النص المفهرس

صفحات 181-200

إحرام ١٤٥ - ١٤٩
الفصل العاشر
في كفارات محظورات الإحرام (١)
تعريفها :
١٤٥ - المراد بالكفارة هنا : الجزاء الذي يجب
على من ارتكب شيئًا من محظورات الإحرام. وهذه
الأجزية أنواع:
١ - الفدية : حيث أطلقت فالمراد الفدية المخيرة
التي نص عليها القرآن في قوله تعالى: ((فَفِدْيَة مِنْ
صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْنسكٍ)).(٢)
٢ - الهدي: وربما عبر عنه بالدم. وكل موضع
أطلق فيه الدم أو الهدي تجزئ فيه الشاة، إلا من
جامع بعد الوقوف بعرفة فعليه بدنة (أي من الإبل)
اتفاقاً. أما من جامع قبل الوقوف فإنه يفسد حجه
اتفاقاً وعليه بدنة عند الثلاثة، وقال الحنفية: عليه
شاة، ومضي في حجه، و یقضیه.
٣ - الصدقة: حيث أطلق وجوب ((صدقة))
عند الحنفية من غير بيان مقدارها فإنه يجب نصف
صاع من بُرِّ (قمح) أو صاع من شعير أو تمر.
٤ - الصيام : يجب الصيام على التخيير في
الفدية، وهو ثلاثة أيام. ويجب في مقابلة الإطعام.
٥ - الضمان بالمثل : في جزاء الصيد، على
ما سيأتي.
١٤٦ - يستوي إحرام العمرة مع إحرام الحج في
(١) ويعبر عنها الحنفية ((بالجنايات)) و يدرسونها تحت هذا
العنوان مع دراستهم للإخلال بشيء من واجبات الحج
والعمرة و يدرسها غيرهم مقترنة بدرس محظورات الإحرام.
(٢) سورة البقرة /١٩٦
عقوبة الجناية عليه. إلا من جامع في العمرة قبل أداء
ركنها، فتفسد اتفاقاً كما ذكرنا، وعليه شاة عند
الحنفية والحنابلة، وقال الشافعية والمالكية: عليه
بدنة .
المبحث الأول
في كفارة محظورات الترفه
١٤٧ - يتناول هذا المبحث كفارة محظورات
اللبس، وتغطية الرأس، والادهان، والتطيب ،
وحلق الشعر أو إزالته أو قطعه من الرأس أو غيره،
وقلم الظفر.
أصل كفارة محظورات الترفه
١٤٨ - اتفقوا على أن من فعل من المحظورات شيئاً
لعذر مرض أو دفع أذى فإن عليه الفدية، یتخير فيها:
إما أن يذبح هديا، أو يتصدق بإطعام ستة مساكين،
أو يصوم ثلاثة أيام، لقوله تعالى: ((وَلاَ تَحْلقُوا
رُءُوُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مُنكُمْ
مِّرِيضاً أَوْبِهِ أَذى مِنْ رَّأْسِهِ فَفِدْية مِنْ صِيَامٍ أَوْ
صَدَقةٍ أَوْ نُشَكٍ)).(١) ولما ورد عن كعب بن عجرة
رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
له حين رأى هوامَّ رأسه: « أيؤذيك هوامُّ رأسك؟»
قال: قلت: نعم. قال: ((فاحلق، وصم ثلاثة أيام،
أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة)) متفق
عليه .
١٤٩ - وأما العامد الذي لا عذر له فقد اختلفوا
فيه :
(١) سورة البقرة /١٩٦
- ١٨١ -

إحرام ١٥٠ - ١٥٢
فذهب المالكية(١) والشافعية(٢) والحنابلة(٣) إلى أنه
يتخير، كالمعذور، وعليه إِثم ما فعله. واستدلوا بالآية.
وذهب الحنفية(٤) إلى أن العامد لا يتخير، بل
يجب عليه الدم عيناً أو الصدقة عينا، حسب جنايته.
واستدلوا على ذلك بالأدلة السابقة. وجه
الاستدلال: أن التخییر شرع فيها عند العذر من مرض
أو أذى، وغير المعذور جنايته أغلظ، فتتغلظ عقوبته،
وذلك بنفي التخيير في حقه.
١٥٠ - وأما المعذور بغير الأذى والمرض:
كالناسي والجاهل بالحكم والمكره والنائم والمغمى
عليه، فحكمه عند الحنفية والمالكية (٦ حكم العامد،
على ما سبق.
ووجه حکمه هذا : أن الارتفاق حصل له،
وعدم الاختيار أسقط الإثم عنه، كما وجهه الحنفية .
وذهب الشافعية والحنابلة إلى التمييز بين جناية
(١) شرح الزرقاني ٣٠٥/٢، والشرح الكبير وحاشيته ٦٧/٢.
وفيه أن المعذور يفدى ولا يأثم، فدل على أن غير المعذور
يفدي و يأثم.
(٢) المجموع ٣٧١/٧، ونهاية المحتاج ٤٥٢/٢ - ٤٥٦
(٣) المغني ٤٩٣/٣، والمقنع ٤١٦/١
(٥،٤) المسلك المتقسط ص ١١٩، ٢٠٠، ٢٢٣، والدر المختار
بحاشيته ٢٧٤/٢، ٢٧٥
(٦) كما تفيده إطلاقات عباراتهم في لزوم الفدية على المعذور،
وإنما ينتفي عنه الإثم. انظر شرح الزرقاني ٣٠٥/٢، وشرح
الرسالة بحاشية العدوي ٤٨٨/١، والشرح الكبير بحاشيته
٦٧/٢، وحاشية الصفتي على العشماوية ص ١٩٣
(٧) المجموع ٣٤٧/٧ - ٣٤٩، ونهاية المحتاج ٤٥٢/٢، ٤٥٤
(٨) المغني ٥٠١/٣ - ٥٠٢، والكافي ١/ ٥٦١ - ٥٦٢،
والمقنع بحاشيته ٤٢٤/١، ٤٢٥، ومطالب أولي النهى
٣٦٢/٢، ٣٦٣
فيها إتلاف، وهي هنا الحلق أو قص الشعر أو قلم
الظفر، وجناية ليس فيها إتلاف، وهي: اللبس
وتغطية الرأس والادهان والتطيب. فأوجبوا الفدية
في الإ تلاف، لأنه يستوي عمده وسهوه، ولم یوجبوا
فدية في غير الإتلاف ، بل أسقطوا الكفارة عن
صاحب أي عذر من هذه الأعذار.
تفصيل كفارة محظورات الترفه
١٥١ - الأصل في هذا التفصيل هو القياس على
الأصل السابق المنصوص عليه في الكتاب والسنة
بخصوص الحلق، فقاس الفقهاء عليه سائر مسائل
الفصل بجامع اشتراك الجميع في العلة وهي الترفه،
أو الارتفاق.
وقد اختلفوا في بعض التفاصيل، في القدر الذي
يوجب الفدية من المحظور، وفي تفاوت الجزاء بتفاوت
الجناية، وذلك بسبب اختلاف أنظارهم في المقدار
الذي يحصل به الترفه والارتفاق الذي هو علة وجوب
الفدية، فالحنفية اشترطوا كمال الجناية، فلم يوجبوا
الدم أو الفداء إلا لمقادير تحقق ذلك في نظرهم،
وغيرهم مال إلى اعتبار الفعل نفسه جناية.
وتفصيل المذاهب في كل محظور من محظورات
الترفه فيما يلي :
أولا : اللباس :
١٥٢ - من لبس شيئا من محظور اللبس، أو
ارتكب تغطية الرأس، أو غير ذلك، فقال فقهاء
الحنفية : إن استدام ذلك نهاراً كاملا أو ليلة وجب
(١)
(١) الهداية ٢٢٨/٢، والمسلك المتقسط ص ٢٠١، ٢٠٢،
ورد المحتار ٢٧٨/٢
- ١٨٢ -

إحرام ١٥٣
عليه الدم. وكذا إذا غطت المرأة وجهها بساتر
يلامس بشرتها على ما سبق من التفصيل فيه
(ف٦٧) وإن كان أقل من يوم أو أقل من ليلة فعليه
صدقة عند الحنفية. وفي أقل من ساعة عرفية قبضة
من بُّرِّ، وهي مقدار ما يحمل الكف.
ومذهب الشافعي(١) وأحمد (٢) أنه يجب الغداء
بمجرد اللبس، ولو لم يستمر زمناً، لأن الارتفاق
يحصل بالاشتمال على الثوب، ويحصل محظور
الإحرام، فلا يتقيد وجوب الفدية بالزمن.
وعند المالكية(٣) يشترط لوجوب الفدية من لبس
الثوب أو الخف أو غيرهما من محظورات اللبس أن
ينتفع به من حر أو برد، فإن لم ينتفع به من حر أوبرد
بأن لبس قميصاً رقيقاً لا يقي حراً ولا برداً يجب
الفداء إن امتد لبسه مدة كاليوم.
ثانياً : التطيب :
١٥٣ - يجب الفداء عند الثلاثة المالكية (٤)
والشافعية(*) والحنابلة(٦) لأي تطيب مما سبق بيان
(١) المجموع ٢٦٣/٧، ٣٧٢، ٣٧٣، وشرح المنهاج للمحلي
١٣٢/٢، ونهاية المحتاج ٤٤٧/٢، ٤٤٨، ٤٥٠ وفيها
التصريح بأن لا فرق بين طول زمن اللبس وقصره.
(٢) المغني ٤٩٩/٣، والكافي ٥٦٤/١، ومطالب أولي النهى
٣٢٦/٢، ٣٢٧
(٣) شرح الزرقاني على مختصر خليل ٣٠٤/٢، ٣٠٥، والشرح
الكبير وحاشيته ٦٦/٢، ٦٧، وقارن حاشية العدوي
٤٨٩/١
(٤) شرح الزرقاني ٢٩٨/٢، وشرح الرسالة ٤٨٦/١، والشرح
الكبیر ٦٣،٦١/٢
(٥) المجموع ٢٨٣/٧، ٣٧٣، ونهاية المحتاج ٤٥١/٢، والأسطر
الأخيرة والأولى ٤٥٢، ٤٥٣
(٦) المغني ٤٩٩/٣، والكافي ٥٥١/١، ومطالب أولي النهى =
حظره، دون تقييد بأن يطيب عضواً كاملاً، أو
مقداراً من الثوب معيناً .
وفرق الحنفية بين تطيب وتطيب، وفصلوا:
أما في البدن فقالوا : تجب شاة إن طيب المحرم
عضواً كاملاً مثل الرأس واليد والساق، أو ما يبلغ
عضواً كاملاً. والبدن كله كعضو واحد إن اتحد
مجلس التطيب، وإن تفرق المجلس فلكل طيب
كفارة، وتجب إزالة الطيب، فلوذبح ولم يزله لزمه دم
آخر.
ووجه وجوب الشاة : أن الجناية تتكامل
بتكامل الارتفاق، وذلك في العضو الكامل، فیترتب
كمال الموجب .
وإن طيب أقل من عضو فعليه الصدقة لقصور
الجناية، إلا أن يكون الطيب كثيراً فعليه دم. ولم
يشرط الحنفية استمرار الطيب لوجوب الجزاء، بل
يجب بمجرد التطيب. (١)
وأما تطييب الثوب : فيجب فيه الدم عند
الحنفية بشرطين :
أولهما : أن يكون كثيراً ، وهو ما يصلح أن يغطي
مساحة تزيد على شبر في شبر.
والثاني : أن يستمر نهاراً ، أو ليلة.
فإن اختلّ أحد الشرطين وجبت الصدقة، وإن
اختل الشرطان معا وجب التصدق بقبضة من قمح.(٢)
= ٣٣١/٢
(١) الهداية وفتح القدير ٢٢٤/٢، ٢٢٥، وشرح الكنز للعيني
١٠١/١، والمسلك المتقسط ص ٢٠٩، ٢١٠
(٢) قارن المسلك المتقسط ص ٢١٥، ٢١٦، ورد المحتار ٢٧٦/٢.
وانظر باقي مسائل الطيب فيما سبق.
- ١٨٣ -

إحرام ١٥٤ - ١٥٧
١٥٤ - لو طيب محرم محرماً أو حلالا فلا شيء على
الفاعل ما لم يمس الطيب، عند الحنفية (١) وعلى
الطرف الآخر الدم إن كان محرماً وإن كان مكرها.
وعند الثلاثة التفصيل الآتي في مسألة الحلق
(ف ١٥٧) لكن عليه في حال لا تلزمه فيه الفدية ألا
يستديمه، بل يبادر بإزالته. فإن تراخى لزمه الفداء.
ثالثاً : الحلق أو التقصير:
١٥٥ _ مذهب الحنفية أن من حلق ربع رأسه أو
ربع لحيته يجب عليه دم، لأن الربع يقوم مقام
الكل، فيجب فيه الفداء الذي دلت عليه الآية
الكريمة .
ولوحلق رأسه ولحيته وإبطيه وكل بدنه في مجلس
واحد فعليه دم واحد، وإن اختلفت المجالس فلكل
مجلس موجبه .
وإن حلق خصلة من شعره أقل من الربع يجب
عليه الصدقة، أما إن سقط من رأسه أو لحيته عند
الوضوء أو الحك ثلاث شعرات فعليه بكل شعرة
صدقة (كف من طعام).
وإن حلق رقبته كلها، أو إبطيه، أو أحدهما،
يجب الدم. أما إن حلق بعض واحد منهما، وإن كثر.
فتجب الصدقة، لأن حلق جزء عضو من هذه
الأشياء ليس ارتفاقاً كاملا، لعدم جريان العادة
بحلق البعض فيها، فلا يجب إلا الصدقة .
وقرر الحنفية أن في حلق الشارب حكومة عدل،
(١) المسلك المتقسط ص ٢١٨
(٢) شرح الكنز للعيني ١٠١/١، ١٠٢، والمسلك المتقسط
ص٢١٨، ٢٢٠
بأن ينظر إلى هذا المأخوذ كم يكون من ربع اللحية،
فيجب عليه بحسابه من الطعام.(١)
وذهب المالكية(٢) إلى أنه إن أخذ عشر شعرات
فأقل، ولم يقصد إزالة الأذى، يجب عليه أن يتصدق
بحفنة قمح، وإن أزالها بقصد إماطة الأذى تجب
الفدية، ولو كانت شعرة واحدة. وتجب الفدية أيضا
إذا أزال أكثر من عشر شعرات لأي سبب كان.
وشعر البدن کله سواء.
وذهب الشافعي(٣) وأحمد إلى أنه تجب الفدية لو
جلق ثلاث شعرات فأكثر، كما تجب لو حلق جميع
الرأس، بل جميع البدن، بشرط اتحاد المجلس، أي
الزمان والمكان. ولو حلق شعرة أو شعرتين ففي شعرة
مد، وفي شعرتين مدان من القمح، وسواء في ذلك
كله شعر الرأس وشعر البدن.
١٥٦ - أما إذا سقط شعر المحرم بنفسه من غير صنع
آدمي فلا فدية باتفاق المذاهب.
١٥٧ - إذا حلق محرم رأس غيره، أو حلق غيره
رأسه- ومحل المسألة إذا كان الحلق لغير التحلل-
فعلى المحرم المحلوق الدم عند الحنفية، ولو كان
كارها. وأما غيرهم فعندهم تفصيل في حق الحالق
(١) مثاله : لو أخذ من الشارب قدر نصف ثمن اللحية يجب
عليه من الطعام ما يساوي ربع الدم.
(٢) شرح الزرقاني ٣٠٢/٢، والشرح الكبير ٦٤/٢، وحاشية
العدوي ٤٨٧/١، وحاشية الصفتي ص ١٩٤، وفيها: أكثر
من اثنتي عشرة شعرة.
(٣) المجموع ٣٥١/٧، ٣٥٦، ٣٦٧، ونهاية المحتاج ٤٥٤/٢
(٤) المقنع ٣٩٩/١، ٤٠٠، والكافي ١ /٥٦٢ - ٥٦٤،
ومطالب أولي النهى ٣٢٤/٢، ٣٢٥
- ١٨٤ -

إحرام ١٥٨ - ١٥٩
والمحلوق. ولهذه المسألة ثلاث صور تقتضيها القسمة
العقلية نبين حكمها فيما يلي:
الصورة الأولى : أن يكونا محرمين، فعلى المحرم
الحالق صدقة عند الحنفية، سواء حلق بأمر المحلوق أو
بغير أمره طائعاً أو مكرهاً، ما لم يكن حلقه في أوان
الحلق. فإن كان فيه، فلا شيء عليه.
وقال المالكية والشافعية والحنابلة : إن حلق له
بغير رضاه فالفدية على الحالق، وإن كان برضاه فعلى
المحلوق فدية، وعلى الحالق فدية، وقيل حفنة.
الصورة الثانية : أن يكون الحالق محرماً والمحلوق
حلالا، فكذلك على الحالق المحرم صدقة عند
الحنفية. وقال المالكية: يفتدي الحالق. وعندهم في
تفسيره قولان: قول أنه يطعم قدر حفنة، أي ملء يد
واحدة من طعام، وقول أن عليه الفدية.
وقال الشافعية والحنابلة : لا فدية على الحالق،
ولو حلق له المحرم بغير إذنه، إذ لا حرمة لشعره في حق
الإحرام .
الصورة الثالثة : أن يكون الحالق حلالا والمحلوق
محرما، فعلى الحالق صدقة عند الحنفية. وقال المالكية
والشافعية والحنابلة: إن كان بإذن المحرم أو عدم
ممانعته فعلى المحرم الفدية. وإن كان الحلق بغير إذن
المحرم فعلى الحلال الفدية .(١)
رابعاً : تقليم الأظفار:
١٥٨ - قال الحنفية(٢) إذا قص أظفار يديه
(١) المسلك المتقسط ص ٢٢١، وفتح القدير ٢٣٣/٢، وشرح
الزرقاني ٣٠١/٢-٣٠٤، ونهاية المحتاج ٤٥٥/٢، وغاية المنتهى
٣٢٥/٢
(٢) الهداية ٢٣٦/٢ - ٢٣٨، وشرح الكنز للعيني ١٠٢/١،
والمسلك المتقسط ص ٢٢٢، ٢٢٣
ورجليه جميعها في مجلس واحد تجب عليه شاة. وكذا
إذا قص أظفاريد واحدة، أو رجل واحدة، تجب
شاة. وإن قص أقل من خمسة أظفار من يد واحدة،
أو خمسة متفرقة من أظفاره، تجب عليه صدقة لكل
ظفر.
ومذهب المالكية أنه إن قلم ظفراً واحداً عبثا
أو ترفها، لا لإماطة أذى، ولا لكسره، يجب عليه
صدقة: حفنة من طعام. فإن فعل ذلك لإماطة الأذى
أو الوسخ ففيه فدية. وإن قلمه لكسره فلا شيء عليه
إذا تأذى منه. ويقتصر على ما كسر منه. وإن قلم
ظفرين في مجلس واحد ففدية، ولو لم يقصد إماطة
الأذى. وإن قطع واحداً بعد آخر فإن كانا في فور
ففدية، وإلا ففى كل ظفر حفنة.
وعند الشافعية والحنابلة : يجب الفداء في
تقليم ثلاثة أظفار فصاعداً في مجلس واحد، ويجب في
الظفر والظفرين ما يجب في الشعرتين.
خامساً : قتل القمل :
١٥٩ - وهو ملحق بهذا المبحث ، لأن فيه إزالة
الأذى، لذا يختص البحث بما على بدن المحرم أو
ثيابه. فقد ذهب الشافعية إلى ندب قتل المحرم لقمل
بدنه وثيابه لأنه من الحيوانات المؤذية، وقد صح أمر
رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الفواسق الخمس
في الحل والحرم، وألحقوا بها كل حيوان مؤذ.
(١) حاشية العدوي ٤٨٧/١، والشرح الكبير ٦٤/٢، وحاشية
الصفتي ص ١٩٣، ١٩٤
(٢) المهذب والمجموع ٣٦٦/٧، ٣٦٨، ونهاية المحتاج ٤٥٤/٢
(٣) المقنع ٣٩٩/١ - ٤٠٠، والكافي ٥٦٣/١، ومطالب
أولي النهى ٣٢٥/٢.
- ١٨٥ -

إحرام ١٦٠ - ١٦٣
أما قمل شعر الرأس واللحية خاصة فیکره تنزيها
تعرضه له لئلا ينتتف الشعر. ومقتضى تعليلهم
الكراهة بالخوف من انتتاف الشعر زوال هذه
الكراهة فيما لو قتله بوسيلة لا يخشى معها الانتتاف
كما إذا رشه بدواء مطهر مثلا. وعلى أية حال فإذا
قتل قمل شعر رأسه ولحيته لم يلزمه شيء لکن یستحب
له أن يفدى الواحدة منه ولو بلقمة .
وفي رواية عن أحمد إباحة قتل القمل مطلقاً دون
تفريق بين قل الرأس وغيره لأنه من أكثر الهوام أذى
فأبيح قتله کالبراغيث، وسائر مايؤذي. وقول النبي
صلى الله عليه وسلم: ((خمس فواسق يقتلن في الحل
والحرم)) يدل بمعناه على إباحة قتل كل ما يؤذي بني
آدم في أنفسهم وأموالهم.
وفي رواية أخرى عنه حرمة قتله، إلا أنه لا جزاء
فيه إذ لا قيمة له وليس بصيد. وذهب الحنفية
والمالكية إلى وجوب الصدقة (١) ولا ريب أنه إذا آذاه
بالفعل، ولم يمكنه التخلص منه إلا بقتله، جاز له
قتله طبقا لقاعدة: ((الضرريزال))، وقاعدة:
((الضرورات تبيح المحظورات)).
(١) شرح الروض ٥١٤/١، والمجموع ٣٢٣/٧، ٣٢٤، ونهاية
المحتاج ٣٣٣/٣، والجمل ٥٢٢/٢، ومطالب أولى النهى
٣٤٣/٢، وكشاف القناع ٣٤٩/٢ ط الرياض، والشرح
مع المغني ٣٠٤/٣، والمغني ٢٩٨/٣ طالرياض. والمسلك
المتقسط ص ٢٥٢، وفتح القدير ٢٦٨/٢، ورد المختار
٢١٨/٢، وحاشية العدوي ٤٨٧/١، والزرقاني ٣٠٢/٢،
٣٠٣ والدسوقي ٦٤/٢
المبحث الثاني
في قتل الصيد وما يتعلق به
١٦٠ - أجمع العلماء على وجوب الجزاء في قتل
الصيد، استدلالا بقوله تعالى: ((يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا
لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتْلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً
فَجَزَاءُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلِ
مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَّاكِينَ، أَوْ
عَدْلُ ذَلَكَّ صِيَامَاً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا
سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِ يزٌ ذُو
انْتِقَامِ)).(١)
أولا : قتل الصيد :
١٦١ - وجوب الجزاء في قتل الصيد عمداً متفق
عليه عملا بنصّ الآية الكريمة السابقة.
١٦٢ - إنّ غيرَ العمدِ في هذا الباب كالعمد،
يجب فيه الجزاء باتفاق المذاهب الأربعة، لأن
العقوبة هنا شرعت ضماناً للمتلف، وذلك يستوي
فيه العمد والخطأ والجهل والسهو والنسيان.(٢)
١٦٣ - إن هذا الجزاء هو كما نصت الآية: مثلُ
ما قتل من النعم. ويخير فيه بين الخصال الثلاث.
لكن اختلفوا بعد هذا في تفسیر هذين الأمر ين:
ذهب الحنفية : إلى أنه تقدر قيمة الصيد بتقويم
(١) سورة المائدة / ٩٥
(٢) المسلك المتقسط ص ٢٠٠، والهداية ٢٥٨/٢، ٢٥٩ وشرح
الزرقاني ٣١٤/٢، والشرح الكبير ٧٤/٢، والمجموع
٣٤٩/٧، ٣٥٠، ونهاية المحتاج ٤٦٠/٢، والمغني ٥٠٥/٣،
٦٠٦ و٥٠١، والمقنع ٤٢٤/١ وانظر التعليل السابق في
الحلق والقلم فانه ينطبق هنا .
- ١٨٦ -

إحرام ١٦٣
رجلين عدلين، سواء أكان للصيد المقتول نظير من
النعم أم لم يكن له نظير. وتعتبر القيمة في موضع
قتله، ثم يخير الجاني بين ثلاثة أمور:
الأول - أن يشتري هديا ويذبحه في الحرم إن
بلغت القيمة هديا. ويزاد على الهدي في مأكول
اللحم إلى اثنين أو أكثر إن زادت قيمته، لكنه لا
يتجاوز هديا واحداً في غير مأكول اللحم، حتى لو
قتل فيلا لا يجب عليه أكثر من شاة.
الثاني - أن يشتري بالقيمة طعاماً ويتصدق به
على المساكين، لكلِّ مسكين نصف صاع من بر، أو
صاع من شعير أو تمر كما في صدقة الفطر. ولا يجوز
أن يعطي المسكين أقل مما ذكر، إلا إن فضل من
الطعام أقلُّ منه، فيجوز أن يتصدق به .
ولا يختص التصدق بمساكين الحرم.
الثالث - أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً،
وعن أقل من نصف صاع ـ إذا فضل - يوماً أيضا.(١)
وذهب الأئمة الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة
إلى التفصيل فقالوا: الصيد ضربان: مِثْلَيّ: وهو
ماله مِثْلٌ من النعم، أي مشابه في الخلقة من النعم،
وهي الإبل والبقر والغنم. وغير مثلي، وهو ما لا يشبه
شيئا من النعم .
أما المثلي : فجزاؤه على التخيير والتعديل، أي
إن القاتل يخير بين ثلاثة أشياء على الوجه التالي:
الأول - أن يذبح المثل المشابه من النعم في
الحرم، ويتصدق به على مساكين الحرم.
(١) الهداية ٢٥٩/٢، ٢٦٣، وشرح الكنز للعيني ١٠٤/١،
١٠٥. والدر المختار بحاشيته ٢٩٤/٢، ٢٩٥، والمسلك
المتقسط ص ٢٥٨، ٢٥٩
الثاني - أن يُقوَّم المثل دراهم ثم يشتري بها
طعاماً، ويتصدق به على مساكين الحرم. ولا يجوز
تفرقة الدراهم عليهم. وقال مالك بل يقوَّم الصيد
نفسه ويشتري به طعاماً يتصدق به على مساكين
موضع الصيد، فإن لم يكن فيه مساكين فعلى
مساكين أقرب المواضع فيه.
الثالث - إن شاء صام عن كل مُّدٌّ يوماً. وفي
أقل من مد يجب صيام يوم.
ويجوز الصيام في الحرم وفي جميع البلاد.
وأما غير المثلي : فيجب فيه قيمته و یتخير فيها
بين أمرين :
الأول - أن يشتري بها طعاما يتصدق به على
مساكين الحرم، وعند مالك: على المساكين في موضع
الصيد .
الثاني - أن يصوم عن كل مدٍّ يوماً كما ذكر
سابقا .
ثم قالوا في بيان المثلي: المعتبر فيه التشابه في
الصورة والخِلْقَة. وكل ما ورد فيه نقل عن السلف
فيتبع، لقوله تعالى: ((يحكم به ذوا عدل منكم))،
وما لا نقل فيه يحكم بمثله عدلان فطنان بهذا الأمر،
عملا بالآية .
ويختلف الحكم فيه بين الدواب والطيور:
أما الدواب ففي النعامة بدنة، وفي بقر الوحش
وحمار الوحش بقرة إنسية، وفي الغزال عنز، وفي
الأرنب عَنَاق،(١) وفي اليربوع جَفْرة. (٢)
(١) العناق: الأنثى من المعز من حين تولد ما لم تستكمل سنة،
والمراد بها ما فوق الجفرة.
(٢) الجفرة : هي الأنثى من المعز إذا بلغت أربعة أشهر.
- ١٨٧ -

إحرام ١٦٤ - ١٦٥
.....
...
وعند مالك في الأرنب واليربوع والضبّ القيمة.
وأما الطيور: ففي أنواع الحمام شاة. والمراد
بالحمام كل ما عبّ في الماء، وهو أن يشر به جرعا،
فيدخل فيه اليمام اللواتي يألفن البيوت، والقُمْريّ،
والقّظًا. والعرب تسمي كل مطوّق حماماً .
وإن كان الطائر أصغر من الحمام جثة ففيه
القيمة. وإن كان أكبر من الحمام، كالبطة والإوزّة،
فالأصح أنه يجب فيه القیمة ، إذ لا مثل له .
وقال مالك : تجب شاة في حمام مكة والحرم
ويمامهما، وفي حمام ويمام غيرهما تجب القيمة. وكذا في
سائر الطيور.(١)
١٦٤ - وعند الشافعية والحنابلة : الواجب في
الكبير والصغير والسمين والهزيل والمريض من
الصيد المثليّ مثله من النعم، لقوله تعالى: ((فجزاء
مثل ما قتل)) وهذا مثل فيجزئ. وقال مالك : يجب
فيه كبير، لقوله تعالى: ((هدياً بالغ الكعبة)) والصغير
لا يكون هدياً، وإنما يجزئ في الهدي ما يجزئ في
الأضحية.(٣)
(١) المجموع ٤٠٨/٧ - ٤١١، وشرح المنهاج ١٤٠/٢، ١٤١،
ونهاية المحتاج ٤٦٤/٢، ٤٦٥، والشرح الكبير ٨٠/٢ -
٨٢، وشرح الزرقاني ٣٢٠/٢- ٣٢٢، وشرح الرسالة
بحاشية العدوي ٤٢٧/١ - ٤٣٠، والكافي ٥٦٨/١،
٥٦٩، ومطالب أولي النهى ٣٦٩/٢، ٣٧٠ و٣٧٢، وفتح
القدير ٢٦٨/٢
(٢) المائدة / ٩٥
(٣) شرح الرسالة ٤٩٥/١، والشرح الكبير ٨٢/٢، والزرقاني
٣٢٢/٢، ٣٢٣، والمجموع ٤٢٠/٧ ونهاية المحتاج ٤٦٤/٢،
والمغني ١٢/٣، والكافي ٥٦٩/١، ومطالب أولي النهى
٣٧٢/٢
ثانيا : إصابة الصيد :
١٦٥ - إذا أصاب الصيد بضررٍ، ولم يقتله، يجب
عليه الجزاء بحسب تلك الإصابة عند الثلاثة:
الحنفية(١) والشافعية(٢) والحنابلة(٣) فإن جرح المحرم
صیداً، أو نتف شعره. ضمن قيمة ما نقص منه،
اعتباراً للجزء بالكل، فكما تجب القيمة بالكل تجب
بالجزء. وهذا الجزاء يجب إذا برىء الحيوان وظهر أثر
الجناية عليه، أما إذا لم يبق لها أثر فلا يضمن عند
الحنفية، لزوال الموجب.
وعند الشافعية والحنابلة إن جرح صيداً يجب
عليه قدر النقص من مثله من النعم إن كان مثلياً ،
وإلا بقدر ما نقص من قيمته، وإذا أحدث به عاهة
مستديمة فوجهان عندهم، أصحهما يلزمه جزاء
کامل.
أما إذا أصابه إصابة أزالت امتناعه عمن یر ید
أخذه وجب الجزاء كاملا عند الحنفية والحنابلة. وهو
أحد القولين عند الشافعية، لأنه فوّت عليه الأمن
بهذا. وفي قول عند الشافعية: يضمن النقص فقط.
أما المالكية(٤)عندهم لا يضمن ما غلب على
ظنه سلامته من الصيد بإصابته بنقص، ولا جزاء
عليه، ولا يلزمه فرق ما بين قيمته سليماً وقيمته بعد
إصابته .
(١) الهداية ٢٦٤/٢، والمسلك المتقسط ص ٢٤٢، ٢٤٣
(٢) المجموع ٤٠٥/٧ و٤١٣، ٤١٤، ونهاية المحتاج ٤٦٥/٢،
٤٦٦، ومغني المحتاج ٥٢٧/١.
(٣) الكافي ٥٧٠/١ و٥٧٢، ومطالب أولي النهى ٣٧٣/٢
(٤) شرح الزرقاني ٣١٥/٢، والشرح الكبير وحاشيته ٧٦/٢
- ١٨٨ -

إحرام ١٦٦ - ١٦٩
ثالثا : حلب الصيد أو كسر بيضه أو جزّ صوفه:
١٦٦ - يجب فيه قيمة كل من اللبن والبيض
والصوف عند الحنفية(١) والشافعية(٢) والحنابلة(٣)
ويضمن أيضا قيمة ما يلحق الصيد نفسه من نقص
بسبب من ذلك.
ونص المالكية (٤)عنى البيض أن فيه عُشْرَدية الأم
ما لم يخرج منه فرخ ويستهل ثم يموت، فإنه حينئذ
يلزمه الدية كاملة. وهذا الأخير متفق عليه .
رابعاً : التسبب في قتل الصيد :
١٦٧ - يجب في التسبب بقتل الصيد الجزاء،
وذلك:
١ - بأن يصيح به وينفره ، فيتسبب ذلك بموته.
٢ - بنصب شبكة وقع بها صيد فمات، أو إرسال
كلب .
٣ - المشاركة بقتل الصيد ، كأن يمسكه ليقتله
آخر، أو يذبحه .
٤ - الدلالة على الصيد ، أو الإشارة، أو الإعانة بغير
المشاركة في اليد، كمناولة آلة أو سلاح، يضمن
فاعلها عند الحنفية(٥) والحنابلة.(٦) ولا يضمن عند
(١) المسلك المتقسط ص ٢٤٣
(٢) نهاية المحتاج ٤٦٠/٢
(٣) مطالب أولي النهى ٣٣٨/٢
(٤) الشرح الكبير ٨٤/٢
(٥) المسلك المتقسط ٢٤٣، ٢٤٦ - ٢٤٨ وفيه تفصيل شروط
وجوب الجزاء بالدلالة والإعانة وأن يتصل القتل بها، وألا
يعلم المدلول بالصيد ولا يراه قبل الدلالة، وأن يصدقه .
(٦) مطالب أولي النهى ٣٣٣/٢ -٣٣٦
المالكية(١) والشافعية(٢)
.(١)
خامساً : التعدي بوضع اليد على الصيد :
١٦٨ - إذا مات الصيد في يده فعليه الجزاء، لأنه
تعدى بوضع اليد عليه فيضمنه ولو كان وديعة .(٣)
سادساً : أكل المحرم من ذبيحة الصيد أو قتيله :
١٦٩ - إن أكل المحرم من ذبيحة أو صيد محرم أو
ذبيحة صيد الحرم فلا ضمان عليه للأكل، ولو كان
هو قاتل الصيد أيضا أو ذابجه فلا جزاء عليه للأكل،
إنما عليه جزاء قتل الصيد أو ذبحه إن فعل ذلك هو،
وذلك عند جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة،
وصاحبا أبي حنيفة . (٤)
وقال أبو حنيفة(٥)كذلك بالنسبة للمحرم إذا
أكل من صيد غيره، أو صيد الحرم إذا أكل منه
الحلال الذي صاده. وأوجب على المحرم إذا أكل من
صيده أو ذبيحته من الصيد الضمان سواء أكل منه
قبل الضمان أو بعده.
(١) الشرح الكبير ٧٧٠٧٦/٢
(٢) نهاية المحتاج ٤٦١/٢، ٤٦٢
(٣) المسلك المتقسط ٢٤٥، ٢٤٦، والشرح الكبير وحاشيته
٧٢/٢ ونهاية المحتاج ٤٦٢/٢، ومطالب أولي النهى
٣٤١/٢
(٤) الشرح الكبير وحاشيته ٧٨/٢، والمجموع ٣٠٨/٧، ٣٠٩،
والمغني ٣١٤/٣
(٥) الهداية وفتح القدير ٢٧٣/٢، والمسلك المتقسط ص ٢٥٣.
وفي قول عن أبي حنيفة: إذا أكل قبل الضمان تداخل مع
جزاء الصيد. وقيل لا رواية عنه في هذه الصورة، فتكون
محتملة .
- ١٨٩ _

إحرام ١٧٠ - ١٧١
استدل الجمهور بأنه صید مضمون بالجزاء، فلم
يضمن ثانياً، كما لو أتلفه بغير الأكل، ولأن تحريمه
لكونه ميتة، والميتة لا تضمن بالجزاء.
واستدل أبو حنيفة بأن (( حرمته باعتبار أنه
محظور إحرامه، لأن إحرامه هو الذي أخرج الصيد
عن المحلية، والذابحَ عن الأهلية في حق الذكاة،
فصارت حرمة التناول بهذه الوسائط مضافة إلى
إحرامه)).
المبحث الثالث
في الجماع ودواعيه
١٧٠ - اتفق العلماء على أن الجماع في حالة
الإحرام جناية يجب فيها الجزاء. والجمهور على أن
العامد والجاهل والساهي والناسي والمكره في ذلك
سواء. وهو مذهب الحنفية(١) والمالكية(٢) والحنابلة(٣)
قال ابن قدامة: «لأنه معنى يتعلق به قضاء الحج،
فاستوى عمده وسهوه کالفوات)).
لكن استثنى الحنابلة من الفداء الموطوءة كرها،
فقالوا: لا فداء عليها ، بل يجب عليها القضاء فقط .
وقال الشافعية(٤): الناسي والمجنون والمغمى عليه
والنائم والمكره والجاهل لقرب عهده بالإسلام أو
نشوئه ببادية بعيدة عن العلماء، فلا يفسد الإحرام
بالنسبة إليهم بالجماع.
(١) المسلك المتقسط ص ١٢٦
(٢) الشرح الكبير بحاشيته ٦٨/٢
(٣) الكافي ٥٦١/٢، ومطالب أولي النهى ٣٤٨/٢، ٣٥٠،
٣٥١، ٣٥٢
(٤) كما في نهاية المحتاج وحاشيته للشبراملسي ٤٥٦/٢
أولا : الجماع في إحرام الحج :
يكون الجماع في إحرام الحج جناية في ثلاثة
أحوال :
١٧١ - الأول - الجماع قبل الوقوف بعرفة. فمن
جامع قبل الوقوف بعرفة فسد حجه بإجماع العلماء،
و وجب عليه ثلاثة أمور:
١ - الاستمرار في حجه الفاسد إلى نهايته لقوله
تعالى: ((وَأَتِّمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلّهِ)) وجه الاستدلال
أنه ((لم یفرق بین صحیح وفاسد)» .(١)
٢ - آداء حج جديد في المستقبل قضاء للحجة
الفاسدة، ولو كانت نافلة. ويستحب أن يفترقا في
حجة القضاء هذه عند الأئمة الثلاثة منذ الإحرام
بحجة القضاء، وأوجب المالكية عليهما الافتراق.
٣ - ذبح الهدي في حجة القضاء. وهو عند
الحنفية شاة، وقال الأئمة الثلاثة: لا تجزئ الشاة،
بل يجب عليه بدنة .
استدل الحنفية بما ورد أن رجلا جامع امرأته
وهما محرمان، فسألا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فقال لهما: «اقضیا نسککما واهدیا هدیاً)» رواه
أبوداود في المراسيل والبيهقي، وبما روي من الآثار
عن الصحابة انه يجب عليه شاة. (٢)
(١) المجموع ٣٨١/٧، ونهاية المحتاج ٤٥٦/٢، ٤٥٧ والمسلك
المتقسط ص ٢٢٥، ٢٢٦ (وفيه مزيد تفاصيل) وشرح
الكنز للعيني ١٠٢/١، وشرح الزرقاني لمختصر خليل
٣٠٦/٢، والشرح الكبير ٦٨/٢، والمغني ٣٣٤/٣،
ومطالب أولى النهي ٢٤٧/٢، ٢٤٨
(٢) انظر الهداية وفتح القدير ٢٣٨/٢ - ٢٤٠، وشرح الكنز
للعيني ١٠٢/١. والحديث المذ کور مرسل وهو حجة عند
الحنفية، وقد تعضد بشواهد تقو یه.
- ١٩٠ -

إحرام ١٧٢
واستدل الجمهور بما قال الرملي : ((لفتوى جماعة
من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف)).(١)
١٧٢ - الثاني - الجماع بعد الوقوف قبل التحلل
الأول. فمن جامع بعد الوقوف قبل التحلل يفسد
حجه، وعليه بدنة - كما هو الحال قبل الوقوف -
عند المالكية والشافعية والحنابلة. (٢)
وذهب الحنفية إلى أنه لا يفسد حجه، ويجب
عليه أن يهدي بدنة . (٣)
استدل الثلاثة : بما روي عن ابن عمر أن رجلا
سأله فقال: إني وقعت على امرأتي ونحن محرمان؟
فقال: ((أفسدت حجك. انطلق أنت وأهلك مع
الناس، فاقضوا ما يقضون، وَحِلَّ إذا حلوا. فإذا
كان في العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك، واهدیا
هدياً، فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعةً
إذا رجعتم)).(٤)
وجه الاستدلال : أنه ونحوه مما روي عن
الصحابة مطلق في المحرم إذا جامع، لا تفصيل فيه
بین ما قبل الوقوف وبين ما بعده، فيكون حكمهما
واحداً، وهو الفساد ووجوب بدنة.
واستدل الحنفية بقوله صلى الله عليه وسلم:
(١) نهاية المحتاج ٤٥٧/٢، وانظر المغني ٣٣٤/٣، والمجموع
٣٨١/٧، والمنتقى شرح الموطأ ٣/٣، والشرح الكبير
٦٨/٢، وقد أطلق الشراح المالكيون وجوب ((هدي)) وبين
تعيينه في المنتقى أنه بدنة.
(٢) حاشية العدوي ٤٨٥/١، ٤٨٦، والشرح الكبير الموضع
السابق ونهاية المحتاج ٤٥٦/٢، والمغني ٣٣٤/٣
(٣) الهداية بشرحها ٢٤٠/٢، ٢٤١، والمسلك المتقسط ص ٢٢٦
(٤) المغني ٣٣٥/٣ وانظر نصب الراية فقد رواه بأطول من هذا
اللفظ ١٢٧/٣ وقال: ((رواه البيهقي وإسناده صحيح))
((الحج عرفة)). أخرجه أحمد وأصحاب السنن
والحاكم،(١) وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث
عروة بن مُضْرِّس الطائى: ((وقد وقف بعرفة قبل
ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفئه)) أخرجه
أحمد وأصحاب السنن، وصححه الترمذي، وقال
الحاكم: ((صحيح على شرط كافة أئمة الحديث)).(٢)
وجه الاستدلال : أن حقيقة تمام الحج المتبادرة
من الحديثين غير مرادة، لبقاء طواف الزيارة، وهو
ركن إجماعا، فتعين القول بأن الحج قد تمّ حكماً،
والتمام الحكمي يكون بالأمن من فساد الحج بعده،
فأفاد الحديث أن الحج لا يفسد بعد عرفة . مهما صنع
المحرم(٣)
وانما أوجبنا البدنة بما روي عن ابن عباس رضي
الله عنهما أنه ((سئل عن رجل وقع بأهله وهو بمنى قبل
أن يفيض، فأمره أن ينحر بدنة)). رواه مالك وابن
أبي شيبة (٤)
(١) المسند ٣٠٩/٤، ٣١٠ وأبو داود (باب من لم يدرك عرفة)
١٩٦/٢، والترمذي واللفظ له، (باب من أدرك
الامام ... ) ٢٣٧/٣، ٢٣٨، والنسائي ٢٥٦/٥، وابن
ماجه ص ١٠٠٣، والمستدرك ٤٦٤/١ قال الذهبي:
((صحيح))
(٢) المسند ٢٦١/٤، ٢٦٢ وأبو داود الموضع السابق،
والترمذي واللفظ له في الباب السابق ص ٢٣٨، ٢٣٩،
والنسائي (باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام
بالمزدلفة) ٢٦٣/٥ - ٢٦٥ وابن ماجه ص ١٠٠٤،
والمستدرك ٤٦٣/١ ووافق الذهبي على صحته.
(٣) تبيين الحقائق للزيلعي شرح الكنز ٥٨/٢، وفتح القدير
٢٤٠/٢، ٢٤١
(٤) الموطأ من طريق أبي الزبير (هدي من أصاب أهله قبل
أن يفيض) ٢٧٣/١ وابن أبي شيبة من طريق آخر عن ابن
عباس. وسنده صحيح. انظر المجموع ٣٨٠/٧
- ١٩١ -

إحرام ١٧٣ - ١٧٦
١٧٣ - الثالث - الجماع بعد التحلل الأول:
اتفقوا على أن الجماع بعد التحلل الأول لا يفسد
الحج. وألحق المالكية به الجماع بعد طواف الإفاضة
ولو قبل الرمي، والجماع بعد يوم النحر قبل الرمي
والإفاضة.
ووقع الخلاف في الجزاء الواجب :
فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه يجب
عليه شاة. قالوا في الاستدلال: ((لخفة الجناية،
لوجود التحلل في حق غير النساء)).
وقال مالك ، وهو قول عند الشافعية والحنابلة:
يجب عليه بدنة. وعلله الباجي بأنه لعظم الجناية على
الإحرام.(١)
وأوجب مالك والحنابلة على من فعل هذه الجناية
بعد التحلل الأول قبل الإفاضة أن يخرج إلى الحل،
ويأتي بعمرة، لقول ابن عباس ذلك. قال الباجي
في المنتقى: ((وذلك لأنه لما أدخل النقص على طوافه
للإفاضة بما أصاب من الوطء كان عليه أن يقضيه
بطوافٍ سالم إحرامه من ذلك النقص، ولا يصلح أن
يكونَ الطواف في إحرام إلا في حج أو عمرة».
ولم يوجب الحنفية والشافعية ذلك. (٢)
ثانيا : الجماع في إحرام العمرة :
١٧٤ - ذهب الحنفية إلى أنه لو جامع قبل أن
(١) وقد روى مالك القصة المذكورة في باب (هدي من
أصاب أهله قيل أن يفيض) فدل بذلك على أنه مذهبه في
جناية الجماع بعد التحلل. والله أعلم.
(٢) الهداية ٢٤١/٢، وشرح الكنز للعيني ١٠٣/١، والمنتقى
للباجي ٩/٣، ١٠، والمجموع ٣٩٣/٧، ٣٩٤ والمقنع
٤١٤/١، ومطالب أولى النهى ٣٥٠/٢
يؤدي ركن العمرة، وهو الطواف أربعة أشواط ،
تفسد عمرته، أما لو وقع المفسد بعد ذلك لا تفسد
العمرة، لأنه بأداء الركن أمن الفساد.
وذهب المالكية إلى أن المفسد إن حصل قبل
تمام سعيها ولو بشوط فسدت، أما لو وقع بعد تمام
السعي قبل الحلق فلا تفسد، لأنه بالسعي تتم
أركانها، والحلق من شروط الكمال عندهم.
ومذهب الشافعية والحنابلة أنه إذا حصل المفسد
قبل التحلل من العمرة فسدت. والتحلل بالحلق،
وهو ركن عند الشافعية واجب عند الحنابلة (١)
١٧٥ - يجب في إفساد العمرة ما يجب في افساد
الحج من الاستمرار فيها، والقضاء والفداء باتفاق
العلماء.
لكن اختلفوا في فداء إفساد العمرة:
فمذهب الحنفية والحنابلة وأحد القولين عند
الشافعية أنه يلزمه شاة، لأن العمرة أقل رتبة من
الحج، فخفت جنایتها، فوجبت شاة.
ومذهب المالكية والشافعية أنه يلزمه بدنة قياساً
على الحج.
أما فداء الجماع الذي لا يفسد العمرة فشاة فقط
عند الحنفية وبدنة عند المالكية (٢)
ثالثا : مقدمات الجماع :
١٧٦ - المقدمات المباشرة أو القريبة، كاللمس
(١) انظر تفصيل هذه الأحكام في مصطلح (عمرة)
(٢) فتح القدير ٢٤١/٢، وحاشية العدوي ٤٨٦/١، والمنتقى
الموضع السابق، والمجموع ٣٨١/٧، ٣٨٢، وشرح المحلي
١٣٦/٢، والمغني ٤٨٦/٣، وحاشية المقنع ٤١٤/١،
ومطالب أولي النهى ٣٥١/٢
- ١٩٢ -

إحرام ١٧٧ - ١٧٩
بشهوة، والتقبيل، والمباشرة بغير جماع: يجب على من
فعل شيئاً منها الدم سواء أنزل منيا أو لم ينزل . ولا
يفسد حجه اتفاقا بين الحنفية والشافعية والحنابلة،
إلا أن الحنابلة قالوا: إن أنزل وجب عليه بدنة.
ومذهب المالكية : إن أنزل بمقدمات الجماع منيا
فحكمه حكم الجماع في إفساد الحج، وعليه ما على
المجامع مما ذكر سابقا، وإن لم ينزل فليهد بدنة.
١٧٧ - المقدمات البعيدة : كالنظر بشهوة والتفكر
كذلك، صرح الحنفية والشافعية أنه لا يجب في شيء
منهما الفداء، ولو أدى إلى الإنزال. وهو مذهب
الحنابلة في الفكر.
ومذهب المالكية : إذا فعل أي واحد منها بقصد
اللذة، واستدامه حتى خرج المني، فهو كالجماع في
إفساد الحج. وإن خرج المني بمجرد الفكر أو النظر
من غير استدامة فلا يفسد، وإنما فيه الهدي (بدنة).
ومذهب الحنابلة : إن نظر فصرف بصره فأمنى
فعليه دم، وإن كرر النظر حتى أمنى فعليه بدنة . (١)
رابعا : في جماع القارن :
١٧٨ - قرر الحنفية في جماع القارن - بناء على
مذهبهم أنه يطوف طوافين ويسعى سعيين -
التفصيل الآتي : (٢)
١ - إن جامع قبل الوقوف، وقبل طواف العمرة،
فسد حجه وعمرته كلاهما، وعليه المضى فيهما، وعليه
(١) الهداية ٢٣٧/٢، ٢٣٨ وحاشية العدوي ٤٨٩/١، ونهاية
المحتاج ٤٥٦/٢، ومختصر الخرقي، والمغني شرحه ٣٣٨/٣ -
٣٤٠
(٢) كما في المسلك المتقسط ٢٢٨،٢٢٧
شاتان للجناية على إحرامهما، وعليه قضاؤهما، وسقط
عنه دم القران .
٢ - إن جامع بعدما طاف لعمرته كل أشواطه أو
أكثرها فسد حجه دون عمرته لأنه أدى ركنها قبل
الجماع، وسقط عنه دم القران، وعليه دمان لجنايته
المتكررة حكماً، دم لفساد الحج، ودم للجماع في
إحرام العمرة لعدم تحلله منها، وعليه قضاء الحج
فقط ، لصحة عمرته .
٣ - إن جامع بعد طواف العمرة وبعد الوقوف قبل
الحلق ولو بعرفة لم يفسد الحج ولا العمرة، لإدراكه
ركنهما، ولا يسقط عنه دم القران، لصحة أداء الحج
والعمرة، لكن عليه بدنة للحج وشاة للعمرة.
٤ - لو لم يطف لعمرته - ثم جامع بعد الوقوف -
فعليه بدنه١ حج، وشاة لرفض العمرة، وقضاؤها .
٥ - لو طاف القارن طواف الزيارة قبل الحلق، ثم
جامع، فعليه شاتان بناء على وقوع الجناية على
إحراميه، لعدم التحلل الأول المرتب عليه التحلل
الثانى .
المبحث الرابع
في أحكام كفارات محظورات الإحرام
كفارات محظورات الإحرام أربعة أمور، هى:
الهدي، والصدقة، والصيام، والقضاء.
والكلام هنا على أحكامها الخاصة بهذا الموضوع:
المطلب الأول
الهدي
١٧٩ - تراعى في الهدي وذبحه وأنواعه الشروط
والأحكام الموضحة في مصطلح ((هدي)».
- ١٩٣ -

إحرام ١٨٠ - ١٨٣
المطلب الثاني
الصدقة
١٨٠ - يراعى في المال الذي تخرج منه الصدقة أن
يكون من الأصناف التي تخرج منها صدقة الفطر،
كما تراعى أحكام الزكاة في الفقير الذي تدفع إليه.
ويراعى في إخراج القيمة، ومقدار الصدقة لكل
مسكين ما هو مقرر في صدقة الفطر. وهذا في الإطعام
الواجب في الفدية. وأما في جزاء الصيد فالمالكية
والشافعية لم يقيدوا الصدقة فيه بمقدار معين.
وتفصيلات ذلك وآراء الفقهاء يرجع إليها في مصطلح
هدي وكفارة وصدقة الفطر.
المطلب الثالث
الصيام
١٨١ - أولا : من كفّر بالصيام يراعي فيه أحكام
الصيام ولا سيما تبييت النية بالنسبة للواجب غير
المعين (ر: صوم)
١٨٢ - ثانيا : الصيام المقرر جزاء عن المحظور لا
يتقيد بزمان ولا مكان ولا تتابع اتفاقا، إلا الصيام
لمن عجز عن هدي القرآن والتمتع، فإنه يصوم ثلاثة
أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. فلا يصح
صيام الأيام الثلاثة قبل أشهر الحج، ولا قبل إحرام
الحج والعمرة في حق القارن، ولا قبل إحرام العمرة
في حق المتمتع اتفاقا .
أما تقديمها للمتمتع على إحرام الحج فمنعه
المالكية (١) والشافعية(٢) لقوله تعالى: ((فَصِيَامُ ثَلاَثَةٍ
(١) الشرح الكبير ٨٤/٢
(٢) نهاية المحتاج ٤٤٦/٢
أيّامٍ في الحج))(!) وأجازه الحنفية(٢) والحنابلة(٣)لأنه كما
قال ابن قدامة: «وقت کامل جاز فيه نحر الهدي،
فجاز فيه الصيام، كبعد إحرام الحج. ومعنى قوله
تعالى (في الحج) أي في وقته)).
وأما الأيام السبعة الباقية على من عجز عن هدي
القرآن والتمتع، فلا يصح صيامها إلا بعد أيام
التشريق، ثم يجوز صيامها بعد الفراغ من أفعال
الحج، ولو في مكة، إذا مكث بها، عند الحنفية
والمالكية والحنابلة .(٤) والأفضل المستحب أن يصومها
إذا رجع إلى أهله، وهو قول عند الشافعية، لكن
الأظهر عند الشافعية أنه يصوم الأيام السبعة إذا رجع
إلى أهله، ولا يجوز أن يصومها في الطريق، إلا إذا
أراد الإقامة بمكة صامها بها(٥)
والدليل للجميع قوله تعالى: (( وَسَبْعَةٍ إِذَا
رَجَعْتُمْ))(٦) فحمله الشافعية على ظاهره، وقال
غيرهم: إن الفراغ من الحج هو المراد بالرجوع، فكأنه
بالفراغ رجع عما كان مقبلا عليه.
١٨٣ - ثالثا: من فاته أداء الأيام الثلاثة في الحج
يقضيها عند الثلاثة، ويرجع إلى الدم عند الحنفية،(٧)
لا يجزيه غيره. وهو قول عند الحنابلة .
ثم عند المالكية، وهو قول عند الحنابلة : إن صام
بعضها قبل يوم النحر كمّلها أيام التشريق، وإن
(١) سورة البقرة /١٩٦
(٢) المسلك المتقسط ص ١٧٥
(٣) الكافي ٥٣٨/١، ٥٣٩
(٤) المراجع السابقة للمذاهب الثلاثة.
(٥) نهاية المحتاج ٤٤٦/٢
(٦) سورة البقرة /١٩٦
(٧) المسلك المتقسط ص ١٧٦
- ١٩٤ -

إحرام ١٨٤ - ١٨٥
أخرها عن أيام التشريق صامها متى شاء، وصلها
بالسبعة أولا .
ولم يجز الشافعية والحنابلة في القول الآخر عندهم
صيامها أيام النحر والتشريق، بل يؤخرها إلى
ما بعد.
١٨٤ - ويجب عند الشافعية في الأظهر في قضاء
الأيام الثلاثة: ((أن يفرّق في قضائها بينها وبين
السبعة بقدر أربعة أيام، يوم النحر وأيام التشريق،
ومدة إمكان السير إلى أهله، على العادة الغالبة، كما
في الأداء، فلوصام عشرة أيام متتالية حصلت
الثلاثة، ولا يعتد بالبقية لعدم التفريق)).
المطلب الرابع
في القضاء
١٨٥ - وهو من واجب إفساد النسك بالجماع.
ومن أحکامه ما يلي :
أولاً : يراعى في قضاء النسك أحكام الأداء العامة،
مع تعيين القضاء في نية الإحرام به .
ثانياً : قال الحنفية (١) وهو قول عند الشافعية : عليه
القضاء من قابل أي من سنة آتية، ولم يجعلوه على
الفور.
ومذهب المالكية (٢) والشافعية(٣) والحنابلة(٤) أن
القضاء واجب على الفور ولو كان النسك الفاسد
تطوعا، فيأتي بالعمرة عقب التحلل من العمرة
(١) الهداية وفتح القدير ٢٤٠/٢، والمسلك المتقسط ص ٢٨٧
(٢) الشرح الكبير ٦٩/٢
(٣) نهاية المحتاج ٤٥٨/٢
(٤) مطالب أولى النهي ٣٤٩/١
الفاسدة، ويحج في العام القادم.
ثالثاً : قرر المالكية والشافعية والحنابلة أن
المفسد عندما يقضي نسكه الفاسد يحرم في القضاء
حيث أحرم في النسك المفْسَد، فإن أحرم من الجحفة
مثلا أحرم في القضاء منها . وعند الشافعية: إن سلك
في القضاء طريقاً آخر أحرم من مثل مسافة الميقات
الأول ما لم يجعله ذلك يجاوز الميقات بغير إحرام، فإنه
يحرم من الميقات.
وإن أحرم في العام الأول قبل المواقيت لزمه
كذلك عند الشافعية والحنابلة. وعند المالكية لا يجب
الإحرام بالقضاء إلا من المواقيت.
أما إن جاوز في العام الأول الميقات غير محرم
فإنه في القضاء يحرم من الميقات ولا يجوز أن يجاوزه
غير محرم .
وقال المالكية : ان تعدى الميقات في عام الفساد
لعذر مشروع (( كأن يجاوز الميقات حلالا لعدم إرادته
دخول مكة، ثم بعد ذلك أراد الدخول، وأحرم
بالحج، ثم أفسده، فإنه في عام القضاء يحرم مما أحرم
منه أولا))(١)
(١) كما صرح به الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير ٧٠/٢،
وانظر المذاهب الباقية في نهاية المحتاج ٤٢٨/٢، ومطالب أولى
النهي ٣٤٩/٢
- ١٩٥ -

إحصار ١ - ٣
إحصَار
التعريف :
١ - من معاني الإحصار في اللغة المنع من بلوغ
المناسك بمرض أو نحوه، وهو المعنى الشرعي أيضا على
خلاف عند الفقهاء فیما یتحقق به الإحصار (١)
٢ - واستعمل الفقهاء مادة (حصر) بالمعنى اللغوي
في كتبهم استعمالا كثيرا. ومن أمثلة ذلك: قول
صاحب تنوير الأبصار وشارحه في الدر المختار: (٢)
«والمحصور فاقد الماء والتراب الطھور ین، بأن حبس
في مكان نجس، ولا يمكنه إخراج مطهر، وكذا
العاجز عنها لمرض يؤخر الصلاة عند أبي حنيفة ،
وقالا (٣) يتشبه بالمصلين وجوباً، فيركع ويسجد إن
وجد مكاناً يابساً، وإلا يومىء قائماً ثم يعيد)».
ومنه أيضا قول صاحب تنوير الأبصار. (٤)
((وكذا يجوز له(٥) أن يستخلف إذا حصر عن قراءة
قدر المفروض».
وقال أبو إسحاق الشيرازي:(٦) (( ويجوز أن يصلي
(١) التعريفات للجرجاني، ولسان العرب ومعجم مقاييس اللغة
(٢) هامش حاشية الطحطاوي ١٣٣/١
(٣) يعني صاحبي أبي حنيفة وهما أبو يوسف ومحمد.
(٤) هامش حاشية الطحطاوي ٢٥٧/١
(٥) أي للإمام في صلاة الجماعة .
(٦) المهذب مع المجموع ٣٣٠/٢
بتيمم واحد ما شاء من النوافل، لأنها غير محصورة،
فخف أمرها ». وتفصيله في مصطلح (صلاة).
إلا أنهم غلبوا استعمال هذه المادة (حصر)
ومشتقاتها في باب الحج والعمرة للدلالة على منع
المحرم من أركان النسك، وذلك اتباعا للقرآن
الكريم، وتوافقت على ذلك عباراتهم حتى أصبح
(الإحصار) اصطلاحا فقهياً معروفاً ومشهوراً.
ويعرف الحنفية الإحصار بأنه : هو
المنع من الوقوف بعرفة والطواف جميعهما بعد الإحرام
بالحج الفرض، والنفل، وفي العمرة عن الطواف .
وهذا التعريف لم يعترض عليه.(١)
ويعرفه المالكية بأنه المنع من الوقوف والطواف
معا أو المنع من أحدهما .(٢)
ويمثل مذهب الشافعية هذا التعريف الذي
أورده الرملي الشافعي في نهاية المحتاج، (٣) ونصه: ((هو
المنع من إتمام أركان الحج أو العمرة».
وينطبق هذا التعريف للشافعية على مذهب
الحنابلة في الإحصار، لأنهم يقولون بالإحصار عن أي
من أركان الحج أو العمرة، على تفصيل يسير في
كيفية التحلل لمن أحصر عن الوقوف دون الطواف.
الأصل التشريعي في موجب الإحصار:
٣ - موجَب الإحصار - إجمالاً - التحلل بكيفية
(١) لباب المناسك لرحمة الله السندي، وشرحه المسلك المتقسط في
المنسك المتوسط لعلي القاري ص ٢٧٢
(٢) الدسوقي ٩٣/٢
(٣) نهاية المحتاج ٤٧٣/٢، ومثله في حاشية عميرة على شرح المنهاج
١٤٧/٢ وفي تحفة المحتاج ٢٠٠/٤ بزيادة ((أوهما)).
- ١٩٦ -

إحصار ٤ - ٦
سيأتي تفصيلها. والأصل في هذا المبحث حادثة
الحديبية المعروفة (!)
وفي ذلك نزل قوله تبارك وتعالى: وَأَتْمُّوا الحَّ
وَالعُمْرَة لله، فَإِنْ أُخْصِرُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي وَلاَ
تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه)). (٢)
وقال ابن عمر رضي الله عنهما : ((خرجنا مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحال كفار قريش
دون البيت، فنحر النبي صلى الله عليه وسلم هديه
وحلق رأسه)). أخرجه البخاري.
ما یتحقق به الإحصار:
٤ - يتحقق الإحصار بوجود ركنه، وهو المنع من
المضي في النسك، حجاً كان أو عمرة، إذا توافرت
فيه شروط بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه .
ركن الإحصار:
٥ - اختلف الفقهاء في المنع الذي يتحقق به
الإحصار هل يشمل المنع بالعدو والمنع بالمرض ونحوه
من العلل، أم يختص بالحصر بالعدو؟
فقال الحنفية : (( الإحصار يتحقق بالعدو،
وغيره، كالمرض، وهلاك النفقة، وموت مَخْرَم
المرأة، أو زوجها، في الطريق)) (٣)
ويتحقق الإحصار بكل حابس يحبسه، (٤) يعني
(١) انظر التفصيل في سيرة ابن هشام ٣٠٨/٢ وما بعد، وعيون
الأثر ١١٣/٢ ومابعد .
(٢) سورة البقرة /١٩٦
(٣) فتح القدير ٢٩٥/٢
(٤) لباب المناسك لرحمة الله السندي وشرحه المسلك المتقسط لعلى
القاري ص ٢٧٣
المحرم، عن المضي في موجب الإحرام. وهو رواية عن
الإمام أحمد.(١) وهو قول ابن مسعود، وابن الزبير،
وعلقمة، وسعيد بن المسيب، وعروة ابن الزبير،
ومجاهد، والنخعى، وعطاء، ومقاتل بن حيان،
وسفيان الثوري، وأبي ثور.(٢)
ومذهب المالكية : أن الحصر يتحقق بالعدو،
والفتنة، والحبس ظلما .(٣) كذلك هو مذهب الشافعية
والمشهور عند الحنابلة، مع أسباب أخرى من الحصر
بما يقهر الانسان، مما سيأتي ذكره، كمنع الزوج
زوجته عن المتابعة .
واتفقت المذاهب الثلاثة على أن من يتعذر عليه
الوصول إلى البيت بحاصر آخر غير العدو، كالحصر
بالمرض أو بالعرج أو بذهاب نفقة ونحوه، أنه لا يجوز
له التحلل بذلك . (٤)
لكن من اشترط التحلل إذا حبسه حابس له
حكم خاص عند الشافعية والحنابلة يأتي بيانه إن
شاء الله تعالى.
وهذا القول ينفي تحقق الإحصار بالمرض ونحوه
من علة وهو قول ابن عباس وابن عمر وطاوس
والزهري وزيد بن أسلم ومروان بن الحكم . (٥)
٦ - استدل الحنفية ومن معهم بالأدلة من الكتاب
(١) المغني ٣٦٣/٣
(٢) المرجع السابق، وتفسير ابن كثير، وقد تفرد عنه بکثیر ممن
ذكرناهم ٢٣١/١
(٣) شرح الدردير على مختصر خليل مع حاشية الدسوقي ٩٣/٢،
ومواهب الجليل شرح مختصر خليل للخطاب ١٩٥/٣
(٤) المرجعين السابقين ، وحاشية عميرة على شرح المنهاج للمحلى
١٤٧/٢، ونهاية المحتاج للرملي ٤٧٥/٢، والمغني ٣٦٣/٣
(٥) المغني الموضع السابق، وتفسير ابن كثير ٢٣١/١
- ١٩٧ -

إحصار ٧
والسنة والمعقول :
أما الكتاب فقوله تعالى: (فَإِنْ أُخْصِرْتُمْ فَمَا
اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدي)».(١) ووجه دلالة الآية قول أهل
اللغة إن الإحصار ما كان بمرض أو علة، وقد عبرت
الآية بأحصرتم، فدل على تحقق الإحصار شرعاً
بالنسبة للمرض وبالعدو. وقال الجصاص: ((لما
ثبت بما قدمته من قول أهل اللغة أن اسم الإحصار
يختص بالمرض، وقال الله (فإن أحصرتم فما استيسر
من الهدي) وجب أن يكون اللفظ مستعملا فيما هو
حقيقة فيه، وهو المرض، و يكون العدو داخلا فيه
بالمعنى)).
وأما السنة : فقد أخرج أصحاب السنن
الأربعة(٢) بأسانيد صحيحة، كما قال النووي،(٣) عن
عكرمة، قال: سمعت الحجاج بن عمرو الأنصاري
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من
كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل)». قال
عكرمة سألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا :
صدق.
وفي رواية عند أبي داود(٤) وابن ماجه: ((من
(١) سورة البقرة / ١٩٦
(٢) أبو داود باب الإحصار ١٧٣/٢، والترمذي ٢٧٧/٣ وقال :
«حديث حسن صحيح))، والنسائي ١٩٨/٥، وابن ماجه ص
١٠٢٨ كلهم من طريق حجاج الصواف حدثني يحيى بن أبي
كثير عن عكرمة .
(٣) في المجموع ٢٥١/٨ - ٢٥٢
(٤) من طريق عبد الرزاق، أنا معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن
عكرمة، عن عبد الله بن رافع، عن الحجاج بن عمرو، وهي
الطريق التي سبق الإشارة إليها في حديث ابن عباس في
الإحصار، وقد تكلم عليها الترمذي، والظاهر أن الحديث عن
عكرمة بالإسنادين، كما كان دأبه لكثرة رواياته.
كسر أو عرج أو مرض ... )).
وأما العقل : فهو قياس المرض ونحوه على العدو
بجامع الحبس عن أركان النسك في كل، وهو قياس
جلّ، حتى جعله بعض الحنفية أولويا.
٧ - واستدل الجمهور بالكتاب والآثار والعقل:
أما الكتاب فآية: «فَإِنْ أُخْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ
مِنّ الهَدي)) قال الشافعي: ((فلم أسمع مخالفا ممن
حفظت عنه ممن لقيت من أهل العلم بالتفسير في أنها
نزلت بالحديبية. وذلك إحصار عدو، فكان في الحصر
إذن الله تعالى لصاحبه فيه بما استيسر من الهدي. ثم
بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي يحل منه
المحرم الإحصار بالعدو، فرأيت أن الآية بأمر الله تعالى
بإتمام الحج والعمرة لله عامة على كل حاج ومعتمر،
إلا من استثنى الله، ثم سن فيه رسول الله صلى الله
عليه وسلم من الحصر بالعدو. وكان المريض عندي
ممن عليه عموم الآية». يعني ((وأتموا الحج والعمرة
لل)».
وأما الآثار: فقد ثبت من طرق عن ابن
عباس(١) أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو، فأما من
أصابه مرض، أو وجع، أو ضلال، فليس عليه
شيء، إنما قال الله تعالى: «فإذا أمنتم» وروي عن
ابن عمرو والزهري وطاووس وزيد بن أسلم نحو
ذلك.
وروى الشافعي في الأم (٢) عن مالك - وهو
(١) أخرجها ابن أبي حاتم في تفسيره، كما نقل عنه ابن كثير في
تفسيره ٢٣١/١، وأخرج الشافعي في الأم ١٦٣/٢ قول ابن
عباس: ((لا حصر إلا حصر العدو)).
(٢) الأم ١٦٤/٢
- ١٩٨ -

إحصار ٨
عنده في الموطأ (١)ـ عن يحيى بن سعيد عن
سليمان بن يسار أن عبد الله بن عمر، ومروان بن
الحكم، وابن الزبير أفتوا ابن حزابة المخزومي، وأنه
صرع ببعض طريق مكة وهو محرم، أن يتداوى بما
لابد له منه، ويفتدي، فإذا صح اعتمر فحل من
إحرامه، وكان عليه أن يحج عاما قابلا ويهدي.
وهذا إسناد صحيح .
وأما الدليل من المعقول: فقال فيه الشيرازي :
((إن أحرم وأحصره المرض لم يجزله ان يتحلل، لأنه
لا يتخلص بالتحلل من الأذى الذي هو فيه، فهو
كمن ضل الطريق)».(٢)
شروط تحقق الإحصار:
٨ - لم ينص الفقهاء صراحة على شروط تحقق
الإحصار أنها كذا وكذا، ولکن یمکن استخلاصها،
وهي:
الشرط الأول : سبق الإحرام بالنسك، بحج أو
عمرة، أو بهما معاً، لأنه إذا عرض ما يمنع من أداء
النسك، ولم يكن أحرم، لا يلزمه شيء.
ويتحقق الإحصار عن الإحرام الفاسد
کالصحیح، و یستتبع أحكامه أيضا .
الشرط الثاني : ألا يكون قد وقف بعرفة قبل
حدوث المانع من المتابعة، إذا كان محرماً بالحج.
وهذا عند الحنفية والمالكية ، أما عند الشافعية
والحنابلة فيتحقق الإحصار عن الطواف بالبيت، كما
(١) الموطأ ٢٦١/١
(٢) المهذب ٢٥٠/٨ نسخة المجموع.
سيتضح في أنواع الإحصار.(١)
أما في العمرة فالإحصار يتحقق بمنعه عن أكثر
الطواف بالاجماع.
الشرط الثالث : أن ييأس من زوال المانع، بأن
يتيقن أو يغلب على ظنه عدم زوال المانع قبل فوات
الحج، ((بحيث لم يبق بينه وبين ليلة النحر زمان
يمكنه فيه السير لوزال العذر)).
وهذا نص عليه المالكية(٢) والشافعية،(٣) وقدر
الرملي الشافعي المدة في العمرة إلى ثلاثة أيام. فإذا
وقع مانع یتوقع زواله عن قریب فليس بإحصار.
ويشير إلى أصل هذا الشرط تعليل الحنفية إباحة
التحلل بالإحصار بأنه معلل بمشقة امتداد الاحرام.
الشرط الرابع : نص عليه المالكية وتفردوا به،
وهو ألا يعلم حين إحرامه بالمانع من إتمام الحج أو
العمرة. فإن علم فليس له التحلل، ويبقى على
إحرامه حتى يحج في العام القابل، إلا أن يظن أنه لا
يمنعه، فمنعه، فله أن يتحلل حينئذ، كما وقع للنبي
صلى الله عليه وسلم أنه أحرم بالعمرة عام الحديبية
عالما بالعدو، ظانا أنه لا يمنعه، فمنعه العدو، فلما منعه
تحلل . (٤)
(١) شرح اللباب ص ٢٧٦، ومواهب الجليل ٢٠١/٣، والمجموع
٢٤٩/٨، والمغني ٣٦٠/٣، فتح القدير ٣٠٢/٢
(٢) شرح الدردير ٩٣/٢، ومواهب الجليل ١٩٦/٣ - ١٩٧
(٣) نهاج المحتاج ٢/ ٤٧٤
(٤) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي الموضع السابق.
- ١٩٩ -

إحصار ٩ - ١١
أنواع الإحصار
بحسب الركن المحصر عنه
يتنوع الإحصار بحسب الركن الذي أحصر عنه
المحرم ثلاثة أنواع:
الأول : الإحصار عن الوقوف بعرفه وعن طواف
الإفاضة:
٩ - هذا الإحصار يتحقق به الإحصار الشرعي، بما
يترتب عليه من أحكام ستأتي (ف ٢٦) وذلك
باتفاق الأئمة، مع اختلافهم في بعض أسباب
الإحصار.
الثاني : الإحصار عن الوقوف بعرفة دون
الطواف:
١٠ - من أحصر عن الوقوف بعرفة، دون الطواف
بالبيت، فليس بمحصر عند الحنفية، وهو رواية عن
أحمد.
ووجه ذلك عندهم أنه يستطيع أن يتحلل
بمناسك العمرة، فيجب عليه أن يؤدي مناسك العمرة
بالإحرام السابق نفسه. ويتحلل بتلك العمرة .(١)
قال في المسلك المتقسط: (( وإن منع عن الوقوف
فقط يكون في معنى فائت الحج، فيتحلل بعد فوت
الوقوف عن إحرامه بأفعال العمرة، ولا دم عليه، ولا
عمرة في القضاء».(٢)
(١) لباب المناسك ص ٢٧٣، وهذا معنى قول الحنقية: ((فلتحلله
بالطواف)» أي ومامعه من السعي والحلق. رد المحتار ٣٢٣/٢،
والكافي ٦٢٨/١، والمغني ٣٦٠/٣
(٢) المسلك المتقسط /٢٧٣
وهذا يفيد بظاهره أنه ينتظر حتى يفوت
الوقوف، فيتحلل بعمرة، أي بأعمال عمرة بإحرامه
السابق، كما صرح بذلك في المبسوط بقوله: ((إن لم
يكن ممنوعا من الطواف يمكنه أن يصبر حتى يفوته
الحج، فيتحلل بالطواف والسعي))(١)
ومذهب المالكية والشافعية أنه يعتبر من أحصر
عن الوقوف فقط محصراً، ويتحلل بأعمال العمرة.
لكنه وإن تشابهت الصورة عند هؤلاء الأئمة إلا
أن النتيجة تختلف فيما بينهم. فالحنفية يعتبرونه تحلل
فائت حج، فلا یوجبون عليه دما، و يعتبره المالكية
والشافعية تحلل احصار، فعليه دم (٢)
أما الحنابلة فقالوا: له أن يفسخ نية الحج،
ويجعله عمرة، ولا هدي عليه، لإباحة ذلك له من غير
إحصار، ففيه أولى، فان كان طاف وسعى للقدوم ثم
أحصر أو مرض، حتى فاته الحج، تحلل بطواف
وسعي آخر، لأن الأول لم يقصد به طواف العمرة ولا
سعيها، وليس عليه أن يجدد إحراما. (٣)
الثالث : الإحصار عن طواف الركن :
١١ - مذهب الحنفية والمالكية أن من وقف بعرفة
ثم أحصر لا يكون محصرا، لوقوع الأمن عن الفوات،
كما قال الحنفية. ويفعل ما سوى ذلك من أعمال
الحج، ويظل محرماً في حق النساء حتى يطوف
(١) المبسوط ١١٤/٤، صرح به ابن قدامة في الكافي، وقال في
المغني: ((فإن فاته الحج فحكمه حكم من فاته بغير حصر)).
(٢) المنتقي للباجي ٢٧٢/٢، والدسوقي ٩٥/٢، ٩٦، والخطاب
٢٠٠/٣، والمجموع ١٤٦/٨، والقليوبي ١٥١/٢
(٣) المغني لابن قدامة ٣٦٠/٣
- ٢٠٠ -