النص المفهرس

صفحات 41-60

استغفار ٢٠ - ٢٢
يقصره على ذلك، (١) مستدلا بقول الله سبحانه
(فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء
عليكم مدرارا)(٢) لأن الآية دلت على أن
الاستغفار وسيلة للسقيا. بدليل (يرسل السماء
عليكم مِدْرارا) ولم تزد الآية الكريمة على
الاستغفار، وروي عن عمر رضى الله عنه أنه خرج
إلى الاستسقاء ولم يُصَلِّ بجماعة، بل صعد المنبر،
واستغفر الله، وما زاد عليه، فقالوا: ما استسقيت
يا أمير المؤمنين، فقال: لقد استسقيت بمجاديح
السماء التي بها يستنزل الغيث. (٣)
٢٠ - وبقية الفقهاء والقائلون بندب صلاة
الاستسقاء والخطبتين، أو الخطبة الواحدة، يسن
عندهم الإكثار من الاستغفار في الخطبة، وتبدل
تكبيرات الافتتاح التي في خطبتي العيدين
بالاستغفار في خطبتي الاستسقاء عند المالكية،
والشافعية، وصيغته کما أوردها النووي في مجموعه
((أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب
إلیه)). (٤)
ويكبر کخطبتي العيدين عند الحنابلة، (٥) ونفى
(١) البدائع ٢٨٣/١، والمغني مع الشرح ٢٨٨/٢
(٢) سورة نوح/ ٥
(٣) ما روي عن عمر رضي الله عنه ((أنه خرج إلى الاستسقاء ولم
يصل بجماعة ... )) أخرجه عبدالرزاق وابن أبي شيبة بألفاظ
مقاربة (مصنف عبدالرزاق بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي
٨٧/٣ ط المجلس العلمي ١٣٩٠ هـ، ومصنف ابن أبي شيبة
٢٧٤/٢ نشر دار السلفية بالهند ١٣٩٩ هـ).
(٤) جواهر الإكليل ١٠٣/١، ١٠٦، والقليوبي ٣١٦/١،
والحطاب ٢٠٧/٢، والمجموع ٨٣/٥، والمغني مع الشرح
٢٨٨/٢
(٥) المغني مع الشرح ٢٨٨/٢
الحنفية التكبير ولم يتعرضوا للاستغفار في
الخطبة .. (١)
الاستغفار للأموات :
٢١ - الاستغفار عبادة قولية يصح فعلها للميت. (٢)
وقد ثبت في السنة الاستغفار للأموات، ففي صلاة
الجنازة ورد الدعاء للميت بالمغفرة، لكن لا يستغفر
لصبي ونحوه. (٣)
وتفصيل أحكامه يذكرها الفقهاء في صلاة
الجنازة .
وعقب الدفن يندب أن يقف جماعة يستغفرون
للمیت، لأنه حينئذ في سؤال منکر ونکیر ، روى أبو
داود بإسناده عن عثمان قال: كان النبي ◌َّ إذا دفن
الرجل وقف عليه وقال: ((استغفروا لأخيكم
واسألوا له التثبتَ فإنه الآنَ يُسْأل)). (٤) وصرح
بذلك جمهور الفقهاء. (٥)
٢٢ - ومن اداب زيارة القبور عند الحنفية والمالكية،
(١) الطحطاوي على مراقي الفلاح ٣٠٠
(٢) المغني لابن قدامة ٢/ ٥٦٨ ط الرياض .
(٣) فتح القدير ١/ ٤٥٩، والبحر الرائق ١٩٨/١ ط العلمية،
وحاشية الصعيدي على الكفاية ١/ ٣٣٤ ط الحلبي، والمجموع
١٤٤/٥، والمغني مع الشرح الكبير ٣٧٢/٢
(٤) حديث ((كان النبي ﴿ إذا دفن الرجل ... )) أخرجه أبو داود
والحاكم والبزار من حديث عثمان بن عفان. قال البزار: لا يروى
عن النبي ◌َّ إلا من هذا الوجه، وسكت عنه المنذري. ووافق
الذهبي الحاكم على تصحيحه (تلخيص الحبير ٢/ ١٣٥ ط شركة
الطباعة الفنية المتحدة بالقاهرة، وعون المعبود ٣/ ٢٠٩ ط الهند،
والمستدرك ١/ ٣٧٠ - ٣٧١ نشر دار الكتاب العربي).
(٥) ابن عابدين ٦٠١/١، والأنوار السنية ١٢١/١ ط الحلبي،
والمجموع ٢٩٤/٥، والمغني مع الشرح الكبير ٣٨٥/٢،
والشرح الصغير للدردير ٥٦٨/١.
- ٤١ -

استغفار ٢٣ - ٢٥
والشافعية، الدعاء بالمغفرة لأهلها عقب التسليم
علیهم، واستحسن ذلك الحنابلة . (١)
٢٣ - وهذا كله يخص المؤمن ، أما الكافر الميت
فيحرم الاستغفار له بنص القرآن والإِجماع. (٢)
الاستغفار عن الغيبة :
٢٤ - اختلف العلماء في حق الذي اغتاب، هل
يلزمه استحلال من اغتيب، مع الاستغفار له، أم
يكفيه الاستغفار؟ .
الأول : إذا لم يعلم من اغتيب فيكفي
الاستغفار، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وقول
للحنفية، ولأن إعلامه ربما يجر فتنة، وفي إعلامه
إدخال غم عليه. لما روى الخلال بإسناده عن أنس
مرفوعا («كفارةُ من اغتيبَ أن يُسْتَغْفَرَ له)). (٣) فإن
علم فلابد من استحلاله مع الاستغفارله .
الثاني : يكفي الاستغفار سواء علم الذي
اغتيب أم لم يعلم، ولا يجب استحلاله، وهو قول
الطحاوي من الحنفية .
والمالكية على أنه لابد من استحلال المغتاب إن
كان موجودا، فإن لم يجده، أو أحدا من ورثته
(١) المدني على كنون هامش الرهوني ٢١٩/٢، وفتح القدير
٣٣٨/٢ ط بولاق، والمجموع ٣٠٩/٥، وابن عابدين
١/ ٦٠٤، والبحر الرائق ٢/ ٢١٠ ط العلمية، والكافي ٣٦٦/١
ط المكتب الإِسلامي.
(٢) المجموع ١٤٤/٥، وانظر الاستغفار للكافر فقرة ٢٦
(٣) حديث ((كفارة من اغتيب ... )) رواه الخلال وابن أبي الدنيا
من حديث أنس مرفوعا، وأخرجه البيهقي في الشعب، وقال:
إسناده ضعيف، وكذلك صرح العراقي في تخريج الإحياء (شرح
ثلاثيات مسند الإمام أحمد ٣٧٢/١ نشر المكتب الإسلامي
١٣٨٠ هـ، وفيض القدير ٧/٥ ط المكتبة التجارية الكبرى
١٣٥٦ هـ).
استغفر له. (١) وفي استحلال الورثة خلاف بين
الفقهاء يذكر في التوبة .
الاستغفار للمؤمنين :
٢٥ - اتفق الفقهاء على أنه يسن التعميم في الدعاء
بالمغفرة للمؤمنين والمؤمنات، (٢) لخبر «ما مِنْ دعاءٍ
أحب إلى الله تعالى من أن يقول العبدُ : اللهم
اغفر لأمة محمدٍ مغفرةً عامةً))(٣) وفي رواية أنه قام
رسول مَّ في صلاة، وقمنا معه، فقال أعرابي وهو
في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا
أحدا، فلما سلم النبي ◌ِّ قال للأعرابي: ((لقد
حجرت واسعا)) . (٤)
ولا بأس أن يخص الإنسان نفسه بالدعاء،
لحديث أبي بكرة، وأم سلمة، وسعد بن أبي
وقاص: ((اللهم إني أعوذ بك، وأسألك ... إلخ))
وهذا يخص نفسه الكريمة، ذلك مالم يكن في
القنوت، وخلفه من يؤمّن، لخبر ثوبان ((لا يَؤُمَّ
(١) ابن عابدين ٢٦٣/٥، ٢٦٤، وشرح الروض ٣٥٧/٤ ط
الميمنية، ومطالب أولي النهى ٦/ ٢١٠ ط المكتب الإسلامي،
ومدارج السالكين ٢٩٠/١، ٢٩١، وشرح ثلاثيات مسند أحمد
٣٧٢/١، وشرح ميارة الكبير ٢/ ١٧٤ ط مصطفى الحلبي.
(٢) ابن عابدين ١/ ٣٥٠، الشرح الصغير ٣٣٣/١، ٧٧٦/٤ ط
دار المعارف، والجمل على المنهج ١/ ٣٩٠، ٣٩١
(٣) حديث ((مامن دعاء أحب إلى الله ..... )) أخرجه الخطيب في
تاريخه من حديث أبي هريرة مرفوعا، كما أخرجه بلفظ ((اللهم
ارحم أمة محمد رحمة عامة)) قال المناوي: فیه عبدالرحمن بن
يحيى بن سعيد الأنصاري، قال الذهبي في الضعفاء : لا يعرف،
وفي الميزان كأنه موضوع. وحكم عليه الألباني بأنه ضعيف جدا
(كنز العمال ٢/ ٧٧ نشر مكتبة التراث الإسلامي ١٣٨٩ هـ،
وفيض القدير ٥/ ٤٧٨ نشر المكتبة التجارية، وضعيف الجامع
الصغير بتحقيق الألباني ١١٥/٥ نشر المكتب الإسلامي).
(٤) حديث ((قام رسول الله بعثة وقمنا معه ... )) أخرجه البخاري من
حديث أبي هريرة (فتح الباري ١٠ /٤٣٨ ط السلفية).
- ٤٢ -

استغفار ٢٦ - ٢٩
رجلٌ قوما فيخص نَفْسَه بدعوةٍ دونهم، فإِن فعلَ
فقد خَانَهُمْ))(١)
الاستغفار للكافر :
٢٦ - اتفق الفقهاء على أن الاستغفار للكافر
محظور، بل بالغ بعضهم فقال: إن الاستغفار
للكافر یقتضي کفر من فعله، لأن فیه تكذيبا
للنصوص الواردة التي تدل على أن الله تعالى لا
يغفر أن يشرك به، وأن من مات علی کفره فهو من
أهل النار.
٢٧ - وأما من استغفر للكافر الحي رجاء أن يؤمن
فيغفر له، فقد صرح الحنفية بإِجازة ذلك، وجوز
الحنابلة الدعاء بالهداية، ولا يستبعد ذلك من
غيرهم، كذلك استظهر بعضهم جواز الدعاء
لأطفال الكفار بالمغفرة، لأن هذا من أحكام
الآخرة. (٢)
تکفیر الذنوب بالاستغفار :
٢٨ - الاستغفار إن کان بمعنی التوبة فإنه یرجی أن
(١) حديث ((لا يؤم رجل قوما فيخص نفسه .... )) أورده الترمذي
ضمن روایة أخرجها من حديث ثوبان مرفوعا، وقال: حديث
ثوبان حديث حسن، وأخرجه أيضا أبوداود وابن ماجه وسكت
عنه أبوداود والمنذري (تحفة الأحوذي ٣٤٢/٢ ط السلفية).
(٢) ابن عابدين ٣٥١/١، وفتح القدير ٤٦٧/١، وأصول
السرخسي ١٣٥/٢، والنسفي ١٤٨/٢ ط الحلبي، والألوسي
١٤٨/١٠، ٣٤/١١، ٣٨ ط المنيرية، والفروق ٤/ ٢٦٠ ط دار
إحياء الكتب العربية، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي
عليها ٢ / ٤٨٤ ط الحلبي، والمجموع ١٤٤/٥، والمغني مع
الشرح الكبير ٣٥٧/٢، والفروع ٦٩٩/١، وفتاوى ابن تيمية
١٤٦/١، ١٤٧، وفتح الباري ٣/ ١٧٧ ط البهية، واقتضاء
الصراط المستقيم لابن تيمية ٤٤٥ ط دار المجد، والآداب
الشرعية ٤١٦/١
یکفر به الذنوب إن توافرت فيه شروط التوبة، يقول
اللّه سبحانه : (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم
يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما)(١) ويقول والر:
«مَنْ استغفر الله تعالي في دبر كل صلاة ثلاث
مرات، فقال: أستغفرُ الله الذي لا إله إلا هو الحي
القيوم وأتوب إليه، غفر له وإن كان قد فر من
الزحف))(٣) وقد قيل: لا صغيرة مع الإِصرار، ولا
كبيرة مع الاستغفار. فالمراد بالاستغفار هنا
التوبة . (٣)
٢٩ - فإن كان الاستغفار على وجه الافتقار
والانكسار دون تحقق التوبة، فقد اختلف الفقهاء
في ذلك، فالشافعية قالوا: إنه يكفر الصغائر دون
الكبائر، وقال المالكية والحنابلة: إنه تغفر به
الذنوب، ولم يفرقوا بين صغيرة وكبيرة، وهو
ماصرحت به بعض كتب الحنفية. (٤) لقوله يلي :
((الاستغفار مْحاةٌ للذنوب)). (٥)
(١) سورة النساء / ١١٠
(٢) حديث ((من استغفر الله تعالى، في دبر كل صلاة ... )) سبق
تخريجه (ر: ف/ ١٨).
(٣) مرقاة المفاتيح ٦٦/٣، ٤٧٧ وابن عابدين ٣٥٢/٥، والطحطاوي
على مراقي الفلاح ١٧٢/١، والفتوحات الربانية ٧/ ٢٨٢،
ومدارج السالكين ٢٩٠/١، ٣٠٨، وشرح ميارة الصغير
١٨١/٢ ط الحلبي، والزواجر لابن حجر ٩/١، وفتح الباري
١١/ ٨١ ط البهية، وفتاوى ابن تيمية ٦٥٥/١٠، ٤١/١٥،
والمغني مع الشرح ٢/ ٨٠ ط المنار الأولى.
(٤) ابن عابدين ٢٨٨/١، ومرقاة المفاتيح ٣/ ٨١، وفتاوى ابن
تيمية ٦٥٥/١٠ ومرقاة المفاتيح ٣/ ٤٨٠، ومدارج السالكين
٢٩٠/١ ط السنة المحمدية ..
(٥) حديث ((الاستغفار ممحاة ... )) أخرجه الديلمي في مسند
الفردوس من حديث حذيفة بن اليمان، وفيه عبيد بن کثیر التمار.
- قال الذهبي: قال الأزدي: متروك عن عبيد الله بن خراش،
ضعفه الدارقطني عن عمه العوام بن هوشب، ورمز الألباني إلى =
- ٤٣ -

استغفار ٣٠ _ ٣٥
الاستغفار عند النوم :
٣٠ - يستحب الاستغفار عند النوم مع بعض
الأدعية الأخرى، لیکون الاستغفار خاتمة عمله إذا
رفعت روحه.(١)، روى الترمذي عن أبي سعيد :
((مَنْ قالَ حين يَأْوي إلى فراشِه: أستغفرُ اللَّهَ الذي لا
إله إلا هو الحي القيوم وأتوبُ إليه ثلاثَ مراتٍ غفر
اللَّهُ له ذنوبه وإنْ كانتْ مِثْلَ زَبَدِ البحر)). (٢)
الدعاء بالمغفرة للمشمّت :
٣١ - يسن للعاطس أن يدعو بالمغفرة لمن شمتّه
بقوله: ((يرحمك الله)) فيقول له العاطس: ((يغفر الله
لنا ولكم)) أو يقول له: ((يهديكم الله ويصلح
بالكم))(٣) أو يقول: ((يرحمنا الله وإياكم ويغفر لنا
ولکم»، لما في الموطأ عن نافع أن ابن عمر كان إذا
عطس فقيل له : يرحمك الله، قال: يرحمنا الله
وإياكم ويغفر لنا ولكم. (٤)
= أنه ضعيف جدا (فيض القدير ٣/ ١٧٧ ط المكتبة التجارية،
وضعيف الجامع الصغير بتحقيق الألباني ٢٧٧/٢ نشر المكتب
الإِسلامي).
(١) مرقاة المفاتيح ٣/ ٧٧، والفواكه الدواني ٤٣٢/٢، والأذكار
"للنووي ٨٨ وما بعدها ط الحلبي، والشرح الصغير ٤/ ٧٦٥،
ومجموعة التوحيد لابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب ٦٦٥، ٦٦٦
(٢) حديث ((من قال حين يأوي إلى فراشه ..... )) أخرجه
الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعا وقال : هذا حديث حسن
غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (تحفة الأحوذي ٣٤١/٩ نشر
المكتبة السلفية).
(٣) ابن عابدين ٣٦٦/١، والفواكه الدواني ٢/ ٤٥١، والأذكار
ص ٢٤١ ط الحلبي، والشرح الصغير ٤ / ٧٦٥.
(٤) شرح ثلاثيات مسند أحمد ٣٣٣/١، والأثر عن عبدالله بن عمر
أخرجه مالك (شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك ٣٦٥/٤ ط
مطبعة الاستقامة ١٣٧٩هـ).
اختتام الأعمال بالاستغفار :
٣٢ - المتتبع للقرآن الكريم والأذكار النبوية يجد
اختتام كثير من الأعمال بالاستغفار، فقد أمر النبي
﴿* في آخر حياته بالاستغفار بقوله تعالى: (فسبح
بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا). (١)
٣٣ - وفي اختتام الصلاة ، وتمام الوضوء يندب
الاستغفار كما تقدم. (٢)
٣٤ - والاستغفار في نهاية المجلس كفارة لما يقع في
المجلس من لغط، روى أبو هريرة رضي الله عنه
قال: قال رسول الله وَلَهُ: ((مَنْ جَلَس مَجْلِسَا فَكَثُرَ
فيه لَغَطُه، فقال قبل أن يقومَ من عَجْلِسِهِ ذلك:
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت
أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه
ذلك)). (٣)
٣٥ - ومن آكد أوقات الاستغفار: السحر (آخر
الليل)(٤) لقوله تعالى: (وبالأسحار هم
يستغفرون)(٥) وللخبر الصحيح: ((يُنْزِل ربنا تبارك
وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى سماءِ الدنيا حين يَبْقَى ثُلُثُ
(١) مدارج السالكين ، والآية من سورة النصر/ ٣
(٢) انظر فقرة ١٠
(٣) إتحاف السادة المتقين ٦٥/٨، وتنبيه الغافلين ١٤٤، والألوسي
٢٠/ ٢٥٨ ط المنيرية، والأذكار للنووي ٢٦٥ ط الحلبي، وفتاوى
ابن تيمية ٢٦٢/١٠. وحديث ((من جلس مجلسا ... )) أخرجه
أبو داود والترمذي واللفظ له، والنسائي وابن حبان في صحيحه،
والحاكم، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب (الترغيب
والترهيب ٢١٧/٣ ط مطبعة السعادة ١٣٨٠هـ).
(٤) الزرقاني على الموطأ ٣٥/٢، ٣٦ ط الاستقامة، وإعانة الطالبين
٢٦٨/١ ط الحلبي، والمغني مع الشرح الكبير ٧٧٧/١ ط المنار
الثالثة، وفتاى ابن تيمية ١٣٦/١٠، وتفسير أبي السعود
٢٢١/١ ط صبيح .
(٥) سورة الذاريات / ١٨
- ٤٤ -

استغفار ٣٥، استغلال، استفاضة ١ _ ٥
الليلِ الأخير، فيقولُ: مَنْ يَدْعوني فأستجيبَ له؟
من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)). (١)
استغلال
انظر : استثمار
استفاضة
التعريف :
١ - الاستفاضة في اللغة : مصدر استفاض.
يقال: استفاض الحديث والخبر وفاض بمعنى :
ذاع وانتشر. (٢)
ولا يخرج استعمال الفقهاء والمحدثين له عن
المعنى اللغوي . (٣)
الحكم الاجمالي :
٢ - الاستفاضة مستند للشهادة، يستند إليها
الشاهد في شهادته، فتقوم مقام المعاينة في أمور
(١) حديث («ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة ... )) أخرجه البخاري
ومسلم ومالك والترمذي وغيرهم من حديث أبي هريرة مرفوعا
(الترغيب والترهيب ٢٩٣/٣ ط مطبعة السعادة ١٣٨٠ هـ.
وشرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك ٣٥/٢ -٣٧ ط مطبعة
الاستقامة ١٣٧٣هـ).
(٢) لسان العرب والمصباح المنير مادة ( فيض).
(٣) جواهر الإكليل ٢/ ٢٤١، ٢٤٢ ط دار المعرفة بيروت، وبدائع
الصنائع ٢٦٦/٦ ط الجمالية، ومغني المحتاج ٤٤٨/٤، ٤٤٩ ط
مصطفى الحلبي، والمغني ٩/ ١٦١ ط الرياض الحديثة.
معينة يأتي بيانها. ولذلك يطلق عليها الفقهاء
((الشهادة بالاستفاضة)) ويطلقون عابها أيضا
((الشهادة بالسماع)) أو بالتسامح، أو بالشهرة، أو
بالاشتهار، وهم في كل ذلك يقصدون الشهادة
بسماع ما شاع واشتهر بين الناس.
ويقول عنها ابن عرفة المالكي: ((شهادة
السماع» لقب لما يصرح الشاهد فيه بإسناد شهادته
لسماع غير معین. (١)
ويقول عنها بعض الحنفية : الشهرة
الشرعية . (٢)
٣ - هذا وإن شهادة الاستفاضة تكون في الأمور
التي مبناها على الاشتهار، كالموت، والنكاح،
والنسب، لأنه يتعذر العلم غالبا بدون
الاستفاضة، ولأنه يختص بمعاينة أسبابها خواص
من الناس، فلو لم تقبل فيها الشهادة بالتسامح لأدى
إلى الحرج وتعطيل الأحكام، كما يقول الفقهاء.
٤ - والفقهاء جميعا متفقون على جواز الشهادة
بالاستفاضة. (٣) إلا أنهم يختلفون في أمور:
٥ - أ- شرط التسامع . وهو الشهادة بالتسامح من
جماعة يؤمن تواطؤهم على الكذب، وذلك عند
الشافعية، والمالكية، والحنابلة، ومحمد من
الحنفية .
وقيل : يكفي رجلان عدلان، أورجل
وامرأتان، وهو قول الخصاف من الحنفية،
والقاضي من الحنابلة، وبعض الشافعية. (٤) مع
(١) جواهر الإکلیل ٢/ ٢٤٢
(٢) جامع الفصولين ١/ ١٧١ ط المطبعة الأزهرية.
(٣) المراجع السابقة .
(٤) جواهر الإكليل ٢٤٢/٢، ومغني المحتاج ٤/ ٤٤٨، ٤٤٩
وبدائع الصنائع ٢٦٦/٦، والمغني ٩/ ١٦١ وما بعدها.
- ٤٥ -

استفاضة ٦ - ١٠، استفتاء، استفتاح ١
تفصيل للفقهاء في ذلك ينظر في (شهادة).
٦ - ب - الأمور التي تثبت بها الشهادة بالتسامع.
وقد اختلفت أقوال الفقهاء في ذلك، لكنهم بتفقون
في جوازها: في الموت، والنكاح، والنسب،وعدّ ابن
عابدين من الحنفية عشرة أمور تجوز فيها الشهادة
بالاستفاضة، وفي مغني المحتاج للشافعية أكثر من
عشرة، ومثلها عند الحنابلة .
وقد توسع المالكية في ذلك فعدوا أشياء كثيرة
تثبت بالسماع الفاشي، كالملك، والوقف، وعزل
القاضي، والجرح، والتعديل، والكفر،
والإِسلام، والسفه، والرشد، والهيئة، والصدقة،
والولادة، والحرابة. (١) وغير ذلك (ر: شهادة).
٧ - ج - وهل إذا صرح بأنه بنى شهادته على
السماع تقبل أوترد؟ فيه خلاف بين المذاهب ينظر
في مصطلح (شهادة) كذلك .
الحديث المستفيض :
٨ - الحديث المستفيض اسم من أسماء الحديث
(المشهور) وهو من الآحاد، إلا أنه مما يقيد به
المطلق، ويخصص به العام عند الحنفية، وغيرهم.
وتعريفه عند الحنفية: أنه ما رواه عن النبي ◌ِّ
واحد أو اثنان من الصحابة، أويرويه عن
الصحابي واحد أواثنان، ثم ينتشر بعد ذلك،
فيرويه قوم يؤمن تواطؤهم على الكذب. ويفيد
اليقين، ولكنه أضعف مما يفيده الخبر المتواتر.
وعند غير الحنفية : كل حديث لا يقل عدد
رواته عن ثلاثة في أي طبقة من طبقات السند، ولم
(١) المراجع السابقة، وابن عابدين ٤/ ٣٧٥ بولاق ط أولى.
يبلغ مبلغ التواتر. (١)
٩ - وأما ذيوع الحدث ، كرؤية الهلال فإنه يترتب
عليه لزوم الصوم في رمضان، ووجوب الفطر في
أول شوال، والوقوف بعرفة في شهر ذي الحجة،
على تفصيل يرجع إليه في موطنه من كتب الفقه.
مواطن البحث :
١٠ - مواطن البحث في الاستفاضة ينظر في الشهادة
بالاستفاضة في باب الشهادة عند الفقهاء، وفي
الصوم عند الكلام عن رؤية الهلال، ويرجع إلى
الملحق الأصولي فيما يتعلق بالحديث المستفيض.
استفتاء
انظر : فتوى
استفتاح
التعريف :
المعنى اللغوي :
١ - الاستفتاح : طلب الفتح، والفتح نقيض
الإِغلاق. ومنه فتح الباب، واستفتحه: إذا طرقه
لیفتح له .
(١) مقدمة في علوم الحديث لابن الصلاح بتحقيق نور الدين العتر
ص ٢٣٩
:
- ٤٦ -
أ

:
استفتاح ٢ - ٤
ويكون الفتح أيضا بمعنى القضاء والحكم،
ومنه قول الله تعالى مخبرا عن شعيب: (ربنا افتح
بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين). (١)
وفي حديث ابن عباس : ((ما كنت أدري
ما قول الله تعالى : (ربنا افتح بيننا وبين قومنا
بالحق) حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها :
تعال أفاتحك، أي أحاكمك)). (٢) والاستفتاح
طلب القضاء.
ويكون الفتح بمعنى النصر، واستفتح: طلب
النصر. ومنه الآية: (إن تستفتحوا فقد جاءكم
الفتح). (٣)
وفي تاج العروس : في المستدرك على ما قاله
الفيروز آبادي : إن فتح علیه یکون بمعنى عرّفه
وعلّمه. قال: وقد فُسربه قوله تعالى: (قالوا
أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند
ربكم) . (٤)
المعنى الاصطلاحي :
٢ - يستعمل الفقهاء الاستفتاح بمعانٍ :
الأول : استفتاح الصلاة، وهو الذكر الذي
(١) سورة الأعراف / ٨٩
(٢) الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه الطبري
بطريقين :
أما الطريقة الأولى : فعن قتادة عن ابن عباس، وقتادة لم
يسمع من ابن عباس.
وأما الطريقة الثانية : فقد أخرجها الطبري أيضا بإسناده عن
علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعلي بن أبي طلحة روى عن
ابن عباس ولم يسمع منه كما قال ابن حجر (تفسير الطبري
٥٦٤/١٢، نشر دار المعارف بمصر، وتهذيب التهذيب
٣٣٩/٧، ٣٥١/٨ - ٣٥٦ دار صادر.
(٣) لسان العرب - بتصرف. والآية من سورة الأنفال / ١٩
(٤) سورة البقرة / ٧٦
تبدأ به الصلاة بعد التكبير. وقد يقال له:
دعاء الاستفتاح. وإنما سمي بذلك لأنه أول
ما يقوله المصلي بعد التکبیر، فهو يفتتح به صلاته،
أي يبدؤها به .
الثاني : استفتاح القارىء إذا أرتج عليه، أي
استغلق عليه باب القراءة، فلم یتمکن منها، فهو
یعید الآية ویکررها لیفتح علیه من يسمعه.
الثالث : طلب النصرة.
استفتاح الصلاة :
٣ - يعبر عنه بعض الفقهاء أيضا بدعاء
الاستفتاح، وبالافتتاح، وبدعاء الافتتاح. إلا أن
الأكثر يقولون: الاستفتاح. واستفتح: أي قال
الذكر الوارد في موضعه بعد التكبير. (١)
الألفاظ ذات الصلة :
الثناء :
٤ - الثناء لغة : المدح، وفي الاصلاح: ماكان من
ذكر الله تعالى وصفا له بأوصافه الحميدة، وشكرا له
على نعمه الجليلة، سواء كان بالصيغة الواردة :
((سبحانك اللهم وبحمدك ... الخ))، أو غيرها مما
يدل على المعنى المذكور. أما الدعاء فليس ثناء.
وهذا هو الجاري مع الاستعمال اللغوي .
وفي اصطلاح آخر : الثناء لكل ما يستفتح به ولو
كان دعاء. قال الإِمام الرافعي : وكل واحد من
هذين الذكرين، أعني ((وجهت وجهي ... ))
(١) حاشية الشرواني على التحفة ١/ ٥٥٠، وفتح العزيز ٣٠٢/٣
- ٤٧ -

استفتاح ٥
و((سبحانك اللهم ... )) يسمى دعاء الاستفتاح
وثناءه. (١)
وعلى ذلك فالاستفتاح أخص من الثناء .
حكم الاستفتاح :
٥ - قال جمهور الفقهاء : الاستفتاح سنة، لما ورد في
الأحاديث التي سيأتي ذكرها في الصيغ المأثورة في
الاستفتاح.
وذهبت طائفة من أصحاب الإِمام أحمد إلى
وجوب الذكر الذي هو ثناء، كالاستفتاح بنحو
((سبحانك اللهم وبحمدك ... )) وهو اختيار ابن
بطة وغيره، وذكر هذا رواية عن أحمد. (٢)
وخالف في ذلك مالك، ففي المدونة قال ابن
القاسم: کان مالك لا یری هذا الذي يقول الناس
((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك،
وتعالى جدك، ولا إله غيرك)). وكان لا يعرفه. ثم
نقل من رواية ابن وهب بسنده إلى أنس بن مالك
أن النبي مَ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون
الصلاة بالحمد لله رب العالمين: (٣) قال: وقال
مالك: من كان وراء الإمام، ومن هو وحده، ومن
كان إماما فلا يقل: ((سبحانك اللهم وبحمدك،
وتبارك اسمك ... الخ)). ولكن يكبرون ثم
(١) فتح العزيز ٣٠٢/٣
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٨٨/٢٢
(٣) أخرجه مسلم وأحمد من حديث أنس بن مالك قال: ((صليت
خلف النبي ه وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد
لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة
ولا في آخرها)) (صحيح مسلم ١ / ٢٩٩ ط عيسى الحلبي، ونيل
الأوطار ٢ /١٩٩ ط المطبعة العثمانية المصرية ١٣٥٧هـ).
يبتدئون القراءة (١)
وقد صرح فقهاء المالكية بأن الحكم كراهة
الفصل بين التكبير والقراءة بدعاء. سواء أكان
دعاء الاستفتاح أو غيره. إلا أن في كفاية الطالب:
أن هذا هو المشهور عن مالك، ثم قال: واستحب
بعضهم الفصل بينهما بلفظ: ((سبحانك اللهم
وبحمدك ... الخ)). وقال العدوي معلقا على
ذلك: في قوله والمشهور عن مالك الخ إشارة إلى أن
هذا القول لمالك، إلا أنه ليس مشهورا عنه. (٢)
ثم قد جاء في جواهر الإِكليل تعليقا على قول
خليل بالكراهة : أي يكره على المشهور للعمل،
وإن صح الحديث به - يعني ما قاله الدسوقي : لأنه
لم يصحبه عمل - ثم قال: وعن مالك ندب قوله
قبلها - أي قبل تكبيرة الإحرام - : سبحانك اللهم
وبحمدك ... الخ، وجهت وجهي ... الخ،
اللهم باعد ... الخ. قال ابن حبيب: يقوله بعد
الإقامة وقبل الإِحرام. قال في البيان: وذلك
حسن. (٣) ) هـ. وكذلك نقل الرافعي من الشافعية
عن مالك قوله: لا يستفتح بعد التكبير إلا
بالفاتحة، والدعاء والتعوذ يقدمهما على التكبير . (٤)
فكأن خلاف المالكية في الاستفتاح راجع إلى
موضعه، فعندهم یکون قبل التکبیر، وعند غيرهم
بعده . (٥)
(١) المدونة ١/ ٦٢
(٢) كفاية الطالب الرباني بحاشية العدوي ٢٠٥/١
(٣) جواهر الإكليل ٥٣/١، وانظر أيضا الرهوني ١/ ٤٢٥،
والدسوقي ٢٥٢/١
(٤) فتح العزيز ٣٠١/٣
(٥) ناقش النووي احتجاج المالكية بحديث ((أن النبي ◌ّ﴾ كان يفتتح
القراءة بالحمد لله رب العالمين)) بأنه ليس فيه التصريح بنفي =
- ٤٨ -

استفتاح ٦
هذا وقد استثنى الشافعية حالة خشية خروج
الوقت قبل تمام الصلاة، فلا يأتي بدعاء الاستفتاح
إلا حيث لم يخف خروج شيء من الصلاة عن
وقتها، فإِن خاف خروج شيء من الصلاة عن
الوقت حرم الإِتيان بدعاء الاستفتاح. وهو في هذا
مخالف لبقية سنن الصلاة، فإن السنن يأتي بها إذا
أحرم في وقت يسعها وإن لزم صيرورتها قضاء،
قال الشبراملسي: ويمكن الفرق بين الافتتاح
وبقية السنن بأنه عُهد طلب ترك دعاء الافتتاح في
الجنازة، وفيما لو أدرك الإمام في ركوع أو اعتدال،
فانحطت رتبته عن بقية السنن. أو بأن السنن
شرعت مستقلة وليست مقدمة لشيء، بخلاف
دعاء الافتتاح، فإِنه شرع مقدمة لغيره، يعني
للقراءة .
قالوا: ولو خشي إن اشتغل بدعاء الاستفتاح
فوت الصلاة لهجوم الموت عليه فيها، أو خشيت
طروَّ دم الحيض، فلا يشتغل به كذلك.(١)
صيغ الاستفتاح المأثورة :
٦ - ورد في الحديث عن النبي وَّر استفتاح الصلاة
بصيغ مختلفة أشهرها ثلاث :
الأولى : عن عائشة رضي الله عنها ((قالت:
كان رسول الله (80* إذا افتتح الصلاة قال:
سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك،
= الاستفتاح، ولو صرح بنفيه لكانت الأحاديث الصحيحة بإثباته
مقدمة، لأنها زيادة ثقات، وهي إثبات، والإِثبات مقدم على
النفي. (المجموع ٣٢١/٣). والحديث أخرجه مسلم (صحيح
مسلم ١/ ٣٥٧ ط عيسى الحلبي ١٣٧٤ هـ).
(١) حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٤٥٦/١
وتعالى جدك، ولا إله غيرك)). (١) وصح عن عمر
أنه استفتح به.(٢)
وجمهور الفقهاء لم يذكروا في هذه الصيغة ((وجل
ثناؤ" ، وذكرها الحنفية. ففي شرح منية المصلي:
إن زاد في دعاء الاستفتاح بعد قوله: وتعالى جدك
((وجل ثناؤك)) لا يمنع من زيادته، وإن سكت عنه
لا يؤمر به، لأنه لم يذكر في الأحاديث المشهورة.
وقد روي عن بعض الصحابة من قولهم. (٣)
الثانية : عن علي رضي الله عنه ((أن رسول الله
18 كان إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي
للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من
المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله
رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا
من المسلمين - وفي رواية: وأنا أول المسلمين -
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي، وأنا
عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي
ذنوبي جميعا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني
لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت،
واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت،
(١) (وتبارك اسمك) أي البركة تكسب وتنال بذكرك. (وتعالى
جدك) أي علا جلالك وارتفعت درجتك.
(٢) المجموع للنووي ٣/ ٣٢٠، وشرح الإقناع للبهوتي ٣٠٩/١.
وحديث عائشة أخرجه أبو داود والحاكم مرفوعا. قال الحافظ ابن
حجر: رجال إسناده ثقات، لكن فيه انقطاع. وله طرق أخرى
رواها الترمذي وابن ماجه من طريق حارثة بن أبي الرجال. وله
طريق أخرى رواها الترمذي وابن ماجه من طريق حارثة بن أبي
الرجال وهو ضعيف. والحديث صحيح موقوفا على عمر، وفي
الباب عن ابن مسعود وعدد من الصحابة (تلخيص الحبير
٢٢٩/١ شركة الطباعة الفنية ١٣٨٤ هـ، والمستدرك ٢٣٥/١
نشر دار الكتاب العربي)
(٣) شرح منية المصلى ص ٣٠٢
- ٤٩ -

استفتاح ٧
لبيك وسعديك، والخير كله في یدیك، والشر لیس
إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعالیت،
أستغفرك وأتوب إليك)). (١)
هل يقول (وأنا من المسلمين)
أو (أول المسلمين) ؟ :
٧ - ودعاء التوجه الذي تضمنه حديث علي رضي
الله عنه، وردت فيه هذه الكلمة بروايتين: الأولى
((وأنا من المسلمين)) والثانية ((وأنا أول المسلمين))
وكلتا الروايتين صحيحتان .
فلوقال المستفتح: (وأنا من المسلمين) - وهو
الأولى - فهو موافق للسنة، ولا خلاف في ذلك.
وإن قال: (وأنا أول المسلمين) ففي قول عند
الحنفية: تفسد صلاته، لأن قوله هذا كذب،
فليس هو أول المسلمين من هذه الأمة، بل أولهم
محمد #. والأصح عندهم أن صلاته لا تفسد،
لأنه تالٍ للآية وحاك لا مخبر.
(١) (لبيك) أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة. (وسعديك) أي
مساعدة لأمرك بعد مساعدة، ومتابعة لدينك الذي ارتضیته بعد
متابعة (والشر ليس إليك) أي لا يتقرب بالشر إليك كأولاً ينسب
إليك، أو لا يكون الشر بخلقك له شراً بالنسبة إليك فإنك خلقته
لحكمة (أنا بك وإليك) أي التجائي وانتمائي إليك. المجموع
٣١٥/٣، ٣١٧، والمغني ١/ ٤٧٤ ط الرياض.
ولا يخفى أن أول هذا الدعاء تأول للقرآن.
أما قوله : (وجهت وجهي .... إلى: وما أنا من المشركين)
فهو مطابق لما ذكره الله تعالى في سورة الأنعام / ٧٩ عن إبراهيم
عليه السلام أنه قال في محاجته لقومه: (إني وجهت ... الخ).
وأمسا (إن صلاتي ونسكي ... إلى: وأنا أول المسلمين) ففي
سورة الأنعام/ ١٦٢، ١٦٣. وحديث علي رضي الله عنه أخرجه
مسلم مرفوعا (صحيح مسلم ٥٣٤/١ - ٥٣٦ ط عيسى الحلبي
١٣٧٤ هـ).
ومن أجل ذلك إذا قصد الإخبار کان كاذبا، وتفسد
صلاته قطعا . (١)
وكذا قال الإِمام الشافعي في الأم : يجعل مكان
(وأنا أول المسلمين : وأنا من المسلمين). وقال
البيجوري: أو يقول وأنا أول المسلمين، نظرا للفظ
الآية، ولا يقصد بذلك أنه أول المسلمينَ حقيقة
وإلا كفر. أي لإنكاره إسلام المسلمين قبله. (٢)
وقال ابن علان : ظاهر كلام أئمتنا أن المرأة
تقول : (وما أنا من المشركين)، وتقول: (وأنا من
المسلمين)، لأن مثل ذلك سائغ لغة، شائع
استعمالا. وفي التنزيل (وكانت من القانتين). (٢)
وقد ((لقن النبي ◌َّ﴾ (وأنا من المسلمين) و(ما أنا من
المشركين) فاطمة رضي الله عنها في ذبح
الأضحية)). (٤)
قال : وقیاس ذلك أن تأتي المرأة أيضا بـ (حنيفا
مسلما) بالتذكير، على إرادة الشخص، محافظة
على الوارد ما أمكن، فهما حالان من الفاعل أو
المفعول. (٥)
الثالثة : حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:
(١) شرح منية المصلي ص ٣٠٣
(٢) حاشية البيجوري على ابن قاسم ١٧٣/١ ط مصطفى الحلبي
١٣٤٣ هـ.
(٣) سورة التحريم / ١٢
(٤) حديث ((وقد لقن النبي ◌َّ﴾ (وأنا من المسلمين) ... )) أخرجه
الطبراني في الكبير والأوسط من حديث عمران بن حصين رضي
الله عنه مرفوعا بلفظ قال رسول الله صل#: ((يا فاطمة قومي
فاشهدي أضحیتك فإنه يغفر لك بکل قطرة من دمها كل ذنب
عملتيه، وقولي: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين
لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ... )) قال الهيثمي
: وفيه أبوحمزة الشمالي وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٤ /١٧ نشر
مكتبة القدسي ١٣٥٣ هـ).
(٥) الفتوحات الربانية على الأذكار النووية ١٦٧/٢
- ٥٠ -
1
:
1

استفتاح ٨
((كان رسول الله لهول إذا كبر في الصلاة سكت
هنيهة قبل القراءة. فقلت يا رسول الله: بأبي أنت
وأمي يا رسول الله، في إسكاتك بين التكبير
والقراءة ماتقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني
وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب.
اللهم نقني من خطاياي کما ینقی الثوب الأبيض
من الدنس. اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج
وبالماء والبرد)).(١)
مذاهب الفقهاء في الصيغة المختارة :
٨ - اختلف الفقهاء فيما يختارونه من الصيغ المأثورة
على أقوال :
الأول : قال جمهور الحنفية، والحنابلة: يستفتح
بـ (سبحانك اللهم وبحمدك .... الخ)(٢)
مقتصرا عليه، فلا يأتي بـ (وجهت وجهي
.... الخ) (٣) ولا غيره في الفريضة. (٤)
الثاني : مذهب الشافعية في معتمدهم، وقول
الآجري من الحنابلة: اختيار الاستفتاح بما في خبر
علي ((وجهت وجهي ٠٠٠٠)).
قال النووي من الشافعية: والذي يلي هذا
الاستفتاح في الفضل حديث أبي هريرة يعني
((اللهم باعد ... الخ)). (٥)
(١) المجموع للنووي ٣١٩/٣، وحديث أبي هريرة أخرجه
البخاري ومسلم وأحمد والنسائي وأبو داود وابن ماجة (نيل
الأوطار ٢/ ١٩١ ط المطبعة العثمانية المصرية ١٣٥٧هـ).
(٢) سبق تخريجه (ر: ف ٦).
(٣) سبق تخريجه (ر: ف ٦) .
(٤) شرح منية المصلي ص ٣٠٢، والبحر الرائق ٣٢٨/١، ومجموع
الفتاوى ٣٩٦/٢٢
(٥) المجموع ٣/ ٣٢٠، ٣٢٢، وحديث أبي هريرة سبق تخريجه (ر:
ف ٦) ..
الثالث : مذهب أبي يوسف صاحب
أبي حنيفة، وجماعة من الشافعية، منهم أبو إسحق
المروزي، والقاضي أبو حامد، وهو اختيار الوزير
ابن هبيرة من أصحاب الإِمام أحمد: أن يجمع بين
الصيغتين الواردتين ((سبحانك اللهم وبحمدك
٠ ٠ . . )) و((وجهت وجهي .... )) ونسبه صاحب
الإِنصاف إلى ابن تيمية. هذا، وقد استحب
النووي أيضا أن يكون الاستفتاح بمجموع الصيغ
الواردة كلها لمن صلى منفردا، وللإِمام إذا أذن له
المأمومون(١) وجميع الآراء السابقة إنما هي بالنسبة
للفريضة .
أما في النافلة، وخاصة في صلاة الليل، فقد
اتفق الحنفية والشافعية والحنابلة على الجمع بين
الثناء ودعاء التوجه. قال ابن عابدين: لحمل ما
ورد من الأخبار عليها، فيقوله - أي التوجه - في
صلاة الليل، لأن الأمر فيها واسع. وفي صحيح
مسلم ((أنه # كان إذا قام إلى الصلاة - وفي رواية
إذا استفتح الصلاة - كبر ثم قال: وجهت وجهي
للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ... ))(٢)
وكذا قال أحمد عن سائر الأخبار في الاستفتاح
سوى ((سبحانك اللهم وبحمدك ... ))(٣): إنما
هي عندي في التطوع. (٤)
(١) المجموع ١/ ٣٢٠، وشرح منية المصلي ص ٣٠٢، والأذكار
والفتوحات الربانية ١٧٨/٢، والبحر الرائق ٣٢٨/١
(٢) حديث ((أنه وي لو كان إذا قام إلى الصلاة ... )) أخرجه مسلم من
حديث علي بن أبي طالب (صحيح مسلم ١/ ٥٣٤ - ٥٣٦ ط
عيسى الحلبي).
(٣) سبق تخريجه (ر: ف ٦).
(٤) شرح منية المصلي ص ٣٠٣، والفروع ٣٠٣/١
- ٥١ -

استفتاح ٩ - ١٠
كيفية الإِتيان بدعاء الاستفتاح، وموضعه :
الإِسرار بدعاء الاستفتاح :
٩ - اتفق القائلون بسنية الاستفتاح، على أن سنته
أن يقوله المصلي سرا، سواء أكان إماما أم مأموما أم
منفردا، ودليله حديث أبي هريرة المتقدم.
وأما ماورد من فعل عمر رضي الله عنه أنه كان
يجهر بهذه الكلمات: ((سبحانك اللهم
وبحمدك ... )) فقد حمله الفقهاء على قصد
تعلیمہ الناس . (١)
قال النووي من الشافعية: السنة فيه الإِسرار،
فلو جهر به كان مكروها، ولا تبطل صلاته. (٢)
موضع الاستفتاح من الصلاة :
١٠ - تقدم أن المالكية يخالفون في موضع
الاستفتاح، فيمنعون وقوعه بين التكبير والقراءة،
وأن ابن حبيب منهم صرح بأنه يأتي به قبل تكبيرة
الإِحرام (ف ٥).
أما جمهور الفقهاء غير المالكية فعندهم أن
الاستفتاح في الركعة الأولى، بعد تكبيرة الإحرام،
وقبل التعوذ والشروع في القراءة.
وبعض من اختار منهم الاستفتاح ((بسبحانك
اللهم وبحمدك ... )) أجاز أن يقول دعاء التوجه
قبل تكبيرة الإِحرام والنية (ف ٥) وقد سبق
(١) شرح منية المصلي ص ٣٠١، والبحر الرائق ٣٢٨/١. والأثر عن
عمر رضي الله عنه أخرجه مسلم في صحيحه بلفظ: أن عمر كان
يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: ((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك
اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك)» (صحيح مسلم ١/ ٢٩٩ ط.
عيسى الحلبي، ونيل الأوطار ٢/ ١٩٥ ط المطبعة العثمانية المصرية
١٣٥٧ هـ).
(٢) الأذكار مع الفتوحات الربانية ١٨٥/٢
مايتصل بموضع الاستفتاح عند الفقهاء.
ويتعلق بهذا الأمر مسألتان :
الأولى : عند الشافعية والحنابلة سنته أن يتصل
بتكبيرة الإِحرام، بمعنى ألا يفصل بين تكبيرة
الإِحرام وبين الاستفتاح تعوذ أودعاء، أو قراءة.
واستثنى الشافعية - كما في حاشية القليوبي -
تكبيرات العيد فلا يفوت الاستفتاح بقولها،
لندرتها .(١)
أما لو کبر تکبیرة الإِحرام، ثم سكت، ثم
استفتح فلا بأس. (٢) فلوكبر، ثم تعوذ سهواً أو
عمداً لم يعد إلى الاستفتاح، لفوات محله، ولا
یتداركه في باقي الركعات.
قال النووي من الشافعية: وهذا هو المذهب،
ونص عليه الشافعي في الأم، وقال الشيخ أبو حامد
في تعليقه: إذا تركه وشرع في التعوذ يعود إليه .
وقال النووي : لكن لو خالف وأتی به بعد
التعوذ کره، ولم تبطل صلاته، لأنه ذكر، كما لو دعا
أو سبح في غير موضعه. (٣) وسيأتي لهذا المعنى
تكميل واستثناء عن الحنابلة في مسألة استفتاح
المسبوق.
الثانية : لا يشرع لترك الاستفتاح عمدا أو
سهوا، أو الجهر الإِمام به أو لغير ذلك سجود
سهو. وهذا عند كل من يرى أن الاستفتاح
مستحب، وهو قول جمهور الحنابلة. أما من قال
بأنه واجب - كما تقدم نقله عن بعض الحنابلة -
فينبغي إذا نسيه أن يسجد للسهو.
(١) حاشية القليوبي على شرح المنهاج ٣٠٥/١
(٢) نهاية المحتاج، وحاشية الرشيدي ١/ ٤٥٣
(٣) المجموع ٣١٨/٣، والأذكار مع الفتوحات ١٨٣/٢
- ٥٢ -

استفتاح ١١ - ١٢
والعلة لترك سجود السهوأن السجود زيادة في
الصلاة، فلا يجوز إلا بتوقيف. (١)
استفتاح المأموم :
١١ - لا إشكال في مشروعية استفتاح كل من الإِمام
والمنفرد، إلا من حيث أن الإِمام يراعي من خلفه،
من حيث التطويل والاختصار فيما يستفتح به. أما
المأموم فيتعلق باستفتاحه مسألتان :
الأولى : يستفتح المأموم سواء استفتح إمامه أم
لم يستفتح. قال في شرح منية المصلي من كتب
الحنفية: تسعة أشياء إذا لم يفعلها الإِمام لا يتركها
القوم، فذكر منها: الاستفتاح. (٢)
وهو يفهم أيضا من كلام الشافعية والحنابلة .
الثانية : إذا لم يستفتح المأموم حتى شرع الإِمام
في القراءة، فقد اختلف الفقهاء في هذا على آراء :
الأول : قال الحنفية : لا يأتي المأموم بدعاء
الاستفتاح إذا شرع الإِمام في القراءة، سواء أكان
الإِمام يجهر بقراءته أم يخافت .
وفي قول عندهم : يستفتح المأموم إن كان
الإِمام يخافت بقراءته(٣) قال ابن عابدين: وهذا هو
الصحيح، وعليه الفتوى. وعلله في الذخيرة بما
حاصله أن الاستماع في غير حالة الجهر ليس
بفرض، بل يسن. (٤)
(١) شرح الإقناع ٣١٠/١، ٣٦٢، والأذكار ١٨٥/٢
(٢) شرح منية المصلي ص ٥٢٨
(٣) الدر المختار ٣٢٨/١
(٤) تعظيما للقراءة، فكان سنة غير مقصودة لذاتها. وليس ثناء الإِمام
ثناء للمؤتم. فإذا تركه يلزمهم ترك سنة مقصودة لذاتها،
للإنصات الذي هو سنة تبعا، بخلاف تركه حال الجهر. وفي
قول: يأتي بالثناء عند سكتات الإِمام. وفي قول آخر: يثني إذا =
الثاني . قال الشافعية : يسن للمأموم أن
يستفتح ، ولو كان الإِمام يجهر والمأموم يسمع
قراءته. وفرقوا بينه وبين قراءة المأموم للسورة بعد
الفاتحة - فإنه يسن للمأموم الإِنصات لها - وبين
الافتتاح - فيسن أن يقرأه - بأن قراءة الإِمام تعد
قراءة للمأموم، فأغنت عن قراءته، وسن استماعه
لها، ولا كذلك الافتتاح، فإن المقصود منه الدعاء
للإِمام، ودعاء الشخص لنفسه لا يعد دعاء لغيره.
ومع هذا فقد قالوا: یسن له الإِسراع به إذا كان
يسمع قراءة إمامه. (١)
الثالث : قال الحنابلة: يستحب للمأموم أن
يستفتح في الصلوات التي يسر فيها الإِمام، أو التي
فيها سكتات يمكن فيها القراءة. وفي كشاف
القناع: أن المأموم يستفتح أيضا ولو كان الإِمام
يجهر، إذا كان المأموم لا يسمع قراءته .
قالوا : أما إن لم يسكت الإِمام أصلا فلا
يستفتح المأموم. وإن سكت الإِمام قدراً يتسع
للاستفتاح استفتح المأموم على الصحيح، فإن كان
المأموم ممن يرى القراءة خلف الإِمام استفتح. (٢)
استفتاح المسبوق :
١٢ - عند الحنفية: لا يستفتح المسبوق إذا أدرك
الإِمام حال القراءة، وفي قول: يستفتح إن كان
الإِمام یخافت.
ثم إنه إذا قام يقضي ما فاته يستفتح مرة
= كان الإِمام في الفاتحة، ولا يثنى في السورة. قال شارح المنية:
والأصح لا يأتي به مطلقا. (شرح منية المصلي ص ٣٠٤، والبحر
الرائق ٣٢٧/١)
(١) نهاية المحتاج ١/ ٤٥٤
(٢) المغني ٦٠٧/١ ط١، وكشاف القناع ٤٢٩/١
- ٥٣ -

استفتاح ١٢ - ١٣
أخرى. ووجهه: أن القيام إلى قضاء ماسبق يعتبر
كتحريمة أخرى، للخروج به من حكم الاقتداء
إلى حكم الانفراد.(١)
أما إن أدركه في الركوع أو في السجدة الأولى من
الركعة فإنه يتحرى في الإِتيان بالثناء (الاستفتاح)،
فإن كان أكبر رأيه أنه لو أتى به يدرك الإِمام في
شيء من الركوع فإنه يأتي به قائما ثم يركع،
لإمكان إحراز الفضيلتين معا، فلا يفوت إحداهما .
ومحل الاستفتاح هو القيام، فيفعله فيه.
أما إن کان أکبر رأیه أنه لو اشتغل بالاستفتاح لا
يدرك الإِمام في شيء من الركوع، أو السجدة
الأولى من الركعة، فإِنه يركع أو يسجد مع الإِمام
لئلا تفوته فضيلة الجماعة في الركعة أو السجدتين،
وذلك أولى من إحراز فضيلة الثناء، لأن سنية
الجماعة أكد وأقوى من سنيته .
وعند الشافعية: يستفتح المأموم إذا أدرك الإِمام
في قيام الركعة الأولى أو غيرها، وغلب على ظنه
أنه مع اشتغاله به يدرك الفاتحة قبل ركوع إمامه .
فإِن خاف ألّ يدرك الفاتحة، فإِنه يشتغل بها ويترك.
الاستفتاح، لأنها واجبة والاستفتاح سنة. (٢)
أما لو أدرك المسبوق الإِمام في غير القيام : إما في
الركوع، وإما في السجود، وإما في التشهد،فإِنه
يحرم معه، ويأتي بالذكر الذي يأتي به الإِمام، ولا
يأتي بدعاء الاستفتاح في الحال ولا فيما بعد. (٣)
واستثنوا من ذلك حالتين. قال النووي : لو
أدرك الإِمام في القعود الأخير، فكبر للإِحرام،
(١) شرح منية المصلي ص ٣٠٤، ٣٠٥
(٢) أذكار النووي ص ٤٤
(٣) الأذكار ص ٤٤
فسلم الإِمام قبل قعوده لا يقعد، ويأتي بدعاء
الاستفتاح. فإِن قعد قبل أن يستفتح فسلم الإِمام
فقام، فإِنه لا يأتي بدعاء الاستفتاح.
وكذلك قالوا: لو أمّن الإمام يؤمن المسبوق، ثم
يأتي بالاستفتاح، لأن التأمين فاصل يسير. (١)
وعند الحنابلة : إذا أدرك المسبوق الإِمام فيما بعد
الركعة الأولى لم يستفتح، بناء على الرواية المعتمدة
من أن مايدركه المسبوق مع إمامه هو آخر صلاته لا
أولها، فإذا قام للقضاء استفتح. نص عليه
أحمد. (٢)
أما على الرواية الأخرى عن أحمد - أن مايدركه
المسبوق مع إمامہ هو أول صلاته - فإنه يستفتح بعد
(٣)
تكبيرة الإحرام .
أما إذا أدركه في قيام الركعة الأولى، فكما تقدم في
استفتاح المأموم (ف ٩).
الصلوات التي يدخلها الاستفتاح
والتي لا يدخلها
1
١٣ - الاستفتاح - عند غير المالكية - سنة في كل
الصلوات وفي جميع الأحوال. قال النووي :
الاستفتاح مستحب لكل مصلّ، من إمام،
ومأموم، ومنفرد، وامرأة، وصبي، ومسافر،
ومفترض، ومتنفل، وقاعد، ومضطجع،
وغيرهم. قال: ويدخل فيه النوافل المرتبة
والمطلقة، والعيد، والكسوف في القيام الأول،
:
(١) المجموع ٣١٨/٣
(٢) المغني ١/ ٥٧٥، وكشاف القنا٦ ٤٢٦/١
(٣) المغني ٢/ ٢٦٥
- ٥٤ -
.-

استفتاح ١٤ - ١٦
والاستسقاء. (١)
غير أن بعضهم استثنى صلاة الجنازة. وفيها
- وفي الاستفتاح في صلاة العيدين، وصلاة قيام
اللیل - كلام نورده فیما يلي:
أولا : الاستفتاح في صلاة الجنازة:
١٤ - اختلف الفقهاء في الاستفتاح في صلاة الجنازة
على أقوال :
القول الأول ، قول الحنفية : أن الاستفتاح
فيها سنة بعد التكبيرة الأولى، ويقتصر عليه، فلا
يقرأ الفاتحة، إذ لا تشرع القراءة عندهم في صلاة
الجنازة. قالوا: إلا أن يقرأ الفاتحة بنية الثناء، لا
بنية القراءة، ولا يكره ذلك.
وقالوا : يقدم الثناء على الله ( أي بعد التكبيرة
الأولى) والصلاة على رسوله وَل# (أي بعد التكبيرة
الثانية) على الدعاء، لأن سنة الدعاء أن يتقدم
عليه حمد الله والصلاة على رسوله. (٢)
والقول الثاني ، وهو أصح قولي الشافعية،
والرواية المعتمدة عند الحنابلة: أن صلاة الجنازة
مستثناة فلا يشرع فيها استفتاح أصلا، قال
الشافعية: ولو على غائب أو قبر، قالوا: لأنها مبنية
على التخفيف والاختصار. ولذلك لم يشرع فيها
قراءة سورة بعد الفاتحة .
والقول الآخر للشافعية ، والرواية الأخرى عن
الإِمام أحمد: أنه يستحب الاستفتاح فيها كغيرها
من الصلوات. (٣)
(١) المجموع ٣١٨/٣، ٣١٩
(٢) البحر الرائق وحاشية ابن عابدين عليه ١٩٣/٢، ١٩٤،
والبدائع ٣١٣/١
(٣) المجموع ٣١٩/٣، وكشاف القناع ١٠١/٢، والمغني ٢/ ٣٦٩
ثانيا : الاستفتاح في صلاة العيد :
١٥ - مذهب الحنفية ، والشافعية، والمقدم عند
الحنابلة: أن الاستفتاح في صلاة العيد بعد تكبيرة
الإِحرام وقبل التكبيرات الأخرى (الزوائد) في أول
الركعة. فيكبر للإِحرام، ثم يثني، ثم يكبر
التكبيرات، ثم يقرأ الفاتحة.
وفي رواية أخرى عن أحمد: يستفتح بعد
التكبيرات الزوائد، وقبل القراءة (١) ونقله الكاساني
عن ابن أبي ليلى . (٢)
ثالثا : الاستفتاح في النوافل :
١٦ - يرى الحنابلة : أن صلاة النافلة إذا كانت
بأكثر من سلام واحد كما في التراويح، والضحى،
وصلاة السنة الراتبة، إذا كانت أربعا وصلاها
بسلامین، فإنه يستفتح في كل ركعتين على
الأصل، لأن كل ركعتين صلاة مستقلة. وفي قول
آخر عندهم: يكتفي باستفتاح واحد في أول
صلاته . (٣)
وإن صلى النافلة الرباعية بسلام واحد، فقد
قال الحنفية: إن النافلة الرباعية نوعان :
النوع الأول : شبهوه بالفريضة لتأكده، وهو
الأربع قبل صلاة الظهر، والأربع قبل صلاة
الجمعة، والأربع بعد صلاة الجمعة، فهذا النوع
ليس فيه إلا استفتاح واحد فقط، وهو ما يقوله في
(١) شرح منية المصلي ١/ ٣٠٣، ٥٦٧، وشرح منهاج الطالبين مع
حاشية القليوبي ٣٠٥/١، والفروع ٥٧٩/١، وكشاف القناع
٤٦/٢
(٢) بدائع الصنائع ١/ ٢٧٧
(٣) شرح الإقناع ١/ ٤٠٣، ومطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى
٤٢٧/١
- ٥٥ -

استفتاح ١٧ - ١٩
أول الركعة الأولى .
والنوع الثاني : ما عدا ذلك من النوافل، وفي
هذا النوع استفتاح آخر يقوله في أول القيام في
الركعة الثالثة. قالوا: وهكذا الحكم لونذر أن
يصلي أربعا. ووجهوه بأنه وإن كان فرضا، إلا أنه
في الأصل نفل عرض له الافتراض. قالوا:
يستفتح المرة الأخرى، لأن كل اثنتين من الأربع
صلاة على حدة، أي من بعض الأوجه.
1
قال ابن عابدين : وهذه المسألة ليست مروية
عن المتقدمين. وإنما هي اختيار بعض المتأخرين.
قال: وفي المسألة قول ثان : أنه يستفتح مرة واحدة
فقط كالنوع الأول. (١)
استفتاح القارىء :
١٧ - الاستفتاح أن يطلب القارىء بقوله أو حاله
الفتح إذا أرتج عليه، فلم يعلم ما يقرأ، سواء أكان
في قراءة فنسي ما بعد الآية التي يقرؤها، أم أراد
ابتداء القراءة فلم يعلم ما يقول. والفتح عليه أن
تخبره بما نسيه.
وقد ذكر ابن عابدین أنه یکره للإمام أن یلجیء
المأموم إلى الفتح علیه. وللإِمام بدل ذلك أن يركع
إذا قرأ قدر الفرض. وإن لم يقرأ قدر الفرض فإنه
يستخلف. وانظر تفصيل ذلك في (إمامة) و(فتح
على الأمام).
الاستفتاح ( بمعنى الاستنصار ) :
١٨ - يستحب عند القتال أن يدعو المسلمون الله
(١) الدر المختار ورد المحتار ٤٥٤/١، ٤٥٥، وحاشية الطحطاوي
على الدر
تعالى أن يفتح عليهم، وأن ينصرهم على
عدوهم. وقد روي من ذلك عن النبي # أذكار
معينة في وقائع مختلفة ر:(دعاء) و(جهاد).
الاستفتاح ( بمعنى طلب العلم بالمغيب ) :
١٩ - تقدم أول هذا البحث أن استعمال هذه
الكلمة بهذا المعنى دائر في كلام العوام. وأنه يقل
في كلام الفقهاء.
وفي حكمه قولان للفقهاء في استفتاح الفأل في
المصحف :
الأول : أنه حرام. نقل عن ابن العربي
المالكي، وهو ظاهر ما نقله البهوتي عن الشيخ (ابن
تيمية). (١) وصرح به القرافي والطرطوشي من
المالكية، قال الطرطوشي : لأنه من باب الاستقسام
بالأزلام، لأن المستقسم يطلب قسمه من الغيب،
وكذلك من أخذ الفأل من المصحف أو غيره إنما
يعتقد هذا المقصد إن خرج جیدا اتبعه، أوردیا
اجتنبه، فهوعين الاستقسام بالأزلام الذي ورد
القرآن بتحريمه فيحرم .
الثاني : أنه مكروه ، وهو ظاهر كلام الشافعية .
الثالث : الجواز ، ونقل فعله عن ابن بطة من
الحنابلة . (٢)
(١) قلت: وهو الأولى، لما في ذلك من اعتقاد معرفة الغيب.
(٢) كشاف القناع ط الرياض ١٣٦/١، والفروق للقرافي ٤/ ٢٤٠
- ٥٦ -

استفراش ١ - ٣ _ استفسار ١ - ٣
استفراش
التعريف :
١ - يقول أهل اللغة : إذا اتخذ الرجل امرأة للذة
((افترشها)) ولم أجد من قال: ((استفرشها)). (١)
ولكن الفقهاء يعبرون عن ذلك بالاستفراش،
ويقولون عن المرأة: مستفرشة، ولا يكون ذلك إلا
في الحل. (٢)
ولا يرد ذكر الاستفراش في كلام الفقهاء - فيما
نعلم - إلا في موضعین:
الأول : في الكفارة في النكاح.
والثاني : للتعبير عن التسري .
الألفاظ ذات الصلة :
الاستمتاع :
٢ - الاستمتاع: أعم من الاستفراش مطلقا، إذ
يدخل في الاستمتاع بالحلال والحرام، ومتعة الحج
وغيرها.
الحكم الإجمالي ومواطن البحث :
٣ - الأصل في الاستفراش الإِباحة ، وتفصيله في
مصطلحي (نكاح) و(تسري).
(١) لسان العرب، وتاج العروس مادة (فرش)
(٢) بدائع الصنائع ١٥٢٢/٣ طبع مطبعة الإمام، والهداية بشرح
فتح القدیر ٤١٨/٢ طبع بولاق ١٣١٥ هـ.
استفسار
التعريف :
١ - الاستفسار في اللغة : مصدر استفسرته كذا إذا
سألته أن يفسره لى. (١)
ولا يختلف معناه في الفقه عنه في اللغة .
وهو عند الأصوليين : طلب ذكر معنى اللفظ،
حين تكون فيه غرابة أو إجمال. (٢)
فالاستفسار عند الأصولیین أخص منه عند أهل
اللغة وأهل الفقه .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - السؤال :
٢ - السؤال هو: الطلب ، وهو أعم من أن يكون
طلب توضیح أو غيره، کقولك: سألته عن كذا،
وسألت الله العافية. أما الاستفسار فھوخاص
بطلب التوضيح. (٣)
ب - الاستفصال :
٣ - الاستفصال هوطلب التفصيل (ر:
استفصال)، فهو أخص من الاستفسار، لأن
(١) التاج واللسان مادة: ((فسر)).
(٢) شرح جمع الجوامع للمحلي ٢/ ٣٣١ ط مصطفى الحلبي، ومسلم
الثبوت ٣٣٠/٢
(٣) المصباح مادة: ((سول)).
- ٥٧ -

استفراش ٤ - ٧ - استفصال ١
التفسير قد يكون بغير التفصيل، كما في تفسير
اللفظ بمرادفه .
الحکم الإجمالي :
٤ - حكمه عند الأصوليين :
الاستفسار من آداب المناظرة، فإذا خفي على
المناظر مفهوم كلام المستدل لإِجمال أو غرابة في
الاستعمال استفسره، وعلى المستدل بیان مراده عند
الاستفسار، حتی لا یکون هناك لَبْسٌ ولا إيهام،
وحتى تجري المناظرة على خير الوجوه.
مثال الإجمال : أن يقول المستدل : يلزم المطلقة
أن تعتد بالأقراء، فيطلب المناظر تفسير القرء، لأنه
يطلق على الطهر، كما يطلق على الحيض.
ومثال الغرابة قوله : لا يحل السيد (بكسر السين
وسكون الياء) فيستفسر المناظر معناه، فيجيبه بأنه
الذئب.
هذا ، ويعد الأصوليون الاستفسار من جملة
الاعتراضات بمعنى القوادح، ويرتبونه في أولها، (١)
وموطن استيفائه الملحق الأصولي.
حكمه عند الفقهاء :
٥ - على القاضي أن يستفسر ذوي العلاقة الأمور
الغامضة، ليكون في حكمه على بصيرة،
كاستفساره من أقربشيء مبهم، واستفساره
الشاهد السبب، کما إذا شهدا أن بينهما رضاعا،
فالجمهور على أنه لابد من التفصيل.
٦ - وقد لا يجب الاستفسار لاعتبارات خاصة،
(١) شرح جمع الجوامع للمحلي ٢/ ٣٣٠، وفواتح الرحموت المطبوع
أسفل المستصفى ٣٣٠/٢
كاستفسار من أكره على شرب المسكر، فإنه يصدق
بیمینه، ولا يستفسر كيفية حصول الإِکراه، درءا
للحدود ما أمكن، خلافا للأذرعي من الشافعية
القائل بوجوب الاستفسار. (١)
مواطن البحث :
٧ - بعض الأصوليين أوردوا المبادىء المنطقية ،
كمقدمة لعلم الأصول، وذكروا الاستفسار
ضمنها، وبعضهم يذكره في مباحث القوادح في
الدلیل.
كما يذكره الفقهاء في كتاب الإِقرار، حين
الكلام على الإِقرار بمبهم، وفي بحث طلاق المكره
من كتاب الطلاق، بمناسبة كلامهم على من أكره
على شرب المسكر، هل يستفسر؟ وفي كتاب
الشهادات، عند الكلام على ما يجب فيه ذكر
سبب الشهادة، وفي كتاب القضاء كذلك.
استفصال
التعريف :
١ - يستفاد من سياق عبارات الأصوليين والفقهاء
أن الاستفصال: طلب التفصيل. ولم ترد هذه
الكلمة في المعاجم اللغوية التي بين أيدينا، وهي
(١) القليوبي ٣/ ٣٣٣ ط عيسى الحلبي، والأشباه والنظائر للسيوطي
ص ٣٣٥ ط التجارية .
- ٥٨ -

استفصال ٢ - ٦
مع ذلك صحيحة، وقد وردت في كلام الشافعي،
وكفى به حجة في لغة العرب . (١)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاستفسار :
٢ - الاستفسار عند الأصوليين: طلب ذكر معنى
اللفظ حين تكون فيه غرابة أوخفاء، وهو عند
الفقهاء: طلب التفسير مطلقا. (٢)
ب - السؤال :
٣ - السؤال: الطلب ، وهو أعم من أن يكون
طلب تفصيل أو غيره. (٣)
الحكم الإجمالي :
حكمه عند الأصوليين :
٤ - ذهب الشافعية إلى أن ترك الاستفصال في
حكاية الحال، مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة
العموم في المقال. ومثاله أن غيلان الثقفي أسلم
على عشر نسوة، فقال النبي ◌ُّر: ((أمسك منهن
أربعاً، وفارق سائرهن)). (٤) ولم يسأل عن كيفية
(١) الفروق للقرافي ٢/ ٨٧ ط دار إحياء الكتب، وإرشاد الفحول
ص ١٣٢ ط مصطفى الحلبي، والشرواني ١٠/ ٢٧٥ ط اليمنية.
(٢) فواتح الرحموت ٣٣٠/٢
(٣) المصباح المنير .
(٤) حديث غيلان الثقفي أخرجه مالك، من حديث ابن شهاب بهذا
اللفظ، وأخرجه الشافعي وأحمد وابن ماجه والترمذي بلفظ
مقارب، وأخرجه أيضا ابن حبان والحاكم. وحكى الأشرم عن
أحمد أن العمل عليه، بعد أن أعله بتفرد معمر في وصله وتحديثه
به في غير بلده. وقال ابن عبد البر: طرقه كلها معلولة. (تنوير
الحوالك شرح على موطأ مالك ٢/ ١٠٢، نشر مكتبة المشهد
الحسيني، ونيل الأوطار ٦/ ٣٠٢ ط دار الجيل ١٩٧٣م، وتحفة
الأحوذي ٤ / ٢٧٨ نشر السلفية).
ورود عقده علیھن، أکان مرتبا أم في وقت واحد؟
فكان إطلاق القول، دالاً على أنه لا فرق بين
الحالين. (١)
وفي دلالة ذلك على العموم وعدمه خلاف ينظر
في الملحق الأصولي.
حكمه عند الفقهاء :
٥ - يجب على القاضي أن يستفصل في الأمور
الأساسية المجملة التي يتوقف الحكم الصحيح على
معرفتها، حتى يكون مبنيا على أمور واضحة لا
لبس فیھا ولا غموض. (٢) کما ورد في حدیث ماعز
إذ أقربالزنا، فلم يرجمه النبي وَله إلا بعد أن
استفصل منه فقال: «لعلك قبلت أو غمزت أو
نظرت؟ قال: لا يارسول الله. قال: ((أنكتها (لا
یکني) قال فعند ذلك أمر برجمه)). (٣)
فلم يترك النبي وغير مجالا لاحتمال التجوز.
٦ - وهناك أمور ليست بهذه الأهمية فیندب فيها
للحاكم الاستفصال ولا يجب، کما إذا لم يبين في
الشهادة على الشهادة جهة تحملها، ووثق القاضي
بمعرفة الشاهد على الشاهد بشرائط التحمل،
وكان موافقا للقاضي في تلك المسألة، فیندب له أن
يستفصله، فيسأله: بأي سبب ثبت هذا المال؟
وهل أخبرك به الأصل (الشاهد الأصلي) أوْلا وكما
إذا شهد المغفل الذي لا يضبط دائما أو غالبا، وبَيْنَ
(١) فواتح الرحموت ٢٨٩/١ ط بولاق، والفروق للقرافي ٢/ ٨٧،
والتقرير والتحبير ٢٣٤/١ ط بولاق، وتيسير التحرير ٣٦٦/١ ط
صبيح، وإرشاد الفحول ص ١٣٢ .
(٢) القليوبي ٣٨/٤ ط الحلبي.
(٣) حديث ماعز أخرجه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله
عنه (فتح الباري ١٢/ ١١٣ ط مطبعة الهيئة المصرية).
- ٥٩ -

استفصال ٧ - ٨ استقاءة ١ - ٣
سبب الشهادة، كأشهد أن لفلان على فلان ألفا
قرضا، فیندب للحاكم استفصاله فيه. (١)
٧ - على أنه قد يمتنع الاستفصال لاعتبارات
خاصة، كما إذا ادعى السارق أن المسروق ملك
له، أو ادعى أنه أخذ من غیر حرز، أو أنه دون
نصاب، أو أن المالك أذن له في الأخذ، لم يقطع،
ولا يستفصل في دعواه بشيء من ذلك وإن علم
كذبه، نظرا إلى أن الحدود تدرأ بالشبهات. (٢)
مواطن البحث :
٨ - يذكر الأصوليون الاستفصال في مباحث العام
مع صيغ العموم.
كما يذكره الفقهاء في أبواب: القذف واللعان،
والسرقة، والشهادات على النحو الذي تقدم.
استقاءة
التعريف :
١ - الاستقاءة: طلب القيء، وهو استخراج ما في
الجوف عمدا. (٣)
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى
(١) نهاية المحتاج ٣٠٧/٨ ط الحلبي، والشرواني ٢٧٥/١٠،
وشرح المنهج بحاشية الجمل ٥/ ٤٠٣ ط الميمنية، والقليوبي
٣٢٢/٤، ٣٣١
(٢) القليوبي ٤ / ١٨٧
(٣) لسان العرب المحيط، والنهاية في غريب الحديث والأثر. مادة:
(قيا)
اللغوي. (١) فإن ذرعه القيء أي : غلبه وسبقه فهو
يختلف عن الاستقاءة التي بها طلب واستدعاء. (٢)
الحكم الإجمالي :
٢ - الاستقاءة الواردة عند الفقهاء أكثر ما يكون
ورودها في الصیام، لتأثيرها فیه. ویری جمهور
الفقهاء أن الصائم إذا استقاء متعمدا أفطر، (٣)
لقول النبي ◌َّير: ((من ذرعه القيء وهو صائم
فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض)). (٤)
وعند الحنفية : إن استقاء عامدا ملء الفم
أفطر، لأن ما دون ملء الفم تبع للريق . (٥)
مواطن البحث :
٣ - يأتي الكلام عن الاستقاءة في الغالب في باب
الصوم، عند الكلام عما يفسد الصيام. كما ترد في
نواقض الوضوء.
(١) المغني ٣/ ١١٧ ط الرياض، والمصباح المنير، والمغرب في ترتيب
المعرب.
(٢) حاشية ابن عابدين ١١٤/٢ ط بولاق، والمغني ١١٧/٣ ط
الریاض.
(٣) حاشية ابن عابدين ١١٤/٢ ط بولاق، والخطاب على خليل
٤٢٧/٢ ط النجاح، وحاشية عميرة مع القليوبي ٢/ ٥٥ ط
عيسى الحلبي، والمغني ١١٧/٣ -١١٨ ط الرياض، ومسائل
الإِمام أحمد ص ٩٠ ط بيروت.
(٤) حديث ((من ذرعه القيء ... )) أخرجه أصحاب السنن الأربعة
من حديث أبي هريرة. أعله أحمد وقواه الدارقطني. قال
الترمذي: حديث حسن غريب. وقال محمد - يعني البخاري - لا
أراه محفوظا (نصب الراية ٢ / ٤٤٨ مطبوعات المجلس العلمي،
وتحفة الأحوذي ٣/ ٤٠٩ نشر المكتبة السلفية).
(٥) الاختيار للموصلي ١٣٢/١ ط دار المعرفة.
- ٦٠ -