النص المفهرس

صفحات 301-320

استرقاق ١٤ - ١٩
ز - التولد من الرقيقة :
١٤ - من المقرر في الفقه الإِسلامي أن الولد يتبع
أمه في الحرية ، فإِذا كانت الأم حرة كان ولدها
حرا ، وإن كانت أمة كان ولدها رقيقا ، وهذا ممالا
خلاف فيه بين الفقهاء . (١) ويستثنى من ذلك ما لو
كان التولد من سيد الأمة ، إذ يولد حرا وينعقد لأمه
سبب الحرية ، فتصبح حرة بموت سيدها .
انتهاء الاسترقاق :
١٥ - ينتهي الاسترقاق بالعتق ، والعتق قد يكون
بحكم الشرع ، كمن ولدت من سيدها تعتق
بموته ، وكمن ملك ذا رحم منه فإنه يعتق عليه
بمجرد الملك . وقد يكون العتق بالإعتاق لمجرد
التقرب إلى الله تعالى ، أو لسبب موجب للعتق ،
كأن يعتقه في كفارة ( ر: كفارة)، أو نذر (ر:
نذر) . كما تنتهي بالتدبير ، وهو أن يجعله حراً دبر
وفاته أي بعدها ( ر: تدبير ) ، أو بالمكاتبة، أو
إجبارولي الأمر سيدا على إعتاق عبده لإِضراره به
( ر : عتق ).
آثار الاسترقاق :
١٦ - أ - يترتب على الاسترقاق آثار كثيرة ، منها
ما يتعلق بالعبادات البدنية المسنونة إذا كانت محلة
بحق السيد ، كصلاة الجماعة مثلا (ر: صلاة
الجماعة ) ، أو الواجبات الكفائية ، لإِخلالها بحق
السيد أيضا ، أو لأمر آخر كالجهاد ، فإنه يرخص
(١) مصنف عبد الرزاق ٧/ ٢٩٩، ٣٨٥/٨، وآثار أبي يوسف
ص ١٩٢، وآثار الإِمام محمد ص ١١٥، وأسنى المطالب
٤ / ٤٦٩
للعبد في تركها. ومنها جميع العبادات المالية ، فإنها
تسقط عن المرء باسترقاقه، لأن العبد لا يملك
المال ، كالزكاة ، وصدقة الفطر، والصدقات
والحج .
١٧ - ب - الواجبات المالية على من استرق إن كان
لها بدل بدني ، فإنه يصار إلى بدلها ،
كالكفارات ، فالرقيق لا يكفر في الحنث في اليمين
بالعتق ولا بالإِطعام ولا بالكسوة ، ولكنه یکفر
بالصيام .
أما إن لم يكن لهذه الواجبات المالية بدل بدني ،
فإِنها تتعلق بعين المسترق ، فإِذا جنى العبد على
ید إنسان فقطعها خطأ، وکانت دیتها أكثر من قيمة
العبد ، لم يكلف المالك بأكثر من دفع العبد إلى
المجني عليه ، كما يذكر في أبواب الجنايات . وكذا
إذا استدان من شخص بغير إذن سيده ، فإِن هذا
الدين يتعلق بعينه ، ويبقى في ذمته ، ولا يكلف
سيده بوفائه . فإن استرق وعليه دين لمسلم أو ذمي
لم يسقط الدين عنه ، لأن شغل ذمته قد حصل ،
ولم يوجد مايسقطه ، بخلاف ما إذا كان الدين
الحربي ، فإِنه يسقط ، لعدم احترام الحربي . (١)
١٨ - جـ ـ والاسترقاق يمنع المسترق من سائر
التبرعات كالهبة، والصدقة، والوصية ونحو ذلك .
١٩ - د - كما يمنع الاسترقاق من سائر
الاستحقاقات المالية ، فإِن وقع شيء منها استحقه
المالك لا الرقيق ، فالرقيق لا يرث ، وما يستحقه
من أرش الجناية عليه فهو لسيده .
وإن استرق وله دين على مسلم أو ذمي، فإِن
سيده هو الذي يطالب بهذا الدين ، أما إن كان
(١) أسنى المطالب ٤ / ١٩٥
- ٣٠١ -

استرقاق ٢٠ - ٢٥، استسعاء ١ - ٢
الدين على حربي فيسقط . (١)
٢٠ - هـ ـ وإذا سبي الصبي الصغير دون والديه،
حكم بإِسلامه تبعا للسابي ، لأن له عليه ولاية ،
ولیس معه من هو أقرب إليه منه فيتبعه . (٢)
٢١ - و- والاسترقاق يمنع الرجل من أن تكون له
ولاية على غيره، وعلى هذا فإن الرقيق لا يكون
أميرا ولا قاضيا، لأنه لا ولاية له على نفسه ،
فكيف تكون له الولاية على غيره ، وبناء على
ذلك فإِنه لا يصح أمان الرقيق ، ولا تقبل شهادته
أيضا، على خلاف في ذلك .
٢٢ - ز - والاسترقاق مخفض للعقوبة ، فتنصف
الحدود في حق الرقيق، إن كانت قابلة للتنصيف .
٢٣ - ح - وللاسترقاق أثر في النكاح ، إذ العبد
ليس بكفء للحرة ، ولابد فيه من إذن السيد ،
ولا يملك العبد نكاح أكثر من امرأتين ، ولا تنكح
أمة على حرة .
٢٤ - ط - وله أثر في الطلاق أيضا، إذ لا يملك
الرقيق من الطلاق أكثر من طلقتين ، وإذا نكح
بغير إذن سيده فالطلاق بيد سيده .
٢٥ - ي - وله أثر في العدة، إذ عدة الأمة في
الطلاق حيضتان ، لا ثلاث حيض ، وفي ذلك
خلاف وتفصيل ينظر في مصطلحاته .
(١) أسنى المطالب ١٩٥/٤، وحاشية الجمل ١٩٨/٥
(٢) أسنى المطالب ٢/ ٥٠١، ١٩٥/٤، وبدائع الصنائع ٤٣١٤/٩
مطبعة الإِمام.
استسعاء
التعريف :
١ - الاستسعاء لغة : سعي الرقيق في فكاك ما
بقي من رقه إذا عتق بعضه، فيعمل ویکسب،
ويصرف ثمنه إلى مولاه. واستسعيته في قيمته :
طلبت منه السعي . (١)
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن ذلك(٢)
وإعتاق المستسعى غير الإعتاق بالكتابة،
فالمستسعى لا يرد إلى الرق، (٣) لأنه إسقاط لا
إلى أحد، والإسقاط لا إلى أحد ليس فيه معنى
المعاوضة، بخلاف المكاتب، لأن الكتابة عقد ترد
عليه الإِقالة والفسخ، (٤) لكنه يشبه الكتابة في أنه
إعتاق بعوض.
ومحل الاستسعاء: من أعتق بعضه .
الحكم الإجمالي :
٢ - أغلب الفقهاء على أن المولى لو أعتق جزءا من
عبده فإِنه يسري العتق إلى باقيه، ولا يستسعى،
(١) لسان العرب (سعى)
(٢) الزاهر ص ٤٢٧ ط وزارة الأوقاف بالكويت، وابن عابدين
١٥/٣ ط بولاق، والطحطاوي على الدر ٢٩٦/٢
(٣) العدوي علی خلیل ١٢٦/٨ ط دار صادر
(٤) الهداية مع فتح القدير ٣٧٨/٣ ط بولاق
- ٣٠٢ -

استسعاء ٣ - ٥
لأن العتق لا يتبعض ابتداء، (١) ولحديث أبي المليح
عن أبيه: أن رجلا أعتق شقصا له من غلام، فذكر
ذلك لرسول الله ( # فقال: ((ليس لله شريك))،
وأجاز عتقه. رواه أحمد وأبو داود، وفي لفظ: ((هو
حر كله، ليس لله شريك). (٢)
وقال أبو حنيفة : يستسعى في الباقي .
٣ - أما إذا كان العبد مشتركا، وأعتق أحد الشركاء
نصيبه، فإِن الفقهاء يفرقون بين ما إذا كان المعتق
موسرا أومعسرا، فإِن کان موسرا فقد خیر أبو حنيفة
الشريك الآخر بين ثلاثة أمور: العتق، أو تضمين
الشريك المعتق، أو استسعاء العبد. وإن كان
معسرا فالشريك بالخيار، بين الإِعتاق وبين
الاستسعاء فقط، وقال أبو يوسف ومحمد هنا:
ليس له إلا الضمان مع اليسار، والسعاية مع
الإِعسار، وقولهما هورواية عن أحمد، (٣) لما رواه أبو
هريرة قال: قال رسول الله وَّر: ((من أعتق شقصاً
في مملوكه فعليه أن يعتقه كله إن كان له مال، وإلا
استسعى العبد غير مشقوق عليه)) (٤) أي لا يغلي
عليه الثمن . (٥) والمالكية، والشافعية، وظاهر
(١) الهداية مع فتح القدير ٣٧٧/٣، ٣٨٢، والخطاب ٣٣٦/٦،
٣٣٧ ط ليبيا، وتحفة المحتاج مع الشرواني وابن قاسم العبادي
٣٥٤/١٠ ط دار صادر، والمغني مع الشرح الكبير ٢٦٩/١٢ ط
المنار الأولى.
(٢) حديث: ((ليس لله شريك ... )) أخرجه أبو داود (عون المعبود
٤ / ٣٦ ط المطبعة الأنصارية) وأحمد ٧٤/٥، ٧٥ ط الميمنية.
وقال ابن حجر: ((إسناده قوي)) (فتح الباري ١٥٩/٥ ط
السلفية).
(٣) فتح القدير ٣٧٧/٣، ٣٨٢
(٤) حديث ((من أعتق شقضاً ... )) أخرجه البخاري ١٥٦/٥ (فتح
الباري ط السلفية)، ومسلم ٢/ ١١٤٠ ط عيسى الحلبي،
واللفظ لأبي داود (عون المعبود ٣٧/٤ - ط المطبعة الأنصارية).
(٥) الهداية مع فتح القدير ٣/ ٣٨٠، ٣٨١، والمغني مع الشرح
الکبیر ٢٤٩/١٢، ٢٥٠
مذهب الحنابلة على أنه مع اليساريسري العتق
إلى الباقي، ويغرم المعتق قيمة حصة الشركاء،
فإِن كان معسرا فلا سراية ولا استسعاء. (١)
٤ - ويقع الخلاف بين الفقهاء كذلك إذا أعتق في
مرض موته أودبر، أو أوصى بعبيده، ولم يكن له
مال سواهم، فقال أبو حنيفة: يعتق جزء من كل
واحد، ويستسعى في باقيه، وقال غيره: يعتق
ثلثهم بالاقتراع بينهم، فمن خرج له سهم الحرية
عتق، وقيمة العبد المستسعى دين في ذمته،
يقدرها عدل، وأحكامه أحكام الأحرار، وقال
البعض: لا يأخذ حكم الحر إلا بعد الأداء.
وتعتبر القيمة وقت الإِعتاق، لأنه وقت
الإتلاف .
ء
مواطن البحث :
٥ - الكلام عن الاستسعاء منثور في کتاب العتق،
وأغلب ذكره مع السراية، وفي باب (العبد يعتق
بعضه)، و(الاعتاق في مرض الموت) كما يذكر في
الكفارة .
(١) التاج والإكليل ٦/ ٣٣٨ هامش الحطاب ليبيا، والخرشي
١٢٦/٨، ١٢٧، والعدوي بهامشه ١٢٦/٨ ط دار صادر،
والشرح الكبير مع المغني ١٢/ ٢٤٨
(٢) المغني مع الشرح الكبير ٢٧٣/٢، ٢٧٤، والشرواني على
التحفة ٢٦٢/١٠، ونهاية المحتاج ٣٦٠/٨، ٣٦٨ ط الحلبي.
(٣) المغني مع الشرح الكبير ١٢/ ٢٥١، ونهاية المحتاج ٣٥٩/٨،
٣٦٠
(٤) نهاية المحتاج ٣٥٩/٨، وفتح القدير ٣٨١/٣، ٣٨٧
- ٣٠٣ -

استسقاء ١ - ٢
استسقاء
التعريف :
١ - الاستسقاء لغة: طلب السقيا، أي طلب
إنزال الغيث على البلاد والعباد. والاسم: السُّقّيَا
بالضم، واستسقيتَ فلانا : إذا طلبت منه أن
يسقیك . (١)
والمعنى الاصطلاحي للاستسقاء هو : طلب
إنزال المطر من الله بكيفية مخصوصة عند الحاجة
إليه . (٢)
صفته ( حكمه التكليفي ) :
٢ - قال الشافعية، والحنابلة، ومحمد بن الحسن من
الحنفية: الاستسقاء سنة مؤكدة ، سواء أكان
بالدعاء والصلاة، أم بالدعاء فقط، فعله رسول
الله اله وصحابته والمسلمون من بعدهم. وأما
أبو حنيفة فقال بسنية الدعاء فقط، وبجواز
غيره. (٣)
وعند المالكية تعتريه الأحكام الثلاثة التالية :
الأول : سنة مؤكدة، إذا كان لِلمَحْلِ
والجدب، أو للحاجة إلى الشرب لشفاههم، أو
لدوابهم ومواشيهم، سواء أكانوا في حضر ، أم سفر
في صحراء، أو سفينة في بحر مالح.
الثاني : مندوب ، وهو الاستسقاء ممن كان في
خصب لمن كان في محل وجدب ، لأنه من التعاون
(١) لسان العرب مادة : (سقى)
(٢) ابن عابدين ١/ ٧٩٠ ط الثالثة، وفتح العزيز بهامش المجموع
٨٧/٥، والشرح الصغير ٥٣٧/١ ط المعارف.
(٣) نهاية المحتاج ٤٠٢/٢ ، والمغني ٢٨٣/٢ ط رشيد رضا ، وابن
عابدين ١ / ٧٩١ ط الثالثة .
على البر والتقوى. ولما روى ابن ماجه (( تری
المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل
الجسد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر
جسده بالسهر والحمى )). (١) وصح: ((دعوة المرء
المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه
ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل
به : آمين ولك بمثل)).(٢) ولكن الأوزاعي
والشافعية قيدوه بألا يكون الغير صاحب بدعة أو
ضلالة وبغي. وإلا لم يستحب زجرا وتأديبا، ولأن
العامة تظن بالاستسقاء لهم حسن طريقهم
والرضى بها ، وفيها من المفاسد ما فيها. (٣) مع
أنهم قالوا: لو احتاجت طائفة من أهل الذمة وسألوا
المسلمين الاستسقاء لهم فهل ينبغي إجابتهم أم
لا؟
الأقرب : الاستسقاء لهم وفاء بذمتهم. ثم
عللوا ذلك بقولهم : ولا يتوهم مع ذلك أنا فعلناه
لحسن حالهم ، لأن كفرهم محقق معلوم. ولكن
تحمل إجابتنا لهم على الرحمة بهم ، من حيث
كونهم من ذوي الروح ، بخلاف الفسقة
والمبتدعة . (٤)
الثالث : مباح ، وهو استسقاء من لم يكونوا في
محل، ولا حاجة إلى الشرب ، وقد أتاهم الغيث،
ولكن لو اقتصروا عليه لكان دون السعة، فلهم أن
يسألوا الله من فضله . (٥)
(١) حديث: ((ترى المؤمنين ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري
٤٣٨/١٠ - ط السلفية ).
(٢) حديث: ((دعوة المرء المسلم ... )) أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٩٤ -
ط عيسى الحلبي) .
(٣) نهاية المحتاج ٤٠٣/٢ ط الحلبي .
(٤) حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٢/ ٤٠٣
(٥) الخرشي على مختصر خليل ١٣/٢
- ٣٠٤ -

استسقاء ٣
دليل المشروعية :
٣ - ثبتت مشروعيته بالنص والإجماع، أما النص
فقوله تعالى: ((فَقُلْتُ: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ
غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارَا، وَيُمْدِدْكُمْ
بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ
٥٤
أَنْهَارا)). (١)
كما استدل له بعمل رسول الله صل﴾ وخلفائه
والمسلمين من بعده ، فقد وردت الأحاديث
الصحيحة في استسقائه ®. روى أنس رضي الله
عنه : ((أن الناس قد قحطوا في زمن رسول الله
وَّر، فدخل رجل من باب المسجد ورسول الله وَ لآ
يخطب)). فقال : يارسول الله هلكت المواشي ،
وخشينا الهلاك على أنفسنا ، فادع الله أن يسقينا .
فرفع رسول اللّه مَّ# يديه فقال: اللهم اسقنا غياثا
مغيثا هنيئا مريئا غدقا مغدقا عاجلا غير رائث .
قال الراوي: ما كان في السماء قزعة ، فارتفعت
السحاب من هنا ومن هنا حتى صارت ركاما ، ثم
مطرت سبعا من الجمعة إلى الجمعة . ثم دخل
ذلك الرجل، والنبي ريم يخطب ، والسماء
تسكب، فقال : يارسول الله تهدم البنيان،
وانقطعت السبل، فادع الله أن يمسكه، فتبسم
رسول الله # لملالة بني آدم. قال الراوي: والله ما
نرى في السماء خضراء. ثم رفع يديه، فقال:
اللهم حوالينا لا علينا، اللهم على الآكام
والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر .
فانجابت السماء عن المدينة حتى صارت حولها
(١) نهاية المحتاج ٤٠٢/٢، والآيات من سورة نوح ١٠ - ١٢
كالإِكليل)). (١) واستدل أبو حنيفة بهذا الحديث
وجعله أصلا، وقال: إن السنة في الاستسقاء هي
الدعاء فقط، من غير صلاة ولا خروج.
واستدل الجمهور بحديث عائشة رضي الله عنها
قالت: ((شكا الناس إلى رسول الله وَيل قحوط
المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد
الناس يوما يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج
رسول الله وَط حين بدا حاجب الشمس، فقعد
على المنبر، فكبر وحمد الله عز وجل ثم قال: إنكم
شكوتم جدب دياركم ، واستئخار المطر عن إبان
زمانه عنكم، وقد أمركم الله عز وجل أن تدعوه،
ووعدكم أن يستجيب لكم. ثم قال: الحمد لله
رب العالمين، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، لا
إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا
أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا
الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين .
ثم رفع یدیه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض
إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب أوحول
رداءه وهو رافع یدیه، ثم أقبل على الناس، ونزل
فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت
ثم أمطرت بإذن الله تعالى، فلم يأت مسجده حتى
سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكَنّ
ضحك حتى بدت نواجده. فقال: أشهد أن الله
على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله)). (٢)
(١) فتح القدير ١/ ٤٣٧ ط بولاق. وحديث: ((اللهم اسقنا غياثا
مغيثا ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٥٠٨، ٥٠٩ ،
٢١٢ - ط السلفية ).
(٢) نيل الأوطار للشوكاني ٣/٤ المطبعة العثمانية المصرية .
وحديث: ((إنكم شكوتم جدب دياركم ... )) أخرجه أبو داود
عون المعبود (٣٥٤/٢ - ٣٥٥ - ط المطبعة الأنصارية) وقال:
((إسناده جيد)) .
- ٣٠٥ -

استسقاء ٤ - ٥
وقد استسقى عمر رضي الله عنه بالعباس،
وقال: ((اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبيك
فتسقينا، وإنا نتوسل بعم نبيك فاسقنا))
فيسقون . (١)
وكذلك روي أن معاوية استسقى بيزيد بن
الأسود. فقال: ((اللهم إنا نستسقي بخيرنا
وأفضلنا، اللهم إنا نستسقي بيزيد بن الأسود،
يايزيد ارفع يديك إلی الله تعالی)) فرفع یدیه،
ورفع الناس أيديهم. فثارت سحابة من الغرب
كأنها ترس، وهب لها ريح، فسقوا حتى كاد الناس
ألا يبلغوا منازلهم. (٢)
حكمة المشروعية :
٤ - إن الإِنسان إذا نزلت به الكوارث، وأحدقت به
المصائب فبعضها قد يستطيع إزالتها، وبعضها لا
يستطيع بأي وسيلة من الوسائل، ومن أكبر
المصائب والكوارث الجدب المسبب عن انقطاع
الغيث، الذي هو حیاہ کل ذي روح وغذاؤه، ولا
يستطيع الإِنسان إنزاله أو الاستعاضة عنه، وإنما
يقدر على ذلك ويستطيعه رب العالمين. فشرع
الشارع الحكيم سبحانه الاستسقاء، طلبا للرحمة
والإِغاثة بإِنزال المطر الذي هو حياة كل شيء ممن
يملك ذلك، ويقدر عليه، وهو الله جل جلاله .
(١) المجموع للنووي ٦٥/٥، والطحطاوي على الدر المختار
٣٦٠/١، والمغني ٢٩٥/٢. وأثر ((استسقى عمر رضي الله عنه
بالعباس ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٩٤ - ط
السلفية ) .
(٢) أثر: ((استسقى معاوية بيزيد بن الأسود ... )) أخرجه أبو
زرعة الدمشقي في تاريخه بسند صحيح ، (التلخيص الحبير
١٠١/٢ - ط شركة الطباعة الفنية ) .
أسباب الاستسقاء :
٥ - الاستسقاء يكون في أربع حالات :
الأولى : للمَخل والجدب، أو للحاجة إلى
الشرب لشفاههم، أو دوابهم ومواشيهم، سواء
أكانوا في حضر، أم سفر في صحراء، أم سفينة في
بحر مالح. وهو محل اتفاق.
. الثانية : استسقاء من لم يكونوا في محل، ولا
حاجة إلى الشرب، وقد أتاهم الغيث، ولكن لو
اقتصروا عليه لكان دون السعة، فلهم أن
يستسقوا ويسألوا الله المزيد من فضله. وهو رأي
المالكية والشافعية . (١)
الثالثة : استسقاء من كان في خصب لمن كان
في محل وجدب، أو حاجة إلى شرب. قال به
الحنفية، والمالكية، والشافعية . (٢)
الرابعة : إذا استسقوا ولم يسقوا. اتفقت
المذاهب الأربعة: الحنفية، والمالكية، والشافعية،
والحنابلة على تكرار الاستسقاء، والإلحاح في
الدعاء، لأن الله تعالى يحب الملحّين في الدعاء، (٣)
ولقوله تعالى: ((فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأُسْنَا تَضَرَّعُوا
وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ)) (٤) ولأن الأصل في تكرار
الاستسقاء قوله : ((يستجاب لأحدكم ما لم
يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي))(٥) ولأن
(١) الخرشي ٢/ ١٣، والمجموع للنووي ٥/ ٩٠
(٢) الخرشي ٢/ ١٦، والمجموع للنووي ٥/ ٦٤، وابن عابدين
١/ ٧٩٢
(٣) حديث: ((إن الله يحب الملحين في الدعاء ... )) أخرجه الحكيم
الترمذي وابن عابدين، وضعفه الحافظ ابن حجر (فيض القدير
٢٩٢/٢ ط الثالثة) .
(٤) سورة الأنعام / ٤٣
(٥) حديث: (( يستجاب لأحدكم مالم يعجل ، يقول: دعوت فلم
يستجب لي)) أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ١٤٠ - ط
السلفية ) .
- ٣٠٦ -

استسقاء ٦
العلة الموجبة للاستسقاء هي الحاجة إلى الغيث،
والحاجة إلى الغيث قائمة. قال أصبغ في كتاب ابن
حبيب: وقد فعل عندنا بمصر، واستسقوا خمسة
وعشرين يوما متوالية يستسقون على سنة
الاستسقاء، وحضر ذلك ابن القاسم وابن
وهب. (١)
إلا أن الحنفية قالوا بالخروج ثلاثة أيام فقط،
وقالوا: لم ينقل أكثر من ذلك. (٢) ولكن صاحب
الاختيار قال: يخرج الناس ثلاثة أيام متتابعة .
وروي أكثر من ذلك. (٣)
أنواعه وأفضله :
٦ - والاستسقاء على ثلاثة أنواع. اتفق على ذلك
فقهاء المذاهب الأربعة، لثبوت ذلك عن رسول الله
وقد فضل بعض الأئمة بعض الأنواع على
بعض، ورتبوها حسب أفضليتها .
فقال الشافعية والحنابلة: الاستسقاء ثلاثة
أنواع :
النوع الأول : وهو أدناها، الدعاء بلا صلاة،
ولا بعد صلاة، فرادى، ومجتمعين لذلك، في
المسجد أو غيره، وأحسنه ما كان من أهل الخير .
النوع الثاني : وهو أوسطها، الدعاء بعد صلاة
الجمعة أو غيرها من الصلوات، وفي خطبة الجمعة
(١) ابن عابدين ٧٩٢/١ ط الثالثة ، وحاشية العدوي على الخرشي
١٦/٢، وحاشية الدسوقي ٤٠٥/١، والمغني ٢٩٥/٢،
وكشاف القناع ٥٩/٢، ونهاية المحتاج ٤٠٣/٢، والرهوني
١٨٩/٢، ١٩٠، والمجموع ٨٧/٥
(٢) ابن عابدين ٧٩٢/١، وشرح فتح القدير ١/ ٤٤٧
(٣) الاختيار ١/ ٧٠
ونحو ذلك. قال الشافعي في الأم : وقد رأيت من
يقيم مؤذنا فيأمره بعد صلاة الصبح والمغرب أن
يستسقي، ويحض الناس على الدعاء، فما كرهت
ما صنع من ذلك. وخص الحنابلة هذا النوع بأن
يكون الدعاء من الإِمام في خطبة الجمعة على
المنبر .
النوع الثالث : وهو أفضلها، الاستسقاء
بصلاة ركعتين وخطبتين، وتأهب لها قبل ذلك،
على ما سيأتي في الكيفية. يستوي في ذلك أهل
القرى والأمصار والبوادي والمسافرون، ويسن لهم
جميعا الصلاة والخطبتان، ويستحب ذلك للمنفرد
إلا الخطبة . (١)
وقال المالكية : الاستسقاء بالدعاء سنة، أي :
سواء أكان بصلاة أم بغير صلاة، ولا يكون
الخروج إلى المصلى إلا عند الحاجة الشديدة إلى
الغيث، حيث فعله رسول الله وَالل. (٢)
وأما الحنفية : فأبو حنيفة يفضل الدعاء
والاستغفار في الاستسقاء، لأنه السنة، وأما
الصلاة فرادى فهي مباحة عنده، وليست بسنة،
لفعل الرسول لها مرة وتركها أخرى. (٣) وأما محمد
فقد قال: الاستسقاء يكون بالدعاء، أو بالصلاة
والدعاء، والكل عنده سنة، وفي مرتبة واحدة (٤)
وأما أبو يوسف فالنقل عنه مختلف في المسألة،
(١) المجموع للنووي ٦٤/٥ ط المنيرية، والمغني ٢٩٧/٢ ط المنار
الأولى .
(٢) مواهب الجليل شرح مختصر خليل ٢٠٥/٢ ط ليبيا ، والرهوني
١٩٠/٢، والشرح الصغير ١/ ٥٣٧
(٣) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٣٠٠ ، وابن عابدين
١/ ٧٩١
(٤) فتح القدير ٤٣٨/١
- ٣٠٧ -

استسقاء ٧
فقد روى الحاكم أنه مع الإِمام، وروى الكرخي
أنه مع محمد، (١) ورجح ابن عابدين أنه مع محمد(٢)
وقت الاستسقاء
٧ - إذا كان الاستسقاء بالدعاء فلا خلاف في أنه
یکون في أي وقت.
وإذا كان بالصلاة والدعاء، فالكل مجمع على
منع أدائها في أوقات الكراهة، وذهب الجمهور إلى
أنها تجوز في أي وقت عدا أوقات الكراهة.
والخلاف بينهم إنما هو في الوقت الأفضل، ما عدا
المالكية فقالوا: وقتها من وقت الضحى إلى
الزوال، فلا تصلى قبله ولا بعده، وللشافعية في
الوقت الأفضل ثلاثة أوجه:(٣)
الأول : ووافقهم عليه المالكية، وهو الأولى عند
الحنابلة : (٤) وقت صلاة الاستسقاء وقت صلاة
العيد. وبهذا قال الشيخ أبو حامد الإِسفراييني
وصاحبه المحاملي في كتبه: المجموع، والتجريد،
والمقنع، وأبو علي السنجي، والبغوي. وقد يستدل
له بحديث ابن عباس الذي روته السنن الأربع عن
إسحاق بن عبد الله بن كنانة قال: أرسلني الوليد بن
عتبة - وكان أمير المدينة - إلى ابن عباس أسأله عن
استسقاء رسول اللّه وَلهر، فقال: ((خرج رسول الله
مَ* متبذلا متواضعا متضرعا، حتى أتى المصلى،
فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء
(١) شرح العناية على الهداية بهامش فتح القدير ١ / ٤٤٠ ط بولاق .
(٢) ابن عابدين ١ / ٥٦٧
(٣) المجموع للنووي ٥/ ٧٦ ط المنيرية.
(٤) الخرشي ٢ / ١٤
والتضرع والتكبير، وصلى ركعتين كما كان يصلي
في العيد))(١)
الثاني : أول وقتها وقت صلاة العيد، وتمتد إلى
صلاة العصر. وهو الذي ذكره البندنيجي ،
والروياني وآخرون. لما روت عائشة: ((أن رسول
اللّه ◌ُ لّ خرج حين بدا حاجب الشمس)) لأنها
تشبهها في الوضع والصفة، فكذلك في الوقت، إلا
أن وقتها لا يفوت بالزوال. (٢)
الثالث : وعبر عنه الشافعية بالصحيح
والصواب، وهو الرأي المرجوح عند الحنابلة
أيضا : (٣) أنها لا تختص بوقت معين، بل تجوز في
كل وقت من ليل أو نهار، إلا أوقات الكراهة على
أحد الوجهين، وهو الذي نص عليه الشافعي، وبه
قطع الجمهور، وصححه المحققون. وممن قطع به
صاحب الحاوي، وصححه الرافعي في المحرر،
وصاحب جمع الجوامع، واستصوبه إمام الحرمين.
واستدلوا له بأنها لا تختص بيوم كصلاة الاستخارة،
وركعتي الإِحرام وغيرهما. وقالوا: إن تخصيصها
بوقت كصلاة العيد ليس له وجه أصلا. ولأن
الشافعي نص على ذلك وأكثر الأصحاب.
وقال ابن عبد البر : الخروج إليها عند زوال
(١) فتح القدير ٤٣٧/١. وحديث: ((خرج رسول الله وچل# متبذلا
متواضعا متضرعا ... )) أخرجه أبو داود (عون المعبود ٤٥٣/١
- ط المطبعة الأنصارية) والترمذي (٤٤٥/٢ - ط مصطفى
الحلبي ) وصححه .
(٢) وقت صلاة العيد حين ترتفع الشمس قدر رمح أو رمحين .
وحديث عائشة: ((خرج رسول الله و ط حين بدا حاجب
الشمس ... )) شطر من الحديث المتقدم فقرة (٣) بلفظ :
((إنكم شكوتم جدب دياركم .... )) .
(٣) المغني ٢٨٦/٢
- ٣٠٨ -
٠

استسقاء ٨ - ٩
الشمس عند جماعة من العلماء. (١) وأما الحنفية:
فلم يذكر عندهم وقت لها، ولم يتكلموا في تحديده.
وقد يكون هذا، لأن السنة عند الإِمام في
الاستسقاء الدعاء، والدعاء في كل وقت، ولیس
له زمان معین .
مكان الاستسقاء :
٨ - اتفقت المذاهب الأربعة على أن الاستسقاء
يجوز في المسجد، وخارج المسجد. إلا أن المالكية
لا تقول بالخروج إلا في وقت الشدة إلى الغيث،
والشافعية والحنابلة يفضلون الخروج مطلقا،
لحديث ابن عباس رضي الله عنهما. ((خرج رسول
الله المسل للاستسقاء متبذلا متواضعا متضرعا حتى
أتى المصلى، فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم
يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، وصلى ركعتين
كما كان يصلي في العيد)). (٢) وقال الشافعية:
يصلي الإِمام في الصحراء، لأن النبي ◌َّ صلاها
في الصحراء، ولأنه يحضرها غالب الناس والصبيان
والحيّض والبهائم وغيرهم، فالصحراء أوسع لهم
وأرفق . (٣)
وقال الحنفية بالخروج أيضا، إلا أنهم قالوا: إن
أهل مكة وبيت المقدس يجتمعون في المسجدین،
وقال بعضهم: ينبغي كذلك لأهل المدينة أن
يجتمعوا في المسجد النبوي، لأنه من أشرف بقاع
الأرض، إذ حل فيه خير خلق الله وسلّر، وعلل ابن
عابدين جواز الاجتماع في مسجد الرسول وليه
(١) المرجع السابق ، والمجموع ٧٦/٥ ، ٧٧
(٢) المغني ٢٨٣/٢، ومواهب الجليل ٢٠٥/٢، والرهوني
١٩٠/٢
(٣) المجموع للنووي ٧٢/٥
بقوله: ينبغي الاجتماع للاستسقاء فيه، إذ لا
يستغاث وتستنزل الرحمة في المدينة المنورة بغير
حضرته ومشاهدته 9 # في كل حادثة. (١)
الآداب السابقة على الاستسقاء :
٩ - أورد الفقهاء آدابا يستحب فعلها قبل
الاستسقاء، فقالوا: يعظ الإِمام الناس، ويأمرهم
بالخروج من المظالم، والتوبة من المعاصي ، وأداء
الحقوق، ليكونوا أقرب إلى الإِجابة، فإِن المعاصي
سبب الجدب، والطاعة سبب البركة .. قال
تعالى: ((وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَىِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا
عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّماءِ والأَرْضِ وَلِكِنْ كَذَّبُوا
فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون))(٢)
وروى أبو وائل عن عبد الله قال: ((إذا بخس
المكيال حبس القطر)) وقال مجاهد في قوله تعالى :
(وَيَلْعَنُهُمُ اللّعِنَونَ))(٣) قال: دواب الأرض
تلعنهم يقولون: يمنع القطر بخطاياهم. كما يترك
التشاحن والتباغض، لأنها تحمل على المعصية
والبهت، وتمنع نزول الخير. بدليل قوله وله :
((خرجت لأخبر كم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان
فرفعت)). (٤)
(١) ابن عابدين ١/ ٧٩٢ ط الثالثة، وحاشية الشرنبلالي على الدرر
شرح الغرر ١٤٨/١، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص
٣٠١
(٢) المجموع للنووي ٦٥/٥، والمغني ٢/ ٨٤، وكشاف القناع
٥٨/٢، ومراقي الفلاح والحاشية ٣٠١/١، والطحطاوي ص
٣٦٠، والآية من سورة الأعراف / ٩٦
(٣) سورة البقرة / ١٥٩
(٤) كشاف القناع ٥٩/٢. وحديث: ((خرجت لأخبركم بليلة
القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت ... )) أخرجه البخاري
( فتح الباري ٤ / ٢٦٧ - ط السلفية ) .
- ٣٠٩ -

استسقاء ١٠ - ١٣
الصيام قبل الاستسقاء :
١٠ - اتفقت المذاهب على الصيام، ولكنهم
اختلفوا في مقداره، والخروج به إلى الاستسقاء.
لأن الصيام مظنة إجابة الدعاء، لقوله وصلة: ((ثلاثة
لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر ... ))(١) ولما فيه
من كسر الشهوة، وحضور القلب، والتذلل للرب.
قال الشافعية، والحنفية، وبعض المالكية :
يأمرهم الإِمام بصوم ثلاثة أيام قبل الخروج،
ويخرجون في اليوم الرابع وهم صيام .
وقال بعض المالكية بالخروج بعد الصيام في
اليوم الرابع مفطرين، للتقوي على الدعاء، كيوم
عرفة . (٢)
وقال الحنابلة بالصيام ثلاثة أيام، ويخرجون في
آخر أيام صيامهم .
الصدقة قبل الاستسقاء :
١١ - اتفقت المذاهب على استحباب الصدقة قبل
الاستسقاء، ولكنهم اختلفوا في أمر الإِمام بها،
قال الشافعية، والحنابلة، والحنفية، وهو المعتمد
عند المالكية: يأمرهم الإِمام بالصدقة في حدود
طاقتهم. (٣)
وقال بعض المالكية : لا يأمرهم بها، بل يترك
هذا للناس بدون أمر، لأنه أرجى للإجابة، حيث
(١) حديث: ((ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر .... ))
أخرجه الترمذي (تحفة الأحوذي ٧/ ٢٢٩، ١٠ /٥٦ - نشر
السلفية ) وفي إسناده ضعف وجهالة .
(٢) المجموع للنووي ٢ / ٦٥، وشرح العناية على الهداية على
هامش فتح القدير ١ / ٤٤١، وكشاف القناع ٢/ ٥٩، وحاشية
الدسوقي ٢٠٦/١ ط دار الفكر .
(٣) حاشية الشرنبلالي على الدرر ١٤٨/١
........
...... . ..
....
تكون صدقتهم بدافع من أنفسهم، لا بأمر من
الإِمام .
آداب شخصية :
١٢ - اتفق الفقهاء على آداب شخصية، يستحب
أن يفعلها الناس قبل الاستسقاء، بعد أن يعدهم
الإِمام يوما يخرجون فيه، لحديث عائشة المتقدم عن
رسول اللّه رَله: ((وعد الناس يوما يخرجون فيه))(١)
فيستحب عند الخروج للاستسقاء: التنظف
بغسل وسواك، لأنها صلاة يسن لها الاجتماع
والخطبة، فشرع لها الغسل، كصلاة الجمعة.
ويستحب: أن يترك الإِنسان الطيب والزينة،
فليس هذا وقت الزينة، ولكنه يقطع الرائحة
الكريهة، ويخرج في ثياب بذلة، وهي ثياب
مهنته، (٢) ويخرج متواضعا خاشعا متذللا متضرعا
ماشيا، ولا يركب في شيء من طريقه ذهابا إلا
لعذر، کمرض ونحوه. والأصل في هذا حديث ابن
عباس رضي الله عنهما قال: ((خرج رسول الله الر
متواضعا متبذلا متخشعا متضرعا)) وهي مستحبات
لم يرد فيها خلاف. (٣)
الاستسقاء بالدعاء :
١٣ - قال أبو حنيفة : إن الاستسقاء هو دعاء
واستغفار، وليس فيه صلاة مسنونة في جماعة. فإن
صلى الناس وحدانا جاز، لقوله تعالى: ((فَقُلْتُ
(١) حديث عائشة تقدم فقرة (٣)
(٢) المجموع للنووي ٦٦/٥، والمغني ٢/ ٢٨٤، وكشاف القناع
٥٩/٢، والطحطاوي ص ٣٦٠
(٣) المغني ٢٨٣/٢ ط المنار، وفتح القدير ٤٣٧/١، والمجموع
للنووي ٦٦/٥
- ٣١٠ -

استسقاء ١٤ _ ١٥
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَقَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُم
مِّدْرَارًا))(١) الآية، وقد استدل له كذلك بحديث
عمر رضي الله عنه واستسقائه بالعباس رضي الله
عنه من غير صلاة، مع حرصه على الاقتداء
برسول اللّه الحمله. وقد علل ابن عابدين رأي أبي
حنيفة فقال: الحاصل أن الأحاديث لما اختلفت في
الصلاة بالجماعة وعدمها على وجه لا يصح معه
إثبات السنية، لم يقل أبو حنيفة بسنيتها، ولا يلزم
من قوله هذا أنها بدعة، كما نقل بعض المتعصبين،
بل هو قال بالجواز، والظاهر أن المراد الندب
والاستحباب، لقوله في الهداية: لمَّا فعله الرسول
وثّ مرة وتركه أخرى لم يكن سنة، لأن السنة ما
واظب عليه. والفعل مرة والترك أخرى يفيد
الندب . (٢)
وأما المالكية، والشافعية، والحنابلة، وأبو يوسف
ومحمد من الحنفية: فقالوا بسنية الدعاء وحده،
وبسنيته مع صلاة له على التفصيل الذي تقدم .
الاستسقاء بالدعاء والصلاة :
١٤ - المالكية، والشافعية، والحنابلة، وأبو يوسف،
ومحمد بن الحسن من الحنفية قالوا: الاستسقاء
يكون بالصلاة والدعاء والخطبة، الأحاديث الواردة
في ذلك .
وقال أبو حنيفة : لا خطبة في الاستسقاء، وما
(١) سورة نوح / ١٠ - ١١
(٢) ابن عابدين ١/ ٧٩١ ط الثالثة، وشرح العناية على الهداية
بهامش فتح القدير ١ / ٤٤٠ ط بولاق.
تقدم من رواية أنس لا يثبت الخطبة ، لأن طلب
السقيا من رسول الله وقع له وية وهو يخطب،
فالخطبة سابقة (١) في هذه الحادثة على الإِخبار
بالجدب .
تقديم الصلاة على الخطبة وتأخيرها :
١٥ - في المسألة ثلاثة آراء :
الأول : تقديم الصلاة على الخطبة، وهو قول
المالكية، ومحمد بن الحسن، والراجح عند
الحنابلة، وهو الأولى عند الشافعية، وعليه جماعة
الفقهاء. لقول أبي هريرة: ((صلى رسول الله اله
ركعتين ثم خطبنا)) ولقول ابن عباس: ((صنع في
الاستسقاء كما يصنع في العيد))، ولأنها صلاة ذات
تكبيرات، فأشبهت صلاة العيد. (٢)
الثاني : تقديم الخطبة على الصلاة وهو رأي
للحنابلة، وخلاف الأولى عند الشافعية، وروي
ذلك عن ابن الزبير، وأبان بن عثمان، وهشام بن
إسماعيل، والليث بن سعد، وابن المنذر، وعمربن
عبد العزيز. (٣) ودليله ما روي عن أنس وعائشة:
((أن رسول الله ﴿ ﴿ خطب وصلى))، وروي عن
عبد الله بن زيد قال: ((رأيت النبي ◌ّ لما خرج
يستسقي حوّل إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة
يدعو، ثم حول رداءه، ثم صلى لنا ركعتين جهر
(١) الطحطاوي ص ٣٦٠ ط المعرفة .
(٢) المجموع للنووي ٧٧/٥، والطحطاوي ص ٣٦٠، والمغني
١٨٧/٢، والشرح الصغير ٥٣٩/١ ط المعارف.
(٣) المجموع النووي ٩٣/٥، والمغني ١٨٨/٢
- ٣١١ -

استسقاء ١٦ - ١٧
فيهما بالقراءة)). متفق عليه. (١)
الثالث : هو مخير في الخطبة قبل الصلاة أو
بعدها، وهو رأي للحنابلة، لورود الأخبار بكلا
الأمرين، ودلالتها على كلتا الصفتين.
كيفية صلاة الاستسقاء :
١٦ - لا نعلم بين القائلين بصلاة الاستسقاء
خلافا في أنها ركعتان، واختلف في صفتها على
رأيين :
الرأي الأول ، وهو للشافعية، والحنابلة، وقول
لمحمد، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبدالعزيز:
يصليها ركعتين يكبر في الأولى سبعا، وخمسا في
الثانية مثل صلاة العيد، لقول ابن عباس في حديثه
المتقدم: ((وصلی رکیتین کما کان يصلي في العید»،
ولما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي ◌َّ
وأبا بكر وعمر كانوا يصلون صلاة الاستسقاء
يكبرون فيها سبعا وخمسا. (٢)
الرأي الثاني ، وهو للمالكية، والقول الثاني
لمحمد، وهو قول الأوزاعي، وأبي ثور، وإسحاق:
تصلى ركعتين كصلاة النافلة والتطوع، لما روي
(١) حديث عبدالله بن زيد: ((رأيت النبي ◌َّ لما خرج يستسقي حوّل
ظهره إلى الناس ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٥١٤ -
ط السلفية))، ومسلم (٢ / ٦١١ - ط عيسى الحلبي).
(٢) المغني ٢ / ٢٨٤ ط المنار، والمجموع للنووي ٧٤/٥، وابن
عابدين ٧٩١/١، وبدائع الصنائع ٢٨٣/١ . والحديث روي
عن جعفر عن أبيه ((أن النبي # # وأبا بكر وعمر كانوا يصلون
صلاة الاستسقاء يكبر ون فيها سبعا وخمسا)) أخرجه عبدالرزاق
(٨٥/٣ - ط المجلس العلمي)، والشافعي في الأم ١ / ٢٤٩ - ط
شركة الطباعة الفنية. وفي إسناده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى
الأسلمي وهو متروك كما في التقريب لابن حجر.
عن عبدالله بن زيد: ((أن النبي ◌ّ﴾ استسقى
فصلى ركعتين )) وروى أبو هريرة نحوه ، ولم یذکرا
التكبير ، (١) فتنصرف إلى الصلاة المطلقة.
واتفقت المذاهب على الجهر بالقراءة في
الاستسقاء، لأنها صلاة ذات خطبة، (٢) وكل
صلاة لها خطبة فالقراءة فيها تكون جهرا، لاجتماع
الناس للسماع، ويقرأ بما شاء، ولكن الأفضل أن
يقرأ فيهما بما كان يقرأ في العيد، وقيل: يقرأ
بسورتي ق ونوح، (٣) أو يقرأ بسورتي الأعلى
والغاشية، (٤) أو بسورتي الأعلى والشمس.
وحذف التكبيرات أوبعضها أو الزيادة فيها لا
تفسد الصلاة. وقال الشافعية: ولو ترك التكبيرات
أو بعضها أوزاد فيهن لا يسجد للسهو، ولو أدرك
المسبوق بعض التكبيرات الزائدة فهل يقضي
باقي ما فاته من التكبيرات ؟ قالوا: فيها القولان،
مثل صلاة العيد. (٥)
كيفية اخطبة ومستحباتها :
١٧ - قال الشافعية، والمالكية، ومحمد بن الحسن
من الحنفية : يخطب الإِمام خطبتين كخطبتي العيد
بأركانهما وشروطهما وهيآتهما، وفي الجلوس إذا صعد
المنبر وجهان كما في العيد أيضا ، لحديث ابن
(١) الشرح الصغير ٥٣٧/١ ط دار المعارف، وابن عابدين
١٩١/١، والمغني ٢٨٥/٢. والحديث رواه أحمد وأبو عوانه
والبيهقي ورواته ثقات (نيل الأوطار ٦/٤)
(٢) المجموع للنووي ٦٣/٥، وابن عابدين ٧٩١/١، والمغني
٢٩٣/٢، وحاشية الدسوقي ١/ ٤٠٥
(٣) المجموع للنووي ٥/ ٧٣، والمغني ٢٩٣/٢
(٤) المغني ٢ / ٨٩٣
(٥) المجموع للنووي ٧٥/٥
- ٣١٢ -

استسقاء ١٧ __ ١٨
عباس المتقدم ، ولأنها أشبهتها في التكبير وفي صفة
الصلاة .(١)
وقال الحنابلة، وأبو يوسف من الحنفية،
وعبد الرحمن بن مهدي : يخطب الإِمام خطبة
واحدة يفتتحها بالتكبير ، لقول ابن عباس: ((لم
يخطب خطبتكم هذه ، ولكن لم يزل في الدعاء
والتضرع والتكبير))، وهذا يدل على أنه ما فصل
بين ذلك بسكوت ولا جلوس ، ولأن كل من نقل
الخطبة لم ينقل خطبتين . (٢)
ولا يخرج المنبر إلى الخلاء في الاستسقاء، لأنه
خلاف السنة. وقد عاب الناس على مروان بن
الحكم عند إخراجه المنبر في العيدين، ونسبوه إلى
مخالفة السنة .
ويخطب الإِمام على الأرض معتمدا على قوس
أو سيف أو عصا، ويخطب مقبلا بوجهه إلى
الناس. (٣) وقد صرح المالكية بأن الخطبة على
الأرض مندوبة، وعلى المنبر مكروهة. (٤) أما إذا
كان المنبر موجودا في الموضع الذي فيه الصلاة، ولم
يخرجه أحد ففيه رأيان: الجواز، والكراهة .
وقال الحنفية، (٥) والحنابلة، والشافعية في القول
المرجوح: يكبر في الخطبة كما في صلاة العيد. وقال
المالكية، والشافعية في الراجح عندهم: يستبدل
بالتكبير الاستغفار، فيستغفر الله في أول الخطبة
(١) المجموع للنووي ٦٤/٥، ٨٣، والشرح الصغير ٥٣٩/١،
والطحطاوي ص ٣٦٠
(٢) المغني ٢/ ٢٩١ ط المنار، وابن عابدين ١ / ٧٩١ ط الثالثة .
(٣) بدائع الصنائع ٢٨٣/١ ط المطبوعات العلمية، والمجموع
٥/ ٨٤، والشرح الصغير ٥٣٩/١، والمغني ٢٩١/٢، وحاشية
العدوي ١٦/٢
(٤) العدوي على الخرشي ١٦/٢
(٥) بدائع الصنائع ٢٨٣/١
الأولى تسعا، وفي الثانية سبعا، يقول: أستغفر الله
الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب اليه، ويختم
كلامه بالاستغفار، ويكثر منه في الخطبة، ومن قوله
تعالى: ((استغفروا ربكم إنه كان غفارا)) الآية،
ويخوفهم من المعاصي التي هي سبب الجدب،
ويأمرهم بالتوبة، والإِنابة والصدقة والبر.
وقال الحنفية، والشافعية، والمالكية: يستقبل
الإِمام الناس في الخطبة مستدبرا القبلة، حتى إذا
قضی خطبته توجه بوجهه إلى القبلة يدعو.
وقال الحنابلة : يستحب للخطيب استقبال
القبلة في أثناء الخطبة، لما روى عبدالله بن زيد:
((أن النبي ◌َّ خرج يستسقي، فتوجه إلى القبلة
يدعو وفي لفظ: فحول إلى الناس ظهره واستقبل
القبلة يدعو)). (١)
صيغ الدعاء المأثورة :
١٨ - يستحب الدعاء بها أثر عن النبي ◌َّر، ومن
ذلك ما روي عنه مل أنه كان يدعوفي الاستسقاء
فيقول: «اللهم اسقنا غياثا مغيثا هنيئا مريئا مريعا
غدقا مجللا سحا عاما طبقا دائما. اللهم اسقنا
الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم إن بالبلاد
والعباد والخلق من اللأواء والضنك ما لا نشكو إلا
إليك. اللهم أنبت لنا الزرع، وأدِرَّلنا الضرع،
واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات
الأرض. اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا،
فأرسل السماء علينا مدرارا، فإِذا مطروا. قالوا:
(١) المغني ٢/ ٢٨٩، والكافي ٣٢٢/١ ط آل ثاني، وكشاف القناع
٠٦٢/٢
- ٣١٣ -

استسقاء ١٨ - ٢٠
اللهم صيّبا نافعا. ويقولون: مطرنا بفضل الله
وبرحمته)». (١)
وروي ((أن رسول الله صل قال وهو على المنبر،
حين قال له الرجل: يارسول الله هلكت الأموال،
وانقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا. فرفع يديه
وقال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا)). (٢)
وروي عن الشافعي قوله: ((لیکن من دعائهم
في هذه الحالة: اللهم أنت أمرتنا بدعائك،
ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا، فأجبنا
كما وعدتنا، اللهم امنن علينا بمغفرة ما قارفنا،
وإجابتك في سقيانا، وسعة رزقنا، فإِذا فرغ من
دعائه أقبل على الناس بوجهه، وحثهم على
الطاعة، وصلى على النبي ◌ُ ◌ّر ودعا للمؤمنين
والمؤمنات، وقرأ آية من القرآن أو آيتين، ويكثر من
الاستغفار، ومن قوله تعالى: ((استغفروا ربكم إنه
كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم
بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم
أنهارا)) .
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه استسقى
فكان أكثر دعائه الاستغفار، وقال: ((لقد
استسقيت بمجاديح السماء)). (٣)
(١) فتح القدير ١/ ٤٤٠، والكافي ٣٢٢/١، ٣٢٣، وحديث:
((اللهم اسقنا غياثا معينا هنيئا ... )) رواه ابن ماجه ورجاله ثقات
(نيل الأوطار ١١/٤)
(٢) حديث: ((اللهم أغثنا ... )) أخرجه البخاري ومسلم (نيل
الأوطار ٤ /١٥)
(٣) المجموع للنووي ٥/ ٧٧ - ٨٥، والمغني ٢٨٩/٢ ط المنار.
وأثر: ((لقد استسقيت بمجاديح السماء ... )) رواه سعيد في سننه
(نيل الأوطار ٩/٤)
رفع اليدين في الدعاء في الاستسقاء :
١٩ - استحب الأئمة رفع اليدين إلى السماء في
الدعاء، لما روى البخاري عن أنس قال: كان
النبي ◌َّ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في
الاستسقاء. (١) وأنه يرفع حتى يرى بياض
إبطيه .
وفي حديث لأنس ((فرفع الرسول ◌َّةٍ ورفع
الناس أيديهم)) وقد روي عن رسول الله صل قريب
من ثلاثين حديثا في رفع اليدين في الاستسقاء .
وذكر الأئمة : أنه يدعوسرا وجهرا، فإِذا دعا
سرا دعا الناس سرا، فيكون أبلغ في البعد عن
الرياء. وإذا دعا جهرا أمَّن الناس على دعاء
الإِمام . (٢)
ولهذا يستحب أن يدعوبعض الدعاء سرا،
وبعضه جهرا، ويستقبل القبلة في دعائه متضرعا
خاشعا متذللا تائبا .
الاستسقاء بالصالحين :
٢٠ - اتفق جمهور الفقهاء على استحباب
الاستسقاء بأقارب النبي ◌َّر، وبالصالحين من
المسلمين الذين عرفوا بالتقوى والاستقامة، لأن
عمر رضي الله عنه استسقى بالعباس وقال:
((اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبيك
فتسقينا، وإنا نتوسل بعم نبينا فاسقنا،
فيسقون)). (٣)
(١) حديث: ((كان رسول الله مير لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا
في الاستسقاء». أخرجه البخاري (فتح الباري ٥١٧/٢ - ط
السلفية).
(٢) المجموع للنووي ٧٩/٥، والطحطاوي ص ٣٥٩، والمغني
٢٨٩/٢، والشرح الصغير ١/ ٥٤٠
(٣) تقدم تخريجه (ف ٣)
- ٣١٤ -

استسقاء ٢١ - ٢٢
وروي أن معاوية استسقى بيزيد بن الأسود
فقال :
(( اللهم إنا نستسقي بخيرنا وأفضلنا، اللهم
إنا نستسقي بيزيد بن الأسود. يازيد ارفع يديك
إلی الله تعالی، فرفع یدیه ورفع الناس أيديهم،
فثارت سحابه من المغرب كأنها ترس، وهب لها
ريح، فسقوا حتى كاد الناس ألا يبلغوا
منازلهم)). (١)
التوسل بالعمل الصالح :
ويستحب أن يتوسل کل في نفسه بما قدم من
عمل صالح.
واستدل على هذا بحديث ابن عمر في
الصحيحين عن رسول الله # في قصة أصحاب
الغار، وهم الثلاثة الذين آووا إلى الغار، فأطبقت
عليهم صخرة، فتوسل كل واحد بصالح عمله،
فكشف الله عنهم الصخرة، وقشع الغمة، وخرجوا
يمشون . (٢)
تحويل الرداء في الاستسقاء :
٢١ - قال الشافعية، والحنابلة، والمالكية: (٣)
يستحب تحويل الرداء للإِمام والمأموم، لفعل
الرسول وَ# له، ولأن ما فعله الرسول وَّ ثبت في
حق غيره، ما لم يقم دليل على اختصاصه به. وقد
(١) المجموع للنووي ٦٥/٥، والطحطاوي ص ٣٦٠، والمغني
٢/ ٢٩٥. والحديث تقدم تخريجه (ف٣)
(٢) حديث : قصة أصحاب الغار. أخرجه البخاري (فتح الباري
٥٠٥/٦ - ٥٠٦ ط السلفية)، ومسلم (٤ /٢٠٩٩ - ٢١٠٠ ط
عيسى الحلبي).
(٣) المجموع للنووي ٥/ ٨٥، والمغني ٢ / ٤٨٩، والشرح الصغير
٥٣٩/١ - ٥٤٠
عقل المعنى في ذلك، وهو التفاؤل بقلب الرداء،
ليقلب الله ما بهم من الجدب إلى الخصب. وهو
خاص بالرجال دون النساء عند الجميع .
وقال محمد بن الحسن من الحنفية، وابن
المسيب، وعروة، والثوري، والليث: إن تحويل
الرداء مختص بالإِمام فقط دون المأموم، لأنه نقل
عن النبي و# دون أصحابه. (١)
وقال أبو حنيفة : لا يسن تقليب الرداء، لأنه
دعاء فلا يستحب تحويل الرداء فيه، كسائر
الأدعية . (٢)
كيفية تقليب الرداء :
٢٢ - قال الحنابلة، والمالكية، وهو رأي للشافعية،
وقول أبان بن عثمان، وعمر بن عبدالعزيز،
وهشام بن إسحاق، وأبو بكر بن محمد بن حزم: (٣)
يقلب المستسقون أرديتهم، فيجعلون ما على
اليمين على اليسار، وما على اليسار على اليمين،
ودليلهم في ذلك ما روى أبو داود بإسناده عن
عبدالله بن زيد، أن النبي ◌َّ ((حول رداءه،
وجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل
عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن)). وفي حديث
أبي هريرة نحو ذلك، وقد نقل تحويل الرداء
جماعة، كلهم نقلوه بهذه الصفة، ولم ينقل عن أحد
منهم أنه جعل أعلاه أسفله .
وقال محمد بن الحسن من الحنفية، والشافعية في
(١) شرح العناية على هامش فتح القدير ١/ ٤٤٠، والمغني ٢٨٩/٢
(٢) شرح العناية على هامش فتح القدير ٤٤٠/١
(٣) المغني ٢/ ٢٩٠، والشرح الصغير ٥٣٩/١ - ٥٤٠، والمجموع
للنووي ٨٥/٥
- ٣١٥ -

استسقاء ٢٣ - ٢٦
الرأي الراجح: (١) إن كان الرداء مدورا بأن كان
جبة يجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على
الأيمن، وإن كان الرداء مربعا يجعل أعلاه أسفله،
وأسفله أعلاه، لما روي عن النبي صلر: ((أنه
استسقى وعليه رداء، فأراد أن يجعل أسفلها
أعلاها، فلما ثقلت عليه جعل العطاف الذي في
الأيسر على عاتقه الأيمن، والذي على الأيمن
على عاتقه الأيسر))، ويبدأ بتحويل الرداء عند
البدء بالدعاء والتضرع إلى الله تعالى . (٢)
المستسقون
٢٣ - اتفق الفقهاء على أن السنة خروج الإِمام
للاستسقاء مع الناس، فإِذا تخلف فقد أساء بترك
السنة، ولا قضاء عليه .
تخلف الإِمام عن الاستسقاء :
٢٤ - في مسألة تخلف الإِمام رأيان :
الرأي الأول : وهو رأي الشافعية، ورأي
للحنابلة: إذا تخلف الإِمام عن الاستسقاء أناب
عنه. فإِذا لم ينب لم يترك الناس الاستسقاء،
وقدموا أحدهم للصلاة، كما إذا خلت الأمصار من
الولاة قدموا أحدهم للجمعة والعید والکسوف،
كما قدم الناس أبا بكر رضى الله عنه حين ذهب
النبي ◌َّي* ليصلح بين بني عمروبن عوف، وقدموا
عبد الرحمن بن عوف في غزوة تبوك حين تأخر النبي
(١) شرح العناية على هامش فتح القدير ١/ ٤٤٠، والمجموع
للنووي ٥/ ٨٥
(٢) الشرح الصغير ٥٣٩/١، والمغني ٢٨٨/٢، والمجموع للنووي
٨٥/٥، وابن عابدين ١/ ٧٩١
وَ* لحاجته، وكان ذلك في الصلاة المكتوبة. (١)
قال الشافعي: فإذا جاز في المكتوبة فغيرها أولى .
الرأي الثاني : لا يستحب الاستسقاء بالصلاة
إلا بخروج الإِمام، أو رجل من قبله. وهو رأي
للحنابلة والحنفية، فإِذا خرجوا بغير إذن الإِمام
دعوا وانصرفوا بلا صلاة ولا خطبة. (٢)
من یستحب خروجهم، ومن يجوز، ومن یکره :
٢٥ - يستحب عند المذاهب الأربعة خروج
الشيوخ والضعفاء والصبيان والعجزة وغير ذات
الهيئة من النساء.
وقال المالكية : بخروج من يعقل من الصبيان، أما
من لا يعقل فيكره خروجهم مع الجماعة للصلاة.
واستدلوا لخروج من ذكر بقول الرسول عليه
الصلاة والسلام: ((هل تنصرون وترزقون إلا
بضعفائکم».(٣)
إخراج الدواب في الاستسقاء :
٢٦ - في المسألة ثلاثة آراء :
الأول : يستحب إخراج الدواب، لأنه قد
تكون السقيا بسببهم. وهو قول الحنفية، ورأي
للشافعية، لقول رسول اللّه وَ الر: ((لولا عباد الله
(١) الحديث رواه مسلم ٣١٧/١ - ٣١٨ ط عيسى الحلبي.
(٢) المجموع للنووي ٦٤/٥، ٩٤، وبدائع الصنائع ٢٨٢/١ ط
المطبوعات العلمية، وابن عابدين ١/ ٧٩١، والمغني ٢٩٤/٢
(٣) المجموع للنووي ٥/ ٧٠، والطحطاوي ص ٣٦٠، والشرح
الكبير على المغني ٢/ ٢٨٧ ط المنار، والتاج والإكليل على هامش
الحطاب ٢٠٦/٢، وحاشية العدوي على الشرح الصغير
٥٣٨/١. وحديث: ((هل تنصرون وترزقون إلا
بضعفائکم ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٦/ ٨٨ - ط
السلفية).
- ٣١٦ -

استسقاء ٢٧ ، استسلام ١
ركع، وصبيان رضع، وبهائم رتعَ لصب عليكم
العذاب صبا،ثم رص رصا )).
ولما روى الإمام أحمد أن سليمان عليه السلام
((خرج بالناس يستسقي ، فإِذا هو بنملة رافعة
بعض قوائمهما إلى السماء . فقال: ارجعوا فقد
استجيب لكم من أجل هذه النملة)) (١) وقال
أصحاب هذا الرأي: إذا أقيمت في المسجد،
أوقفت الدواب عند باب المسجد .
الثاني : لا يستحب إخراج البهائم ، لأن النبي
وَّة لم يفعله . وهو قول الحنابلة، والمالكية، ورأي
ثان للشافعية . (٢)
الثالث : لا يستحب ولا يكره، وهو رأي ثالث
للشافعية . (٣)
خروج الكفار وأهل الذمة :
٢٧ - في المسألة رأيان :
الأول : وهو المالكية، والشافعية، والحنابلة :
لا يستحب خروج الكفار وأهل الذمة، بل يكره ،
ولكن إذا خرجوا مع الناس في يومهم، وانفردوا في
مكان وحدهم لم يمنعوا . وجملة ما استدلوا به أنه لا
يستحب إخراج أهل الذمة والكفار ، لأنهم
أعداء الله الذين كفروا به وبدلوا نعمة الله كفرا،
فهم بعيدون من الإِجابة . وإن أغيث المسلمون
(١) الطحطاوي ص ٣٦١، والمجموع للنووي ٦٦/٥ - ٧١
وحديث: ((لولا عباد الله ركع وصبيان رضع وبها ئم رقع ... ))
أخرجه الطبراني والبيهقي، وضعفه الذهبي والهيثمي (فيض
القدير ٣٤٤/٥ - طبع المكتبة التجارية).
(٢) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ٥٣٨/١، والشرح الكبير
على المغني ٢/ ٢٨٧، والمجموع للنووي ٧١/٥
(٣) المجموع للنووي ٧١/٥
فربما قالوا : هذا حصل بدعائنا وإجابتنا ، وإن
خرجوا لم يمنعوا ، لأنهم يطلبون أرزاقهم من ربهم
فلا يمنعون من ذلك ، ولا يبعد أن يجيبهم الله
تعالى ، لأنه قد ضمن أرزاقهم في الدنيا ، كما
ضمن أرزاق المؤمنين . ولكن يؤمرون بالانفراد
عن المسلمين ، لأنه لا يؤمن أن يصيبهم بعذاب
فيعم من حضرهم . ولا يخرجون وحدهم ، فإِنه لا
يؤمن أن يتفق نزول الغیث یوم خروجهم وحدهم،
فيكون أعظم فتنة لهم، وربما افتتن غيرهم . (١)
الرأي الثاني : وهو للحنفية، ورأي للمالكية،
قال به أشهب وابن حبيب : لا يحضر الذمي
والكافر الاستسقاء ، ولا يخرج له ، لأنه لا يتقرب
إلى الله تعالى بدعائه . والاستسقاء لاستنزال
الرحمة ، وهي لا تنزل عليهم ، ويمنعون من
الخروج ، لاحتمال أن يسقوا فتفتتن به الضعفاء
والعوام . (٢)
استسلام
التعريف :
١ - الاستسلام في اللغة : الانقياد والخضوع
للغير. (٣)
(١) نهاية المحتاج ٤٠٩/٢، والمجموع للنووي ٧١/٥، والمغني
٢٩٨/٢، والخرشي ١٠٩/٢
(٢) الطحطاوي ص ٣٦٠، والخرشي ٢ /١٠٩
(٣) تاج العروس ولسان العرب مادة: (سلم) بتصرف
- ٣١٧ -

استسلام ٢ - ٣، استشارة ، استشراف ١
ويستعمل الفقهاء كلمة ((استسلام)) بهذا
المعنى أيضا. (١)
ويعبرون أيضا عن الاستسلام بـ ((النزول
على الحكم وقبول الجزية)).
الحكم الإِجمالي ، ومواطن البحث :
٢- أ - استسلام العدو سواء أكان كافرا - ما لم يكن
من مشركي العرب - أم مسلما باغيا موجب للكف
عن قتاله. (٢)
وقد أفاض الفقهاء في الحديث عن ذلك في
كتاب الجهاد، وفي كتاب البغاة .
٣ - ب - لا يجوز للمسلم أن يستسلم لعدوه الظالم
- سواء كان مسلما أو كافرا - إلا أن يخاف على
نفسه، أو علی عضو من أعضائه، ولا يجد حيلة
للحفاظ عليها إلا بالاستسلام، فيجوز له
الاستسلام حينئذ .
وقد ذكر الفقهاء في كتاب الجهاد: أنه لا يجوز
للمسلمين الاستسلام لعدوهم في ساحة المعركة
إلا بهذا الشرط . (٣)
وذكروا في كتاب الصيال : أنه لا يجوز للمصول
عليه أن يستسلم للصائل إلا بهذا الشرط أيضا . (٤)
وذكروا في كتاب الإكراه: أن الإِكراه على بعض
الأفعال، لا تترتب آثاره إلا إذا كان الاستسلام
للمكره (بكسر الراء) بهذا الشرط . (٥)
(١) حاشية عميرة ٤ /٢٠٧ طبع مصطفى البابي الحلبي.
(٢) فتح القدير شرح الهداية ٢/ ٢٨٢ طبع بولاق، والمغني لابن
قدامة المقدسي ٨/ ٤٧٩ الطبعة الثالثة طبع المنار، وتفسير النسفي
٢٤٢/١ طبع عيسى البابي الحلبي.
(٣) فتح القدير ٤/ ٢٩٦
(٤) حاشية عميرة ٤ / ٢٠٧
(٥) فتح القدیر ٢٩٨/٧
استشارة
انظر : شورى
استشراف
التعريف :
١ - الاستشراف في اللغة : وضع اليد على
الحاجب للنظر، كالذي يستظل من الشمس حتى
يستبين الشيء. وأصله من الشرف: العلو،
وأشرفت عليه بالألف: اطلعت عليه. (١)
ويستعمله الفقهاء بمعنى: التطلع إلى
الشيء، كما في استشراف الأضحية.(٢) وهو في
الأموال بأن يقول: سيبعث إليّ فلان، أو لعله
یبعث،وإن لم يسأل.
وقال أحمد : الاستشراف بالقلب وإن لم
يتعرض، قيل له: إن هذا شديد، قال: وإن كان
شدیدا فهو هکذا، قيل له: فإِن کان الرجل لم يود
في أن يرسل إلي شيئا، إلا أنه قد عرض بقلبي ،
فقلت: عسى أن يبعث إلي، قال: هذا إشراف،
(١) نهاية ابن الأثير، والمصباح المنير، والصحاح مادة: (شرف).
(٢) البحر الرائق ٢٠١/٨ ط العلمية، ومغني ابن قدامة ٨/ ٦٢٥ ط
الثالثة .
- ٣١٨ -

استشراف ٢ - ٥
فإِذا جاءك من غير أن تحسه، ولا خطر على قلبك،
فهذا الآن ليس فيه إشراف . (١)
وقال البعض : الاستشراف هو : التعرض
للسؤال . (٢)
الحكم الإجمالي :
٢ - ينبغي استشراف الأضحية لتعرف سلامتها من
العيوب المانعة من الإِجزاء، لحديث علي رضي الله
تعالى عنه ((أمرنا رسول الله وَّر أن نستشرف العين
والأذن، وألا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا
شرقاء، ولا خرقاء. )) رواه أبو داود والنسائي
وغيرهما، وصححه الترمذي. (٣)
٣ - أما الاستشراف في الأموال : فإن كان بالقلب
فلا يؤاخذ الإِنسان عليه، لأن الله عز وجل تجاوز
لهذه الأمة عما حدثت به أنفسها، ما لم ينطق به
لسان أو تعمله جارحة، وما اعتقده القلب من
المعاصي - غير الكفر - فليس بشيء حتى يعمل
به، وخطرات النفس متجاوز عنها بالإجماع .
وعند أحمد : الاستشراف بالقلب كالتعرض
باللسان . (٤)
وللعلماء في قبول المال دون استشراف - بمعنى
(١) القرطبي ٣/ ٣٤٦ ط دار الكتب المصرية، والزواجر ١/ ١٨٧ ط
دار المعرفة، والفروع ١ / ٩٤٤ ط أمير قطر.
(٢) الشبراملسي على النهاية ٦/ ١٧٠ ط الحلبي.
(٣) البحر الرائق ٨/ ٢٠١ ط العلمية، والمغني لابن قدامة ٦٢٥/٨
الطبعة الثالثة، ومطالب أولى النهى ٤٦٦/٢
و(المقابلة) الشاة التي يقطع من أذنيها قطعة ولا تبين، وتبقى
معلقة من قدام، فإِن كانت من آخر فهي (المدابرة)،
و(الشرقاء) هي الشاة المشقوقة الأذنين ((المصباح)).
(٤) تفسير القرطبي ٣/ ٣٤٦ ط دار الكتب المصرية، والزواجر
١/ ١٨٧ ط دار المعرفة، ولواقح الأنوار ص ١٣٧ ط الحلبي،
والفروع ٩٤٤/١
التحدث في النفس من غير سؤال - ثلاثة آراء :
٤ - أ - جواز القبول وعدمه، غير أن من الفقهاء من
أطلق ذلك، ومنهم من جعله لمن ملك أقل من
نصاب، وقال قوم: إن ذلك خاص بعطية غير
السلطان .
واستدلوا بحديث حكيم بن حزام رضي الله عنه
قال: ((سألت رسول الله وَيرٍ فأعطاني، ثم سألته
فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: ياحكيم
إن هذا المال حلوة خضرة، فمن أخذه بسخاوة
نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف لم يبارك
فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير
من اليد السفلى. قال حكيم: فقلت: يارسول الله
والذي بعثك بالحق لا أرزا(١) أحدا بعدك شيئا
حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر رضي الله عنه
یدعو حکیما ليعطيه العطاء فيأبی أن يقبل منه شيئا،
ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن
يقبله، فقال: يامعشر المسلمين أشهدكم على
حكيم أني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له في
هذا الفيء فیأبی أن یأخذه، فلم یرزأ حكيم أحدا
من الناس بعد رسول الله (صل٣ حتى توفي)) رواه
البخاري . (٢)
٥ - ب - وجوب الأخذ ، وحرمة الرد، لحديث
سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن عمر رضي الله
عنه قال: ((كان رسول اللّه ◌َلّ يعطيني العطاء،
فأقول: أعطه أفقر مني، فقال رسول اللّه اليه :
خذه، وما جاءك من هذا المال وأنت غير سائل ولا
(١) أصل الرزء: النقص، ومعنى ((لم يرزأ)) أي لم ينقص أحدا شيئا
بالأخذ منه (المجموع ٢٤٥/٦ - ٢٤٦)
(٢) المجموع ٢٤٥/٦، ٢٤٦ ط المنيرية، والبحر الرائق ٢٦٩/٢ ط
العلمية، والفروع ٩٤٣/١
- ٣١٩ -

استشراف ٦ - ٨ ، استشهاد ١ - ٣
مشرف فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك، قال:
فكان سالم لا يسأل أحدا شيئا، ولا يرد شيئا أعطيه)»
(١)
رواه البخاري ومسلم .
٦ - جـ ـ استحباب الأخذ ، وحمل النصوص
المذكورة للوجوب علی الاستحباب، غير أن منهم
من أطلق، ومنهم من قصره على عطية غير
السلطان .
جاء في شرح مسلم : ((الصحيح الذي عليه
الجمهور: يستحب القبول في غير عطية السلطان،
وأما عطية السلطان فحرمها قوم، وأباحها قوم،
وكرهها قوم، قال: والصحيح إن غلب الحرام فيما
في يد السلطان حرمت، وإلا أبيح، إن لم يكن في
القابض مانع من الاستحقاق)). (٢)
٧ - والاستشراف بمعنى التعرض للسؤال، لا
تختلف أحكامه عن أحكام السؤال. (ر: سؤال).
مواطن البحث :
٨ - يتكلم الفقهاء عن الاستشراف في صدقة
التطوع، وفي الأضحية، وفي الحظر والإِباحة .
استشهاد
التعريف :
١ - الاستشهاد في اللغة: طلب الشهادة من
الشهود، فيقال: استشهده: إذا سأله تحمل أو
(١) المجموع ٦/ ٢٤٥، والفروع ٩٤٣/١
(٢) الفروع ١/ ٩٤٤
أداء الشهادة، قال تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَیْنِ
مِن رِّجَالِكُمْ)(!)
واستعمل في القتل في سبيل الله، فيقال:
استشهد: قتل في سبيل الله . (٢)
وفي اصطلاح الفقهاء لا يخرج استعمالهم عن
هذين المعنيين. (٣)
ويستعمل الفقهاء في الغالب لفظة إشهاد،
ويراد بها: الاستشهاد على حق من الحقوق. (٤)
الحكم الإجمالي :
٢ - الاستشهاد - بمعنى طلب الشهادة - يختلف
من حق إلى حق، لذا يختلف الحكم تبعا
للمواطن، ومن تلك المواطن: الاستشهاد في
الرجعة، فهو مستحب عند الحنفية، والحنابلة،
وفي قول عند الشافعية، (٥) ومندوب عند
المالكية، (٦) وواجب في قول آخر عند الشافعية. (٧)
مواطن البحث :
٣ - يفصل الفقهاء أحكام الاستشهاد بالنسبة لكل
مسألة في موضعها، ومن تلك المواطن: النكاح،
والرجعة، والوصية، والزنا، واللقطة، واللقيط،
(١) سورة البقرة/ ٢٨٢
(٢) لسان العرب المحيط، وتاج العروس، والصحاح، مادة:
(شهد).
(٣) طلبة الطلبة ص ١٣٢ ط دار الطباعة العامرة.
(٤) طلبة الطلبة ص ١٣٢، والنظم المستعذب مع المهذب ٣٢٥/٢
ط مصطفى الحلبي.
(٥) فتح القدير ١٦٢/٣ ط بولاق، والمهذب ٢ / ١٠٤ ط مصطفى
الحلبي، والإقناع ٤ / ٦٦ ط دار المعرفة .
(٦) الشرح الصغير ٢/ ٦١٦
(٧) المهذب ٢/ ١٠٤
- ٣٢٠ -