النص المفهرس
صفحات 201-220
أُسری ١٨ - ٢٠
الرجال البالغين من أسرى الكفار، بين قتلهم، أو
استرقاقهم، أو المنّ عليهم، أو مفاداتهم بمال أو
نفس.(١)
أما الحنفية فقد قصروا التخيير على ثلاثة أمور
فقط: القتل، والاسترقاق، والمن عليهم بجعلهم
أهل ذمة على الجزية، ولم يجيزوا المن عليهم دون
قيد، ولا الفداء بالمال إلا عند محمد بن الحسن
بالنسبة للشيخ الكبير، أو إذا كان المسلمون بحاجة
للمال. وأما مفاداتهم بأسرى المسلمين فموضع
خلاف عندهم. (٢)
وذهب مالك إلی أن الإِمام خير في الأسری بین
خمسة أشياء: فإما أن يقتل، وإما أن يسترق، وإما
أن يعتق، وإما أن يأخذ فيه الفداء، وإما أن يعقد
عليه الذمة ويضرب عليه الجزية، والإِمام مقيد في
اختياره بما يحقق مصلحة الجماعة . (٣)
١٨ - ويتفق الفقهاء على أن الأصل في السبايا من
النساء والصبية أنهم لا يقتلون. ففي الشرح الكبير
الدردير: وأما النساء والذراري فليس فيهم إلا
(١) الإقناع ٨/٥ ط صبيح ١٣٨٤هـ، ونهاية المحتاج ٦٥/٨،
وشرح البهجة ٦٢١/٥، والمهذب ٢٣٥/٢، والمغني
١٠/ ٤٠٠، والإنصاف ١٣٠/٤، والفروع ٥٩٦/٣، ومطالب
أولي النهى ٢/ ٥٢٠
(٢) البدائع ٧/ ١٢١، والزيلعي ٢٤٩/٤، وفتح القدير ٣٠٥/٤،
والمبسوط ٢٤/١٠، ١٣٨، وحاشية ابن عابدين ٢٢٩/٣،
وأحكام القرآن للجصاص ٨٩/٣
(٣) التاج والإكليل ٣٥٨/٣، وبداية المجتهد ٢٩٢/١، وحاشية
الدسوقي والشرح الكبير ١٨٤/٢
الاسترقاق أو الفداء. (١) وتفصيله في (سبي).
كما يتفقون على أن الأسير الحربي الذي أعلن
إسلامه قبل القسمة، لا يحق للإِمام قتله، لأن
الإِسلام غاصم لدمه على ما سيأتي .
١٩ - ويقول الشافعية : إن خفي على الإمام أو
أمير الجيش الأحظ حبسهم حتى يظهر له، لأنه
راجع إلى الاجتهاد، ویصرح ابن رشد بأن هذا ما
لا خلاف فيه بین المسلمین، إذا لم یکن یوجد تأمین
لهم.(٢)
٢٠ - وقال قوم: لا يجوز قتل الأسير، وحكى
الحسن بن محمد التميمي أنه إجماع الصحابة.
والسبب في الاختلاف تعارض الآية في هذا
المعنى، وتعارض الأفعال، ومعارضة ظاهر الكتاب
لفعله عليه الصلاة والسلام، لأن ظاهر قول الله
تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب)
أنه ليس للإِمام بعد الأسر إلا المن أو الفداء. وقوله
تعالی (ما کان لنبي أن یکون له أسری حتی یثخن
في الأرض(٣)) والسبب الذي نزلت فيه يدل على
أن القتل أفضل من الاستبقاء. وأما فعل الرسول
* : فقد قتل الأسارى في غیر موطن، فمن رأى
أن الآية الخاصة بالأسارى ناسخة لفعله قال :
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١٨٤/٢
(٢) شرح السير الكبير ٢/ ٥٩٠، وحاشية ابن عابدين ٢٢٩/٣،
وفتح القدير ٣٠٥/٤، والزيلعي ٢٤٩/٣، ومواهب الجليل
والتاج والإكليل ٣٥٨/٣، وحاشية الدسوقي ١٨٤/٢، وبداية
المجتهد ٣٩٢/١، وتحفة المحتاج ٣٩/٨، وشرح روض الطالب
٦٩٣/٤، وحاشية الجمل على المنهج ٥/ ٦٩٧، والإنصاف
٤/ ١٣٠، والمغني ١٠/ ٤٠٠، ومطالب أولي النهى ٢/ ٥١٩
(٣) سورة الأنفال / ٦٧
- ٢٠١ -
أسرى ٢١ - ٢٤
لا يقتل الأسير، ومن رأى أن الآية ليس فيها ذکر
لقتل الأسير ولا المقصود منها حصر ما يفعل
بالأساری قال بجواز قتل الأسیر. (١)
٢١ - ويتفق الفقهاء على أن الأسرى من نساء
الحربین وذرارهم، ومن في حكمهم کاخنثی
والمجنون، وكذا العبيد المملوكون لهم يسترقون
بنفس الأسر، ويتفقون على أن من أسلم من
الحربيين قبل الاستيلاء والأسر لا يسترق، وكذا
بالنسبة للمرتدين، فإن الحكم بالنسبة لهم
الاستتابة والعودة إلى الإِسلام، وإلا فالسيف. (٢)
٢٢ - أما الرجال الأحرار المقاتلون منهم. فقد اتفقوا
أيضا على جواز استرقاق الأعاجم، وثنيين كانوا أو
أهل كتاب. واتجه الجمهور إلى جواز استرقاق
العرب على تفصيل بينهم. والحنفية لا يجيزون
استرقاق مشركي العرب.
الفداء بالمال :
٢٣ - المشهور في مذهب المالكية، وهو قول محمد بن
الحسن من فقهاء الحنفية، ومذهب الشافعية،
والحنابلة في غير رواية عن الإِمام أحمد: جواز فداء
أسرى الحربيين الذين يثبت الخيار للإِمام فيهم
(١) بداية المجتهد ٣٩٢/١، ٣٩٤
(٢) حاشية ابن عابدين ٢٢٩/٣، وحاشية الشلبي بهامش تبيين
الحقائق ٢٤٩/٣، والعناية بهامش الفتح ٤ /٣٠٦، وشرح السير
الكبير ١٠٢٤/٣، ١٠٣٦، والبدائع ١١٧/٧، وبداية المجتهد
٣٩٢/١، وحاشية الدسوقي ٢/ ١٨٤، والتاج والإكليل
ومواهب الجليل ٣٥٩/٣، والمهذب ٢٣٥/٢، وفتح الوهاب
١٧٣/٢، وحاشية الجمل ١٩٧/٥، وتحفة المحتاج ٨/ ٤٠،
والمغني ١٠/ ٤٠٠، والإنصاف ١٣١/٤، ومطالب أولي النهى
٥٢٢/٢
بالمال. (١) غير أن المالکیة یجیزونه بمال أكثر من قيمة
الأسير، (٢) وعن محمد بن الحسن - كما نقل
السرخسي عن السير الكبير - تقیید ذلك بحاجة
المسلمین للمال، وقید الكاساني هذا بما إذا كان
الأسير شيخا كبيرا لا يرجى له ولد. (٣) وأجازه
الشافعية بالمال دون قيد، ولو لم تكن ثمة حاجة
للمال، ونصوا على أنه للإِمام أن يفدي الأسرى
بالمال یأخذه منهم، سواء أكان من مالهم أم من مالنا
الذي في أيديهم، وأن نفديهم بأسلحتنا التي في
أیدیهم. أما أسلحتهم التي بأيدينا ففي جواز مفاداة
أسرانا بها وجهان، أو جههما عندهم الجواز. (٤)
واستدل المجيزون بظاهر قوله تعالى (فإِما منّاً
بعد وإما فداء)، (٥) وبفعل الرسول وَلتر، فقد فادى
أُساری بدر بالمال وکانوا سبعین رجلا، کل رجل
منهم بأربعمائة درهم، (٦) وأدنى درجات فعله الجواز
والإِباحة .
٢٤ - ویری الحنفية،في غير ما روي عن محمد، وهو
(١) المبسوط ١٣٨/١٠، والبدائع ١١٩/٧، ومواهب الجليل والتاج
والإكليل ٣٥٨/٣، وحاشية الدسوقي ٢/ ١٨٤، والإقناع
٨/٥، والمهذب ٢٣٧/٢، والإِنصاف ٤/ ١٣٠، والمغني
والشرح الكبير ٤٠١/١٠، ومطالب أولي النهى ٢/ ٥٢١
(٢) التاج والإكليل ٣٥٨/٣
(٣) المبسوط ١٣٨/١٠، والبدائع ٧/ ٦١٩، وحاشية ابن عابدين
على الدر المختار ٢٢٩/٣
(٤) شرح روض الطالب ١٩٣/٤، وتحفة المحتاج ٤٠/٨، والمهذب
٢٣٧/٢، ونهاية المحتاج ٦٥/٨، والإقناع ٨/٥، وفتح الوهاب
١٧٤/٢
(٥) سورة محمد / ٤
(٦) حديث : ((مفاداة أساری بدر)». أخرجه أبو داود من حديث ابن
عباس رضي الله عنهما بلفظ ((ان النبي# جعل نداء=
- ٢٠٢ -
أسری ٢٤ - ٢٥
رواية عن أحمد وقول أبي عبيد القاسم بن سلام
عدم جواز الفداء بمال. (١)
ويدل على عدم الجواز أن قتل الأسارى مأمور
به، لقوله تعالى (فاضربوا فوق الأعناق)(٢) وأنه
منصرف إلى ما بعد الأخذ والاسترقاق، وقوله
تعالى (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)(٣) والأمر
بالقتل للتوسل إلى الإِسلام، فلا يجوز تركه إلا لما
شرع له القتل، وهو أن يكون وسيلة إلى الإسلام،
ولا يحصل معنى التوسل بالمفاداة بالمال، كما أن في
ذلك إعانة لأهل الحرب، لأنهم يرجعون إلى
المنعة، فيصيرون حربا علينا، وقتل المشرك عند
التمكن منه فرض محكم، وفي المفاداة ترك إقامة
هذا الفرض، وقد روي عن أبي بكر أنه قال في
الأسير: ((لا تفادوه وإن أعطيتم به مدين من
ذهب)»(٤) ولأنه صار بالأسر من أهل دارنا، فلا يجوز
= أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة)). قال الشوكاني: أخرجه أيضا
النسائي والحاكم وسكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في
التلخيص، ورجاله ثقات إلا أبا العنبس وهو مقبول. ومثله قال
صاحب عون المعبود، وأما عدد أسارى بدر فقد أخرجه مسلم
من حديث ابن عباس بلفظ ((فقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا
سبعين)) (عون المعبود ٣/ ١٤ ط الهند، ونيل الأوطار ٣٢٣/٧ط
مصطفى الحلبي ١٣٨٠هـ، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد
عبدالباقي ١٣٨٣/٣ - ١٣٨٥ ط عيسى الحلبي ١٣٧٥هـ).
(١) المبسوط ١٣٨/١٠، وتبيين الحقائق ٢٤٩/٣، والبحر الرائق
٩٠/٥، ومواهب الجليل ٣/ ٣٥٩، والأموال ص ١١٧ فقرة
٣١٣، والإنصاف ٤/ ١٣٠، وابن عابدين ٢٢٩/٣
(٢) سورة الأنفال / ١٢
(٣) سورة التوبة / ٥
(٤) الأثر عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أخرجه أبو يوسف في
كتاب الخراج بلفظ ((إن أخذتم أحدا من المشركين فأعطيتم به
مدين دنانير فلا تفادوه)). (كتاب الخراج ص ١٩٦ نشر
المكتبة السلفية ١٣٥٢هـ) والمدي: مكيال لأهل الشام.
إعادته لدار الحرب، ليكون حربا علينا، وفي هذا
معصية، وارتكاب المعصية لمنفعة المال لا يجوز، ولو
أعطونا مالا لترك الصلاة لا يجوزلنا أن نفعل ذلك
مع الحاجة، فكذا لا يجوز ترك قتل المشرك
بالمفاداة . (١)
وعلى القول بأن للإِمام حق المفاداة بالمال، فإن هذا
المال يكون للغانمين، وليس من حقه أن يسقط
شيئا من المال الذي يفرضه عليهم مقابل الفداء إلا
برضى الغانمين. (٢)
فداء أسرى المسلمين بأسرى الأعداء :
٢٥ - ذهب الجمهور(٣) من المالكية، والشافعية،
والحنابلة، وصاحبا أبى حنيفة، وهو إحدى
الروايتين عن أبي حنيفة إلى جواز تبادل الأسرى،
مستدلين بقول النبي ◌َّلير ((أطعموا الجائع وعودوا
المريض وفكوا العاني)»(٤) وقوله ((إن على المسلمين
في فيئهم أن يفادوا أسيرهم، ويؤدوا عن
غارمهم))(٥) و((فادى النبي ◌ّ له رجلين من المسلمين
(١) البدائع ١١٩/٧، ١٢٠، والمبسوط ١٣٨/١٠، ١٣٩. ولا
يخفى أن ظاهر الآية إن تعين القتل أولا قبل الإِثخان، فإذا أثخنوا
أجرى عليهم ما في الآية من المنّ أو الفداء.
(٢) حاشية الدسوقي والشرح الكبير ١٨٤/٢، والمهذب ٢٣٧/٢،
والمغني ٤٠٣/١٠
(٣) تبيين الحقائق ٢٤٩/٣، وحاشية ابن عابدين ٢٢٩/٣،
والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١٨٤/٢، وبداية المجتهد
٣٩٢/١، وأحكام القرآن لابن العربي ٨٦٨/٢، والإقناع
٨/٥، ونهاية المحتاج ٦٥/٨، والمهذب ٢/ ٢٣٧، والمغني
والشرح الكبير ٤٠١/١٠، والإنصاف ٤/ ١٣٠، ومطالب أولي
النهى ٢/ ٥٢١
(٤) حديث: ((أطعموا الجائع ... )). أخرجه البخاري من حديث
أبي موسى الأشعري (فتح الباري ١١٢/١٠ ط السلفية).
(٥) حديث: ((إن على المسلمين في فيئهم ... )) أخرجه =
- ٢٠٣ -
اسرى ٢٥ - ٢٨
ء
بالرجل الذي أخذه من بني عقيل)).(١) و(فادى
بالمرأة التي استوهبها من سلمة بن الأكوع (٢) ناسا
من المسلمين كانوا قد أسروا بمكة)) ولأن في المفاداة
تخليص المسلم من عذاب الكفار والفتنة في الدين،
وإنقاذ المسلم أولى من إهلاك الكافر.
ولم يفرقوا بين ما إذا كانت المفاداة قبل القسمة أو
بعدها .
أما أبو يوسف فقد قصر جواز المفاداة على ما قبل
القسمة، لأنه قبل القسمة لم يتقرر كون أسيرهم
من أهل دارنا حتى جاز للإِمام أن يقتله، وأما بعد
القسمة فقد تقرر کونه من أهل دارنا حتی لیس
للإِمام أن يقتله. أي فلا يعاد بالمفاداة إلى دار
الكفر. ولأن في المفاداة بعدها إبطال ملك المقسوم
له من غیر رضاه.
ونص المالکیة علی مثل قول أبي یوسف أیضا،
ومحمد بن الحسن أجازه في الحالتين لأن المعنى
الذي لأجله جوز ذلك قبل القسمة الحاجة إلى
تخليص المسلم من عذابهم، وهذا موجود بعد
القسمة، وحق الغانمین في الاسترقاق ثابت قبل
= سعيد بن منصور من حديث حبان بن أبي جبلة. والحديث
مرسل (سنن سعيد بن منصور، القسم الثاني من المجلد الثالث
ص ٣١٧ ط الهند).
(١) حديث: ((فداء النبي ◌َّ رجلين من المسلمين بالرجل الذي
أخذه من بني عقيل)). أخرجه مسلم مطولا من حديث عمران بن
حصين (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٣/ ١٢٦٢،
١٢٦٣ ط عيسى الحلبي).
(٢) حديث: ((فداء النبي ◌َّار بالمرأة التي استوهبها من سلمة بن
الأكوع ناسا من المسلمين». أخرجه مسلم مطولا من حديث
سلمة رضي الله عنه (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي
١٣٧٥/٣، ١٣٧٦ ط عيسى الحلبي).
القسمة، وقد صار الأسیر بذلك من أهل دارنا، ثم
تجوز المفاداة به لهذه الحاجة، فكذلك بعد القسمة.
وقد نقل الحطاب عن أبي عبيد أن النساء
والذراري ليس فيهم إلا الاسترقاق، أو المفاداة
بالنفوس دون المال.
وأما الرواية الأخرى عن أبي حنيفة فهي منع
مفاداة الأسير بالأسير، ووجهه: أن قتل المشركين
فرض محكم، فلا يجوز تركه بالمفاداة. (١)
٢٦ - ولو أسلم الأسير لا يفادى به لعدم الفائدة،
أي لأنه فداء مسلم بمسلم، إلا إذا طابت به نفسه
وهو مأمون على إسلامه: (٢)
٢٧ - ويجوز مفاداة الأكثر بالأقل والعكس كما قال
الشافعية، ولم يصرح بذلك الحنابلة، لكن في
كتبهم ما يوافق ذلك، الاستدلالهم بالأحاديث
المتقدمة .
أما الحنفية فقد نصوا على أنه لا يجوز أن يعطى
لنا رجل واحد من أسرانا، ویؤخذ بدله أسیران من
المشركين. (٣)
جعل الأسرى ذمة لنا وفرض الجزية عليهم :
٢٨ - اتفق الفقهاء على أنه يجوز للإِمام أن يضع
الجزية في رقاب الأسرى من أهل الكتاب والمجوس
(١) المبسوط ١٣٩/١٠، ١٤٠، والبدائع ٢/ ١٢٠، وتبيين الحقائق
٢٤٩/٣، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١٨٤/٢، ومواهب
الجليل ٣٥٩/٣، والمغني ٤٤٩/٨ ط ثالثة.
(٢) تبيين الحقائق ٢٤٩/٣، والبحر الرائق ٩٠/٥، والمغني
٤٠٣/١٠
(٣) الإقناع ٢/ ٢٥٣، والمغني ٤٠١/١٠، ومطالب أولي النهى
٢٥١/٢، والبدائع ١٢١/٧. وترى اللجنة أن ذلك ينبغي أن
يكون الرأي فيه للإمام حسب المصلحة.
- ٢٠٤ -
أسرى ٢٨ - ٣٠
على أن يكونوا ذمة لنا، وفي وجه عند الشافعي أنه
يجب على الإِمام إجابتهم إلى ذلك إذا سألوه، كما
يجب إذا بذلوا الجزية في غیر أسر. (١)
واستدلوا على جواز ذلك بفعل عمر في أهل
السواد(٢) وقالوا: إنه أمر جوازي، لأنهم صاروا في
ید المسلمین بغیر أمان، وکیلا يسقط بذلك ما ثبت
من اختيار. (٣) وهذا إن كانوا ممن تؤخذ منهم
الجزية .
وهذا يتفق مع ما حكاه ابن رشد حیث قال:
وقد اتفق الفقهاء على أن الجزية تؤخذ من أهل
الكتاب والمجوس، واختلفوا فيما سواهم من
المشركين، فقال قوم: تؤخذ من كل مشرك، وبه
قال مالك. (٤)
وأجاز الحنفية ذلك للإِمام بالنسبة للأساری من
غير مشركي العرب والمرتدين، ووضعوا قاعدة عامة
هي: كل من يجوز استرقاقه من الرجال، يجوز أخذ
(١) المهذب ٢٣٦/٢
(٢) الأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. أخرجه يحيى بن آدم في
کتاب اخراج : «أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أتاه رؤساء
السواد وفيهم ابن الرفيل. فقالوا: يا أمير المؤمنين: إنا من قوم من
أمل السواد، وکان أهل فارس قد ظهروا علينا وأضروا بنا،
ففعلوا وفعلوا - حتی ذکر وا النساء ۔ فلما سمعنا بكم فرحنا بكم،
وأعجبنا ذلك، فلم نردّ كفكم عن شيء، حتى أخرجتموهم
عنا، فبلغنا أنكم تريدون أن تسترقونا. فقال عمر : فالآن إن
شئتم فالإِسلام، وإن شئتم فالجزية، فاختاروا الجزية)). كما
أخرجه عبدالرزاق في مصنفه مختصرا بلفظ ((إن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه أخذ (الجزية) من مجوسي السواد)» (كتاب الخراج
ليحيى بن آدم ص ٥٠ نشر المكتبة السلفية ١٣٤٧ هـ ، ومصنف
عبدالرزاق ٦/ ٦٩ نشر المكتب الإسلامي).
(٣) مطالب أولي النهى ٥٢٢/٢، والمهذب ٢٣٦/٢
(٤) بداية المجتهد ١/ ٣٩٩، ٤٠٠
الجزية منه بعقد الذمة، كأهل الكتاب وعبدة
الأوثان من العجم، ومن لا يجوز استرقاقه لا يجوز
أخذ الجزية منه، كالمرتدين وعبدة الأوثان من
العرب.(١) .
رجوع الإمام في اختياره :
٢٩ - لم نقف فيما رجعنا إليه من كتب على من
تعرض لهذا، إلا ما قاله ابن حجر الهيثمي الشافعي
من قولا؛ لم يتعرضوا فيما علمت إلى أن الإِمام لو
اختار خصلة له الرجوع عنها أوْلا، ولا إلى أن
اختياره هل يتوقف على لفظ أولا . وقال: والذي
یظهر لي في ذلك تفصيل لا بد منه، فلو اختار خصلة
وظهر له بالاجتهاد أنها الأحظ، ثم ظهر له أن
الأحظ غیرها، فإن کانت رقاً لم يجز له الرجوع عنها
مطلقا، لأن الغانمين وأهل الخمس ملكوا بمجرد
ضرب الرق، فلم يملك إبطاله عليهم، وإن كان
قتلا جازله الرجوع عنه، تغليبا لحقن الدماء ما
أمكن، وإن كان فداء أومنّا لم يعمل بالثاني،
لاستلزامه نقض الاجتهاد بالاجتهاد من غير
موجب، إلا إذا كان اختياره أحدهما لسبب ثم زال
السبب، وتعينت المصلحة في الثاني عمل
بقضیته. وليس هذا نقض اجتهاد باجتهاد، بل بما
يشبه النص، لزوال موجبه الأول بالكلية.
ما یکون به الاختيار :
٣٠ - وأما توقف الاختيار على لفظ، فإن
الاسترقاق لا بد فيه من لفظ يدل عليه، ولا یکفي
(١) شرح السير الكبير ١٠٣٦/٣، والبدائع ١١٩/٧، وفتح القدير
٣٠٦/٤
(٢) حواشي تحفة المحتاج ٩/ ٢٤٧
- ٢٠٥ -
أسرى ٣١ - ٣٢
....
فيه مجرد الفعل، وكذا الفداء، نعم يكفي فيه لفظ
ملتزم البدل مع قبض الإِمام له من غير لفظ،
بخلاف الخصلتين الأخريين لحصولهما بمجرد
الفعل.(١)
إسلام الأسير :
٣١ - إذا أسلم الأسير بعد أسره وقبل قضاء الإِمام
فيه القتل أو المن أو الفداء، فإِنه لا يقتل إجماعا،
لأنه بالإِسلام قد عصم دمه .
أما استرقاقه ففیه رأیان: فالجمهور، وقول
للشافعية، واحتمال للحنابلة أن الإِمام فيه منخير فيما
عدا القتل، لأنه لما سقط القتل بإسلامه بقيت باقي
الخصال.
والقول الظاهر للحنابلة، وهو قول للشافعية أنه
یتعین استرقاقه، لأن سبب الاسترقاق قد انعقد
بالأسر قبل إسلامه، فصار كالنساء والذراري،
فيتعين استرقاقه فقط، فلا منّ ولا فداء، ولكن
يجوز أن يفادي به لتخليصه من الرق. (٢)
أموال الأسير :
٣٢ - الحكم في مال الأسير مبني على الحكم في
نفسه، فلا عصمة له على ماله وما معه، فهو فيء
لكل المسلمين ما دام أسر بقوة الجيش، أو كان
(١) تحفة المحتاج ٨/ ٤٠ ط أولى.
(٢) شرح السير الكبير ٣/ ١٠٢٥، والبحر الرائق ٥/ ٩٠، وتبيين
الحقائق ٢٤٩/٣، وفتح القدير ٣٠٦/٤، والبدائع ١٢٢/٧،
والمهذب ٢٣٩/٢، ونهاية المحتاج ٦٦/٨، وفتح الوهاب
١٧٤/٢، والوجيز ٢/ ١٩٠، والمغني ٤٠٢/١٠، ومطالب أولي
النهى ٥٢٧/٢، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٢٥ ط
أولى ١٣٥٦ هـ، والطرق الحكمية ص ١٧٢ ط ١٣١٧هـ.
الأسر مستندا لقوة الجيش، ولو أسلم بعد أسره
واسترق تبعه ماله، أما لو کان إسلامه في دار الحرب
قبل أخذه، ولم يخرج إلينا حتى ظهرنا على الدار،
عصم نفسه وصغاره وکل ما في يده من مال،
لحديث (من أسلم على مال فهوله))(١) وذلك
باتفاق المذاهب بالنسبة للمنقول، وكذا العقار
عند المالكية، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة.
وقال أبو حنيفة: وخرج عقاره لأنه في يد أهل الدار
وسلطانها فيكون غنيمة . (٢) وقيل: إن محمدا جعله
كسائر ماله . (٣)
وإذا قال الأمير : من خرج من أهل العسكر
فأصاب شيئا فله من ذلك الربع، وسمع هذه
المقالة أسير من أهل الحرب، فخرج فأصاب شيئا
فذلك كله للمسلمين، لأن الأسير فيء لهم وكسب
(١) حديث: (من أسلم على مال فهو له)). أخرجه ابن عدي
والبيهقي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا بلفظ: ((من
أسلم على شيء فهو له)). وفي إسناده ياسين بن معاذ الزيات.
قال البيهقي: ياسين بن معاذ الزيات كوفي ضعيف جرحه
يحيى بن معين والبخاري وغيرهما من الحفاظ. وأخرجه سعيد بن
منصور من حديث عروة بن الزبير رضي الله عنهما، قال محمد بن
عبدالهادي في تنقيح التحقيق: هذا الحديث مرسل لكنه صحيح
الإسناد، وروي الحدیث کذلك عن ابن أبي مليكة مرسلا. قال
الألباني: والحديث عندي حسن بمجموع طرقه (السنن الكبرى
للبيهقي ١١٣/٩ ط دائرة المعارف العثمانية بالهند، وكتاب السنن
لسعيد بن منصور القسم الأول من المجلد الثالث ص ٥٤، ٥٥
ط علمي بريس ماليكاون، وفيض القدير ٦/ ٦٢ نشر المكتبة
التجارية، وإرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل للألباني
١٥٦/٦، ١٥٧ نشر المكتب الإسلامي).
(٢) حاشية ابن عابدين ٢٣٣/٣ ط ١٢٧٢هـ، وحاشية الدسوقي
١٨٧/٢
(٣) البحر الرائق ٩٤/٥، والمغني ٤٧٥/١٠
- ٢٠٦ -
أسرى ٣٣ - ٣٥
العبد لمولاه. (١)
٣٣ - وإذا وقع السبي في سهم رجل من المسلمين،
فأخرج مالا كان معه لم يعلم به، فينبغي للذي وقع
في سهمه أن يرده في الغنيمة، لأن الأمیر إنما ملكه
بالقسمة رقبة الأسير لا ما معه من المال، فإن ذلك
لم يكن معلوما له، وهو مأمور بالعدل في القسمة،
وإنما يتحقق العدل إذا كانت القسمة لا تتناول إلا
ماکان معلوما. ویروی أن رجلا اشترى جارية من
المغنم، فلما رأت أنها قد خلصت له أخرجت حليا
كان معها، فقال الرجل: ما أدري هذا؟ وأتى
سعد بن أبي وقاص فأخبره فقال: اجعله في غنائم
المسلمين. لأن المال الذي مع الأسیر کان غنيمة،
وفعل الأمير تناول الرقبة دون المال، فبقي المال
غنيمة. (٢) وهذا الحكم يصدق أيضا على الديون
والودائع التي له لدى مسلم أوذمي. فإن كانت
لدی حرېي فهي فيء للغانمین.
٣٤ - وإذا كان على الأسير دين لمسلم أو ذمي
قضي من ماله الذي لم یغنم قبل استرقاقه، فإن
حق الدين مقدم على حق الغنيمة، إلا إذا سبق
الاغتنام رقه. ولو وقعا معا فالظاهر - على ما قال
الغزالي من الشافعية - تقدیم الغنيمة، فإن لم یکن
مال فهو في ذمته إلى أن يعتق. (٣)
بم يعرف إسلامه :
٣٥ - روي أنه لما أسر المسلمون بعض المشركين
(١) شرح السير الكبير ٨٣٥/٣، والمهذب ٢٣٩/٢، والمدونة مع
المقدمات ٣٧٩/١
(٢) شرح السير الكبير ١٠٣٧/٣، ١٠٣٨
(٣) الوجيز ٢/ ١٩١
وتكلم بعضهم بالإِسلام دون اعتراف جازه، بینَ
الله أمرهم بقوله: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم
من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم
خيرا مما أُخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم.
وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن
منهم). (١)
وإذا كان القرآن كشف نيات بعض الأسرى
لرسوله، فإن المحاربين من المسلمين لم يؤمروا
بالبحث عن هذه النيات، ولقد حدث المقداد بن
الأسود أنه قال: ((يارسول الله! أرأيت إن لقيت
رجلا من الكفار فقاتلني، فضرب إحدى يدي
بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة فقال:
أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال
رسول الله وَله: لا تقتله. قال فقلت: يا رسول الله
إنه قطع یدي، ثم قال ذلك بعد أن قطعها،
أفأقتله؟ قال رسول الله و له: لا تقتله، فإن قتلته
فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن
يقول كلمته التي قال)). (٢)
وبمثل ذلك قال الرسول (چ# لأسامة بن زيد فيما
رواه مسلم: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها
أم لا)). (٣) ولذا فإن الفقهاء قالوا: لوأن المسلمين
أخذوا أسراء من أهل الحرب فأرادوا قتلهم، فقال
(١) سورة الأنفال ٧٠ - ٧١. وانظر أحكام القرآن لابن العربي قسم
ثان ص ٧٨٤
(٢) حديث المقداد بن الأسود ((يا رسول الله: أرأيت إن لقيتُ رجلا
... )) أخرجه مسلم (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد
عبدالباقي ٩٥/١ ط عيسى الحلبي).
(٣) حديث ((أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا)). أخرجه
مسلم من حديث أسامة بن زيد مرفوعا ضمن قصة (صحيح
مسلم ٩٦/١ ط عيسى الحلبي).
- ٢٠٧ -
أسرى ٣٦ - ٣٨
رجل منهم : أنا مسلم، فلا ينبغي لهم أن يقتلوه
حتى يسألوه عن الإِسلام، فإن وصفه لهم فهو
مسلم، وإن أبى أن يصفه فإنه ينبغي للمسلمين أن
يصفوه له، ثم يقولوا له: هل أنت على هذا؟ فإن
قال: نعم، فهومسلم، ولو قال: لست بمسلم
ولكن ادعوني إلى الإِسلام حتى أسلم لم يحل
قتله .(١)
أسرى البغاة :
٣٦ - البغي في اللغة: مصدر بغى، وهو بمعنى
علا وظلم وعدل عن الحق واستطال. (٢) ومنه قوله
تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا
بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي
تبغي حتى تفيء إلى أمر الله). (٣)
والبغاة في الاصطلاح : هم الخارجون على
الإِمام الحق بغير حق ولهم منعة. ويجب قتالهم.
لردعهم لا لقتلهم(٤) وسنتصدی للكلام عن حکم
أسراهم .
٣٧ - أسرى البغاة تعاملهم الشريعة الإِسلامية
معاملة خاصة، لأن قتالهم لمجرد دفعهم عن
المحاربة، وردهم إلى الحق، لا لكفرهم. (٥) روي
عن ابن مسعود أن رسول الله و # قال: ((يا ابن
(١) أحكام القرآن للجصاص ٢٩٦/٢، وشرح السير الكبير
٥١٣/٢
(٢) القاموس مادة : (بغى) .
(٣) سورة الحجرات / ٩
(٤) حاشية ابن عابدين ٣٠٨/٣، وحاشية الدسوقي ٢٩٨/٤،
وحاشية الجمل ١٩٤/٥، والفروع ٣/ ٥٤١ ط المنار
(٥) الشرح الكبير مطبوع مع المغني ١٠/ ٥٩
أم عبد ما حكم من بغى على أمتي؟ قال: فقلت:
الله ورسوله أعلم. قال: لا يتبع مدبرهم، ولا
يذفف على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا
یقسم فیؤهم».(١)
٣٨ - وقد اتفق الفقهاء على عدم جواز سبي نساء
البغاة وذراريهم. بل ذهب بعض الفقهاء إلى قصر
الأسر على الرجال المقاتلين وتخلية سبيل الشيوخ
والصبية، وقد روي أن عليا رضي الله عنه لما وقع
القتال بينه وبين معاوية، قرر عليّ عدم السبي
وعدم أخذ الغنيمة، فاعترض عليه بعض من كانوا
في صفوفه، فقال ابن عباس لهم: أَفَتَسْبون أمكم
عائشة؟ أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها .
فإن قلتم ليست أمكم كفرتم، لقوله تعالى (النبي
أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم)(٢)
وإن قلتم: إنها أمكم واستحللتم سبيها فقد
كفرتم، لقوله تعالى (وما كان لكم أن تؤذوا
رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده
أبدا). (٣) فلا يستباح منهم إلا بقدر ما يدفع
القتال(٤) ويبقى حكم المال والذرية على أصل
العصمة. ولفقهاء المذاهب تفصيل في حكم أسرى
البغاة .
(١) حديث ((لا يتبع مدبرهم، ولا يجاز على جريحهم، ولا يقتل
أسيرهم، ولا يقسم فيؤهم)) أخرجه الحاكم من حديث ابن عمر
رضي الله عنهما بلفظ، قال رسول الله مَ﴾ لعبدالله بن مسعود
((يا بن مسعود أتدري ما حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ قال
ابن مسعود: الله ورسوله أعلم. قال: فإن حكم الله فيهم ألا يتبع
مدبرهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يذفف على جريجهم، وسكت
عنه الحاكم وقال الذهبي: فيه كوثر متروك (المستدرك ١٥٥/٢
نشر دار الكتاب العربي).
(٢) سورة الأحزاب / ٦
(٣) سورة الأحزاب / ٥٣
(٤) الشرح الكبير مع المغني ٦٥/١٠، وفتح القدير ٤١٣/٤
-٢٠٨ -
أسرى ٣٩ - ٤١
٣٩ - ويتفق الفقهاء على عدم استرقاق أسرى
البغاة، لأن الإِسلام يمنع الاسترقاق ابتداء، وقد
روي عن علي رضي الله عنه أنه قال يوم الجمل: لا
يقتل أسيرهم، ولا يكشف ستر، ولا يؤخذ مال
((أي لا يسترقون)) ولذا فإنه لا تسبى نساؤهم ولا
ذراريهم. (١) والأصل أن أسيرهم لا يقتل لأنه
مسلم، وقد نص على تحريم ذلك كل من الشافعية
والحنابلة، حتى قال الحنابلة: وإن قتل أهل البغي
أسارى أهل العدل لم يجز لأهل العدل قتل
أساراهم، لأنهم لا يقتلون بجناية غيرهم، ويتجه
المالكية وجهة الشافعية والحنابلة في عدم قتل
الأسرى. (٢) غير أنه جاء في بعض كتب المالكية :
أنه إذا أسر بعد انقضاء الحرب يستتاب، فإن لم
يتب قتل. وقيل: يؤدب ولا يقتل(٣) وإن كانت
الحرب قائمة فللإِمام قتله. ولو کانوا جماعة، إذا
خاف أن یکون منهم ضرر. (٤)
أما الحنفية فيفرقون بين ما إذا كان لأسرى البغاة
فئة، وبين ما إذا لم تكن لهم فئة، فقالوا: لو كان
للبغاة فئة أجهز على جريحهم، واتبع هاربهم لقتله
(١) حاشية ابن عابدين ٣١١/٣، ٣١٢، والبحر الرائق ١٥٢/٥ -
١٥٣، وفتح القدير ٤١١/٤، وتبيين الحقائق وحاشية الشلبي
٥٩٥/٣، وغنية ذوي الأحكام بهامش درر الحكام ١/ ٣٠٥،
والتاج والإكليل ٢٧٨/٦، والشرح الصغير ٤١٥/٢، وحاشية
الدسوقي ٢٩٩/٤، وبداية المجتهد ٤٩٨/٢، والخرشي
٣٠٢/٥، وحاشية الجمل ١١٧/٥، ١١٨، وشرح روض
الطالب ١١٤/٤ -١١٥، وفتح الوهاب ٢/ ١٥٤، والمغني
٦٣/١٠ -٦٥، والفروع ٥٤/٣، والأحكام السلطانية لأبي
يعلى ص ٣٩
.-- -
(٢) المراجع السابقة .
(٣) بداية المجتهد ٢/ ٤٩٨
(٤) التاج والإكليل ٢٧٨/٦
أو أسره، فإن لم يكن له فئة فلا، والإِمام بالخيار في
أُسیرهم إن کان له فئة: إن شاء قتله لئلا ينفلت
ويلحق بهم، وإن شاء حبسه حتى يتوب أهل
البغي، قال الشرنبلالي: وهو الحسن، لأن شره
يندفع بذلك، وقالوا: إن ما قاله على رضي الله عنه
من عدم قتل الأسير مؤول بما إذا لم يكن لهم فئة،
وقالوا: إن عليا كان إذا أخذ أسيرا استحلفه ألا
يعين عليه وخلاه، (١) أما إذا لم تكن لهم فئة فلا
يقتل أسيرهم. (٢) والمرأة من أهل البغي إذا أسرت
وكانت تقاتل حبست ولا تقتل، إلا في حال
مقاتلتها. وكذا العبيد والصبيان. (٣)
٤٠ - ويتفق الفقهاء على أنه لا يجوز فداؤهم نظير
مال، وإنما إذا تركهم مع الأمن كان مجانا، لأن
الإِسلام يعصم النفس والمال، (٤) كما أنه لا يجوز
للإِمام موادعتهم على مال، وإن وادعهم على مال
بطلت الموادعة ونظر في المال، فإن كان من فيئهم أو
من صدقاتهم لم يرده عليهم، وصرف الصدقات في
أهلها، والفيء في مستحقیه، وإن کان من خالص
أموالهم وجب رده عليهم. (٥)
٤١ - ويجوز مفاداتهم بأسارى أهل العدل، وإن
أبى البغاة مفاداة الأسرى الذين معهم وحبسوهم،
(١) الأثر عن علي رضي الله عنه أخرجه أبو يوسف بإسناده عن
محمد بن اسحق عن أبي جعفر بلفظ: ((كان علي رضي الله عنه إذا
أتي بالأسير يوم صفين أخذ دابته وسلاحه، وأخذ عليه ألا يعود،
وخلّى سبيله)) (الخراج لأبي يوسف ص ٢٣٣ ط السلفية).
(٢) غنية ذوي الأحكام ٣٠٥/١، والبحر الرائق ٥/ ١٥٣، وتبیین
الحقائق ٢٩٥/٣، وفتح القدير ٤١١/٤، ٤١٢
(٣) المغني ٦٤/١٠، وغنية ذوي الأحكام ٣٠٥/١، والبحر الرائق
١٥٢/٥، وحاشية الدسوقي ٢٩٩/٤
(٤) الشرح الصغير ٤١٥/٢
(٥) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٤٠
-٢٠٩ -
۔
أسرى ٤٢ - ٤٤
قال ابن قدامة: احتمل أن يجوز لأهل العدل حبس
من معهم، لیتوصلوا إلى تخليص أساراهم،
ويحتمل ألا يجوز حبسهم ويطلقون، لأن المترتب في
أسارى أهل العدل لغيرهم. (١)
٤٢ - وعلى ماسبق من عدم جواز قتلهم، فإنهم
يحبسون ولا يخلی سبیلهم، إن کان فیھم منعة، ولو
كان الأسير صبيا أو امرأة أو عبدا إن كانوا مقاتلين،
وإلا أطلقوا بمجرد انقضاء الحرب، وينبغي عرض
التوبة عليهم ومبايعة الإِمام. ولو كانوا مراهقين
وعبيدا ونساء غير مقاتلين أو أطفالا أطلقوا بعد
الحرب دون أن نعرض عليهم مبايعة الإِمام. (٢)
وفي وجه عند الحنابلة يحبسون، لأن فيه كسرا
لقلوب البغاة . (٣) وقالوا: إن بطلت شوكتهم ويخاف
اجتماعهم في الحال، فالصواب عدم إرسال
أسيرهم والحالة هذه. (٤)
أسرى الحربيين إذا أعانوا البغاة :
٤٣ - قال الحنفية والشافعية والحنابلة: إذا استعان
البغاة على قتالنا بقوم من أهل الحرب وأمّنوهم، أو
لم يؤمّنوهم، فظهر أهل العدل عليهم، فوقعوا في
الأسر عند أهل العدل، أخذوا حكم أسرى أهل
الحرب، (٥) واستثنى الشافعية ما إذا قال الأسير:
ظننت جواز إعانتهم، أو أنهم على حق ولي إعانة
المحق، وأمكن تصديقه فإنه يبلغ مأمنه، ثم يقاتل
كالبغاة . (٦)
(١) المغني ١٠/ ٦٤
(٢) حاشية الجمل ١١٧/٥، وشرح روض الطالب ١١٤/٤
(٣) المغني ١٠/ ٦٤
(٤) الفروع ٥٤٤/٣، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٣٩
(٥) فتح القدير ٤١٥/٤، ٤١٦ والمغني ١٠/ ٧١
(٦) حاشية الجمل على شرح المنهج ١١٨/٥
الأسرى من أهل الذمة إذا أعانوا البغاة :
٤٤ - إذا استعان البغاة على قتالنا بأهل الذمة،
فوقع أحد منهم في الأسر، أخذ حكم الباغي عند
الحنفية، فلا يقتل إذا لم تكن له فئة، ويخير الإِمام
إذا كانت له فئة، ولا يجوز استرقاقه.(١)
وقال المالكية: إذا استعان الباغي المتأول بذمي
فلا يغرم الذمي ما أتلفه من نفس أومال، ولا يعد
خروجه معه نقضا للعهد. أما إن كان الباغي
معاندا - أي غير متأول - فإن الذمي الذي معه
یکون ناقضا للعهد، ویکون هو وماله فیئا. وهذا
إن کان مختارا، أما إن کان مکرها فلا ينتقض
عهده، وإن قتل نفسا يؤخذ بها، حتى لو كان
مکرها. (٢)
وقول الشافعية في ذلك كقول المالكية. قالوا: لو
أعان الذميون البغاة في القتال، وهم عالمون
بالتحريم مختارون انتقض عهدهم، كما لو انفردوا
بالقتال.
أما إن قال الذميون : كنا مكرهين، أو ظننا
جواز القتال إعانة، أو ظننا أنهم محقون فيما فعلوه،
وأن لنا إعانة المحق وأمكن صدقهم، فلا ينتقض
عهدهم، لموافقتهم طائفة مسلمة مع عذرهم،
ويقاتلون كبغاة .
ومثلهم في ذلك المستأمنون، على ما صرح به
الشافعية . (٣)
وللحنابلة قولان في انتقاض عهدهم، أحدهما:
ينتقض عهدهم، لأنهم قاتلوا أهل الحق فانتقض
عهدهم كما لو انفردوا بقتلهم. ويصيرون كأهل
(١) تبيين الحقائق ٢٩٥/٣، وفتح القدير ٤١٥/٤
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤/ ٣٠٠
(٣) الجمل على شرح المنهاج ١١٨/٥
- ٢١٠ -
أسرى ٤٥ - ٤٧
الحرب في قتل مقبلهم واتباع مدبرهم وجريحهم.
والثاني : لا ينتقض، لأن أهل الذمة لا يعرفون
المحق من المبطل، فيكون ذلك شبهة لهم. ويكون
حكمهم حكم أهل البغي في قتل مقبلهم، والكف
عن أسيرهم ومدبرهم وجريحهم .
وإن أكرههم البغاة على معونتهم، أو ادعوا
ذلك قبل منهم، لأنهم تحت أيديهم وقدرتهم .
وكذلك إن قالوا: ظننا أن من استعان بنا من
المسلمین لزمتنا معونته، لأن ما ادعوه محتمل، فلا
ينتقض عهدهم مع الشبهة . (١)
وإن فعل ذلك المستأمنون نقض عهدهم.
والفرق بينهما أن أهل الذمة أقوى حكما، لأن
عهدهم مؤبد، ولا يجوز نقضه لخوف الخيانة
منهم، ويلزم الإِمام الدفع عنهم، والمستأمنون
بخلاف ذلك .
وإذا أسر من يراد عقد الإمامة له، وكان لا يقدر
على الخلاص من الأسر، منع ذلك من عقد
الإمامة له .
أسرى الحرابة :
٤٥ - المحاربون طائفة من أهل الفساد، اجتمعت
علی شهر السلاح وقطع الطريق، (٢) ويجوز حبس
من أسرمنهم لاستبراء حاله، (٣) ومن ظفر
بالمحارب فلا يلي قتله، ويرفعه إلى الإِمام. قال
المالكية: إلا أن يخاف ألا يقيم الإِمام عليه الحكم.
(١) الشرح الكبير مع المغني ٦٩/١٠
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٥١، والأحكام السلطانية لأبي
يعلى ص ٤٢
(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٥١، ٥٢، والأحكام السلطانية
لأبي يعلى ص ٤١، ٤٤
ولا يجوز للإِمام تأمينه، (١) وإن استحقوا الهزيمة
فجريحهم أسير، والحكم فيهم للإِمام، مسلمين
كانوا أوذميين عند الحنفية والمالكية والشافعية،
وأحد ڤولين عند الحنابلة. وكذلك المستأمن عند
أبي يوسف والأوزاعي. وموضع بيان ذلك
مصطلح (حرابة).
أسرى المرتدين وما يتعلق بهم من أحكام :
٤٦ - الردة في اللغة : الرجوع، فيقال: ارتد عن
دینه إذا کفر بعد إسلام.
وتختص الردة - في الاصطلاح الفقهي - بالكفر
بعد الإِسلام. وكل مسلم ارتد فإنه يقتل إن لم
يتب، إلا المرأة عند الحنفية فإنها تحبس، ولا يترك
المرتد على ردته بإعطاء الجزية ولا بأمان، ولا يجوز
استرقاقه حتى لو أسر بعد أن لحق بدار الحرب،
بخلاف المرأة فإنها تسترق بعد اللحاق بدار
الحرب، على تفصيل بين المذاهب موضعه
مصطلح (ردة).
٤٧ - وإذا ارتد جمع، وتجمعوا وانحازوا في دار
ينفردون بها عن المسلمين، حتى صاروا فيها ذوي
منعة وجب قتالهم على الردة بعد مناظرتهم على
الإِسلام، ويستتابون وجوبا عند الحنابلة
والشافعية، واستحبابا عند الحنفية، ويقاتلون قتال
أهل الحرب، ومن أسر منهم قتل صبرا إن لم يتب،
ويصرح الشافعية بأننا نبدؤهم بالقتال إذا امتنعوا
بنحو حصن . (٢)
(١) التبصرة مطبوعة بهامش فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب
مالك ٢ / ٢٧٤، ٢٧٥
(٢) الأحكام السلطانية ص ٣٦، وأسنى المطالب ١٢٣/٤
- ٢١١ -
أسری ٤٨ - ٥٠
ولا يجوز أن يسترق رجالهم، ولكن تغنم
أموالهم، وتسبی ذرارےہم الذین حدثوا بعد الردة،
لأنها دار تجري فيها أحكام أهل الحرب فكانت دار
حرب، ولا يجوز أن يهادنوا على الموادعة، ولا
یصالحوا علی مال یقرون به علی ردتهم، بخلاف
أهل الحرب. (١) وقد سبى أبو بكر رضي الله عنه
ذراري من ارتد من العرب من بني حنيفة وغيرهم،
وسبى علي بن أبي طالب رضي الله عنه بني ناجية .
وإن أسلموا حقنت دماؤهم، ومضى فيهم
حكم السباء على الصبيان والنساء، فأما الرجال
فأحرار لا يسترقون، وليس على الرجال من أهل
الردة سبي ولا جزية، إنما هو القتل أو الإِسلام.
وإن ترك الإِمام السباء وأطلقهم وعفا عنهم وترك
لهم أرضهم وأموالهم فهو في سعة.
٤٨ - ويصرح المالكية بعدم استتابة المرتدين إن
حاربوا بأرض الكفر أو بأرض الإِسلام، يقول
ابن رشد: إذا حارب المرتد ثم ظهر عليه فإنه يقتل
بالحرابة، ولا يستتاب، كانت حرابته بدار الإسلام
أو بعد أن لحق بدار الحرب إلا أن يسلم، فإن كانت
حرابته في دار الحرب فهو عند مالك كالحربي
يسلم، لا تباعة عليه في شيء مما فعل في حال
ارتداده.
وأما إن كانت حرابته في دار الإسلام فإنه يسقط
إسلامه عنه حكم الحرابة خاصة. (٢) وعن ابن
(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٣٦، ٣٧، والخراج ص ٦٧ ط
١١٨٢ هـ، وفتح القدير ٢١١/٤، والمبسوط ١١٣/١٠،
١١٤، والمهذب ٢٢٤/٢، والأحكام السلطانية للماوردي ص
٤٩
(٢) بداية المجتهد ٤٩٨/٢، والتاج والإكليل ٦/ ٢٨١
القاسم قال: إذا ارتد جماعة في حصن فإنهم
يقاتلون، وأموالهم في للمسلمين، ولا تسبى
ذراريهم. وقال أصبغ: تسبى ذراريهم وتقسم
أموالهم .
وهذا الذي خالفت فيه سيرة عمر سيرة أبي بكر
رضي الله عنهما في الذين ارتدوا من العرب، فقد
سبى أبوبكر النساء والصغار، وأجرى المقاسمة في
أموالهم، فلما ولي عمر نقض ذلك.(١)
٤٩ - ويتفق فقهاء المذاهب على أن الأسير المرتد
يقتل إن لم يتب ويعد إلى الإِسلام، ولا فرق بين
رجل وامرأة عند الأئمة الثلاثة . وروي ذلك عن
أبي بكر وعلي، وبه قال الحسن والزهري والنخعي
ومكحول، لعموم حديث: ((من بدّل دينه
فاقتلوه)). (٢)
٥٠ - ويرى الحنفية أن المرأة لا تقتل، وإنما تحبس
حتى تتوب .
أما لو كانت المرأة تقاتل، أو كانت ذات رأي
فإِنها تقتل اتفاقا. لكنها عند الحنفية تقتل لا لردتها،
بل لأنها تسعى بالفساد.
ويستدل الحنفية على عدم قتل المرأة المرتدة إذا
أخذت سبيا بما روي من قول الرسول وَله: ((الحقْ
بخالد بن الوليد، فلا يقتلن ذرية ولا عسيفا))، (٣)
(١) التاج والإكليل ٣٨٦/٣
(٢) حديث ( من بدل دينه فاقتلوه» . أخرجه البخاري من حديث
ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا (فتح الباري ١٢/ ٢٦٧ ط
السلفية).
(٣) المبسوط ٩٨/١٠، والمهذب ٢٢٣/٢، وأسنى المطالب
١٢١/٤، وبداية المجتهد ٤٩٨/٢، وحاشية الدسوقي
٣٠٤/٤، والمغني ٧٤/١٠، والفروع ٥٥٧/٣، والفتح
٤ / ٣٨٩
وحديث (( آلحقْ بخالد بن الوليد فلا يقتلن ذرية ولا عسیفا)» =
- ٢١٢ -
أُسری ٥١ - ٥٣
ولا فرق بين الكفر الأصلي والكفر الطارىء، فإن
الحربية إذا سبيت لا تقتل. (١)
٥١ - ويتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أنه لا يجوز
أخذ الفداء من الأسرى المرتدين، ولا المنّ عليهم
بأمان مؤقت أو أمان مؤبد، ولا يترك على ردته
بإِعطاء الجزية. كما يتفقون على أن المرتد من
الرجال لا يجري فيه إلا : العودة إلى الإِسلام أو
القتل، لأن قتل المرتد على ردته حد، ولا يترك
إقامة الحد لمنفعة الأفراد. (٢)
٥٢ - والمالكية والشافعية والحنابلة على أن الرق لا
يجري على المرتدة أيضا، وإن لحقت بدار الحرب،
لأنه لا يجوز إقرار أحد من المرتدين على الكفر
بالاسترقاق، بينما يرى الحنفية أن المرتدة تسترق
بعد اللحاق بدار الحرب، ولا تسترق في دار
= أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم واللفظ له،
من حديث رباح بن الربيع، وقال الحاكم: وهكذا رواه
المغيرة بن عبدالرحمن وابن جريح عن أبي الزناد، فصار الحديث
صحيحا على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي. وقال
الدارقطني: ليس في الصحابة أحد يقال له رباح إلا هذا على
اختلاف فيه. (مسند أحمد بن حنبل ٤٨٨/٣ ط الميمنية، والفتح
الرباني ١٤/ ٦٤ الطبعة الأولى ١٣٧٠ هـ، وعون المعبود
٦/٣ - ٧ الهند، ومسند ابن ماجة بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي
٩٤٨/٢ ط عيسى الحلبي، وموارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان
ص ٣٩٨ ط دار الكتب العلمية، والمستدرك ١٢٢/٢ نشر دار
الكتاب العربي).
(١) المبسوط ١٠٨/١٠، ١٠٩، وتبين الحقائق ٣/ ٢٨٥، والخراج
لأبي يوسف ص ١٧٩، وحاشية ابن عابدين ٢٩٨/٣، والبحر
الرائق ١٣٨/٥، وغنية ذوي الأحكام بهامش درر الحكام شرح
غرر الأحكام ٣٠١/١
(٢) المغني ١٠/ ٧٥، والمقنع ٥١٦/٣، وشرح روض الطالب من
أسنى المطالب ١٢٢/٤، والمهذب ٢٢٢/٢، وحاشية الدسوقي
٣٠٤/٤، والمبسوط ١٠٨/١٠
الإِسلام، كما في ظاهر الرواية، وعن أبي حنيفة في
النوادر: أنها تسترق في دار الإِسلام أيضا.
وقالوا في تعليل ذلك: إنه لم يشرع قتلها، ولا
يجوز إبقاء الكافر على الكفر إلا مع الجزية أو مع
الرق، ولا جزية على النساء، فكان إبقاؤها على
الرق أنفع. وقد استرق الصحابة نساء من
ارتد .(١)
٥٣ - وبالنسبة لأصحاب الأعذار من الأسرى
المرتدين، فإنهم يقتلون أيضا. ونقل السرخسي
قولا بأن حلول الآفة بمنزلة الأنوثة، لأنه تخرج به
بنيته (هيئته وجسمه) من أن تكون صالحة للقتال،
فعلى هذا لا يقتلون بعد الردة، كما لا يقتلون في
الكفر الأصلي. (٢)
وعلى قول من يرى وجوب قتل المرتدة - إذا
كانت الأسيرة المرتدة ذات زوج، وهي من ذوات
الحيض - فإنها تستبرأ بحيضة قبل قتلها خشية أن
تکون حاملا، فإن ظهر بها حمل أخرت حتی تضع،
فإن كانت ممن لا تحيض استبرئت بثلاثة أشهر إن
كانت ممن يتوقع حملها، وإلا قتلت بعد
الاستتابة . (٣)
(١) البحر الرائق ١٣٨/٥، والمبسوط ١١١/١٠، ١١٤، وفتح
القدير ٣٨٨/٤، ٣٨٩، وحاشية ابن عابدين ٣/ ٣٠٠،
والبدائع ١٣٦/٧، والمغني ٧٤/١٠، وأسنى المطالب ١٢٢/٤،
والدسوقي ٤/ ٣٠٤
(٢) المبسوط ١٠/ ١١١
(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤/ ٣٠٤
- ٢١٣ -
أسرى ٥٤ - ٥٦
أسرى المسلمين في يد الأعداء :
استئسار المسلم وما ينبغي لاستنقاذه عند تترس
الكفار به :
أ - الاستئسار :
٥٤ - الاستئسار هو تسلیم الجندي نفسه للأسر،
فقد يجد الجندي نفسه مضطرا لذلك. وقد وقع
الاستئسار من بعض المسلمين على عهد رسول
اللهِ وَ ﴿، وعلم به الرسول مصير فلم ينكر عليهم.
روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه بسنده
قال: ((بعث رسول الله وَثل عشرة رهطا عينا، وأمرٌ
عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري، فانطلقوا حتى
إذا کانوا بالهداة ۔ موضع بین عسفان ومکة ۔ذُکروا
لبني لحيان، فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل كلهم
رام، فاقتصوا أثرهم، فلما رآهم عاصم وأصحابه
لجئوا إلى فدفد - موضع غليظ مرتفع - وأحاط بهم
القوم، فقالوا لهم: انزلوا وأعطوا بأيديكم، ولكم
العهد والميثاق ألا نقتل منكم أحدا، قال عاصم :
أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم خبّ
عنا نبيك، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة،
فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق، منهم خبيب
الأنصاري، وزيد بن الدثنة، ورجل آخر. فلما
استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم، فقال
الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا
أصحبکم، إن لي في هؤلاء الأسوة - يريد القتلى -
فجروه وعالجوه على أن يصحبهم - أي مارسوه
وخادعوه ليتبعهم - فأبى فقتلوه، وانطلقوا بخبيب
وابن الدثنة حتى باعوهما بمكة ... ))(١) فعلم
(١) نيل الأوطار للشوكاني ٢٦٨/٧، ٢٦٩ ط مصطفى الحلبي سنة
١٣٨٠ هـ، والحديث: أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه (٦ /١٦٥ - ١٦٦ ط السلفية)
رسول الله {﴾( بما حدث، وعدم إنكاره يدل على
أن الاستئسار في هذه الحالة مرخص فيه، وقال
الحسن: لا بأس أن يستأسر الرجل إذا خاف أن
يغلب. (١) وإلى هذا اتجه كل من الحنفية والمالكية
والشافعية والحنابلة.
٥٥ - وقد نص الشافعية على شروط يلزم توافرها
لجواز الاستئسارهي: أن يخاف أن يترتب على
عدم الاستسلام قتله في الحال، وألا يكون
المستسلم إماما، أو عنده من الشجاعة ما يمكنه من
الصمود، وأن تأمن المرأة على نفسها الفاحشة.
والأولى - كما نص عليه الحنابلة - إذا ما خشي
المسلم الوقوع في الأسر أن يقاتل حتى يقتل، ولا
يسلم نفسه للأسر، لأنه يفوز بثواب الدرجة
الرفيعة، ويسلم من تحكم الكفار عليه بالتعذيب
والاستخدام والفتنة، وإن استأسر جاز، لما روي
عن أبي هريرة في الحديث المتقدم. (٢)
ب - استنقاذ أسرى المسلمين ومفاداتهم:
٥٦ - إذا وقع المسلم أسيرا فهو حر على حاله،
وكان في ذمة المسلمين، يلزمهم العمل على
خلاصه، ولو بتيسير سبل الفرار له، والتفاوض من
أجل إطلاق سراحه، فإذا لم يطلقوا سراحه تربصوا
لذلك. وقد كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه
يتحين الفرصة المناسبة لتخليص الأسرى. روت
كتب السيرة أن قريشا أسرت نفرا من المسلمين،
(١) العيني على صحيح البخاري ١٤/ ٢٩٤
(٢) التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٣٥٧/٣، وفتح الوهاب
١٧١/٢، والمغني مع الشرح الكبير ٥٥٣/١٠، والأحكام
السلطانية لأبي يعلى ص ٣٠، والدر المختار بهامش حاشية
ابن عابدين ٢٢٢/٣
- ٢١٤ -
آسری ٥٧ - ٥٨
فلما لم يجد الرسول # حيلة لإنقاذهم كان يدعو الله
لإِنقاذهم دبر كل صلاة، ولما أفلت أحدهم من
الأسر، وقدم المدينة، سأله النبي مَ# عن رفيقيه
فقال: أنا لك بهما يارسول الله، فخرج إلى مكة
فدخلها مستخفيا، فلقي امرأة علم أنها تحمل
الطعام لهما في الأسر فتبعها، حتى استطاع
تخليصهما، وقدم بهما على الرسولم# بالمدينة. (١)
وقد استنقذ رسول الله كلا من سعد بن
أبي وقاص وعتبة بن غزوان رضي الله عنهما، وقد
أسرهما المشركون، بأن فاوض علیھما، وحبس اثنين
منهم حتى يطلقوا سراحهما، وكذلك فعل في
استنقاذ عثمان وعشرة من المهاجرين رضي الله عنهم
بعد صلح الحديبية . (٢)
وقد روی سعید بإسناده أن رسول الله قال: ((إن
على المسلمين في فيئهم أن يفادوا أسراهم)).
ويروى أن عمر بن الخطاب قال: ((لأن استنقذ
رجلا من المسلمين من أيدي الكفار أحب إليّ من
جزيرة العرب)). (٣)
(١) السيرة النبوية لابن هشام ٤٧٤/١، ٤٧٦ ط الثانية ١٣٧٥هـ،
والخراج لأبي يوسف ص ٣١١ ط المطبعة السلفية
(٢) حديث: ((استنقذ رسول الله﴾ ... )) أخرجه الطبري مرسلا
من حديث السدى مطولا (تفسير الطبري بتحقيق محمود محمد
شاكر ٢/ ٣٠٥، ٣٠٦ نشر در المعارف بمصر). والسيرة النبوية
لابن هشام ص ٦٠٤، والبداية والنهاية ٣/ ٢٥٠ ط أولى
١٣٥١ هـ، وإمتاع الأسماع ٥٧/١، ٢٩١
(٣) الخراج لأبي يوسف ص ١٩٦ المطبعة السلفية، والأثر عن
عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخرجه ابن أبي شيبة وأبو يوسف
في الخراج موقوفا على عمر بن الخطاب رضي الله عنه (مصنف
ابن أبي شيبة ٤١٨/١٢ ط الهند، وكتاب الخراج لأبي يوسف
ص ١٩٦ نشر المكتبة السلفية، وكنز العمال ٤/ ٥٤٥ نشر مكتبة
التراث الإسلامي).
٥٧ - ويجب استنقاذ الأسرى بالمقاتلة ما دام ذلك
ميسورا، . فإِذا دخل المشركون دار الإِسلام فأخذوا
الأموال والذراري والنساء، ثم علم بهم جماعة
المسلمين، ولهم عليهم قوة، فالواجب عليهم أن
يتبعوهم ما داموا في دار الإِسلام، فإِن دخلوا بهم
دار الحرب، فالواجب على المسلمين أن يتبعوهم
إذا غلب على رأيهم أنهم يقدرون على
استنقاذهم، فإن شق عليهم القتال لتخليصهم
فتر کوه کانوا في سعة من ذلك، فإنا نعلم أن في ید
الكفار بعض أسارى المسلمين، ولا يجب على كل
واحد منا الخروج لقتالهم لاستنقاذ الأسرى. (١)
٥٨ - والاستنقاذ إذا لم يتيسر عن طريق القتال فإِنه
يصح أن يكون عن طريق الفداء بتبادل الأسرى،
على ما سبق بیان القول فیه، کما يصح أن يكون
بالمال أيضا، لقول الرسول : ((أطعموا اجائع،
وعودوا المريض، وفكوا العاني)) لأن ما يخاف من
تعذيب الأسير أعظم في الضرورة من بذل المال،
فجاز دفع أعظم الضررين بأخفهما . (٢)
والحنفية على وجوب ذلك في بیت المال، فإن !
يكن فعلى جميع المسلمين أن يفتدوه. ونقل
أبو يوسف عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه
قال: ((كل أسير كان في أيدي المشركين من
المسلمين ففكاكه في بيت مال المسلمين». (٣) وهو
(١) شرح السير الكبير ٢٠٧/١. والتاج والإكليل بهامشر مواهب
الجليل ٣٨٧/٣، وفتح الوهاب شرح منهج الطلاب ٢/ ١٧١،
وحاشية الجمل ١٥٢/٥، والمغني ٤٩٨/١٠
(٢) المغني ٤٩٨/١٠، والتاج والإكليل ٣٨٨/٣، والمهذب
٢٦٠/٢
(٢) أثر: ((كل أسير كان في أيدي المشركين ... )). أخرجه
أبو یوسف من حديث عمر بن الخطاب رضي انه عنه موقوفات
- ٢١٥ -
أسرى ٦١ - ٦٣
ما ذهب إليه المالكية، كما نقله المواق عن ابن بشير
من أنه يجب في بيت المال، فإن تعذر فعلى عموم
المسلمين، والأسير كأحدهم، فإِن ضيع الإِمام
والمسلمون ذلك وجب على الأسير من ماله، وهو
ما رواه ابن رشد أيضا.
وفي المهذب أنه وجه عند الشافعية . (١)
والوجه الثاني عند الشافعية: أن بذل المال لفك
أُسری المسلمین ۔ إن خیف تعذیبھم - جائز عند
الضرورة، ويكون في مالهم، ويندب عند العجز
افتداء الغير له، فمن قال لكافر: أطلق هذا
الأسير، وعليّ كذا فأطلقه لزمه، ولا يرجع على
الأسير مالم يأذن له في فدائه.(٢)
٦١ - وأسر المسلم الحر لا يزيل حريته، فمن اشتراه
من العدولا يملكه، وإن اشتراه مسلم بغير أمره
فهو متطوع فیما أدی من فدائه، وإن اشتراه بأمره
فإنه يرجع عليه بالثمن الذي اشتراه به، والقياس
لا يرجع عليه إلا أن يشترط ذلك نصا. (٣)
ویری المالکیة۔ كما يروي المواق - أن للمشتري
أن یرجع علیه، شاء أو أبی، لأنه فداء، فإِن لم یکن
له شيء اتبع به في ذمته. ولو کان له مال وعلیه
دین، فالذي فداه واشتراه من العدو أحق به من
غرمائه. أما إن كان يقصد الصدقة، أو كان الفداء
من بیت المال فلا يرجع علیه، وكذا إن كان الأسير
= عليه. (كتاب الخراج لأبي يوسف ص ١٩٦ نشر المكتبة السلفية
١٣٥٢هـ).
(١) الخراج ص ١٩٦، وحاشية الدسوقي والشرح الكبير ٢/ ٢٠٧،
والتاج والإكليل ٣٨٧/٣، والمهذب ٢٦٠/٢
(٢) المهذب ٢/ ٢٦٠
(٣) شرح السير الكبير ٣/ ١٠٣٣، وحاشية الجمل ١٩٢/٥
يرجو الخلاص بالهروب أو الترك. (١)
٦٢ - ولو خلى الكفار الأسير، واستحلفوه على أن
یبعث إليهم بفدائه، أو يعود إليهم، فإن كان هذا
نتيجة إكراه لم يلزمه الوفاء، وإن لم يكره علیه وقدر
على الفداء لزمه، وبهذا قال عطاء والحسن
والزهري والنخعي والثوري والأوزاعي، لوجوب
الوفاء، ولأن فيه مصلحة الأسارى، وفي الغدر
مفسدة في حقهم. وقال الشافعي : لا يلزمه، لأنه
حر لا يستحقون بدله .
وأما إن عجز عن الفداء، فإن كانت امرأة فإِنه
لا يحل لها الرجوع إليهم، لقوله تعالى (فلا
تَرْجعوهن إلى الكفار)، (٢) ولأن في رجوعها تسليطا
لهم على وطئها حراما.
وإن كان رجلا، ففي رواية عند الحنابلة لا
يرجع، وهو قول الحسن والنخعي والثوري
والشافعي. وفي الرواية الثانية عندهم يلزمه، وهو
قول عثمان والزهري والأوزاعي، لأن النبي وَ هر
حين صالح قريشا على رد من جاء منهم مسلما
أمضى الله ذلك في الرجال، ونسخه في
النساء. (٣)
جـ- التترس بأسارى المسلمين :
٦٣ - التُرُس بضم التاء : ما يتوقى به في الحرب،
(١) التاج والإكليل ٣٨٨/٣، وحاشية الدسوقي ٢٠٧/٢
(٢) سورة الممتحنة / ١٠
(٣) المغني ٥٤٨/١٠، ٥٤٩
- ٢١٦ -
أسرى ٦٤ - ٦٦
یقال: تترس بالترس إذا توقی به،(١) ومن ذلك
تترس المشركين بالأسرى من المسلمين والذميين في
القتال، لأنهم يجعلونهم كالتراس، فيتقون بهم
هجوم جيش المسلمين عليهم، لأن رمي المشركين
- مع تترسهم بالمسلمين - يؤدي إلى قتل المسلمين
الذين نحرص على حياتهم وإنقاذهم من الأسر.
وقد عني الفقهاء بهذه المسألة، وتناولوها من ناحية
جواز الرمي مع التترس بالمسلمين أو الذميين، كما
تناولوها من ناحية لزوم الكفارة والدية، وإليك
اتجاهات المذاهب في هذا :
أ - رمي الترس :
٦٤ - من ناحية رمي الترس : يتفق الفقهاء على
أنه إذا كان في ترك الرمي خطر محقق على جماعة
المسلمين، فإنه يجوز الرمي برغم التترس، لأن في
الرمي دفع الضرر العام بالذب عن بيضة
الإسلام، وقتل الأسير ضرر خاص. ويقصد عند
الرمي الكفار لا الترس، لأنه إن تعذر التمييز فعلا
فقد أمكن قصدا، ونقل ابن عابدين عن
السرخسي أن القول للرامي بيمينه في أنه قصد
الكفار، وليس قول ولي المقتول الذي يدعي
العمد. (٢)
(١) حاشية الشلبي بهامش تبیین الحقائق ٢٤٣/٣
(٢) فتح القدير والعناية ٢٨٧/٤، والبدائع ٧/ ١٠٠، ١٠١،
وحاشية ابن عابدين ٦٢٣/٣، وحاشية الدسوقي ١٧٨/٢ ،
والشرح الصغير وبلغة السالك عليه ٣٥٧/١، ومنهج الطلاب
وشرحه فتح الوهاب ١٧٢/١، وحاشية الجمل ١٢٤/٥،
والأحكام السلطانية للماوردي ص ٤٢ الطبعة الأولى لمصطفى
الحلبي، والأم ١٦٣/٤، والمغني ٥٠٥/١٠، والإنصاف
٤/ ١٢٩
أما في حالة خوف وقوع الضرر على أكثر
المسلمين فكذلك يجوز رميهم عند جمهور الفقهاء،
لأنها حالة ضرورة أيضا، وتسقط حرمة الترس.
ويقول الصاوي المالكي : ولو كان المسلمون
المتترس بهم أكثر من المجاهدين. وفي وجه عند
الشافعية لا يجوز، وعللوه بأن مجرد الخوف لا يبيح
الدم المعصوم، كما أنه لا يجوز عند المالكية إذا كان
الخوف على بعض الغازين فقط.(١)
٦٥ - وأما في حالة الحصار الذي لا خطر فيه على
جماعة المسلمين، لكن لا يقدر على الحربيين إلا
برمي الترس، فجمهور الفقهاء من المالكية،
والشافعية، وجمهور الحنابلة، والحسن بن زياد من
الحنفية على المنع، لأن الإقدام على قتل المسلم
حرام، وترك قتل الكافر جائز. ألا يرى أن للإِمام
ألا يقتل الأسارى لمنفعة المسلمين، فكان مراعاة
جانب المسلم أولى من هذا الوجه، ولأن مفسدة
قتل المسلم فوق مصلحة قتل الكافر.
وذهب جمهور الحنفية، والقاضي من الحنابلة
إلى جواز رميهم، وعلل الحنفية ذلك بأن في الرمي
دفع الضرر العام، وأنه قلما يخلوحصن عن مسلم،
واعتبر القاضي من الحنابلة أن ذلك من قبيل
الضرورة . (٢)
ب - الكفارة والدية :
٦٦ - ومن ناحية الكفارة والدية عند إصابة أحد
أسری المسلمین نتيجة رمي الترس، فإن جمهور
الحنفية على أن ما أصابوه منهم لا يجب فيه ديه ولا
(١) الوجيز ٢/ ١٩٠ ط ١٣١٧ هـ. والشرح الصغير وبلغة السالك
٣٥٧/١ط مصطفى الحلبي
(٢) المراجع السابقة .
- ٢١٧ -
أسرى ٦٧ - ٦٩
كفارة، لأن الجهاد فرض، والغرامات لا تقرن
بالفروض، لأن الفرض مأمور به لا محالة، وسبب
الغرامات عدوان محض منهي عنه، وبينهما منافاة،
فوجوب الضمان يمنع من إقامة الفرض، لأنهم
يمتنعون منه خوفا من لزوم الضمان، وهذا لا
يتعارض مع ما روي عن رسول الله وَطير من أنه
((ليس في الإِسلام دم مفرج))(١) - أي مهدر- لأن
النهي عام خص منه البغاة وقطاع الطريق، فتخص
صورة النزاع، كما أن النهي في الحديث خاص بدار
الإِسلام، وما نحن فیه لیس بدار الإِسلام. (٢)
٦٧ - وعند الحسن بن زياد من الحنفية وجمهور
الحنابلة والشافعية تلزم الكفارة قولا واحدا، وفي
وجوب الدیة روايتان :
إحداهما : تجب، لأنه قتل مؤمنا خطأ، فيدخل
في عموم قوله تعالى : (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير
رقبة مؤمنة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهله إلا أن
يَصَّذَّقُوا). (٣)
الثانية : لا دية، لأنه قتل في دار الحرب برمي
مباح، فيدخل في عموم قوله تعالى (وإن كان من
قوم عدولكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة) ولم
(١) حديث: ((ليس في الإِسلام دم مفرج)) أورده ابن الأثير في النهاية
نقلا عن الهروي بلفظ «العقل على المسلمين عامة، فلا يترك في
الإسلام دم مفرج)» ولم يصرح بأنه حديث نبوي. وأخرج
عبدالرزاق عن علي رضي الله عنه أنه قال: ((أيما قتيل بفلاة من
الأرض فديته من بيت المال لكيلا يطل دم في الإسلام)) (النهاية
لابن الأثير ٤٢٣/٣ ط عيسى الحلبي، وکنز العمال ١٤٣/١٥ نشر
مكتبة التراث الإسلامي).
(٢) الفتح والعناية ٢٨٧/٤
(٣) سورة النساء / ٩٤
(٤) سورة النساء/ ٩٢
يذكر دية. (١) وعدم وجوب الدية هو الصحيح عند
الحنابلة . (٢)
٦٨ - ويقول الجمل الشافعي : وجبت الكفارة إن
علم القاتل، لأنه قتل معصوما، وكذا الدیة، لا
القصاص، لأنه مع تجويز الرمي لا يجتمعان. (٣)
وفي نهاية المحتاج تقیید ذلك بأن يعلم به، وأن
يكون في الإِمكان توقّيه . (٤)
وينقل البابرتي من الحنفية عن أبي إسحق أنه
قال : إن قصده بعينه لزمه الدية، علمه مسلما أو لم
یعلمه، للحديث المذكور. وإن لم يقصده بعينه بل
رمى إلى الصف فأصيب فلا دية عليه .
والتعليل للأول أن الإقدام على قتل المسلم
حرام، وترك قتل الكافر جائز، لأن للإِمام أن يقتل
الأسارى لمنفعة المسلمين، فكان تركه لعدم قتل
المسلم أولى، ولأن مفسدة قتل المسلم فوق
مصلحة قتل الكافر. (٥)
٦٩ - ولم نقف للمالكية على شيء في هذا إلا ما قاله
الدسوقي عند تعليقه على قول خليل: وإن تترسوا
بمسلم، فقال: وإن تترسوا بأموال المسلمين
فيقاتلون ولا يتركون. وينبغي ضمان قيمته على
من رماهم، قياسا على ما يرمى من السفينة للنجاة
من الغرق، بجامع أن كلا إتلاف مال للنجاة. (٦)
(١) المغني ١٠/ ٥٠٥.
(٢) الإِنصاف ١٢٩/٤
(٣) حاشية الجمل ٤ / ١٩١
(٤) نهاية المحتاج ٨/ ٦٢
(٥) العناية على الفتح ٤/ ٢٨٧
(٦) حاشية الدسوقي ١٧٨/٢
- ٢١٨ -
أسری ٧٠ - ٧٣
مدى تطبيق بعض الأحكام الشرعية على أسرى
المسلمین
حق الأسير في الغنيمة :
٧٠ - يستحق من أُسر قبل إحراز الغنيمة فيما غنم
قبل الأسر، إذا علمت حياته أو انفلت من الأسر.
لأن حقه ثابت فيها، وبالأسر لم يخرج من أن يكون
أهلا، لتقرر حقه بالإِحراز. ولا شيء له فيما غنمه
المسلمون بعد أسره، لأن المأسور في يد أهل الحرب
لا يكون مع الجيش حقيقة ولا حكما، فهو لم
يشاركهم في إصابة هذا، ولا في إحرازه بالدار. وإذا
لم يعرف مصير هذا الأسير في يد الحربيين قسمت
الغنائم، ولم يوقف له منها شيء. وإن قسمت
الغنائم ثم جاء بعد ذلك حیا لم یکن له شيء، لأن
حق الذین قسم بینهم قد تأکد بالقسمة وثبت
ملكهم فيها، ومن ضرورته إبطال الحق الضعيف.
والمذهب عند الحنابلة أنه إذا هرب فأدرك الحرب
قبل تقضيها أسهم له، وفي قول لا شيء له. وإن
جاء بعد إحراز الغنيمة فلا شيء له. (١)
٧١ - ومن أسربعد إخراج الغنائم من دار الحرب أو
بيعها، وکان قد تخلف في دار الحرب لحاجة بعض
المسلمین، فإِنه یوقف نصيبه حتى مجيء فيأخذه،
أو یظهر موته فیکون لورثته، لأن حقه قد تأکد في
المال المصاب بالإِحراز. (٢)
وفي بداية المجتهد : أن الغنيمة إنما تجب عند
الجمهور للمجاهدين بأحد شرطين: إما أن يكون
(١) السير الكبير وشرحه ٩١٣/٣، ٩١٤، والإنصاف ١٦٥/٤
(٢) شرح السير الكبير ٩١٣/٣، ٩١٤
ممن حضر القتال، وإما أن يكون ردءا لمن حضر
القتال. (١) وتفصيل الكلام في هذا موضعه مصطلح
(غنيمة).
حق الأسير في الإِرث وتصرفاته المالية :
٧٢ - أسير المسلمين الذي مع العدویرث إذا
علمت حياته في قول عامة الفقهاء، لأن الكفار لا
يملكون الأحرار بالقهر، فهو باق على حريته،
فیرث کغیره. (٢) وكذلك لا تسقط الزكاة عنه، لأن
تصرفه في ماله نافذ، ولا أثر لاختلاف الدار بالنسبة
له. (٣) فقد كان شريح يورث الأسير في أيدي
العدو.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي
قال: ((من ترك مالا فلورثته ... ))(٤) فهذا الحديث
بعمومه يؤيد قول الجمهور أن الأسير إذا وجب له
میراث یوقف له .
وعن سعيد بن المسيب أنه لم يورث الأسير في
أيدي العدو، وفي رواية أخرى عنه أنه يرث. (٥)
٧٣ - والمسلم الذي أسره العدو، ولا يدرى أحي
هو أم ميت، مع أن مكانه معلوم وهودار الحرب،
له حکم في الحال، فیعتبر حیا في حق نفسه، حتى
(١) بداية المجتهد ٤٠٥/١
(٢) المغني ٧/ ١٣١
(٣) الشرح الكبير مطبوع مع المغني ٢/ ٤٤٦
(٤) حديث (من ترك مالا فلورثته ... )) أخرجه البخاري ومسلم من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا. (فتح الباري ٩/ ٥١٥.
١٦ ٥ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي
١٢٣٧/٣ ط عيسى الحلبي).
(٥) إرشاد الساري شرح صحيح البخاري ٤٤٣/٩، ٤٤٤، الطبعة
السابقة سنة ١٣٢٦ هـ. وفتح الباري ٤٩/١٢ ط السلفية.
- ٢١٩ .-
اسری ٧٤ _ ٧٦
لا یورث عنه ماله، ولا تزوج نساؤه، وميتا في حق
غيره حتى لا يرث من أحد. وله حكم في المآل،
وهو الحكم بموته بمضي مدة معينة ، (١) فهو في
حكم المفقود. انظر مصطلح (مفقود).
٧٤ - ويسري على الأسير في تصرفاته المالية ما
يسري على غيره في حال الصحة من أحكام،
فبيعه وهبته وصدقته وغير ذلك جائز، ما دام
صحيحا غير مكره. قال عمر بن عبدالعزيز: أجيز
وصية الأسير وعتاقه وما صنع في ماله مالم يتغير عن
دينه، فإِنما هو ماله يصنع فيه ما يشاء. (٢)
أما إن كان الأسير في يد مشركين عرفوا بقتل
أسراهم، فإِنه يأخذ حكم المريض مرض الموت،
لأن الأغلب منهم أن يقتلوا، وليس يخلو المرة في
حال أبدا من رجاء الحياة وخوف الموت، لكن إذا
كان الأغلب عنده وعند غيره الخوف عليه، فعطيته
عطية مريض، وإذا كان الأغلب الأمان كانت
عطيته عطية الصحيح. (٣) وتفصيل ذلك في
مصطلح (مرض الموت).
جناية الأسير وما يجب فيها :
٧٥ - يتجه جمهور الفقهاء : الشافعية والحنابلة،
وهو قول عند المالكية، إلى أنه إذا صدر من الأسير
حال الأسر ما يوجب حدا أو قصاصا وجب عليه
ما يجب في دار الإِسلام، لأنه لا تختلف الداران في
(١) البحر الرائق ١٣٦/٥ ط أولى، والشرح الكبير مطبوع مع المغني
١٤٦/٧
(٢) إرشاد الساري ٩/ ٤٤٧
(٣) الأم ٤ / ٣٦ الطبعة الأولى، والبدائع ١٣٣/٧
تحريم الفعل، فلم تختلف فيما يجب من العقوبة.
فلوقتل بعضهم بعضا، أو قذف بعضهم بعضا، أو
شرب أحدهم خمرا، فإن الحد يقام عليهم إذا
صاروا إلى بلاد المسلمين، ولا تمنع الدار
حکم الله .
ويقول الحطاب: إذا أقر الأسير أنه زنى، ودام
على إقراره ولم يرجع، أو شهد عليه، قال
ابن القاسم وأصبغ: عليه الحد.
وإذا قتل الأسير أحدا منهم خطأ، وقد كان
أسلم، والأسير لا يعلم، فعليه الدية والكفارة .
وقيل: الكفارة فقط. وإذا قتله عمدا، وهولا
يعلمه مسلما فعليه الدية والكفارة. وإن كان قتله
عمدا وهو يعلم بإسلامه قتل به. وإذا جنى الأسير
على أسیر مثله فكغيرهما . (١)
٧٦ - وقال الحنفية - وهو قول عند المالكية، قاله
عبدالملك - في جريمة الزنى - بعدم إقامة الحد
عليه، لقوله عليه السلام: ((لا تقام الحدود في دار
الحرب))(٢) لانعدام المستوفي، وإذا لم يجب عليه
(١) المهذب ٢/ ٢٤١، والأم ٤/ ١٦٢، ١٩٩، والمغني ١٠/ ٠٥٣٧
ومواهب الجلیل ٣/ ٣٥٤
(٢) حديث: ((لا تقام الحدود في دار الحرب)) لم تجده بهذا اللفظ
وإنما يدل عليه ما أخرجه الترمذي من حديث بسر بن أرطاة
مرفوعا بلفظ. ((لا تقطع الأيدي في الغزو)) وما أخرجه النسائي
وأبو داود مرفوعا بلفظ ((لا تقطع الأيدي في السفر)) قال الترمذي:
هذا حديث غريب، وسكت عنه أبو داود، وقال الشوكاني :
إسناده عند أبي داود ثقات إلى بر، وفي إسناد الترمذي
ابن لهيعة، وفي إسناد النسائي بقية بن الوليد، واختلف في صحبة
بسر المذكور. وقال عبدالقادر الأرناؤوط. وإسناده صحيح (تحفة
الأحوذي ٥/ ١٢،١١ نشر السلفية، وسنن النسائي ٩١/٨ نشر
المكتبة التجارية الكبرى، وعون المعبود ٤/ ٢٤٦ ط الهند، ونيل
الأوطار ٣١٣/٧ ط دار الجيل، وجامع الأصول بتحقيق
عبدالقادر الأرناؤوط ٥٧٩/٣ نشر مكتبة الحلواني).
- ٢٢٠ -