النص المفهرس

صفحات 261-280

استخلاف ٣١ - ٣٢
وانتظروه حتى يتم ويسلم معهم، لأن اتباع
المأمومين للإِمام أولى من اتباعه لهم. فإِن الإِمام إنما
جعل ليؤتم به. وعلى كلتا الروايتين إذا فرغ
المأمومون قبل فراغ إمامهم، وقام لقضاء ما فاته
فإِنهم يجلسون وينتظرون حتى يتم ويسلم بهم،
لأن الإمام ينتظر المأمومين في صلاة الخوف،
فانتظارهم له أولى، وإن سلموا ولم ينتظروه جاز.
وقال ابن عقيل: يستخلف من يسلم بهم، والأولى
انتظاره. وإن سلموا لم يحتاجوا إلى خليفة. فإِنه لم
يبق من الصلاة إلا السلام، فلا حاجة إلى
الاستخلاف فيه، ويقوى عندي أنه لا يصح
الاستخلاف في هذه الصورة، لأنه إن بنى جلس
في غير موضع جلوسه وصار تابعا للمأمومين، وإن
ابتدأ جلس المأمومون في غير موضع جلوسهم، ولم
يرد الشرع بهذا، وإنما ثبت الاستخلاف في موضع
الإِجماع حيث لم يحتج إلى شيء من هذا، فلا
يلحق به ما ليس في معناه.
وإذا استخلف من لا يدري كم صلى الإِمام،
احتمل أن يبني على اليقين، فإِن وافق الحق وإلا
سبحوا به فرجع إليهم، ويسجد للسهو. وفي
رواية: إن المستخلف إن شك في عدد الركعات
التي صلاها الإِمام لم يجزله الاستخلاف للشك،
كغير المستخلف، (١) ورواية البناء على اليقين
بنيت على أنه شك ممن لا ظن له فوجب البناء على
اليقين كسائر المصلين .
ثالثا : استخلاف القاضي
٣٢ - اتفق فقهاء المذاهب على أن الإِمام إذا أذن
للقاضي في الاستخلاف فله ذلك، وعلى أنه إذا
نهاه فليس له أن يستخلف، وذلك لأن القاضي إنما
يستمد ولايته من الإِمام، فلا يملك أن يخالفه إذا
نهاه، كالوكيل مع الموكل، فإِن الموكل إذا نهى
الوكيل عن تصرف ما فليس له أن يخالفه. قال
الدسوقي : وينبغي أن العرف بالاستخلاف وعدمه
كالنص على ذلك. (١)
أما إن أطلق الإِمام فلم يأذن ولم ينه فهناك
اتجاهات في المذاهب.
ذهب الحنفية، وابن عبدالحكم، وسحنون من
المالكية، وهو احتمال في مذهب الحنابلة إلى : أنه لا
يجوز أن يستخلف، لأنه يتصرف بإِذن الإِمام ولم
یأذن له .
وذهب الحنابلة، وهووجه للشافعية إلى : أنه
يجوز له أن يستخلف مطلقا. والمشهور عند
المالكية، وهو الوجه الآخر للشافعية أنه يجوز
الاستخلاف لعذر كمرض، أو سفر، أوسعة
الجهات المولى عليها، وذلك لأن القاضي في هذه
الحالة يحتاج إلى الاستخلاف، ولأن قرينة الحال
تقتضي ذلك، فإِن استخلف القاضي - بغير إذن -
وقضى المستخلف فإِن قضاءه ينفذ عند الحنفية إذا
أنفذه القاضى المستخلف بشرط أن يكون
المستخلف بحال يصلح معها أن يكون قاضيا، لأنه
(١) المغني ٢/ ١٠٣ - ١٠٥
(١) الدسوقي ٤ / ١٣٣
- ٢٦١ -

استخلاف ٣٣، استدانة ١ - ٤
بإِجازة القاضي المستخلف صار كأنه هو الذي
قضی .(١)
٣٣ - ما يثبت به الاستخلاف في القضاء :
كل لفظ یفید الاستخلاف یصح به وینعقد،
سواء أكان مما قاله الفقهاء في ألفاظ تولية القضاء أم
لا، وكذلك أي دليل أو قرينة يثبت بها الاستخلاف
يعمل بها ويعول عليها . (٢)
استدانة
التعريف :
١ - الاستدانة لغة: الاستقراض وطلب الدين،
أو: صيرورة الشخص مدينا، أو: أخذه .
والمداينة : التبايع بالأجل . والقرض: هو ما يعطى
من المال ليقضى . (٣)
وأما في الشرع فتطلق الاستدانة ويراد بها:
طلب أخذ مال يترتب عليه شغل الذمة ، سواء
(١) معين الحكام ص ٢٦، وتبصرة الحكام ١/ ٤٥، والدسوقي
١٣٣/٤، ونهاية المحتاج ٢٩/٨، والمغني ٩/ ١٠٥ ط الرياض،
والاختیار ٣٥٨/١ ط حجازي، وحاشية ابن عابدين ٣٢٣/٤
(٢) قد وضعت في القوانين الحديثة قواعد وأحكام تنعقد بها ولاية
القضاء وغيره بما لا يخالف نصا شرعيا ولا حكما مقررا، وسار
عليها العمل وثبتت بها الولايات، فلا مانع من اتباعها وتطبيقها .
(٣) لسان العرب، وتاج العروس مادة ( دين ، قرض ) .
كان عوضا في مبيع أو سلم أو إجارة ، أو قرضا، أو
ضمان متلف .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاستقراض :
٢ - الاستقراض: طلب القرض، وكل من
القرض والدين لابد أن يكون مما يثبت في الذمة .
وعلى هذا فالاستدانة أعم من الاستقراض ،
إذ الدين شامل عام للقرض وغيره .
وفرق المرتضى الزبيدي بين الاستدانة
والاستقراض ، بأن الاستدانة لابد أن تكون إلى
أجل ، في حين أن الاستقراض لا يكون إلى أجل
عند الجمهور ، أما المالكية فيقولون بلزوم الأجل في
القرض بالنسبة للمقرض (ر. أجل ). (١)
ب - الاستلاف :
٣ - الاستلاف لغة: أخذ السلف، وسلّف في كذا
وأسلف: إذا قدم الثمن فيه . والسلف كالسلم
والقرض بلا منفعة أيضا . يقال : أسلفه مالا إذا
أقرضه. (٢)
صفة الاستدانة ( حكمها التكليفي ) :
٤ - الأصل في الاستدانة الإباحة ، لقوله تعالى :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَىَ أَجْلٍ
(١) كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي ١١٩٨/٥، ودستور
العلماء ١١٨/٢
(٢) المغرب للمطرزي مادة (سلف)، وابن عابدين ٢٠٣/٤
- ٢٦٢ -

استدانة ٥ - ٦
مُسَمَى فَاكْتُبُوهُ). (١) ولأن النبي صَّةٍ كان
يستدين .
وقد تعتريها أحكام أخرى بحسب السبب
الباعث ، كالندب في حال عسر المدين ،
وكالوجوب للمضطر ، وكالتحريم فيمن يستدين
قاصدا المماطلة، أو جحد الدين. (٢) وكالكراهة إذا
كان غير قادر على الوفاء، وليس مضطرا ولا قاصدا
المماطلة .
صيغة الاستدانة :
٥ - تكون الاستدانة بكل ما يدل على التزام الذمة
بدين، قرضا كان أوسلما، أو ثمنا لمبيع بأجل
ويفصل الفقهاء ذلك عند الكلام في مصطلح :
(عقد) و(قرض) و(دين). (٣) .
الأسباب الباعثة على الاستدانة :
أولا : الاستدانة لحقوق الله تعالى :
٦ - حقوق الله تعالى المالية، كالزكاة، لا تثبت في
الذمة إلا على الغني القادر عليها - والغني في كل
تكليف بحسبه - فلا يكلف بالاستدانة ليصير ملزما
بشيء منها بالاتفاق . (٤)
(١) سورة البقرة / ٢٨٢
(٢) حاشية الشرواني على التحفة ٣٧/٥، وحاشية الدسوقي على
الشرح الكبير ٢٢٣/٣ طبع دار الفكر - بيروت .
(٣) تحفة المحتاج ٣٨/٥، والمغني ٣١٥/٤، والبدائع ١٠ / ٤٩٨٠
ط الثانية.
(٤) مواهب الجليل ٣٤٣/١، ومغني المحتاج ١٨٧/١، ومطالب
أولي النهى ١/ ٣٣٩ طبع المكتب الإسلامي ، وحاشية ابن
عابدين ٣٤٦/٣، والفتاوى الهندية ٣٠٧/٥، والأشباه
والنظائر لابن نجبم ص ٣٥٨ طبع بيروت - دار الهلال.
أما ما شرط الله لوجوبه الاستطاعة، كالحج،
فإِن کان لا يرجو الوفاء فالاستدانة لأجله مكروهة أو
حرام عند المالكية، وخلاف الأفضل عند الحنفية .
أما إن كان يرجو الوفاء فيجب عليه عند المالكية،
والشافعية، وهو الأفضل عند الحنفية. (١)
وعند الحنابلة - يفهم مما في المغني - أنه إن أمكنه
الحج بالاستدانة لم يلزمه ذلك، ولكن يستحب له
إن لم يكن عليه في ذلك ضرر أو على غيره. (٢)
فإِذا وجبت حقوق الله تعالى المالية على عبد
حال غناه، ثم افتقر قبل أدائها، فهل يكلف
بالاستدانة لأدائها؟ يفرق فقهاء الحنفية في ذلك بين
الحالتين: إن لم يكن عنده مال وأراد أن يستقرض،
فإن كان في أكبر ظنه أنه إذا استقرض وأدى الزكاة،
واجتهد لقضاء دينه يقدر على ذلك، كان الأفضل
له أن يستقرض، فإِن استقرض وأدى ولم يقدر على
قضاء الدين حتى مات، يرجى أن يقضي الله
تعالى دينه في الآخرة .
وإن كان أكبر ظنه أنه إذا استقرض لا يقدر على
قضاء الدين، كان الأفضل له ألا يستقرض، لأن
خصومة صاحب الدين أشد. (٣) وظاهر هذا أنه لا
يجب عليه الاستقراض على كل حال.
ومذهب الحنابلة أنه إذا وجبت عليه الزكاة،
فتلف المال بعد وجوبها، فأمكنه أداؤها أداها، وإلا
أمهل إلى ميسرته وتمكنه من أدائها من غير مضرة
عليه ولا على غيره، قالوا: لأنه إذا لزم الإِنظار في
(١) ابن عابدين ٢/ ١١٤، ١٤١، والحطاب ٢ / ٥٠٥ - ٥٠٦،
والأم ٢/ ١١٦ ط بيروت ، والدسوقي ٢/ ٧
(٢) المغني مع الشرح الكبير ٣/ ١٧٠
(٣) فتاوى قاضيخان بهامش الهندية ١ / ٢٥٦، وحاشية ابن عابدين
١٤٠/٢
- ٢٦٣ -

استدانة ٧ - ٩
دين الآدمي المعين فهذا أولى . (١)
ولم يتعرض الشافعية لهذه المسألة فيما اطلعنا
عليه .
ثانيا - الاستدانة لأداء حقوق العباد :
أ - الاستدانة لحق النفس :
٧ - تجب الاستدانة على المضطر لإِحياء نفسه، لأن
حفظ النفس مقدم على حفظ المال، صرح به
الشافعية، وقواعد غيرهم لا تأباه، لما ورد في
الضرورة من نصوص معروفة . (٢)
أما الاستدانة لسد حاجة من الحاجيات، فهو
جائز إن كان يرجو وفاء، وإن كان الأولى له أن
يصبر، لما في الاستدانة من المنّة، قال في الفتاوى
الهندية: لا بأس أن يستدين الرجل إذا كانت له
حاجة لابد منها، وهو يريد قضاءها. (٣) وكلمة ((لا
بأس)) إذا أطلقها فقهاء الحنفية فإنهم يعنون بها: ما
کان تركه أولی من فعله .
أما إذا كان لا يرجووفاء فتحرم عليه الاستدانة،
والصبر واجب، لما في الاستدانة من تعريض مال
الغير إلى الإِتلاف . (٤)
أما الاستدانة من أجل غاية غير مشروعة فإِنه لا
يجوز، كما إذا استدان لينفق في وجه غير مشروع،
مثل أن يكون عنده من المال ما يكفيه، فيتوسع في
النفقة، ويستدين لأجل أن يأخذ من الزكاة، فإنه
لا يعطى منها، لأن قصده مذموم . (٥)
(١) الشرح الكبير مع المغني ٢ / ٤٦٥
(٢) مواهب الجليل ٥٤٥/٤، والشرواني ٣٧/٥
(٣) الفتاوى الهندية ٣٦٦/٥
(٤) حاشية الشرواني على التحفة ٣٧/٥
(٥) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/ ٤٩٧، والمغني ٤ / ٤٤٨
ب - الاستدانة لحق الغير .
أولا - الاستدانة لوفاء الدين :
٨ - لا يلزم المعسر بالاستدانة لقضاء دين غرمائه،
لقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى
مَيْسَرَةٍ). (١) ولما في ذلك من منة. (٢) ولأن الضرر لا
يزال بمثله، صرح بذلك المالكية والحنابلة، وقواعد
غيرهم لا تأباه.
ثانيا - الاستدانة للنفقة على الزوجة :
٩ - اتفق الفقهاء على أن نفقة الزوجة واجبة،
سواء أكان الزوج موسٍرا أم معسرا، فإِن كان الزوج
حاضرا، وله مال، أنفق من ماله جبرا عنه، وإن
كان معسرا فإِن أئمة الحنفية يرون أن القاضي
يفرض لها النفقة، ثم يأمرها بالاستدانة عليه، فإن
لم تجد من تستدين منه أوجب القاضي نفقتها على
من تجب عليه من أقاربها لو لم تكن متزوجة، أما إن
كان غائبا وليس له مال حاضر، فإِنه لا تفرض لها
نفقة عليه، خلافا لزفر، وقوله هو المفتى به عند
الحنفية .
وذهب الحنابلة إلى أن لها الاستدانة، لها
ولأولادها ولو بغير إذن، وترجع عليه بما استدانت.
ومذهب المالكية أن نفقة الزوجة تسقط
بالإِعسار إذا ثبت، أما إذا لم يثبت إعساره فلها أن
تستدين عليه .
وذهب الشافعیة إلی أنه إذا كان له مال حاضر
ينفق عليها منه جبرا عنه. وإذا كان لا مال له وهو
(١) سورة البقرة / ٢٨٠
(٢) جواهر الإكليل ٢ / ٩٠ طبع دار المعرفة، وحاشية الدسوقي
٣/ ٢٧٠، والمغني ٤ /٤٤٨ ط المنار الثالثة .
- ٢٦٤ -

استدانة ١٠ - ١٢
قادر على الكسب، أجبر على التكسب،
ويستدين للنفقة الحاضرة، أما إن كان ماله غائبا
فإنه يجبر على الاستدانة، فإن لم يستدن كان
لها طلب الفسخ. (١)
ثالثا : الاستدانة للإنفاق على الأولاد والأقارب:
١٠ - نفقة الصغار من الأولاد الفقراء غير المتكسبين
واجبة في الجملة على الوالد دون غيره في الأصل،
فإن امتنع عن الإِنفاق عليهم، وكان موسرا، أجبر
على ذلك، ويؤمرون بالاستدانة عليه. وإن كان
معسرا فعند الحنفية: تؤمر الأم بالإِنفاق عليهم من
مالها إن كانت موسرة، وإلا ألزم بنفقتهم من تجب
عليه لو كان الأب ميتا، ثم يرجع المنفق على الأب
إن أيسر. (٢) وإن كان الأب زمنا اعتبر كالميت، فلا
رجوع للمنفق بل هو تبرع.
ومذهب المالكية كالحنفية في حال اليسار،
وينوب عن إذن القاضي عندهم إشهاد المنفق على
أنه أنفق على سبيل الرجوع، أو يحلف على
ذلك. (٣) أما إذا كان معسرا فيعتبر الإنفاق على
أولاده تبرعا من المنفق، لا رجوع له ولو أيسر الأب
بعدئذ .
وعند الشافعية: للأولاد الاستدانة بإِذن
(١) نهاية المحتاج ٧/ ٢٠٣ طبع المكتبة الإِسلامية ، وحاشية ابن
عابدين ٦٨٦/٢، ومواهب الجليل ٤/ ٢٠٢ ، والحطاب
٤ / ٢٠٥، وشرح منتهى الإرادات ٢٥٢/٣، ٢٥٧، ومطالب
أولي النهى ٥/ ٦٤٦، ٦٤٩
(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٧٣، ٦٧٧، ٦٨٦، وتبيين الحقائق
٥٤/٣، والفتاوى الهندية ١ / ٥٥١، وفتح القدير ٣٢٥/٣ طبع
بولاق ، والهداية بشرح فتح القدير ٣/ ٣٤٦ طبع بولاق .
(٣) مواهب الجليل ١٩٣/٤، وحاشية الدسوقي ٣/ ٢٧٤
القاضي، ولا رجوع إلا إذا حصل الاقتراض
بالفعل للمنفق المأذون . (١)
وذهب الحنابلة إلى أنه يستدان للأولاد بإذن .
لكن لو استدانت الأم لها ولأولادها بلا إذن جاز تبع
للأم. أما الاستدانة لغير الزوجة والأولاد ففي
ذلك تفصيل وخلاف كبير، موطنه ((نفقة)). (٢)
الاستدانة ليتمحض المال حلالا :
١١ - إذا أراد أن يحج فيستحب أن يحج بمال حلال،
فإن لم يتوفر له إلا مال فيه شبهة، وأراد أن يحج بمال
حلال، ففي فتاوى قاضيخان: يستدين للحج،
ويقضي دينه من ماله . (٣)
شروط صحة الاستدانة :
الشرط الأول - عدم انتفاع الدائن :
١٢ - إن انتفاع الدائن من عملية الاستدانة إما أن
يتم بشرط في العقد، أو بغير شرط، فإِن كان بشرط
فهو حرام بلا خلاف، قال ابن المنذر: أجمعوا على
أن المسلف - أي الدائن - إذا شرط على المستلف
زيادة أو هدية، فأسلف على ذلك، أنّ أخذ الزيادة
على ذلك ربا، وقد روى علي بن أبي طالب رضي
الله عنه عن رسول الله مله قوله: ((كل قرض جر
منفعة فهوربا)). (٤) وهو وإن كان ضعيف السند إلا
-
(١) الإقناع ١٤٤/٤، وحاشية قليوبي ٤/ ٨٥ ، وتحفة المحتاج
٣٤٦/٨، ومغني المحتاج ٤/ ٤٤٨
(٢) شرح منتهى الإرادات ٣/ ٢٥٧
(٣) الفتاوى الهندية ٢٢٠/١
(٤) حديث: ((كل قرض جر منفعة ... )) رواه الحارث بن أبي
أسامة في مسنده من حديث علي مرفوعا ، وفي إسناده سوار بن
مصعب وهو متروك ، قال عمر بن بدر في المغني : لم يصح فيه=
- ٢٦٥ -

استدانة ١٢ - ١٣
أنه صحیح معنى، وروي عن أبيّ بن كعب،
وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود: أنهم نهوا
عن كل قرض جر منفعة للمقرض. ولأن عقد
الاستدانة عقد إرفاق وقربة، واشتراط المنفعة فيه
للدائن إخراج له عن موضوعه، وهو شرط لا
يقتضيه العقد ولا يلائمه، وقد أورد الفقهاء كثيرا
من التطبيقات العملية على القرض الذي يجرنفعا
للدائن. (١) ومن ذلك:
أن يشترط الدائن أن يرد له المدين أكثر مما أخذ،
أو أجود مما أخذ، وهذا هو الربا بعينه (ر: ربا).
وليس من ذلك اشتراط الدائن على المدين أن
يعطيه رهنا بالدين، أو كفيلا ضمانا لدينه، لأن هذا
شرط يلائم العقد كما سيأتي .
أما إن كانت المنفعة التي حصل عليها الدائن
من المدين غير مشروطة، فيجوز ذلك عند جمهور
الفقهاء : الحنفية، والشافعية، والمالكية،
والحنابلة. (٢) وهو مروي عن عبدالله بن عمر،
وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعامر
الشعبي، والزهري، ومكحول، وقتادة،
وإسحق بن راهويه، وهو إحدى الراويتين عن
إبراهيم النخعي .
= شيء ( تلخيص الحبير ٣/ ٢٤ ط شركة الطباعة الفنية ١٣٨٤
هـ ، وفيض القدير ٢٨/٥ ط المكتبة التجارية ١٣٥٦ هـ)
وأخرجه البيهقي في المعرفة عن فضالة بن عبيد موقوفا بلفظ:( كل
قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا ) ورواه في السنن
الكبرى عن ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام وابن
عباس موقوفا عليهم ( نيل الأوطار ٥/ ٣٥٠ - ٣٥١ ط دار الجيل
ببيروت ) .
(١) فتح القدير ٤٥٢/٤، وأسنى المطالب ١٤٢/٢
(٢) المغني ٣٢١/٤، وتحفة المحتاج ٤٧/٥، وأسهل المدارك
٢١٨/٢ ، وابن عابدين ٢٩٥/٤
واستدل هؤلاء بما رواه مسلم في صحيحه عن
جابر بن عبد الله قال :
((أقبلنا من مكة إلى المدينة مع رسول الله بخير،
فاعتلّ جملي)) . وساق الحدیث بقصته، وفيه «ثم
قال: بعني جملك هذا، قال: فقلت: لا، بل هو
لك، قال: بل بعنيه، قال: قلت: لا، بل هولك
يارسول الله، قال: لا، بل بعنيه، قال: قلت:
فإن لرجل علي أوقية ذهب فهو لك بها، قال: قد
أخذته، فتبلغ عليه إلى المدينة، ثم قال رسول الله
وَلّ لبلال: أعطه أوقية من ذهب وزيادة، قال:
فأعطاني أوقية من ذهب وزادني قيراطا))(١) وهذه
زيادة في القدر.
١٣ - أما الزيادة في الصفة: فعن أبي رافع مولى
رسول اللّه ◌َا﴾ (( أن رسول الله استسلف من رجل
بكرا، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا
رافع أن يقضي الرجل بكره، (٢) فرجعٍ أبو رافع
فقال: لم أجد فيها إلا خياراً بعيراً رباعياً، فقال:
أعطه إياه، إن خير الناس أحسنهم قضاء)). (٣)
ولأنه لم يجعل تلك الزيادة عوضا عن القرض،
ولا وسيلة إليه، ولا إلى استيفاء دينه .
وقال بعض المالكية، وهي إحدى الروايتين عند
الحنابلة، وهو المروي عن أبيّ، وابن عباس، وابن
عمر، وإحدى الروايتين عن النخعي : لا يجوز
للمقرض قبول هدية المقترض، ولا الحصول على
(١) حديث: ((أقبلنا من مكة ... )) أخرجه مسلم من حديث
جابر بن عبدالله ١٢٢٢/٣ ط عيسى الحلبي
(٢) هو من الإِبل ما بلغ سبع سنين .
(٣) حديث: ((إن رسول الله ◌َلو استسلف من رجل ... )) أخرجه
مسلم من حديث أبي رافع مرفوعا ٣/ ١٢٢٤ ط عيسى الحلبي .
- ٢٦٦ -

استدانة ١٤ - ١٥
ما به الانتفاع له، كركوب دابته، وشرب شيء
عنده في بيته، إن لم يكن ذلك معروفا بينهما قبل
القرض، أو حدث ما يستدعى ذلك، الزواج
وولادة ونحو ذلك . (١)
قال الدسوقي: ((والمعتمد جواز الشرب
والتظلّل، وكذلك الأكل إن كان لأجل الإِكرام لا
لأجل الذين))، لأنه إن أخذ فضلا، أو حصل على
منفعة يكون قد تعاطى قرضا جر منفعة بالفعل،
فقد روى الأثرم أن رجلا كان له على سَّاكِ
عشرون درهما، فجعل يهدي إليه السمك ويقوّمه،
حتى بلغ ثلاثة عشر درهما، فسأل ابن عباس،
فقال له : أعطه سبعة دراهم .
وعن ابن سيرين أن عمر أسلف أبيّ بن كعب
عشرة دراهم، فأهدى إليه أبي بن كعب من ثمرة
أرضه، فردها عليه ولم يقبلها، فأتاه أبي فقال : لقد
علم أهل المدينة أني من أطيبهم ثمرة، وأنه لا
حاجة لنا، فبم منعت هديتنا؟ ثم أهدى إليه بعد
ذلك فقبل. وهذا يدل على ردها عند الشبهة،
وقبولها عند انتفائها .
وعن زرّ بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب :
إني أريد أن أسير إلى أرض الجهاد إلى العراق،
فقال: إنك تأتي أرضا فاشٍ فيها الربا، فإِن
أقرضت رجلا قرضا فأتاك بقرضك، ومعه هدية،
فاقبض قرضك، واردد عليه هديته. (٢)
الشرط الثاني - عدم انضمام عقد آخر :
١٤ - يشترط لصحة الاستدانة ألا ينضم إليها عقد
(١) حاشية الدسوقي ٣/ ٢٢٤، وأسهل المدارك ٢/ ٣١٨، والمغني
٣٢٢/٤، والمحلى ٨٦/٨، وآثار محمد بن الحسن ص ١٣٢
(٢) المغني ٤/ ٣٢٠ وما بعدها .
آخر، سواء اشترط ذلك في عقد الاستدانة، أم تم
التوافق عليه خارجه، كأن يؤجر المستقرض داره
للمقرض، أو يستأجر المستقرض دار المقرض، (١)
لأن رسول اللّهِ بُ ◌ّ ((نهى عن بيع وسلف)). (٢) وفي
ذلك تفصيل وخلاف يرجع إليه في (البيوع المنهي
عنها) .
الاستدانة من بيت المال، ولبيت المال، ونحوه،
كالوقف :
١٥ - الأصل في ذلك أن الاستدانة لبيت المال، أو
منه جائزة شرعا .
أما الاستدانة منه : فلما ورد أن أبا بكر
استقرض من بيت المال سبعة آلاف درهم،فمات
وهي عليه، فأوصى أن تقضى عنه.
وقال عمر : إني أنزلت مال الله مني منزلة مال
اليتيم، إن احتجت إليه أخذت منه، فإِذا أيسرت
قضيت .
أما الاستدانة عليه : فلما روى أبورافع (أن
النبي ◌َّ استسلف من رجل بكرا، فقدمت على
النبي ﴿ إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي
الرجل بكره ... )(٣) الحديث. فهذه استدانة على
(١) المغني ٤/ ٣٢٠، وتحفة المحتاج ٤٧/٥، وحاشية ابن عابدين
٣٩/٥
(٢) حديث: ((أن رسول الله ربَّ نهى عن بيع وسلف)) رواه مالك
بلاغا، والبيهقي موصولا، وصححه الترمذي، ورواه النسائي
والحاكم عن عبدالله بن عمرو مرفوعا وهو عند البيهقي من
حديث ابن عباس بسند ضعيف ، وفي الطبراني من حديث
حكيم بن حزام ( تلخيص الحبير ٣/ ١٧ ط شركة الطباعة الفنية
١٣٨٤ هـ ) .
(٣) حديث: ((أن رسول الله (َّ﴿ استسلف ... )) تقدم تخريجه فقرة
(١٣)
- ٢٦٧ -

استدانة ١٦ - ١٩
بيت المال، لأن الرد كان من مال الصدقة، وكل
هذا يراعى فيه المصلحة العامة، والحيطة الشديدة
في توثيق الدين، والقدرة على استيفائه.
ويشترط لذلك على ما صرح به الحنفية في
الوقف ۔ وبیت المال مثله۔ أن یکون بإذن من له
الولاية، وأن يكون الإقراض لمليء مؤتمن، وألا
يوجد من يقبل المال مضاربة، وألا يوجد مستغلات
تشترى بذلك المال .
وقد صرح الشافعية بالنسبة للوقف بأنه يستغنى
بشرط الواقف عن إذن القاضي. وكذلك الحكم في
مال اليتيم ومال الغائب واللقطة . (١) وفي ذلك
خلاف وتفصيل، موطنه مصطلح: (قرض)
و(دین).
آثار الاستدانة :
أ - ثبوت الملك :
١٦ - يملك المستدين المحل المقابل للدين بالعقد
نفسه إلا في القرض، ففيه ثلاثة اتجاهات هي : أنه
يملك بالعقد، أو بالقبض، أو بالاستهلاك، (٢)
على تفصيل موطنه مصطلح: (قرض).
ب - حق المطالبة ، وحق الاستيفاء :
١٧ - من آثار الاستدانة وجوب الوفاء على
المستدين عند حلول الأجل، لقوله تعالى : (وَأَدَاءٌ
إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ)(٣) ولقوله : (مطل الغني
(١) ابن عابدين ٣٤١/٤، والمغني ٢٤٣/٤، والقليوبي ١٠٩/٣،
وآثار أبي يوسف ص ٩١٣، والمحلى ٣٢٤/٨ ط المنيرية.
(٢) شرح الخرشي ٢٣٢/٥، وبدائع الصنائع ٤٩٨٤/١٠،
وأحكام القرآن للجصاص ٥٧٤/١، والمغني ٤ / ٣١٧ ،
ومطالب أولي النهى ٣/ ٢٤٠، وتحفة المحتاج ٤٨/٥
(٣) سورة البقرة / ١٧٨
ظلم). (١) وندب الإِحسان في المطالبة، ووجوب
إنظار المدين المعسر إلى حين الميسرة بالاتفاق. (٢)
واستدل لذلك بقوله تعالى : (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ
فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ)(٣) وأنها عامة في الديون كلها
وليست خاصة بالربا.
ج - حق المنع من السفر :
1
١٨ - للدائن في الجملة حق منع المدين من السفر في
الدين الحالّ، إن لم يكن للمدين مال حاضر يمكنه
الاستيفاء منه، أو كفيل، أورهن. وإنما ثبت هذا
الحق لأن سفر المدين قد يفوت على الدائن حق
المطالبة والملازمة، وفي ذلك تفصيل تبعا لنوع
الدين، والأجل، والسفر، والمدين. (ر: دين) (٤)
د - حق ملازمة المدين :
١٩ - من حق الدائن أن يلازم المدين - على
تفصيل في هذہ الملازمة ۔ إلا إذا كان الدائن رجلا
والمدين امرأة، لما في ملازمتها من الإِفضاء إلى
الخلوة بالأجنبية، ولكن يجوز للدائن أن يبعث بالمرأة
تنوب عنه في ملازمتها، وكذلك العكس. (٥)
(١) حديث: ((مطل الغني .. )) أخرجه مسلم من حديث أبي
هريرة مرفوعا ٣/ ١١٩٧ ط عيسى الحلبي .
(٢) أسنى المطالب ٢/ ١٨٦، والفتاوى الهندية ٦٣/٥، وتفسير
القرطبي ٣٧٢/٣
(٣) سورة البقرة / ٢٨٠
(٤) أسنى المطالب ٤/ ١٧٧، وحاشية الدسوقي ١٧٥/٢،
٢٦٢/٣، وحاشية ابن عابدين ٢٢١/٣، والمغني ٣٦٠/٨،
٤/ ٤٥٥
(٥) أسنى المطالب ٢/ ٤٤، والفتاوى الهندية ٦٣/٥
- ٢٦٨ -

استدانة ٢٠ - ٢٣ ، استدراك ١
هـ - طلب الإِجبار على الوفاء :
٢٠ - يلزم المدين وفاء دينه ما دام قادرا على ذلك ،
فإن امتنع وكان الدين الذي عليه مثليا وعنده
مثله ، قضى القاضى الدين مما عنده جبرا عنه .
وأما إن كان الدين مثليا ، وما عنده قيمي ،
فقد ذهب جمهور الفقهاء ( المالكية، والشافعية،
والحنابلة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن صاحبا
أبي حنيفة ) إلى أن القاضي يبيع ما عند المدين
جبرا عنه - عدا حاجاته الضرورية - ويقضي
دينه . وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجبره
القاضي على البيع ، ولكن يحبسه إلى أن
يؤدي الدين . (١)
و - الحجر على المدين المفلس :
٢١ - الحجر على المدين المفلس أجازه جمهور
الفقهاء ، ومنعه الإِمام أبو حنيفة، وتفصيل ذلك
سيأتي في ( حجر) و( إفلاس ) .
ز - حبس المدين :
٢٢ - للدائن أن يطلب حبس المدين الغني الممتنع
عن الوفاء (٢)
اختلاف الدائن والمدين :
٢٣ - إذا اختلف الدائن والمدين ولا بينة لهما ،
فالقول قول المدين مع يمينه في الصفة ، والقدر ،
(١) أسنى المطالب ١٨٧/٢، ١٩٣، وحاشية الدسوقي ٢٦٩/٣،
٢٧٠، والمغني ١٣٧/٤، ٤٤٤ وما بعدها ، والفتاوى الهندية
٦١/٥ وما بعدها، وتبيين الحقائق ٥/ ٢٠٠ ومابعدها ، وحاشية
ابن عابدين ٥/ ٩٢
(٢) أسنى المطالب ١٨٦/٢، وحاشية ابن عابدين ٣١٥/٤
وما بعدها ، والفتاوى الهندية ٦٤/٥، والدسوقي ٣ /٥٧٨
واليسار . وإن كانت لهما بينة ، فالبينة بينة الدائن
في اليسار والإِعسار، وتفصيل ذلك مکانه مبحث
( دعوى ) .
استدراك
التعريف :
١ - الاستدراك لغة: استفعال من (درك). والدّرْك
والدّرَك: اللحاق والبلوغ. يقال: أدرك الشيء إذا
بلغ وقته وانتهى، وعشت حتى أدركت زمانه.
وللاستدراك في اللغة استعمالان :
الأول: أن يستدرك الشيء بالشيء، إذا حاول
اللحاق به، يقال: استدرك النجاة بالفرار.
والثاني : في مثل قولهم: استدرك الرأي والأمر،
إذا تلافى ما فرط فيه من الخطأ أو النقص . (١)
وللاستدراك في الاصطلاح معنيان :
الأول ، وهو للأصوليين والنحويين: رفع ما
يتوهم ثبوته من كلام سابق. أو إثبات ما يتوهم
نفيه. وزاد بعضهم: (باستعمال أداة الاستدراك
وهي لكن، أو ما يقوم مقامها من أدوات
الاستثناء).
الثاني ، وهو ما يرد في كلام الفقهاء كثيرا وهو:
إصلاح ما حصل في القول أو العمل من خلل أو
قصور أو فوات. ومنه عندهم: استدراك نقص
(١) لسان العرب ، ومحيط المحيط، والأساس، والمرجع في اللغة مادة
(درك) .
- ٢٦٩ -

استدراك ٢ - ٤
الصلاة بسجود السهو، واستدراك الصلاة إذا
بطلت بإعادتها، واستدراك الصلاة المنسية
بقضائها، والاستدراك بإبطال خطأ القول وإثبات
صوابه .
ويخص الاستدراك الذي بمعنى فعل الشيء
المتروك بعد محله بعنوان ((التدارك)) سواء ترك سهوا
أو ترك عمدا. كقول الرملي: ((إذا سلم الإِمام من
صلاة الجنازة تدارك المسبوق باقي التكبيرات
بأذكارها))(١) وقوله: ((لو نسي تكبيرات صلاة العيد
فتذكرها - وقد شرع في القراءة - فاتت فلا
يتداركها)). (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
الإضراب :
٢ - وهو لغة : الإِعراض عن الشيء والكف عنه،
بعد الإِقبال عليه. (٣)
وفي اصطلاح النحويين قد يلتبس بالاستدراك
((بالمعنى الأول)) فالإضراب: إبطال الحكم السابق
بيل، أو نحوها من الأدوات الموضوعة لذلك، أو
يبدل الإضراب .
والفرق بينه وبين الاستدراك، أنك في
الاستدراك لا تبطل الحكم السابق، كما في قولك :
جاء زيد لكن أخاه لم يأت، فإِثبات المجيء لزيد لم
يلغ، بل نفي المجيء عن أخيه، وفي الإضراب
تبطل الحكم السابق، فإِذا قلت: جاء زيد، ثم
ظهر لك أنك غلطت فيه فقلت: بل عمرو أبطلت
(١) نهاية المحتاج ٤٧٣/٢ ط مصطفى الحلبي.
(٢) نهاية المحتاج ٣٧٦/٢
(٣) المرجع في اللغة مادة (درك)، وكشاف اصطلاحات الفنون
للتهانوي مصطلح (استدراك).
حكمك الأول بإِثبات المجيء لزيد، وجعلته في
حکم المسكوت عنه .
الاستثناء :
٣ - حقيقة الاستثناء: إخراج بعض ما دخل في
الكلام السابق بإِلا، أو إحدى أخواتها. ومن هنا
كان الاستثناء معيار العموم. أما الاستدراك فهو
إثبات نقيض الحكم السابق لما يتوهم انطباق الحكم
عليه. فالفرق أن الاستثناء للداخل في الأول، وأن
الاستدراك لما لم يدخل في الأول، ولكن توهم
دخوله، أو سریان الحكم عليه.
ولأجل هذا التقارب تستعمل أدوات الاستثناء
مجازا في الاستدراك. وهو مايسمى في عرف النحاة:
الاستثناء المنقطع، وحقيقته الاستدراك (ر:
استثناء) كقوله تعالى: ((مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلّ
اتِّبَاعَ الظَّنَّ))(١) كما يجوز استعمال لكن - مثل غيرها
مما يؤدي مؤداها - في الاستثناء بالمعنى، إذ
الاستثناء بالمعنى ليس له صيغة محددة، كقولك: ما
جاء القوم لكن جاء بعضهم .
القضاء :
٤ - المراد به هنا : فعل العبادة إذا خرج وقتها المقدر
لها شرعا قبل فعلها صحيحة، سواء أتركت عمدا
أم سهوا، وسواء أكان المكلف قد تمكن من فعلها في
الوقت، كالمسافر بالنسبة إلى الصوم. أم لم
يتمكن، (٢) كالنائم والناسي بالنسبة للصلاة. أما
الاستدراك فهو أعم من القضاء، إذ أنه يشمل
(١) سورة النساء / ١٥٧
(٢) شرح مسلم الثبوت ١/ ٨٥ مطبوع مع المستصفى.
- ٢٧٠ -

استدراك ٥ - ٨
تلافي النقص بكل وسيلة مشروعة، ومنه قول
صاحب مسلم الثبوت وشارحه: ((القضاء فعل
الواجب بعد وقته المقدر شرعا استدراكا لما فات))(١)
فجعل القضاء استدراكا .
الإعادة :
٥ - هي: فعل العبادة ثانيا في الوقت لخلل واقع في
الفعل الأول (٢)
والاستدراك أعم من الإِعادة كذلك.
التدارك :
٦ - لم نجد أحدا من الفقهاء عرف التدارك، ولكنه
دائر في كلامهم كثيرا، ويعنون به في الأفعال: فعل
العبادة أو فعل جزئها إذا ترك المكلف فعل ذلك في
محله المقرر شرعا ما لم یفت. کما في قول صاحب
كشاف القناع: (٣) ((لودفن الميت قبل الغسل وقد
أمكن غسله لزم نبشه، وأن يخرج ويغسل تداركا
لواجب غسله)).
وقد يقع الغلط في الأقوال فيحتاج الإِنسان إلى
تداركه، بأن يبطله ويثبت الصواب، ولذلك طرق
منها: بدل الغلط، ومنها ((بل)) في الإِيجاب والأمر.
وفسر بعضهم التدارك ببل بكون الإِخبار الأول
أولى منه الإِخبار الثاني، فيعرض عن الأول إلى
الثاني، لا أنه إبطال الأول وإثبات الثاني. (٤)
(١) انظر أيضا شرح مسلم الثبوت ١/ ٨٥
(٢) ابن عابدين ١ / ٤٨٦ ط الأولى بولاق ١٢٧٤ هـ ، وشرح مسلم
الثبوت ١/ ٨٥، والمستصفى ٩٥/١ والمطبوع مع شرح مسلم
الثبوت .
(٣) كشاف القناع ٨٦/٢
(٤) التوضيح على التقيح ٣٦٢/١ المطبعة الخيرية، وتيسير التحرير
٢٠٢/٢
الإصلاح :
٧ - وهو اصطلاح للمالكية ذكروه في باب سجود
السهو في مواضع منها: قول الدردير ((من كثر منه
الشك فلا إصلاح علیه، فإِن أصلح بأن أتى بما
شك فيه لم تبطل صلاته)) (١) (فهو بمعنى التدارك)
الاستئاف :
٨ - استئناف العمل : ابتداؤه، أي فعله مرة
أخرى إذا نقض الفعل الأول قبل تمامه. فاستئناف
الصلاة تجديد التحريمة بعد إبطال التحريمة
الأولى، وبهذا المعنى وقع في قولهم: ((المصلي إذا
سبقه الحدث يتوضأ، ثم يبني على صلاته، أو
يستأنف، والاستئناف أولى)) (٢)
وكاستئناف الأذان إذا قطعه بفاصل طويل،
واستئناف الصوم في كفارة الظهار إذا انقطع
التتابع .
فالاستئناف على هذا طريقة من طرق
الاستدراك، والتفصيل في مصطلح (استئناف).
هذا وبسبب استعمال هذا المصطلح
((الاستدارك)) بمعنيين:
أحدهما : الاستدراك القولي بأداة الاستدراك وما
يقوم مقامها، والآخر: الاستدراك بإصلاح الخلل
في الأفعال والأقوال، ينقسم البحث قسمين تبعا
لذلك.
(١) الدسوقي والشرح الكبير ٢٧٦/١، ٢٧٨ ط دار الفكر.
(٢) كشاف اصطلاحات الفنون مادة (استدراك).
- ٢٧١ -

استدراك ٩
القسم الأول
الاستدراك القولي بـ ((لكنّ)) وأخواتها
صيغ الاستدراك :
هي : لكنّ (مشددة) ولكنْ (مخففة) وبل
وعلى، وأدوات الاستثناء.
٩ - أ - لكنّ : وهي أم الباب. وهي الموضوعة
له .(١)
وقد ذكر بعض الأصوليين أنه يشترط في استعمال
((لكنّ)) وما في معناها للاستدراك: الاختلاف بين
ما قبل (لكن) وما بعدها بالإيجاب والسلب لفظا،
نحوما جاء زيد لكن أخاه جاء.
ولو كان الاختلاف معنويا جاز أيضا. (٢) كقول
القائل: علي حاضر لكنّ أخاه مسافر، أي ليس
بحاضر.
ب- لكنْ :
((بسكون النون )) فهي في الأصل مخففة من
((لكنّ))، وتكون على حالين: أحدهما: وهو
الأغلب أن تكون ابتدائية فتليها جملة، كقوله
تعالى: ((وإِن مّنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لا
تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ))(٣)
والحال الثاني : أن تكون عاطفة، ويشترط
لذلك: أن يسبقها نفي أو نهي ، وأن يليها مفرد،
وألا تدخل عليها الواو مثل: ما جاء زيد لكن
عمرو.
(١) مغني اللبيب لابن هشام بحاشية الدسوقي ٢٩٢/١
(٢) شرح مسلم الثبوت ٢٣٧/٢، وشرح التوضيح على التنقيح مع
حاشية التفتازاني والفنري ص ٢٦٣
(٣) سورة الإسراء / ٤٤
ولا تخلو في كلا الحالين من معنى الاستدراك،
فتقرر حكم ما قبلها، وتثبت نقيضه لما بعدها. (١)
ج - بل :
إذا سبقها نفي أونهي تكون حرف استدراك (٢) مثل
(لكنّ) تقرر حكم ما قبلها، وتثبت نقيضه لما
بعدها .
فإِن وقعت بعد إيجاب أو أمر لم تفد ذلك، بل
تفيد الإضراب عن الأول، حتى كأنه مسكوت
عنه، وتنقل حکمه لما بعدها،کقولك : جاء زيد بل
عمرو، وهذا ما يسمى بالإِضراب الإِبطالي. قال
السعد: ((أي إن الإِخبار عنه ما كان ينبغي أن
يقع. وإذا انضم إليه ((لا)) صار نصا في نفي
الأول)».
ولذا لا يقع مثله في القرآن ولا في السنة، إلا
على سبيل الحكاية .
وقد تکون للإضراب الانتقالي، أي من غرض
إلى آخر، ومنه قوله تعالى : ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكِّى،
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى، بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَيَاةَ
الدُّنْيَا)) . (٣).
(١) شرح ابن عقيل وحاشية الخضري ٢ / ٦٥، ٦٦ ط مصطفى
الحلبي ١٣٤١ هـ، وشرح الكوكب المنير ص ٨٤ ط حامد
الفقي. وشرح التوضيح ٣٦٣/١
(٢) ابن هشام في المغني في أوائل الباب السادس. ونقله الصبان في
حاشيته على الأشموني ١١٣/٣ وأقره، والخضري على شرح
ابن عقيل ٦٥/٢، ٦٦، وحاشية السعد على التوضيح شرح
التنقيح ٣٦٢/١
(٣) المنار وحواشيه ص ٤٥١، وتيسير التحرير ٢٠٢/٢، والآية من
سورة الأعلى/ ١٤ - ١٦
- ٢٧٢ -

استدراك ١٠
د - على :
تستعمل للاستدراك ، كما في قول الشاعر:
بكلٍّ تداوينا فلم يشف ما بنا
على أن قرب الدار خير من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافع
إذا كان من تهواه ليس بذي ودّ(١)
هـ - أدوات الاستثناء :
قد تستخدم أدوات الاستثناء في الاستدراك،
فيقولون : زيد غني غير أنه بخيل، ومنه قوله تعالى
(قَالَ: لَ عَاصِمَ اليَومَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلَّ مَن رَّحِمَ)) وهذا
ما يسمى الاستثناء المنقطع (ر: استثناء)،
فيستعمل في ذلك (إلا وغير)، ويستعمل فيه أيضا
(سوى) على الأصح عند أهل اللغة. (٢)
شروط الاستدراك :
١٠ - يشترط لصحة الاستدراك شروط، وهي :
الشرط الأول :
اتصاله بما قبله ولو حكما. فلا يضر انفصاله بما
له تعلق بالكلام الأول، أو بما لابد له منه، كتنفس
وسعال ونحو ذلك. فإِن حال بينه وبين الأول
سكوت يمكنه الكلام فيه، أوكلام أجنبي عن
الموضوع، استقر حكم الكلام الأول، وبطل
الاستدراك .
فلو أقر لزيد بثوب، فقال زيد: ما كان لي قط،
لكن لعمرو، فإِن وصل فلعمرو، وإن فصل
(١) مغني اللبيب بحاشية الدسوقي ١/ ١٥٧
(٢) شرح ابن عقيل وحاشية الخضري ٢/ ٢٠٩، ٢١٠، والآية من
سورة هود/ ٤٣
فللمقر، لأن النفي يحتمل أمرين : يحتمل أن يكون
تكذيبا للمقرورداً لإقراره، وهو الظاهر من الكلام،
فيكون النفي رداً إلى المقر. ويحتمل ألا يكون
تكذيبا، إذ يجوز أن يكون الثوب معروفا بكونه
لزيد، ثم وقع في يد المقر فأقر به لزيد، فقال زيد:
الثوب معروف بكونه لي، لكنه في الحقيقة لعمرو،
فقوله: ((لكنه لعمرو)) بيان تغيير لذلك النفي ،
فيتوقف على الاتصال، لأن بيان التغيير عند
الحنفية لا يصح إلا موصولا، ولا يصح متراخيا،
فإِن وصل يثبت النفي عن زيد والإِثبات لعمرو
معا، إذ صَدْرُ الكلام موقوف على آخره فيثبت
حكمهما معا .
ولو فصل يصير النفي ردا للإِقرار. ثم لا تثبت
الملكية لعمرو بمجرد إخباره بذلك. (١)
الشرط الثاني :
اتساق الكلام أي انتظامه وارتباطه. والمراد أن
يصلح للاستدراك، بأن يكون الكلام السابق
للأداة بحيث يفهم منه المخاطب عكس الكلام
اللاحق لها، أو يكون فيها بعد الأداة تدارك لما فات
من مضمون الكلام. نحو: ما قام زيد لكن
عمرو، بخلاف نحو: ما جاء زيد لكن ركب
الأمير، وفسر صاحب المنار الاتساق: بكون محل
النفي غير محل الإِثبات، (٢) ليمكن الجمع بينهما ولا
یناقض آخر الكلام أوله، ثم إن اتسق الكلام فهو
استدراك، وإلا فهو كلام مستأنف. ومثل في
(١) التوضيح على التنقيح وحاشية الفنري ١/ ٣٦٤
(٢) التوضيح على التنقيح وحواشيه ٣٦٥/١، والمنار وحواشيه ص
٤٥٣
- ٢٧٣ -

استدراك ١٠ - ١١
التوضيح للمتسق من الاستدراك بما لوقال المقرّ:
لك عليّ ألف قرض، فقال له المقرُّ له: لا، لكن
غصب. الكلام متسق فصح الوصل على أنه نفي
لسبب الحق، وهو كون المقربه عن قرض، لا نفي
للواجب وهو الألف. فإِن قوله: ((لا)) لا يمكن حمله
على نفي الواجب، لأن حمله على نفي الواجب لا
یستقیم مع قوله: ((لکن غصب)) ولا يكون الكلام
متسقا مرتبطا. فلما نفى كونه قرضا تدارك بكونه
غصبا، فصار الكلام مرتبطا، ولا يكون ردا لإقراره
بل يكون لمجرد نفي السبب.
ومن أمثلة ما يجب حمله على الاستئناف عند
الحنفية: ما إذا تزوجت الصغيرة المميزة من كفء
بغير إذن وليها بمائة، فقال الولي: لا أجيز النكاح
لكن أجيزه بمائتين. قالوا: ينفسخ النكاح، ويجعل
((لكن)) وما بعدها كلاما مبتدأ، لأنه لما قال: ((لا
أجيز النكاح)) انفسخ النكاح الأول، فإِن النفي
انصرف إلى أصل النكاح، فلا يمكن إثبات ذلك
النكاح بعد ذلك بمائتين، لأنه يكون نفي النكاح
وإثباته بعينه، فیعلم أنه غير متسق، فيحمل ((لكن
بمائتين)) على أنه كلام مستأنف، فيكون إجازة
النكاح آخر، المهر فيه مائتان. وإنما يكون كلامه
متسقا لو قال بدل ذلك: لا أجيز هذا النكاح بمائة
لكن أجيزه بمائتين، لأن النفي ينصرف إلى القيد
وهو كونه بمائة، لا إلى أصل النكاح، فيكون
الاستدراك في المهرلا في أصل النكاح. وبذلك لا
یکون قوله إبطالا للنكاح، فلا ینفسخ به . (١) وفي
(١) التوضيح لمتن التنقيح وحواشيه ٣٦٥/١، ٣٦٦، وتيسير
التحرير ٢٠٢/٢
عدم الاتساق في هذا المثال اختلاف بين الأصوليين
من الحنفية . (١)
الشرط الثالث :
أن يكون الاستدراك بلفظ مسموع إن تعلق به
حق. وأدناه أن يسمع نفسه ومن بِقُرْبِهِ. قال
الحصكفي : يجري ذلك في كل ما يتعلق بنطق
كتسميته على ذبيحة، وطلاق، واستثناء وغيرها .
فلو طلق أو استثنى ولم يسمع نفسه، لم يصح في
الأصح. وقيل في نحو البيع: يشترط سماع
المشتري . (٢)
القسم الثاني
١١ - الاستدراك بمعنى تلافي النقص والقصور.
الاستدراك إما أن يكون لما فعله الإِنسان ناقصا
عن الوضع الشرعي المقرر للعبادة، كمن ترك ركعة
من الصلاة أو سجودا فيها، وإما أن يكون فيما أخبر
به، ثم تبین له خطؤه، أو فیما فعله من التصرفات،
ثم تبين له أن التصرف على غير ذلك الوضع أتم
وأولى، كمن باع شيئا ولم يشترط، ثم بدا له أن
يشترط شرطا لمصلحته .
فالكلام في هذا القسم يرجع إلى مبحثين :
الأول : الاستدراك بمعنى تلافي القصور عن
الوضع الشرعي .
والثاني : تلافي القصور عن الحقيقة، حقيقة أو
ادعاء في باب الإِخبار، أوعما فيه المصلحة للمكلف
بحسب تصوره، في باب الإِنشاء.
(١) شرح مسلم الثبوت ٢٣٨/١
(٢) الدر المختار بهامش حاشية ابن عابدين عليه ١/ ٣٥٩
- ٢٧٤ -

استدراك ١٢ - ١٤
أولا :
الاستدراك بمعنى تلافي النقص
عن الأوضاع الشرعية :
١٢ - هذا النقص يقع في العبادات التي لها أوضاع
شرعية مقررة، كالوضوء والصلاة، فإِن لكل منهما
أركانا وسننا وهيآت، تفعل بترتيبات معينة. ثم قد
يترك المكلف فعل شيء منها في محله لسبب من
الأسباب الخارجة عن إرادته، كالمسبوق في الصلاة
أو الناسي أو المكره، وقد يترك ذلك عمدا، وقد
يفعل المكلف الفعل عمدا على غير الوجه المطلوب
شرعا، أو يقع عليه بغير إرادته ما يمنع صحة
العبادة أو صحة جزء منها .
والشريعة قد أتاحت الفرصة في كثير من الصور
لاستدراك النقص الحاصل في العمل.
وسائل استدراك النقص في العبادة :
١٣ - لاستدراك النقص في العبادة طرق مختلفة
بحسب أحوال ذلك النقص. ومن تلك الوسائل :
(١) القضاء : ويكون الاستدراك بالقضاء في
العبادة الواجبة أو المسنونة بعد خروج وقتها المقدر
لها شرعا، سواء فاتت عمدا، أوسهوا كما تقدم .
وسواء كان المكلف لم يفعل العبادة أصلا، أو فعلها
على فساد، لترك ركن، أو لفوات شرط من شروط
الصحة، أو لوجود مانع .
وفي استدراك العبادة المسنونة بالقضاء خلاف
بين الفقهاء، وتفصيله في (قضاء الفوائت).
(٢) الإِعادة : وهي فعل العبادة مرة أخرى في وقتها
لما وقع في فعلها أولا من الخلل. ولمعرفة مواقع
الاستدراك بالإِعادة وأحكام الإِعادة (ر: إعادة)
(٣) الاستئناف : فعل العبادة من أولها مرة أخرى
بعد قطعها والتوقف فيها لسبب من الأسباب،
ولمعرفة مواقع الاستدراك بالاستنئاف (ر:
استئناف).
(٤) الفدية : كاستدراك فائت الصوم بفدية طعام
مسكين لكل يوم ممن لم يستطع الصوم، لكبر أو
مرض مزمن. وكاستدراك النقص الحاصل في
الإِحرام ممن قص شعره، أولبس ثيابا بفدية من
صيام أوصدقة أونسك (ر: إحرام) وشبيه بذلك
هدي الجبران في الحج. وتفصيل ذلك في (الحج).
(٥) الكفارة : كاستدراك المكلف ما أفسده من
الصوم بالجماع بالكفارة (ر: كفارة).
(٦) سجود السهو: يستدرك به النقص الحاصل في
الصلاة في بعض الأحوال. (ر: سجود السهو).
(٧) التدارك : هو الإِتيان بجزء العبادة بعد موضعه
المقرر شرعا .
ثم قد يكون الاستدراك بواحد مما ذكر، وقد
يكون بأكثر، كما في ترك شيء من أركان الصلاة،
فإن المكلف يتداركه ويسجد للسهو، وكما في
الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما لو صامتا،
فإِن لهما الإِفطار، ويلزمهما القضاء والفدية على
قول الحنابلة، والشافعية على المشهور
عندهم. (١)
ثانيا :
١٤ - تلافي القصور في الإخبار والإنشاء .
من تكلم بكلام خبري أو إنشائي ثم بدا له أنه
غلط في كلامه، أو نقص من الحقيقة، أوزاد
عليها، أو بدا له أن ینشیء كلاما مخالفا لما كان قد
(١) المغني ٣/ ١٣٩ ط ٣
- ٢٧٥ -

استدراك ١٤
قاله فله أن يفعل ذلك، بل قد يجب عليه في بعض
الأحوال، وخاصة في الكلام الخبري، إذ أنه بذلك
يتدارك ما وقع في كلامه من الكذب والإِخبار
بخلاف الحق، ولکن إن ثبت بالکلام الأول حق،
كمن حلف يمينا، أو قذف غيره، أو أقر له، ففي
حكم الكلام المخالف التالي له تفصيل، فإِن له
صورتين .
الصورة الأولى : أن يكون متصلا بالأول. فله
حالتان .
الحالة الأولى : أن يرتبط الثاني بالأول بطريق
من طرق التخصيص، فیثبت حکمهما جميعا حيث
أمكن، سواء أكان مما يمكن السرجوع عنه
کالوصايا، أم كان مما لا رجوع فيه كالإِقرار، فلو
كان الثاني استثناء ثبت حكم المستثنى، وخرج من
حكم المستثنى منه، كمن قال: له علي عشرة إلا
ثلاثة، أوقال: أعطه عشرة إلا ثلاثة، كان الباقي
سبعة في كل من المسألتين .
وهكذا في كل ما يتغير به الحكم في المتكلم به،
كالشرط والصفة والغاية وسائر المخصصات
المتصلة .
فالشرط كما لو قال : وهبتك مائة دينار إن
نجحت .
والصفة كما لوقال: أبرأتك من ثمن الإبل التي
هلكت عندك .
والغاية كما لو قال للوصي : أعطه کل یوم درهما
إلی شهر، فإِن كلا من هذه المخصصات تغیر به
الحكم كلا أو بعضا.
قال القرافي : القاعدة أن كل كلام لا يستقل
بنفسه إذا اتصل بكلام مستقل بنفسه صيره غیر
مستقل بنفسه، وكذلك الصفة والاستثناء والشرط
والغاية ونحوها. وجعل منه ما لو قال المقر: ((له علي
ألف من ثمن خمر)) فقال فيها: لا يلزمه شيء!
وتقييد حكم هذه الحالة بأنه ((حيث أمكن))
ليخرج نحو قول المقر: له على عشرة إلا تسعة، إذ
تلزمه عند الحنابلة العشرة ويسقط حكم الاستثناء،
لأنه لا يجوز عندهم استثناء أكثر من النصف.
ومثلها عندهم لو قال: له علي ألف من ثمن
خمر. (١) ولا خلاف في ذلك في المخصصات .
الحالة الثانية : أن يتغير الحكم بكلام مستقل،
ومثاله ما لو قال المقر: له الدار وهذا البيت منها لي،
فيؤخذ بإِقراره، ويعمل بالقيد في الجملة الثانية،
وهو المذهب عند الحنابلة، لأن المعطوف بالواومع
المعطوف عليه في حكم الجملة الواحدة، خلافا
لاختيار ابن عقيل بأنه لا يعمل القيد قضاء، لأن
المعطوف بالواو جملة مستقلة. (٢)
وعند المالكية ما يفيد أن مذهبهم كمذهب
الحنابلة . (٣)
لكن لو عطف في الإِثبات أو الأمر بـ ((بل)). قال
صدر الشريعة ((إن (بل) للإِعراض عما قبله وإثبات
ما بعده على سبيل التدارك)) (٤) فإن كان فيما يقبل
الرجوع فيه كالوصية أو التولية أو الخبر المجرد، لغا
الأول وثبت الثاني، كما لوقال: أوصيت لزيد بألف
بل بألفين، يثبت ألفان فقط. أو قول الإِمام : وليت
فلانا قضاء كذا بل فلانا، أوقول القائل : ذهبت
إلی زید بل إلى عمرو.
(١) كشاف القناع ٦/ ٤٦٧
(٢) القواعد لابن رجب ص ٢٧٠
(٣) حاشية الدسوقي ٣/ ٤١١
(٤) التوضيح ٣٦١/١
- ٢٧٦ -

استدراك ١٤ ، استدلال ١
وإن كان مما لا رجوع فيه كالإقرار والطلاق ثبت
حكم الأول، ولم يمكن إبطاله، فلوقال المقر: له
علي ألف درهم، بل ألف ثوب، يلزمه الجميع،
لأنهما من جنسین. ولو قال: له علي ألف درهم، بل
ألفان يثبت الألفان، قال التفتازاني: ((لأن التدارك
في الأعداد يراد به نفي انفراد ما أقربه أولا ، لا نفي
أصله، فكأنه قال أولا : له علي ألف ليس معه
غيره، ثم تدارك ذلك الانفراد وأبطله)) وفي هذه
المسألة خلاف زفر إذ قال: ((بل يثبت ثلاثة آلاف)).
ولم يختلف قول الحنفية في أنه لوقال: أنت طالق
طلقة بل طلقتين أنه يقع به - في المدخول بها -
ثلاث طلقات. ووجه صاحب مسلم الثبوت
وشارحه الفرق بين مسألتي الإِقرار والطلاق بأن
الإِقرار إخبار على الأصح فلا يثبت شيئا، فله أن
يعرض عن خبر كان أخبر به، ويخبر بدله بخبر
آخر، بخلاف الإِنشاء إذ به يثبت الحكم، وليس في
يده بعد ثبوته أن يعرض عنه . (١)
أما عند الحنابلة: فلا يقع في مسألة الطلاق
المذكورة إلا طلقتان، كما لا يلزمه في مسألة الإِقرار
إلا ألفان. (٢)
الصورة الثانية :
أن يكون الكلام الثاني متراخيا عن الأول
منفصلا عنه. فله حالتان :
الحالة الأولى : أن يكون في كلام لا يمكن
الرجوع عنه، ولا يقبل منه، كالأقارير والعقود، فلا
(١) التلويح على التوضيح ٣٦٢/١، وانظر شرح مسلم الثبوت
٢٣٢/٢
(٢) كشاف القناع ٢٦٧/٥، ٤٨٤/٦
يكون الإقرار الثاني ولا العقد الثاني رجوعا عن
الأول. فلو أقر له بمائة درهم، ثم سكت سكوتا
يمكنه الكلام فيه، ثم قال ((زائفة)) أو ((إلى شهر))
لزمه مائة جيدة حالة .
الحالة الثانية : أن يكون رجوعه ممكنا، كالوصية
وعزل الإِمام أحدا ممن يمكنه عزلهم وتوليتهم، فإِن
صرح برجوعه عن الأول، أو بإلحاقه شرطا، أو
تقييده بحال ، أو غير ذلك لحق - وإن لم يتبين أنه
قصد الرجوع - فهذا يشبه التعارض في الأدلة
الشرعية، فهو تبديل عند الحنفية مطلقا. ولو كان
خاصا بعد عام أو عكسه فالعمل بالثاني بكل حال .
وعند غيرهم قد يجري فيه تقديم الخاص على
العام سواء أكان الخاص سابقا أم متأخرا. (١)
استدلال
التعريف :
١ - الاستدلال لغة: طلب الدليل، (٢) وهو من دله
على الطريق دلالة: إذا أرشده إليه . (٣)
وله في عرف الأصوليين إطلاقات . (٤) أهمها
اثنان :
الأول : أنه إقامة الدليل مطلقا، أي سواء أكان
الدليل نصا، أم إجماعا، أم غيرهما .
(١) القواعد لابن رجب ص ٢٧٠، وكشاف القناع ٦/ ٤٧٠
(٢) كشاف اصطلاحات الفنون ، وكليات أبي البقاء ١/ ١٧٤ ط
دمشق .
(٣) تاج العروس مادة : (دلّ) .
(٤) كشاف اصطلاحات الفنون ٢ / ٤٩٨، ٤٩٩
- ٢٧٧ -

استدلال ٢
والثاني : أنه الدليل الذي ليس بنص ولا إجماع
ولا قیاس.
وفي قول: الدليل الذي ليس بنص ولا إجماع
ولا قياس علة. قال الشربيني: ((الاستفعال يرد
لمعان. وعندي أن المراد منها هنا (أي في هذا
الإِطلاق الثاني) الاتخاذ. والمعنى أن هذه الاشياء
اتخذت أدلة، أما الكتاب والسنة والإجماع والقياس
فقيامها أدلة لم ينشأ عن صنيع المجتهدين
واجتهادهم، أما الاستصحاب ونحوه مما اعتبر
استدلالا فشيء قاله كل إمام بمقتضى اجتهاده،
فكأنه اتخذه دليلا)). (١)
٢ - فعلى هذا الإِطلاق الثاني يدخل في الاستدلال
الأدلة التالية :
(١، ٢) - القياس الاقتراني ، والقياس
الاستثنائي، وهما نوعا القياس المنطقي. مثال
الاقتراني: النبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، ينتج:
النبيذ حرام. ومثال الاستثنائي : إن كان النبيذ
مسكرا فهو حرام، لكنه مسكر، ينتج: فهو حرام .
أو: إن كان النبيذ مباحا فهوليس بمسكر، لكنه
مسکر، ينتج: فهو ليس بمباح.
(٣) وقياس العكس : ذكر السبكي أنه من
الاستدلال. وقياس العكس هو: إثبات عكس
حكم شيء لمثله، لتعاكسهما في العلة، كما في
حديث مسلم: ((وفي بضع أحدكم صدقة)) قالوا :
أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: ((أرأيتم لو
وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر ؟ فكذلك إذا
(١) جمع الجوامع بتقريرات الشربيني ٢/ ٣٥٨ ط الأزهرية.
وضعها في الحلال كان له أجر)) (٥)
(٤) وقول العلماء : الدليل يقتضى ألا يكون الأمر
كذا، خولف في صورة كذا، لمعنى مفقود في صورة
النزاع، فتبقى هي على الأصل الذي اقتضاه
الدلیل .
(٥) انتفاء الحكم لانتفاء دليله، بأن لم يجده
المجتهد بعد الفحص الشدید، فعدم وجدانه دلیل
على انتفاء الحكم. قال في المحلى: خلافا
للأكثر.
(٦) قول العلماء : وجد السبب فوجد الحكم، أو
وجد المانع أو فقد الشرط فانتفى الحكم، قال
السبكي : خلافا للأكثر.
(٧) الاستقراء وهو: الاستدلال بالجزئي على
الكلي. قال السبكي : فإِن كان تاما بكل الجزئيات
إلا صورة النزاع، فهو دليل قطعي عند الأكثر، وإن
كان ناقصا، أي بأكثر الجزئيات، فدليل ظني.
ويسمى هذا عند الفقهاء بإلحاق الفرد بالأغلب.
(٨) الاستصحاب وهو كما عرفه السعد: الحكم
ببقاء أمر كان في الزمان الأول، ولم يظن عدمه،
وينظر تفصيل القول فيه في بحث الاستصحاب،
وفي الملحق الأصولي. ونفى قوم أن يكون
استدلالا .
(٩) شرع من قبلنا، على تفصيل فيه، يرجع إليه
في الملحق الأصولي. ونفى قوم أن يكون
استدلالا .
(١) حديث ((وفي بضع أحدكم ... )) أخرجه مسلم من حديث أبي
ذر رضي الله عنه ٢٩٧/٢ ط عيسى الحلبي.
- ٢٧٨ -

استدلال ٣ - ٤، استراق السمع ١ - ٢
ذكر هذه الأنواع التسعة السبكي في جمع
م . (١)
الجوامع .
(١٠) وزاد الحنفية الاستحسان، واستدل به
غيرهم لكن سموه بأسماء أخرى.
(١١) وزاد المالكية المصالح المرسلة. وسماه الغزالي
الاستدلال المرسل. (٢) وسماه أيضا الاستصلاح،
واستدل به غيرهم .
(١٢) ويدخل في الاستدلال أيضا: القياس في
معنى الأصل، وهو المسمى بتنقيح المناط.
(١٣) وفي كشف الأسرار للبزدوي : الاستدلال
هو: انتقال الذهن من المؤثر إلى الأثر، وقيل
بالعكس، وقيل مطلقا. وقيل : بل الانتقال من
المؤثر إلى الأثر يسمى تعليلا، والانتقال من الأثر
إلى المؤثر يسمى استدلالا.(٣)
٣ - وأكثر هذه الأنواع يفصل القول فيها تحت
مصطلحاتها الخاصة، ويرجع إليها أيضا في الملحق
الأصولي .
مواطن البحث في كلام الفقهاء :
٤ - يرد عند الفقهاء ذكر الاستدلال في مواطن
كثيرة. منها في مبحث استقبال القبلة: الاستدلال
بالنجوم، ومهاب الرياح، والمحاريب المنصوبة
وغير ذلك، على القبلة. ومنها في مبحث مواقيت
الصلاة : الاستدلال بالنجوم ومقادير الظلال على
(١) جمع الجوامع وشرح المحلي ٣٤٢/٢ - ٣٤٥ ط مصطفى الحلبي،
وحاشية التفتازاني على شرح العضد لمختصر ابن الحاجب
٢ / ٢٨٠ وما بعدها، نشر جامعة البيضاء - ليبيا، والتلويح على
التوضيح ١٠١/٢، وإرشاد الفحول ص ٢٣٨، والبناني على
جمع الجوامع ٢/ ٣٤٨
(٢) المستصفى ٢/ ٣٠٦ ط بولاق.
(٣) كشاف اصطلاحات الفنون ٤٩٨/٢، ٤٩٩ ط كلكتة.
ساعات الليل والنهار، ومواعيد الصلاة. ومنها في
مبحث الدعاوي والبينات: الاستدلال على الحق.
بالشهادات، والقرائن والفراسة ونحو ذلك.
استراق السمع
التعريف :
١ - قال أهل اللغة : استراق السمع يعني التسمع
مستخفيا . وقال القرطبي في تفسيره : هو الخطفة
اليسيرة . (١)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - التجسس :
٢ - التجسس هو: التفتيش عن بواطن الأمور،
ومن الفروق بين التجسس واستراق السمع
مايلي :
إن التجسس هو التنقيب عن أمور معينة، يبغي .
المتجسس الحصول عليها، أما استراق السمع
فيكون بحمل ما يقع له من معلومات. وأن
التجسس مبناه على الصبر والتأني للحصول على
المعلومات المطلوبة ، أما استراق السمع فإن مبناه
على التعجل .
ويرى البعض : أن التجسس يعنى البحث
(٢) لسان العرب، وتاج العروس، والنهاية، ومفردات الراغب
الأصفهاني، والمصباح: مادة (سرق).
- ٢٧٩ -

استراق السمع ٣ _ ٦
عن العورات، وأنه أكثر ما يقال في الشر. (١) أما
استراق السمع فيكون فيه حمل ما يقع له من
أقوال، خیرا کانت أم شرا.
ب - التحسس :
٣ - التحسس أعم من استراق السمع، قال في
عون المعبود في شرح قوله وصلة: ((ولا تحسسوا))
أي: لا تطلبوا الشيء بالحاسة، كاستراق السمع .
ويقرب من هذا ما في شرح النووي لصحيح
مسلم، وما في فتح الباري، وعمدة القاري لشرح
صحيح البخاري . (٢)
الحكم التكليفي :
٤ - الأصل تحريم استراق السمع، وقد ورد النهي
عنه على لسان رسول اللّه #، فقال حي: ((من
استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، أو يَفِرّون
منه، صُبَّ في أذنيه الآنك يوم القيامة)). ولقوله ◌ِيَّ
«إياكم والظنَّ، فإِن الظن أكذبُ الحديثِ، ولا
تحسسوا ولا تجسسوا))(٣) ولأن الأسرار الشخصية
للناس محترمة لا يجوز انتهاكها إلا بحق مشروع .
٥ - يستثنى من هذا النهي : الحالات التي يشرع
فيها التجسس (الذي هو أشد تحريما من استراق
السمع) كما لو تعين التجسس أو استراق السمع
(١) تفسير القرطبي ١٠/ ١٠ طبع دار الكتب المصرية .
(٢) حديث: ((ولا تجسسوا ... )) أخرجه البخاري ومسلم ومالك
وأحمد بن حنبل وأبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة (فيض
القدير ١٢٢/٣ المطبعة التجارية ١٣٥٦ هـ )
(٣) عون المعبود ٤٣٢/٤ طبع الهند، وشرح النووي بصحيح مسلم
١١٩/١٦ - طبع المطبعة المصرية، وفتح الباري ٣٩٦/١٠ طبع
البهية المصرية، وعمدة القاري ٢٢ / ١٣٦ طبع المنيرية .
طريقا إلى إنقاذ نفس من الهلاك، كأن يخبر ثقة بأن
فلانا خلا بشخص ليقتله ظلما، فيشرع في هذه
الصورة التجسس، وما هو أدنى منه من استراق
السمع. (١)
کما يستثنى من ذلكالخلل أيضا :استراق وليالأمر
السمع بنية معرفة الخلل الواقع في المجتمع، ليقوم
بإِصلاحه، فيحل للمحتسب استراق السمع، كما
يحل له أن ينشر عيونه، لينقلوا له أخبار الناس
وأحوال السوقة، ليعرف ألا عبيهم وطرق تحايلهم،
فيضع لهم من أساليب القمع ما يدرأ ضررهم عن
المجتمع، قال في نهاية الرتبة في طلب الحسبة :
((ويلازم المحتسب الأسواق والدروب في أوقات
الغفلة عنه، ويتخذ له فيها عيونا يوصلون إليه
الأخبار وأحوال السوقة))(٢) وقد كان عمر بن
الخطاب رضي الله عنه يعسّ في شوارع المدينة
المنورة ليلا يسترق السمع، ويتسقط أخبار
المسلمين لمعرفة أحوالهم، ويعين ذا الحاجة، ويرفع
الظلم عن المظلوم، ويكتشف الخلل ليسارع إلى
إصلاحه، وقصصه في ذلك كثيرة لا تحصى. (٣)
عقوبة استراق السمع :
٦ - إذا كان استراق السمع منهيا عنه في الجملة إلا
في حالات - وإتيان المنهي عنه يوجب التعزير - (٤)
فإِن استراق السمع في غير الحالات المسموح به
(١) عمدة القاري ١٣٦/٢٢
(٢) نهاية الرتبة في طلب الحسبة ص ١٠ طبع لجنة التأليف والترجمة
والنشر ١٣٦٥، وقريب من هذا ما جاء في معالم القربة في أحكام
الحسبة ص ٢١٩ طبع دار الفنون بكيمبرج ١٩٣٧
(٣) سيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص ٧١، والمغني ٧/ ٣٠١
طبع مكتبة الرياض، والخراج لأبي يوسف ص ١٤١
(٤) حاشية ابن عابدين ٣ / ١٧٧ طبعة بولاق الأولى.
- ٢٨٠ -