النص المفهرس

صفحات 81-100

استقسام ٣ - ٥
ومن ذلك يتبين أن الطرق بالحصى والاستقسام
كلاهما لطلب معرفة الحظوظ.
ب - الطيرة :
٣ - هي التشاؤم، وأصله أن العربي كان إذا أراد
المضي لمهمّ مرّ بمجاثم الطير وأثارها، فإِن تیامنت
مضى، وإن تشاءمت تطير وعدل. فنهي الشارع
عن ذلك(١) ففي الحديث: ((ليس منا من تَطَيِرَّ أو
تطير له))(٢) وهي بهذا تشبه الاستقسام في أنها طلب
معرفة قسمه من الغيب.
ج - الفأل :
٤ - الفأل هو أن تسمع کلاما حسنا فتتیمن به،
والفأل ضد الطيرة، وفي الحديث ((كان النبي وِ ل
يجب الفأل ويكره الطيرة)). (٣)
= حديث قبيصة بن برمة الأسدي. وقال النووي بعد عزو الحديث
لأبي داود: إسناده حسن (فيض القدير ٣٩٥/٤ - ٣٩٦ ط المكتبة
التجارية ١٣٥٦هـ).
(١) ابن عابدين ١/ ٥٧٩ ط بولاق ثالثة، وإعلام الموقعين ٣٩٧/٤
ط دار الجيل بيروت، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣٧٦/٣ ط
المنار، والزواجر ١٠٩/٢، ١١٠
(٢) حديث: ((ليس منا من تطير ... )). أخرجه الطبراني والبزار
من حديث عمران بن حصين. قال المنذري: إسناد الطبراني
حسن وإسناد البزار جيد، وقال الهيثمي: فيه إسحاق بن الربيع
العطار وثقه أبوحاتم وضعفه غيره وبقية رجاله ثقات (فيض
القدير ٣٨٥/٥ ط المكتبة التجارية الكبرى ١٣٥٦هـ).
(٣) حديث: ((كان النبي ◌َ﴿ يحب الفأل ... )). أخرجه أحمد بن
حنبل من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ، وأخرجه ابن ماجه بلفظ
((كان النبي# يعجبه الفأل الحسن ويكره الطيرة)) قال الحافظ
البوصيري إسناده صحيح، ورجاله ثقات (مسند أحمد بن حنبل
٣٣٢/٢ نشر المكتب الإسلامي ١٣٩٨ هـ، وسنن ابن ماجه
بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٢/ ١١٧٠ ط عيسى الحلبي).
والفأل مستحسن إذا كان من قبيل الكلمة
الحسنة يسمعها الرجل من غير قصد، نحو:
یا فلاح ویا مسعود فیستبشر بها.
والفأل بهذا المعنى ليس من قبيل الاستقسام
(المنهي عنه) أما إذا قصد بالفأل طلب معرفة الخير
من الشر عن طريق أخذه من مصحف، أوضرب
رمل، أو قرعة ونحوها - وهو يعتقد هذا المقصد إن
خرج جيدا اتبعه، وإن خرج رديا اجتنبه - فهو
حرام، لأنه من قبيل الاستقسام المنهي عنه.(١)
د - القرعة :
٥ - القرعة : اسم مصدر بمعنى الاقتراع وهو
الاختيار بإلقاء السهام ونحو ذلك. وليست القرعة
من الميسر كما يقول البعض، لأن الميسر هو القمار،
وتمییز الحقوق لیس قمارا.
وليست من الاستقسام المنهي عنه، لأن
الاستقسام تعرض لدعوى علم الغيب، وهو محا
استأثر به الله تعالى، في حين أن القرعة تمييز نصيب
موجود، فهي أمارة على إثبات حكم قطعا
للخصومة، أو لإزالة الإِبهام.
وعلى ذلك فالقرعة التي تكون لتمييز الحقوق
مشروعة.
أما القرعة التي يؤخذ منها الفأل، أو التي يطلب
بها معرفة الغيب والمستقبل فهي في معنى
الاستقسام الذي حرمه الله سبحانه وتعالى. (٢)
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والفروق ٤/ ٢٤٠، وإعلام
الموقعين ٣٩٧/٤، والآداب الشرعية ٣٧٦/٣، والقرطبي
٥٩/٦، وأحكام القرآن لابن العربي ٥٤٣/٢، وابن عابدين
٥٥٥/١
(٢) لسان العرب، والفروق ٤/ ١١١، ١١٢، ١١٣، ٢٤٠،
والقرطبي ٦/ ٥٩، ومنتهى الإرادات ٥١٥/٣
- ٨١ -

استقسام ٦ - ٨، استقلال، استكساب
هـ - الكهانة :
٦ - الكهانة أو التكهن : ادعاء علم الغيب،
والكاهن هو الذي يخبر عن بعض المضمرات،
فيصيب بعضها، ويخطىء أكثرها، ويزعم أن الجن
يخبره بذلك، ومثل الكاهن: العراف، والرمال،
والمنجم، وهو الذي يخبر عن المستقبل بطلوع
النجم وغروبه.(١)
وفي الحديث : ((ليس منا من تطير أوتطير له،
أو تکهن أو تکهن له، أو سحر أوسحر له)). و((من
أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على
محمد)). (٢) وعلى ذلك فالكهانة هي من قبيل
الاستقسام الذي حرمه الله تعالی .
صفة الاستقسام (حكمه التكليفي):
٧ - الاستقسام بالأزلام ومافي معناها - سواء كان
لطلب القسم في أمور الحياة الغيبية، أو كان
للمقامرة ۔ ولو کان المقصود به خیرا حرام، کما ورد
في القرآن الكريم: (إنما الخمر والميسر والأنصاب
والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه). (٣)
وقوله تعالى : (حرمت عليكم الميتة والدم ... )
إلى قوله (وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق). (٤)
فهو خروج عن طاعة الله، لأنه تعرض لعلم
(١) المهذب ٢/ ٢٢٥، والزواجر ١٠٩/٢، والقرطبي ٥٩/٦، وابن
عابدين ٣٠٦/٣، ومنتهى الإرادات ٣٩٥/٣
(٢) حديث: (ليس منا من تطير أو تطير له ... ) سبق تخريجه فقرة
(٣) وعبارة ((من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل
على محمد)» للبزار فقط.
(٣) سورة المائدة / ٩٠
(٤) سورة المائدة / ٣
الغيب، أونوع من المقامرة، وكلاهما منهي عنه. (١)
إحلال الشرع الاستخارة محل الاستقسام:
٨ - لما كان الإنسان بطبعه يميل إلى التعرف على
طريقه، والاطمئنان إلى أمور حياته، فقد أوجد
الشرع للإِنسان ما يلجأ به إلى الله تعالى ليشرح
صدره لما فيه الخير فيتجه إليه .
والاستخارة طلب الخيرة في الشيء، (٣)
والتفصيل في مصطلح (استخارة).
استقلال
انظر : انفراد
استکساب
انظر : إنفاق ، ونفقة
(١) القرطبي ٦/ ٥٩، وأحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٤٣، والمغني
٨/٧، والمبسوط ٢/٢٤، وابن عابدين ٣١/١، ٣٢،
٣٠٦/٣، والفروق ٤/ ٢٤٠، والزواجر ١٠٩/٢ ومابعدها،
وإعلام الموقعين ٣٩٧/٤، والآداب الشرعية لابن مفلح
٣٧٦/٣، ومنتهى الإرادات ٣٩٥/٣، وزاد المعاد ٤/ ٢٥٤ ط
مصطفى الحلبي.
(٢) الأذكار للنووي ص ١٠١ ط دار الملاح للطباعة والنشر، والمغني
١٣٣/٢، وابن عابدين ١/ ٤٦١، ومنح الجليل ١/ ١٠
- ٨٢ -

استلام ١ - ٢
استلام
التعريف :
١ - من معاني الاستلام في اللغة : اللمس باليد أو
الفم. والاستلام مأخوذ إما من السَّلام أي
التحية، (١) وإما من السِّلام أي الحجارة، لما فيه من
لمس الحجر. ويستعمله الفقهاء بهذه المعاني عند
الكلام عن الطواف. (٢)
وقد شاع استعمال الاستلام بمعنى التسلم،
فيرجع إليه بهذا المعنى في مصطلح : (تسلم).
الحکم الإجمالي :
٢ - يتفق الفقهاء على أنه يسن استلام الحجر
الأسود والركن اليماني باليد في أول الطواف، (٣)
روى ابن عمر ((أن رسول الله ◌َ و كان لا يستلم إلا
الحجر والركن اليماني)). (٤) وقال ابن عمر:
((ما تركت استلام هذين الركنين: اليماني والحجر
منذ رأيت رسول الله صل﴿ يستلمهما في شدة ولا
(١) لسان العربْ، وتاج العروس (سلم).
(٢) طلبة الطلبة ص ٢٩ ط مكتبة المثنى، والنظم المستعذب ٢٢٩/١
ط مصطفى الحلبي، والمغني لابن قدامة ٣٧١/٣ ط الرياض.
(٣) ابن عابدين ٣/ ١٦٩ ط بولاق، والعدوى على الكفاية ١/ ٤٠٤
ط مصطفى الحلبي، وشرح الروض ١/ ٤٨٠، ٤٨١ ط اليمنية،
والمغني لابن قدامة ٣٧٩/٣، ٣٨٠ ط الرياض.
(٤) حديث ((أن رسول الله﴿ كان لا يستلم إلا الحجر ... )) أخرجه
مسلم من حديث عبدالله بن عمر (صحيح مسلم ٢/ ٩٢٤ ط
عيسى الحلبي ١٣٧٤هـ).
رخاء)). (١) ولأن الركن اليماني مبني على قواعد
إبراهيم عليه السلام، فسنّ استلامه، كاستلام
الركن الذي فيه الحجر. (٢) والاستلام في كل طوفة
كالمرة الأولى عند الحنفية، والشافعية، والحنابلة،
وقال المالكية بالاستحباب . (٣)
والاستلام بالفم كالاستلام باليد بالنسبة
للحجر، إلا أن المالكية قالوا: إن الاستلام باليد
يكون بعد العجز عن الاستلام بالفم. (٤) وفي
استلام اليماني بالفم خلاف بين الفقهاء يذكر في
أحكام الطواف.
وعند العجز عن الاستلام باليد يستلم الإنسان
بشيء في يده.
فإِن لم يمكنه استلامه أصلا أشار إليه وکبر
لحديث ابن عباس قال: ((طاف النبي ◌َّليزر على
بعير كلما أتى الركن أشار إليه وكبر)). (٥)
وبعد الانتهاء من ركعتي الطواف يسن كذلك
(١) حديث ابن عمر (ما تركت استلام هذين الركنين ... )).
أخرجه مسلم (صحيح مسلم ٩٢٤/٢ ط عيسى الحلبي
١٣٧٤ هـ).
(٢) المغني لابن قدامة ٣/ ٣٨٠
(٣) ابن عابدين ١٦٩/٢، وشرح الروض ١/ ٤٨٠، والمهذب
٢٢٩/١، والمغني لابن قدامة ٣/ ٣٨٠، والعدوى على الكفاية
٤٠٤/١
(٤) ابن عابدين ٢/ ١٦٦، ومغني المحتاج ٤٨٧/١ ط مصطفى
الحليي، والمغني لابن قدامة ٣٧٩/٣
(٥) ابن عابدين ١٦٦/٢، والكفاية ٤٠٥/١ ط مصطفى الحلبي،
وشرح الروض ١/ ٤٨٠، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٥٠ ط
الرياض، والمغني لابن قدامة ٣٨١/٣. وحديث: ((طاف النبي
... » أخرجه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما،
ولفظه: (طاف النبي ) بالبيت على بعير كلما أتى على الركن
أشار بشيء في يده وكبر)) (فتح الباري ٣/ ٤٧٦ ط السلفية).
- ٨٣ -

استلام ٢ ، استحقاق - ١
العود لاستلام الحجر الأسود. (١) وهذا كله بالنسبة
للرجل، ويختلف الحال بالنسبة للمرأة في بعض
الأحوال.
واستلام الحجر والركن اليماني تعبدي
وخصوصية لهما، وتفصيل ذلك يذكره الفقهاء في
أحكام الطواف.
استلحاق
التعريف
١ - الاستلحاق لغة : مصدر استلحق، يقال:
استلحقه ادعاه. (٢)
واصطلاحا : هو الإِقرار بالنسب. والتعبير
بلفظ الاستلحاق هو استعمال المالكية، والشافعية،
والحنابلة، وأما الحنفية فاستعملوه في الإِقرار
بالنسب على قلة. (٣)
صفته (حكمه التكليفي) :
٢ - جاء في حديث عمروبن شعيب: ((أن النبي
* قضى أن كل مستَلْحَق اسْتُلحِقَ بعد أبيه الذي
(١) ابن عابدين ١٦٩/٢، والعدوي على الكفاية ٤٠٥/١، ومغني
المحتاج ٤٨٧/١
(٢) لسان العرب، وتاج العروس، والصحاح في مادة (لحق).
(٣) حاشية البجيرمي على شرح المنهج ٣/ ٩١ ط المكتب الإسلامي،
وفتح العزيز ٢٦١/٣، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي
٤١٢/٣
يدعى له فقد لَجِقَ بمن استلحقه))(١) قال
الخطابي : هذه أحكام وقعت في أول زمان
الشريعة، وذلك أنه كان لأهل الجاهلية إماء بغايا،
وكان سادتهن يلمّون بهن، فإِذا جاءت إحداهن
بولد وبما ادعاه السيد والزاني، فألحقه النبي ومخلل
بالسيد، لأن الأمة فراش كالحرة، فإن مات السيد
ولم یستلحقه ثم استلحقه ورثته بعده لحق بأبيه.
وقد اتفق الفقهاء على أن حكم الاستلحاق
عند الصدق واجب، ومع الكذب في ثبوته ونفیه
حرام، ويعد من الكبائر، لأنه كفران النعمة، لما
صح عن رسول الله وَ ﴿ أنه قال: ((أيما امرأة أَدْخَلَتْ
على قوم مَنْ ليس مِنْهم، فليستْ من الله في شيء،
ولن يُدْخِلَها الله جنته، وأيما رجلٍ جَحَدَ ولده وهو
ینظر إلیه احتجب الله تعالی منه، وفضحه على
رءوس الأولين والآخرين يوم القيامة)). (٢)
(١) حديث: ((أن النبي ﴿ قضى أن كل مستلحق ... )) أخرجه
أبوداود وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
قال: ((أن النبي پے قضی۔۔ وفي ابن ماجة قال- أن كل مستلحق
استلحق بعد أبيه الذي يدعى له ادعاه ورثته فقضی أن کل من
كان من أمة يملكها يوم أصابها فقد حق بمن استلحقه». قال
الحافظ البوصيري عند التعليق على رواية ابن ماجة: إسناده
حسن. قال صاحب عون المعبود: روى عن عمرو هذا الحديث
محمد بن راشد بن مكحول وفيه مقال (عون المعبود ٢/ ٢٤٧ ط
الهند، وسنن ابن ماجه تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٢/ ٩١٧ -
٩١٨ط عيسى الحلبي ١٣٧٣ هـ).
(٢) حديث: ((أيما امرأة أدخلت على قوم ... )) أخرجه أبو داود
والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم - وصححاه ووافق
الذهبي الحاكم على تصحيحه - من حديث أبي هريرة،
وصححه الدارقطني في العلل، مع اعترافه بتفرد عبدالله بن
يوسف عن سعيد المقبري، وأنه لا يعرف إلا به. وقال في الفتح
بعد ماعزاه لأبي داود والنسائي وابن حبان والحاكم عن
عبدالله بن يوسف حجازي: ما روى عنه سوى يزيد بن الهاد . =
- ٨٤ -

استماع ١ - ٣
هذا ويشترط فقهاء المذاهب لصحة الاستلحاق
شروطاً معینة، منها: أن يولد مثله لمثله، وأن يكون
مجهول النسب ، وألا یکذبه المقرله إن كان من أهل
الإقرار على تفصيل في مصطلح (نسب)(١) وفي بابه
من كتب الفقه.
استماع
التعريف :
١ - الاستماع لغة واصطلاحا : قصد السماع بغية
فهم المسموع أو الاستفادة منه. (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - السماع :
٢ - الاستماع لا يكون استماعا إلا إذا توفر فيه
القصد، أما السماع فإنه قدیکون بقصد، أوبدون
قصد. (٣) وغالب استعمال الفقهاء للسماع ينصرف
إلى استماع آلات الملاهي، أي بالقصد.
= (فيض القدير ١٣٧/٣ ط المكتبة التجارية ١٣٥٦هـ، والمستدرك
٢٠٣/٢ نشر دار الكتاب العربي).
(١) بدائع الصنائع ٢٢٨/٧، ونهاية المحتاج ١٠٦/٥ ط المكتب
الإسلامي، والمغني ٥/ ٢٠٠ ط السعودية، ومواهب الجليل
٢٣٨/٥ ط ليبيا، والنهاية لابن الأثير (لحق).
(٢) المصاح المنبر مادة (سمع) والفروق في اللغة ص ٨١ طبع دار
الآفاق، وحاشية قليوبي ٢٩٧/٣
(٣) المصباح المنير مادة (سمع)
ب - استراق السمع :
الاستماع قد یکون على سبيل الاستخفاء، وقد
يكون على سبيل المجاهرة، ولكن استراق السمع
لا یکون إلا علی سبیل الاستخفاء، ولذلك قالوا:
استراق السمع هو الاستماع مستخفيا(١) (ر:
استراق السمع).
جـ - التجسس :
الاستماع لا يكون إلا بالسمع، أما التجسس
فإنه يكون بالسمع وبغيره فضلا عن أن التجسس
يكون على سبيل الاستخفاء، (٢) في حين أن
الاستماع يكون على سبيل الاستخفاء، أو على
سبيل المجاهرة (ر: تجسس).
د - الإنصات :
الإِنصات هو السكوت للاستماع. (٣)
ويكون الاستماع إما لصوت الإِنسان، أو
الحيوان، أو الجماد.
النوع الأول : استماع صوت الإِنسان.
أ - حكم استماع القرآن خارج الصلاة:
٣ - الاستماع إلى تلاوة القرآن الكريم حين يقرأ
واجب إن لم يكن هناك عذر مشروع لترك
الاستماع . (٤)
(١) المصباح المنير مادة (سرق).
(٢) المصباح المنير مادة (جس).
(٣) المصباح المنير مادة (نصت).
(٤) فتح القدير للشوكاني ٢/ ٢٦٧ طبع مصطفى البابي الحلبي =
- ٨٥ -

استماع ٤ - ٥
وقد اختلف الحنفية في هذا الوجوب، هل هو
وجوب عيني، أووجوب کفائي؟ قال ابن عابدين:
الأصل أن الاستماع للقرآن فرض كفاية، لأنه
لإقامة حقه، بأن يكون ملتفتا إليه غير مضيع،
وذلك يحصل بإنصات البعض، كما في رد السلام.
ونقل الحموي عن إستاذه قاضي القضاة يحيى
الشهير بمنقاري زاده: أن له رسالة حقق فيها أن
سماع القرآن فرض عين. (١)
نعم إن قوله تعالى في سورة الأعراف (وإذا
قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا)(٢) قد نزلت
النسخ جواز الكلام أثناء الصلاة. (٣) إلا أن العبرة
لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، ولفظها يعم
قراءة القرآن في الصلاة وفي غيرها. (٤)
وعند الحنابلة : يستحب استماع قراءة القرآن
الکریم. (٥)
٤ - ويعذر المستمع بترك الاستماع لتلاوة القرآن
الکریم، ولا یکون آٹما بذلك۔ بل الآثم هو التالي،
على ما ذكره ابن عابدين - إذا وقعت التلاوة
بصوت مرتفع في أماكن الاشتغال، والمستمع في
حالة اشتغال، كالأسواق التي بنيت ليتعاطى فيها
الناس أسباب الرزق، والبيوت في حالة تعاطي
أهل البيت أعمالهم من كنس وطبخ ونحوذلك،
= ١٣٥٠ هـ، وأحكام القرآن للجصاص ٤٩/٣ طبع المطبعة
البهية المصرية، وحاشية ابن عابدين ٣٦٦/١ الطبعة الأولى.
(١) حاشية ابن عابدين ٣٦٧/١
(٢) سورة الأعراف / ٢٠٤
(٣) انظر تفسير القرطبي لهذه الآية (٣٥٣/٧ ط دار الكتب المصرية
١٩٦٠م)
(٤) حاشية ابن عابدين ٣٦٦/١
(٥) شرح منتهى الإرادات ١/ ٢٤٢
وفي حضرة ناس يتدارسون الفقه، وفي المساجد،
لأن المساجد إنما بنيت للصلاة، وقراءة القرآن تبع
للصلاة، فلا تترك الصلاة لسماع القرآن فیه. وإنما
سقط إثم ترك الاستماع للقرآن في حالات الاشتغال
دفعا للحرج عن الناس. قال تعالى: (وما جعل
علیکم في الدين من حرج)(١) وإنما أثم القارىء
بذلك، لأنه مضيع لحرمة القرآن. (٢)
ب - طلب تلاوته للاستماع إليه :
٥ - يستحب للمسلم أن يطلب ممن يعلم منه إجادة
التلاوة للقرآن الكريم مع حسن الصوت التلاوة
ليستمع إليها، قال الإمام النووي: ((اعلم أن
جماعات من السلف رضوان الله عليهم كانوا
يطلبون من أصحاب القراءة بالأصوات الحسنة أن
یقرءوا وهم يستمعون، وهذا متفق على استحبابه،
وهو من عادة الأخيار المتعبدين وعباد الله
الصالحين، وهو سنة ثابتة عن رسول الله ﴾. فقد
صح عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال:
قال لي رسول الله صل#1: «اقرأ علي، فقلت: يارسول
الله أقرأ عليك، وعليك أنْزِل؟ قال: نعم)) وفي
رواية:«إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت
سورة النساء حتى أتيت على هذه الآية (فكيف
إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على
هؤلاء شهيدا)(٣) قال: حسبك الآن، فالتفت
(١) سورة الحج / ٧٨
(٢) مواهب الجليل ٢/ ٦٢ طبع مكتبة النجاح طرابلس ليبيا،
وجواهر الإكليل ٧١/١ طبع عباس شقرون، وحاشية ابن
عابدين ٣٦٦/١ و٣٦٧، والفتاوى الهندية ٣١٦/٥
(٣) سورة النساء / ٤١
- ٨٦ -

استماع ٦ - ٧
إليه فإذا عيناه تذرفان)). (١)
وروی الدارمي وغيره بأسانیدهم عن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه أنه کان یقول لأبي موسى
الأشعري: ذكرنا ربنا، فيقرأ عنده القرآن. (٢)
والآثار في هذا كثيرة معروفة.
٦ - قال النووي : وقد استحب العلماء أن يستفتح
مجلس حديث النبي # ويختم بقراءة قارىء حسن
الصوت مما تيسر من القرآن. (٣)
وقد صرح الحنفية بأن استماع القرآن الكريم
أفضل من قراءة الإِنسان القرآن بنفسه، لأن
المستمع يقوم بأداء فرض بالاستماع، بينما قراءة
القرآن ليست بفرض، قال أبو السعود في حاشيته
على ملا مسکین: استماع القرآن أثوب من قراءته،
لأن استماعه فرض بخلاف القراءة. (٤)
ج - استماع التلاوة غير المشروعة :
٧ - ذهب الجمهور إلى عدم جواز استماع تلاوة
القرآن الكريم بالترجيع والتلحين المفرط الذي فيه
التمطيط، وإشباع الحركات. والترجيع: أي
الترديد للحروف والإِخراج لها من غير مخارجها .
وقالوا : التالي والمستمع في الإِثم سواء، أي إذا
ينكر عليه أو يعلمه. أما تحسين الصوت بقراءة
القرآن من غير مخالفة لأصول القراءة فهو
(١) حديث ((اقرأ عليّ القرآن ... )) أخرجه البخاري من حديث
عبدالله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعا.
(٢) والأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخرجه الدارمي (سنن
الدارمي ٤٧٢/٢ ط المطبعة الحديثة بدمشق ١٣٤٩ هـ).
(٣) التبيان في آداب حملة القرآن ص ٦٤ ط دار الفكر.
(٤) أبو السعود على ملا مسكين ٣/ ٣٩٠
مستحب، واستماعه حسن، لقول رسول الله *:
((زينوا القرآن بأصواتكم))(١) وقوله عليه الصلاة
والسلام في أبي موسى الأشعري: ((لقد أوتي
مزمارا من مزامير آل داود)». (٢)
وعلى هذا يحمل قول الإِمام الشافعي في الأم:
لا بأس بالقراءة بالألحان وتحسين الصوت بها بأي
وجه ماكان، وأحب ما يقرأ إليّ حدراً وتحزينا . (٣)
وذهب بعض الشافعية - كالماوردي - إلى أن
التغني بالقرآن حرام مطلقا، لإِخراجه عن نهجه
القويم، وقيّده غيره بما إذا وصل به إلى حد لم يقل
به أحد من القراء، وذهب بعض الحنابلة كالقاضي
أبي يعلى إلى أن قراءة القرآن بالألحان مكروهة
على كل حال، لإِخراج القرآن عن نهجه القويم،
(١) حديث ((زينو القرآن بأصواتكم)) أخرجه أبوداود والنسائي وابن
ماجة مرفوعاً من حديث البراء بن عازب، سكت عنه المنذري،
وصححه الألباني. (مختصر أبي داود للمنذري ٢/ ١٣٧، ١٣٨،
نشر دار المعرفة ، وجامع الأصول ٢ / ٤٥٤ نشر مكتبة الحلواني
١٣٨٩ هـ،. وصحيح الجامع الصغير بتحقيق الألباني ٣/ ١٩٤
نشر المكتب الإسلامي، ومشكاة المصابيح ٦٧٤/١ نشر المكتب
الإسلامي ١٣٩٩ هـ).
(٢) حاشية أبي السعود على ملا مسكين ٣/ ٣٩٠، وحاشية ابن
عابدين على الدر ٥/ ٢٧٠، ومجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر
٥٢٨/٢، والفتاوى الهندية ٥/ ٣١٧، وجواهر الإكليل ١/ ٧١
طبع عباس شقرون، وكفاية الطالب ٢/ ٣٤٥، والمغني ٩/ ١٧٩
وما بعدها، وحاشية قليوبي ٤/ ٣٢٠.وحديث: ((لقد أوتي مزمارا
من مزامير آل داود)». أخرجه مسلم من حديث بريدة مرفوعا
بلفظ: ((إن عبدالله بن قيس أو ((الأشعري)) أعطي مزمارا من
مزامير آل داود)».(صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي
٥٤٦/١ ط.عيسى الحلبي ١٣٧٤هـ).
(٣) الأم ٦/ ٢١٥ طبع بولاق ١٣٢٦ هـ
- ٨٧ -

استماع ٨ - ١١
وفسروا قوله ﴿: ((ليس منا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن»
بأن معناه: يستغني به. (١)
٨ - وفي كراهة قراءة الجماعة على الواحد- كما يفعل
المتعلمون عند الشيخ وهو يستمع لهم - روايتان عند
المالكية .
إحداهما: أنه حسن.
والثانية: الكراهة، وهو ما ذهب إليه الحنفية،
قال ابن رشد: کان مالك یکره هذا ولا یرضاه، ثم
رجع وخففه.
وجه الكراهة : أنه إذا قرأ عليه جماعة مرة واحدة
لا بد أن يفوته سماع ما یقرأ به بعضھم، ما دام
يصغي إلى غيرهم، ويشتغل بالرد على الذي
يصغي إليه، فقد يخطىء في ذلك الحين ويظن أنه
قد سمعه، وأجاز قراءته، فيحمل عنه الخطأ،
ویظنه مذهبا له.
ووجه التخفيف: المشقة الداخلة على المقرىء
بانفراد کل واحد حین القراءة علیه إذا کثروا، وقد
لا يعمهم، فرأى جمعهم في القراءة أحسن من
القطع ببعضهم. (٢)
د - استماع الكافر القرآن :
٩ - لا يمنع الكافر من الاستماع إليه، لقوله جل
(١) المغني ٩/ ١٨٠، وحاشية القليوبي ٤/ ٣٢٠ وحديث ((ليس منا
من لم يتغن بالقرآن)). أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة،
وأحمد بن حنبل وأبو داود وابن حبان من حديث سعد بن
أبي وقاص، وأبو داود من حديث أبي لبابة بن عبدالمنذر،
والحاکم من حديث ابن عباس عن عائشة (فيض القدير ٣٨٧/٥
- ٣٨٨ ط المكتبة التجارية ١٣٥٦هـ).
(٢) مواهب الجليل ٢/ ٦٤ ط مكتبة النجاح ليبيا، والفتاوى الهندية
٣١٧/٥
شأنه: (وإنْ أحد من المشركين استجارك فأجره
حتى يسمع كلام الله)، (١) ورجاء أن يشرح الله
صدره للإسلام فيهتدي. (٢)
هـ - استماع القرآن في الصلاة :
١٠ - ذهب الحنفية إلى أن استماع المأموم في الصلاة
لقراءة الإِمام والإِنصات إليه واجب، وقراءته
مكروهة كراهة تحريمية، سواء أكان ذلك في
الجهرية أم السرية. (٣)
وذهب المالكية إلى أن استماع المأموم لقراءة
الإِمام تستحب في الجهرية، أما السرية فإنها
تستحب فيها القراءة على المعتمد، خلافا لابن
العربي حيث ذهب إلى وجوبها في السرية . (٤)
وذهب الشافعية إلى أن قراءة المأموم الفاتحة في
السرية والجهرية واجبة، وإن فاته الاستماع. (٥)
وذهب الحنابلة إلى أنه يستحب للمأموم
الاستماع إذا كان يسمع قراءة الإِمام في الجهرية، (٦)
وتفصيل ذلك في مصطلح (قراءة).
و- استماع آية السجدة :
١١ - يترتب على استماع أو سماع آية من آيات
السجدة السجود للتلاوة، على خلاف بين الفقهاء
في حكم السجود، تجده مع أدلته في مصطلح
(سجود التلاوة).
(١) سورة التوبة / ٦
(٢) التبيان ص ١٠٣، وحاشية قليوبي ٢٨٨/٣
(٣) ابن عابدين ٣٦٦/١، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح
ص ١٢٣ المطبعة الأميرية ط ٣
(٤) حاشية الدسوقي ٢٣٦/١
(٥) نهاية المحتاج ١/ ٤٥٧
(٦) المغني ١/ ٥٦٣
---------
- ٨٨ -
:

استماع ١٢ - ١٣
ثانيا - استماع غير القرآن الكريم :
أ - حكم استماع خطبة الجمعة :
اختلف الفقهاء في حكم الاستماع والإنصات
للخطبة .
١٢ - فذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة،
والأوزاعي إلى وجوب الاستماع والإنصات، وهو
ماذهب إليه عثمان بن عفان، وعبدالله بن عمر،
وابن مسعود،(١) حتى قال الحنفية: كل ما حرم في
الصلاة حرم في الخطبة، فيحرم أكل، وشرب،
وكلام، ولو تسبيحا، أورد سلام، أو أمرا
بمعروف، أو نهيا عن منكر. واستدلوا على ذلك:
- بقوله تعالى: (وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له
وأنصتوا)(٢)
- وبأن الخطبة كالصلاة، فهي قائمة مقام
ركعتين من الفريضة، ولم يستثن الحنفية والحنابلة
من ذلك إلا تحذیر من خیف هلاكه، لأنه يجب لحق
آدمي، وهو محتاج إليه، أما الإنصات فهو لحق الله
تعالى، وحقوق الله تعالى مبنية على المسامحة. (٣)
واستثنى المالكية أيضا: الذكر الخفيف إن كان
له سبب، كالتهليل، والتحميد، والاستغفار،
والتعوذ، والصلاة على النبي ◌َله، لكنهم اختلفوا
في وجوب الإسرار بهذه الأذكار الخفيفة . (٤)
واستدل من قال بوجوب الاستماع للخطبة بما
رواه أبو هريرة عن سيدنا رسول الله ويظهر أنه قال:
(١) المغني ٢/ ٣٢٠، والمجموع ٥٢٥/٤، وحاشية ابن عابدين
٣٦٦/١
(٢) سورة الأعراف / ٢٠٤
(٣) حاشية ابن عابدين ٣٦٦/١ والمغني ٣٣٣/٢
(٤) مواهب الجليل ١٧٦/٢ طبع دار الفكر.
((إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت - والإِمام
يخطب - فقد لغوت)).(١)
١٣ - وذهب الشافعية إلى أن الاستماع والإنصات
أثناء الخطبة سنة، ولا يحرم الكلام، بل یکره،
وحكى ذلك النووي عن عروة بن الزبير،
وسعيد بن جبير، والشعبي، والنخعي، والثوري،
وهو رواية عن الإِمام أحمد. (٢)
واستدلوا على الكراهة بالجمع بين حديث:
((إذا قلت لصاحبك: أنصت، فقد لغوت))(٣) وخبر
الصحيحين عن أنس: ((فبينا رسول* يخطب
على المنبر يوم الجمعة قام أعرابي فقال: يا رسول
الله، هلك المال وجاع العيال فادع لنا أن يسقينا.
قال: فرفع رسول الله﴾ يديه وما في السماء
قرعة ... ))(٤)
وإن عرض له ناجز کتعلیم خیر، ونهي عن
منكر، وإنذار إنسان عقربا، أو أعمى بثرا لم يمنع
من الكلام، لكن يستحب أن يقتصر على الإِشارة
إن أغنت، ويباح له - أي الكلام - بلا كراهة.
ويباح الكلام عند الشافعية للداخل في أثناء
(١) حديث ((إذا قلت لصاحبك ... )). أخرجه البخاري واللفظ
له، ومسلم وأحمد بن حنبل ومالك وأبو داود والنسائي وابن ماجة
من حديث أبي هريرة مرفوعا (فتح الباري ٢/ ٤١٤ ط السلفية،
وفيض القدير ٤١٨/١ ط المكتبة التجارية ١٣٥٦هـ).
(٢) المجموع ٤/ ٥٢٥ الطبعة الأولى، وأسنى المطالب ٢٥٨/١،
والمغني لابن قدامة ٢/ ٣٢٠
(٣) حديث ((إذا قلت لصاحبك ... )). سبق تخريجه ف/ ١٢
(٤) ((فبينا رسول الله # يخطب على المنبر يوم الجمعة قام أعرابي
فقال: يا رسول الله ... )). أخرجه البخاري واللفظ له، ومسلم
من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه (فتح الباري ٢/ ٥١٩ ط
السلفية، وصحيح مسلم بشرح النووي ١٩٣/٦، ١٩٤ ط
المطبعة المصرية).
- ٨٩ -
أ

استماع ١٤ - ١٦
الخطبة ما لم يجلس، کما صرحوا بأنه لو سلم داخل
على مستمع الخطبة وهو يخطب، وجب الرد عليه
بناء على أن الإنصات سنة، ويستحب تشميت
العاطس إذا حمد الله، لعموم الأدلة، وإنما لم يكره
کسائر الكلام لأن سببه قهري. (١)
١٤ - وذهب الحنابلة والشافعية إلى أن للبعيد
الذي لا يسمع صوت الخطيب أن يقرأ القرآن،
ويذكر الله تعالى، ويصلي على النبي 18 من غير
أن یرفع صوته، لأنه إن رفع صوته منع من هو أقرب
منه من الاستماع، وهذا مروي عن عطاء بن أبي
رباح، وسعيد بن جبير، وعلقمة بن قيس،
وإبراهيم النخعي، (٢) حتى قال النخعي: إني
لأقرأ جزئي إذا لم أسمع الخطبة يوم الجمعة. (٣)
وسأل إبراهيم النخعي علقمة: أقرأ في نفسي أثناء
الخطبة؟ فقال علقمة: لعل ذلك ألا يكون به
بأس. (٤)
ب - استماع صوت المرأة :
١٥ - إذا كان مبعث الأصوات هو الإنسان، فإن
هذا الصوت إما أن يكون غير موزون ولا مطرب،
أويكون مطربا.
فإن كان الصوت غیر مطرب، فإما أن يكون
صوت رجل أو صوت امرأة، فإن کان صوت رجل :
فلا قائل بتحريم استماعه.
(١) أسنى المطالب ٢٥٨/١ وما بعدها.
(٢) المغني ٢/ ٣٢٢، ومصنف عبدالرزاق ٢١٣/٣، وطرح
التشريب ١٨٣/٣، ونيل الأوطار ٣/ ٢٧٣ طبع مصطفى البابي
الحلبي ١٣٧٤ هـ، والمجموع ٤/ ٤٢٩ طبع مطبعة الإمام.
(٣) المغني ٣٢٢/٢
(٤) مصنف عبدالرزاق ٣/ ٢١٣
أما إن كان صوت امرأة، فإن كان السامع يتلذذ
به، أو خاف على نفسه فتنة حرم علیه استماعه،
وإلا فلا يحرم، (١) ويحمل استماع الصحابة رضوان
الله عليهم أصوات النساء حين محادثتهن على
هذا، وليس للمرأة ترخیم الصوت وتنغیمه وتلیینه،
لما فيه من إثارة الفتنة، وذلك لقوله تعالى: (فلا
تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض). (٢)
وأما إن كان الصوت مطربا فهذا الغناء استماع،
وفيما يلي تفصيل القول فيه:
ج - الاستماع إلى الغناء :
١٦ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن استماع الغناء
يكون محرما في الحالات التالية :
أ - إذا صاحبه منکر.
ب - إذا خشي أن يؤدي إلى فتنة كتعلق بامرأة، أو
بأمرد، أو هيجان شهوة مؤدية إلى الزنى .
جـ- إن کان يؤدي الی ترك واجب ديني کالصلاة،
أو دنيوي كأداء عمله الواجب عليه، أما إذا أدى
إلی ترك المندوبات فیکون مکروها. کقيام الليل،
والدعاء في الأسحار ونحو ذلك.(٣)
(١) حاشية قليوبي ٢٠٨/٣ طبع مصطفى الحلبي، وحاشية
الدسوقي ١٩٥/١، وإحياء علوم الدين ٢/ ٢٨١، وحاشية ابن
عابدین ٢٧١/١، ٢٣٦/٥
(٢) سورة الأحزاب / ٣٢
(٣) إحياء علوم الدين ٢/ ٢٦٩، وسنن البيهقي ٥/ ٦٩، ٩٧،
وأسنى المطالب ٤/ ٤٤ طبع المكتبة الإسلامية، وحاشية الجمل
٥/ ٣٨٠ ط إحياء التراث العربي، وحاشية ابن عابدين ٢٢/٥
و٣٨٤/٤، وحاشية الدسوقي ١٦٦/٤، والمغني ٩/ ١٧٥ طبع
المنار الثالثة، وعمدة القارى ٦/ ٢٧١ طبع المنيرية.
- ٩٠ -

٢
استماع ١٧ - ١٩
الغناء للترويح عن النفس :
أما إذا كان الغناء بقصد الترويح عن النفس،
وكان خاليا عن المعاني السابقة فقد اختلف فيه،
فمنعه جماعة وأجازه آخرون.
١٧ - وقد ذهب عبدالله بن مسعود إلى تحريمه،
وتابعه على ذلك جمهور علماء أهل العراق، منهم
إبراهيم النخعي، وعامر الشعبي، وحماد بن
أبي سليمان، وسفيان الثوري، والحسن البصري،
والحنفية، وبعض الحنابلة .(١)
واستدل هؤلاء على التحريم:
- بقوله تعالى : (ومن الناس من يشتري لَهْوَ
الحدیث لیضل عن سبيل الله)(٢) قال ابن عباس
وابن مسعود: لهو الحديث هو: الغناء.
- وبحديث أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي
** «نی عن بیع المغنیات، وعن شرائهن، وعن
کسبهن، وعن أکل أثمانهن».(٣)
(١) سنن البيهقي ٢٢٣/١٠، والمغني ١٧٥/٩، والمحلى ٩/ ٥٩
طبع المنيرية، وعمدة القارى ٦/ ٢٧١، ومصنف عبدالرزاق
٤/١١، ٦ طبع المكتب الإسلامي، وإحياء علوم الدين ٢٦٩/٢
طبع مطبعة الاستقامة، وفتح القدير ٣٥/٦، وبدائع الصنائع
٢٩٧٢/٦
(٢) سورة لقمان / ٦
(٣) حديث: ((أن النبي # نهى عن بيع المغنيات وعن شرائهن وعن
كسبهن وعن ... )) أخرجه أحمد وابن ماجة واللفظ له والترمذي
من حديث أبي أمامة رضي الله عنه وقال: حديث أبي أمامة إنما
نعرف مثل هذا من هذا الوجه، وقد تكلم بعض أهل العلم في
علي بن يزيد وضعفه، وهو شامي. قال البخاري: منكر
الحدیث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو زرعة: ليس
بقوي، وقال الدارقطني: متروك (سنن ابن ماجة بتحقيق محمد
فؤاد عبدالباقي ٢/ ٧٣٣ ط عيسى الحلبي ١٣٧٣ هـ، وتحفة
الأحوذي ٤/ ٥٠٢ - ٥٠٤ نشر المكتبة السلفية).
- وبحديث عقبة بن عامر أن النبي # قال:
((كل شيء يلهوبه الرجل فهوباطل، إلا تأديبه
فرسه، ورميه بقوسه، وملاعبته امرأته)).(١)
١٨ - وذهب الشافعية، والمالكية، وبعض الحنابلة
إلی أنه مكروه، فإِن کان سماعه من امرأة أجنبية فهو
أشد كراهة، وعلل المالكية الكراهة بأن سماعه مخلّ
بالمروءة، وعللها الشافعية بقولهم: لما فيه من اللهو.
وعللها الإِمام أحمد بقوله: لا يعجبني الغناء لأنه
ينبت النفاق في القلب. (٢)
١٩ - وذهب عبدالله بن جعفر، وعبدالله بن
الزبير، والمغيرة بن شعبة، وأسامة بن زيد،
وعمران بن حصين، ومعاوية بن أبي سفيان،
وغيرهم من الصحابة، وعطاء بن أبي رباح،
وبعض الحنابلة منهم أبوبكر الخلال، وصاحبه
أبوبكر عبدالعزيز، والغزالي من الشافعية إلى
إباحته. (٣)
(١) حديث ((كل شيء يلهوبه الرجل ... )) أخرجه أبو داود
والترمذي والنسائي والحاكم من حديث عقبة بن عامر مرفوعا،
ولفظ أبي داود: ((ليس من اللهو [أي المباح] إلا ثلاث: تأديب
الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله ... » قال
الترمذي: هذا حديث حسن، والكلام الذي بين القوسين
المعقوفین من کلام شراح الحدیث، وفي الباب عن کعب بن مرة
وعمرو بن عبسة وعبدالله بن عمرو. وقال الحاكم: حديث
صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي (تحفة الأحوذي
٣٦٥/٥ - ٣٦٧ نشر المكتبة السلفية، ومختصر أبي داود للمنذري
٣٧٠/٣ نشر دار المعرفة، وجامع الأصول ٤١/٥، ٤٢ نشر
مكتبة الحلواني ١٣٩٠هـ، والمستدرك ٩٥/٢ نشر دار الكتاب
العربي).
(٢) حاشية الدسوقي ١٦٦/٤، والمغني ١٧٥/٩، وأسنى المطالب
٤/ ٣٤٤
(٣) المغني ٩/ ١٧٥، ومصنف عبدالرزاق ٥/١١، وإحياء علوم
الدین ٢٦٩/٢
- ٩١ -

استماع ٢٠ - ٢٢
واستدلوا على ذلك بالنص والقياس.
أما النص: فهو ما أخرجه البخاري ومسلم عن
عائشة رضي الله عنها قالت: ((دخل عليّ رسول الله
* وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث،
فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل
أبوبكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي
#، فأقبل عليه رسول الله صل﴿ فقال: دعهما، فلما
غفل غمزتهما فخرجتا)». (١)
ويقول عمر بن الخطاب: (( الغناء زاد
الراکب (٢)
فقدروى البيهقي في سننه : أن عمربن
الخطاب رضي الله عنه كان يستمع إلى غناء
خوات، فلما كان السحر قال له: «ارفع لسانك
یاخوات، فقد أسحرنا.))(٣)
(١) حديث: ((دخل عليّ رسول الله # وعندي جاريتان تغنيان
... )) أخرجه البخاري واللفظ له ومسلم من حديث عائشة
رضي الله عنها (فتح الباري ٢/ ٤٤٠ ط السلفية، وصحيح مسلم
بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٦٠٧/٢ط عيسى الحلبي).
(٢) ((الغناء زاد الراكب)). أخرجه البيهقي أثرا عن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه، (السنن الكبرى ٦٨/٥ط مجلس دائرة المعارف
العثمانية بالهند ١٣٥٢ هـ).
(٣) ((أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يستمع إلى غناء
خوات ... )) أخرجه البيهقي أثرا عن خوات بن جبير بلفظ
«خرجنا مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: فسرنا في رکب
فيهم أبو عبيدة بن الجراح وعبدالرحمن بن عوف رضي الأه عنهما،
قال: فقال القوم: غننا يا خوات، فغناهم. قالوا: غننا من شعر
ضرار، فقال عمر رضي الله عنه: دعوا أبا عبدالله يتغنی من بنیات
فؤاده یعني من شعره. قال: فما زلت أغنيهم حتى إذا كان
السحر، فقال عمر: ارفع لسانك ياخوات فقد أسحرنا)). وأورده
ابن حجر معزوا لابن السراج في تأريخه دون تعقيب. (سنن
البيهقي ٥/ ٦٩ ط مجلس دائرة المعارف العثمانية بالهند ١٣٥٢هـ،
والإصابة ١/ ٤٥٧).
وأما القياس : فإن الغناء الذي لا يصاحبه محرم
فيه سماع صوت طيب موزون، وسماع الصوت
الطيب من حيث إنه طيب لا ينبغي أن يحرم، لأنه
يرجع إلى تلذذ حاسة السمع بإدراك ما هو
مخصوص به، كتلذذ الحواس الأخرى بما خلقت
له.
٢٠ - وأما الوزن فإنه لا يحرم الصوت، ألا ترى أن
الصوت الموزون الذي يخرج من حنجرة العندليب
لا يحرم سماعه، فكذلك صوت الإِنسان، لأنه لا
فرق بين حنجرة وحنجرة .
وإذا انضم الفهم إلى الصوت الطيب الموزون،
لم يزد الإباحة فيه إلا تأکیدا.
٢١ - أما تحريك الغناء القلوب، وتحريكه
العواطف، فإن هذه العواطف إن كانت عواطف
نبيلة فمن المطلوب تحريكها، وقد وقع لعمربن
الخطاب أن استمع إلى الغناء في طريقه للحج - كما
تقدم - وكان الصحابة ينشدون الرجزيات لإثارة
الجند عند اللقاء، ولم يكن أحد يعيب عليهم
ذلك، ورجزيات عبدالله بن رواحة وغيره معروفة
مشهورة . (١)
الغناء لأمر مباح :
٢٢ - إذا كان الغناء لأمر مباح، كالغناء في العرس،
والعيد، والختان، وقدوم الغائب، تأكيداً للسرور
المباح، وعند ختم القرآن الكريم تأكيدا للسرور
كذلك، وعند سير المجاهدين للحرب إذا كان
للحماس في نفوسهم، أو للحجاج لإثارة الأشواق
في نفوسهم إلى الكعبة المشرفة، أو للإِبل لحثها
١) إحياء علوم الدين ٢/ ٢٧٠ وما بعدها.
- ٩٢ -
٠
:
:

٢
...
استماع ٢٢
على السير - وهو الحداء - أوللتنشيط على العمل
كغناء العمال عند محاولة عمل أو حمل ثقل، أو
لتسكيت الطفل وتنويمه كغناء الأم لطفلها، فإنه
مباح كله بلا كراهة عند الجمهور. (١)
واستدلوا على ذلك بما ذكر سابقا من حديث
الجاريتين الذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله
عنها، (٢) وهذا نص في إباحة الغناء في العيد.
وبحديث بريدة قال: ((خرج رسول الله {# في
بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء
فقالت: يارسول الله إني كنت نذرت - إن ردك الله
سالما ۔ أن أضرب بین یدیك بالدف وأتغنى، فقال
لها رسول الله ﴿: إن كنت نذرت فاضربي وإلا
فلا)). (٣)
وهذا نص في إباحة الغناء عند قدوم الغائب
تأکیداً للسرور، ولو کان الغناء حراما لما جاز نذره،
ولما أباح لها رسول الله صل* فعله.
وبحديث عائشة : ((أنها أنكحت ذات قرابة لها
(١) إحياء علوم الدين ٢٧٦/٢، ٢٧٧، وحاشية الجمل ٥/ ٣٨٠،
و٣٨١، وأسنى المطالب ٣٤٤/٤، وقليوبي ٢٢٠/٤، والمغني
١٧٦/٩، وحاشية الدسوقي ١٦٦/٤، والتاج والإكليل لمختصر
خليل بهامش مواهب الجليل ٤/ ٤ الطبعة الثانية سنة ١٣٩٩،
وحاشية ابن عابدين ٢٢٢/٥، وحاشية أبي السعود على ملا
مسكين ٣٨٩/٣ طبع مطبعة المويلحي سنة ١٢٨٧ .
(٢) حدیث الجاریتین سبق تخريجه ف/ ١٩
(٣) حديث: ((خرج رسول الله # في بعض مغازيه، فلما انصرف
جاءت جارية سوداء ... )) أخرجه الترمذي من حديث بريدة
وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث بريدة، وفي
الباب عن عمر وعائشة. قال المباركفوي: وأخرجه أحمد، وذکر
الحافظ حديث بريدة هذا في الفتح وسكت عنه (تحفة الأحوذي
١٧٩/١٠ نشر المكتبة السلفية، وجامع الأصول ٦١٧/٨ نشر
مکتبة الحلواني ١٣٩٢هـ).
من الأنصار، فجاء رسول الله فقال: أهديتم
الفتاة؟ قالوا: نعم، قال: أرسلتم معها من يغني؟
قالت: لا، فقال رسول الله ﴿ إ *: إن الأنصار قوم
فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم
أتیناکم، فحیانا وحیاکم». (١) وهذا نص في إباحة
الغناء في العرس.
وبحدیث عائشة قالت : «کنت مع رسول الله
* في سفر. وكان عبدالله بن رواحة جيد الحداء،
وكان مع الرجال، وكان أنجشة مع النساء، فقال
النبي ﴿ لابن رواحة: حرك القوم، فاندفع يرتجز،
فتبعه أنجشة، فأعنقت الإِبل، فقال النبي ﴾
لأنجشة رويدك، رفقا بالقوارير)). يعني النساء. (٢)
وعن السائب بن يزيد قال : كنا مع
عبدالرحمن بن عوف في طريق الحج، ونحن نؤم
(١) حديث عائشة رضي الله عنها ((أنكحت ذات قرابة لها ... ))
أخرجه ابن ماجة من حديث ابن عباس بهذا اللفظ، قال الحافظ
البوصيري في الزوائد: إسناده مختلف فيه من أجل الأجلح وأبي
الزبير يقولون: إنه - أي أبا الزبير - لم يسمع من ابن عباس.
وأثبت أبو حاتم أنه رأى ابن عباس، وأصل الحديث رواه
البخاري من حديث عائشة بلفظ ((أنها زفت امرأة إلى رجل من
الأنصار، فقال نبي الله: ياعائشة ما كان معكم لهو، فإن الأنصار
یعجبهم اللهو» (سنن ابن ماجة بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي
٦١٢/١ ط عیسی الحلبي ١٣٧٢ هـ، وفتح الباري ٢٢٥/٩ ط
السلفية).
(٢) حديث: ((أن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت مع رسول الله
* في سفر وكان عبدالله بن رواحة جيد الحداء ... )). أخرجه
البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك، ولفظ مسلم («كان
رسول الله # في بعض أسفاره، وغلام أسود يقال له: أنجشة
يحدو فقال له رسول الله#: يا أنجشة! رويدك سوقا
بالقوارير)). (فتح الباري ٥٣٨/١٠ ط السلفية، وصحيح مسلم
بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ٤/ ١٨١١ ط عيسى الحلبي
١٣٧٥ هـ، وجامع الأصول ١٧١/٥، ١٧٢ نشر مكتبة الحلواني
١٣٩٠ هـ).
- ٩٣ -
:

استماع ٢٣ - ٢٤
مکة، اعتزل عبدالرحمن الطريق، ثم قال لرباح بن
المغترف: غننا يا أبا حسان، وكان يحسن النصب
- والنصب ضرب من الغناء - فبينا رباح يغنيه
أدركهم عمر في خلافته فقال: ما هذا؟ فقال
عبدالرحمن: ما بأس بهذا؟ نلهو ونقصر عنا السفر،
فقال عمر: فإن كنت آخذا فعلیك بشعر ضرار بن
الخطاب بن مرداس فارس قريش.(١)
وكان عمر يقول : الغناء من زاد الراكب، (٢)
وهذا يدل على إباحة الغناء لترويح النفس.
وروى ابن أبي شيبة أن عمر بن الخطاب رضي
الله عنه كان يأمر بالحداء. (٣)
د - الاستماع إلى الهجو والنسيب:
٢٣ - يشترط في الكلام - سواء أكان موزونا
(كالشعر) أم غير موزون، ملحنا (كالغناء) أم غير
ملحن - حتی یحل استماعه ألا یکون فاحشا، ولیس
فیه هجو، ولا کذب على الله ورسوله، ولا علی
الصحابة، ولا وصف امرأة معينة، فإن استمع إلى
شيء من الكلام فيه شيء مما ذكرناه، فالمستمع
شريك القائل في الإِثم. (٤)
(١) الأثر عن السائب بن يزيد أخرجه البيهقي، وأورده ابن حجر في
الإصابة دون تعقيب (سنن البيهقي ٢٢٤/١٠ ط مجلس دائرة
المعارف العثمانية بالهند ١٣٥٥ هـ، والإصابة في تمييز الصحابة
٥٠٢/١)
(٢) سنن البيهقي ٦٨/٥، والمغني ٩/ ١٧٥
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٧٧ مخطوط استانبول.
(٤) إحياء علوم الدين ٢/ ٢٨٢، وانظر الفتاوى الهندية ٣٥٢/٥.
والنسيب هو في الشعر: الرقيق منه المتغزل به في النساء، يقال:
نسب الشاعر بالمرأة: عرض بهواها وحبها. (المصباح المنير،
والمعجم الوسيط مادة: نسب).
أما هجاء الكفار وأهل البدع فذلك جائز، وقد
كان حسان بن ثابت شاعر رسول الله يهاجي الكفار
بعلم رسول الله * أو أمره، وقد قال له عليه
الصلاة والسلام: ((اهجهم أو هاجهم وجبريل
معك))(١)
وأما النسيب فإنه لا شيء فیه، وقد كان يقال
أمام رسول الله وهو يستمع إليه ((فقد استمع
صلوات الله وسلامه علیه إلی قصيدة کعب بن
زهير: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول)) مع ما فيها
من النسيب. (٢)
النوع الثاني :
استماع صوت الحيوان :
٢٤ - اتفق العلماء على جواز استماع أصوات
الحيوانات، سواء كانت هذه الأصوات قبيحة
كصوت الحمار والطاووس ونحوهما، أو عذبة موزونة
ګأصوات العنادل والقماري ونحوها، قال الغزالي:
(١) حديث: ((اهجهم وجبريل معك)). أخرجه البخاري ومسلم
مرفوعا من حديث البراء بن عازب (اللؤلؤ والمرجان ص ٢٧٣
نشر وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت، وجامع
الأصول ٧٤/٥ نشر مكتبة الحلواني ١٣٩٠هـ).
(٢) حديث: ((استمع صلوات الله وسلامه عليه إلى قصيدة
کعب بن زهير، قال ابن هشام: أورد محمد بن إسحاق هذه
القصيدة ولم یذکر لها إسنادا وقد رواها الحافظ البيهقي في دلائل
النبوة بإسناد متصل. وقال أبو عمر في الاستيعاب: إن کعب بن
زهير قدم على رسول الله# مسلما، ودخل عليه مسجده
وأنشده: ((بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... )) وذكر ابن حجر في
الاستيعاب إنشاده القصيدة التي أولهنا ((بانت سعاد) من غير
تعقيب (البداية والنهاية ٣٦٩/٣ -٣٧٢ ط مطبعة السعادة
١٣٥١ هـ، والاستيعاب ١٣١٣/٣ - ١٣١٤ نشر مكتبة نهضة
مصر، والإصابة في تمييز الصحابة ٢٩٥/٣ ط مكتبة المثنى
ببغداد).
- ٩٤-
i

استماع ٢٥ - ٢٧
فسماع هذه الأصوات يستحيل أن يحرم لكونها
طيبة أوموزونة، فلا ذاهب إلى تحريم صوت
العندلیب وسائر الطيور.(١)
النوع الثالث :
استماع أصوات الجمادات :
٢٥ - إذا انبعثت أصوات الجمادات من تلقاء نفسها
أو بفعل الريح فلا قائل بتحريم استماع هذه
الأصوات.
أما إذا انبعثت بفعل الإنسان، فإما أن تكون
غير موزونة ولا مطربة، كصوت طرق الحداد على
الحدید، وصوت منشار النجار ونحوذلك، ولا قائل
بتحريم استماع صوت من هذه الأصوات.
وإما أن ينبعث الصوت من الآلات بفعل
الإِنسان موزونا مطربا، وهو ما يسمى بالموسيقى .
فتفصیل القول فیہ کما يلي:
أولا - استماع الموسيقى :
٢٦ - إن ما حل تعاطيه (أي فعله) من الموسيقى
والغناء حل الاستماع إلیه، وما حرم تعاطیه منهما
حرم الاستماع إليه، لأن تحريم الموسيقى أو الغناء
لیس لذاته، ولکن لأنه أداة للإسماع، ويدل على
هذا قول الغزالي في معرض حديثه عن شعر
الخنا، والهجو، ونحوذلك: فسماع ذلك حرام
بألحان وبغير ألحان، والمستمع شريك للقائل. (٢)
وقول ابن عابدين: وکره کل هو واستماعه. (٣)
(١) إحياء علوم الدين للغزالي ٢/ ٢٧١ طبع مطبعة الاستقامة
بالقاهرة.
(٢) إحياء علوم الدين ٢/ ٢٨٢ طبع مطبعة الاستقامة بمصر.
(٣) حاشية ابن عابدين ٥/ ٢٥٣ طبعة بولاق الأولى.
أ : الاستماع لضرب الدف
ونحوه من الآلات القرعية :
٢٧ - اتفق الفقهاء على حل الضرب بالدف
والاستماع إليه، على تفصيل في ذلك، هل هذه
الإباحه هي في العرس وغيره، أم هي في العرس
دون غيره؟ وهل يشترط في ذلك أن یکون الدف
خاليا من الجلاجل أم لا يشترط ذلك؟ وستجد
ذلك التفصيل في مصطلح (معازف) و(سماع).
واستدلوا على ذلك بما رواه محمد بن حاطب أن
رسول الله وسلم قال: ((فصل ما بين الحلال والحرام
الدف والصوت في النكاح».(١)
وبما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله
قال: ((أعلنوا هذا النكاح، واضربوا عليه
بالغربال». (٢)
وما روت الربيع بنت معوذ قالت : «دخل عليّ
النبي8* غداة بني عليّ، فجلس على فراشي،
وجویریات یضربن بالدف یندبن من قتل من آبائي
(١) حديث: ((فصل ما بين الحلال ... )) أخرجه الترمذي وأحمد
والنسائي وابن ماجة والحاكم مرفوعا واللفظ لابن ماجة، قال
الترمذي: حديث محمد بن حاطب حديث حسن. قال الحاكم:
هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، وأقره الذهبي (تحفة الأحوذي
٢٠٨/٤ - ٢١٠ نشر المكتبة السلفية، وسنن ابن ماجة بتحقق
محمد فؤاد عبدالباقي ١/ ٦١١ ط عيسى الحلبي ١٣٧٢هـ،
وجامع الأصول ٤٤٠/١١ نشر مكتبة الحلواني ١٣٩٢هـ،
والمستدرك ٢/ ١٨٤ نشر دار الكتاب العربي).
(٢) حديث: ((أعلنوا هذا النكاح ... )). أخرجه ابن ماجة من
حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا. قال الحافظ البوصيري في
الزوائد: في إسناده خالد بن إلياس أبو الهيثم العدوي، اتفقوا
على ضعفه، بل نسبه ابن حبان والحاكم وأبو سعيد النقاش إلى
الوضع (سنن ابن ماجة بتحقیق محمد فؤاد عبدالباقي ١/ ٦١١ ط
عيسى الحلبي ١٣٧٢هـ).
- ٩٥ -

استماع ٢٨ - ٣١
يوم بدر، حتى قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم
ما في غد، فقال النبي #1 : لا تقولي هكذا وقولي
کما كنت تقولین».(١)
٢٨ - وألحق المالكية، والحنفية، والغزالي من
الشافعية بالدف جميع أنواع الطبول - وهي الآلات
القرعية - ما لم يكن استعمالها للهو محرم. (٢)
واستثنى من ذلك بعضھم ۔ کالغزالي مثلا -
الكوبة، لأنها من آلات الفسقة. (٣)
واستثنى الحنفية من ذلك الضرب
بالقضيب. (٤) قال ابن عابدين: ضرب النوبة
للتفاخر لا يجوز، وللتنبيه فلا بأس به، وينبغي أن
یکون کذلك بوق الحمام وطبل المسحر، ثم قال:
وهذا يفيد أن آلة اللهوليست محرمة بعينها بل لقصد
اللهو فیھا، إما من سامعها، أو من المشتغل بها،
وبه تشعر الإِضافة - يعني إضافة الآلة إلى اللهو-
(١) حديث الربيع بنت معوذ قالت: ((دخل على النبي# غداة بني
علي ... )). أخرجه البخاري من حديث الربيع بنت معوذ بن
عفراء بلفظ («جاء النبي # يدخل حين بني علي فجلس على
فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف
ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي
يعلم ما في غد، فقال: دهي هذه وقولي بالذي كنت تقولین).
(فتح الباري ٢٠٢/٩ ط السلفية).
(٢) حاشية الدسوقي ٢/ ٣٣٩ طبع دار الفكر، وحاشية ابن عابدين
٣٤/٥ و ٢٢٣
(٣) إحياء علوم الدين ٢/ ٢٨٢
والكوبة : الطبل الصغير المخصر، المصباح المنير مادة
(كوب).
(٧٠) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ٦/ ١٣ طبع دار المعرفة،
وبدائع الصنائع ٦/ ٢٩٧٢ طبع مطبعة الإمام.
(٤) والقضيب : الغصن المقطوع . المعجم الوسيط مادة
(قضب).
ألا ترى أن ضرب تلك الآلة حل تارة وحرم أخری
باختلاف النية، والأمور بمقاصدها. (١)
ب - الاستماع للمزمار ونحوه من الآلات النفخية :
٢٩ - أجاز المالكية الاستماع إلى الآلات النفخية
کالمزمار ونحوه، ومنعه غیر هم،(٢) وروی ابن أبي
شيبة في مصنفه عن ابن مسعود إباحة الاستماع
إلیه، فقد روی بسنده إلى ابن مسعود أنه دخل
عرسا فوجد فيه مزامير ولهوا، فلم ينه عنه. (٣) ومنعه
غير المالكية . (٤)
٣٠ - أما الآلات الوترية كالعود ونحوه، فإن
الاستماع إليها ممنوع في العرس وغيره عند جمهور
العلماء. (٥)
وذهب أهل المدينة ومن وافقهم من علماء
السلف إلى الترخيص فيها، وممن رخص فيها:
عبدالله بن جعفر، وعبدالله بن الزبير، وشريح،
وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح،
ومحمد بن شهاب الزهري، وعامر بن شراحيل
الشعبي، وغيرهم. (٦)
ثانيا : استماع الصوت والصدى :
٣١ - من تتبع أقوال الفقهاء یتبین أنهم یرتبون آثار
(١) حاشية ابن عابدين ٢٢٣/٥
(٢) المراجع السابقة، والفتاوى الهندية ٣٥٢/٥ طبع بولاق.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢١٤ مخطوط استانبول.
(٤) كشاف البقناع ٥/ ١٧٠، وأسنى المطالب ٤/ ٣٤٤ - ٣٤٥
والفتاوى الهندية ٣٥٢/٥
والبوق : أداة مجوفة لينفخ فيها ويزمر. المعجم الوسيط مادة
(بوق).
(٥) حاشية الدسوقي ٣٣٩/٢، وحاشية ابن عابدين ٢٥٣/٥،
وأسنى المطالب ٣٤٥/٤، وإحياء علوم الدين ٢٨٢/٢
(٦) نيل الأوطار ١٠٤/٨ وما بعدها طبعة ثالثة مصطفى الحلبي.
- ٩٦ -

٢
استمتاع ١ - ٣، استمناء ١
الاستماع على استماع الصوت، أما استماع الصدى
فلم يتحدث عنه إلا الحنفية.
ويظهر أن الحنفية لا يرتبون آثار الاستماع على
استماع الصدى، فقد نصوا على أنه لا تجب سجدة
التلاوة بسماعها من الصدى. (١)
استمتاع
التعريف :
١ - الاستمتاع: طلب التمتع، والتمتع الانتفاع،
یقال: استمتعت بكذا وتمتعت به: انتفعت. (٢) ولا
يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللغوي،
وأغلب وروده عندهم في استمتاع الرجل
بزوجته . (٣)
الحكم الإجمالي :
٢ - الاستمتاع بما أحله الله في الحالات المشروعة
جائز، كالاستمتاع بالزوجة من وطء ومقدماته إذا لم
تکن هناك موانع شرعیة، کحیض ونفاس وإحرام
وصيام فرض، فإن كانت هناك موانع شرعية حرم
الوطء. (٤)
(١) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص ٢٦٤ طبع المطبعة
العثمانية .
(٢) المصباح المنير، ولسان العرب، والمفردات في غريب القرآن.
(٣) البدائع ٢/ ٣٣١ ط الجمالية.
(٤) البدائع ٢/ ٣٣١ والدسوقي ٢١٥/٢، ٢١٦ ط عيسى الحلبي،
والمهذب ٣٥/٢ ط عيسى الحلبي، والمغني ٥٥٧/٦ ط مكتبة
الرياض.
أما الاستمتاع بالأجنبية بأي نوع من أنواع
الاستمتاع كنظر، ولمس، وقبلة، ووطء، فهو
محظور، يستحق فاعله الحد إن كان زنى، والتعزيز
إن کان غیر ذلك کمقدمات الوطء. (١)
ويرتب الفقهاء على الاستمتاع بالزوجة آثارا
كتمام المهر واستقراره والنفقة.
وتنظر تفاصيل الموضوع في (النكاح) و(المهر)
و(النفقة).
مواطن البحث :
٣ - الاستمتاع بالزوجة يرد عند الفقهاء في أبواب
النكاح، والحيض، والنفاس، ومحظورات الإحرام
في الحج، والصيام، والاعتكاف، وتنظر في أبوابها.
والاستمتاع المحرم يرد في باب حد الزنا، وباب
التعزيز، وتنظر في أبوابها .
و
استمناء
التعريف :
١ - الاستمناء : مصدر استمنى، أي طلب خروج
المني.
واصطلاحا: إخراج المني بغير جماع، محرَّما
کان، کإخراجه بيده استدعاء للشهوة، أو غير محرم
کإخراجه بید زوجته. (٢)
(١) البدائع ١١٩/٥، والدسوقي ٢١٤/١، والمهذب ٣٤/١،
والمغني ٥٥٨/٦
(٢) ترتيب القاموس (مني)، وابن عابدين ٢/ ١٠٠، ١٥٦/٣،
ونهاية المحتاج ١٦٩/٣، والشرواني على التحفة ٤١٠/٣
- ٩٧ -

:
استمناء ٢ - ٥
٢ - وهو أخص من الإِمناء والإِنزال، فقد يحصلان
في غير اليقظة ودون طلب، أما الاستمناء فلابد فيه
من استدعاء المني في يقظة المستمني بوسيلة ما.
ويكون الاستمناء من الرجل ومن المرأة.
ويقع الاستمناء ولو مع وجود الحائل. جاء في
ابن عابدين: لو استمنى بكفه بحائل يمنع الحرارة
يأثم أيضا. وفي الشرواني على التحفة: إن قصد
بضم امرأة الإِنزال - ولو مع الحائل - يكون استمناء
مبطلا للصوم. بل صرح الشافعية والمالكية بأن
الاستمناء يحصل بالنظر. (١)
ولما كان الإنزال بالاستمناء يختلف أحیانا عن
الإِنزال بغيره كالجماع والاحتلام أفرد بالبحث.
وسائل الاستمناء :
٣ - يكون الاستمناء باليد، أو غيرها من أنواع
المباشرة، أو بالنظر، أو بالفكر.
الاستمناء باليد .
٤ - أ - الاستمناء باليد إن كان لمجرد استدعاء
الشهوة فهو حرام في الجملة، لقوله تعالى :
(والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على
أزواجهم أوما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومین،
فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون). (٢)
والعادون هم الظالمون المتجاوزون، فلم يبح
(١) الدسوقي ٦٨/٢، وشرح الروض ٣١٤/١، وكشف المخدرات
١٥٩، والشرواني على التحفة ٤٠٩/٣، وألحق ابن عابدين
بالاستمناء في الإثم من أدخل ذكره في حائط حتى أمنی (ابن
عابدين ٢/ ١٠٠).
(٢) سورة المؤمنون / ٥ - ٧
الله سبحانه وتعالى الاستمتاع إلا بالزوجة والأمة،
ويحرم بغير ذلك.
وفي قول للحنفية، والشافعية، والإِمام أحمد:
أنه مکروه تنزيها .
ب - وإن كان الاستمناء باليد لتسكين الشهوة
المفرطة الغالبة التي يخشى معها الزنى فهو جائز في
الجملة، بل قیل بوجوبه، لأن فعله حينئذ يكون
من قبيل المحظور الذي تبيحه الضرورة، ومن قبیل
ارتکاب أخف الضررين.
وفي قول آخر للإِمام أحمد: أنه يحرم ولوخاف
الزنى، لأن له في الصوم بديلا، وكذلك الاحتلام
مزيل للشبق.
وعبارات المالكية تفيد الاتجاهين: الجواز
للضرورة، والحرمة لوجود البديل، وهو الصوم. (١)
جـ ـ وصرح ابن عابدين من الحنفية بأنه لوتعين
الخلاص من الزنی به وجب. (٢)
الاستمناء بالمباشرة فيما دون الفرج:
٥ - الاستمناء بالمباشرة فيما دون الفرج یشمل كل
استمتاع - غير النظر والفكر - من وطء في غير
الفرج، أوتبطين، أو تفخيذ، أولمس، أو تقبيل.
ولا يختلف أثر الاستمناء بهذه الأشياء في العبادة عن
(١) ابن عابدين ٢/ ١٠٠، والزيلعي ٣٢٣/١، والخطاب
٦/ ٣٢٠، والشرح الصغير ٣٣١/٢، والمهذب ٢/ ٢٧٠، ونهاية
المحتاج ٣١٢/١، والبيجوري ٣٠٣/١، وروضة الطالبين
٩١/١٠، وكشاف القناع ١٠٢/٦، والإنصاف ١٠/ ٢٥١
(٢) ابن عابدين ٢/ ١٠٠ - ١٠١، واللجنة ترى أن ما صرح به ابن
عابدين ينسجم مع قواعد الشريعة من حيث ارتكاب الضرر
الأخف لاتقاء الضرر الأشد.
- ٩٨ -

استمناء ٦ - ٧
أثرها في الاستمناء باليد عند المالكية، والشافعية،
والحنابلة. ويبطل به الصوم عند الحنفية، دون
كفارة. ولا يختلف أثره في الحج عن أثر الاستمناء
باليد فيه .(١)
الاغتسال من الاستمناء :
٦ - اتفق الفقهاء على أن الغسل يجب بالاستمناء،
إذا خرج المني عن لذة ودفق، ولا عبرة باللذة
والدفق عند الشافعية، وهو رواية عن أحمد،
وللمالکية قول بذلك لکنه خلاف المشهور.
واشترط الحنفية لترتب الأثر على المني أن يخرج
بلذة ودفق، وهو مشهور المالكية، فلا يجب فيه
شيء ما لم تكن لذة، والمذهب عند أحمد على
هذا، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير
منهم . (٢)
أما إن أحس بانتقال المني من صلبه فأمسك
ذكره، فلم يخرج منه شيء في الحال، ولا علم
خروجه بعد ذلك فلا غسل عليه عند كافة العلماء،
لأن النبي * علق الاغتسال على الرؤية. (٣)
(١) الزيلعي ٣٢٤/١، والبحر الرائق ٢١٣/٢، والهندية ٢٠٤/١،
٢١٣، ٢٤٤، والمبسوط ١٢٣/٣، وابن عابدين ٢٠٨/٢،
والدسوقي ٦٨/٢،٥٢٩/١، والحطاب ٤١٦/٢، ومغني
المحتاج ٤٣٠/١، ٤٣١، ٤٥٢، ٥٢٢، والشرواني ٤١٠/٣،
والمغني مع الشرح الكبير ٤٧/٣
(٢) الهندية ١٤/١، والرهوني ٢٠٦/١، والمجموع ١٣٩/٢،
والإنصاف ٢٢٨/١ وما قبلها.
(٣) أخرج البخاري ومسلم وأبو داود قصة من حديث أبي سعيد
الخدري قال: ((خرجت مع رسول الله ﴾ إلی قباء، حتى إذا كنا
في بني سالم، وقف رسول الله وَ﴾ على باب عتبان (بن مالك)
فصرخ به، فخرج يجر إزاره، فقال رسول الله ول﴾: أعجلنا
الرجل، فقال عتبان: يا رسول الله، أرأيت الرجل يعجل عن
امرأته ولم يمن، ماذا عليه؟ قال رسول الله 8#1: إنما الماء من =
والرواية المشهورة عن الإِمام أحمد بن حنبل أنه
يجب الغسل، لأنه لا يتصور رجوع المني، ولأن
الجنابة في حقيقتها هي : انتقال المني عن محله وقد
وجد. وأيضا فإِن الغسل يراعى فيه الشهوة، وقد
حصلت بانتقاله فأشبه ما لو ظهر.
فإِن سکنت الشهوة ثم أنزل بعد ذلك، فإِنه
يجب عليه الغسل عند أبي حنيفة ومحمد،
والشافعية والحنابلة، وأصبغ وابن المواز من
المالكية.
وقال أبویوسف: لا يغتسل، ولکن ینتقض
وضوؤه، وهو قول ابن القاسم من المالكية . (١)
ولتفصيل ما يتعلق بذلك انظر مصطلح
(غسل).
اغتسال المرأة من الاستمناء :
٧ - يجب الغسل على المرأة إن أنزلت بالاستمناء
بأي وسيلة حصل. والمراد بالإِنزال أن يصل إلى
المحل الذي تغسله في الاستنجاء، وهو ما يظهر
عند جلوسها وقت قضاء الحاجة. وهذا هو ظاهر
الرواية عند الحنفية، وبهذا قال الشافعية والحنابلة
والمالکیة عدا (سند)، فقد قال: إن بروز المني من
المرأة ليس شرطا، بل مجرد الانفصال عن محله
يوجب الغسل، لأن عادة مني المرأة أن ينعكس إلى
الرحم. (٢)
الماء)» (جامع الأصول في أحاديث الرسول ٢٧١/٧ - ٢٧٢
نشر مكتبة الحلواني، ونصب الراية ١/ ٨٠ - ٨١ ط مطبعة دار
المأمون ١٣٥٧ هـ).
(١) الهندية ١٤/١، والخانية ٤٤/١، والرهوني ٢٤/١، والخطاب
٣٠٦/١، ٣٠٧، والمجموع ٢/ ١٤٠، ونهاية المحتاج
١٩٩/١، ٢٠٠، والمغني ١/ ٢٠٠ ط الرياض، وشرح المفردات
ص ٤٢، ٤٣
(٢) ابن عابدين ١/ ١٠٨، والخانية ٤٤/١، والدسوقي ١٢٦/١،=
- ٩٩ -

استمناء ٨ - ١٠
أثر الاستمناء في الصوم :
٨- الاستمناء باليد يبطل الصوم عند المالكية،
والشافعية، والحنابلة، (١) وعامة الحنفية على
ذلك، (٢) لأن الإيلاج من غير إنزال مفطر،
فالإنزال بشهوة أولى . وقال أبوبكر بن الإِسكاف،
وأبوالقاسم من الحنفية: لا يبطل به الصوم، لعدم
الجماع صورة ومعنى. (٣)
ولا كفارة فيه مع الإِبطال عند الحنفية
والشافعية، وهو مقابل المعتمد عند المالكية، وأحد
قولي الحنابلة، لأنه إفطارمن غير جماع، ولأنه لا
نص في وجوب الکفارة فیه ولا إجماع .
ومعتمد المالكية على وجوب الكفارة مع
القضاء، وهورواية عن أحمد، وعموم رواية
الرافعي من الشافعية، والتي حكاها عن أبي خلف
الطبري يفيد ذلك، فمقتضاها وجوب الكفارة
بكل ما يأثم بالإفطار به، والدليل على وجوب
الكفارة: أنه تسبب في إنزال فأشبه الإِنزال
بالجماع. (٤)
٩ - أما الاستمناء بالنظر فإنه يبطل الصوم عند
المالكية، تكرر النظر أم لا، وسواء أكانت عادته
= ١٢٧، والخرشي ١٦٢/١، والخطاب ٣٠٧/١، والمجموع
٢/ ١٤٠، والإنصاف ٢٣١/١
(١) الشرح الصغير٧٠٧/١، والدسوقي ٥٢٩/١، والمهذب
١٨٣/١، والمجموع ٣٢٢/٦، ومغني المحتاج ٤٣٠/١،
ومنتهى الإرادات ١/ ٢٢١، والمغني والشرح الكبير ٤٨/٣،
والكافي ١/ ٤٧٧
(٢) الزيلعي ٣٢٣/١، والهندية ٢٠٥/١، والخانية ٢٠٨/١
(٣) شرح العناية بهامش فتح القدير ٦٤/٢، والهندية ٢٠٥/١
(٤) المجموع ٣٢٢/٦، ومغني المحتاج ١/ ٤٣٠، والدسوقي=
الإِنزال أم لا، والحنابلة معهم في الإِبطال إن تكرر
النظر. والاستمناء بالتكرار مبطل للصوم في قول
للشافعية أيضا، وقيل: إن كانت عادته الإِنزال
أفطر، وفي ((القوت)) أنه إذا أحس بانتقال المني
فاستدام النظر فإنه يفسد.
وقال الحنفية لا يفطر به الصائم مطلقا، وهو
المعتمد للشافعية، ولا كفارة فيه إلا عند المالكية،
لكنهم اختلفوا في الحالات التي تجب فيها الكفارة.
إن تكرر النظر وكانت عادته الإنزال أو استوت
حالتاه وجبت عليه الكفارة قطعا .
وإن كانت عادته عدم الإنزال فقولان.
أما مجرد النظر من غير استدامة فظاهر كلام ابن
القاسم في المدونة أنه لا كفارة. وقال القابسي :
يُكَفِّرُ إِن أمنی من نظرة واحدة.(١)
١٠ - وأما الاستمناء بالتفکیر فلا يختلف حکمه عن
حكم الاستمناء بالنظر، من حيث الإبطال
والكفارة وعدمهما عند الحنفية، والمالكية،
والشافعية .
أما الحنابلة، عدا أبي حفص البرمكي، فقالوا
بعدم الإِفساد بالإِنزال بالتفكير، لقوله {قلله: ((عُفِيَ
لأمتي ما حَدّثتْ به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم
به». (٢)
وقال أبو حفص البرمكي بالإِبطال، واختاره
٥٢٩/١، والشرح الصغير ٢/ ٩٤، والمغني مع الشرح
۔
٣٣٧،٥٠/٣
(١) الزيلعي ٣٢٣/١، والبحر الرائق ٢٩٣/٢، ٢٩٩، وفتح
القدير ٦٤/٢، وشرح ميارة ١٧٦٩/١، والدسوقي على
الدردير ٥٢٣/١، ٥٢٩، ومغني المحتاج ١/ ٤٣٠، وشرح
الروض ١/ ٤١٤، والمغني والشرح الكبير ٤٩/٣.
(٢) حديث: ((عفى لأمتي ما حدثت به ... )) أخرجه البخاري =
- ١٠٠ -