النص المفهرس
صفحات 321-340
اختيال ٨ - ٩ قدره، وذلك مذموم، (١) ومن أدلة تحريمه أيضاً ما روي أنه عليه السلام قال: ((من تعظم في نفسه، واختال في مشيته، لقي الله وهو عليه غضبان)). (٢) ب - الاختيال في اللباس : ٨- الاختیال في اللباس يحدث بسبب تجاوز حد الاعتدال والقصد فيه ، مع عدم وجود الداعية إلى ذلك (٣). والنية والقصد هما الأصل في ذلك. وحد الاعتدال والقصد في اللباس یکون باتباع ماورد في صفة اللباس من آثار صحيحة، واجتناب ماورد النهي عنه. وللعرف مدخل في ذلك، مالم يلغه الشرع . وفي المواهب : ما كان من ذلك على سبيل الخيلاء فلاشك في تحريمه، وما كان على طريق العادة فلا تحريم فيه، مالم يصل الى جرّ الذيل الممنوع منه. ونقل القاضي عياض عن العلماء كراهة كل مازاد على العادة في اللباس لمثل لابسه في الطول والسعة . (٤) (١) المرجع الشَّابق. (٢) حديث ((من تعظم في نفسه، واختال في مشيه ... )) أخرجه أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد عن حديث عمر بن الخطاب، رمز السيوطي لحسنه وقال المناوي: هو كما قال، أو أعلى. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وقال المنذري : رواته محتج بهم في الصحيح (فيض القدير ١٠٦/٦) (٣) ومن الدواعي التي تبيح الاختيال في اللباس داعي الحرب، أو أن يكون بغرض إظهار نعمة الله عليه فقط. كما سيأتي. (٤) شرح الزرقاني على موطأ مالك ٢٧٣/١ ما يحل من ثياب الزينة ولا يعتبر اختيالاً : ٩ - الأصل في لبس الثياب الجميلة للتزين بها الإباحة، لقوله تعالى: ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتي أُخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَِّّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ))،(١) ولما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر))، فقال رجل : يارسول الله إن الرجل منا يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة قال عليه الصلاة والسلام: ((إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس)) رواه مسلم. وبطر الحق هو دفعه وإنكاره ترفعا وتجبرا، قاله النووي. وفي القاموس : بطر الحق أن يتكبر عنده فلا يقبله، والغمط والغمص بمعنى واحد(٢). وقيل غمص الناس احتقارهم. (٣) والحديث يدل على أن محبة لبس الثوب الحسن، والنعل الحسنة، وتخير اللباس الجميل، ليس من الكبر في شيء، قال الشوكاني : وهذا مما لا خلاف فيه فيما أعلم . (٤) وفي سبل السلام قول النبي صلى الله عليه وسلم ((إن الله يحبُّ أن يرى أثر نعمته على عبده)) (٥) وفيه دليل على أن الله إذا أنعم على عبد نعمة فإنه يحب (١) سورة الاعراف / ٣٢ (٢) نيل الأوطار للشوكاني ٩٢/٢ (٣) أنوار البروق على هامش الفروق للقرافي ٢٢٥/٤ (٤) نيل الأوطار ٩٢/٢ (٥) حديث: ((إن الله يحب .. )) أخرجه الترمذي (٢٥٩/١٠ ط مطبعة الصاوي) عن ابن عمرو، وقال : حديث حسن، وفي الباب عن أبي الأحوص عن أبيه وعمران بن حصين. - ٣٢١ - اختيال ١٠ أن یری أثرها عليه في ما کله، وملبسه، فإنه شکر للنعمة، ولأنه إذا رآه المحتاج في هيئة حسنة قصده ليتصدق عليه، ولأن بذاذة الهيئة سؤال وإظهار للفقر بلسان الحال، ولذا قيل : ولسان حالي بالشكاية ينطق وقيل : وكفاك شاهدُ منظري عن مخبري (١) وقد يكون التزين باللباس واجباً. کتوقف تنفيذ الواجب عليه، في نحو ولاة الأمور وغيرهم، فإن الهيئة الرثة لا تحصل معها مصالح العامة من ولاة الأمور. وقد یکون مندوبا، کما في الصلوات. قال الله تعالى: ((خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ»،(٢) وفي الجماعات، لحديث: ((إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده))، وحديث ((إن الله جميل يحب الجمال) (٣)رواه مسلم، وكما في الحروب لإرهاب العدوّ، وفي المرأة لزوجها، وفي العلماء لتعظيم العلم في نفوس الناس. وقد قال عمر بن الخطاب : أحب أن أنظر إلى قارىء القرآن أبيض الثياب. وقد يكون حراماً إذا كان وسيلة لمجرم، كمن يتزين للنساء الأجنبيات، وكمن تتزين للرجال (١) المدخل لابن الحاج ٤١/١، وسبل السلام للصنعاني شرح بلوغ المرام لابن حجر العسقلاني ٨٦/٢ (٢) سورة الأعراف / ٣١ (٣) حديث: ((إن الله جميل ... )) أخرجه مسلم ٩٣/١ ط عيسى الحلبي، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، كذلك أخرجه أحمد ١٣٤/٤ طبع المطبعة اليمنية . الأجانب.(١) إطالة المرأة ثيابها : ١٠ - شرع للنساء إسبال الإزار والثياب و کل ما يسترجميع أبدانهن. يدل على ذلك حديث أم سلمة أنها قالت حين ذكر الإزار ((فالمرأة يا رسول الله. قال : ترخيه شبرا. قالت أم سلمة : إذن ينكشف عنها. قال : فذراعاً، لا تزد عليه))،(٢) إذ به يحصل أمن الانكشاف. والحاصل أن لها حالة استحباب، وهو قدر شبر، وحالة جواز، بقدر الذراع . قال الإمام الزرقاني : ويؤخذ من ذلك أن للمرأة أن تسبل إزارها، أي تجره على الأرض ذراعا. والمراد ذراع اليد - وهو شبران - لما روى ابن ماجه عن ابن عمر، قال : رخص صلى الله عليه وسلم لأمهات المؤمنين شبرا، ثم استزدنه فزادهن شبرا. (٣) فدل على أن الذراع المأذون فيه شبران وإنما جاز ذلك لأن المرأة كلها عورة إلّ وجهها و کفيها . (٤) (١) تهذيب الفروق ٢٤٥/٤، وابن عابدين ٢٣١/٥، وفتاوي البزاز الكردري بهامش الفتاوى الهندية ٢٣١/٥ و٣٦٨/٦ (٢) هذا لفظ الموطأ (بشرح الزرقاني ٢٧٤/٤) ورواه بألفاظ أخرى أبوداود والترمذي والنسائي (فيض القدير ١:٣/٦) وحديث الإزار هو «لا ينظر الله إلى من جرَّثوبه خيلاء)» متفق عليه من حديث ابن عمر (الفتح الكبير ٣٧٢/٣) (٣) هكذا قال الزرقاني. وليس قوله ((فزادهن شبراً)» في النسخة المطبوعة من سنن ابن ماجه . (٤) المرجع السابق. - ٣٢٢ - اختیال ١١ - ١٣، إِخدام ١ - ٣ ج - الاختيال فى الركوب : ١١ - قد يكون في استعمال المركوب واقتنائه خُيَلاء، وقد يكون تحدثا بنعمة الله وإظهارا لها، مثلها مثل الثياب الجميلة. ولهذا وجب على كل مسلم يتخذ مركوبا للزينة ألا يكون قاصداً به الخيلاء. والأصل في إباحة اتخاذ المركوب الجميل للزينة إذا لم يكن بغرض الخيلاء قوله تعالى: (( وَالْخَيْلَ وَالبغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَ يَخْلُقُ مَالاَ تَعْلَمُونَ))، (١) وقوله تعالى: ((وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالْ حِينَ تُرِ يحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ)). (٢) وهذا الجمال والتزين، وإن كان من متاع الدنيا، فقد أذن الله سبحانه وتعالى لعباده فيه. (٣) د - الاختيال في البنيان : ١٢ - يباح للمسلم أن يتخذ له داراً يسكنها يدفع بها الحر والبرد والمطر ويدفع بها الأذى والأعين، وينبغي ألا يقصد بها الاختيال أو تؤدي إليه. هـ - الاختيال لإرهاب العدو : ١٣ - من الاختيال مايكون محموداً يحبه الله تعالى، وهو الاختيال لإرهاب العدو الكافر وإغاظته في الملبس والمشي والركوب. (١) سورة النحل / ٨ (٢) سورة النحل / ٦ ١ (٣) راجع أحكام القرآن لابن العربي ١٢/٢، وتفسير القرطبي ٧١/١٠ وما بعدها . إخْدَام التعريف : ١ - الإخدام لغة: إعطاء خادم.(١) ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى. (٢) الحكم الإجمالي : ٢ - إعطاء الخادم إما أن يكون من الزوج إلى زوجته ممن يخدم مثلها أو غير ذلك. فجمهور الفقهاء يرون أنه يجب الإخدام على الزوج لزوجته إن كانت ممن يخدم مثلها ، والإنفاق على خادمها الذي معها لحصول المقصود بذلك. (٣) مواطن البحث : ٣ - يذكر الفقهاء الإخدام في مواضع عدة : فإخدام الزوج زوجته يذكر في أبواب النفقات، وإخدام المفلس لزمانته - أي إن كان مريضاً مزمناً، ويحتاج فضلاً عن النفقة إلى الخادم، أو إن اقتضى ذلك منصبه -يبحث في التفلیس ، عند الحديث عما يفعل بمال المحجور عليه للفلس، وإخدام المحبوس في التفليس عند الحديث عن حبس المفلس ليقر بما عليه، أو بمال ثبت كتمانه. (١) المصباح المنير، وتاج العروس، ولسان العرب، والصحاح. (٢) الشرح الكبير مع الدسوقي ٥١٠/٢، ٥١١ط عيسى الحلبي. (٣) البدائع ٢٢١٥/٥ط الإمام، والشرح الكبير مع الدسوقي ٥١٠/٢ - ٥١١، والإقناع للشربيني ١٥٢/٤ط محمد علي صبيح، والمغني ٢٣٧/٩ وما بعدها ط المنار الأولى. - ٣٢٣ - إخراج ١ - ٣ اخْرَاة التعريف : ١ - الإخراج لغة الدفع من الداخل. وهو أيضاً الإبعاد والتنحية . (١) وهو عند الفقهاء كذلك. (٢) الألفاظ ذات الصلة : التخارج : ٢ - يفرق الفقهاء بين الإخراج والتخارج، فيجعلون بينهما عموماً وخصوصاً فيخصون التخارج بتصالح الورثة على إخراج بعضهم من الميراث بشيء معلوم من التركة. (٣) الحكم الإجمالي، ومواطن البحث : ٣ - مايكون به الإخراج : يتبين من استقراء كلام الفقهاء أنهم يعتبرون إخراج كل شيء بحسبه : أ _ فالإخراج للإنسان القائم من الداريكون بإخراج قدميه عند البعض، وعند البعض الآخر یکون بإخراج إحدی قدمیه إن کان یعتمد عليها ، وان كان قاعداً يكون بإخراج رجليه وبدنه، وإن (١) لسان العرب مادة : خرج. (٢) مغني المحتاج ٣٣١/٤ طبع مصطفى الحلبي. (٣) شرح السراجية ص ١٢٧ طبع مصطفى الحلبي سنة ١٣٦٣هـ. كان مستلقياً يكون بإخراج أكثر بدنه(١)، كما فصّل ذلك الفقهاء في كتاب الأيمان عند كلامهم على اليمين على الدخول والخروج. ب - والإخراج من المدينة يكون بمجاوزة عمرانها ببدنه. جـ - والإخراج من الدار المسكونة يكون بإخراج الساكن بنفسه ومتاعه وعياله. (٢) د - وإخراج الزكاة والكفارات يكون بتمليكها للفقير عند البعض، حتى لو تلفت قبل ذلك وجب عليه إخراجها ثانية. وعند البعض الآخر يكون إخراجها بالعزل دون اشتراط التمليك، حتى لوتلفت بعد العزل بغير تعدّ لم يكلّف المزكّ إخراجها ثانية،(٣) كما ذكر الفقهاء ذلك في كتاب الزكاة، وفي كتاب الكفارات. هـ - وإخراج المسروق من الحرز يكون بإخراجه ظاهراً - أي مُظْهَراً - عند الحنفية، ولا يشترط ظهوره عند غيرهم، فمن ابتلع جوهرة وخرج بها لا يقطع عند الحنفية، ويقطع عند غيرهم (٤)، كما ذكر الفقهاء ذلك في كتاب السرقة . (١) الفتاوى الهندية ٧٩/٢ طبع بولاق، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٢/٥، ٣ ط دار إحياء التراث. (٢) الفتاوي الهندية ٧٨/٢، ٧٩ (٣) انظر: حاشية الدسوقي ٥٠٢/١، ٥٠٣ط عيسى البابي الحلبي، والمغني ٦٨٦/٢ طبع المنار الطبعة الثالثة، والمجموع ٣٥/٦ نشر مكتبة الإرشاد بجدة، وحاشية البجيرمي على الخطيب ٣٠٧/٤ نشردار المعرفة، والأموال لأبي عبيد ص ٦٠١ ط مطبعة عبد اللطيف حجازي، والمحلى ٢٦٤/٥ ط المنيرية، ومصنف ابن أبي شيبة ١٣٧/١ ب مخطوط اسطنبول. (٤) الفتاوى الهندية ١٧١/٢، ومواهب الجليل ٣٠٨/٦ نشر مكتبة النجاح - ليبيا . - ٣٢٤ - إخراج ٤، إخلاف ١ - ٣ وذهب جمهور الفقهاء خلافا للحنفية إلى أن الإخراج ينسب إلى الفاعل إذا كان ابتداء الإخراج منه، ولا يضر انقطاعه بعد ذلك، ولذلك قالوا في إخراج المسروق من الحرز وإلقائه بعيداً ثم أخذه إياه إنه يقطع، كما فسر الفقهاء ذلك في باب السرقة عند كلامهم على شروط الإخراج من الحرز. (١) الحكم التكليفي للإخراج : ٤ - يتبين من استقراء الأحكام المتصلة بالإخراج أنه لا ينتظمه حکم واحد، بل یکون حکمه حسب أحواله. فأحياناً يكون الإخراج واجباً - اي فرضاً - كإخراج الزكاة، والكفارات وماقام الدليل على فرضيته - كما هو مذ كور في كتاب الزكاة وكتاب الكفارات من كتب الفقه، وإخراج من استحق الحد من المسجد لإقامة الحد عليه (٢)، كما هو مذكور في كتاب الحدود من كتب الفقه، وكإخراج المحترفين في المسجد منه. (٣) وأحياناً يكون حراماً كإخراج المعتدة من بيتها بغير حق، كما هو مذ كور في كتاب العدة من کتب الفقه، وفي شرح قوله تعالى «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتهنَّ)) (٤) من كتب التفسير، وكإخراج المتاع من (١) الفتاوى الهندية ١٨٠/٢، والمغني ٢٥٥/٨، وحاشية القليوبي ١٩٥/٤ ط عيسى البابي الحلبي، والدسوقي ٣٣٨/٤ (٢) المحلى ١٢٣/١١، والمغني ٣١٦/٨ و٤٥/٩، ومصنف عبد الرزاق ٤٣٦/١ و٢٣/١٠، طبع المكتب الإسلامي، وصحيح البخاري في كتاب الأحكام (باب من حكم في المسجد)، ونيل الأوطار ١٧٦/٢ (٣) كنز العمال برقم ٢٣١٣١ مطبعة البلاغة - حلب. (٤) سورة الطلاق /١ الحرز بنية السرقة، كما هو مذكور في حدّ السرقة من کتب الفقه. إخفَاء انظر: اختفاء اخْلاف التعريف : ١ - من معاني الإخلاف في اللغة عدم الوفاء بالعهد (١) قال الزجاج: والعقود أوكد من العهود، إذ العهد إلزام، والعقود إلزام على سبيل الإحكام والاستيثاق، من عَقَّدَ الشيء بغيره : وصله به كما يعقد الحبل بالحبل. ولا يخرج استعمال الفقهاء عن المعنى اللغوي المذكور. الألفاظ ذات الصلة : الكذب : ٢ - من الفقهاء من سوى بين الكذب والإخلاف، ومنهم من فرق بينهما فجعل الكذب في الماضي والحاضر، وإخلاف الوعد في المستقبل.(٢) ما يقع فيه الإخلاف : ٣ - يقع الإخلاف في الوعد وفي العهد ومن الفقهاء (١) لسان العرب، والقاموس المحيط مادة ((خلف)). (٢) انظر: الفروق للقرافي، وحاشية ابن الشاط عليه ٢٤/٤، بتصرف، طبع دار المعرفة - بيروت. - ٣٢٥ - إخلاف ٤ - ٥ من جعل الوعد والعهد واحداً، ومنهم من جعل الوعد غير العهد، فخص العهد بما أوجبه الله تعالى أو حرمه، وجعل الوعد فيما عدا ذلك. الحكم التكليفي للإخلاف : ٤ - على التفرقة بين العهد والوعد يكون إخلاف العهد حراماً. أما الإخلاف بالوعد فقد قال النووي : وقد أجمع العلماء على أن من وعد إنسانا شيئا ليس بمنهيّ عنه فينبغي أن يفي بوعده وهل ذلك واجب أم مستحبّ؟ فيه خلاف بينهم. ذهب الشافعي وأبوحنيفة والجمهور الى أنه مستحب، فلو تركه فاته الفضل وارتكب المكروه كراهة تنزيه شديدة، ولكن لا يأثم. وذهب جماعة إلى أنه واجب، قال الإمام أبوبكربن العربي المالكي : أجلّ من ذهب إلى هذا المذهب عمر بن عبدالعزيز. قال: وذهبت المالكية مذهباً ثالثاً أنه إن ارتبط الوعد بسبب كقوله : تزوّج ولك كذا، أو احلف أنك لا تشتمني ولك كذا، أو نحو ذلك، وجب الوفاء، وإن كان وعداً مطلقاً لم يجب. واستدلّ من لم يوجبه بأنه في معنى الهبة، والهبة لا تلزم إلا بالقبض عند (١) الجمهور، وعند المالكية : تلزم قبل القبض. هذا، وان من وعد وفي نيته الإخلاف فهو آثم قطعا، ويصدق عليه أنه على شعبة من النفاق، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)».(٢) (١) الأذ کار ص/٢٨١، ٢٨٢ (٢) حديث: آية المنافق ثلاث، متفق عليه (اللؤلؤ والمرجان ص ١٢) آثار الإخلاف : أ - إخلاف الوعد : ٥ - ذهب الحنفية إلى أن الوعد لا يلزم قضاء إلا إذا كان معلقاً .(١) أما المالكية ففي رواية عندهم أن الوعد بالعقد ملزمٌ للواعد قضاء إذا دخل الموعود تحت التزام مالي بناء على ذلك الوعد، كما إذا قال له : اهدم دارك وأنا أسلفك ماتبني به. (٢) فإذا ما أخلف وعدهُ - ضمن الشروط التي اشترطها الحنفية أو المالكية - أجبر على التنفيذ. وأما الحنابلة فقد صرح الرحيباني منهم بأنه لا يلزم الوفاء بالوعد حكماً (وفسره بقوله: أي في الظاهر). وهو الصحيح عندهم. (٣) ومقتضى حكم الشافعية بكراهة الإخلاف عدم إجبار المخلف على التنفيذ . (٤) ب - إخلاف الشرط : الأصل في الشرط أن يكون ملزماً، فإذا أخلفه، اعتبر إخلافه إخلالاً بالعقد أو مثبتاً خياراً، عدا بعض الشروط التي لا يضر الإخلال بها في النكاح خاصة، لأنها تعتبر ملغاة منذ اشتراطها عند البعض، كما ذكر الفقهاء ذلك في كتاب النكاح. (١) الأشباه والنظائر ١١٠/٢، وانظر شرح مجلة الأحكام العدلية لعلى حيدر، ومحمد خالد الأتاسي، المادة ٨٤ (٢) الفروق ٢٥/٢ (٣) مطالب أولى النهى ٤٣٤/٦، وكشاف القناع ٢٨٤/٦، والإنصاف ١٥٢/١١ (٤) الروضة للنووي ٣٩٠/٥، وشرح الأذكار ٢٥٨/٦، ٢٥٩. والقليوبي ٢٨/٣ - ٣٢٦ - أداء ١ - ٣ أداء التعريف : ١ - الأداء: الإيصال يقال: أدّى الشيء أوصله، وأدّى دينه تأديةٌ أي قضاه. والاسم : الأداء. كذلك الأداء والقضاء يطلقان في اللغة على الإتيان بالمؤقتات، كأداء صلاة الفريضة وقضائها، وبغير المؤقتات، كأداء الزكاة والأمانة، وقضاء الحقوق ونحو ذلك.(١) وفي اصطلاح الجمهور من الأصوليين والفقهاء : الأداء فعل بعض (وقیل کل) ما دخل وقته قبل خروجه واجباً كان أو مندوباً، أما مالم يُقدّر له زمان في الشرع، كالنفل والنذر المطلق والزكاة، فلا يسمى فعله أداء ولا قضاء. (٢) وعند الحنفية : الأداء تسليم عين ماثبت بالأمر. ولم يعتبر في التعريف التقييد بالوقت ليشمل أداء الزكاة والأمانات والمنذورات والكفارات، كما أنه يعم فعل الواجب والنفل. وقد يطلق كل من الأداء والقضاء على الآخر مجازاً شرعيا، كقوله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ (١) لسان العرب، والمصباح المنير، والتلويح على التوضيح ١٦٠/١ ط صبيح، وكشاف اصطلاحات الفنون ص ١٠٠ (٢) جمع الجوامع بشرح المحلي وحاشية البناني ١٠٩/١ ط الأزهرية، والبدخشي مع الأسنوي ٦٤/١ ط صبيح، والتلويح ١٦٠/١ ط صبيح مَّنَاسِكَكُمْ) (١) أي أديتم، وكقولك: نويت أداء ظھر الأمس. (٢) ٢ - والأداء إما محض، سواء أكان كاملا كصلاة المكتوبة في جماعة، أم قاصراً كصلاة المنفرد، وإما غير محض، وهو الشبيه بالقضاء، كفعل اللاحق الذي أدرك أول الصلاة بالجماعة، وفاته الباقي فأتم صلاته بعد فراغ الإمام، ففعلُه أداء باعتبار كونه في الوقت، قضاء باعتبار فوات ما التزمه من الأداء مع الإمام، فهو يقضي ما انعقد له إحرام الإمام، من المتابعة والمشاركة معه بمثله. (٣) الألفاظ ذات الصلة : أ - القضاء : ٣ - القضاء لغة: معناه الأداء. واستعمله الفقهاء بالمعنى الاصطلاحي الآتي، خلافا للوضع اللغوي للتمييز بينه وبين الأداء . واصطلاحاً: ما فعل بعد خروج وقت أدائه استدراكا لما سبق لفعله مقتض، أو تسليم مثل ما وجب بالأمر، كما يقول الحنفية. فالفرق بينه وبين الأداء عند الجمهور مراعاة قيد الوقت في الأداء دون القضاء، وعند الحنفية مراعاة (١) سورة البقرة / ٢٠٠ (٢) التلويح ١٦١/١، ١٦٢، وشرح المنارص ١٥٠، ١٥٤ ط العثمانية، وكشاف اصطلاحات الفنون ص ١٠٢ ط الهند، وكشف الأسرار ١٣٥/١ وما بعدها ط مكتبة الصنايع. (٣) التلويح ١٦٦/١، وكشاف اصطلاحات الفنون ص ١٠٢ - ٣٢٧ - أداء ٤ - ٦ العين في الأداء والمثل في القضاء، إذ الأداء كما سبق هو فعل المأمور به في وقته بالنسبة لما له وقت، عند الجمهور، وفي أي وقت بالنسبة لما ليس له وقت محدد ، عند الحنفية. ب - الإعادة : ٤ - الإعادة لغة: ردّ الشيء ثانيا، واصطلاحا : مافعل في وقت الأداء ثانیا خلل في الأول وقيل لعذر. فالصلاة بالجماعة بعد الصلاة منفردا تكون إعادة باعتبار أن طلب الفضيلة عذر،(١) فالفرق بينها وبين الأداء السبق وعدمه. الأداء في العبادات : ٥ - العبادات التي لم تحدد بوقت لا توصف بالأداء بالمعنى الاصطلاحي، أي الذي يقابل القضاء، وذلك عند غير الحنفية، إلا أنهم يطلقون عليها لفظ الاداء إطلاقا لغويا بمعنى الإتيان بالمأمور به الأعم من الأداء الذي يقابل القضاء. ولذلك يقول الشبراملسي عند الكلام على أداء الزكاة - أي دفعها : ليس المراد بالأداء المعنى المصطلح عليه، لأن الزكاة لا وقت لها محدداً حتى تصير قضاء بخروجه.(٢) أما الحنفية فغير الموقت عندهم يسمى أداء شرعا وعرفا، والقضاء يختص بالواجب الموقت. (٣) (١) التلويح ١٦١/١، وجمع الجوامع ١٠٩/١ - ١١٨ والبدخشي ٦٤/١ (٢) نهاية المحتاج ١٣٤/٣، والتلويح ١٦٠/١، ٢٠٤، وجمع الجوامع ١١٠/١ (٣) كشف الأسرار ١٣٦/١، ١٤٦، وابن عابدين ٤٨٧/١ ط بولاق. أقسام العبادات باعتبار وقت الأداء : ٦ - العبادات باعتبار وقت الأداء نوعان : مطلقة وموقتة . فالمطلقة : هي التي لم يقيد أداؤها بوقت محدد له طرفان، لأن جميع العمر فيها بمنزلة الوقت فيما هو موقت، وسواء أكانت العبادة واجبة كالزكاة والكفارات، أم مندوبة كالنفل المطلق. (١) وأما العبادات الموقتة : فهي ما حدد الشارع وقتا معينا لأدائها، لا يجب الأداء قبله، ويأثم بالتأخير بعد أن كان المطلوب واجباً، وذلك كالصلوات الخمس وصوم رمضان. ووقت الأداء إما موسع واما مضيق. فالمضيق : هو ما كان الوقت فيه يسع الفعل وحده، ولا یسع غيره معه، وذلك کرمضان فإن وقته لا یتسع لأداء صوم آخر فیه، و یسمی معيارا أو مساويا. (٢) والموسع : هو ما کان الوقت فیه یفضل عن أدائه، أي أنه يتسع لأداء الفعل وأداء غيره من جنسه، وذلك كوقت الظهر مثلا، فإنه يسع أداء صلاة الظهر وأداء صلوات أخرى، ولذلك يسمى ظرفا.(٣) والحج من العبادات التي يشتبه وقت أدائه بالموسع والمضيق، لأن المكلف لا يستطيع أن يؤدي (١) كشف الأسرار ١٤٦/١، ٢١٣، وجمع الجوامع ١٠٩/١، ١٩٢ ومابعدها، والتلويح ٢٠٢/١ ومابعدها . (٢) كشف الأسرار ٢١٣/١، والتلويح ٢٠٢/١، وفواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ٧١/١ (٣) فواتح الرحوت ٧١/١، والتلويح ٢٠٢/١، وشرح البدخشي ٨٩/١ ط صبيح، والقواعد والفوائد الأصولية ص ٧٠ ط السنة المحمدية. - ٣٢٨ - أداء ٧ حجتین في عام واحد، فهو بهذا یشبه المضيق، ولکن أعمال الحج لا تستوعب وقته، فهو بهذا يشبه الموسع، هذا على اعتباره من الموقت، وقيل إنه من المطلق باعتبار أن العمر وقت للأداء كالزكاة. (١) صفة الأداء (حكمه التكليفي) : ٧ - العبادات إما فرض أو مندوب، فإن كانت فرضا كالصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد والنذور والكفارات فإنه يجب على المكلف الأهل أداؤها على الوجه المشروع، إذا تحقق سببها، وتوفرت شروطها . فإن كانت العبادة محددة بوقت له طرفان، سواء أکان الوقت موسعا، کوقت الصلاة، أم كان مضيقا كرمضان فإنه يجب أداؤها في الوقت المحدد، ولا يجوز أن تتقدم عليه ولا أن تتأخر عنه إلا لعذر، لأنها تفوت بفوات الوقت المحدد دون أداء، وتتعلق بالذمة إلى أن تقضى. ولا خلاف بين الفقهاء في تحدید الوقت الذي يجب فيه الأداء فيما کان وقته مضیقا ، لأن الوقت کله مشغول بالعبادة، وليس فيه زمن فارغ منها، إلا أنهم يختلفون في تعيين النية لصحة الأداء، فعند الحنفية يكفي مطلق النية، لأن الوقت لما كان معيارا فلا يصلح لعمل آخر من جنسه، وعند الجمهور لابد من التعيين، فان لم يعين لم يجزه. (٢) (١) شرح مسلم الثيوت ٧١/١، والتلويح ٢٠٢/١، والبدخشي ٩٢/١، وجمع الجوامع ١٩١/١ (٢) التلويح ٢٠٨/١، والبدخشي ٨٩/١، وكشف الأسرار ٢١٤/١، والبدائع ٩٦/١، والمهذب ١٨٧/١، ومنتهى الإرادات ٤٣٧/١، ٤٤٥، ومنح الجليل ٣٨٤/١، ٣٨٧ أما ما كان وقته موسعا فقد اختلف الفقهاء في تحديد الجزء الذي يتعلق به وجوب الأداء، فعند الجمهور هو الكل لا جزء منه، لأن الأمريقتضى إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الوقت مابين هذين(١)))، وهو يتناول جميع أجزائه، وليس تعيين بعض الأجزاء لوجوب الأداء بأولى من تعيين البعض الآخر، إلا أن الأداء يجب في أول الوقت مع الإمكان، وقيل يستحب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله)).(٢) ويجوز التأخير إلى آخر الوقت المختار، لأن عدم جواز التأخير فيه ضيق على الناس، فسمح لهم بالتأخير، وعند الحنابلة وبعض الشافعية يجوز التأخير لكن مع العزم على الفعل، فإن لم يعزم أثم. وإن ظن المكلف أنه لا يعيش إلى آخر الوقت، الموسع تضيق عليه الوقت وحرم عليه التأخير اعتبارا بظنه، فإن أخره ومات عصی اتفاقا، فإن لم يمت بل عاش وفعل في آخر الوقت فهو قضاء عند القاضي أبي بكر الباقلاني، أداء عند الجمهور، لصدق (١) حديث: ((الوقت مابين ... )) أخرجه مسلم (٣٧٠/١، ٣٧١) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان وابن خزيمة وأحمد (الدراية ٩٨/١- ١٠٠) (٢) أخرجه الدارقطني، وله اللفظ المذكور (الفتح الكبير ٤٦٦/١). وأخرجه الترمذي (٣٢١/١ ط البابي الحلبي - تحقيق أحمد شاكر ١٣٥٦ هـ) بلفظ: ((الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله)». وفي سنده راو منكر الحديث، وفي الباب عن غير ابن عمر، إلا أن الإمام أحمد قال : لا أعرف شيئا يثبت فيه، يعني في هذا الباب (تلخيص الحبير ١٨٠/١). - ٣٢٩ - أداء ٨ تعريف الأداء عليه، ولا عبرة بالظن البين خطؤه. وعند المحققين من الحنفية وقت الأداء هو الجزء الذي يقع فيه الفعل، وأن الصلاة لا تجب في أول الوقت على التعيين، وإنما تجب في جزء من الوقت غير معين، وإنما التعيين إلى المصلي من حيث الفعل حتى انه اذا شرع في أول الوقت يجب في ذلك الوقت، وكذا إذا شرع في وسطه أو آخره، ومتى لم یعین حتى بقی من الوقت مقدار مايصلي فيه أربعا - وهو مقيم - يجب عليه تعيين ذلك الوقت للأداء فعلا ويأثم بترك التعيين. وقال بعض الحنفية العراقيين : إن وجوب الأداء يتعلق بآخر الوقت، فعلى هذا، فإن قدمه ثم زالت أهليته قبل آخر الوقت فالمؤدی نفل. وقال بعض أصحاب الشافعي : إن الوجوب يتعلق بأول الوقت فإن أخره فهو قضاء. وكلا الفريقين ممن ينكرون التوسع في الوجوب.(١) بم يتحقق الأداء إذا تضيق الوقت ؟ ٨ - اختلف الفقهاء فیما یمکن به إدراك الفرض إذا تضيق الوقت، فعند الجمهور یمکن إدرا که بر کعة بسجدتيها في الوقت، فمن صلى ركعة في الوقت ثم خرج الوقت يكون مؤديا للجميع، لما روى أبوهريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (١) شرح البدخشي ٨٩/١، والتلويح ٢٠٧/١، وجمع الجوامع ١٨٧/١ ومابعدها، والقواعد والفوائد الأصولية لابن اللّحام ص ٧٠، ٧١، مطبعة أنصار السنة، والفروق للقرافي ٧٥/٢ وما بعدها ط دار المعرفة بيروت، والبدائع ٩٥/١، والمهذب ٦٠/١ والمغني ٣٩٥/١ ط الثالثة بمطبعة المنار. قال: ((من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (١) وذهب أشهب إلى أنها تدرك بالر کوع وحده وعند الحنفية وبعض الحنابلة يمكن إدراك الصلاة بتكبيرة الإحرام، لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أدرك أحدكم أول سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك أول سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته)) (٢) وفي رواية : فقد أدرك، ولأن الإدراك إذا تعلق به حكم في الصلاة استوى فيه الركعة ومادونها. وقال بعض الحنفية والشافعية : إنه يكون مؤديا لما صلى في الوقت قاضيا لما صلى بعد خروج الوقت، اعتبارا لكل جزء بزمانه، واستثنى الحنفية من ذلك صلاة الصبح وحدها، فإنها لا تدرك إلا بأدائها كلها قبل طلوع الشمس، وعللوا ذلك بطروء الوقت الناقص على الوقت الكامل، ولذا عدوا ذلك من مبطلات الصلاة.(٣) (١) حديث أبو هريرة: ((من أدرك ... )) متفق عليه (تلخيص الحبير ١٧٥/١) (٢) حديث أبي هريرة ((إذا أدرك أحدكم ... )) رواه النسائي، وهذا لفظه (٢٥٧/١ ط المكتبة التجارية)، ورواه مسلم من حديث عائشة (٤٢٤/١) (٣) ابن عابدين ٢٤٢/١، ومنح الجليل ١١١/١، والمهذب ٦٠/١، ونهاية المحتاج ٣٦٠/١، ٣٦١، والدسوقي ١٨٢/١، والمغني ٣٧٧/١، ٣٧٨، ومنتهى الإرادات ١٣٦/١، ومراقي الفلاح ١٨٠ بحاشية الطحطاوي. - ٣٣٠ - أداء ٩ - ١٠ وأما ما كان وقته مطلقا كالزكاة والكفارات والنذور المطلقة فقد اختلف الفقهاء في وقت وجوب الأداء بناء على اختلافهم في الأمر به، هل هو على الفور أو على التراخي؟ والكلام فيه على مثال ماقيل فيما كان وقته موسعا في أنه يجب تعجيل الأداء في أول أوقات الإمكان، ويأثم بالتأخير بدون عزم على الفعل، أو أنه على التراخي ولا يجب التعجيل ولا يأثم بالتأخير عن أول أوقات الإمكان، لكن الجميع متفقون على أن وجوب الأداء يتضيق في آخر عمره في زمان یتمکن فیه من الأداء قبل موته بغالب ظنه، وأنه إن لم يؤد حتى مات أثم بتركه.(١) هذا بالنسبة للعبادات الواجبة سواء أكانت موقتة أم مطلقة . ٩ - أما المندوب من العبادات فمن المقرر أن المندوب حكمه الثواب على الفعل وعدم اللوم على الترك، لكن فعله أولى من تركه. ومن المندوب ماهو موقت كالركعتين قبل الظهر والركعتين بعده، وما بعد المغرب والعشاء، وركعتي الفجر، ومنه ماهو مسبب كصلاة الخسوف والكسوف، ومنه ما هو مطلق كالتهجد. ومثل ذلك في الصوم أيضا، فمنه ما هو موقت، كصيام يوم عرفة لغير الحاج، وصيام يوم عاشوراء، ومنه ما يتطوع به الإنسان في أي يوم. وقد وردت آثار كثيرة في فضل مازاد على الفرض من العبادات من صلاة وصوم وحج وزكاة، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الصلاة (١) بدائع الصنائع ٩٦/٢، ١٠٤، ١١٨، وابن عابدين ٢٨/٢، والمغني ٦٨٤/٢ و٣٤١/٣، ومنتهى الإرادات ٤١٦/١، ونهاية المحتاج ٢٢٩/٣ والمهذب ١٤٧/١ ، ٢٠٦ بعد الفريضة صلاة الليل)).(١) وقوله: ((صوم يوم عاشوراء كفارة سنة)).(٢) وكذلك روي عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة بنى الله له بيتا في الجنة)).(٣) وهذه العبادات المندوبة يطلب أداؤها طلبا للثواب ولا يجب الأداء إلا ماشرع فيه، فيجب إتمامه، وإذا فسد قضاه، وهذا عند الحنفية والمالكية. أما عند الشافعية والحنابلة فيستحب الإتمام إلا في تطوع الحج والعمرة، فإنه إذا شرع فيهما فيجب إتمامهما باتفاق الجميع. (٤) أداء أصحاب الأعذار: ١٠ - يشترط لأداء العبادة أهلية الأداء مع الإمكان والقدرة. وقد اختلف الفقهاء في وجوب الأداء بالنسبة لمن كان أهلا للأداء في أول الوقت، ثم طرأ عليه عذر (١) حديث: ((أفضل الصلاة ... )) رواه مسلم، وهذا لفظه (٨٢١/٢ ط الحلبي)، وأحمد (٣٢٩،٣٠٣/٢ط الميمنية)، وأبوداود (٥٦٦/١ط الحلبي). (٢) حديث: ((صوم يوم عاشوراء .... )) رواه مسلم وابن حبان من حديث أبي قتادة (تلخيص الحبير ٢١٣/٢). (٣) حديث عائشة: ((من ثابر ... )) رواه النسائي وابن ماجه والترمذي، وقال الترمذي : غريب من هذا الوجه وقال النسائي : المغيرة بن زياد ليس بالقوى. وقال أحمد : ضعيف. وأخرجه مسلم من حديث عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة (تلخيص الحبير ١٢/٢). (٤) ابن عابدين ٨٤/١، والبدائع ٢٨٤/١ - ٢٩٠، ونهاية المحتاج ١٢٤/٣، ومنتهى الإرادات ٤٦١/١، والمغني ١٤٠/٢، ومنح الجليل ٢١٠/١، ٤٠٩، ٥٦٣، والتلويح ١٢٥/١، وجمع الجوامع ٩٠/١ - ٣٣١ - أداء ١١ في آخره، كمن كان أهلا للصلاة في أول الوقت، فلم يصل حتى طرأ عليه آخر الوقت عذر يمنع من الأداء، كما إذا حاضت الطاهرة في آخر الوقت أو نفست أو جن العاقل أو أغمي عليه، أو ارتد المسلم والعياذ بالله وقد بقى من الوقت مايسع الفرض. فعند الجمهور يلزمهم الفرض، لأن الوجوب " والأهلية ثابتة في أول الوقت فيلزمهم القضاء. أما عند الحنفية فلا يلزمهم الفرض، لأن الوجوب يتعين في آخر الوقت إذا لم يوجد الأداء قبله، فيستدعي الأهلية فيه، لاستحالة الإيجاب على غير الأهل، ولم يوجد، فلم يكن عليه قضاء. وهو أيضا رأي الامام مالك وابن الحاجب وابن عرفة، خلافا لبعض أهل المدينة وابن عبد البرحيث القضاء عندهم أحوط . أما من لم يكن أهلا في أول الوقت، ثم زال العذر في آخر الوقت، كما إذا طهرت الحائض في آخر الوقت وأسلم الكافر وبلغ الصبي وأفاق المجنون والمغمى عليه وأقام المسافر أو سافر المقيم فللحنفية قولان : أحدهما وهو قول زفر أنه لا يجب الفرض ولا يتغير الأداء إلا إذا بقى من الوقت مقدار مايمكن فيه أداء الفرض. والقول الثاني للكرخي وأكثر المحققين : أنه يجب الفرض ويتغير الأداء إذا بقي من الوقت مقدار مايسع التحريمة فقط، وهو قول الحنابلة وبعض الشافعية. وعند المالكية يجب الفرض إذا بقى من الوقت مقدار ركعة مع زمن يسع الطهر، وهو قول لبعض الشافعية، وفي قول آخر للشافعية إذا بقى مقدار ركعة فقط . (١) هذا مثال لاعتبار أهلية الأداء في بعض العبادات البدنية. ولمعرفة التفاصيل (ر: أهلية. حج. صلاة. صوم). ١١ - أما بالنسبة للقدرة على الأداء فإن المطلوب أداء العبادة على الصفة التي ورد بها الشرع، ففي الصلاة مثلا يجب أن يكون أداؤها على الصفة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لما جاء في قوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))،(٣) فمن عجز عن أداء الصلاة على الصفة المشروعة جاز له أن يصلي بالصفة التي يستطيع بها أداء الصلاة، فمن عجز عن القيام صلى جالسا، ومن لم يستطع فعلى جنب. وهذا باتفاق لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: ((صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب))، (٣) وهكذا، (٤) وكذلك العاجز عن الصوم لشيخوخة أو مرض لا يرجى برؤه لا يجب عليه الصوم، لقول الله تعالى: ((وَمَاجَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الّذِينِ مِنْ حَرَجٍ)»(٥) مع (١) بدائع الصنائع ٩٥/١، ٩٦، والمهذب ٦٠/١، ٦١، ومنح الجليل ١١١/١ - ١١٤، والفروق للقرافي ١٣٧/٢، والكافى ٢٣٨/١، والدسوقي ١٨٥/١، ١٨٦ ط دار الفكر، والمغني ٣٧٣/١، ٣٩٦، ٣٩٧، نشر مكتبة الرياض الحديثة. (٢) متفق عليه (تلخيص الحبير ٢١٧/١ و١٢٢/٢) (٣) أخرجه البخاري والنسائي (تلخيص الحبير ٢٢٥/١) (٤) المغني ١٤٣/٤ ط الرياض، والمهذب ١٠٨/١ ط دار المعرفة بيروتٍ، ومنح الجليل ١٦٥/١، ١٦٦، والدسوقي ٢٥٧/١ وما بعدها والبدائع ١٠٦/١ (٥) سورة الحج /٧٨ - ٣٣٢ - أداء ١٢ - ١٣ الاختلاف في وجوب الفدية وعدمها ، فقيل : تجب عن كل يوم مد من طعام، وقيل: لا تجب.(١) والحج أيضا لا يجب أداؤه إلا على المستطيع بالمال والبدن والمحرم أو الرفقة المأمونة بالنسبة للمرأة. فمن عجز عن ذلك فلا يجب عليه الحج، (٢) لقول الله تعالى: ((وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إليْهِ سَبِيْلاً)). (٣) ١٢ - وأما بالنسبة للعبادات المالية كالزكاة فنظراً للأهلية اختلف الفقهاء في وجوب الزكاة على الصبي والمجنون، فعند الجمهور تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون، لأنه حق يتعلق بالمال، و يؤدي عنهما وليها، وتعتبرنية الولي في الإخراج. وعند الحنفية لا يجب عليهما الزكاة، لأن الزكاة عبادة، وهما ليسا من أهلها . (٤). وكذلك من عجز عن أداء ما وجب عليه من الكفارة وقت الوجوب، ثم تغير حاله، فقد اختلف الفقهاء في ذلك. فعند الحنفية والمالكية : العبرة بوقت الأداء لا بوقت الوجوب، وهو أحد الأقوال عند الشافعية، فلو كان موسرا وقت الوجوب جاز له الصوم. وعند الحنابلة وفي قول عند الشافعية أن العبرة بوقت الوجوب لا بوقت الأداء. وفي قول آخر (١) المهذب ١٨٥/١، ومنتهى الإرادات ٤٤٣/١ ط دار الفكر، ومنح الجليل ٣٩٢/١، والدسوقي ٥١٦/١، وابن عابدين ١٢٣/٢ ط الثالثة . (٢) المهذب ٢٠٣/١، ومنتهى الإرادات ٢/٢، والكافي ٣٥٦/١ ط مكتبة الرياض، والبدائع ١١٨/٢ (٣) سورة آل عمران /٩٧ (٤) المغني ٦٢٢/٢، ومنح الجليل ٣٤٤/١، والمهذب ١٤٧/١، وبدائع الصنائع ٥،٤/٢ للشافعية والحنابلة أنه يعتبر أغلظ الأحوال من حين الوجوب إلى حين التكفير. (١) تعجيل الأداء عن وقت الوجوب أو سببه : ١٣ - العبادات الموقتة بوقت، والتي يعتبر الوقت سبباً لوجوبها، كالصلاة والصيام فإن الوقت فيهما سبب الوجوب، لقول الله تعالى: ((أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوْكِ الشَّمْس)، (٢) وقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَيَصُمْهُ)).(٣) هذه العبادات لا يجوز تعجيل الأداء فيها عن وقت الوجوب، وهذا باتفاق. أما العبادات التي لا يعتبر الوقت سببا لوجوبها ، وإن كان شرطاً فيها، كالزكاة، أو المطلقة الوقت كالكفارات، فإن الفقهاء يختلفون في جواز تعجيل الأداء عن وقت وجوبها أو عن أسبابها : ففى الزكاة مثلا يجوز تعجيل الأداء قبل الحول متى تم النصاب، وذلك عند جمهور الفقهاء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم تسلّف من العباس رضى الله عنه زكاة عامين(٤)، ولأنه حق مال أجل للرفق، فجاز تعجيله قبل محله، كالدين المؤجل. أما المالكية فانه لا يجوز عندهم إخراج الواجب قبل تمام الحول إلا بالزمن اليسير كالشهر. وصدقة الفطر يجوز تعجيلها عن وقتها عند الحنفية والشافعية، أما عند المالكية والحنابلة فلا يجوز (١) البدائع ٩٧/٥، والكافي ٤٥٤/١، ونهاية المحتاج ١٧٤/٨، والمهذب ١١٦/٢، والمغني ٣٨١/٧ (٢) سورة الإسراء / ٧٨ (٣) سورة البقرة / ٨٥ (٤) أخرجه الطبراني والبزار من حديث ابن مسعود وفي إسناده محمد بن ذكوان وهو ضعيف (تلخيص الحبير ١٦٣/٢) - ٣٣٣ - أداء ١٤ - ١٥ إخراجها قبل وقتها إلا بالزمن اليسير، كاليوم واليومين . وكفارة اليمين يجوز تعجيلها قبل الحنث عند الجمهور، مع تخصيص الشافعية التقديم إذا كان بغير (١) الصوم، ولا يجوز التقديم على الحنث عند الحنفية. وفي الموضوع تفصيلات كثيرة تنظر في مواضعها . النيابة في أداء العبادات : ١٤ - العبادات المالية المحضة كالزكاة والصدقات والكفارات تجوز فيها النيابة، سواء كان من هي عليه قادرا على الأداء بنفسه أم لا ، لأن الواجب فيها إخراج المال، وهو يحصل بفعل النائب. ١٥ - أما العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصوم فلا تجوز فيها النيابة حال الحياة باتفاق، لقول الله تعالى: ((وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَاسَعى))، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد))، (٢) أي في حق الخروج عن العهدة، لا في حق الثواب. أما بعد الممات فكذلك الحكم عند الحنفية والمالكية، إلا ماقاله ابن عبدالحكم من المالكية من أنه يجوز أن يستأجر عن الميت من يصلي عنه ما فاته (١) ابن عابدين ٢٧/٢، والبدائع ٤٠/٢، ٥٠ و ٩٧/٥، ونهاية المحتاج ١٣٩/٣ و١٧١/٨، ١٧٢، والخطاب ٢٧٥/٤، ومنح الجليل ٣٣٣/١، والكافي ٣٠٣/١، وشرح منتهى الإرادات ٤٢٨/٣ و٤٢٢/١، والمغني ٣٠/٩ (٢) أخرجه عبد الرزاق عن ابن عمر موقوفا (الدراية ٢٨٣/١)، وذكره مالك بلاغا من قول ابن عمر كذلك (الموطأ بتحقيق محمد عبدالباقي ٣٠٣/١) من الصلوات (!) وعند الشافعية لا تجوز النيابة عن الميت في الصلاة . أما بالنسبة للصوم فعندهم أنّ من فاته شيء من رمضان، ومات قبل إمكان القضاء، فلا شيء عليه، أي لا يفدى عنه ولا إثم عليه، أما إذا تمكن من القضاء، ولم يصم حتى مات، ففيه قولان : أحدهما أنه لا يصح الصوم عنه، لأنه عبادة بدنية، فلا تدخلها النيابة في حال الحياة فكذلك بعد الموت. والقول الثاني : أنه يجوز أن يصوم ولیه عنه، بل يندب، لخبر الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من مات وعليه صوم صام عنه وليه))(٢) وهذا الرأي هو الأظهر. قال السبكي : ويتعين أن يكون هو المختار والمفتى به، والقولان یجر یان في الصيام المنذور إذا لم يؤد .(٣) وعند الحنابلة لا تجوز النيابة عن الميت في الصلاة أو الصيام الواجب بأصل الشرع - أي الصلاة المفروضة وصوم رمضان - لأن هذه العبادات لا تدخلها النيابة حال الحياة، فبعد الموت كذلك. أما ما أوجبه الإنسان على نفسه بالنذر، من صلاة أو صوم، فإن كان لم يتمكن من فعل المنذور، كمن نذر صوم شهر معين ومات قبل حلوله، فلا شيء عليه، فإن تمكن من الأداء ولم يفعل حتى مات سُنَّ لوليه فعل النذر عنه، لحديث ابن عباس: ((جاءت (١) البدائع ٢١٢/٢ ط شركة المطبوعات العلمية، وابن عابدين ٥١٤/١ ١٢١/٢ - ١٣٠ و٩٦/٥ ط بولاق ثالثة، والخطاب ٥٤٣/٢، ٥٤٤ نشر مكتبة النجاح، والفروق ٢٠٥/٢، ١٨٨/٣، وكشف الأسرار ١٥٠/١ (٢) متفق عليه من حديث عائشة (تلخيص الحبير ٢٠٩/٢) (٣) نهاية المحتاج ١٨٤/٣ - ١٨٧ - ٣٣٤ - أداء ١٦ امرأة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال : أرأيت لو كان على أمك دين فقصيتيه أكان يؤدّي ذلك عنها ؟ قالت : نعم، قال : فصومي عن أمك)). (١) ولأن النيابة تدخل في العبادة بحسب خفتها، والنذر أخف حكما، لأنه لم يجب بأصل الشرع. ويجوز لغير الولي فعل ماعلى الميت من نذر باذنه و بدون إذنه. (٢) ١٦ - وقد اختلف الفقهاء بالنسبة للحج باعتبار مافيه من جانب مالي وجانب بدني. والمالكية ــ في المشهور عندهم - هم الذين يقولون بعدم جواز النيابة في الحج. أما بقية الفقهاء فتصح عندهم النيابة في الحج، لكنهم يقيدون ذلك بالعذر، وهو العجز عن الحج بنفسه، لما رواه ابن عباس ((أن امرأة من خشعم قالت : يارسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم)).(٣) وفي حديث آخر قال لرجل: ((أرأيتك لو كان على أبيك دين، فقضيته عنه قبل منك؟ قال : نعم، فقال (١) حديث ابن عباس: ((جاءت امرأة ... )) أخرجه مسلم (٨٠٤/٢ تحقيق محمد عبدالباقي) ورواه البخاري ببعض اختلاف في ألفاظه ٤٤/٣ ط محمد علي صبيح . (٢) شرح منتهى الإرادات ١٢١/١، ٤١٧، ٤١٨، ٤٥٧، ٤٥٨، والمغني ٣١/٩ (٣) حديث ابن عباس: ((إن إمرأة من خثعم ... )) أخرجه مسلم (٩٧٣/١)، وهذا لفظه، وأخرجه البخاري (تلخيص الحبير ٢٢٤/٢) النبي صلى الله عليه وسلم: فالله أرحم. حج عن ابيك)». (١) وضابط العذر الذي تصح معه النيابة هو العجز الدائم إلى الموت، وذلك كالشيخ الفاني والزمن والمريض الذي لا يرجى برؤه. فهؤلاء إذا وجدوا مالاً يلزمهم الاستنابة في الحج عنهم. ومن أحج عن نفسه للعذر الدائم، ثم زال العذر قبل الموت، فعند الحنفية لم يجز حج غيره عنه، وعليه الحج، لأن جواز الحج عن الغير ثبت بخلاف القياس، لضرورة العجز الذي لا يرجى زواله، فيتقيد الجواز به.(٢) وعند الحنابلة يجزىء حج الغير، ويسقط عنه الفرض، لأنه أتى بما أمربه فخرج من العهدة، كما لو لم يبرأ. لكن ذلك مقيد بما إذا عوفى بعد فراغ النائب من الحج، فإذا عوفى قبل فراغ النائب فينبغي أن لا يجزئه الحج، لأنه قدر على الأصل قبل تمام البدل، ويحتمل أن يجزئه، وإن برأ قبل إحرام النائب لم يجزئه بحال . والشافعية قولان بالإجزاء وعدمه والمريض الذي يرجى زوال مرضه والمحبوس ونحوه إذا أحج عنه فعند الحنفية هذا الحج موقوف . إن مات المحجوج عنه وهو مريض أو محبوس جاز الحج، وإن زال المرض أو الحبس قبل الموت لم يجز. وعند الحنابلة وفي قول للشافعية : ليس له أن (١) حديث: ((أرابتك لو كان على أبيك دين ... )) أخرجه أحمد ٤٢٩/٦ (٢) البدائع ٢١٢/٢، وابن عابدين ٢٤٤/٢، ٢٤٥، ٢٤٧ - ٣٣٥ - أداء ١٧ - ١٨ يستنيب أصلا، لأنه لم ييأس من الحج بنفسه، فلا تجوز فیه النیابة کالصحیح، فإن خالف واحج عن نفسه، لم يجزئه ولو لم يبرأ، لأنه يرجو القدرة على الحج بنفسه فلم يكن له الاستنابة، وعليه أن يحج عن نفسه مرة أخرى، وفي القول الثاني للشافعية أنه يجزئه إذا مات، لأنه لما مات تبيّن أنه كان مأيوسا منه.(١) والمشهور عند المالكية أنه لا تجوز النيابة في الحج مطلقا. وقيل تصح النيابة في الحج لغير المستطيع، قال الباجي : تجوز النيابة للمعضوب كالزمن والهرم. وقال أشهب: إن آجر صحيح من يحج عنه لزمه للخلاف. (٢) وسواء فيمامر في المذاهب حج الفريضة وحج النذر. والعمرة في ذلك كالحج.(٣) ١٧ - أما بالنسبة لحج التطوع فعند الحنفية تجوز فيه الاستنابة بعذر و بدون عذر، وعند الحنابلة إن كان لعذر جاز وإن کان لغير عذر ففیه روايتان: إحداهما يجوز، لأنها حجة لا تلزمه بنفسه، فجاز أن يستنيب فيها كالمعضوب. والرواية الثانية لا يجوز، لأنه قادر على الحج بنفسه، فلم يجز أن يستنيب فيه كالفرض، وللشافعية قولان فيما اذا كان بعذر: أحدهما لا يجوز، لأنه غير مضطر إلى الاستنابة فيه، فلم تجز الاستنابة فیہ کالصحيح، والثاني يجوز، وهو الصحيح، لأن كل عبادة جازت النيابة في فرضها (١) المغني ٢٢٧/٣ - ٢٣٠، والمهذب ٢٠٦/١، ومغني المحتاج ٤٦٩/١ (٢) منح الجليل ٤٤٩/١ - ٤٥٥، والدسوقي ١٧/٢، ١٨ (٣) البدائع ٢١٢/٢ و٩٦/٥، وابن عابدين ٢٤٤/٤ وما بعدها ومغني المحتاج ٤٦٩/١ ٣٦٤/٤، والمغني ٢٢٧/٣ وما بعدها . جازت النيابة في نفلها. وتكره الاستنابة في التطوع عند المالكية. (١) ١٨ - ومامر إنما هو بالنسبة للحتى. أما الميت فعند الحنابلة والشافعية : من مات قبل أن یتمکن من أداء الحج سقط فرضه، ولا يجب القضاء عنه، وإن مات بعد التمكن من الأداء ولم يؤد لم يسقط الفرض، ويجب القضاء من تر کته، لما روى بريدة قال : ((أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت: يارسول الله إن أمي ماتت، ولم تحج فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: حجي عن أمك))،(٢) ولأنه حق تدخله النيابة حال الحياة، فلم يسقط بالموت، كدين الآدمي، ومثل ذلك الحج المنذور، لما روى ابن عباس قال: ((أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له : إن أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لوكان علیها دین أکنت قاضیه؟ قال : نعم. قال : فاقض الله فهو أحق بالقضاء)). (٣) وعند الحنفية والمالكية: من مات ولم يحج فلا يجب الحج عنه، إلا أن يوصى بذلك، فإذا أوصى حُج من تر كته. وإذا لم يوص بالحج عنه، فتبرع الوارث بالحج بنفسه، أو بالإحجاج عنه رجلا جاز، ولكن مع الكراهة عند المالكية . (٤) (١) ابن عابدين ٥١٥/١ و٢٤٤/٢، والمغني ٢٣٠/٣، والمهذب ٢٠٦/١، ومنح الجليل ٤٤٩/١ (٢) أخرجه مسلم ٨٠٥/٢ط عيسى الحلبي. (٣) حديث: ((إن أختي نذرت ... )) أخرجه البخاري ١٧٧/٨ ط محمد علي صبيح. (٤) ابن عابدين ٥١٤/١، ٥١٥ ٢٤٥/٢، والمغني ٢٤١/٣ - - ٣٣٦ - أداء ١٩ - ٢٠ تأخير الأداء عن وقت الوجوب : ١٩ - تأخير أداء العبادات عن وقت الوجوب دون عذر يوجب الإثم، فإن كان من العبادات المؤقتة بوقت محدد، كالصلاة والصيام وجب قضاؤها ، وكذلك النذر المعين إذا لم يؤد. وإن كانت العبادات وقتها العمر، كالزكاة والحج فإنه متى توفرت شروط الأداء، كحولان الحول وكمال النصاب في الزكاة مع إمكان الأداء، ولم يتم الأداء ترتب المال في الذمة، وكذلك الحج إذا وجدت الاستطاعة المالية والبدنية، ولم يؤد الحج فهو باق في ذمته . ومثل ذلك الواجبات المطلقة كالنذور والكفارات مع اختلاف الفقهاء فيمن مات، ولم يؤد الزكاة أو الحج أو النذر أو الكفارة، وكل ما كان واجبا ماليا، وأمكن أداؤه، ولم يؤد حتى مات المكلف، فعند الحنفية والمالکیة لا تؤدی من تر كته، إلا إذا أوصى بها، فإذا لم يوص فقد سقطت بالنسبة لأحكام الدنيا، وعند الحنابلة والشافعية تؤدى من تركته وإن لم يوص. (١) وهذا في الجملة والتفصيل (ر: قضاء. حج. زكاة. نذر). هذا بالنسبة للعبادات الواجبة سواء كانت مؤقتة أو غير مؤقتة . = ٢٤٣، ومغني المحتاج ٤٦٨/١، والمهذب ٢٠٦/١، ومنح الجليل ٤٥١/١ (١) البدائع ١٠٣/٢، ٢١٢، وابن عابدين ٥١٤/١، ٥١٥ و١٢١/٢، والدسوقي ٢٦٣/١ و٤٤٢/٤، ومنح الجليل ٤٥١/١، ونهاية المحتاج ١٥١/٣، والمهذب ٦١/١، ١٨٢، ٢٠٦، ٢٥٠، ومنتهى الإرادات ٤١٧/١، ٤/٢، والمغني ٢٤٢/٣ ٢٠ - أما النفل - سواء منه المطلق أو المترتب بسبب أو وقت - فقد اختلف الفقهاء في قضائه إذا فات : فعند الحنفية والمالكية لا يقضى شىء من السنن سوى سنة الفجر. واستدل الحنفية على ذلك بما روت أم سلمة ((أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حجرتي بعد العصر، فصلى ركعتين، فقلت : يارسول الله : ماهاتان الركعتان اللتان لم تكن تصليها من قبل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ركعتان كنت أصليها بعد الظهر، وفي رواية : ركعتا الظهر شغلني عنهما الوفد، فكرهت أن أصليهما بحضرة الناس، فيروني. فقلت : أفأقضيهما إذا فاتتا ؟ قال : لا.))(١) وهذا نص على أن القضاء غير واجب على الأمة، وإنما هو شيء اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقياس هذا الحديث أنه لا يجب قضاء ركعتي الفجر أصلا، إلا أنا استحسنا القضاء إذا فاتتا مع الفرض، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلهما مع الفرض ليلة التعريس،(٢) فنحن نفعل ذلك لنكون على طريقته، وهذا بخلاف الوتر، لأنه (١) لم تجده بهذا اللفظ، وقد أخرجه بألفاظ مقاربة أحمد في مسنده ٣١٥/٦ط الميمنية، وابن حبان في صحيحه (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٨٠/٣ -٨٢ط المكتبة السلفية بالمدينة)، والبيهقي في «سننه» ٤٨٤/٢، ٤٨٥ ط ٢ بدائرة المعارف العثمانية. قال الهيثمي: ((رجال أحمد رجال الصحيح)) (مجمع الزوائد ٢٢٤/٢) ط القدسي. (٢) رواه بالمعنى مسلم (٤٧١/١ تحقيق محمد عبد الباقي) وأبوداود من حديث أبي هريرة، في قصة التعريس في الوادي، وابن خزيمة وابن حبان والحاكم (الدراية في تخريج أحاديث الهداية ص ١١٨) - ٣٣٧ - أداء ٢١ - ٢٣ واجب عند أبي حنيفة، والواجب ملحق بالفرض في حق العمل . (١) وعند الحنابلة قال الإمام أحمد : لم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى شيئا من التطوع إلا ركعتي الفجر والركعتين بعد العصر، وقال القاضي وبعض الأصحاب : لا يقضى إلا ركعتا الفجر وركعتا الظهر. وقال ابن حامد : تقضى جميع السنن الرواتب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بعضها وقسنا الباقي عليه. وفي شرح منتهى الإرادات : يسن قضاء الرواتب إلا مافات مع فرضه وكثر فالأولى تركه، إلا سنة فجر، فيقضيها مطلقا لتأكدها . والشافعية قولان : أحدهما أن السنن الراتبة لا تقضى، لأنها صلاة نفل، فلم تقض، كصلاة الکسوف والاستسقاء، والثاني تقضى(٢) لقوله صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو سها فليصلها (٣) إذا ذكرها.)» ٢١ - وأما قضاء سنة الفجر إذا فاتت فعند الحنفية لا تقضى إلا إذا فاتت مع الفجر، واذا فاتت وحدها فلا تقضى. وعند جمهور الفقهاء تقضى سواء فاتت وحدها أو مع الفجر. واختلف في الوقت الذي يمتد إليه القضاء، فعند (١) بدائع الصنائع ٢٨٧/١، ومنح الجليل ٢١٠/١، والدسوقي ٣١٩/١ (٢) المغني ١٢٨/٢ ومنتهى الارادات ٢٣٠/١ والمهذب ٩١/١ (٣) ذكره بهذا اللفظ صاحب المهذب (٩١/١) وفي كتب الحديث ((من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها ... )) رواه الامام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي. ( الفتح الكبير ٢٤٢/٣) الحنفية والمالكية : تقضى إلى الزوال، وعند الحنابلة الى الضحى، وعند الشافعية تقضى أبدا. (١) وهذا في الجملة. وينظر تفصيل ذلك في مكان آخر (ر: نفل. قضاء). ٢٢ - وماشرع فيه من النفل المطلق فإنه يجب إتمامه، وإذا فسد يقضى. وهذا عند الحنفية والمالكية. وعند الحنابلة والشافعية يستحب الإتمام ولا يجب، كما أنه يستحب القضاء إلا في تطوع الحج والعمرة فيجب إتمامهما إذا شرع فيهما. (٢) الامتناع عن الأداء : ٢٣ - العبادات الواجبة وجوبا عينيا أو كفائيا كالصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وصلاة الجنازة تعتبر من فرائض الإسلام ومعلومة من الدين بالضرورة، وقد ورد الأمر بها في كثير من آيات القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى : (وَأَقِيمُوا الصّلاةَ وآتُوا الزكَاةَ)(٣) وقوله تعالى: (كُتِبَ عليكُم القتالُ) (٤) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان.(٥) وهذه العبادات يجب على كل مكلف أداؤها على الصفة التي ورد (١) ابن عابدين ٤٧٤/١ ومنح الجليل ٢١٠/١ والمجموع شرح المهذب ٤٢،٤١/٤ ط المنيرية،والمغني ١٢٨/٢ (٢) البدائع ٢٨٧/١، وابن عابدين ٤٦٣/١، والشرح الصغير ٤٠٨/١ ومنتهى الارادات ٤٦١/١ والمهذب ١٩٥/١ (٣) سورة البقرة /٤٣ (٤) سورة البقرة /٢١٦ (٥) أخرجه البخاري ١٠/١ ط محمد علي صبيح، ومسلم باختلاف يسير في ألفاظه ٤٥/١ بتحقيق محمد عبدالباقي. - ٣٣٨ - أداء ٢٤ - ٢٥ بها الشرع. ومن امتنع عن أدائها فإن كان جاحدا لها فإنه يعتبر كافرا يقتل كفرا بعد أن يستتاب. وإن امتنع عن أدائها كسلا ففي العبادات البدنية، كالصلاة يؤدب ويعزر، ويترك إلى أن يتضيق الوقت، فإن ظل على امتناعه قتل حدا لا كفرا، وهذا عند الجمهور. وعند الحنفية يحبس أبدا حتى يصلي. وفي العبادات المالية كالزكاة إن امتنع عن أدائها بخلاً فإنها تؤخذ منه كرها، و یقاتل عليها كما فعل أبو بكر رضي الله عنه بمانعي الزكاة، أما تارك الحج كسلا فسواء أكان على الفور أم على التراخي فإنه يترك، ولکن یؤمر به و یدیَّن لأن شرطه الاستطاعة، وقد يكون له عذر باطنى لم يعرف . ٢٤ - أما غير الواجبات من العبادات وهو مايسمى مندوبا أوسنة أو نافلة فهو مايثاب فاعله ولا يذم تاركه، وهذا على الجملة، لأن من السنة ما يعتبر إظهاراً للدين، وتركها يوجب إساءة وكراهية، وذلك كالجماعة والأذان والإقامة وصلاة العيدين، لأنها من شعائر الإسلام، وفي تركها تهاون بالشرع، ولذلك لو اتفق أهل بلدة على تركها وجب قتالهم بخلاف سائر المندوبات، لأنها تفعل فرادى.(١). أثر الأداء في العبادات : ٢٥ - أداء العبادة على الوجه المشروع باستيفاء أركانها وشرائطها يستلزم الإجزاء وهذا باتفاق على (١) الاختيار ١٠٣/١ والبدائع ١٤١/١، ٣١١ والمهذب ٥٨/١، ٦٢، ١٢٥، ١٨٣ و٢٢٨/٢، ومنتهى الإرادات ١١٧/١، ١٢٢، ٣٠٥، ٣٣٦، ومنح الجليل ١١٧/١، ٧١٠ والتلويح على التوضيح ١٢٤/٢، وشرح البدخشي ٤٧/١، وابن عابدين ٧٢/١ والشرح الصغير ٢٤٦/١ تفسير الإجزاء بمعنى الامتثال بالإتيان بالمأمور به . وأن ذلك يبرىء الذمة بغير خلاف، وعلى تفسير الإجزاء بمعنى إسقاط القضاء فالمختار أنه يستلزمه، خلافا لعبد الجبار المعتزلي من أنه لا يستلزمه . والفعل المؤدى على وجهه المشروع يوصف بالصحة، وإلا فبالفساد أو البطلان، مع تفريق الحنفية بين الفاسد والباطل. والصحة أعم من الإجزاء، لأنها تكون صفة للعبادات والمعاملات، أما الإجزاء فلا يوصف به إلا العبادات. (١) وإذا كانت العبادات المستجمعة شرائطها وأركانها تبرىء الذمة بلا خلاف فإنه قد اختلف في ترتب الثواب على هذه العبادة أو عدم ترتبه، فقيل : إنه لا يلزم من إبراء الذمة ترتب الثواب على الفعل، فإن الله قد يبرىء الذمة بالفعل ولا يثيب عليه في بعض الصور، وهذا هو معنى القبول، وهذا بناء على قاعدة أن القبول والثواب غير الإجزاء وغير الفعل الصحيح . وقيل : إنه لم يكن في الشرع واجب صحيح يجزىء إلا وهو مقبول مثاب عليه، كما هو مقتضى قاعدة سعة الثواب، والآيات والأحاديث المتضمنة لوعد المطيع بالثواب. (٢) (١) جمع الجوامع ١/ من ١٠٠ الى ١٠٥ ط مصطفى الحلبي الثانية، والبدخشي من ٥٧/١ الى ٦٠ وما بعدها ط صبيح، ومسلم الثبوت ١٢٠/١، ٣٩٣، والتلويح ١٢٢/٢ (٢) الفروق للقرافي ٥٠/٢ وما بعدها، وهامش الفروق ٧٨/٢ ط دار المعرفة بيروت . - ٣٣٩ - ٠٠ أداء ٢٦ - ٢٧ أداء الشهادة حكم أداء الشهادة : ٢٦ - أداء الشهادة فرض كفاية، لقول الله تعالى : (وَأَقِيْمُوا الشَّهَادَةَ لله)، (١) وقوله: (ولا يَأْبَ الشُّهِدَاءِ إِذَا مَا دُعُوا)، (٢) فاذا تحملها جماعة وقام بأدائها منهم من فيه كفاية سقط الأداء عن الباقين، لأن المقصود بها حفظ الحقوق وذلك يحصل ببعضهم، وإن امتنع الكل أثموا جميعا لقول الله تعالى : (وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّه آئِمٌ قَلْبُهُ)، (٣) ولأن الشهادة أمانة فلزم الأداء عند الطلب . وقد يكون أداء الشهادة فرض عين إذا كان لا يوجد غيره ممن يقع به الكفاية، وتوقف الحق على شهادته فإنه يتعين عليه الأداء، لأنه لا يحصل المقصود إلا به. إلا أنه إذا كانت الشهادة متعلقة بحقوق العباد وأسبابها أي في محض حق الآدمي، وهو ماله إسقاطه كالدين والقصاص فلابد من طلب المشهود له لوجوب الأداء، فإذا طلب وجب عليه الأداء، حتى لو امتنع بعد الطلب يأثم، ولا يجوز له أن يشهد قبل طلب المشهود له، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((خير الناس قرنى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن (١) سورة الطلاق / ٢ (٢) سورة البقرة /٢٨٢ (٣) سورة البقرة /٢٨٣ يستشهد)).(١) ولأن أداءها حق للمشهود له، فلا يستوفي إلا برضاه، وإذا لم يعلم رب الشهادة بأن الشاهد تحملها استحب لمن عنده الشهادة إعلام رب الشهادة بها . واذا كانت الشهادة متعلقة بحقوق الله تعالى، وفيما سوى الحدود، كالطلاق والعتق وغيرها من أسباب الحرمات فيلزمه الأداء حسبة لله تعالى عند الحاجة إلى الأداء من غير طلب من أحد من العباد. وأما في أسباب الحدود من الزنا والسرقة وشرب الخمر فالستر أمر مندوب إليه، لقول النبي صلى الله علیه وسلم : «من سترمسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)، (٢) ولأنه مأمور بدرء الحد. وصرح الحنفية بأن الأولى الستر إلا إذا كان الجاني متهتكا، وبمثل ذلك قال المالكية . (٣) ٢٧ - وإذا وجب أداء الشهادة على إنسان ولكنه عجز لبعد المسافة، كأن دعي من مسافة القصر أو کان سيلحقه ضرر في بدنه أو ماله أو أهله فلا يلزمه الأداء لقول الله تعالى : (ولا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلاَ شَهيدٌ)، (٤) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا (١) أخرجه البخاري (٣/٧ط السلفية). (٢) أخرجه أحمد ومسلم وابوداود والترمذي وابن ماجه (الفتح الكبير ٢٤٣/٣) ورواه البخاري بلفظ مقارب. (٣) حاشية ابن عابدين على الدر ٣٨٧/٤ط بولاق الثالثة، والبدائع ٢٨٢/٦ط الجمالية، ومغني المحتاج ٤٥١/٤ط مصطفى الحلبي والشرح الصغير ٢٤١/٤ط دار المعارف والمغني ١٤٧/٩، ٢٠٦ط الرياض الحديثة، والمهذب للشيرازي ٣٢٣/٢، وكشاف القناع ٤٠٦/٦ ط الرياض، والدسوفي ١٧٥/٤ (٤) سورة البقرة / ٢٨٢ - ٣٤٠ -