النص المفهرس
صفحات 181-200
إسراف ٩ به، لأن الحاجة الشرعية تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فما زاد على الكفاية أوبعد تیقن الواجب فهو سرف مكروه، وهذا القدر متفق عليه، أما ما ورد في الحديث: ((كان رسول الله وله يغتسل بالصاع))(١) فهوبيان لأقل مايمكن به أداء السنة عادة، وليس تقديرا لازما. (٢) ج - الإسراف في الصلاة والصوم : ٩ - الإِنسان مأمور بالاقتصاد ومراعاة الاعتدال في كل أمر، حتى في العبادات التي تقرب إلى الله تعالى كالصلاة والصيام، قال الله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). (٣) فالعبادات إنما أمر بفعلها مشروطة بنفي العسر والمشقة الخارجة عن المعتاد، ومن هنا أبيح الإِفطار في حالة السفر. والحامل والمريض والمرضع وكل من خشي ضرر الصوم على نفسه فعليه أن يفطر، لأن في ترك الإفطار عسرا، وقد نفى الله عن نفسه إرادة العسر. (٤) فلا يجوز فيها الإِسراف والمبالغة. وقد صح عنه ◌َ﴿ أنه قال: ((هلك المتنطعون))(٥) أي (١) حديث: ((كان رسول الله ﴿ يغتسل بالصاع)). أخرجه مسلم من حديث أبي بكر رضي الله عنه بلفظ: ((كان رسول الله ﴾رول یغتسل بالصاع، ويتطهر بالمد» (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٢٥٨/١ ط عيسى الحلبي). (٢) ابن عابدين ١٠٦/١، ١٠٧، ومواهب الجليل ٢٥٦/١، ونهاية المحتاج ٢١٢/١، والمغني ٢٢٢/١ - ٢٢٥ (٣) سورة البقرة / ١٨٥ (٤) تفسير الأحكام للجصاص ١/ ١٦١ (٥) الآداب الشرعية لابن مفلح ١٠٥/٢ وحديث: ((هلك المتنطعون)) . أخرجه مسلم وأبو داود من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعا، وزاد الراوي ((قالها ثلاثا)) (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٤/ ٢٠٥٥ ط عيسى الحلبي ١٣٧٥ هـ ، وسنن أبي داود ١٥/٥ ط استنبول). المبالغون في الأمر. وروي عن أنس أنه جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﴿ يسألون عن عبادة النبي ◌َّر، فلما أخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي *؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله وَل# فقال: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني.))(١) قال في نيل الأوطار: فيه دليل على أن المشروع هو الاقتصاد في الطاعات، لأن إتعاب النفس فيها والتشديد عليها يفضي إلى ترك الجميع، والدين يسر، ولن يشادَّ أحد الدين إلا غلبه، والشريعة النبوية بنيت على التيسير وعدم التنفير. (٢) ولهذا صرح بعض الفقهاء بكراهة صوم الوصال وصوم الدهر، كما ورد عن النبي ◌َّر أنه قال: ((من صام الدهر فلا صام ولا أفطر)) (٣) وقالوا بكراهة قيام (١) حديث: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا ... )) أخرجه البخاري واللفظ له، ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه (فتح الباري ١٠٤/٩ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٢/ ١٠٢٠ ط عيسى الحلبي). (٢) نيل الأوطار للشوكاني ٦/ ٢٣٠ (٣) حديث: ((من صام الدهر فلا صام ولا أفطر)). أخرجه مسلم من حديث أبي قتادة الأنصاري بلفظ: ((أن رسول الله # سئل عن صومه؟ قال: فغضب رسول الله ﴾، فقال عمر رضي الله عنه: رضینا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، وببيعتنا بيعة. قال: فسئل عن صيام الدهر؟ فقال: لا صام ولا أفطر)) أو ((ما صام وما أفطر)) أخرجه الترمذي وحسنه، وابن ماجة بهذا= - ١٨١ - ٠ إسراف ٩ الليل كله، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((لا أعلم نبي الله وَّر قام ليلة حتى الصباح، ولا صام شهرا قط غير رمضان)). (١) قال ابن عابدين: الظاهر من إطلاق الأحاديث الواردة في إحياء الليل الاستيعاب، لكنه نقل عن بعض المتقدمین أنه فسر ذلك بنصفه، لأن من أحیا نصف الليل فقد أحيا الليل، ويؤيد هذا التفسير حديث عائشة المتقدم، فيترجح إرادة الأكثر أو النصف، والأكثر أقرب إلى الحقيقة. (٢) وأوضح ما جاء في منع الإِسراف والمبالغة في الصلاة والصيام حديث عبدالله بن عمروقال: ((دخل رسول الله ﴿﴿ حجرتي، فقال: ألم أخبر أنك تقوم اللیل وتصوم النهار؟! قلت: بلى، قال: فلا تفعلن، نم وقم، وصم وأفطر، فإن لعينيك عليك حقا، وإن لجسدك عليك حقا، وإن لزوجتك علیك حقا، وإن لصديقك علیك حقا، وإن لضيفك عليك حقا، وأن عسى أن يطول بك عمر، وأنه حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثا، = المعنى من حديث أبي قتادة (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٨١٩/٢ ط عيسى الحلبي، وتحفة الأحوذي ٤٧٥/٣ نشر المكتبة السلفية، وسنن ابن ماجة بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ١ / ٥٤٤ ط عيسى الحلبي). (١) حديث: ((لا أعلم نبي الله ار قام ليلة حتى الصباح، ولا صام شهرا قط کاملا غیر رمضان». أخرجه مسلم ضمن حديث طويل عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((ولا أعلم نبي الله قرأ القرآن کله في ليلة، ولا صلی لیلة إلى الصبح، ولا صام شهرا كاملا غير رمضان ... )) الحديث (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٥١٤/١ط عيسى الحلبي). (٢) ابن عابدين ١/ ٤٦٠، ٤٦١ بتصرف، والمجموع ٤/ ٤٧ وكشاف القناع ٤٣٧/١ فذلك صيام الدهر كله، وإن الحسنة بعشر أمثالها)).(١) وقال النووي من الشافعية : ويكره أن يقوم کل الليل دائما، للحديث المذكور في الكتاب، فإِن قيل: ما الفرق بينه وبين صوم الدهر - غير أيام النهي - فإنه لا يكره عندنا؟ فالجواب أن صلاة الليل كله دائما يضر العين وسائر البدن، كما جاء في الحديث الصحيح، بخلاف الصوم فإنه يستوفي في اللیل ما فاته من أکل النهار، ولا یمکنه نوم النهار إذا صلى الليل، لما فيه من تفويت مصالح دينه ودنياه. هذا حكم قيام الليل دائما، فأما بعض الليل فلا يكره إحياؤه، (٢) فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي # ((كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل®واتفق أصحابنا على إحياء ليلتي العيدين، والله أعلم. (١) حديث: ((ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار ... )) أخرجه البخاري ومسلم بعدة طرق من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص. ولفظ البخاري في إحدى الروايات: ((يا عبدالله، ألم أخبر أنك تصوم النهار، وتقوم الليل؟ فقلت: بلى يا رسول الله، قال: فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإذن ذلك صيام الدهر كله ... )) الحديث (فتح الباري ٢١٧/٣ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقیق محمد فؤاد عبدالباقي ٨١٢/٢ - ٨١٨ ط عيسى الحلبي). (٢) المجموع ٤/ ٤٤، ٤٥ ط المنيرية. (٣) حديث: ((أن النبي # كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل)». أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها، ولفظ البخاري ((كان النبي( إذا دخل العشر شدّ مئزره، وأحيا ليلة، وأيقظ أهله)) (فتح الباري ٤/ ٢٦٩ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٨٣٢/٢ط عيسى الحلبي). - ١٨٢ - إسراف ١٠ ثانيا - الإِسراف في العبادات المالية : أ - الإسراف في الصدقة : ١٠ - الصدقات الواجبة المحددة المقدار، كالزكاة والنذر وصدقة الفطر، لا يتصور فيها الإِسراف، لأن أداءها بالقدر المحدد واجب شرعا. وتفصيل شروط الوجوب، ومقدارما وجب في هذه الصدقات مذکور في موضعها . أما الصدقات المندوبة - وهي التي تعطى للمحتاجین لثواب الآخرة ۔ (١) فرغم حث الإِسلام على الإِنفاق على الفقراء والمساكين والمحتاجين في كثير من الآيات والأحاديث، فقد أمر الله بالقصد والاعتدال وعدم التجاوز إلی حد یعتبر إسرافا، بحيث يؤدي إلى فقر المنفق نفسه حتى يتكفف الناس. قال الله تعالى في صفات المؤمنين: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، وكان بين ذلك قواما). (٢) وكذلك قال سبحانه: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، ولا تبسطها كل البسط فَتَّقْعُدَ ملوما محسورا)(٣) قال المفسرون في تفسير هذه الآية: ولا تخرج جميع ما في يدك مع حاجتك وحاجة عيالك إليه، فتقعد منقطعا عن النفقة والتصرف، كما يكون البعير الحسیر، وهو الذي ذهبت قوته فلا انبعاث به، وقيل: لئلا تبقى ملوما ذا حسرة علي مافي يدك، لكن المراد بالخطاب غير النبي ◌َّچ ، لأنه لم یکن ممن يتحسر على إنفاق ما حوته يده في (١) القليوبي ٢١/٣، والشرح الصغير ١٤٠/٤، والمغني ٢٤٦/٦ (٢) سورة الفرقان / ٦٧ (٣) سورة الإسراء / ٢٩ سبيل الله، وإنما نهى الله عن الإِفراط في الإِنفاق وإخراج جميع ما حوته يده من المال من خيف عليه الحسرة على ماخرج عن يده، وقد قال النبي تمان: ((يأتي أحدكم بما يملك، فيقول: هذه صدقة ، ثم یقعد یستکف الناس !! خير الصدقة ما كان عن ظهر غنی))(١) فأما من وثق بموعود الله وجزيل ثوابه فیما أنفقه فغیر مراد بالآية، وقد کان کثیر من فضلاء الصحابة ينفقون في سبيل الله جميع أموالهم، فلم يعنفهم النبي ﴿ ﴿ لصحة يقينهم وشدة بصائرهم. (٢) وفي ضوء هذه الآيات والأحاديث صرح الفقهاء أن الأولى أن يتصدق من الفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه على الدوام، ومن أسرف بأن تصدق بما ینقصه عن کفایة من تلزمه مؤنته، أوما يحتاج إليه لنفقة نفسه - ولا كسب له - فقد آثم، لقول النبي : ((كفى بالمرء إثما أن يضيع من (١) حديث: ((يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يستكف الناس ... )) أخرجه أبو داود واللفظ له وابن خزيمة والدارمي والحاكم من طريق محمد بن إسحاق من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه. قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق، وقال محقق صحيح ابن خزيمة: إسناده ضعيف. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وتعقبه الألباني بقوله : وليس كذلك، فإن ابن اسحاق إنما أخرج له مسلم مقرونا بآخر، ثم هو یدلس، وقد عنعنه، فلا يحتج به (عون المعبود ٢/ ٥٣ط الهند، وختصر سنن أبي داود للمنذري ٢/ ٢٥٣، ٢٥٤ نشر دار المعرفة، وسنن الدارمي ٣٩١/١ نشر دار إحياء السنة النبوية، وصحيح ابن خزيمة ٩٨/٤ نشر المكتب الإسلامي ١٣٩٩ هـ، والمستدرك ٤١٣/١ نشر دار الكتاب العربي، وإرواء الغليل ٤١٦/٣ نشر المكتب الإسلامي). (٢) الأحكام للجصاص ٢٤٦/٣، والأحكام لابن العربي ١١٩٢/٣، ١١٩٣، وتفسير الرازي ٩٣/٢٠ - ١٨٣ - إسراف ١١ يمونه))(١) ولأن نفقة من يمونه واجبة، والتطوع نافلة، وتقديم النفل على الفرض غير جائز، ولأن الإنسان إذا أخرج جميع ماله لا يأمن فتنة الفقر وشدة نزاع النفس إلى ما خرج منه، فيذهب ماله، ويبطل أجره، ويصير كَلَّ على الناس. أما من يعلم من نفسه حسن التوكل، والصبر على الفقر، والتعفف عن المسألة، أو كان ذا مکسب واثقا من نفسه، فله أن يتصدق بكل ماله عند الحاجة، ولا يعتبر هذا في حقه إسرافا . (٢) ))) روي أن أبا بكر أتى النبي ◌َّه بكل ماعنده، فقال له: ((ما أبقيت لأهلك؟)) قال: ((أبقيت لهم الله ورسوله)) فهذا كان فضيلة في حق أبي بكر، لقوة یقینه وكمال إيمانه، وكان أيضا تاجرا ذا مكسب. ب - الإِسراف في الوصية : ١١ - الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، أوهي التبرع بالمال بعد الموت، وهي مستحبة بجزء من المال لمن ترك خيرا في حق (١) حديث: ((كفى بالمرء إثما أن يضيع من يمونه)). أخرجه مسلم وأبو داود من حديث عبدالله بن عمرورضي الله عنهما مرفوعا. ولفظ مسلم «کفی بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته» (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٦٩٢/٢ط عيسى الحلبي، وعون المعبود ٥٩/٢، ٦٠ط الهند). (٢) تفسير القرطبي ٢٥١/١٠، وابن عابدين ٢/ ٧١، والمغني ٨٢/٣، ٨٣، والقليوبي ٢٠٥/٣، والأحكام لابن العربي ١١٩٣/٣ (٣) حديث: ((ما أبقيت لأهلك ... )). أخرجه الترمذي وأبو داود ضمن قصة من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. والحديث سکت عنه أبو داود والمنذري، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (تحفة الأحوذي ١٦١/١٠ نشر المكتبة السلفية، وعون المعبود ٢/ ٥٤ط الهند). من لا یرث، وقد حدد الشرع حدودها بأن لا تزید عن الثلث، ورغب في التقليل من الثلث، وذلك لتجنب الإِسراف، وإيقاع الضرر بالورثة. (١) فإِذا وجد للميت وارث، نفذت الوصية في الثلث، وبطلت في الزائد منه اتفاقا إن لم يجزها الورثة، لحديث سعد بن أبي وقاص قال: ((كان رسول الله وَل﴾ يعودني عام حجة الوداع مِنْ وجع اشتد بي، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذومال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، فقلت: بالشطر، فقال: لا، ثم قال: الثلث، والثلث كبير أو كثير، إنك إن تذرورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس».(٢) فالثلث هو الحد الأعلى في الوصية إذا كان للميت وارث، ولم يتفقوا على الحد الأدنى، مع استحبابهم الأقل من الثلث، وأن تكون الوصية للأقارب غير الوارثين، لتكون صدقة وصلة معا. وذكر صاحب المغني أن الأفضل للغني الوصية بالخمس، ونحو ذلك یروی عن أبي بكر وعلي بن أبي طالب(٣) أما إذا لم يكن للميت وارث، أو كان له وارث وأجاز الزيادة على الثلث، ففيه خلاف وتفصيل موضعه مصطلح (وصية). (١) ابن عابدين ٤١٧/٥، والشرح الصغير ٥٧٩/٤، والمغني ٢/٦ (٢) حديث سعد بن أبي وقاص أخرجه البخاري واللفظ له ومسلم (فتح الباري ٣/ ١٦٤ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٣/ ١٢٥٠، ١٢٥١ ط عيسى الحلبي). (٣) ابن عابدين ٤١٧/٥، والمغني ٦/ ١٠٧، ١٠٨، والقليوبي والشرح الصغير ٥٨٦/٤ - ١٨٤ - - إسراف ١٢ - ١٣ ثالثا - الإِسراف في سفك دماء العدو في القتال : ١٢ - الإِسراف بمعنی مجاوزة الحد منهي عنه في کل حالة، حتى في المقابلة مع الأعداء في الجهاد والقتال، فالمسلم مأمور بمراعاة القصد والاعتدال في جميع الأحوال، يقول الله تعالى: (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)(١) ويقول سبحانه: (ولا تجزِمَنَّكُمْ شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى). (٢) ولهذا صرح الفقهاء بأنه إن كان العدوممن لم تبلغهم الدعوة لم يجز قتالهم، حتى يدعوهم إلى الإسلام، ويكره نقل رؤوس المشركين، على تفصيل في ذلك، وتكره المثلة بقتلاهم وتعذيبهم. (٣) لقول النبي ◌ّز: ((إن أعف الناس قِتْلةً أهل الإِيمان)). (٤) ولا يجوز قتل الصبيان والمجانین بلا خلاف، ولا تقتل امرأة ولا شيخ فان، ولا يقتل زَمِنٌ ولا أعمى ولا راهب عند الجمهور: الحنفية، والمالكية، والحنابلة، ورواية عند الشافعية، إلا إذا اشتركوا في المعركة، أو كانوا ذا رأي وتدبير ومكايد في الحرب، . (١) سورة البقرة / ١٩٠ (٢) سورة المائدة / ٢ (٣) المهذب ٢/ ٢٣٢، وابن عابدين ٢٢٣/٣، والحطاب ٣/ ٣٥٠، ٣٥٤، والمغني ٤٩٤/٨ (٤) حديث : ((إن أعف الناس قتلة أهل الإيمان)). أخرجه أحمد (٢٩٣/١ ط الميمنية) وأبو داود (٣/ ١٢٠ ط عزت عبيد دعاس) وابن ماجة (٢ /٨٩٤ بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي). قال عبدالقادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: ورجال أحمد ثقات إلا أن المغيرة بن مقسم الضبي مدلس، ولاسيما عن إبراهيم بن يزيد، وقد روى في هذا الحديث ولم يصرح بالسماع (جامع الأصول ٦١٩/٢ نشر مكتبة الحلواني). أو أعانوا الكفار بوجه آخر. ولا يجوز الغدر والغلول، ولا يجوز الإِحراق بالنار إن أمكن التغلب عليهم بدونها، ولا يجوز التمثيل بالقتلى، لقول النبي : ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإِذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح))(١) ويجوز معهم عقد الأمان والصلح بمال لو كان ذلك خيرا للمسلمين، لقوله تعالى: (وإن جنحوا للسَلْم فاجنح لها). (٢) ولو حاصرناهم دعوناهم إلى الإِسلام، فإن أسلموا فبها، وإلا فرضنا علیهم الجزية إن لم يكونوا مرتدين ولا من مشركي العرب، فإِن قبلوا ذلك فلهم منا المعاملة بالعدل والقسط على حسب شروط عقد الذمة، وإن أبوا قاتلناهم حتى نغلبهم عنوة. (٣) وتفصيل هذه الأحكام ر: (جهاد) و(جزية). الإسراف في المباحات أ - الإسراف في الطعام والشراب: ١٣ - الأكل والشرب بقدر ما يندفع به الهلاك فرض، وهو بقدر الشبع مباح، فإذا نوى بالشبع ازدياد قوة البدن على الطاعة وأداء الواجبات فهو مندوب، وما زاد على الشبع فهو مكروه أو محظور، (١) حديث: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء ... )) أخرجه مسلم من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه مرفوعا. (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ١٥٤٨/٣ ط عيسى الحلبي، وشرح السنة للبغوي ٢١٩/١١ نشر المكتب الإسلامي ١٣٩٧ هـ). (٢) سورة الأنفال / ٦١ (٣) ابن عابدين ٢٢٣/٣، ٤٢٣، والقليوبي ٢١٨/٤، ٢١٩، ومواهب الجليل ٣/ ٣٥٠، والبدائع ٧/ ١٠٠ - ١٨٥ - إسراف ١٣ على الخلاف بين الفقهاء، إلا إذا قصد به التقوي على صوم الغد، أو لئلا يستحي الضيف. قال الله تعالى: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا). (١) فالإِنسان مأمور بأن يأكل ويشرب بحيث يتقوى على أداء المطلوب، ولا يتعدى إلى الحرام، ولا يكثر الإِنفاق المستقبح، ولا يتناول مقدارا كثيرا يضره ولا يحتاج إليه، فإن تعدى ذلك إلى مايمنعه القيام بالواجب حرم عليه، وكان قد أسرف في مطعمه ومشربه، ولأنه إضاعة المال وإمراض النفس. (٢) وقد ورد عن النبي #م أنه قال: ((ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات یقمن صلبه، فإِن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لِنَفَسه)). (٣) وقال وَلّ: ((إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت)). (٤) (١) سورة الأعراف / ٣١ (٢) تفسير الفخر الرازي ١٤/ ٦٢، وتفسير القرطبي ٧/ ١٩١، ١٩٢، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣٦٥/٢ (٣) حديث: ((ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه ... )) أخرجه أحمد بن حنبل والترمذي واللفظ له وابن ماجة من حديث المقدام بن معد يكرب مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (تحفة الأحوذي ٧/ ٥١، ٥٢ نشر المكتبة السلفية، وسنن ابن ماجة بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ١١١١/٢ ط عيسى الحلبي ١٣٧٣ هـ، والفتح السرباني ٨٨/١٧، ٨٩ الطبعة الأولى ١٣٧٢ هـ). (٤) حديث: ((إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت)) أخرجه ابن ماجة بهذا اللفظ من حديث أنس بن مالك مرفوعاً، وقال الحافظ البوصيري: هذا إسناده ضعيف، لأن نوح بن ذكوان متفق على تضعيفه، وقال الدميري: هذا الحديث مما أنكر عليه، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله /﴾، وأورده المنذري بلفظ «من الإسراف أن تأکل کل ما اشتهيت)» وقال: رواه ابن ماجة وابن أبي الدنيا في كتاب الجوع والبيهقي، وقد صحح الحاكم إسناده لمتن غير هذا،= وقد نقل القرطبي(١) في الحض على تقليل الطعام ما ثبت عن النبي ◌َّ انه قال لأبي جحيفة حینما أتاه یتجشأ: ((اکفف علیك من جشائك أبا جحيفة، فإِن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة)). (٢) وهذا القدر مما لا خلاف فيه بين الفقهاء. وقال المالكية : يطلب تخفيف المعدة بتقليل الطعام والشراب على قدر لا يترتب عليه ضرر ولا كسل عن عبادة، فقد يكون المشبع سببا في عبادة فيجب، وقد يترتب عليه ترك واجب فيحرم، أو ترك مستحب فیکره. (٣) = وحسنه غيره. (سنن ابن ماجة بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ١١١٢/٢ ط عيسى الحلبي، وكتاب الموضوعات لابن الجوزي ٣/ ٣٠ نشر المكتبة السلفية، والترغيب والترهيب ٢٠٢/٤ط مطبعة السعادة ١٣٨٠ هـ، وفيض القدير ٥٢٦/٢ نشر المكتبة التجارية). (١) القرطبي ٧/ ١٩٤ (٢) حديث: ((أكفف عليك من جشائك أبا جحيفة ... )) أخرجه الحاكم من حديث أبي جحيفة أنه قال: ((أكلتُ ثریدة من خبز بر ولحم سمين، ثم أتيت النبي ﴿ فجعلت أتجشأ، فقال: ما هذا کف من جشائك، فإن أکثر الناس شبعا أکثرهم في الآخرة جوعا)» قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله: فهد قال المديني كذاب، وعمر هالك. قال المنذري: بل واه جدا، فيه فهد بن عوف، وعمر بن موسى، لکن رواه البزار بإسنادین رواة أحدهما ثقات. ورواه ابن أبي الدنيا والبيهقي والطبراني في الكبير والأوسط ببعض الزيادات. قال الهيثمي: في أحد أسانيد معجم الطبراني الكبير محمد بن خالد الكوفي ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات (المستدرك ٤/ ١٢١ نشر دار الكتاب العربي، والترغيب والترهيب ١٩٩/٤ ط مطبعة السعادة ١٣٨٠ هـ، ومجمع الزوائد ٣١/٥ نشر مكتبة القدسي). (٣) بلغة السالك ٧٥٢/٤ - ١٨٦ - : إسراف ١٤ - ١٥ وقال الغزالي: صرف المال إلى الأطعمة النفيسة التي لا يليق بحاله تبذير. (١) فيكون سببا للحجر كما سيأتي. وقال القليوبي: إن هذا هو أحد القولين عند الشافعية، والقول الثاني عندهم أنه لا یعتبر تبذیرا مالم يصرف في محرم، فيعتبر عندئذ إسرافا وتبذيرا إجماعا. (٣) وصرح الحنابلة أن أكل المتخوم، أو الأكل المفضي إلى تخمة سبب لمرضه وإفساد بدنه، وهو تضييع المال في غیر فائدة. وقالوا : لا بأس بالشبع، لكن يكره الإِسراف، والإِسراف في المباحات هو (٣) مجاوزة الحد، وهو من العدوان المحرم. ب - الإِسراف في الملبس والزينة: ١٤ - الإِسراف في الملبس والزينة ممنوع، لما ورد في الحديث أن النبي وسلم قال: ((البسوا ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة)). (٤) (١) الوجيز للغزالي ١٧٦/١ (٢) القليوبي ٢/ ٣٠١ (٣) الآداب الشرعية ٣/ ٢٠٠ - ٢٠٣، وشرح منتهى الإرادات ١/٣ (٤) حديث: ((البسوا ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة)). علقه البخاري بلفظ ((كلوا واشربوا وتصدقوا من غير إسراف ولا مخيلة)) وأخرجه ابن ماجة باللفظ الوارد في صلب الموسوعة والنسائي وأبو داود والطيالسي والحارث بن أبي أسامه وابن أبي الدنيا من طريق همام عن قتادة عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جدة مرفوعا. والحديث حسنه بدر البدر محقق كتاب الشكر لابن أبي الدنيا (فتح الباري ٢٥٢/١٠، ٢٥٣ط السلفية، وسنن ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ١١٩٢/٢ ط عيسى الحلبي. وسنن النسائي ٥/ ٧٩ط استانبول، ومنحة المعبود ٣٥١/١ط المطبعة المنيرية ١٣٧٢، وکتاب الشکر لأبي بكر بن أبي الدنیا بتحقیق بدر البدر ص ٢٢ المكتب الإسلامي ١٤٠٠ هـ). قال ابن عابدين: يلبس بين الخسيس والنفيس، إذ خير الأمور أوسطها، والنهي عن الشهرتين، وهو ما كان في نهاية النفاسة أو الحساسة. ويندب لبس الثوب الجميل للتزين في الأعياد والجمع ومجامع الناس، (١) لحديث ابن مسعود مرفوعا: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه ذرة من کبر، قال رجل: إن الرجل يحب أن یکون ثوبه حسنا ونعله حسنا، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بَطَر الحق وغمط الناس)). (٢) الإسراف في المهر : ١٥ - المهر يجب إما بالتسمية أو بالعقد. فإِذا سمي في العقد، وعين مقداره، وجب المسمى، وإلا وجب مهر المثل، وهذا متفق عليه بين الفقهاء. (٣) ولم يحدد الشافعية والحنابلة، وكذلك المالكية في رواية أقل المهر، وحدد الحنفية أقل المهر بعشرة دراهم، وقال المالكية في المشهور عندهم: أقله ربع دينار شرعي، أو ثلاثة دراهم فضة خالصة . (٤) (١) ابن عابدين ٢١٧/٥، ٢٢٤، وبلغة السالك ١/ ٥٩، والقليوبي ٣٠١/١، ٢٩٧/٣، والمغني ٢٧٥/١، ٣٧٠/٢، والاختيار للموصلي ١٧٧/٤، والآداب الشرعية ٣/ ٥٥، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٢٨٩ (٢) حديث : ((لا يدخل الجنة .... )) أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ٩٣/١ط عيسى الحلبي ١٣٧٤هـ). (٣) ابن عابدين ٣٢٩/٢، والدسوقي ٢٩٧/٢، ونهاية المحتاج ٣٢٨/٦ (٤) الأم للشافعي ٥٨/٥، والمغني ٦٨٢/٦، والدسوقي ٣٠٢/٢، وابن عابدين ٢/ ٢٣٠، ٣٢٩، والبدائع ٢٧٥/٢، وفتح القدير ٢٠٥/٣، ٢٠٦، والخطاب ٥٠٦/٣ - ١٨٧ - : إسراف ١٦ ولا حد لأكثر المهر إجماعا بين الفقهاء. (١) والدلیل علیه قوله تعالى: (وإن أردتم استبدال زوج مکان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا). (٢) لأن القنطار يطلق على المال الكثير. ولكن حذر الفقهاء من الإِسراف والمغالاة في المهر، وقالوا: تكره المغالاة في الصداق، لما روي عن عائشة عن النبي ﴿ أنه قال: ((أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة))(٣) وفسروا المغالاة في المهربما خرج عن عادة أمثال الزوجة، وهي تختلف باختلاف أمثالها، إذ المائة قد تكون كثيرة جدا بالنسبة لامرأة، وقليلة جدا بالنسبة لأخرى. واستدلوا كذلك بكراهة الإِسراف في المهربان الرجل يغلي بصدقة المرأة (أي فوق طاقته)، حتى یکون لها عداوة في قلبه، ولأنه إذا کثر بما تعذر عليه فيتعرض للضرر في الدنيا والآخرة. (٤) ولتفصيل الموضوع راجع مصطلح: (مهر). الإسراف في التكفين والتجهيز : ١٦ - اتفق الفقهاء على أن الواجب في الكفن هو (١) ابن عابدين ٢/ ٣٣٠، والدسوقي ٣٠٩/٢، والأم ٥٨/٥، ٥٩، والمغني ٦/ ٦٨١ (٢) سورة النساء / ٢٠ (٣) حديث: ((أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة)) أخرجه أحمد بن حنیل والحاکم والبيهقي والبزار من حديث عائشة رضي الله عنها، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي بالرغم من أن مدار الحديث على ابن سنجرة، يقال اسمه عيسى بن ميمون، وهو متروك كما قال الهيثمي. (المستدرك ١٧٨/٢ نشر دار الكتاب العربي، والسنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٢٣٥ ط الهند، ومجمع الزوائد ٢٥٥/٤ نشر مكتبة القدس، وفيض القدير ٦،٥/٢ نشر المكتبة التجارية ١٣٥٦ هـ). (٤) نهاية المحتاج ٦/ ٣٢٩، والمغني ٦٨٢/٦، والدسوقي ٣٠٩/٢ الثوب الواحد. والإِيتار فيه إلى ثلاث للرجل، وإلى خمس للمرأة سنة، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: ((إن رسول الله ﴿ كُفِّنَ في ثلاثة أثواب يمانية بيض سهولية ... ))(١) وروي عن النبي ولي أنه ((أعطى اللواتي غسلن ابنته خمسة أثواب)»(٢) ولأن عدد الثلاث أكثر ما يلبسه الرجل في حياته، فكذا بعد مماته، والمرأة تزيد في حال حياتها على الرجل في الستر، لزيادة عورتها على عورته، فكذلك بعد الموت. (٣) (١) حديث: ((أن رسول الله ټے کفن في ثلاثة أثواب یمانیة بیض سهولية)) أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها (فتح الباري ٣/ ١٣٥ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٦٤٩/٢، ٦٥٠ ط عيسى الحلبي ١٣٧٤ هـ). (٢) حديث: ((أن النبي ﴿ أعطى اللواتي غسلن ابنته خمسة أثواب)) أورده صاحب نصب الراية بهذا اللفظ، وتعقبه بقوله: غريب من حدیث أم عطية، وأخرجه أحمد وأبو داود من حديث لیلی بنت ثائف الثقفية بلفظ «کنت فیمن غسل أم كلثوم ابنة رسول الله * عند وفاتها، فكان أول ما أعطانا رسول الله﴾ الحقاء ثم الدرع ثم الخمار ثم المحفة ثم أدرجت بعد في الثوب الآخر. قالت: ورسول الله پے جالس عند الباب معه کفنها یناولناها ثوبا ثوبا)» والحديث سكت عنه المنذري. وقال الحافظ في التلخيص: أُعلہ ابن القطان بنوح وأنه مجهول، وإن کان محمد بن إسحاق قد قال: إنه كان قارئا للقرآن. وناقش صاحب عون المعبود آراء نقاد الحديث وقال: سنده حسن صالح للاحتجاج. قال البناء الساعاتي صاحب الفتح الرباني: سنده لا بأس به (مسند أحمد بن حنبل ٦/ ٣٨٠ ط الميمنية، وعون المعبود ١٧١/٣ ط الهند والفتح الرباني ٧/ ١٧٥، ١٧٦ الطبعة الأولى ١٣٧٢ هـ، ونصب الراية ٢/ ٢٦٣ ط مطبعة دار المأمون، وتلخيص الحبير ١٠٩/٢، ١١٠ نشر السيد عبدالله هاشم اليماني بالمدينة المنورة ١٣٨٤ هـ، وجامع الأصول ١١٣/١١ نشر مكتبة الحلواني ١٣٩٣ هـ). (٣) فتح القدير ٧٨/١، ٧٩، والخرشي ١٢٦/٢، والقليوبي ٣٢٨/١، والمغني ٢/ ٤٦٦، ٤٧٠ - ١٨٨ - إسراف ١٦ - ١٨ وتكره الزيادة على الأثواب الثلاثة للرجل، والخمسة للمرأة عند الجمهور: (١) الشافعية، والحنابلة، ورواية عند الحنفية، لما فيها من الإِسراف وإضاعة المال المنهي عنهما ، وقد روي عن النبي و ﴿ أنه قال: ((لا تغالوا في الكفن، فإنه يسلب سلبا سريعا))(٢) وما روي عنه ول# في تحسين الكفن : ((إذا کفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه)). (٣) معناه بياضه ونظافته، لا کونه ثمينا حلية. ولا بأس عند المالكية بالزيادة إلى خمسة في الرجل، وإلى سبعة في المرأة، وقالوا: إن الزيادة على الخمسة في الرجل، والسبعة في المرأة إسراف، وثلاثة أولى من أربعة، وخمسة أولى من ستة. (٤) فعلم من ذلك أن الإسراف محظور في الکفن في جميع المذاهب. والقاعدة في ذلك أن الكفن يكون وفقا لما يلبسه الميت حال حياته عادة. وينظر تفصيل هذا الموضوع في مصطلح (كفن). (١) ابن عابدين ٥٧٨/١، ونهاية المحتاج ٢/ ٤٥٠، والمغني ٤٦٦/٢، وكشاف القناع ٢/ ١٠٥ (٢) حديث: ((لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلبا ... )) أخرجه أبو داود من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه مرفوعا. قال المنذري: في إسناده أبو مالك عمرو بن هاشم الجنبي وفيه مقال (عون المعبود ٣/ ١٧٠ ط الهند، وجامع الأصول ١١٦/١١ نشر مكتبه الحلواني ١٣٩٣ هـ). (٣) حديث: ((إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه)». أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما مرفوعا (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٦٥١/٢ ط عيسى الحلبي). (٤) جواهر الإكليل ١٠٩/١، والخرشي ١٢٦/٢ الإسراف في المحرمات ١٧ - المحظور في اصطلاح الفقهاء : هو ما منع من استعماله شرعا، ويشمل بالمعنى الأعم الحرامَ والمكروه كراهة تحريم، فالمحظورات بهذا المعنى هي الممنوعات الشرعية التي توجب العقاب. (١) وارتكاب المحرمات يعتبر بنفسه إسرافا ، لأنه مجاوزة الحد المشروع. يقول الرازي في تفسير قوله تعالى: (ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا): (٢) الإسراف في كل شيء الإِفراط فيه، والمراد هنا الذنوب العظيمة الكبيرة. قال أبوحيان الأندلسي : (ذنوبنا وإسرافنا) متقاربان من حیث المعنى، فجاء ذلك على سبيل التأكيد. (٣) وقيل: الذنوب ما دون الكبائر. ثم إن المبالغة في ارتكاب الممنوع توجب تشديد العقاب، فالعقوبة بقدر الجريمة، كما قرره الفقهاء، والإصرار على الصغيرة وإدامتها يأخذ حكم الكبيرة في إسقاط العدالة، فلا تقبل شهادة من كثرت صغائره وأصر عليها . (٤) ١٨ - لكن هناك حالات خاصة يجوز للشخص الاتيان بالمحرم، بشرط ألا يسرف أي لا يجاوز الحد المشروع وذلك مثل : أ-حالة الإِکراه : کما إذا أجبر شخص آخر بأکل أو شرب ما حرم الله، كالميتة والدم والخمر وغيرها. ب - حالة الاضطرار: كما إذا وجد الشخص في (١) ابن عابدين ٢١٤/٥ (٢) سورة آل عمران / ١٤٧ (٣) البحر المحيط ٣/ ٧٥ (٤) قليوبي ٣١٩/٤، وابن عابدين ٣٧٧/٤، والشرح الصغير ٢٤٢/٤، وجواهر الإكليل ٢٣٣/٢ - ١٨٩ - إسراف ١٩ حالة لو لم يتناول المحرم هلك، ولا تكون للخروج عن هذه الحالة وسيلة أخرى، كحالة الجوع والعطش الشدیدین .(١) ففى هذه الحالات يجوز اتفاقا - بل يجب عند الأكثر - أكل ما حرم الله من الميتة والدم والأموال المحرمة، بشرط ألّ يسرف الآكل والشارب، ولا يتجاوز الحدود الشرعية المقررة التي سيأتي تفصيلها . وتتفق حالة الإِكراه مع حالة الاضطرار في الحكم، ولكنهما تختلفان في سبب الفعل، ففي الإكراه يدفع المكره إلى إتيان الفعل المحرم شخصٌ آخر ويجبره على العمل، أما في حالة الاضطرار فيوجد الفاعل في ظروف تقتضي الخروج منها، أن یرتکب الفعل المحرم لینجي نفسه. وبهذا نكتفي بذكر حكم الإسراف في حالة الاضطرار فقط. ١٩ - اتفق الفقهاء على أن المضطر يجوز له الانتفاع بالمحرم، ولو كان ميتة أودما أو لحم خنزير أومال الغير، واستدلوا بقوله تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه)(٢) لكن الأكل والشرب من المحرم حال الاضطرار محدود بحدود لا يجوز التجاوز عنها والإِسراف فيها، وإلا يعتبر مسيئا وآثما . والجمهور : الحنفية، والحنابلة، وهو قول عند الشافعية، ذهبوا إلى أن مقدار ما يجوز للمضطر(٣) (١) الحموي على الأشباه ص ١٠٨، والشرح الكبير للدردير ١١٥/٢، والقليوبي ٢٦٢/٤، والمغني ٨ / ٥٩٥، ٥٩٦ (٢) سورة البقرة / ١٧٣ (٣) حالة الاضطرار : أن يبلغ الإِنسان حدا إن لم يتناول الممنوع يهلك، ويشترط فيه أن يكون خوف الموت قائما في الحال، وألّ يكون لدفعه وسيلة أخرى. اللجنة أکله أو شربه من المحرم هو ما يسد الرمق، فمن زاد عن هذا المقدار يعتبر مجاوزا للحد. (١) فلا يجوز له الأكل إلى حد الشبع والتزود بالمحرم، لأن الله سبحانه وتعالى قيد جواز الانتفاع بالمحرم في حالة الاضطرار بقوله: (غير باغ ولا عاد)، والمراد ألا يكون المضطر باغيا في أكل المحرم تلذذا، ولا متعديا بالحد المشروع، فيكون مسرفا في الأكل إذا تناول منها أكثر من المقدار الذي يمسك الرمق، فمتى أكل بمقدار ما يزول عنه الخوف من الضرر في الحال فقد زالت الضرورة، ولا اعتبار في ذلك لسد الجوعة، لأن الجوع في الابتلاء لا يبيح أكل الميتة إذا لم يخف ضررا بتركه (٢) ومذهب المالكية ، وهو قول عند الشافعية، ورواية عن أحمد، أن للمضطر أن يأكل من الميتة إلى حد الشبع إذا لم يوجد غيرها، لأن ما جازسد الرمق به جاز الشبع منه كالمباح، بل المالكية جوزوا التزود من الميتة، وقالوا: إنه يأكل منها حتى يشبع، ويتزود منها، فإن وجد عنها غنى طرحها، لأن المضطر ليس ممن حرمت عليه الميتة، فإذا كانت حلالا له الأكل منها ما شاء، حتى يجد غيرها فتحرم عليه، (٣) وجواز التزود للمضطر من لحم الميتة رواية عند الحنابلة.(٤) وعلى ذلك فالأكل إلى حد الشبع لا يعتبر إسرافا عند هؤلاء، كما أن التزود من الميتة (١) ابن عابدين ٢١٥/٥، وأسنى المطالب ١/ ٥٧٠، والشرح الكبير للدردير ١١٥/٢، والمغني ٨/ ٥٩٦ (٢) تفسير الأحكام للجصاص ١٤٩/١ - ١٥١، وابن عابدين ٢١٥/٥، ونهاية المحتاج ١٥٢/٨، والمغني ٨ / ٥٩٥ (٣) التاج والإكليل ٢٣٣/٣، والقليوبي ٢٦٣/٤، والمغني ٥٩٥/٥ (٤) المغني ٨ / ٥٩٧ - ١٩٠ - إسراف ٢٠ - ٢٣ لا يعد إسرافا عند المالكية، وفي رواية عند الحنابلة . (١) ولتفصيل الموضوع ر : (اضطرار). الإسراف في العقوبة : ٢٠ - الأصل في الشريعة أن العقوبة بقدر الجريمة، قال سبحانه وتعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به)(٢) وقال سبحانه: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)(٣) فلا تجوز فيها الزيادة والإِسراف قطعا، لأن الزيادة تعتبر تعديا منهيا عنه بقوله تعالى: (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) (٤) وبيان ذلك فيما يلي : أ - الإِسراف في القصاص : ٢١ - اتفق الفقهاء على أن مبنى القصاص على المساواة، فلا يجوز فيه الإِسراف والزيادة. قال الله تعالى : (ومن قُتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا)(٥) قال المفسرون في تفسير هذه الآية: لا يسرف في القتل أي لا يتجاوز الحد المشروع فيه، فلا يقتل غير قاتله، ولا يمثل بالقاتل كعادة الجاهلية، لأنهم (١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٦، والهندية ٣٣٨/٥، ومواهب الجليل ٢٣٤/٣، وأسنى المطالب ٥٧٣/١، والمغني ٧٨/١١ (٢) سورة النحل / ١٢٦ (٣) سورة البقرة / ١٩٤ (٤) سورة البقرة / ١٩٠ (٥) سورة الإسراء / ٣٣ كانوا إذا قُتل منهم واحد قتلوا به جماعة، وإذا قتل من لیس شریفا لم يقتلوه، وقتلوا به شریفا من قومه، فنهي عن ذلك.(١) ٢٢ - وصرح الفقهاء أنه إذا وجب القصاص على حامل لم تقتل حتى تضع حملها، وإذا وضعت لم تقتل حتی تسقي ولدها اللبأ، فإن لم یکن للولد من يرضعه لم يجز قتلها حتى مجيء أوان فطامه، لما ورد في الحديث: ((إذا قتلت المرأة عمدا لم تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملا، وحتى تكفل ولدها)).(٢) ولأن في قتل الحامل قتلا لولدها، فيكون إسرافا في القتل، والله سبحانه قال: (فلا يسرف في القتل)، ولأن في القصاص من الحامل قتلا لغير الجاني وهو محرم، (٣) إذ (لا تزر وازرة وزر أخرى). (٤) ٢٣ - وتشترط المماثلة في قصاص الأعضاء في المحل والمقدار والصفة، بألا يكون العضو المقتص منه أحسن حالا من العضو التالف، وإلا يعتبر إسرافا (١) القرطبي ٢٥٥/١٠، وتفسير الرازي ٢٠/ ٢٠٣، والألوسي ٦٩/١٥، وتفسیر الکشاف ٤٤٨/٢٠، وابن كثير ٣٩/٣ (٢) حديث: ((إذا قتلت المرأة ... » أخرجه ابن ماجه من حديث معاذ بن جبل وأبي عبيدة بن الجراح وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس مرفوعا بلفظ: ((المرأة إذا قتلت عمدا لا تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملا، وحتی تکفل ولدها. وإن زنت لم ترجم حتى تضع ما في بطنها، وحتی تکفل ولدها، قال الحافظ البوصيري في الزوائد: في إسناده ابن أنعم، اسمه عبدالرحمن بن زياد بن أنعم ضعيف، وكذلك الراوي عنه عبدالله بن لهيعة (سنن ابن ماجة بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٨٩٥/٢ ط عيسى الحلبي). (٣) البدائع ٥٩/٧، ونهاية المحتاج ٢٨٨/٧، ومواهب الجليل ٢٥٣/٦، والمغني ٧/ ٧٣١ - ٧٣٢ (٤) سورة الأنعام/ ١٦٤ - ١٩١ - 1 : إسراف ٢٤ - ٢٥ منہیا عنه، فلا تؤخذ ید صحيحة بید شلاء، ولا رجل صحيحة برجل شلاء، ولا تؤخذ ید کاملة بید ناقصة، لأنه لیس للمجني علیه أن یأخذ فوق حقه، ولو وجب له قصاص في أنملة فقطع أنملتين، فإن كان عامداً وجب عليه القصاص في الزيادة، وهذا ما لا خلاف فيه بين الفقهاء. (١) ٢٤ - ولكي يؤمن الإِسراف والتعدي، صرح الفقهاء أنه لا يستوفى القصاص فیما دون النفس إلا بحضرة السلطان أو نائبه، لأنه يفتقر إلى اجتهاده، ولا يؤمن فيه الحيف مع قصد التشفي، ويلزم ولي الأمر تفقد آلة الاستيفاء، والأمر بضبط المقتص منه في غير النفس، حذراً من الزيادة واضطرابه، وإذا سلم الحاكم القاتل لولي الدم ليقتله نهى الحاكم الولي عن التمثيل بالقاتل والتشديد عليه في قتله.(٢) وفي قصاص الأطراف يشترط إمكان الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة، بأن يكون القطع من مفصل، فإن كان القطع من غير مفصل فلا قصاص فيه من موضع القطع، حذرا من الإسراف. (٣) ولأن الجرح الذي يمكن استيفاء القصاص فيه من غير حيف ولا زيادة هو كل جرح ينتهي إلى عظم كالموضحة، اتفقت كلمة الفقهاء على أن (١) المهذب ٢/ ١٨٢، ١٨٨، ومواهب الجليل ٢٤٦/٦، والشرح الصغير ٣٤٨/٤، والمغني ٧/ ٧٠٧، ٧٢٤، وابن عابدين ٥٣/٥، والبدائع ٢٩٨/٧، والبحر الرائق ٣٠٦/٨، ٣٠٨ (٢) كشاف القناع ٥٣٥/٥ - ٥٣٧، والمغني ٧/ ٧٠٧، وشرح منح الجليل ٤/ ٣٨٣، ونهاية المحتاج ٢٨٦/٧، والاختيار ٤٢/٥ (٣) المراجع السابقة . فيها القصاص، واتفقوا كذلك على عدم القصاص فيما بعد الموضحة لأنه يعظم فيه الخطر، أما في غيرها من الجروح فاختلفوا في ذلك، لاحتمال الزيادة والحيف خوفا من الإسراف، ولوزاد المقتص عمدا في موضحة علی حقه لزمه قصاص الزيادة لتعمده، (١) كما نصوا على ذلك. وتفصيل هذه المسائل في مصطلح (قصاص) . ب - الإسراف في الحدود : ٢٥ - الحد عقوبة مقدرة واجبة حقالله. والمراد بالعقوبة المقدرة: أنها معينة ومحددة لا تقبل الزيادة والنقصان، فحد من سرق ربع دينار(٢) أو مائة ألف دينار واحد. ومعنى أنها حق الله تعالى: أنها لا تقبل العفو والإِسقاط بعد ثبوتها، ولا يمكن استبدال عقوبة أخرى بها، لأنها ثبتت بالأدلة القطعية، فلا يجوز فيها التعدي والإسراف، وهذا مما لا خلاف فيه بين الفقهاء. (٣) ولهذا صرح الفقهاء بأنه لا يقام الحد على الحامل، لأن فيه هلاك الجنين بغير حق، وهذا إسراف بلا شك. (٤) ويشترط في الحدود التي عقوبتها الجلد، كالقذف والشرب والزنى في حالة عدم الإحصان ألا يكون في الجلد خوف الهلاك، (١) نهاية المحتاج ٢٨٦/٧، والاختيار ٤٢/٥، والمغني ٧٠٣/٧، ٧٠٤، ومواهب الجلیل ٦/ ٢٤٦ (٢) عند الحنفية أقل ما يقطع به عشرة دراهم. (٣) بدائع الصنائع ٣٣/٧، ومواهب الجليل ٣١٨/٦، والإقناع ٢٤٤/٤، والمغني ٣١١/٨، ٣١٢، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٩٤ (٤) البدائع ٥٩/٧، ومواهب الجليل ٦/ ٣١٩، والمغني ٣١٧/٨، والدسوقي ٣٢٢/٤ - ١٩٢ - إسراف ٢٦ - ٢٧ لأن هذا الحد شرع زاجراً لا مهلكا، ويكون الضرب وسطا، لا مبرحا ولا خفيفا، ولا يجمع في عضو واحد، ويتقي المقاتل، وهي الرأس والوجه والفرج، لما فيها من خوف الهلاك، وينبغي أن یکون الجلاد عاقلا بصيرا بأمر الضرب، وذلك كله للتحرز عن التعدي والإسراف. (١) فإِن أتى بالحد على الوجه المشروع من غير زيادة وإسراف لا يضمن من تلف به، وهذا معنى قولهم: إن إقامة الحد غير مشروطة بالسلامة، أما إذا أسرف وزاد على الحد فتلف المحدود وجب الضمان بالاتفاق. (٢) وينظر تفصيل هذه المسائل في مواضعها . جـ - الإسراف في التعزير : ٢٦ - التعزير هو: التأديب على ذنوب لم يشرع فيها حد ولا كفارة. وهو عقوبة غير مقدرة تختلف باختلاف الجناية وأحوال الناس، فتقدر بقدر الجناية، ومقدار ما ينزجر به الجاني، ومن الناس من ينزجر باليسير، ومنهم من لا ينزجر إلا بالكثير، (٣) ولهذا قرر الفقهاء في الضرب للتأديب ألّ يكون مبرحا، ولا يكون على الوجه، ولا على المواضع المخوفة، وأن یکون مما يعتبر مثله تأديبا، فإن المقصود منه الصلاح لا غير، فإن غلب على (١) البدائع ٥٩/٧، والمغني ٣١١/٨ - ٣١٥، والخطاب ٣١٩/٦، وقلیوبي ٤/ ١٨٣، ٢٠٤، ٢٠٥ (٢) المغني ٣١١/٨، ٣١٢، ومواهب الجليل ٦/ ٢٩٧، والقليوبي ٢٠٩/٤، والبدائع ٧/ ٣٠٤، ٣٠٥ (٣) الزيلعي ٢٠٤/٣، ومواهب الجليل ٣١٩/٦، والقليوبي ٢٠٥/٤، وابن عابدين ١٧٧/٣، والبدائع ٧/ ٦٣، والمغني ٣٢٤/٨، والإقناع ٤/ ٢٦٨ ظنه أن الضرب لا يفيد إلا أن يكون مخوفا لم يجز التعزير بالضرب، وإلا كان ضامنا بلا خلاف، لأن الضرب غير المعتاد، والذي لا يعتبر مثله أدباءتعد وإسراف فیوجب الضمان. (١) ٢٧ - أما إذا ضرب للتأديب على النحو المشروع من غير إسراف ــ كما فسره الرملى - بأن يكون الضرب معتادا كما وكيفا ومحلا - كما عبر الطحطاوي - فتلف، كضرب الزوج زوجته لنشوزها، فتلفت من التأديب المشروع، لا يضمن عند المالكية والحنابلة، ويضمن عن التلف عند الحنفية والشافعية ولو کان الضرب معتادا، لأن التأديب حق، واستعمال الحق يقيد بالسلامة عندهما، ولا یقید بها عند المالكية والحنابلة، كما هو مبين في موضعها. (٢) وأكثر الفقهاء (منهم أبو حنيفة، ومحمد، والشافعي في الأصح، وأحمد في رواية) على أن عقوبة الجلد في التعزير لا تتجاوز تسعة وثلاثين سوطا، لما ورد في الحديث الصحيح أن النبي ◌َّر قال: ((من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين)). (٣) لأن الأربعين حد كامل للرقيق، فإِذا نقصت سوطا أصبح الحد الأعلى للتعزيز تسعة (١) المغني ٣٢٧/٨، وأسنى المطالب ٢٣٩/٣، ومواهب الجليل ١٥/٤، ١٦، والطحطاوي ٤/ ٣٧٥، والأم ١٧٦/٦ (٢) المراجع السابقة، ونهاية المحتاج ٢٨/٨، ومنح الجليل ٥٥٦/٤، والأشباه لابن نجیم ص ٢٨٩ (٣) حديث: ((من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين)) أخرجه البيهقي من حديث النعمان بن بشير، وقال: والمحفوظ هذا الحديث مرسل (السنن الكبرى للبيهقي ٣٢٧/٨ ط الهند، وفيض القدير ٦/ ٩٥ نشر المكتبة التجارية ١٣٥٧هـ). - ١٩٣ - · إسراف ٢٨ - أسرى ١ - ٢ وثلاثین، وقید بعضهم هذا فيما يكون في جنسه حدٍ (١) وفي رواية عن أحمد، وهو قول ابن وهب من المالکیة، أنه لا یزاد علی عشر جلدات، وقال ابن قدامة نقلا عن القاضي: إن هذا هو المذهب. (٢) ويفوض مقداره مطلقا - وإن زائدا على الحد - للحاكم بشرط ألا يتجاوز عما يكفي لزجر الجاني عند المالكية. (٣) وليس لأقل التعزیر حد معين في الراجح عند الفقهاء، فلورأى القاضي أنه ينزجر بسوط واحد اكتفى به، فلا يجوز الإِسراف والزيادة في التعزير على مقدارما ينزجزبه المجرم في المذاهب كلها . (٤) الحجر على المسرف : ٢٨ - المسرف في الأموال يعتبر سفيها عند الفقهاء، لأنه يبذر الأموال ويضيعها على خلاف مقتضى الشرع والعقل، وهذا هو معنى السفه عندهم. ولهذا جرى على لسان الفقهاء: أن السفه هو التبذير، والسفيه هو المبذر. (٥) وعلى ذلك فالإِسراف الناشىء عن السفه (١) ابن عابدين ١٧٧/٣، ونهاية المحتاج ٨/ ٢٠، والمغني ٣٢٤/٨، والقليوبي ٤/ ٢٠٦ (٢) المغني ٨/ ٣٢٥، والقوانين الفقهية لابن جزي ص ٢٣٥ (٣) الخطاب ٣١٩/٦ (٤) ابن عابدين ١٧٨/٣، ١٧٩، والخطاب ٣١٩/٦، والقليوبي ٢٠٥/٤، ٢٠٦، ونهاية المحتاج ٢٠/٨، ٢٨، والمغني ٣٢٥/٨ (٥) بلغة السالك ٣٩٣/٣، وأسنى المطالب ٢٠٥/٢، وانظر ابن عابدين ٥/ ٩٢ سبب للحجر عند جمهور الفقهاء: المالكية والشافعية والحنابلة، وهورأي الصاحبين: أبي يوسف ومحمد من الحنفية، وعليه الفتوى عندهم خلافا لأبي حنيفة، فلا يحجر على المكلف لسبب السفه والتبذير. ولتفصيل ذلك انظر مصطلح (حجر). (١) أسری التعريف : ١ - الأسرى جمع أسير، ويجمع أيضا على أسارى وأَسارى. والأسير لغة: مأخوذ من الإِسار، وهو القید، لأنهم كانوا يشدونه بالقيد. فسمي كل أخيذ أسيرا وإن لم يشد به. وکل محبوس في قيد أو سجن أسير. قال مجاهد في تفسير قول الله سبحانه: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا)(٢) الأسير: المسجون(٣). ٢ - وفي الاصطلاح : عرف الماوردي الأسرى بأنهم: الرجال المقاتلون من الكفار، إذا ظفر المسلمون بهم أحياء(٤). وهو تعريف أغلبي، لاختصاصه بأسرى الحربين عند القتال، لأنه بتتبع (١) بلغة السالك ٣٨١/٣، والقليوبي ٣٠١/٢، وشرح روض الطالب ٢٠٦/٢، والمغني ٥٠٥/٤، وابن عابدين ١٠/٥ (٢) سورة الإِنسان / ٨ (٣) لسان العرب، والصحاح، والقاموس باب الراء فصل الألف. (٤) الأحكام السلطانية ص ١٣١ ط أولى سنة ١٣٨٠ هـ. - ١٩٤ - أسرى ٢ - ٦ استعمالات الفقهاء لهذا اللفظ يتبين أنهم يطلقونه على كل من يظفربهم من المقاتلين ومن في حکمهم، ويؤخذون أثناء الحرب أو في نهايتها، أو من غير حرب فعلية، مادام العداء قائما والحرب محتملة. من ذلك قول ابن تيمية: أوجبت الشريعة قتال الكفار، ولم توجب قتل المقدور علیھم منهم، بل إذا أسر الرجل منهم في القتال أو غير القتال، مثل أن تلقيه السفينة إلينا، أو يضل الطريق، أو يؤخذ بحيلة فإِنه يفعل به الإِمام الأصلح. وفي المغني: هو لمن أخذه، وقيل: يكون فيئا. (١) ويطلق الفقهاء لفظ الأسير أيضا على: من يظفر به المسلمون من الحربين إذا دخلوا دار الإِسلام بغير أمان(٢)، وعلی من یظفرون به من المرتدين عند مقاتلتهم لنا. يقول ابن تيمية: ومن أسرمنهم أقيم عليه الحد. (٣). كما يطلقون لفظ الأسير على: المسلم الذي ظفر به العدو. يقول ابن رشد: وجب على الإِمام أن يفتك أسرى المسلمين من بيت المال ... ويقول: وإذا كان الحصن فيه أسارى من المسلمين، وأطفال من المسلمين (٤) ... الخ. (١) السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ص ١٩٣ ط الثانية ١٩٥١، والمغني ١٠/ ٤٤١ ط أولى مطبعة المنار. (٢) البدائع ٧/ ١٠٩ (٣) السياسة الشرعية لابن تيمية ص ٩٢ ط الثانية، وبداية المجتهد لابن رشد ٤٥٨/٢ ط الثالثة مصطفى الحلبي. (٤) التاج والإكليل لمختصر خليل للمواق مطبوع بهامش مواهب الجليل ٣/ ٣٨٧ ط دار الكتاب اللبناني بيروت، والمهذب ٢٦٠/٢ ط عيسى الحلبي، وبداية المجتهد ٣٨٥/١، ٣٨٨ الألفاظ ذات الصلة : أ - الرهينة : ٣- الرهينة : واحدة الرهائن وهي کل ما احتبس بشيء، والأسير والرهينة كلاهما محتبس، إلا أن الأسیر یتعین أن يكون إنسانا(١)، واحتباسه لا يلزم أن يكون مقابل حق. ب - الحبس : ٤ - الحبس: ضد التخلية، والمحبوس: الممسك عن التوجه حيث يشاء، فالحبس أعم من الأسر. (٢) ج - السبي : ٥ - السبي والسباء : الأسر، فالسبي أخذ الناس عبيدا وإماء (٣)، والفقهاء يطلقون لفظ السبي على من يظفر به المسلمون حيا من نساء أهل الحرب وأطفالهم. ويخصصون لفظ الأسرى - عند مقابلته بلفظ السبايا - بالرجال المقاتلين، إذا ظفر المسلمون بهم أحياء . (٤) صفة الأسر (حکمه التكليفي) : ٦ - الأسر مشروع، ويدل على مشروعيته النصوص الواردة في ذلك، ومنها قول الله سبحانه: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا (١) كتب اللغة باب النون فصل الراء . (٢) لسان العرب، والصحاح، والقاموس باب السين فصل الحاء. (٣) اللسان، والصحاح، والقاموس مادة (سبى) (٤) البدائع ٧/ ١١٧، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٢٧، والسيرة الحلبية ٢/ ٧٠ - ١٩٥ - : أسرى ٧ - ٩ أثخنتموهم فشدوا الوثاق ... )(١) ولا يتنافى ذلك مع قول الله تعالى (ماکان لنبي أن یکون له أسرى حتى يثخن في الأرض)(٢) لأنها لم ترد في منع الأسر مطلقا، وإما جاءت في الحث على القتال، وأنه ماكان ينبغي أن يكون للمسلمين أسرى قبل الإِثخان في الأرض، أي المبالغة في قتل الكفار(٣). الحكمة من مشروعية الأسر: ٧ - هي کسر شوكة العدو، ودفع شره، وإبعاده عن ساحة القتال، لمنع فاعليته وأذاه، وليمكن افتكاك أسرى المسلمين به . (٤) من يجوز أسرهم ومن لا يجوز : ٨ - يجوز أسر كل من وقع في يد المسلمين من الحربيين، صبيا كان أوشابا أو شيخا أو امرأة، الأصحاء منهم والمرضى، إلا من لا يخشى من تركه ضرر وتعذر نقله، فإنه لا يجوز أسره على تفصيل بين المذاهب في ذلك. فمذهب الحنفية والحنابلة، وهو مقابل الأظهر عند الشافعية: أنه لا یؤسر من لا ضررمنهم، ولا فائدة في أسرهم، كالشيخ الفاني والزَّمِنِ والأعمى (١) سورة محمد/ ٤ (٢) سورة الأنفال / ٦٧ (٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٤٧/٨ و٧٢ و ٢٢٦/١٦ ط دار الكتب المصرية . (٤) المبسوط السرخسي ٦٤/١٠ مطبعة السعادة بالقاهرة، والمهذب ٣٣/٢ ط عيسى الحلبي، والمغني ٤٠٣/١٠ الطبعة الأولى مطبعة المنار، والإِنصاف ٤/ ١٢٩ طبعة أولى. والراهب إذا كانوا ممن لا رأي لهم. (١). ونص المالكية على أن كل من لا يقتل يجوز أسره، إلا الراهب والراهبة إذا لم يكن لهما رأي فإِنهما لا يؤسران، وأما غيرهما من المعتوه والشيخ الفاني والزمن والأعمى فإِنهم-وإن حرم قتلهم يجوز أسرهم، ويجوز تركهم من غير قتل ومن غير أسر. (٢) وذهب الشافعية في الأظهر إلى أنه يجوز أسر الجميع دون استثناء. (٣) ٩ - ولا يجوز أسر أحد من دار الكفر إذا كان بين المسلمين وبينها عهد موادعة، لأن عقد الموادعة أفاد الأمان، وبالأمان لا تصير الدار مستباحة، وحتی لو خرج قوم من الموادعین إلى بلدة أخری لیس بينهم وبين المسلمين موادعة، فغزا المسلمون تلك البلدة، فهؤلاء آمنون، لا سبيل لأحد عليهم، (١) المغني والشرح الكبير ١٠/ ٤٠٤، ٤٠٩ ط أولى مطبعة المنار ١٣٤٨ هـ، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإِمام أحمد ١٣٣/٤ ط أولى ١٣٧٥هـ، وبدائع الصنائع ١٠٢/٧، ١١٩ ط أولى ١٣٢٨ هـ، والمبسوط ٢٤/١٠، ٦٤، ١٣٧ ط مطبعة السعادة بمصر، والهداية والفتح ٤/ ٢٩٠، ٢٩٢، ٣٠٥ ط أولى بولاق بمصر ١٣١٦ هـ، وتبيين الحقائق ٢٤٤/٣، ٢٤٥ ط أولى بولاق ١٣١٣ هـ، وحاشية ابن عابدين ٢٢٤/٣، والسير الكبير لمحمد بن الحسن ٢٦١/٢، ٢٨٤/٣ (٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢/ ١٧٧ ط دار الفكر، والتاج والإكليل للمواق ٣/ ٣٥١ ط دار الكتاب اللبناني، وبداية المجتهد لابن رشد ٣٨٢/١، ٣٨٤ ط مصطفى الحلبي ١٣٧٩هـ (٣) نهاية المحتاج ٨/ ٦١ ط مصطفى الحلبي ١٣٥٧هـ، والمهذب ٢٣٣/٢ ط عيسى الحلبي، وحاشية الجمل على شرح المنهج ١٩٤/٥ ط دار إحياء التراث العربي، وتحفة المحتاج بشرح المنهاج لابن حجر الهيثمي وحاشية الشرواني ٣٣/٨ ط أولى، والوجيز ١٨٩/٢ ط ١٣١٧ هـ بمصر. - ١٩٦ - 1 أسرى ١٠ - ١٢ لأن عقد الموادعة أفاد الأمان لهم، فلا ينتقض بالخروج إلى موضع آخر. وكذا لودخل في دار الموادعة رجل من غیر دارهم بأمان، ثم خرج إلى دار الإِسلام بغير أمان، فهو آمن لا يجوز أسره، لأنه لما دخل دار الموادعین بأمانهم صار کواحد منهم. ومثله مالووجد الحربي بدار الإِسلام بأمان فإنه لا يجوز أسره، وما لو أخذ الحربي الأمان من المسلمين وهو في حصن الحربيين. (١) الأسير في ید آسره ومدی سلطانه عليه : ١٠ - الأسير في ذمة آسره لا يد له عليه، ولا حق له في التصرف فيه، إذ الحق للتصرف فيه موكول للإِمام، وعليه بعد الأسر أن يقوده إلى الأمير ليقضي فیه بما یری، وللآسر أن يشد وثاقه(٢) إِن خاف انفلاته، أو لم یأمن شره، کما يجوز عصب عينيه أثناء نقله لمنعه من الهرب . فمن حق المسلم أن يمنع الأسير من الهرب، وإذا لم يجد فرصة لمنعه إلا قتله فلا بأس، وقد فعل هذا غير واحد من الصحابة . (٣) ١١ - وجمهور الفقهاء (٤) على أن الأسير إذا صارفي (١) البدائع ١٠٩/٧، وشرح السير الكبير ٣٦٦/١، ٣٦٩ ط مطبعة مصر سنة ١٩٥٧ م (٢) الأم للشافعي ٨/ ٤٤٩ ط شركة الطباعة الفنية بمصر، والمبسوط ٢٥/١٠ (٣) السير الكبير ١٣٢٨/٣، والمغني ٤٠٧/١٠ (٤) شرح السير الكبير ٦٥١/٢، ٦٩٠ وما بعدهما، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١٨٧/٢، والمهذب ٢٣٨/٢، والإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ١٤/٥ مطبعة صبيح سنة ١٣٨٤هـ، والمغني ٤٢٣/١٠ ط أولى المنار. يد الإِمام فلا استحقاق للآسر فيه إلا بتنفیل الإِمام، لا بنفس الأسر، وذلك بأن ينادي في العسکر: من أصاب منکم أسیرا فهو له، فإِن قال ذلك فأعتق الرجل أسيره فإنه ينفذ عتقه. ولو أصاب ذا رحم محرم منه عتق، لأنه إذا ثبت الاستحقاق لهم بالإِصابة صار الأسير مملوكا لآسره واحدا أو جماعة. بل قالوا: لوقال الأمير: من قتل قتیلا فله سلبه. فأسر العسکر بعض الأسرى، ثم قتل أحد الأسراء رجلا من العدو، كان السلب من الغنيمة، إن لم يقسم الأمير الأسراء، وإن كان قسمهم أو باعهم فالسلب لمولى الأسير القاتل. وقد فرق المالكية بين من أسر أسيرا أثناء القتال مستندا إلى قوة الجيش، وبين من أسر أسيرا من غير حرب، وقالوا: إن كان الآسرمن الجيش، أو مستندا له خُمس كسائر الغنيمة، وإلا اختص به الآسر. حكم قتل الآسر أسيره : ١٢ - ليس لواحد من الغزاة أن يقتل أسيره بنفسه، إذ الأمر فيه بعد الأسر مفوض للإِمام، فلا يحل القتل إلا برأي الإِمام اتفاقا، إلا إذا خیف ضرره، فحينئذ يجوز قتله قبل أن يؤتى به إلى الإِمام، وليس لغير من أسره قتله، (٢٣) لحديث جابر أن النبي وَل﴿ قال: ((لا يتعاطى أحدكم أسير صاحبه فیقتله» . (٢) (١) المبسوط ٦٤/١٠، وبداية المجتهد ٣٩٣/١ ط ١٣٨٦هـ، والمغني ٤٠٧/١٠ (٢) حديث (( لا يتعاطى أحدكم أسير صاحبه فيقتله)). أورده السرخسي في المبسوط من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعا، ولم= - ١٩٧ - أسرى ١٢ - ١٣ فلو قتل رجل من المسلمین أسيراً في دار الحرب أو في دار الإِسلام، فالحنفية يفرقون بین ما إذا كان قبل القسمة أوبعدها، فإِن كان قبل القسمة فلا شيء فيه من دية أو کفارة أو قیمة، لأن دمه غیر معصوم، إذ للإمام فيه خيرة القتل، ومع هذا فهو مكروه. وإن كان بعد القسمة، أو بعد البيع فیراعی فیه حكم القتل، لأن دمه صار معصوما، فكان مضمونا بالقتل، إلا أنه لا يجب القصاص لقيام الشبهة(١). ولم يفرقوا في ذلك بین ما إذا كان هو الآسر أو غيره كما يفيده الإطلاق. والمالكية يتجهون وجهة الحنفية من ناحية الضمان، غير أنهم جعلوا التفرقة فيما إذا كان القتل في دار الحرب قبل أن يصير في المغنم، أو بعد أن صار مغنما، وینصون على أن من قتل من نهي عن قتله، فإن قتله في دار الحرب قبل أن يصير في المغنم فليستغفر الله، وإن قتله بعد أن صار مغنما فعليه قیمته. (٢) والشافعية أيضا يلزمون القاتل بالضمان، فإذا کان بعد اختيار رقه ضمن قيمته، وكان في الغنيمة. وإذا كان بعد المنّ عليه لزمه ديته لورثته. وإن قتله = نعثر علیه فیما لدينا من مراجع السنن والآثار برواية جابر، وإنما أخرجه أحمد بن حنبل والطبراني من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه مرفوعا بلفظ ((لا يتعاطى أحدكم من أسير أخيه فيقتله» قال الهيثمي: وفيه إسحاق بن ثعلبة وهو ضعيف (مسند أحمد بن حنبل ١٨/٥ ط المیمنیة، ومجمع الزوائد ٣٣٣/٥ نشر مكتبة القدسي، والمبسوط السرخسي ٩/ ٦٤ ط مطبعة السعادة، والفتح الرباني ١٤/ ١٠٤، ١٠٥ الطبعة الأولى ١٣٧٠هـ). (١) البدائع ١٢١/٧ ط الجمالية، والمبسوط ٦٤/١٠، ١٣٧، وفتح القدير ٤/ ٣٠٥، والسير الكبير ١٢٠٧/٣ (٢) شرح منح الجليل على مختصر خليل ٧١٢/١، والتاج والإكليل ٣٥٨/٣، وحاشية الدسوقي ١٨٤/٢ بعد الفداء فعلیه دیته غنیمة، إن لم یکن قبض الإِمام الفداء، وإلا فدیته لورثته. وإن قتله بعد اختيار الإِمام قَتْله فلا شيء عليه، وإن كان قبله عزر.(١) وعند الحنابلة : إن قتل أسیره أو أسیر غيره قبل الذهاب للإِمام أساء، ولم يلزمه ضمانه. (٢) معاملة الأسير قبل نقله لدار الإِسلام : ١٣ - مبادىء الإِسلام تدعو إلى الرفق بالأسرى، وتوفير الطعام والشراب والكساء لهم، واحترام آدميتهم، لقوله تعالى (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا)، (٣) وروي أن النبي ◌َ ﴿ قال لأصحابه في أسرى بني قريظة بعدما احترق النهار في يوم صائف: (٤) ((أحسنوا إسارهم، وقّيلوهم، (٥) واسقوهم))(٦) وقال: ((لا تجمعوا عليهم حر هذا اليوم وحر السلاح ... ))(٧) وقال الفقهاء: إن رأى (١) حاشية الجمل على شرح المنهج ١٩٧/٥ ط الميمنية بمصر ١٣٠٥هـ، وأسنى المطالب ١٩٣/٤ ط الميمنية ١٣١٣هـ، والمهذب ٢٣٦/٢، وفتح الوهاب ١٧٣/٢، وشرح البهجة ١٢١/٥، والإقناع ٧/٥ (٢) المغني ١٠/ ٤٠٠، ٤٠١، والإنصاف ١٢٨/٤، ومطالب أولي النہی ٥٢٢/٢ (٣) سورة الإنسان/٨ (٤) يوم صائف : أي يوم من أيام الصيف اشتدت فيه الحرارة (٥) قيلوهم : أي أريحوهم بالقيلولة، وهي راحة نصف النهار عند حر الشمس. (٦) إمتاع الأسماع ٢٤٨/١ ط لجنة التأليف والترجمة والنشر ١٩٤١م (٧) شرح السير الكبير ٣/ ١٠٢٩ مطبعة مصر ١٩٦٠م. وحديث ((لا تجمعوا عليهم حر هذا اليوم ... )) أورده الإمام محمد بن الحسن الشيباني في السير الكبير بلفظ: قال عليه السلام في بني قريظة بعدما احترق النهار في يوم صائف: «لا تجمعوا عليهم حر هذا اليوم وحر السلاح، قيلوهم حتى يبردوا)) ولم يذكر= - ١٩٨ - أسرى ١٤ - ١٥ الإِمام قتل الأسارى فينبغي له ألا يعذبهم بالعطش والجوع، ولكنه يقتلهم قتلا کریما . (١) ويجوز حبس الأسرى في أي مكان، ليؤمن منعهم من الفرار، فقد جاء في الصحيحين أن الرسول واله ((حبس في مسجد المدينة))(٢) التصرف في الأسرى قبل نقلهم لدار الإِسلام : ١٤ - يرى جمهور الفقهاء جواز التصرف في الغنائم - ومنها الأسری في دار الحرب ۔ وقبل نقلهم لدار الإِسلام. قال مالك: الشأن أن تقسم الغنائم وتباع ببلد الحرب، وروى الأوزاعي أن رسول الله والخلفاء لم يقسموا غنيمة قط إلا في دار الشرك، قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: خرجنا مع رسول الله # في غزوة المصطلق، فأصبنا سبيا من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا وأحيبنا العزل، فأردنا العزل وقلنا: نعزل ورسول الله ۶﴾ بین أظهرنا قبل أن نسأله، فسألناه عن ذلك فقال: ((ما عليكم أن لا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة))(٣) فإن سؤالهم = له إسنادا (شرح السير الكبير ١٠٢٩/٣ ط مطبعة شركة الإعلانات الشرقية) (١) المرجع السابق. وانظر التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٣٥٣/٣ (٢) فتح الباري ١ / ٥٥٥ ط السلفية ، وصحيح مسلم بشرح النووي ٨٧/١٢ (٣) حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ((خرجنا مع رسول الله في غزوة المصطلق ... )) أخرجه البخاري واللفظ له ومسلم (فتح الباري ٤٢٨/٧، ٤٢٩ ط السلفية، وصحيح مسلم بشرح النووي ٩/١٠، ١٠ ط المطبعة المصرية بالأزهر) النبي ◌ّ عن العزل في وطء السبايا دليل على أن قسمة الغنائم قد تمت في دار الحرب، ولما في ذلك من تعجيل مسرة الغانمين وغيظ الكافرين، ويكره تأخيره لبلد الإِسلام، وهذا إذا كان الغانمون جیشا وأمنوا من کر العدو علیھم.(١) وقد نص الشافعية على أن للغانمين التملك قبل القسمة لفظا، بأن يقول كل بعد الحيازة، وقبل القسمة: اخترت ملك نصيبي، فتملك بذلك. وقيل: يملكون بمجرد الحيازة، لزوال ملك الكفار بالاستيلاء. وقيل: الملك موقوف. والمراد عند من قال يملكون بمجرد الحيازة: الاختصاص، أي يختصون. (٢) وصرح الحنابلة بجواز قسمة الغنائم في دار الحرب، وهو قول الأوزاعي وابن المنذر وأبي ثور لفعل الرسول *، ولأن الملك ثبت فيها بالقهر والاستيلاء. (٣) ١٥ ۔ وعند الحنفية لا تقسم الغنائم إلا في دار الإِسلام، لأن الملك لا يتم عليها إلا بالاستيلاء التام، ولا يحصل إلا بإحرازها في دار الإِسلام، لأن سبب ثبوت الحق القهر، وهو موجود من وجه دون وجه، لأنهم قاهرون یدا مقهورون دارا، فلا ينبغي للإِمام ان یقسم الغنائم ۔ ومنها الأسری - أو يبيعها حتى يخرجها إلى دار الإِسلام، خشية تقليل الرغبة في لحوق المدد بالجيش، وتعرض المسلمين لوقوع (١) التاج والإكليل ٣٧٥/٣، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١٩٤/٢ ط دار الفكر (٢) نهاية المحتاج ٧٣/٨ ط مصطفى الحلبي ١٣٥٧ هـ (٣) المغني ٤٦٦/١٠ - ١٩٩ - : ٠ أسرى ١٦ - ١٧ الدبرة علیهم، بأن يتفرقوا ويستقل كل واحد منهم بحمل نصيبه. ومع هذا فقالوا: وإن قسم الإِمام الغنائم في دار الحرب جاز، لأنه أمضى فصلا مختلفا فيه بالاجتهاد. (١) وقد روي أن الرسول ﴾ أُخر قسمة غنائم حنين حتى انصرف إلى الجعرانه. (٢) تأمين الأسير : ١٦ - يتفق الفقهاء على أنه يحق للإِمام إعطاء الأمان للأسير بعد الاستيلاء عليه، لأن عمر لما قدم علیه بالهرمزان أسیرا قال: ((لا بأس عليك، ثم أراد قتله، فقال له أنس: قد أمنته فلا سبيل لك عليه، وشهد الزبير بذلك)) فعدوه أمانا، (٣) ولأن للإِمام أن يمن عليه، والأمان دون المن، ولا ينبغي للإمام أن يتصرف على حكم التمني والتشهي دون مصلحة المسلمين، فما عقده أمير الجيش من الأمان (١) شرح السير الكبير ١٠٠٥/٣، ١٠١١، والمغني ١٠ / ٤٦٦ واللجنة ترى أن هذا مفوض إلى رأي القائد يجري فيه على حسب ما يرى فيه المصلحة . (٢) حدیث تأخير قسمة الغنائم یفهم مما أخرجه البخاري من حدیث أبي موسى رضي الله عنه أنه قال: ((كنت عند النبي ﴿ وهو نازل بالجعرانة - بين مكة والمدينة - ومعه بلال، فأتى النبي ◌َّر أعرابي فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟ فقال له: أبشر فقال: قد أكثرت علي من أبشر، فأقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان فقال: رد البشرى، فاقبلا أنتما، قالا: قبلنا، ثم دعا بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه، ومج فيه، ثم قال: اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما، وأبشرا، فأخذا القدح ففعلا، فنادت أم سلمة من وراء الستر: أن أفضلا لأمكما، فأفضلا لها منه طائفة)) (فتح الباري ٤٦/٨ ط السلفية، وكتاب الخراج لأبي يوسف ص ١٩٦). (٣) الأثر عن عمر رضي الله عنه أخرجه البيهقي مطولا، وأورده ابن حجر في التلخيص وسكت عنه (السنن الكبرى للبيهقي ٩/ ٩٦ ط دائرة المعارف العثمانية بالهند، والتلخيص الحبير ٤/ ١٢٠) جاز ولزم الوفاء به، وأما آحاد الرعية فليس لهم ذلك، لأن أمر الأسير مفوض إلى الإِمام، فلم يجز الافتیات علیه فيما يمنع ذلك كقتله. وذكر أبو الخطاب أنه يصح أمان آحاد الرعية، لأن زينب بنت الرسول أجارت زوجها أبا العاص بن الربيع بعد أسره، فأجاز النبي (وَ لّ أمانها.(١) وتفصيل ذلك في مصطلح (أمان). حكم الإِمام في الأسرى : (٢) ١٧ - يرجع الأمر في أسرى الحربيين إلى الإِمام، أو من ينيبه عنه . وجعل جمهور الفقهاء مصائر الأسرى بعد ذلك، وقبل إجراء قسمة الغنائم بين الغانمين، في أحد أمور: فقد نص الشافعية والحنابلة على تخيير الإِمام في (١) حديث ((أن زينب بنت الرسول ﴿ أجارت زوجها)). أخرجه ابن إسحاق مطولا بلا إسناد، وأورده ابن كثير في البداية والنهاية، ولم يعزه إلى مصدر آخر، وأخرجه ابن جرير الطبري من طريق ابن إسحاق من حديث يزيد بن رومان مرسلا (البداية والنهاية ٣٣٢/٣ ط مطبعة السعادة، والسيرة النبوية لابن هشام ٣١٢/٢، ٣١٣ ط مصطفى الحلبي ١٣٥٥ هـ وتاريخ الطبري بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ٢/ ٤٧١ نشر دار سويدان ببيروت). انظر المغني ٤٣٤/١٠، والسير الكبير ٢٥٣/١، ٢٦٣، والبحر الرائق ٨٨/٥، والتاج والإكليل ٣/ ٣٦٠، والمهذب ٢٣٦/٢ (٢) جعلت الشريعة للإِمام حق استرقاق الأسرى، وتصرفه في ذلك منوط بالمصحلة، وحيث أن هناك اتفاقا دوليا بمنع الاسترقاق، فإن هذا لا يناقض الشريعة، ولا ينافي أن هذا من حق الإِمام، لأن الشريعة في كثير من نصوصها تحث على فك الرقاب، فلا ينبغي للإِمام الآن أن يلجأ إلى الاسترقاق إلا على سبيل المعاملة بالمثل. - ٢٠٠ - i .