النص المفهرس

صفحات 141-160

استياك ١٢ - ١٤
مباركة، تطيب الفم وتذهب الحفر(١) وهو سواكي
وسواك الأنبياء قبلي)). (٢)
الرابع : ثم بما له رائحة ذكية ولا يضر. (٣) قال
الحنفية والشافعية والمالكية: يستاك بقضبان
الأشجار الناعمة التي لا تضر، ولها رائحة طيبة
تزيل القلح كالقتادة والسعد. (٤)
وقال الحنابلة: يكره بكل ذي رائحة ذكية، ولم
يقيدوه بالضرر. ومثلوا له بالريحان والرمان. (٥)
ما يحظر الاستياك به أو یکره:
١٢ - يكره الاستياك بكل عود يدمي مثل الطرفاء
والآس، أو يحدث ضررا أو مرضا مثل الريحان
والرمان، لما روى الحارث في مسنده عن ضمير بن
حبيب قال ((نهى رسول الله رضي الله عن السواك بعود
الريحان وقال: إنه يحرك عرق الجذام))(٦)
(١) الحفر: مرض تفسد منه أصول الأسنان أو صفرة تعلوها. وقال
شمر: الحفر صفرة تحفر أصول الأسنان بين اللثة وأصل السن من
ظاهر وباطن يلح على العظم حتى ينقشر (لسان العرب).
(٢) الفتوحات ٢٥٧/٣، والجمل ١١٨/١، وابن عابدين
١٠٧/١، والشرح الصغير ١٢٤/١
(٣) واللجنة ترى أن مما يؤدي الغرض من السواك التسوك بالفرشة إذا
كانت من نوع جيد ينظف ولا يؤذي.
(٤) الجمل ١١٨/١، وشرح الإحياء ٢/ ٣٥٠، والشرح الصغير
١٢٤/١، وابن عابدين ١٠٧/١
(٥) وهما يكرهان عند غيرهما كذلك، ولكن للنص والضرر، ولم
يسحبوا حكمهما على كل ذي رائحة طيبة كما فعل الحنابلة.
الإنصاف ١١٩/١، والمغني ٧٩/١
(٦) الإِنصاف ١/ ١١٩، وابن عابدين ١٠٦/١، والجمل ١١٨/١،
وشرح الإِحياء ٢/ ٣٥٠، والفروع ٥٧/١، ٥٨
وروى الحارث في مسنده عن ضمير بن حبيب قال: ((نهى
رسول الله﴿ عن السواك بعود الريحان وقال: إنه يحرك عرق
الجذام)). الحديث مرسل وضعيف أيضا. (تلخيص الحبير
٧٢/١)
ويعرف ذلك أهل الطب، نصوا على ذلك
فقالوا: يكره كل ما يقول الأطباء إن فيه فسادا. (١)
ويحرم الاستياك بالأعواد السامة لإِهلاكها أو
شدة ضررها. وهذا لا يعلم فيه خلاف بين
العلماء.
وفي حصول السنة بالاستياك بالمحظور قولان
للشافعية :
الأول : إنه محصّل للسنة، لأن الكراهة والحرمة
الأمر خارج، وحملوا الطهارة على الطهارة اللغوية
(أي النظافة).
الثاني ، وهو المعتمد عندهم: لا تحصل به
السنة، لقوله وَلجر: ((السواك مطهرة للفم)). وهذا
منجس بجرحه اللثة وخروج الدم، لخشونته. (٢)
صفات السواك :
١٣ - يسحب أن يكون الاستياك بعود متوسط في
غلظ الخنصر، خال من العقد، لا رطبا يلتوي،
لأنه لا يزيل القلح (وسخ الأسنان) ولا يابسا يجرح
اللثة، ولا يتفتت في الفم، والمراد أن يكون لينا، لا
غاية في النعومة، ولا في الخشونة . (٣)
السواك بغير عود :
١٤ - أجاز بعض الفقهاء الاستياك بغير عود، مثل
(١) مواهب الجليل ١/ ٢٦٥
(٢) الفتوحات الربانية ٣/ ٢٥٧، والجمل ١١٧/١.
والحديث سبق تخريجه في فقرة (٣).
(٣) ابن عابدين ١٠٦/١، ١٠٧، ومواهب الجليل ١/ ٢٦٥ س
٣٢، وشرح الإِحياء ١/ ٣٥٠، والإنصاف ١١٩/١، والمجموع
٢٨١/١، والمغني ٩٦/١ط. الرياض.
- ١٤١ -

استياك ١٤ - ١٥
الغاسول والأصبع، واعتبروه محصلا للسنة، ونفاه
اخرون ولم يعتبروه.
والمسألة في الغاسول (الأشنان) على رأيين:
فالحنفية، والشافعية : أجازوا استعمال
الغاسول في الاستياك، وقالوا: إنه محصل للمقصود
ومزيل للقلح، ويتأدى به أصل السنة، وأجاز
الحنفية العلك للمرأة بدل السواك.
أما المالكية، والحنابلة فقالوا: لواستعمل
الغاسول عوضا عن العيدان لم يأت بالسنة. (١)
أما الاستياك بالأصبع ففيه ثلاثة أقوال:
الأول : تجزىء الأصبع في الاستياك مطلقا، في
رأي لكل من المالكية والشافعية والحنابلة، لما روي
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه توضأ
فأدخل بعض أصابعه في فيه ... وقال: ((هكذا
كان وضوء نبي الله (َ﴾)).
الثاني : تجزىء الأصبع عند عدم وجود غيرها،
وهو مذهب الحنفية، وهو رأي آخر لكل من المالكية
(١) شرح المنهج على هامش الجمل لزكريا الأنصاري ١١٨/١،
وابن عابدين ١٠٧/١ط الثالثة، ونهاية المحتاج ١٦٤/١،
والخطاب ٢٦٦/١، ومنتهى الإرادات ١٥/١
(٢) حديث علي رضي الله عنه أخرجه أحمد مطولا . قال البنا
الساعاتي الحديث لم أقف عليه في غير المسند. وإسناده جيد
وأخرج أبو داود والنسائي والترمذي حديث علي رضي الله عنه في
صفة وضوء النبي # ولا توجد فيه عبارة «فأدخل بعض أصابعه
في فيه» بمختلف رواياته. (الفتح الرباني ٢/ ١١،١٠ ط مطبعة
الإخوان المسلمين الطبعة الأولى، نيل الأوطار ١/ ١٣٠ ط١
مطبعة ، الجيل، وجامع الأصول ٧/ ١٤٩ نشر مكتبة الحلواني،
والتحفة ١٦٣/١ - ١٦٦ نشر المكتبة السلفية، ومختصر سنن أبي
داود للمنذري ١/ ٩١ وما بعدها نشر دار المعرفة، وسنن النسائي
بشرح السيوطي ٦٩/١، ٧٠ نشر المكتبة التجارية الكبرى).
والشافعية، لما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه أن
رجلا من بني عمروبن عوف قال: يا رسول الله
إنك رغبتنا في السواك، فهل دون ذلك من شيء
قال: ((أصبعيك سواك عند وضوئك، أمرهما على
أسنانك)). (١)
الثالث : لا تجزىء الأصبع في الاستياك. وهو
رأي ثالث للشافعية، والرأي الآخر للحنابلة،
وعللوا ذلك بأن الشرع لم يرد به ولا يحصل الإِنقاء
به حصوله بالعود . (٢)
كيفية الاستياك :
١٥ - يندب إمساك السواك باليمنى، لأنه المنقول
عن النبي ﴾﴾ فیما اتفق عليه من حديث عائشة
رضوان الله عليها قالت: ((كان النبي ◌ُّ﴾ يعجبه
التيامن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله))
وفي رواية ((وسواكه))، ثم يجعل الخنصر أسفل
السواك والأصابع فوقه، کما رواه ابن مسعود عن
(١) ابن عابدين ١٠٧/١، والشرح الصغير ١٢٤/١ ط دار المعرف،
والأذكار مع الفتوحات ٢٥٨/١، والمغني مع الشرح الكبير
٧٩/١ط الثالثة.
وروى ابن عدي والدار قطني والبيهقي من حديث عبدالله بن
المثنى عن النضر بن أنس مرفوعا «بلفظ يجزىء من السواك
الأصابع)). قال الحافظ: وفي إسناده نظر. وقال الضياء
المقدسي: لا أرى بسنده بأسا، وقال البيهقي: المحفوظ عن
بعض أهل بيته عن أنس نحوه، ورواه أبو نعيم والطبراني
وابن عدي من حديث عائشة وفيه المثنى بن الصباح، ورواه
أبو نعيم أیضا من حدیث کثیر بن عبدالله بن عمر بن عوف عن
أبيه عن جده، وكثير ضعفوه (نيل الأوطار ١/ ١٣٠ط دار الجيل
١٩٧٣م، وتلخيص الحبير ١/ ٧٠ط شركة الطباعة الفنية).
(٢) ابن عابدين ١٠٧/١، والمجموع ٢٨٢/١، والدسوقي مع
الشرح الكبير ١٠٢/١
- ١٤٢ -

!
:
:
استياك ١٥ - ١٧
رسول الله وَل﴾. ويبدأ من الجانب الأيمن ويمر به
عرضا أي عرض الأسنان، لأن استعماله طولا قد
يجرح اللثة، لما روي عن رسول الله صلفي أنه قال:
((استاكوا عرضا وادّهِنوا غبا)) أي يوما بعد يوم
«واکتحلوا وترا)). (١)
ثم يمربه على أطراف الأسنان العليا والسفلى
ظهرا وبطنا، ثم على كراسي الأضراس، ثم على
اللثة واللسان وسقف الحلق بلطف.
ومن لا أسنان له يستاك على اللثة واللسان
وسقف الحلق، لأن السواك وإن كان معقول المعنى
إلا أنه ما عرى عن معنى التعبد، ولیحصل له
ثواب السنة .
وهذه الكيفية لا يعلم فيها خلاف. (٢)
آداب السواك :
١٦ - ذكر الفقهاء آدابا للمستاك يستحب اتباعها،
منها :
أ - يستحب ألّ يستاك بحضرة الجماعة، لأنه
ينافي المروءة، ويتجنب الاستياك في المسجد، وفي
المجالس الحافلة خلافا لابن دقيق العيد. (٣)
(١) الخطاب ٢٦٥/١ - ٢٦٦، وغاية المنتهى ١٩/١، والمقنع مع
الحاشية ٣٣/١، والنووي ٢٨١/١، وابن عابدين ١٠٦/١،
ومواهب الجليل للحطاب ٢٦٥/١، والخرشي ١٣٩/١،
والجمل ١١٨/١
والحديث ضعيف وهو من مراسيل أبي داود. ضعفه
ابن حجر في تلخيص الحبير ٦٥/١ والنووي في المجموع
٢٨٠/١
(٢) إعانة الطالبين ٤٤/١ - ٤٥، وحاشية الشرواني على التحفة
٢٢٤/١، والمغني ٩٦/١ ط السرياض، والإنصاف ١٩/١،
والجوهرة النيرة شرح القدوري ٦/١ط الآستانة.
(٣) شرح الخطاب على خليل ٢٦٦/١، والمجموع ٢٨٣/١
ب - ويستحب أن يغسل سواكه بعد الاستياك
لتخليصه مما علق به، لحديث عائشة ((كان النبي
** يستاك، فيعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به
فأستاك، ثم أغسله وأدفعه إلیه»(١) كما يسن غسله
للاستياك به مرة أخرى.
جـ - ويستحب حفظ السواك بعيدا عما
یستقذر. (٢)
تكرار الاستياك، وبيان أکثره وأقله:
١٧ - اتفق الفقهاء على تكرار الاستياك حتى يزول
القلح، ويطمئن على زوال الرائحة(٣) إذا لم يزل
إلا بالتكرار، لما روي عن رسول الله صل﴾ أنه قال:
((إني لأستاك حتى لقد خشيت أن أحفي مقادم
فمي)). (٤) واختلفوا في أقله على ثلاثة آراء:
(1) أن يمر السواك على أسنانه ثلاث مرات.
وهو المستحب عند الحنفية، والأكمل عند الشافعية
للسنة في التثليث، وليطمئن القلب بزوال الرائحة
واصفرار السن.
(١) حديث: ((كان النبي ﴿ يستاك فيعطيني ... )) أخرجه أبو داود
٤٥/١ط السعادة من حديث عائشة رضي الله عنها بإسناد جيد،
وسکت عنه المنذري، وقال النووي: حديث حسن رواه أبو داود
بإسناد جيد. وقال محقق جامع الأصول: وإسناده حسن (مختصر
سنن أبي داود للمنذري ١/ ٤١ نشر دار المعرفة ١٤٠٠ هـ،
وجامع الأصول في أحاديث الرسول بتحقيق عبدالقادر الأرناؤوط
٧٩/٧، ١٨٠ نشر مكتبة الحلواني ١٣٩١ هـ، والمجموع
٢٨٣/١ المطبعة العربية بمصر).
(٢) ابن عابدين ١٠٧/١، والجمل ١١٨/١
(٣) ابن عابدين ١٠٦/١، والجمل ١١٧/١، والخطاب ٢٦٦/١،
والمغني ٧٩/١، وحاشية كانون على الرهوني ١٤٨/١
(٤) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة باب السواك رقم (٢٨٩) قال
في الزوائد: إسناده ضعيف. (كنز العمال ٣١٣/٣)
- ١٤٣ -

استياك ١٨، استيام، استيداع، استيطان، استيعاب ١ _ ٢
(٢) يكفي مرة واحدة إذا حصل بها الإِنقاء، وهو
رأي للشافعية، وتحصل السنة الكاملة بالنية.
(٣) لا حد لأقله، والمراد هوزوال الرائحة، فما
زالت به الرائحة حصلت به السنة، وهورواية
للحنفية وقول المالكية، والحنابلة.(١)
إدماء السواك للفم :
١٨ - إذا عرف أن من عادته إدماء السواك لفمه
استاك بلطف، فإِن أدمی بعد ذلك، كان الحكم
على حالتين:
الأولى : إن لم يجد ماء وضاق الوقت عن الصلاة
حرم الاستیاك خشية تنجیس فمه .
الثانية : إن وجد الماء واتسع الوقت قبل الصلاة
لم يندب، بل يجوز لما فيه من المشقة والحرج. (٢)
استيام
انظر : سوم
استيداع
انظر : وديعة
(١) حاشية المدني على الرهوني ١/ ١٤٨، وابن عابدين ١٠٦/١،
والمغني ٧٩/١، والجمل ١١٧/١
(٢) حاشية الشرواني على التحفة ٢٢٨/١
استيطان
انظر : وطن
استيعاب
التعريف :
١ - الاستيعاب في اللغة : الشمول والاستقصاء
والاستئصال في كل شيء. يقال في الأنف أوعب
جدعه: إذا قطعه كله ولم يبق منه شيئا . (١)
والفقهاء يستعملون الاستيعاب بهذا المعنى.
فيقولون: استيعاب العضو بالمسح أو الغسل،
ويعنون به شمول المسح أو الغسل كل، جزء من
أجزاء العضو.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الإِسباغ :
٢ - الإِسباغ هو: الإِتمام والإِكمال. (٢) يقال: أسبغ
الوضوء إذا عم بالماء جميع الأعضاء بحيث يجري
عليها، (٣) فالإِسباغ والاستيعاب متقاربان.
(١) تاج العروس مادة (وعب)
(٢) المصباح المنير مادة (سبغ)
(٣) المغني ١/ ٢٢٤ ط المنار الثالثة.
- ١٤٤ _

استيعاب ٣ - ٧
ب - الاستغراق :
٣ - الاستغراق هو: الشمول لجميع الأفراد دفعة
واحدة، (١) فالفرق بينه وبين الاستيعاب أن
الاستغراق لا يستعمل إلا فيما له أفراد بخلاف
الاستيعاب.
الحكم الإِجمالي ومواطن البحث :
يختلف الحكم التكليفي للاستيعاب حسب
مواطنه المختلفة في العبادات وغيرها.
أ - الاستيعاب الواجب :
٤ - حيثما كان غسل اليدين أو الاعضاء في
الطهارة واجبا كان الاستيعاب واجبا فيه أيضا، (٢)
بخلاف ما وجب مسحه کالرأس فلا يجب استيعابه
على خلاف في ذلك.
ومن الواجب استیعاب الأوقات التي لا تسع من
الأعمال غير ما عُينٌّ لها كالصوم يستوعب جميع
الشهر وجميع النهار، وكمن نذر الاشتغال بالقرآن
وعين كل ما بين المغرب والعشاء، يجب عليه
استيعاب ذلك الوقت.
واستيعاب النية للعبادة، فلا يصح إخلاء جزء
منها من النية، لذلك وجب أن يقترن أول العبادة
بالنية، ثم لا تنقطع إلى آخر العمل، فإن انقطعت
فسدت العبادة على خلاف وتفصيل بين الفقهاء
يرجع إليه في مصطلح (نية).
(١) تعريفات الجرجاني ص ١٨ ط مصطفى الحلبي .
(٢) مراقي الفلاح ص ٢٤ ط العثمانية، والمغني ١/ ٢٢٤ ط المنار،
وأسنى المطالب شرح روض الطالب ١/ ٣٠ ط المكتب
الإسلامي، والدسوقي على الشرح الكبير ١/ ٩٩ ط دار الفكر،
وإرشاد الفحول ص ١١٣
ويستثنى من ذلك الحج والعمرة حيث لا
يفسدهما انقطاع النية .(١)
واستيعاب النصاب كل الحول مختلف فيه،
فبعضهم يرى اشتراطه لوجوب الزكاة وبعضهم
يكتفى في ذلك بتمامه في طرفي الحول. (٢) انظر
(زكاة).
ب - الاستيعاب المندوب :
٥ ۔منه استیعاب الرأس بالمسح، فهومندوب عند
الحنفية، والشافعية، وهو رواية عن أحمد، وواجب
عند المالكية، ورواية أخری عن أحمد. (٣) وتفصيل
ذلك في (وضوء).
ومنه استيعاب المزكي الأصناف الثمانية في
مصارف الزكاة، والذين قالوا باستحبابه قالوه
خروجا من خلاف الشافعية، والقائلين بوجوبه .
٦ - ومن خطاب الوضع إذا استوعب الإِغماء أو
الجنون يوما كاملا تسقط الصلاة على خلاف(٤)
موطن بيانه في مصطلحات (صلاة)، (إغماء)،
(جنون).
جـ - الاستيعاب المكروه :
٧ - يكره للإِنسان استيعاب جميع ماله بالتبرع أو
الصدقات، وقد فصل الفقهاء ذلك في كتاب
الصدقات . (٥)
(١) قواعد الأحكام العزبن عبد السلام ١/ ١٨١، ١٨٢ ط
الاستقامة و(ر: إحرام ف ١٢٨)
(٢) البدائع ٢/ ٥١، والخرشي ١٥٦/٢، ونهاية المحتاج ٦٣/٣
(٣) مراقي الفلاح ص ٦٥، والمغني ٢٥٥/١، وقليوبي ٤٩/١،
وجواهر الإكليل ١/ ١٤
(٤) ابن عابدين ٥٦٦/١، وقليوبي ٢/ ٦٠، والمغني ١/ ٤٠٠ ط
السعودية .
(٥) المهذب ١٨٣/١
- ١٤٥ -
.

استيفاء ١ - ٥
استيفاء
التعريف :
١ - الاستيفاء : مصدر استوفى، وهو أخذ صاحب
الحق حقه كاملا، دون أن يترك منه شيئا .(١)
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى.
الألفاظ ذات الصلة :
القبض :
٢ - قبض الدین أخذه، وهو كما يكون في الديون
يكون كذلك في الأعيان، فالقبض أعم من
الاستيفاء.
علاقة الاستيفاء بالإِبراء والحوالة :
٣ - من تقسيمات الإِبراء عند الحنفية أنه: إما إبراء
إسقاط، أو إبراء استيفاء، ففى الكفالة لوقال
الدائن للكفيل: برئتَ إليّ من المال، كان إبراءَ
استيفاء لكل من الكفيل والدائن، أما لوقال:
أبرأتك، فإنه يكون إبراء إسقاط، يبرأ به الكفيل
فقط. وتفصيله في مصطلح (إبراء).
وقد اختلف الفقهاء في ترجيح حقيقة الحوالة،
هل هي بيع أو استيفاء؟ قال النووي: والترجيح
مختلف في الفروع بحسب المسائل، لقوة الدليل
وضعفه، ومن أمثلة ذلك: لوخرج المحال عليه
مفلسا، وقد شرط يساره، فالأصح لا رجوع
(١) القاموس ، ولسان العرب مادة (وفى).
للمحال، بناء على أنها استيفاء، ومقابله: له
الرجوع بناء على أنها بيع. (١)
من له حق الاستيفاء :
٤ - يختلف من له حق الاستيفاء باختلاف الحق
المراد استيفاؤه، إذ هو إما حق خالص لله سبحانه
وتعالى، أو حق خالص للعبد، كالدیون، أو حق
مشترك.
وبعض الفقهاء يقسم هذا الحق المشترك إلى
قسمين: ما غلب فيه حق الله كحد السرقة،
وما غلب فیه حق العبد کالقصاص.
والمراد بحق العبد المحض : ما يملك إسقاطه،
على معنى أنه لو أسقطه لسقط، وإلا فما من حق
للعبد إلا وفيه حق لله تعالى، وهو أمره بإيصال
ذلك الحق إلى مستحقه، فيوجد حق لله تعالى
دون حق للعبد، ولا یوجد حق لعبد إلا وفيه حق
لله تعالی .(٢)
استیفاء حقوق الله تعالى
أولا : استيفاء الحدود :
٥ - يجب على ولي الأمر إنفاذ الحدود، ولا يملك
ولي الأمر ولا غيره إسقاطها بعد ثبوتها لديه، والذي
يتولى استيفاءها هوولي الأمر أو من ینیبه، فإن
استوفاها غیره دون إذنه يعزر لافتياته عليه . (٣)
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٥١ - ١٥٢ ط التجارية.
(٢) الفروق ١٤١/١ ط دار إحياء الكتب العربية سنة ١٣٤٤ هـ.
(٣) ابن عابدين ١٤٥/٣، ١٨٧، والمغني ٣٢٦/٨، والفروق
للقرافي ٤/ ١٧٩، وتبصرة الحكام ٢/ ٢٦٠ط الحلبي، والبجيرمي
على ابن قاسم ٢/ ٣٧ ط الحلبي ١٣٤٣ هـ، والأحكام
السلطانية لأبي يعلى ص ٢٤٢ ط الحلبي ١٩٣٨ م، ومغني
المحتاج ٦١/٤ ط الحلبي ١٩٥٨ م.
- ١٤٦ -

استيفاء ٦ - ٨
أ - كيفية استيفاء حد الزنا :
٦ - حد الزنا إما الرجم، وإما الجلد :
وعلى كل فإما أن يكون الزنا قد ثبت بالبينة أو
بالإِقرار، فإن كان قد ثبت بالبينة، فالحنفية
يشترطون أن يحضر الشهود، وأن يبدءوا بالرجم،
فإن امتنعوا سقط الحد.
وغير الحنفية لا يشترطون حضور الشهود، إلا
أن الشافعية والحنابلة يرون حضورهم مستحبا، أما
المالكية فلا يرون حضورهم واجبا ولا مستحبا.
والكل مجمع في هذه الحالة على أنه إن حاول
الهرب لا یمکن من ذلك، بل قال بعضهم بأنه إن
خیف هربه یقید أو يحفر له.
وإن كانت امرأة يحفر لها، أو تربط عليها ثيابها
حتى لا تتكشف.
وأما إن كان قد ثبت بالإِقرار، فهم مجمعون
على أنه إن حاول الهرب لم يتبع، ويوقف التنفيذ،
جلدا كان أورجما، ويعتبر ذلك رجوعا عن إقراره.
وهناك تفصيلات وخلاف في بعض هذه
الأحكام يرجع إليها في مصطلح (حد الزنا).
وإذا كان الحد جلدا فالكل مجمع على نزع
ما يلبسه من حشو أو فرو.
فإن کان رجلا ينزع عنه ثيابه إلا ما يستر
عورته، ثم إن کان المحدود بالجلد مريضا مرضا
يرجى شفاؤه أرجىء التنفيذ إلى أن يبرأ، وإن كان
امرأة حاملا أرجىء الحد مطلقا - رجما أوجلدا -
إلى أن تضع حملها، ويستغني ولدها عن الرضاع
منها.(١)
ب- کیفیة استيفاء حد القذف وحد شرب الخمر:
٧ - سبق ما يتصل بالجلد وحد الزنا، على أنه
ينبغي في الجلد في حد الزنا أن یکون أشد منه في
حد القذف، وأن یکون في حد القذف أشد منه في
حد شرب الخمر.
ويرجع في تفصيل ذلك إلى (حد القذف)
و(حد الخمر). (٢)
هذا ، وللفقهاء تفصيلات في آلة الاستيفاء في
الجلد وملابساته، ترجع إلى تحقيق عدم تعريض
المستوفى منه الحد إلى التلف جزئيا أو كليا،
وتفصيلات ذلك في الحدود. وانظر أيضا مصطلح
(جلد) ،ومصطلح (رجم).
هذا، وقد صرح الفقهاء بأن مبنى إقامة الحدود
على العلانية، وذلك لقوله تعالى : (وَلْيَشْهِدْ
عذابهما طائفة من المؤمنين)(٣) ولكي يحصل الردع
والزجر، فيأمر الإِمام قوما غير من يقيمون الحد
بالحضور. (٤)
جـ - كيفية استيفاء حد السرقة :
٨ - حد السرقة من الحقوق المشتركة كحد القذف،
(١) رد المحتار ١٤٧/٣، والبدائع ٣٩/٧، والزرقاني ٨/ ٨٤،
ونهاية المحتاج ٧/ ٤١٤، والمغني ٩/ ٤٥
(٢) رد المحتار ١٦٢/٣، والمراجع السابقة .
(٣) سورة النور / ٣
(٤) ابن عابدين ٣/ ١٤٥
- ١٤٧ -

استيفاء ٩ - ١٠
ولا خلاف بين الفقهاء في أن الذي یقیم حد
القذف وحد السرقة هو الإِمام. (١)
والتفصيل في شروط ثبوت الحدود، وحالات
سقوطها يذكر في أبواب الحدود. أما كيفية
الاستيفاء في حد السرقة، فالفقهاء صرحوا بأنه إذا
وجب القطع في حد السرقة بشروطه المبينة في بابه،
فإنه يستوفي بقطع اليد اليمنى من مفصل الكف،
بطريقة تؤمن معها السراية، كالحسم بالزيت أو
غيره من الوسائل. لحديث: ((اقطعوه ثم
احسموه)) . (٢)
د - مكان استيفاء الحدود :
٩ - لا یستوفی حد ولا قصاص في المسجد، حتى لو
وقعت الجناية فيه، لئلا يؤدي ذلك إلى تلويثه، أما
إذا وقعت الجناية في الحرم دون المسجد فالإجماع
على أنه يقتص منه فيه.
أما إذا وقعت في الحل ولجأ الجاني إلى الحرم،
(١) بداية المجتهد ٢/ ٤٣٣ ط المعاهد.
(٢) المغني ٩/ ١٢٠ - ١٢٣ وما بعدها ط مكتبة القاهرة، والشرح
الكبير ٣٠٨/٤ توزيع دار الفكر، ونهاية المحتاج ٤٤٥/٧،
والبدائع ٨٥/٧ ط الجمالية.
وحدیث «اقطعوه ثم احسموه» أخرجه الدارقطني من حديث
أبي هريرة بلفظ «أن رسول الله أتي بسارق سرق شملة، فقالوا:
يا رسول الله إن هذا سرق، فقال رسول الله﴾: اذهبوا به
فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به، فقطع فأتي به ... )).
وأخرجه موصولا أيضا الحاكم والبيهقي،
وصححه ابن القطان، وأخرجه أبو داود في المراسيل من حديث
محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان بدون ذكر أبي هريرة، ورجح
المرسل ابن خزيمة وابن المديني وغير واحد. (سنن الدار قطني
١٠٢/٣ ط دار المحاسن للطباعة ١٣٨٦ هـ، ونيل الأوطار
١٤٢/٧ ط مصطفى الحلبي ١٣٨٠ هـ).
فقد اختلف فيه: فذهب الحنابلة ومحمد إلى أنه لا
يخرج، بل يضطر للخروج بمنع الطعام والشراب
عنه. واستدلوا بعموم قوله تعالی : (ومن دخله كان
آمنا). (١)
وقال أبو يوسف : يباح إخراجه. وقال المالكية:
لا يؤخربل يقام عليه الحد أو القصاص خارج
المسجد. قال في نهاية المحتاج: لخبر الصحيحين
((إن الحرم لا يعيذ فارًّا بدم)).(٢)
ثانيا : استيفاء التعزيرات :
١٠ - التعزيرات التي ترجع إلى حق الله تعالى،
اختلف الفقهاء فيها، فقال مالك: وجب التعزير
لحق الله كالحدود، إلا أن يغلب على ظن الإِمام أن
في غير الضرب مصلحة كالملامة والكلام.
وذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه إذا كان
منصوصا من الشارع على التعزير وجب، وإلا
فللإمام إقامته أو العفو عنه، حسب المصلحة
وحصول الانزجار به أو بدونه، وقال الشافعية: هو
غير واجب على الإِمام، إن شاء أقامه وإن شاء
(١) سورة آل عمران/ ٩٧
(٢) ابن عابدين ٣٦٣/٥ ط الأميرية الثالثة، والدسوقي ٢٣١/٤ -
٢٣٢، والجمل ٥٠/٥، ونهاية المحتاج ٢٨٨/٧، والمغني
٢٣٦/٨
وحديث (إن الحرم لا يعيذ عاصيا .. )) أخرجه البخاري
ومسلم من مقولة عمرو بن سعيد. (فتح الباري ٤ / ٤١ ط
السلفية، وصحيح مسلم بشرح النووي ٩/ ١٢٧، ١٢٨ ط
المطبعة المصرية بالأزهر ١٣٤٧ هـ).
- ١٤٨ -

استيفاء ١١
تركه. وينظر تفصيل هذا وأدلته في مصطلح
(تعزير). (١)
ثالثا - استيفاء حقوق الله المالية :
أ - استيفاء الزكوات :
١١ -مال الزكاة نوعان: ظاهر، وهو المواشي
والزروع والمال الذي يمر به التاجر على العاشر،
وباطن: وهو الذهب والفضة، وأموال التجارة في
مواضعها .
وولاية أخذ الزكاة في الأموال الظاهرة للإِمام في
مذاهب: الحنفية، والمالكية، وأحد قولي
الشافعية.
ودليل ذلك قول الله تعالى : (خذ من أموالهم
صدقة)(٢) والذي عليه عامة أهل التأويل أن المراد
بالصدقة الزكاة، وكذلك قوله تعالى: (إنما
الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها)(٣)
فقد جعل الله تعالى للعاملين عليها حقا ولو لم يكن
للإِمام أن يطالب أرباب الأموال بصدقات الأنعام
والزروع في أماکنها، وکان أداؤها إلى أرباب
الأموال، لم یکن لذکر العاملین وجه.
وكان الرسول عليه الصلاة والسلام والأئمة
بعده يبعثون المصدقين إلى أحياء العرب والبلدان
والآفاق، لأخذ الصدقات من الأنعام والمواشي في
(١) ابن عابدين ١٤٥/٣، ١٨٧، والمغني ٣٢٦/٨، والفروق
للقرافي ١٧٩/٤، وتبصرة الحكام ٢/ ٢٦٠ط الحلبي،
والبيجوري على ابن قاسم ٢٣٧/٢ ط الحلبي ١٣٤٣ هـ،
والأحكام السلطانية لأبي يعلي ص ٢٤٢ ط الحلبي ١٩٣٨م،
ومغني المحتاج ٤/ ٦١ط الحليي ١٩٥٨م.
(٢) سورة التوبة / ١٠٣
(٣) سورة التوبة / ٦٠
أماكنها .
وقال الحنفية : إنه يلحق بالأموال الظاهرة المال
الباطن إذا مربه التاجر على العاشر، فله أن يأخذ
منه الزكاة في الجملة، لأنه لما سافر به وأخرجه من
العمران صار ظاهرا والتحق بالسوائم، وهذا لأن
الإِمام إنما كان له المطالبة بزكاة المواشي في أماكنها
لمكان الحماية، لأن المواشي في البراري لا تصير
محفوظة إلا بحفظ السلطان وحمايته، وهذا المعنى
موجود في مال يمربه التاجر على العاشر فكان
كالسوائم. وعليه إجماع الصحابة رضي الله
عنهم.(١)
وهذا الحكم ( دفع زكاة الأموال الظاهرة إلى
الأئمة) إذا كان الأئمة عدولا في أخذها وصرفها.
وإن کانوا غیر عدول في غير ذلك، وذلك مذهب
المالكية، فإن طلبها الإِمام العدل فادعى المزكي
إخراجها لم يصدق، (٢) والذي في كتب الحنفية أن
السلاطين الذين لا يضعون الزكاة مواضعها إذا
أخذوا الزكاة أجزأت عن المزكين، لأن ولاية الأخذ
لهم، فلا تعاد. وقال بعضهم: يسقط الخراج ولا
تسقط الزكوات. ومؤدى هذا أنه إذا كان الإِمام
غیر عادل فللمزكي إخراج زكاته. (٣)
والمنصوص عليه في مذهب الشافعية . أنه إذا
کان الإمام عدلا ففيها قولان : أحدهما أنه محمول
على الإِيجاب، وليس لهم التفرد بإخراجها، ولا
تجزئهم إن أخرجوها. (٤)
(١) البدائع ٣٧/٢ وما بعدها ط شركة المطبوعات، والشرح الكبير
٤٦٢/١ ط دار الفكر، والأحكام السلطانية ص ١١٣
(٢) الشرح الكبير ١/ ٤٦٢
(٣) البدائع ٣٦/٢
(٤) الأحكام السلطانية ص ١١٣ ط الحلبي.
- ١٤٩ -

استيفاء ١٢ - ١٤
ومذهب الحنابلة لا يختلف عن الجمهور في
الأموال الظاهرة، أما في الأموال الباطنة فقد صرح
أبو یعلی بأنه ليس لوالي الصدقات نظر في زکاتها،
وأربابها أحق منه بإخراجها إلا أن يبذل رب المال
زكاتها طوعا، والمذهب أن للإِمام طلب زكاة
الأموال الباطنة أيضا. (١)
وإذا تأكد الإِمام أن أرباب الأموال لا يؤدون
زكاتها أجبرهم على إيتائها ولو بالقتال، كما فعل
أبو بكر رضي الله عنه بما یفي الزكاة، وهذا إن كان
الإِمام يضعها موضعها، وإلا فلا يقاتلهم. (٢)
ب - استيفاء الكفارات والنذور :
١٢ - ليس للإِمام ولاية استيفاء الكفارات والنذور،
وإنما يؤديها من وجبت عليه. (٣) وعند الحنابلة يجوز
للإِمام طلب النذر والكفارة على الصحيح من
المذهب، وهذا هو مذهب الشافعية في
الكفارة . (٤)
استيفاء حقوق العباد :
أولا : استيفاء القصاص :
١٣ - استيفاء القصاص لابد له من إذن الإِمام،
فإن استوفاه صاحب الحق بدون إذنه وقع موقعه،
وعزر لافتياته على الإِمام.
(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٩٩، والإنصاف ٣/ ١٩٢
(٢) كشاف القناع ٢/ ٢٥٧ ط الرياض.
(٣) تنبيه : القواعد العامة للشريعة توجب على الإِمام جبر الممتنع
من أداء الواجب ديانة، وعلى هذا لو امتنع من وجبت عليه
كفارة، أو الناذر عن أداء ما وجب عليه، فعلى الإِمام إجباره على
الأداء.
(٤) الإِنصاف ١٩٢/٣، والقليوبي ١٨٩/٣.
ثم إن الذي يستوفي القصاص فیما دون النفس
هو الإِمام، ولیس للأولياء ذلك، لأنه لا يؤمن منهم
التجاوز أو التعذيب.
أما إن كان القصاص في النفس، فالجمهور
على أن الولي هو الذي يتولاه، لقوله تعالى : (ومن
قُتِلَ مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا). (١)
وللحديث الذي فيه: أن الرسول و ﴿ دفع القاتل
إلى أخ المقتول وقال له: ((دونك صاحبك)). رواه
مسلم. (٢) وله أن يوكل فيه، وإن كانوا أكثر من
واحد وكلوا أحدهم. وذهب الشافعية إلى أن
الأصل تولي الإمام أو من ينيبه ذلك، فإن طلب
المستحق استيفاء القصاص بنفسه، ورآه الإِمام
أهلا أجابه إلى ذلك، وإلا لم يجبه .
وتفصيل الكلام في هذه المسائل في مصطلح:
(قصاص).
هذا، وقد صرح الحنابلة بوجوب حضور الإِمام
أو نائبه، ليؤمن التجاوز أو التعذيب، وحضور
القاضي الذي حکم بالقصاص مسنون عند
الشافعية. وصرح الحنفية بوجوب حضور صاحب
الحق رجاء أن يعفو. (٣)
أ - كيفية استيفاء القصاص في النفس :
١٤ - قال الحنفية ، وهو رواية عن الحنابلة: إن
(١) سورة الإسراء / ٣٣
(٢) صحيح مسلم ١٣٠٨/٢ ط استانبول (الكتب الستة).
(٣) البدائع ٢٤٢/٧ - ٢٤٦، والبحر الرائق ٣٣٩/٨، والدسوقي
٤/ ٢٥٩، والحطاب ٦/ ٢٥٠، والمواق ٢٥٣/٦، والروضة
٢٢١/٩، ونهاية المحتاج ٢٨٦/٧، ٢٨٧
- ١٥٠ -
:

استيفاء ١٣ - ١٥
القصاص لا يستوفى إلا بالسيف، لقول النبي عليه
الصلاة والسلام: ((لا قود إلا بالسيف)). (١)
والقود هو القصاص، فكان هذا نفي استيفاء
القصاص بغير السيف. (٢)
وإن أراد الولي أن يقتل بغیر السیف لا يمكن
للحدیث، ولو فعل یعزر، لكن لا ضمان علیه، لأن
القتل حقه، فإِذا قتله فقد استوفى حقه بأي طريق
کان، إلا أنه یأثم بالاستيفاء بطريق غير مشروع،
لمجاوزته حد الشرع. (٣)
وعند المالكية والشافعية - وهو إحدی روایتین
للحنابلة - أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به، ودليله:
حديث اليهودي الذي رضّ رأس مسلمة بين
حجرين، فأمر البي 18 ((أن يرضّ رأسه
كذلك)). (٤) وهذا إن ثبت القتل ببينة أو اعتراف.
(١) حديث ((لا قود إلا بالسيف)) أخرجه ابن ماجة من حديث
أبي بكرة، والنعمان بن بشير مرفوعا. وأما حديث أبي بكرة قال
أبو حاتم: حديث منكر، وأعله البيهقي بمبارك بن فضالة. وأما
حديث النعمان بن بشير فسنده ضعيف أيضا، قال عبدالحق
وابن عدي وابن الجوزي: طرقه كلها ضعيفة، قال ابن حجر في
التلخيص: رواه ابن ماجة والبزار والطحاوي والطبراني
والدارقطني والبيهقي، وألفاظهم مختلفة. وإسناده ضعيف، قال
البيهقي: أحاديث هذا الباب كلها ضعيفة (سنن ابن ماجة
بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٨٩/٢ط عيسى الحلبي ١٣٧٣ هـ،
وفيض القدير ٤٣٦/٦ نشر المكتبة التجارية ١٣٥٧ هـ،
وتلخيص الحبير ٤/ ١٩ ط شركة الطباعة الفنية ١٣٨٤ هـ،
والدراية في تخريج أحاديث الهداية ٢٦٥/٢ط مطبعة الفجالة
١٣٨٤ هـ) .
(٢) المغني ٣٩٣/٩ وما بعدها ط المنار ١٣٤٨هـ، والبدائع ٧/ ٢٤٥
(٣) البدائع ٢٤٥/٧، ٢٤٦، والمغني ٩/ ٣٩٠ ط المنار.
(٤) حديث اليهودي الذي رضَّ رأس مسلمة. أخرجه البخاري من
حديث أنس رضي الله عنه بلفظ ((أن يهوديا =
فإِن ثبت بقسامة قتل بالسيف، إلا أن يقع القتل بما
.(١)
هو محرم.
ب - تأخير استيفاء القصاص :
١٥ - إذا کان ولي الدم واحدا أو أكثر، وكانوا جميعا
عقلاء بالغين حاضرين، وطلبوا الاستيفاء أجيبوا.
أما إذا كان ولي الدم واحدا صغيرا أو مجنونا، فقد
ذهب الشافعية والحنابلة- وهو قول للحنفية - إلى
أنه ينتظر البلوغ أو الإِفاقة، لاحتمال العفو آنئذ.
وذهب المالكية إلى أنه لا ينتظر، بل الاستيفاء لولي
الصغير، والقيم على المجنون.
والقول الآخر للحنفية أن الذي يستوفي
القصاص في هذه الحال هو القاضي .
وللحنفية قول ثالث بأن الولي إذا كان أبا أو جدا
يستوفي القصاص عن الصغير، وليس ذلك
للوصي .
أما إذا تعدد أولياء الدم وکان فیھم کبار وصغار،
فقد ذهب الشافعية وأبو یوسف - وهو رواية عن
أحمد - إلى أنه ينتظر بلوغ الصغير.
وذهب المالكية وأبو حنيفة - وهو الرواية الثانية
عن أحمد - إلى أنه يستوفيه الكبار. (٢)
رضّ رأس جارية بين حجرين. قيل: من فعل هذا بك،
=
أفلان؟ أفلان؟ حتى سمي اليهودي فأومأت برأسها، فأخذ
اليهودي فاعترف، فأمر به النبي (# فرض رأسه بين حجرين)).
(فتح الباري ٧١/٥ ط السلفية).
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤/ ٤٣٥ ط المكتبة التجارية،
ونهاية المحتاج ٢٩١/٧، والمغني ٩/ ٣٩٠ ط المنار.
(٢) البدائع ٢٤٣/٧ - ٢٤٤، ومغني المحتاج ٣٩/٤، والمغني
٧٣٩/٧، وبداية المجتهد ٣٩٤/٢، والشرح الصغير على أقرب
المسالك ٣٥٩/٤ ط دار المعارف.
- ١٥١ -
..-.
١

استيفاء ١٦ - ١٧
٣٤٠
أما إن كان بعض الأولياء غائبين فإن انتظارهم
واجب عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وفصل
المالكية فقالوا: ينتظر الغائب إن كانت غيبته قريبة
دون الغائب غيبة بعيدة، وكذلك المجنون جنونا
غير مطبق فإنه ينتظر.
جـ ـ وقت استيفاء القصاص فيما دون النفس :
١٦ - ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه لا
يقام القصاص فيما دون النفس قبل برء المجروح،
لحديث: ((لا يستقاد من الجراحة حتى يبرأ)). (١)
والشافعية قالوا : إنه يقتص من الجاني على
الفور. (٢)
وتفصيل ذلك في مصطلح: (قصاص).
(١) حديث ((لا يستقاد من الجرح حتى يبرأ)). أخرجه الطحاوي
عن طريق عنبسة من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعا. قال في
التنقيح: إسناده صحيح، وعنبسة وثقه أحمد وغيره. قال ابن
أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن هذا الحديث، فقال: هو مرسل
مقلوب .
وأخرجه أحمد والدارقطني بهذا المعنى من حديث عمرو بن
شعيب بن محمد بن عبدالله بن عمرو عن أبيه عن جده. قال
الحافظ في سبل السلام شرح بلوغ المرام: وأعلّ بالإِرسال،
والخلاف في سماع عمرو بن شعيب واتصال إسناده مشهور.
وقال: وقد دفع بأنه ثبت لقاء شعيب لجده وفي معناه أحاديث
تزيده قوة. (مسند ابن حنبل ٢ /٢١٧ نشر المكتب الإسلامي
١٣٩٨ هـ، وسنن الدارقطني ٨٨/٣ ط دار المحاسن، ونصب
الراية ٣٧٨/٤ نشر المكتب الإسلامي ١٣٩٣هـ، وسبل السلام
٢٣٧/٣، ٢٣٨ ط مصطفى الحلبي ١٣٧٩هـ).
(٢) البدائع ٧/ ٣١٠، ٣١١، ومغني المحتاج ٤٥/٤، والبداية
١٤٦/٢، والشرح الكبير ٢٣٠/٤، والمغني ٧٢٩/٧ ط
الریاض.
ثانيا : استيفاء حقوق العباد المالية :
أ - استيفاء الحق من مال الغير بصفة عامة :
١٧ - قال ابن قدامة: (١) إذا كان لرجل على غيره
حق، وهو مقر به باذل له، لم يكن له أن يأخذ من
ماله إلا ما يدليه بلا خلاف بين أهل العلم، فإن
أخذ من ماله شیئا بغير إذنه لزمه رده إليه، وإن كان
قدر حقه، لأنه لا يجوز له أن يملك علیه عینا من
أعيان ماله بغير اختياره لغير ضرورة، وإن كانت
من جنس حقه، لأنه قد یکون للإنسان غرض في
العین، فإن أتلفه أو تلفت فصارت دینا في ذمته،
وكان الثابت في ذمته من جنس حقه تقاصا في قیاس
المذهب. والمشهور من مذهب الشافعي، وإن كان
المدين مانعا لأداء الدين لأمر يبيح المنع كالتأجيل
والإِعسار لم يجز أخذ شيء من ماله بغير خلاف،
وإن أخذ شیئا لزمه رده إن کان باقیا، أو عوضه إن
كان تالفا، ولا يحصل التقاص ها هنا، لأن الدين
الذي له لا يستحق أخذه في الحال بخلاف ما ذكر
قبل.
وإن كان مانعا له بغير حق، وقدر على
استخلاصه بالحاكم أو السلطان لم يجزله الأخذ
أيضا بغير السلطان أو الحاكم، لأنه قدر على
استيفاء حقه بمن يقوم مقامه، فأشبه ما لوقدر على
استيفائه من وكيله .
وإن لم يقدر على ذلك لكونه جاحدا له، ولا بينة
له به، أولكونه لا يجيبه إلى المحاكمة ولا يمكنه
إجباره على ذلك، أو نحوهذا، فالمشهور في
المذهب أنه ليس له أخذ قدر حقه، وهو إحدى
الروايتين عن مالك.
(١) المغني لابن قدامة ٢٨٨/١٠ ط القاهرة.
- ١٥٢ -

استيفاء ١٧ - ١٨
قال ابن عقيل : وقد جعل أصحابنا المحدثون
لجواز الأخذ وجها في المذهب، أخذا من حديث
هند حين قال لها النبي صل9: ((خذي ما يكفيك
وولدك بالمعروف». (١)
قال أبو الخطاب: ويتخرج لنا جواز الأخذ، فإِن
كان المقدور علیه من جنس حقه أخذ بقدره، وإن
کان من غير جنسه تحری واجتهد في تقويمه،
مأخوذ من حديث هند، ومن قول أحمد في المرتهن
((يركب ويحلب بقدر ماينفق)). والمرأة تأخذ مئونتها
وبائع السلعة يأخذها من مال المفلس بغير رضا.
واحتج من أجاز الأخذ بحديث هند السابق.
وقال الشافعي : إن لم يقدر على استخلاص
حقه بعينه فله أخذ قدر حقه من جنسه، أو من غیر
جنسه، إن لم يخف الفتنة .
وإن كانت له بينة وقدر على استخلاص حقه
فالمذهب عند الشافعية:أن له أخذ جنس حقه من
ماله، وكذا غير جنسه للضرورة. وفي قول آخر:
المنع، لأنه لا یتمکن من تملكه، وما كان كذلك
لابد فيه من التراضي .
١٨ - هذا، وانفرد الشافعية على المذهب أيضا بأن
لصاحب الحق أخذ حقه استقلالا، ولو كان على
مقر ممتنع، أو على منكر ولصاحب الحق عليه بينة،
لأن في الرفع إلى القضاء مئونة ومشقة وتضييع
زمان. والقول الآخر عندهم: يجب الرفع إلى
(١) حديث هند أخرجه البخاري واللفظ له، ومسلم من حديث
عائشة رضي الله عنها. (فتح الباري ٩/ ٥٠٧ ط السلفية،
وصحيح مسلم بتحقیق محمد فؤاد عبدالباقي ١٣٣٨/٣ ط عيسى
الحلبي ١٣٧٥هـ)
القاضي، لإمكان حصوله على حقه مع وجود
الإِقرار أو البينة . (١)
والرواية الأخري من مذهب مالك: أنه إن لم
یکن لغيره علیه دین فله أن یأخذ بقدر حقه، وإن
كان عليه دين لم يجز، لأنهما يتحاصان في ماله إذا
أفلس.
وقال أبو حنيفة : له أن يأخذ بقدر حقه إن کاد
نقدا أو من جنس حقه، وإن كان المال عرضا لم
يجز، لأن أخذ العوض عن حقه اعتیاض، ولا تجوز
المعاوضة إلا بالتراضي، لكن المفتى به عند الحنفية
جواز الأخذ من خلاف الجنس. (٢)
واحتج المانعون من الحنابلة بقول النبي ود
((أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من
خانك))،(٣) ومن أخذ منه قدر حقه من ماله بغير
علمه فقد خانه، فيدخل في عموم الخبر. وقال
وسلم: ((لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس
(١) المغني لابن قدامة ٢٨٨/١٠، والقليوبي ٣٣٥/٤.
واللجنة ترى أن القول بجواز أخذ صاحب الحق مثل حقه من
غير رضى ولا حكم حاكم إنما يكون عند أمن الفتنة وإلا لم يجز،
لأن درء الفتنة من مقاصد الشريعة المقررة.
(٢) المغني ٢٨٧/١٠ ط القاهرة، ورد المحتار ٢٠٠/٣، ٤٣/٤
ط بولاق ١٢٧٢، والقليوبي ٣٣٥/٤، والفروق ٢٠٨/١
(٣) حديث ((أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)).
أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال: هذا
حديث حسن غريب. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره،
وأخرجه أبو داود من طريق آخر وسكت عنه، وقال المنذري: فيه
رواية مجهول (تحفة الأحوذي ٤/ ٤٧٩ - ٤٨١ نشر المكتبة
السلفية، وعون المعبود ٣١٣/٣ - ٣١٤ ط الهند، وجامع
الأصول ١/ ٣٢٣ نشر مكتبة الحلواني).
- ١٥٣ -

استيفاء ١٨ - ١٩
منه». (١) ولأنه إن أُخذ من غیر جنس حقه، کان
معاوضة بغیر تراض، وإن أخذ من جنس حقه،
فليس له تعيين الحق بغير رضا صاحبه فإن التعيين
إليه، ألا ترى أنه لا يجوز له أن يقول: اقض حقي
من هذا الكيس دون هذا، ولأن كل ما لا يجوز له
ملکه إذا لم یکن له دین لا يجوز له أخذه إذا كان له
دین، کما لو کان باذلا له.
لكن المانعين استثنوا النفقة، لأنها تراد لإِحياء
النفس وإبقاء المهجة، وهذا مما لا يصبر عنه، ولا
سبيل إلى تركه، فجاز أخذ ما تندفع به الحاجة،
بخلاف الدين، ولذلك لو صارت النفقة ماضية لم
یکن لها أخذها، ولو وجب لها علیه دین آخر غير
النفقة لم يكن لها أخذه. (٢)
وتفصيل ذلك في مصطلح (نفقة).
ب - استيفاء المرتهن قيمة الرهن من المرهون :
١٩ - حق المرتهن في الرهن أن يمسكه حتى يؤدي
الراهن ما علیه، فإِن لم يأت به عند حلول الأجل
(١) حديث ((لا يحل ... )). أخرجه أحمد والدارقطني من حديث
عم أبي حرة الرقاشي مرفوعا، وفيه علي بن زيد بن جدعان وهو
متكلم فيه. وله طريق أخرى عند الدارقطني أيضا عن أنس، وفي
إسنادها داود بن الزبرقان وهو متروك. وأخرجه أحمد والبزار من
حديث أبي حميد الساعدي مرفوعا بلفظ ((لا يحل لمسلم أن يأخذ
مال أخيه بغير حق، وذلك لما حرم الله مال المسلم على المسلم أن
يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس)) وفي رواية ((لا يحل لمسلم أن
يأخذ عصاه)). قال الهيثمي : ورجال الجميع - أحمد والبزار-
رجال الصحيح. قال البيهقي: حديث أبي حميد أصح ما في
الباب (مسند أحمد بن حنبل ٧٢/٥ ط الميمنية، وسنن الدارقطني
٢٦/٣ ط دار المحاسن للطباعة، ومجمع الزوائد ٤ /١٧١ نشر
مكتبة القدسي، ونيل الأوطار ٦٢/٦ ط دار الجيل ١٩٧٣)
(٢) نفس المراجع
كان له أن يرفعه إلى القاضي فيبيع عليه الرهن،
وينصفه منه، إن لم يجبه الراهن إلى البيع.
وکذلك إن كان غائبا، خلافا للحنفية.
وإن وكل الراهن المرتهن على بيع الرهن عند
حلول الأجل جاز، وكرهه الإِمام مالك، إلا أن
يرفع الأمر إلى القاضي .
والرهن عند الجمهور يتعلق بجملة الحق
المرهون فيه وببعضه. على معنى أن الراهن لوأدى
بعض الدین وبقي بعضه، فإِن الرهن جمیعه یبقی
بید المرتهن حتی یستوفی کل حقه .
وقال بعض الفقهاء: بل يبقى من الرهن بيد
المرتهن بقدر ما يبقى من الحق.
وحجة الجمهور أنه محبوس بحق، فوجب أن
يكون محبوسا بكل جزء منه، أصله حبس التركة
عن الورثة حتى يؤدوا الدين الذي على الميت.
وحجة الفریق الثاني أن جمیعه محبوس بجمیعه،
فوجب أن تكون أبعاضه محبوسة بأبعاضه، أصله
الكفالة . (١)
والمرتهن أحق بثمن الرهن من جميع الغرماء،
حتی يستوفي حقه، حیا کان الراهن أوميتا، فإذا
ضاق مال الراهن عن ديونه وطالب الغرماء
بديونهم، أو حجر عليه لفلسه، وأريد قسمة ماله
بین غرمائه، فإِن من له رهن يختص بثمنه عن سائر
الغرماء، لأن حقه متعلق بعين الرهن وذمة الراهن
معا، وباقي الغرماء يتعلق حقهم بذمة الراهن دون
عين الرهن، فكان حق المرتهن أقوى، وهذا من
(١) بداية المجتهد ٢٩٨/١ ط مكتبة الكليات، وشرح الخطيب على
أبي شجاع ٦٥/٣ ط الحلبي، والدر المختار ٣٢٢/٥، والمغني
٤/ ٤٥٢
- ١٥٤ -
1

.
استيفاء ٢٠ - ٢٢
أکثر فوائد الرهن، وهو تقديمه بحقه عند تزاحم
الغرماء، وليس في هذا خلاف بين المذاهب، فيباع
الرهن، فإِن کان ثمنه قدر الدین أخذه المرتهن،
وإن كان فيه زيادة عن دينه ردّ الباقي على الغرماء،
وإن فضل من دينه شيء أخذ ثمنه وشارك الغرماء
ببقية دينه. (١) وللتفصيل يرجع إلى باب الرهن.
ج - حبس المبيع لاستيفاء الثمن :
٢٠ - المنصوص عليه عند المالكية والحنفية - وهو
قول الحنابلة اختاره ابن قدامة - أنه إن كان الثمن
دينا فللبائع أن يمتنع عن تسليم المبيع إلى المشتري
حتى يقضي الثمن، ويجبر المشتري على تسليم
الثمن قبل الاستیفاء کالمرتهن. واستدلوا بأنه لما كان
الثمن غیر معین وجب دفعه أولا لیتعین. وفي رأي
للشافعية والحنابلة أنه إن قال البائع: لا أسلم المبيع
حتى أقبض الثمن، وقال المشتري: لا أسلمه
حتى أقبض المبيع، وكان الثمن عينا أو عرضا،
جعل بينهما عدل يقبض منهما، ويسلم إليهما.
مستدلین علی ذلك بأن حق البائع قد تعلق بعين
الثمن، كما تعلق حق المشتري بعين المبيع
فاستويا، وقد وجب لكل واحد منهما على الآخر
حق قد استحق قبضه، فأجبر كل واحد منهما على
إیفاء صاحبه حقه، وهذا قول الثوري .
وفي قول للإمام أحمد، وهو قول ثان للإِمام
الشافعي: أنه يجب تسليم المبيع أولا، ويجبر على
ذلك البائع، لأن تسليم المبيع يتعلق به استقرار
البیع وتمامه، فکان تقدیمه أولی، وإن کان دینا
(١) المغني ٤٥٢/٤ ط المنار الثانية، وحاشية ابن عابدين ٢٣٩/٥ ط
الأميرية .
أجبر البائع على تسليم المبيع، ثم أجبر المشتري
على تسليم الثمن، لأن حق المشتري تعلق بعين
المبيع، وحق البائع تعلق بالذمة، وتقديم ما تعلق
بالعين أولى لتأكده، وهذا إن كان الثمن غير
مؤجل.(١)
د - الاستيفاء في الإجارة :
(١) استيفاء المنفعة :
٢١ - المنفعة تختلف في كل عقد بحسب المعقود
عليه، واستيفاؤها يكون بتمكين المؤجر للمستأجر
من محل العقد. ويكون الاستيفاء في الأجير
الخاص (ويسمى أجير الوحد) بتسليم نفسه مع
استعداده للعمل. واستيفاء الإِجارة على عمل في
عين - كخياطة ثوب مثلا - يكون بتسليم العين
مصنوعة حسب الاتفاق.
(٢) استيفاء الأجرة :
٢٢ - استيفاء الأجرة يكون بأحد أمور :
إما بتعجيل الأجرة من غير شرط، وإما باستيفاء
المنفعة فعلا، أو التمكن منها، وإما باشتراط
تعجیلها، أو التعارف على التعجیل کما صرح به
المالكية . (٢)
وفي المسألة خلاف وتفصيل يرجع إليه في
مصطلح (إجارة).
(١) الإنصاف ٤/ ٤٥٨، والشرح الكبير على المقنع ١١٣/٤ ط المنار
الثانية، وحاشية ابن عابدين ٤٣/٣، ومغني المحتاج ٧٤/٢،
والدسوقي ١٤٧/٣
(٢) حاشية ابن عابدين ٦/٥ -٧، والبدائع ٤/ ١٧٥ ط الجمالية،
والبجيرمي على الخطيب ١٧٦/٣، والشرح الصغير للدردير
١٣/٤ ط دار المعارف، والمغني ٥/ ٣٣٠ ط مكتبة القاهرة.
- ١٥٥ -

استيفاء ٢٣ - ٢٥
هـ - استيفاء المستعير منفعة ما استعاره:
٢٣ - أورد صاحب المغني أحكام استيفاء المنفعة في
الإعارة فقال: وإن استعارشيئا فله استيفاء منفعته
بنفسه وبوکیله، لأن وکیله نائب عنه، ویده کیده،
وليس له أن يؤجره، لأنه لم يملك المنافع، فلا
يصح أن يملكها، ولا نعلم في هذا خلافا، ولا
خلاف بينهم أن المستعير لا يملك العين، وأجمعوا
علی أن للمستعیر استعمال المعار فیما أذن له فيه،
أما إعارته لغيره ففيه خلاف وتفصيل موطنه
مصطلح (إعارة).
و- النيابة في الاستيفاء :
(١) استخلاف الإِمام غيره في إقامة الحدود:
٢٤ - أجمع فقهاء المذاهب على أن للإِمام أن
يستخلف غيره على إقامة الحدود، لأنه لا يقدر
علی استیفاء الجمیع بنفسه، لأن أسباب وجوبها
توجد في أقطار دار الإِسلام، ولا يمكنه الذهاب
إليها، وفي الإِحضار إلى مكان الإِمام حرج
عظيم، فلو لم يجز الاستخلاف لتعطلت الحدود
وهذا لا يجوز، ولهذا كان عليه الصلاة والسلام
يجعل إلى أمرائه تنفيذ الأحكام، وإقامة الحدود.
والاستخلاف نوعان : تنصيص، وتولية .
أما التنصيص : فهو أن ينص على إقامة
الحدود، فيجوز للنائب إقامتها بلا شك.
والتولية على نوعين: خاصة، وعامة.
فالعامة : هي أن يولي الإمام رجلا ولاية عامة،
مثل إمارة إقليم أو بلد عظيم، فيملك المولى إقامة
الحدود وإن لم ينص عليها، لأنه لما قلده إمارة ذلك
البلد فقد فوض إليه القيام بمصالح المسلمين،
وإقامة الحدود من أعظم مصالحهم، فيملكها. (١)
والخاصة : هي أن يولي رجلا ولاية خاصة،
مثل جباية الخراج ونحوذلك، فلا يملك إقامة
الحدود، لأن هذه التولية لم تتناول إقامة الحدود، ولو
استعمل أمیرا علی الجیش الکبیر، فإن كان أمیر
مصر أو مدينة فغزا بجنده، فإنه يملك إقامة الحدود
في معسكره، لأنه كان يملك الإقامة في بلده، فإذا
خرج بأهله أو ببعضهم ملك عليهم ما كان يملك
فیهم قبل الخروج، وأما من أخرجه أمیر البلد غازيا
فمن کان یملك إقامة الحدود علیهم قبل خروجه
وبعده لم يفوض إليه الإقامة، فلا يملك
الإقامة. (٢)
(٢) الوكالة بالاستيفاء :
٢٥ - ذهب المالكية والشافعية وهو الراجح عند
الحنابلة إلى أن كل ما يملك الإِنسان من
التصرفات فله أن يوكل فيه، ومن ذلك القود
والحدود.
وقال الحنفية : كل ما يملك الإِنسان أن يستوفيه
من الحقوق بنفسه، يجوز أن يوكل فيه إلا الحدود
والقصاص، فلا يجوز أن يستوفيها الوكيل في غيبة
«الموكل عن مجلس الاستيفاء، لأنها تندرى
(١) ومثل هذا لا يختلف فيه، وعند إطلاق التولیة ینصرف ما يملكه
النائب إلى ما يدل عليه العرف.
(٢) البدائع ٥٨/٧ ط الجمالية الأولى، والمغني ٣٧/٩ ط مكتبة
القاهرة، والأحكام السلطانية للآمدي ص ٢٢١ ط الحلبي،
وتبصرة الحكام ١٤٩/١ ط الحلبي ١٩٥٨ .
- ١٥٦ -

استيفاء ٢٥، استيلاء ١ - ٢
بالشبهات.(١)
واستدل الأئمة الثلاثة على جواز التوكيل في
القود والحدود، بأن النبي عليه الصلاة والسلام
قال: ((اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت
فارجها. فاعترفت فرجمت))(٢) ولأن الحاجة تدعو
إلی ذلك، لأن الإِمام لا یمکنه تولي ذلك بنفسه.
ويجوز التوكيل في إثباتها. ووافق بعض الحنابلة
الحنفية على ما قالوه من عدم جواز استيفاء
القصاص وحد القذف في غيبة الموكل. (٣)
(١) ابن عابدين ٤١٨/٤
(٢) حديث ((اغديا أنيس)). أخرجه البخاري واللفظ له ومسلم من
حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني مرفوعا ضمن قصة
(فتح الباري ١٢/ ١٨٥، ١٨٦، ط السلفية، وصحيح مسلم
بتحقیق محمد فؤاد عبدالباقي ١٣٢٤/٣، ١٣٢٥ ط عيسى
الحلبي ١٣٧٥هـ).
(٣) بداية المجتهد لابن رشد ٢٩٧/٢، والبجيرمي على الخطيب
١١٢/٣، والمغني ٦٦/٥ وما بعدها
استيلاء
التعريف :
١ - من معاني الاستيلاء لغة: وضع اليد على
الشيء، والغلبة عليه، والتمكن منه.(١)
وفي اصطلاح الفقهاء : إثبات اليد على
المحلّ(٢)، أو الاقتدار على المحلّ حالا ومالاً (٣)، أو
القهر والغلبة ولو حكما . (٤)
وأما الفعل المادي الذي يتحقق به الاستيلاء
فإنه يختلف تبعا للأشياء والأشخاص، أي أن
مدار الاستيلاء على العرف. (٥)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الحيازة :
٢ - الحيازة والحوز لغة: الجمع والضم. (٦)
وشرعا : وضع اليد على الشيء والاستيلاء
علیه، كما قال الدردير. (٧)
(١) المصباح والقاموس مادة (ولي) .
(٢) البدائع ٧/ ١٢١ ط الثانية سنة ١٣٩٤ هـ.
(٣) البحر الرائق ١٠٣/٥
(٤) حاشية القليوبي ٣/ ٢٦ ط عيسى الحلبي، وحاشية الجمل على
شرح المنهج ٤٦٩/٣ ط دار إحياء التراث.
(٥) حاشية الجمل ٤٦٩/٣
(٦) المصباح مادة (حوز) وطلبة الطلبة ص ١٠٦، والتحرير على
التنبيه للنووي ص ١٤١
(٧) الشرح الصغير ٣١٩/٤، والفواكه الدواني ١٦٨/٢
- ١٥٧ -

استيلاء ٣ - ٩
ب - الغصب :
٣ - الغصب لغة: أخذ الشيء قهرا وظلما. (١)
وشرعا : الاستيلاء على حق الغير بلا حق. (٢)
فالغصب أخص من الاستيلاء، لأن الاستيلاء
یکون بحق وبغير حق.
جـ - وضع اليد :
٤ - يستفاد من كلام الفقهاء أن وضع اليد هو:
الاستيلاء على الشيء بالحيازة.
قال ابن عابدين : إن وضع اليد والتصرف من
أقوى ما يستدل به على الملك، ولذا تصح الشهادة
بأنه ملکه، ولیس للإمام أن يخرج شیئا من ید أحد
إلا بحق ثابت معروف، (٣) وفي ذلك خلاف
وتفصیل.
د - الغنيمة :
٥ - الاغتنام : أخذ الغنيمة ، وهي كما قال
أبو عبيد: ما أخذ من أهل العدو عنوة. فالاغتنام
أخص من الاستيلاء. (٤)
هـ - الإحراز :
٦ - الإِحراز لغة: جعل الشيء في الحرز، وهو
(١) المصباح المنير مادة (غصب) .
(٢) شرح المنهج مع حاشية الجمل ٤/ ٤٦٩، وكشاف القناع
٧٦/٤، وحاشية الدسوقي ٣/ ٤٤٢، والدر المختار ١١٣/٥ ط
بولاق سنة ١٤٧٢، والفواكه الدواني ٢١٦/٢
(٣) المصباح والقاموس، وحاشية ابن عابدين ٣/ ٢٥٧، والمنثور في
القواعد للزركشي ٣/ ٣٧٠
(٤) المصباح، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٢٤٨/٣ ط دار
المعارف بیروت، وفتح القدير ٢٠٣/٤
الموضع الحصين الذي يحفظ فيه الشيء.
وفي الشرع: حفظ المال فيما يحفظ فيه عادة،
کالدار والخيمة، أو بالشخص نفسه. (١)
وبين الإِحراز والاستيلاء عموم وخصوص.
ولذا كان الإِحراز شرطا لترتب الملك على
الاستيلاء في بعض الصور، فينفرد الاستيلاء في
مثل استيلاء الكفار على أموال المسلمين في دار
الإِسلام، فليس ذلك إحرازا .
صفة الاستيلاء ( حكمه التكليفي ) :
٧ - يختلف حكم الاستيلاء بحسب الشيء
المستولى عليه، وتبعا لكيفية الاستيلاء، فالأصل
بالنسبة للمال المعصوم المملوك للغير أن الاستيلاء
عليه محرم، إلا إذا كان مستندا إلى طريق مشروع.
أما المال غير المعصوم فإنه يجوز الاستيلاء عليه وإن
کان مملوکا، وکذا المال المباح فإنه يملك بالاستيلاء
علیه علی ما سيأتي بيانه.
أثر الاستيلاء في الملك والتملك :
٨ - الاستيلاء يفيد الملك إذا ورد على مال مباح
غير مملوك لأحد، على تفصيل يأتي بيانه، أو كان
في حكم المباح لعدم العصمة، بأن كان مالا
للحربيين في دار الحرب. وهذا إما أن يكون
منقولا، أو عقارا، ولكل حكمه الخاص.
٩ - فإن كان المال الذي تم الاستيلاء عليه من
(١) القاموس. والمصباح مادة (حرز)، وطلبة الطلبة ص ٧٧،
والنظم المستعذب ٣٦٦/١ ط م الحلبي، وحاشية الشلبي على
تبيين الحقائق ٣/ ٢٢٠ ط دار المعارف، وحاشية ابن عابدين
٢٨٢/٥ ط أولى بولاق.
- ١٥٨ -

استيلاء ٩ - ١١
الحربيين منقولا أخذ بالقهر والغلبة، فإن الملك لا
يتحقق فيه إلا بالقسمة بين الغانمين، فالملك
موقوف عليها. (١) وفي قول عند الشافعية أن الملك
يثبت بنفس الاستيلاء بدار الحرب بعد الفراغ من
القتال، لزوال ملك الكفار بالاستيلاء، ووجود
مقتضى التمليك، وهو انقضاء القتال، وفي قول
أن الملك موقوف، فإن سلمت الغنيمة إلى القسمة
بانَ ملكهم على الشيوع. (٢)
وبالقسمة۔ ولو في دار الحرب - ثبت الملك،
ويستقر عند جمهور الفقهاء: المالكية، والشافعية،
والحنابلة. وبهذا قال الأوزاعي وابن المنذر وأبو ثور،
لما روى أبو إسحاق الفزاري قال: قلت
للأوزاعي: هل قسم رسول الله (صچر شيئا من
الغنائم بالمدينة؟ قال: لا أعلمه، إنما كان الناس
يتبعون غنائمهم ويقسمونها في أرض عدوهم، ولم
يقفل رسول الله 18 عن غزاة قط، أصاب فيها
غنيمة إلا خََّهُ وقسمه من قبل أن يقفل، ولأن
الملك ثبت فيها بالقهر والاستيلاء، فصحت
قسمتها كما لو أحرزت بدار الإِسلام، لأن سبب
الملك الاستيلاء التام وقد وجد، فإننا أثبتنا أيدينا
علیها حقیقة، وقهرناهم ونفیناهم عنها، والاستيلاء
يدل على حاجة المستولي فيثبت الملك
كالمباحات. (٣)
(١) البدائع ٧/ ١٢١، والمغني ٤٤٦/٨ - ٤٤٧
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٣٩ ط ١٩٦٠، ونهاية
المحتاج ٧٣/٨
(٣) حاشية الدسوقي ٢/ ١٩٤، ومنح الجليل ٧٤٥/١، ٧٥٠.
ونهاية المحتاج ٧٣/٨، والمغني ٤٢١/٨ - ٤٢٢
١٠ - لكن الحنفية يرون أن الملك لا يثبت للغزاة
بدار الحرب بالاستيلاء، ولكن ينعقد سبب الملك
فيها، على أن يصير علة عند الإِحراز بدار
الإِسلام، وعلى هذا فلم يعتبروا قسمة الغنائم في
دار الحرب قسمة تمليك، وإنما هي قسمة حمل، لأن
ملك الكفارقائم، إذ الملك لا يتم عليها إلا
بالاستيلاء التام، ولا يحصل إلا بإحرازها في دار
الإِسلام، وما دام الغزاة في دار الحرب فاسترداد
الكفار لیس بنادر بل هو محتمل. (١)
١١ - وأما إن كان المال المستولى عليه من الكفار
بالقهر والغلبة أرضا، فإن للفقهاء ثلاثة اتجاهات:
فالحنفية، والحنابلة في رواية - عليها المذهب
عندهم - صرحوا بأن الإِمام مخيّرٌ بين أن يقسمها أو
يتركها في يد أهلها بالخراج. (٢)
وقال المالكية في المشهور عندهم : إنها لا تقسم،
ويرصد خراجها في مصالح المسلمین، إلا أن يرى
الإِمام في وقت أن المصلحة تقتضي القسمة،
والقول بأنها تصير وقفا بالاستيلاء، ويرصد
خراجها لصالح المسلمين رواية عند الحنابلة.
وقال الشافعية : إنها تملك للفاتحين كالمنقول.
وهو رواية عند الحنابلة، وبه قال ابن رشد المالكي،
وهو قول عند المالكية يقابل المشهور، وقالوا: إن
الاستيلاء الحكمي کالحقيقي في ترتب الملك على
الاستيلاء. (٣)
(١) البدائع ١١٦/٧، ١١٨ - ١٢١، والمغني ٤٢١/٨
(٢) المغني ١١٨/٢، والمقنع وحواشيه ١/ ٥١٠
(٣) البدائع ١١٨/٧، وحاشية الدسوقي ٢/ ١٨٩، ونهاية المحتاج
٧٣/٨، ١١٩، والأحكام السلطانية للماوردي ١٣٧ - ١٣٨،
والمغني ٧١٧/٢، وكشاف القناع ١٢٨/٤، ١٣٣، ومنح الجليل
٥٨٥/١ - ٥٨٦
- ١٥٩ -

استيلاء ١٢ - ١٥
١٢ - أما الأرض التي استولى عليها المسلمون بعد
جلاء الكفار عنها خوفا، فإنها تصير بالاستيلاء
عليها وقفا لمصالح المسلمين.
وأما الأرض التي استولى عليها المسلمون صلحا
فإنها تبقى في أيدي أصحابها، إذا كان الصلح على
أن تبقى في ملكيتهم، ويوضع عليها الخراج. أما
إذا كان الصلح على أن يتملكها المسلمون فإنها
تكون وقفا لمصالح المسلمين. (١)
١٣ - وأما إذا كان الاستيلاء على مال معصوم
مملوك للغير بطريق من طرق التملك، فإن
الاستيلاء وحده لا یکسب ملکیة، (٢) وإنما حدوث
التملك يكون بالسبب المشروع الذي يقتضيه
كالشراء والهبة، وحق الاستيلاء في هذه الحالة
یکون أثرا ونتيجة للتملك ولیس سببا له.
وأما إذا كان الاستيلاء عدوانا، فإنه لا يفيد
ملكا. وبيان ذلك في مصطلحات (غصب)
و(سرقة).
١٤ - واستيلاء الحاكم على ما يحتكره التجار له أثر
في إزالة ملکیتھم، إذ للحاكم رفع يد المحتکرین
عما احتكروه وبيعه للناس جبرا، والثمن لمالكيه،
على خلاف وتفصيل مبين في مصطلح (احتكار).
ومن ذلك ما قالوه من استيلاء الحاكم على
الفائض من الأقوات بالقيمة لإمداد جهة انقطع
عنها القوت أو إمداد جنوده، لأن للإِمام أن يخرج
ذلك إذا كان بحق ثابت معروف كما يفهم من
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٣٧ - ١٣٨، والمغني ٧١٩/٢
(٢) البدائع ٧/ ١٢١، ١٢٧، والمغني ٨/ ٤٣٠، والشرح الكبير مع
حاشية الدسوقي ١٨٧/٤، ونهاية المحتاج ٧٣/٨، والمهذب
٢٤٣/٢
حاشية ابن عابدين، (١) والاستيلاء على عمل
الصانع إذا احتاج الناس إلى صناعة طائفة
كالفلاحة والنساجة، (٢) ومدار الاستيلاء في
الصورتين على العرف.
استيلاء الكفار الحربيين على أموال المسلمين:
١٥ - اختلف الفقهاء في هذا على ثلاثة أقوال .
مشهورة :
(١) إن ما استرده المسلمون من أيدي الحربيين فهو
لأربابه، بناء على أن الكفارلا يملكون أموال
المسلمين بالاستيلاء عليها أصلا، وممن قال بهذا
الشافعية، وأبو ثور وأبو الخطاب من الحنابلة، (٣)
واحتجوا بما رواه عمران بن حصين أنه أسرت امرأة
من الأنصار، وأصيبت العضباء، فكانت المرأة في
الوثاق، وکان القوم یریحون نعمهم بين يدي
بیوتهم، فانفلتت مع نعمها ذات ليلة من الوثاق،
فأتت الإِبل، فجعلت إذا دنت من البعير رغا
فتتركه، حتى تنتهي إلى العضباء، فلم ترغ.
قال: وناقة منوَّقة. فقعدت في عجزها ثم زجرتها
فانطلقت، ونذروا بها، فطلبوها فأعجزتهم. قال:
ونذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فلما
قدمت المدينة رآها الناس، فقالوا: العضباء ناقة
رسول الله وَل *! فقالت: إنها نذرت إن نجاها الله
عليها لتنحرنها. فأتوا رسول الله وصله، فذكروا ذلك
(١) حاشية ابن عابدين ٣/ ٢٥٧
(٢) البدائع ١٢٩/٥، والشرح الصغير ٣٩/٤، وحاشية الجمل
٤ / ٤٦٩
(٣) المغني ٨/ ٤٣٣ - ٤٣٤، والمهذب ٢٤٢/٢، وبجيرمي على
المنهج ٤/ ٢٥٩
- ١٦٠ -
: