومات الموصي، فلا يجوز له عزل نفسه لثبوت هذا
الحق له. ولأنها ولاية فلا تسقط بالإِسقاط. أما
الشافعية والحنابلة: فإِنه يجوز عندهم أن يسقط
الوصي حقه، ولو بعد قبوله بعد موت الموصي، لأنه
متصرف بالإذن، فكان له عزل نفسه كالوكيل. (٢)
وينظر تفصيل أنواع الولايات، كالقاضي وناظر
الوقف، في مصطلح (ولاية).
السكنى في بيت العدة :
٥١ - أوجب الشارع على المعتدة أن تعتد في المنزل
الذي يضاف إليها بالسكنى حال وقوع الفرقة أو
الموت، والبيت المضاف إليها في قوله تعالی (لا
تُخْرجوهن من بيوتهن)(٣) هو البيت الذي تسكنه.
ولا يجوز للزوج ولا لغيره إخراج المعتدة من
مسكنها. وليس لها أن تخرج وإن رضي الزوج
بذلك، لأن في العدة حقا لله تعالى، وإخراجها أو
خروجها من مسكن العدة مناف للمشروع، فلا
يجوز لأحد إسقاطه. وهذا في الجملة، لأن المذهب
عند الحنابلة: أنه لا يجب على المطلقة البائنة قرارها
(١) البدائع ٥/ ١٥٢، وأشباه ابن نجيم ص ١٦٠، وابن عابدين
١٠٢/٢، والمنثور في القواعد ٣٩٣/٣، وشرح منتهى الإرادات
٥٢٦/٢، وفتح العلي المالك ٣٩٣/١
(٢) جواهر الإكليل ٣٢٧/٢، والكافي لابن عبدالبر ١٠٣١/٢،
والمغني ١٤١/٦ ط الرياض، والمهذب ٤٧١/١، والهداية
٢٥٨/٤
(٣) سورة الطلاق / ١
في مسكن العدة، لحديث فاطمة بنت قيس الذي
فيه أن النبي ◌َّ﴿ قال لها: ((لا نفقة لك ولا
سكنى)). (١) وإنما يستحب لها ذلك، خروجا من
الخلاف. (٢) وفي ذلك تفصيل كثير ر: (عدة،
سكنی).
خيار الرؤية :
٥٢ - بيع الشيء قبل رؤيته يثبت خيار الرؤية
للمشتري، فله الأخذ وله الرد عند رؤ یته، لقول
النبي ◌َّر: ((من اشترى شيئا لم يره فله الخيار إذا
رآه))(٣) فالخيار هنا ليس باشتراط العاقدين، وإنما
هو ثابت شرعا فكان حق الله تعالى، ولهذا لا يجوز
إسقاطه، ولا يسقط بالإِسقاط، وهذا متفق عليه
عند من يجيزون بيع الشيء الغائب، مع مراعاة
شرائط ثبوت الخيار.
ولو أن العاقدين تبايعا بشرط إسقاط خيار
الرؤية بطل الشرط مع الخلاف في صحة العقد
(١) حديث فاطمة بنت قيس: ((لا نفقة لك ولا سكنى)) أخرجه
مسلم (١١١٥/٢ - ط الحلبي).
(٢) الهداية ٣٣/٢، والبدائع ١٥٢/٣، وجواهر الإكليل ٣٩٢/١،
والدسوقي ٢/ ٣٥٠، ونهاية المحتاج ١٤٥/٧، ١٤٦، والمغني
٥٢١/٧ - ٥٣٠، وشرح منتهى الإرادات ٢٢٨/٣، ٢٣٠
(٣) حديث : ((من اشترى شيئا ... )) روي مسندا ومرسلا، أما
المسند فأخرجه الدارقطني في سنته من حديث أبي هريرة، قال
الدارقطني: فيه عمر بن إبراهيم، يقال له الكردي يضع
الأحاديث، وهذا باطل لا يصح. قال ابن القطان: والراوي عن
الكردي داهر بن نوح، وهو لا يعرف، ولعل الجناية منه. وأما
المرسل، فرواه ابن أبي شيبة في مصنفه والدارقطني والبيهقي.
قال الدارقطني : هذا مرسل، وأبو بكر بن أبي ضعيف (سنن
الدارقطني ٣/٣ - ٥ ط دار المحاسن بالقاهرة، والسنن الكبرى
للبيهقي ٢٦٨/٥ ط دائرة المعارف العثمانية، ونصب الراية
٤/ ٩ط دار المأمون ١٣٥٧هـ).
- ٢٤٨ -
إسقاط ٥٣ - ٥٤
وفساده، بناء على حكم الشروط الفاسدة في
البيع. (١) وينظر التفصيل في: (بيع، خيار).
حق الرجوع في الهبة :
٥٣ - حق الرجوع في الهبة التي يجوز الرجوع فيها -
وهي فیما یهبه الوالد لولده عند الجمهور، وفيما يهبه
الإِنسان إذا لم يوجد مانع من موانع الرجوع في الهبة
عند الحنفية - حق ثابت شرعا، لقول النبي *:
((لا يحل لرجل أن يعطي عطية أويهب هبة، فيرجع
فيها، إلا الوالد بما يعطي ولده)). (٢) وهذا ما استدل
به الجمهور. واستدل الحنفية بقول النبي #1 :
((الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها))(٣) أي ما لم
(١) البدائع ٢٩٢/٥، ٢٩٥، والهداية ٣٢/٣، وجواهر الإكليل
٩/٢، والمهذب ١/ ٢٧٠، وشرح منتهى الإرادات ١٤٦/٢،
والمغني ٣/ ٥٨١
(٢) حديث: ((لا يحل لرجل ... )) أخرجه أبو داود (٣/ ٨٠٨ - ط
عزت عبيد دعاس) وابن ماجة (٧٥٩/٢ط الحلبي).
(٣) حديث: ((الواهب أحق بهيته مالم يئب منها)). أخرجه ابن ماجة
والبيهقي وابن أبي شيبة، من حديث أبي هريرة مرفوعا، وفيه
إبراهيم بن إسماعيل بن جارية ضعفوه. وأخرجه الطبراني،
والدارقطني من حديث ابن عباس مرفوعا. وأعل عبدالحق إسناد
الدار قطني بمحمد بن عبيد الله العرزمي. وأخرجه الحاكم من
حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا. وقال: صحيح على
شرط الشيخين ولم يخرجاه. ورواه الدارقطني في سننه. قال
البيهقي: والصحيح أنه عن عمر من قوله. وإسناد حديث
أبي هريرة أليق، إلا أن فيه إبراهيم بن إسماعيل، وهو ضعيف
عند أهل الحديث، فلا يبعد منه الغلط في رفعه. والصحيح رواية
سفيان بن عيينه عن عمرو بن دينار عن أبيه عن عمر، فرجع
الحديث إلى عمر من قوله. (سنن ابن ماجة بتحقيق محمد فؤاد
عبدالباقي ٧٩٨/٢ط عيسى الحلبي، والسنن الكبرى للبيهقي
١٨١/٦ ط دائرة المعارف العثمانية بالهند، والمستدرك ٥٢/٢ نشر
دار الكتاب العربي، وسنن الدارقطني ٣/ ٤٤ ط دار المحاسن
للطباعة، ونصب الراية ١٢٥/٤ - ١٢٦ ط دار المأمون
١٣٥٧ هـ).
يعوض. قالوا: والعوض فيما وهب لذي الرحم
المحرم هو: صلة الرحم، وقد حصل.
وما دام حق الرجوع في الهبة - فيما يجوز الرجوع
فيه - ثابتا شرعا فإنه لا يجوز إسقاطه، ولا يسقط
بالإسقاط. وهذا ما ذهب إليه الحنفية والشافعية
والحنابلة في قول. والقول الآخر للحنابلة أن
الرجوع حقه، وهو يسقط بإسقاطه. وعند المالكية
يجوز للأب الرجوع فيما وهبه لولده، إلا إذا أشهد
عليها، أوشرط عدم الاعتصار (أي الرجوع)، فلا
رجوع له حينئذ على المشهور. (١) وينظر تفصيل
ذلك في: (هبة).
ما لا يقبل الإسقاط من حقوق العباد :
سبق أن كل جائز التصرف لا يمنع من إسقاط
حقه مالم يكن هناك مانع، وفيما يلي بيان بعض ما لا
يقبل الإسقاط من الحقوق اتفاقا أو عند بعض
الفقهاء، إما لفقد شرط من شروط المحل، أوشرط
من شروط الإِسقاط في حد ذاته.
ما يتعلق به حق الغير :
٥٤ - الإسقاط إذا كان مس حقا لغير من يباشره
فإنه لا یصح، إذا كان فيه ضرر على الغیر کحق
الصغير، أو يتوقف على إجازة من يملك الإجازة
کالوارث والمرتهن، ومن أمثلة ذلك ما يأتي :
(١) حاشية ابن عابدين ٥١٥/٤، والتكملة ٣٢٥/٢، والهداية
٢٢٧/٣، ٢٢٨، والمثور في القواعد ٥٤/٢، وشرح متهى
الإرادات ٥٢٦/٢، والمغني ٦٦٨/٥، والدسوقي ١١١/٤،
وفتح العلي المالك ٢/ ٢٨٥
- ٢٤٩ -
إسقاط ٥٥ - ٥٩
حق الحضانة :
٥٥ - يرى جمهور الفقهاء - الحنفية والشافعية
والحنابلة، وهو أيضا قول للمالکیة خلاف المشهور
عندهم - أن للحاضن أن يسقط حقه بإسقاطه،
وينتقل الحق إلى من بعده، ولا يجبر على الحضانة
إلا إذا تعین ولم یوجد حاضن غيره، ثم إن عاد
الحاضن فطلب الحضانة عاد الحق إليه .
وخالف في ذلك المالكية في المشهور عندهم
فقالوا: إن الحاضنة إذا أسقطت حقها من الحضانة
لغير عذر، بعد وجوبها لها، ثم أرادت العود فلا
تعود. (١) وللتفصيل ر: (حضانة).
نسب الصغير :
٥٦ - النسب حق الصغير، فإِذا ثبت هذا الحق فإِنه
لا يجوز لمن لحق به إسقاط هذا الحق، فمن أقر
بابن، أو هنيء به فسكت، أو أمّن على الدعاء، أو
اخر نفیه مع إمكان النفي فقد التحق به، ولا يصح
له إسقاط نسبه بعد ذلك. (٢)
ولو أن امرأة طلقها زوجها ادعت عليه صبيا في
یده أنه ابنه منها، وجحد الرجل فصاحت عن
النسب على شيء فالصلح باطل، لأن النسب حق
الصبي لاحقها. (٣)
(١) حاشية ابن عابدين ٢/ ٦٣٦، ومنح الجليل ٤٥٨/٢، والمنثور في
القواعد ٥٤/٢، ونهاية المحتاج ٣٩٢/٦ و٢١٩/٧، وشرح
منتهى الإرادات ٢٦٥/٣، والمغني ٧/ ٦٢٥، ونيل المآرب بشرح
دليل الطالب ٣٠٩/٢ط أولى سنة ١٤٠٣ هـ مكتبة الفلاح.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٣/ ٢١١، والمغني ٧/ ٤٢٤، والكافي
لابن عبد البر ٦١٦/٢، ونهاية المحتاج ١١٦/٧
(٣) البدائع ٦/ ٤٩
عزل الوكيل :
٥٧ - الأصل أن الموكل يجوز له عزل الوكيل متى
شاء، لأنه تصرف في خالص حقه، لكن لوتعلق
بالوکالة حق للغیر، فلا يجوز له أن يعزله بغیر رضی
صاحب الحق، لأن في العزل إبطال حقه من غير
رضاه، وذلك كالوكيل في الخصومة لا يجوز عزله
ما دامت الخصومة مستمرة. وكالعدل المتسلط على
بيع المرهون. وذلك في الجملة عند الحنفية
والمالكية، (١) مع تفصيل كثير في شروط العزل
وشروط الوكالة في الخصومة، وتنظر في: (وكالة،
رهن).
تصرف المفلس :
٥٨ - المحجور عليه للفَلَس، يتعلق حق الغرماء
بماله، ولذلك لا يجوز له التصرف في ماله تصرفا
مستأنفا، كوقف، وعتق، وإبراء، وعفو مجانا فيما لا
قصاص فيه، وذلك لتعلق حق الغرماء بماله، فهو
محجور عليه فيه، أشبه الراهن يتصرف في
الرهن. (٢) ر : (حجر، فلس).
إسقاط الحق قبل وجوبه، وبعد وجود سبب
الوجوب :
٥٩ - يتفق الفقهاء على عدم صحة الإِسقاط قبل
وجوب الحق، وقبل وجود سبب الوجوب، لأن
(١) البدائع ٣٨/٦، ومنح الجليل ٩٥/٣، ٣٥٤، وفتح العلي
٢٤٠/١
(٢) ابن عابدين ٩٥/٥، والدسوقي ٢٦٥/٣، ونهاية المحتاج
٣٠٥/٤، ٣٠٦، ومنتهى الإرادات ٢/ ٢٧٨، والقواعد ص
٩٣،٩١
- ٢٥٠ -
إسقاط ٦٠ _ ٦١
الحق قبل ذلك غير موجود بالفعل، فلا يتصور
ورود الإسقاط عليه، فإسقاط ما لم يجب، ولا
جرى سبب وجوبه لا يعتبر إسقاطا، وإنما مجرد وعد
لا يلزم منه الإسقاط مستقبلا، كاسقاط الشفعة
قبل البيع، وإسقاط الحاضنة حقها في الحضانة قبل
وجوبها، فكل هذا لا يعتبر إسقاطا، وإنما هو امتناع
عن الحق في المستقبل، ويجوز الرجوع فيه والعود
إلى المطالبة بالحق.
٦٠ - أما إذا لم يجب الحق، ولكن وجد سبب
وجوبه، ففي صحة الإِسقاط حينئذ اختلاف
الفقهاء :
فعند الحنفية والحنابلة، وهو المعتمد عند
المالكية، ومقابل الأظهر عند الشافعية: أنه يصح
الإسقاط بعد وجود السبب وقبل الوجوب.
فقد جاء في بدائع الصنائع: (١) الإِبراء عن الحق
بعد وجود سبب الوجوب قبل الوجوب جائز،
كالإِبراء عن الأجرة قبل مضي مدة الإِجارة. وفي
فتح القدير: (٢) الإِبراء عن سائر الحقوق بعد وجود
سبب الوجوب جائز.
وفي شرح منتهى الإِرادات، ومثله في المغني : إن
عفا مجروح عمدا أو خطأ عن قود نفسه أوديتها صح
عفوه، لإسقاطه حقه بعد انعقاد سببه. (٣)
وفي فتح العلي المالك(٤) وردت عدة مسائل:
(١) بدائع الصنائع ١٤/٦، ٢٩/٤، ٥١٢، والدسوقي ٣١٦/٢
(٢) تكملة فتح القدير ٢٩٥/٨ ط دار إحياء التراث، والهداية ٨/٤،
وحاشية ابن عابدين ٥٦٦/٢
(٣) شرح منتهى الإرادات ٣/ ٨٠، ٢٩٠، ٤٢٨، والمغني
٧/ ٧٥٠، ٧١٢/٨ - ٧١٤، ٩/ ٣٠، وكشاف القناع ٥٤٦/٥
(٤) فتح العلي المالك ١/ ٠٣٢٢، ٣٢٣، ٣٦٦
كإبراء الزوجة زوجها من الصداق في نكاح
التفويض قبل البناء وقبل أن يفرض لها، وإسقاط
المرأة عن زوجها نفقة المستقبل، وكعفو المجروح عما
يئول إليه الجرح. ثم قال نقلا عن ابن
عبد السلام: وبعض هذه المسائل أقوى من
بعض، فهل يلزم الإسقاط في ذلك، لأن سبب
الوجوب قد وجد أوْ لا يلزم لأنها لم تجب؟ قولان
حکاهما ابن رشد .
وفي الدسوقي(١) ذكر أن المعتمد هو لزوم
الإسقاط لجريان السبب. والأظهر عند الشافعية
والقول الثاني للمالكية: أنه يصح إسقاط الحق قبل
وجوبه، وإن جری سبب وجوبه .
جاء في نهاية المحتاج : (٢) لو أبرأ المشتري البائع
عن الضمان لم يبرأ في الأظهر، إذ هو إبراء عما لم
يجب، وهو غير صحيح وإن وجد سببه، والقول
الثاني: يبرأ لوجود سبب الضمان.
واستثنى الشافعية صورة يصح فيها الإسقاط
قبل الوجوب وهي : من حفر بئرا في ملك غيره بلا
إذن، وأبرأه المالك، ورضي ببقائها، فإنه يبرأ مما
وقع فيها. (٣)
إسقاط المجهول :
٦١ - إسقاط الحق المعلوم لا خلاف فيه، والخلاف
إنما هو في المجهول، كالدين، والعيب في المبيع،
وحصة في تركة، وما ماثل ذلك. فهذا النوع محل
(١) الدسوقي ٣١٦/٢
(٢) نهاية المحتاج ٧٨/٤
(٣) الأشباه لليوطي ص ٣٣٧، وقليوبي ٢/ ٢١١، والمثور في
القواعد ٨٦/١
- ٢٥١ -
إسقاط ٦١ - ٦٢
خلاف بين الفقهاء في صحة إسقاطه، بناء على
اختلافهم في الإِبراء من الدين، هل هو تمليك أو
إسقاط؟
فعند الحنفية والمالكية ، وهو المشهور عند
الحنابلة، والقديم عند الشافعي : أنه يجوز الإِبراء
من المجهول، لقول النبي 3 18 لمن اختصما في
مواريث قد درست: ((استهما، وتوخيا الحق،
وليحلل كل منكما صاحبه)). (١) ولأنه إسقاط حق لا
تسلیم فیه، فصح في المجهول، لأن الجهالة فيه لا
تفضي إلى المنازعة. ومن ذلك عند الحنابلة:
صحة الصلح عما تعذر علمه من الدين، لئلا
يفضي إلى ضياع المال. (٢)
وفي الجديد عند الشافعي ، وهو رواية عند
الحنابلة: أنه لا يصح الإِبراء من المجهول، (٣) بناء
على أنه تمليك ما في ذمته، فيشترط العلم به .
ولا فرق عند الشافعية، والحنابلة على القول
بعدم الصحة بين مجهول الجنس والقدر والصفة .
ويستثني الشافعية من الإِبراء من المجهول
صورتين :
(١) حديث (استهما وتوخيا الحق .... )) أخرجه أحمد، وأبو داود من
حديث أم سلمة رضى عنها مرفوعا، ولفظ أبي داود (اقتسما
وتوخیا الحق ثم استھما ثم تحالاً، والحديث سكت عنه أبو داود
والمنذري. وقال شعيب الأرناؤوط محقق شرح السنة: إسناده
حسن (مسند أحمد بن حنبل ٦/ ٣٢٠ ط الميمنية، وعون المعبود
٣٢٩/٣ ط الهند، وشرح السنة للبغوي بتحقيق شعيب
الأرناؤوط ١١٣/١٠ نشر الكتب الإسلامي).
(٢) البدائع ١٧٢/٥، ١٧٣، والدسوقي ٤١١/٣، وشرح منتهى
الإرادات ٢٦٣، وكشاف القناع ٣٩٦/٣ و٣٠٤/٤، والقواعد
لابن رجب ص ٢٣٢، والمغني ١٩٨/٤
(٣) قليوبي ٢/ ٣٢٦، ونهاية, المحتاج ٤٢٨/٤، ٤٣٠، وشرح
الروض ٢٣٩/٢، والمراجع السابقة للحنابلة.
الأولى : الإِبراء من إبل الدية، فيصح الإِبراء
منها مع الجهل بصفتها، لا غتفارهم ذلك في إثباتها
في ذمة الجاني. وكذا الأرش والحكومة يصح الإبراء
منهما مع الجهل بصفتهما.
الثانية : إذا ذكر قدرا يتحقق أن حقه أقل منه.
وأضيف إلى هاتين الصورتين ما لو أبراه عما
عليه بعد موته، فيصح مع الجهالة، لأنه وصية .
كذلك الجهل اليسير الذي يمكن معرفته لا
يؤثر في الإسقاط عند الشافعية، كالإبراء من
حصته من مورثه في التر کة، إن علم قدر التر كة،
وجهل قدر حصته .
وإن أجاز الوارث وصية مورثه فيما زاد على
الثلث، وقال: إنما أجزت لأني ظننت المال قليلا،
وأن الثلث قليل، وقد بان أنه كثير، قبل قوله
بيمينه، وله الرجوع بما زاد على ظنه، ما لم يكن
المال ظاهرا لا يخفي على المجيز، أو تقوم بينة بعلمه
وبقدره، وهذا في الجملة .(١)
٦٢ - أما الإِبراء من العيوب في البيع، فالحكم فيه
عند الحنفية والمالكية كالحكم في الدين، مع تفصيل
بين الحادث والقائم. وعند الحنابلة : الأشهر فيه
عدم صحة الإبراء. والرأي الثاني: يجوز الإِبراء
فيه. وأما عند الشافعية ففيه طريقان: أحدهما أن
المسألة على ثلاثة أقوال: قول بصحة البراءة من
كل عيب، وقول بعدم صحة البراءة، والثالث أنه
لا يبرأ إلا من عيب واحد، وهو العيب الباطن في
الحيوان الذي لا يعلم به البائع، قال الشافعي
رحمه الله: لأن الحيوان يفارق ما سواه، وقلما يبرأ
من عيب يظهر أو يخفى، فدعت الحاجة إلى
(١) منتهى الإرادات ٢/ ٥٤٣، والمهذب ٤٥٧/١
- ٢٥٢ -
:
إسقاط ٦٣ - ٦٤
التبري من العیب الباطن فيه.(١)
هذه أمثلة لما لا يقبل الإِسقاط بالاتفاق، أومع
الاختلاف لعدم تحقق شرط من شروط المحل أو
شروط الإِسقاط في حد ذاته.
٦٣ - وهناك كثير من الحقوق التى لا تقبل الإسقاط
لأسباب مختلفة، ومن العسير حصر هذه الحقوق
لتشعبها في مسائل الفقه المختلفة. ومن أمثلة
ذلك: حق الزوج في الاستمتاع.(٢)
وهناك ما لا يسقط لقاعدة عند الشافعية وهي :
أن صفات الحقوق لا تفرد بالإِسقاط كالأجل
والجودة، بينما يجوز إسقاطهما عند الحنفية خروجا
عن قاعدة ((التابع تابع)). (٣)
كذلك قال الحنفية: إن الشرط إذا كان في عقد
لازم فإنه يلزم ولا يقبل الإسقاط، فلو قال رب
السلم: أسقطت حقي في التسليم في ذلك المكان
أو البلد لم يسقط. وكمن أسقط حقه فيما شرط له
من ریع الوقف لا لأحد، لأن الاشتراط له صار
لازما كلزوم الوقف. (٤) وغير ذلك كثير، وينظر في
مواضعه .
تجزؤ الإسقاط :
٦٤ - من المعلوم أن الإسقاط يرد على محل،
والمحل هو الأساس في بيان حكم التجزؤ، فإذا
(١) المهذب ٢٩٥/١، والبدائع ٢٧٧/٥، والهداية ٤١/٣، والمغني
١٩٧/٤، ١٩٨، والقواعد ص ٢٣٢، وفتح العلي المالك
٣٦١/١
(٢) المنثور في القواعد ٢/ ٥٤
(٣) المنثور في القواعد ٣١٥/٢، ٣١٦، والأشباه لابن نجيم
ص ١٢٠، ٢٦٦
(٤) الأشباه لابن نجيم ص ٣١٧
کان المحل یقبل الإِسقاط في بعضه دون البعض
الآخر، قيل: إن الإسقاط يتجزأ. وإن كان المحل
لا يمكن أن يثبت بالإسقاط في بعضه، بل يثبت في
الكل، قيل: إن الإِسقاط لا يتجزأ.
ومن القواعد في ذلك عند الحنفية، كما ذكر
ابن نجيم والأتاسي شارح المجلة: «ذکر بعض ما
لا يتجزأ کذكر كله)). فإذا طلق نصف تطليقة
وقعت واحدة، أو طلق نصف المرأة طلقت، ومنها
العفو عن القصاص: إذا عفا عن بعض القاتل كان
عفوا عن كله، وكذا إذا عفا بعض الأولياء سقط
القصاص كله وانقلب نصيب الباقين مالا . وخرج
عن القاعدة العتق عند أبي حنيفة، فإنه إذا أعتق
بعض عبده لم يعتق كله. وعند الصاحبين لا
يتجزأ، (١) لقول النبي چ: ((من أعتق شرکا له في
مملوك فعليه عتقه كله)). (٢) وأدخل شارح المجلة
تحت القاعدة أيضا: الكفالة بالنفس، والشفعة،
ووصاية الأب، والولاية.(٣)
وذكر الشافعية هذه القاعدة بتوضيح أكثر
فقالوا: ما لا يقبل التبعيض يكون اختيار بعضه
کاختیار کله، وإسقاط بعضه کإسقاط كله. وذكروا
تحت هذه القاعدة المسائل التي سبق إيرادها عن
ابن نجيم، وهي: الطلاق والقصاص والعتق
والشفعة. فإذا عفا الشفيع عن بعض حقه سقط
الكل. واستثنى الشافعية من القاعدة حد القذف،
(١) الأشباه لابن نجيم ص ١٦٢، والبدائع ٧/ ٢٤٧، ٢٣٥، ٣٥٦
(٢) حديث: (من أعتق شركا له في مملوك فعليه عتقه)) أخرجه
البخاري من حديث عمر رضي الله عنه. (الفتح ١٥١/٥ ط
السلفية).
(٣) شرح المجلة ١٦٥/١ م٦٣
- ٢٥٣ -
إسقاط ٦٤ - ٦٥
فالعفوعن بعضه لا يسقط شيئا منه. قاله الرافعي .
وزاد في نهاية المحتاج: التعزير، فلوعفا عن بعضه
لم يسقط منه شيء. (١)
والمسائل المشهورة التي وردت من طلاق وعتق
وقصاص هي محل اتفاق بين المذاهب، في أن
الطلاق المبعض أو المضاف إلى جزء من الزوجة،
أو العتق المضاف إلى جزء من العبد، أو عفو أحد
المستحقين عن القصاص، كل هذا يسري على
الكل، ولا يتبعض المحل، فتطلق المرأة، ويعتق
العبد، ويسقط القصاص. وهذا في الجملة في
الأصل العام، إلا ما ورد عن أبي حنيفة في العتق
کما سبق.
وللفقهاء تفصيل في فروع كل مسألة. فمثلا
إضافة الطلاق أو العتق إلى الظفر والسن والشعر لا
يقع به شيء عند الحنابلة، لأن هذه الأشياء تزول
ويخرج غيرها فكانت في حكم المنفصل. (٢)
وفي الإِضافة إلى الشعر قولان عند المالكية،
ويقع بالاضافة إليه الطلاق عند الشافعية.
والشفعة أيضا الأصل العام فيها أنها لا
تتبعض، حتى لا يقع ضرر بتفريق الصفقة.
فالشفيع إما أن يأخذ الكل أويترك، وإذا أسقط
حقه في البعض سقط الکل. لکن وقع خلاف عند
الشافعية، إذ قيل: إن إسقاط بعض الشفعة لا
يسقط شیئا منها.
وليس من تبعيض الشفعة ما إذا كان البائع أو
(١) المنثور في القواعد للزركشي ٣/ ١٥٣، ١٥٤، ونهاية المحتاج
١٠٤/٧، ٣٥٥/٨
(٢) المغني ٢٤٦/٧
المشتري اثنین، فإن الشفیع له أن يأخذ نصيب
أحدهما دون الآخر، وإذا تعدد الشفعاء فالشفعة
على قدر الأنصباء.
والدين مما يقبل التبعيض، فللدائن أخذ بعضه
وإسقاط بعضه.(١)
الساقط لا يعود :
٦٥ - من المعلوم أن الساقط ينتهي ويتلاشى،
ويصبح كالمعدوم لا سبيل إلى إعادته إلا بسبب
جديد يصير مثله لا عينه، فإِذا أبرأ الدائن المدين
فقد سقط الدین، فلا یکون هناك دین، إلا إذا
وجد سبب جديد، وكالقصاص لوعفي عنه فقد
سقط وسلمت نفس القاتل، ولا تستباح إلا
بجناية أخرى، وهكذا. وكمن أسقط حقه في
الشفعة، ثم رجعت الدار إلى صاحبها بخيار
رؤية، أوبخيار شرط للمشتري، فليس له أن
يأخذ بالشفعة، لأن الحق قد بطل، فلا يعود إلا
بسبب جدید. (٢)
والإسقاط يقع على الكائن المستحق، وهو
الذي إذا سقط لا يعود، أما الحق الذي يثبت شيئا
فشيئا، أي يتجدد بتجدد سببه فلا يرد عليه
الإسقاط، لأن الإِسقاط يؤثر في الحال دون
(١) البدائع ٥/ ٢٥، ومنح الجليل ٢/ ٢٤٠، ٢٤٥ و٥٧٤/٤،
ونهایة المحتاج ٢١٢/٥، ٢١٣، وخبايا الزوايا ص ٣٨٥ نشر
وزارة الأوقاف بالکویت، والمهذب ٣٨٨/١، ٨٨/٢، وشرح
منتهى الإرادات ٢٣٧/٢، ١٤٠/٣، ٢٨٤، والمغني ٩/ ٣٤٤،
٣٤٥
(٢) شرح المجلة للأتاسي ١١٨/١ م ٥١، وبدائع الصنائع ٢٠/٥،
وجواهر الإکلیل ٢/ ١٦٢، ومنتهى الإرادات ٢٨٨/٣
- ٢٥٤ -
إسقاط ٦٥
المستقبل. ومثال ذلك ما جاء في خبايا الزوايا: لو
اشترى عبدا فأبق قبل القبض، ورضي المشتري
بترك الفسخ، ثم بدا له، یمکن من الفسخ، لأن
التسليم مستحق له في الأوقات كلها، والإسقاط
يؤثر في الحال دون ما يستحق من بعد.(١)
وقال ابن عابدين: لو أسقطت الزوجة نوبتها
لضرتها فلها الرجوع، لأنها أسقطت الكائن،
وحقها يثبت شيئا فشيئا، فلا يسقط في المستقبل،
ولا يرد أن الساقط لا يعود، لأن العائد غير
الساقط، وهذه مسألة متفق عليها. (٢) وقد ذكر
ابن نجيم قاعدة في ذلك فقال: الأصل أن
المقتضي للحکم إن كان موجودا والحکم معدوم فهو
من باب المانع، وإن عدم المقتضي فهو من باب
الساقط . (٣)
فهناك فرق إذن بين وجود المقتضي للحکم، ثم
سقط الحكم لمانع، فإِذا زال المانع مع وجود
المقتضى عاد الحكم، بخلاف ما إذا عدم المقتضي
فلا يعود الحكم.
ومن ذلك حق الحضانة. جاء في منتهى
الإِرادات: (٤) لا حضانة لفاسق، ولا لكافر على
مسلم، ولا تزويج بأجنبي من محضون. وبمجرد
زوال المانع من فسق أو کفر، أو تزوج بأجنبي،
وبمجرد رجوع ممتنع من حضانة يعود الحق له في
الحضانة، لقيام سببها مع زوال المانع.
هذا مع الاختلاف بين الفقهاء، هل الحضانة
(١) خبايا الزوايا ص ٢٤٧ م/٢٣٩
(٢) حاشية ابن عابدين ٦٣٦/٢، ومنتهى الإرادات ١٠٣/٣ وفتح
العلي المالك ٣١٥/١
(٣) الأشباء لابن نجیم ص ٣١٨
(٤) شرح منتهى الإرادات ٢٦٤/٣، ٢٦٥
حق الحاضن أو حق المحضون. وفي الدسوقي :
إذا انتقلت الحضانة لشخص لمانع، ثم زال المانع
فإِنها تعود للأول، كما لو تزوجت الأم ودخل بها
الزوج، وأخذت الجدة الولد، ثم فارق الزوج
الأم، وقد ماتت الجدة، أو تزوجت، والأم خالية
من الموانع، فهي أحق ممن بعد الجدة، وهي الخالة
ومن بعدها. كذا قال المصنف (الدردير)، وهو
ضعيف. والمعتمد أن الجدة إذا ماتت انتقلت
الحضانة لمن بعدها کالخالة، ولا تعود للأم ولو
كانت متأيمة (لا زوج لها). (١)
وفي الجمل على شرح المنهج: لو أسقطت
الحاضنة حقها انتقلت لمن یلیها، فإذا رجعت عاد
حقها. (٢) ومثل ذلك عند الحنفية كما في البدائع.
وقال ابن نجيم: وفرُّعت على ((وقولهم :
الساقط لا يعود)» قولهم إذا حكم القاضي برد شهادة
الشاهد، مع وجود الأهلية، لفسق أو لتهمة، فإِنه
لا يقبل بعد ذلك في تلك الحادثة.
ومن المسائل التي ذكرها ابن نجيم للتفرقة بين
ما هو مسقط وما هو مانع قوله: لا يعود الترتيب
بعد سقوطه بقلة الفوائت، بخلاف ما إذا سقط
بالنسیان فإنه يعود بالتذکر، لأن النسيان کان مانعا
لا مسقطا، فهو من باب زوال المانع. ولا تصح
إقالة الإِقالة في السلم، لأنه دين ساقط فلا يعود.
أما عود النفقة - بعد سقوطها بالنشوز - بالرجوع،
فهو من باب زوال المانع، لا من باب عود
(١) الدسوقي ٢/ ٥٣٣
(٢) الجمل على شرح المنهج ٤/ ٥٢١، والبدائع ٤٢/٤
- ٢٥٥ -
إسقاط ٦٦
الساقط. (١) وتنظر الفروع في أبوابها.
أثر الإسقاط :
٦٦ - يترتب على الإسقاط آثار تختلف باختلاف
ما يرد عليه. ومن ذلك:
(١) إسقاط رجل الانتقاع بالبضع بالطلاق،
ويترتب عليه آثار متعددة، كالعدة والنفقة
والسكنی وجواز الرجعة، إن كان الطلاق رجعیا،
وعدم جواز ذلك إن كان بائنا، وغير ذلك من
الآثار. (٢) ر: (طلاق).
(٢) الإِعتاق وهو: إزالة الرق عن المملوك وإثبات
الحرية له، يترتب عليه ملكه لماله وكسبه، وإطلاق
يده في التصرفات، وإثبات حق الولاء للمعتق،
وما شابه ذلك من الأحكام. (٣) ر: (عتق).
(٣) قد يترتب على الإسقاط إثبات حقوق
. تتعلق بالمحل، كإسقاط حق الشفعة، يترتب عليه
استقرار الملك للمشتري، وإسقاط حق الخيار في
البيع يترتب عليه لزوم البيع، لأن الملك الثابت
بالبيع قبل الاختيار ملك غير لازم. وإجازة بيع
الفضولي يترتب عليها لزوم البيع الموقوف(٤) وينظر
تفصيل ذلك في: (بيع - خيار - شفعة - فضولي).
(٤) ومن الآثار ما يرد تحت قاعدة: الفرع
يسقط بسقوط الأصل، كما إذا أُبرىء المضمون أو
المكفول عن الدین بریء الضامن والكفیل، لأن
الضامن والكفيل فرع، فإذا سقط الأصل سقط
(١) الأشباه لابن نجيم ص ٣١٨، ٣١٩
(٢) الاختيار ٣/ ١٢١، ١٧٤
(٣) الاختيار ٤/ ١٧
(٤) البدائع ٢٦١/٥، ٢٦٧، ٢٧٣، ٢٩١، ٢٩٥
الفرع ولا عكس، فلو أبرىء الضامن لم يبرأ
الأصيل، لأنه إسقاط وثيقة فلا يسقط بها
الدین.(١) ر: (كفالة - ضمان).
(٥) وقد يترتب على الإِسقاط الحصول على
حق كان صاحبه ممنوعا منه، لتعلق حق الغير،
وذلك مثل صحة تصرف الراهن في المرهون، بنحو
وقف أو هبة، إذا أذن المرتهن، لأن منعه كان لتعلق
حق المرتهن به، وقد أسقطه بإذنه.(٢)
(٦) الغريم إذا وجد عين ماله عند المفلس كان
له حق الرجوع فيه بشروط منها: ألا يتعلق بالعين
حق للغير كشفعة ورهن. فإذا أسقط أصحاب
الحقوق حقوقهم، بأن أسقط الشفیع شفعته، أو
أسقط المرتهن حقه في الرهن فلرب العين
أخذها. (٣)
(٧) إذا أجل البائع الثمن بعد العقد سقط حق
الحبس على ما جاء في البدائع، لأنه أخر حق نفسه
في قبض الثمن، فلا يتأخر حق المشتري في قبض
المبيع، وكذا لو أبرأ البائع المشتري من الثمن بطل
حق الحبس. (٤)
(٨) لو أجلت الزوجة المهر لوقت معلوم، فليس
لها أن تمنع نفسها، لأن المرأة بالتأجيل رضيت
بإسقاط حق نفسها، فلا يسقط حق الزوج. وهذا
في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لها أن
تمنع نفسها، لأن من حكم المهر أن يتقدم تسليمه
(١) نهاية المحتاج ٤/ ٢٤٤، والمنتهى ٢/ ٢٤٧، والمنثور ٢٢/٣
(٢) منتهى الإرادات ٢/ ٢٣٤، ونهاية المحتاج ٢٦٢/٤، ومنح
الجلیل ٧٤/٣
(٣) منتهى الإرادات ٢/ ٢٨١
(٤) البدائع ٥/ ٢٥٠
- ٢٥٦ -
إسقاط ٦٦ - ٦٧
علی تسلیم النفس، فلما قبل الزوج التأجيل كان
ذلك رضا بتأخير حق نفسها في القبض، بخلاف
البائع. (١) ومن ذلك أيضا الوصية فيما زاد على
الثلث بإجازة الورثة. وينظر تفصیل کل ذلك في:
(إفلاس - بيع - حبس - رهن).
٦/
(٩) إسقاط الشارع العبادات بسبب الأعذار
قد يسقط الطلب بها بعد ذلك، فلا يطالب
بالقضاء، كالصوم بالنسبة للشيخ الكبير الذي لا
يقدر عليه. وقد يطالب بالقضاء، كالصوم بالنسبة
للحائض والمسافر.
(١٠) الإِبراء من الدين أو من الحق يترتب عليه
براءة ذمة المبرأ متى استوفى الإِبراء شروطه. وسواء
أکان عن حق خاص أم حق عام، بحسب ما يرد
في صيغة المبرىء.
ويترتب كذلك سقوط حق المطالبة، فلا تسمع
الدعوی فیما تناوله الإِبراء إلی حین وقوعه، دون
ما يحدث بعده. ولا تقبل الدعوى بعد ذلك بحجة
الجهل أو النسيان.
إلا أن المالكية قيدوا ذلك بما إذا لم يكن الإبراء
مع الصلح. فإذا كان الإِبراء مع الصلح، أووقع
بعد الصلح إبراء عام، ثم ظهر خلافه فله نقضه،
لأنه إبراء على دوام صفة الصلح لا إبراء مطلق،
إلا إذا التزم في الصلح عدم القيام عليه ولو ببينة فلا
تسمع الدعوى. هذا، مع استثناء الحنفية من
الإبراء بعض المسائل، كضمان الدرك (استحقاق
المبيع)، وكدعوى الوكالة والوصاية، وكادعاء
الوارث دینا للميت على رجل، وفي ذلك تفصيل
کثیر ینظر في (إبراء - دعوى).
(١١) الإِبراء العام يمنع الدعوى بالحق قضاء
لا ديانة، إن كان بحيث لو علم بماله من الحق لم
یبرئه، كما في الفتاوى الولوالجية. لكن في خزانة
الفتاوى: الفتوى على أنه يبرأ قضاء وديانة وإن لم
يعلم به. وعند الشافعية: لو أبراه في الدنيا دون
الآخرة برىء فيهما، لأن أحكام الآخرة مبنية على
احکام الدنیا، وهو أحد قولین عند المالكية، ذكرهما
القرطبي في شرح مسلم.(١)
بطلان الإسقاط :
٦٧ - الإسقاط أركان، ولكل ركن شروطه
الخاصة، فإذا لم يتحقق شرط من الشروط التي سبق
بيانها بطل الإسقاط، أي بطل حكمه، فلا ينفذ.
ومن أمثلة ذلك: أنه يشترط في المسقط أن يكون
بالغا عاقلا، فإذا كان المتصرف بالإِسقاط صبيا أو
مجنونا فلا يصح الإسقاط ولا ينفذ.
ولو كان التصرف بالإسقاط منافيا للمشروع،
فإنه يكون تصرفا باطلا ولا يسقط بالإسقاط،
كإسقاط الولاية، أو إسقاط حد من حدود الله.
وكذلك الإسقاط لا يرد على الأعيان، ويعتبر
إسقاطها باطلا. ولذلك خرجه الفقهاء على
إسقاط الضمان .
وقد يقع الإسقاط صحيحا، لكن يبطل إذا رده
المسقط عنه، عند من يقول أنه يرتد بالرد كالحنفية .
(١) أشباه ابن نجيم ص ٢٢٣، ٢٦٥، ومنح الجليل ٢٠٩/٣،
٢١٠، ٤٢٤، ونهاية المحتاج ٤٢٨/٤، ٤٣١، والمغني ٤/ ٦٢٣
(١) البدائع ٣/ ٢٨٩، والمنح ٢/ ١٠٤
- ٢٥٧ -
١
إسقاط ٦٧ _ إسكار١- ٦
وفي قاعدة ذكرها الحنفية هي : أنه إذا بطل
الشيء بطل ما في ضمنه، فلو أبرأه ضمن عقد
فاسد فسد الإِبراء. (١)
وأغلب هذه المسائل وردت فيما سبق في
البحث.
إسكار
التعريف :
١ - الإِسكارلغة : مصدر أسكره الشراب. وسكر
سکرا، من باب تعب، والسكر اسم منه، أي أزال
عقله. (٢)
والإِسكار في اصطلاح الفقهاء : تغطية
العقل(٣) بما فيه شدة مطربة كالخمر. ويرى جمهور
الفقهاء أن ضابط الإسكار هو أن يختلط كلامه،
فیصیر غالب كلامه الهذيان، حتى لا يميز بين ثوبه
وثوب غيره عند اختلاطهما، ولا بين نعله ونعل
غيره، وذلك بالنظر لغالب الناس. (٤) وقال
أبو حنيفة: السكران الذي لا يعرف السماء من
الأرض، ولا الرجل من المرأة. ر: (أشربة).
(١) الأشباه لابن نجيم ص ٣٩١، ٣٥٦، وتنظر المراجع السابقة في
البحث.
(٢) المصباح المنير : (مادة سكر).
(٣) حاشية ابن عابدين ٢/ ٤٢٣ - ٤٢٤ ط بولاق.
(٤) الفتاوى الهندية ٢ / ١٥٩ ط المكتبة الإسلامية، وحاشية الصاوي
مع الشرح الصغير ٥٤٣/٢ ط دار المعارف، وتحفة المحتاج
٦٣٧/٧ ط أولى، والمغني ٣١٣/٨
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الإغماء :
٢ - الإغماء آفة تعطل القوى المدركة عن أفعالها مع
بقاء العقل مغلوبا . (١)
ب - التخدير :
٣ - التخدير تغشيه العقل من غير شدة مطربة .
جـ - التفتير :
٤ - المفتر ما من شأنه أن يضعف الأعضاء ويلين
الجسم بشدة ویسکن حدته .
الحكم الإجمالي :
٥ - تعاطي ما يحدث الإِسکار محرم موجب للحد،
حيث لا توجد شبهة مسقطة له. أما عند أبي حنيفة
فالخمر محرمة بالنص، ويحد شارب القليل والكثير
منها. وأما غير الخمر فلا يحرم، ولا يحد شاربه إلا
بالقدر الذي أسكر فعلا. وتفصيل ذلك في
(أشربة).
كما أن للسكر أثرا في التصرفات القولية
والفعلية، كالطلاق والبيوع والردة والخطابات
وغيرها. وينظر في الملحق الأصولي، باعتباره من
عوارض الأهلية، وفي الحدود.
مواطن البحث :
٦ - يبحث موضوع الإِسکار في حد الشرب، عند
الكلام عن ضابط الإسكار، وفي أوصاف
الخمرية، وفي علة حد شارب الخمر، وفي السرقة
عند أثر الإِسکار في الإِحراز.
(١) حاشية ابن عابدين ٤٢٦/٢ ط بولاق.
- ٢٥٨ -
إسکان ، إسلام ١ - ٢
إسكان
انظر : سكنى
إسلام
التعريف :
١ - من معاني الإِسلام في اللغة: الإِذعان
والانقياد، والدخول في السلم، أوفي دین
الإِسلام. والإِسلام يكون أيضا بمعنى :
الإِسلاف، أي عقد السلم، (١) يقال: أسلمت
إلى فلان في عشرين صاعا مثلا، أي اشتريتها
منه مؤجلة بثمن حالّ.
أما في الشرع فيختلف معناه تبعا لوروده
منفردا، أو مقترنا بالإِيمان.
فمعناه منفردا : الدخول في دين الإِسلام، أو
دين الإِسلام نفسه. والدخول في الدین هو
استسلام العبد لله عز وجل باتباع ما جاء به الرسول
وَل*، من الشهادة باللسان، والتصديق بالقلب،
والعمل بالجوارح.
ومعناه إذا ورد مقترنا بالإِيمان هو: أعمال
الجوارح الظاهرة، من القول والعمل كالشهادتين
والصلاة وسائر أركان الإِسلام.
وإذا انفرد الإِیمان یکون حينئذ بمعنى: الاعتقاد
(١) لسان العرب، والمصباح ، والمغرب مادة: (سلم).
بالقلب والتصديق بالله تعالى وملائكته وكتبه
ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره مع
الانقياد . (١)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الإِيمان :
٢ - سبق تعريف الإِسلام منفردا ومقترنا بالإِيمان.
وهذا يتأتى في تعريف الإِيمان أيضا. فالإِيمان
منفردا: هو تصديق القلب بما جاء به الرسول وَل
والإقرار باللسان والعمل به. أما إذا اقترن
بالإِسلام فإن معناه يقتصر على تصديق القلب، (٢)
كما جاء في حديث سؤال جبريل ونصه: عن عمر
ابن الخطاب رضي الله عنه قال: ((بینما نحن
جلوس عند رسول الله (# ذات يوم، إذ طلع علينا
رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا
يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى
جلس إلى النبي ﴾، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه،
ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني
عن الإِسلام، فقال رسول الله صل﴾: الإِسلام: أن
تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله،
وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان،
وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال:
صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال:
فأخبرني عن الإِيمان، قال: أن تؤمن بالله،
وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن
بالقدر خيره وشره، قال: صدقت». الحديث. (٣)
(١) جامع العلوم والحكم ص ٢٢ - ٢٦ ط دار المعرفة.
(٢) المرجع السابق .
(٣) حديث سؤال جبريل : أخرجه مسلم من حديث عمر بن
الخطاب رضي الله عنه (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد
عبدالباقي ٣٦/١، ٣٧ ط عيسى الحلبي ١٣٧٤هـ).
- ٢٥٩ -
إسلام ٣ - ٤
إطلاق الإِسلام على ملل الأنبياء السابقين
وأتباعهم:
٣- اختلف علماء الإسلام في ذلك، فبعضھم یری
أن الإِسلام يطلق على الملل السابقة. واحتج بقوله
تعالی: (شرع لکم من الدین ما وصی به نوحا
والذي أوحينا إليك وما وصینا به إبراهيم وموسى
وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)(١) الآية،
وآيات أخرى.
ويرى آخرون : أنه لم توصف به الأمم
السابقة، وإنما وصف به الأنبياء فقط، وشرفت هذه
الأمة بأن وصفت بما وصف به الأنبياء، تشريفا لها
وتکریما .
ووجه اختصاص الأمة المحمدية بهذا الاسم
(الإِسلام)) هو: أن الإِسلام اسم للشريعة المشتملة
على العبادات المختصة بهذه الأمة، من الصلوات
الخمس، وصوم رمضان، والغسل من الجنابة،
والجهاد، ونحوها. وذلك كله مع کثیر غيره خاص
بهذه الأمة، ولم يكتب على غيرها من الأمم، وإنما
كتب على الأنبياء فقط.
ويؤكد هذا المعنى - وهو اختصاص الأمة
المحمدية باسم الإِسلام - قوله تعالى: (ملة أبيكم
إبراهيم هو سماكم المسلمين). (٢) فالضمير (هو)
يرجع لإِبراهيم عليه السلام، كما يراه علماء السلف
السابقية قوله في الآية الأخرى: (ربنا واجعلنا
◌ُمْلِمين لك، ومن ذريتنا أمة مُسْلِمَة لك). (٣)
فدعا بذلك لنفسه ولولده، ثم دعا لأمة من ذريته،
(١) سورة الشورى/ ١٣
(٢) سورة الحج/ ٧٨
(٣) سورة البقرة/ ١٢٨
وهي هذه الأمة فقال: (ربنا وابعث فيهم رسولا
منهم) الآية، (١) وهو سيدنا محمد ﴿، فاستجاب
الله دعاءه، فبعث محمدا إليهم، وسماهم
مسلمين . (٢)
فاتفق أئمة السلف على أن الله تعالى لم يذكر
أمة بالإِسلام غير هذه الأمة، ولم يسمع بأمة ذكرت
به غيرها .
٤ - وقال الإِمام ابن تيمية : (٣) وقد تنازع الناس
فیمن تقدم من أمة موسى وعيسى هل هم مسلمون
أم لا؟ فالإِسلام الحاضر الذي بعث الله به محمدا
وَل، المتضمن الشريعة القرآن، ليس عليه إلا أمة
محمد ، والإِسلام اليوم عند الإطلاق يتناول
هذا .
وأما الإِسلام العام المتناول لكل شريعة بعث
الله بها نبيا، فإنه إسلام كل أمة متبعة لنبي من
الأنبياء.
وعلى هذا الأساس یمکن أن تفهم کل الآيات
الكريمة التي تعرض فيها القرآن الكريم لهذه
الكلمة مستعملة بالنسبة للأمم الأخرى، إما على
أنها تشير إلى المعنى اللغوي لمادة أسلم، أو أنها
تشير إلى المعنى المشترك بين الشرائع السماوية كلها
الذي بعث الله به جميع الرسل، وإليه الإِشارة في
كثير من الآيات، ومنها قوله تعالى: (ولقد بعثنا في
كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا
الطاغوت) . (٤)
(١) سورة البقرة/ ١٢٩
(٢) عن فتاوى أحمد بن حجر الهيتمي ص ١٢٦
(٣) مجموعة فتاوى ابن تيمية ٩٤/٣ طبع المملكة السعودية.
(٤) سورة النحل/ ٣٦
- ٢٦٠ -