النص المفهرس

صفحات 21-40

أجل ٣٤ - ٣٧
واشترط خدمتها، فقال له عمر (لا تقربها وفيها
مثنوية))(١)
وأما إذا جعل تأجيل تسليم العين لمصلحة أجنبي
عن العقد، كما إذا باعه بشرط أن ينتفع بها فلان
((الأجنبي عن العقد)) شهراً، فلم يرصحة هذا أحد
من الفقهاء غير الحنابلة .(٢)
تأجیل الدین
الدين : هومال حكمي يحدث في الذمة ببيع أو
استهلاك أو غيرهما . (٣)
مشروعية تأجيل الديون :
٣٤ - لقد شرع جواز تأجيل الديون بالكتاب
والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: «يَا أَيُّهاَ الذِّينَ آمَنُوا
إذَا تَدَأْيَئْتُمْ بِدَيْنِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمِّى فاكْتُبُوهُ ... ))(٤)
فهذه الآية، وإن كانت لا تدل على جواز تأجيل سائر
الديون، إلا أنها تدل على أن من الديون ما يكون
مؤجلا، وهو ما نقصده هنا من الاستدلال بها على
مشروعية الأجل.
وأما السنة فما روي عن السيدة عائشة رضي الله
(١) فتح القدير ٢١٥/٥ - ٢١٨، ورد المحتار على الدر المختار
١٢٦/٤ ط ٣ الأميرية، والمجموع شرح المهذب ٣٦٧/٩،
والغرر البهية ٤٢٦/٢، ونهاية المحتاج ٥٩/٣، ومغني المحتاج
٣١/٢
(٢) كشاف القناع ١٩١/٣ ط الرياض.
(٣) بدايع الصنايع ١٧٤/٥
(٤) سورة البقرة / ٢٨٢، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٣٧٧/٣
ط دار الكتب ١٩٣٦، وأحكام القرآن للجصاص ٥٧٣/١
عنها: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من
يهودي طعاماً إلى أجل، ورهنه درعا له من حديد.))
رواه مسلم واللفظ له. فهو يدل على مشروعية تأجيل
الأ ثمان.
وقد أجمعت الأمة على ذلك (١)
حكمة قبول الدين التأجيل دون العين :
٣٥ - نص الفقهاء على أن الفرق بين الأعيان
والديون من حيث جواز التأجيل في الثانية دون
الأولى: أن الأعيان معينة ومشاهدة، والمعين حاصل
وموجود، والحاصل والموجود ليس هناك مدعاة لجواز
ورود الأجل علیه.
أما الديون : فهي مال حكمي يثبت في الذمة،
فهي غير حاصلة ولا موجودة، ومن ثم شرع جواز
تأجیلها، رفقا بالمدین، وتمکینا له من اكتسابها
وتحصيلها في المدة المضروبة، حتى إن المشتري لو
عيّن النقود التي اشترى بها لم يصح تأجيلها .
الدیون من حيث جواز التأجيل وعدمه:
٣٦ - أوضح الفقهاء أن الديون تكون حالة، وأنه
يجوز تأجيلها إذا قبل الدائن. واستثنى جمهور الفقهاء
من هذا الأصل عدة دیون :
أ - رأس مال السلم :
٣٧ - وذلك لأن حقيقته شراء آجل، وهو المسلم
فيه (وهو السلعة)، بعاجل، وهو رأس المال (وهو
الثمن) فرأس مال السلم لابد من كونه حالًّا، عند
الحنفية والشافعية والحنابلة، لأن من شرط صحة هذا
(١) انظر مصطلح ((سلم)).
- ٢١ -

٠٠١
أجل ٣٨
....
العقد قبض رأس المال قبل انتهاء مجلس العقد.(١)
ولأنه لو تأخر لکان في معنی بیع الدین بالدین، (إن
كان رأس المال في الذمة) وهو منهي عنه، لما روي
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((نهى عن بيع
الكالئ بالكالى(٢)) أي النسيئة بالنسيئة، ولأن في
السلم غرراً، فلا يضم إليه غرر تأخير تسليم رأس
المال، فلا بدّ من حلول رأس المال ، كالصرف،
فلو تفرقا قبل قبض رأس المال بطل العقد .(٣)
ويرى المالكية أن من شروط صحة عقد السلم
قبض رأس المال كله في مجلس العقد، ويجوز تأخير
قبضه بعد العقد لمدة لا تزيد على ثلاثة أيام، ولو
بشرط ذلك في العقد، لأن ما قارب الشيء يعطى
حكمه، وهذا إذا لم يكن أجل السلم قريبا كيومين،
وذلك فيما شرط قبضه في بلد آخر. وإلا فلا يجوز
تأخيره هذه المدة، لأنه عين الكالئ بالكالى،
فيجب أن يقبض رأس المال بالمجلس أو ما يقرب
منه.
وفي فساد السلم بالز یادة على الثلاث ( بلا
شرط إن لم تكثر جداً - بألا يحل أجل المسلم فيه-)
وعدم فساده قولان لمالك.(٤)
(١) رد المحتار ٢١٧/٤، وبدائع الصنائع ٢٠٢/٥ الطبعة الأولى
سنة ١٣٢٨ هـ - ١٩١٠م، ومغني المحتاج ١٠٢/٢
(٢) حديث ((نهى عن بيع الكالىء بالكالىء)). رواه الحاكم
والدارقطني. وقال الإمام أحمد ليس في هذا حديث يصح.
وقال الإمام الشافعي: أهل الحديث يوهنون هذا الحديث.
وجزم الدارقطني في العلل بذلك. (تلخيص الحبير ٢٦/٣).
(٣) انظر الروض المربع ١٨٦/٢، وكشاف القناع ٣٠٤/٣ ط
الر یاض .
(٤) الخرشي ١١٢/٤، وحاشية الدسوقي ١٩٥/٣
ب- بدل الصرف :
٣٨ - من شروط صحة الصرف (١) تقابض الثمنين
في مجلس العقد، أي قبل افتراق المتعاقدين بأبدانهما .
فلو اشترط الأجل فيه فسد، لأن الأجل يمنع القبض،
وإذا لم يتحقق القبض لم يتحقق شرط صحته. وهذا
ما صرح به الحنفية(٢) والمالكية (٣) والشافعية
والحنابلة، لقوله صلى الله عليه وسلم ((الذهب
بالذهب، والفضة بالفضة، والبرّ بالبرّ، والشعير
بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء
بسواء، يدأ بيد. فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا
كيف شئتم إذا كان يداً بيد) أي مقابضة. قال
الرافعي: ومن لوازمه الحلول . (٥)
وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من
أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن
يتقابضا أن الصرف فاسد، لقول النبي صلى الله عليه
وسلم ((الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء"))، وقوله
عليه الصلاة والسلام ((بيعوا الذهب بالفضة كيف
شئتم يداً بيد)).(٧)
(١) انظر مصطلح صرف ، وهو بيع الثمن بالثمن.
(٢) رد المحتار على الدر المختار ٢٤٤/٤.
(٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢٩/٣ ط المكتبة التجارية.
(٤) حديث ((الذهب بالذهب ... )) رواه أحمد ومسلم وأبو داود
وابن ماجه. (الفتح الكبير ١٢٣/٢)
(٥) مغني المحتاج ٢٤/٢
(٦) ((الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء)). رواه مالك والشيخان
والترمذي وأبو داود والنسائي. (جامع الأصول ٥٤٤/١)
(٧) المغني والشرح الكبير ١٦٥/٤، وكشاف القناع ٢٦٦/٣،
وجاء فيه أنه إن طال المجلس قبل القبض وتقابضا قبل التفرقة
جاز.
وحديث: (( بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد». رواه مسلم
والترمذي وأبو داود والنسائي من حديث عبادة بن الصامت
مرفوعا (جامع الأصول ٥٥٣/١).
- ٢٢ -

أجل ٣٩ - ٤٢
ج- الثمن بعد الإقالة : (١)
٣٩ - الإقالة جائزة في البيع بمثل الثمن الأول،
عليه إجماع المسلمينُ، لقوله صلى الله عليه وسلم
((من أقال نادما بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة)).
أخرجه أبو داود وابن ماجه عن الأعمش عن أبي
صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أقال مسلما بيعته
أقال الله عثرته))(٣)زاد ابن ماجه: (( يوم القيامة)).
ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم، وقال على
شرط الشيخين، وأما لفظ ((نادماً)) فعند البيهقي.
والإقالة عند الجمهور عود المتعاقدين إلى الحال
الأول، بحيث يأخذ البائع المبيع والمشتري الثمن. فإن
شرط غير جنس الثمن، أو أكثر منه، أو أجله، بأن
كان الثمن حالا فأجله المشتري عند الإقالة، فان
التأجيل يبطل، وتصح الإقالة .
وذهب المالكية إلى أن الإقالة بيع فتجري عليها
أحكامه من التأجيل وغيره. (٤)
د - بدل القرض:
٤٠ - اختلف العلماء في جواز اشتراط تأجيل
القرض :
فيرى جمهور الفقهاء أنه يجوز للمقرض المطالبة
ببدله في الحال، وأنه لو اشترط فيه التأجيل لم
يتأجل، وكان حالاً. وبهذا قال الحنفية والشافعية
(١) راجع مصطلح (إقالة ).
(٢) فتح القدير ١١٣/٦، والمغني والشرح الكبير ٢٢٥/٤، ٢٢٦
(٣) صححه الشيخ أحمد محمد شاكر (المسند بتحقيقه
١٦٧/١٣).
(٤) جواهر الإكليل ٥٤/٢، الروضة ٤٩٤/٣
والحنابلة والحارث العكلي والأوزاعي وابن المنذر. (١)
وذلك لأنه سبب يوجب رد المثل في المثليات،
فأوجبه حالاً، كالإتلاف، ولو أقرضه بتفاريق، ثم
طالبه بها جملة فله ذلك، لأن الجميع حالّ، فأشْبه
ما لوباعه بيوعاً حالة، ثم طالبه بثمنها جملة.
ولأن الحق يثبت حالاً، والتأجيل تبرع منه
ووعد، فلا يلزم الوفاء به، كما لو أعاره شيئا، وهذا
لا يقع عليه اسم الشرط، ولو سمّي شرطا ، فلا يدخل
في حديث: ((المؤمنون عند شروطهم)). (٢)
هـ - ثمن المشفوع فيه :
٤١ - اختلف الفقهاء في كون ثمن المشفوع فيه
هل يجب حالاً، أو يجوز فيه التأجيل، فيرى الحنفية
والشافعية أنه يجب حالا ولو كان الثمن مؤجلا على
المشتري. ويرى المالكية والحنابلة أنه إذا بيع العقار
مؤجلا أخذه الشفيع إلى أجله. (٣)
الديون المؤجلة بحكم الشرع
أ - الدية : (٤)
٤٢ - لما كانت الدية قد تجب في القتل العمد (إذا
عفي عن القاتل، وطلبها أولياء المقتول، كما هو رأي
(١) المغني والشرح الكبير ٣٥٤/٤. والروض المربع ١٩٠/٢.
والأشباه والنظائر لابن تخيم ص ٣٥٧ وللسيوطي ص ٣٢٩، ورد
المختار ١٧٧/٤
(٢) ((المؤمنون عند شروطهم)) تقدم تخريجه (ر: إجارة فى ٤٦).
(٣) الاختيار ٢٢٠/١، ومغني انحتاج ٣٠٠/٢، والدسوقي
٤٧٨/٣، وكشاف القناع ١٦٠/٤ ط الرياض .
(٤) انظر مصطلح ((دية)) وهي اسم للضمان المالي الذي يجب
بالجناية على الآدمى، أو على طرف منه .
- ٢٣ -

أجل ٤٣ - ٤٦
....
الشافعية والحنابلة - أو رضي أولياء الدم ورضي
القاتل بدفعها كما هو رأي الحنفية والمالكية)، وفي
شبه العمد، وفي الخطأ، ولما كان الفقهاء قد اختلفوا
في كيفية أدائها في كل نوع من أنواع القتل الذي
وجبت فیه، كان لا بدّ من بيان آرائهم فيما يكون منها
حالا أو مؤجلا :
الدية في القتل العمد :
٤٣ - يرى جمهور الفقهاء ( المالكية، والشافعية،
والحنابلة) أنها تجب في مال القاتل حالة غير مؤجلة
ولا منجّمة، وذلك لأن ما وجب بالقتل العمد كان
حالا ، کالقصاص، فإنه يجب حالاً.
ويرى الحنفية التفريق بين الدية التي تجب
بالصلح، فيجعلونها حالة في مال القاتل، وبين التي
تجب بسقوط القصاص بشبهة، كما إذا قتل الأب ابنه
عمداً، فانها تجب في مال القاتل في ثلاث سنين،
وذلك قياساً على القتل الخطأ (١)
الدية فى القتل شبه العمد :
٤٤ - تجب الدية في هذا النوع من القتل على
العاقلة في ثلاث سنين، وهو رأي الحنفية والشافعية
والحنابلة، (وهو المروي عن عمر وعلى وابن عباس
رضي الله عنهم، وبه قال الشعبي والنخعي وقتادة
وعبد الله بن عمر وإسحاق وأبو ثوروابن المنذر).
واستدلوا بما روي أن عمر وعليا قضيا بالدية على
(١) فتح القدير ٢٠٤/٩، ٢٣١ وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير
٢٥٠/٤، ٢٥٣، ومغني المحتاج ٩٥/٤، ٩٧، والروض المربع
٣٣٧/٢، ٣٤٤
العاقلة في ثلاث سنين(!) ولا مخالف لهما في عصرهما
فكان إجماعا، ولأن المروي عنهما كالمروي عن النبي
صلى الله عليه وسلم لأنه مما لا يعرف بالرأي.(٢)
الدية في القتل الخطأ :
٤٥ - يرى جمهور الفقهاء أن الدية في القتل الخطأ
تكون مؤجلة لمدة ثلاث سنوات، يؤخذ في كل سنة
ثلث الدية. ويجب في آخر كلّ سنة. وهو رأي
الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. واستدلوا بما
روي عن عمربن الخطاب أنه قضى بالدية على
العاقلة في ثلاث سنين. وقد قال هذا أيضا علي
وعبد الله بن عباس. وقد عزاه الإمام الشافعي في
المختصر إلى قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد
نقل الرافعي والترمذي في جامعه وابن المنذر الإجماع
على ذلك.(٣)
ب - المسلم فيه : (٤)
٤٦ - لما كان السلم هو شراء آجل بعاجل،
والآجل هو المسلم فيه، فقد اشترط الحنفية والمالكية
(١) روي أن عمر وعليا رضي الله عنهما ((قضيا بالدية على العاقلة
في ثلاث سنين)» قضاء عمر: رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق.
(نصب الراية ٣٩٨/٤). ورواه البيهقي (١٠٩/٨) وقضاء
علي: رواه البيهقي (١١٠/٨).
(٢) فتح القدير ١٤٤/٩، والمغني والشرح الكبير ٤٩٢/٩ طا. مع
ملاحظة أن المالكية يرون أن الجناية إما عمد أو خطأ ولا ثالث
هما .
(٣) نيل الأوطار ٧٦/٧، والمغني والشرح الكبير ٤٩٧/٩،
والدسوقي ٢٨٥/٤، ونهاية المحتاج ٣٠١/٧، وابن عابدين
٤١١/٥
(٤) راجع مصطلح ((سلم)).
- ٢٤ -

أجل ٤٧ - ٤٨
والحنابلة والأوزاعي لصحة السلم أن يكون المسلم
فيه مؤجلا إلى أجل معلوم، ولا يصح السلم الحال
لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((من أسلف في
شيء فليسلف في كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى
أجل معلومٌ(١). فأمر بالأجل، وأمره يقتضي الوجوب،
ولأنه أمر بهذه الأمور تبيينا لشروط السلم، ومنعا منه
بدونها، وكذلك لا يصح إذا انتفى الكيل والوزن،
فكذلك الأجل، ولأن السلم إنما جاز رخصة للرفق،
ولا يحصل الرفق إلا بالأجل، فإذا انتفى الأجل
انتفى الرفق، فلا يصح، كالكتابة، ولأن الحلول
يخرجه عن اسمه ومعناه.(٢)
ويرى الشافعية وأبو ثور وابن المنذر أنه يجوز أن
يكون السلم في الحال، لأنه عقد يصح مؤجلا فصح
حالا، كبيوع الأعيان، ولأنه إذا جاز مؤجلا ، فحالا
أجوز، ومن الغرر أبعد.(٣)
ج - مال الكتابة :
٤٧ - اختلف الفقهاء في وجوب تأجيل العوض
المكاتب به إلى أجل معين :
فيرى الحنفية ، وابن رشد من المالكية، وابن
عبد السلام والروياني من الشافعية، أنه لا يشترط
(١) ونصه في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال
قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفوك في الثمار
السنة والسنتين، فقال: ((من أسلف في تمر فليسلف في كيل
معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم».
(٢) رد المحتار ٢١٥/٤، وكشاف القناع ٢٩٩/٣، والدسوقي
٢٠٦/٣، والمغني والشرح الكبير ٣٢٨/٤
(٣) مغني المحتاج ١٠٥/٢
ذلك، بل تصح بمال مؤجل وبمال حال .
ويرى المالكية - على الراجح عندهم -
والشافعية والحنابلة: أنها لا تكون إلا بمال مؤجّلٍ
منجّمٍ تيسيراً على المكاتب في الجملة(١)
د - توقيت القرض :
٤٨ _ سبق بيان آراء الفقهاء في جواز تأجيل بدل
القرض وعدمه .
أما عقد القرض فهو عقد لا يصدر إلا مؤقتا ،
وذلك لأنه عقد تبرع ابتداء، ومعاوضة انتهاء، أو دفع
مال ارفاقا لمن ينتفع به ويرد بدله. والانتفاع به
يكون بمضي فترة ينتفع فيها المقترض بمال القرض،
وذلك باستهلاك عينه، لأنه لو كان الانتفاع به مع
بقاء عينه كان إعارة لا قرضاً، ثم يرد مثله إذا كان
مثلیا وقیمته إذا كان قيميا .
وقد اختلف الفقهاء في المدة التي يلزم فيها هذا
العقد :
فيرى المالكية أنه عقد لازم في حق الطرفين
طوال المدة المشترطة في العقد، فإن لم يكن اشتراط
فللمدة التي اعتيد اقتراض مثله لها .
ويرى الحنابلة أن عقد القرض عقد لازم
بالقبض في حق المقرض، جائز في حق المقترض،
ويثبت العوض عن القرض في ذمة المقترض حالا ،
وإن أجله، لأنه عقد منع فيه من التفاضل، فمنع
الأجل فيه، كالصرف، إذ الحال لا يتأجل
(١) تكملة فتح القدير ٩٧/٨، والدسوقي ٣٤٦/٤. وكشاف القناع
٥٣٩/٤، ومغني المحتاج ٥١٨/٤
- ٢٥ -

أجل ٤٩ - ٥٢
بالتأجيل، وهو عِدَة تبرع لا يلزم الوفاء به . قال
أحمد: القرض حال، وينبغي أن يفي بوعده، ويحرم
الإلزام بتأجيل القرض، لأنه إلزام بما لا يلزم. (١)
ويرى الحنفية والشافعية أن القرض عقد إرفاق
جائز في حق الطرفين، وذلك لأن الملك في القرض
غير تام، لأنه يجوز لكل واحد منهما أن ينفرد
بالفسخ.(٢)
أجل التوقيت
٤٩ - يقصد بأجل التوقيت : الزمن الذي يترتب
على انقضائه زوال التصرف، أو انتهاء الحق الذي
اكتسب خلال هذه المدة المتفق عليها .
والعقود والتصرفات من حيث قبولها للتوقيت
تنقسم إلى:
أ - عقود لا تصلح إلا ممتدة لأجل (مؤقتة).
ب - عقود تصح حالة ومؤقتة .
كما أن هذه العقود منها ما لا يصح إلا بأجل
معلوم، ومنها ما لا يصح إلا بأجل مجهول، ومنها
ما يصح بأجل معلوم أو مجهول .
وفيما يلي بيان ذلك.
(١) كشاف القناع ٣١٦٠٣١٢/٣، وبلغة السالك لاقرب
المسالك للصاوي على الشرح الصغير ٠٩٤٠٩٢/٢ والخرشي
١٤٢/٤
(٢) رد المحتار على الدر المختار ١٨١/٤، ومغني المحتاج ١٢٠/٢
المبحث الأول
عقود لا تصح إلا ممتدة لأجل ( مؤقتة )
وهذا القسم يشمل عقود: الإجارة، والكتابة
والقراض.
أ - عقد الإجارة :
٥٠ - إن الإجارة مؤقتة إما بمدة، وإما بعمل معين،
والعمل يتم في زمن عادة، وبانتهاء العمل ينتهي عقد
الإجارة، فهو عقد مؤقت. ومثل عقد الإجارة:
المساقاة والمزارعة .(١)
عقد المساقاة :
٥١ - يرى الحنفية والمالكية والشافعية أن المساقاة
تکون مؤقتة، فإن لم یبیّنا مدة وقع على أول ثمر
يخرج.
و یری الحنابلة أنها يصح توقیتها، لأنه لا ضرر في
تقدير مدتها، ولا يشترط توقيتها .(٢)
تأقيت المزارعة :
٥٢ - المزارعة لا يجيزها الإمام أبو حنيفة، ويجيزها
الصاحبان أبو يوسف ومحمد. وبقولهما يفتى في
المذهب. كما لا يجيزها الشافعية إلا إذا كان بين
النخل أو العنب بياض (أي أرض لا زرع فيها)
(١) المغني والشرح الكبير ٤/٦، والأشباه والنظائر للسيوطي
ص ٢٧٥ ولابن نجيم ص ٣٣٦. وفتح القدير ٩/٨
(٢) رد المحتار ٢٤٩/٥، والشرح الصغير ٢٢٥/٢، ١٢٧، ومغني
المحتاج ٣٢٧/٢، وكشاف القناع ٥٣٨/٣
- ٢٦ -

أجل ٥٣ - ٥٥
صحت المزارعة عليه مع المساقاة على النخل أو العنب
تبعا للمساقاة.
ويرى المالكية ومحمد بن الحسن والحنابلة أن
عقد المزارعة يجوز بلا بيان مدة. وتقع على أول زرع
يخرج. ويرى جمهور الحنفية (١) أن من شروط صحة
عقد المزارعة ذكر مدة متعارفة، فتفسد بما لا يتمكن
فيها من المزارعة، وبما لا يعيش إليها أحدهما غالباً .
ب - عقد الكتابة :
٥٣- هو عقد بین السید ومملو که على مال یوجب
تحر يريد المملوك (أي تصرفه) في الحال ورقبته في
المآل وهو من محاسن الإسلام، إذ فيه فتح باب
الحرية للأرقاء.
وعقد الكتابة يوجب تأجيل العوض المكاتب به
إلى أجل معين عند جمهور الفقهاء، فإذا أداه المكاتب
عتق، فيكون هذا العقد مؤقتا بتأقيت العوض فيه.(٢)
فإذا وفى بما التزمه انتهى عقد الكتابة ، وعتق،
وإن لم يوف أو عجز نفسه، انتهى عقد الكتابة وعاد
رقيقا، على تفصيل في ذلك.
المبحث الثاني
عقود تصح مطلقة ومقيدة
تأفيت عقد العارية لأجل :
٥٤ - لما كانت حقيقة العارية أنها إباحة نفع عين
(١) الدسوقي ٣٧٢/٣، ورد المختار ٢٣٩/٥، وكشاف القناع
٥٣٧/٣، والروض المربع ٢١٣/٢، ومغني المحتاج ٣٢٣/٢
١٢٠/٢ والخرشي ٣٤٢/٤، ومغني المحتاج ٢٧٠/٢، ٣٧٣،
والمهذب ٣٦٣/١
(٢) مغني المحتاج ٥٢٨/٤، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٧٦،
والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٣٦، وكشاف القناع
٥٥٧/٤، ورد المحتار على الدر المختار ٩٩/٥، والدسوقي ٣٥٣/٤
يحل الانتفاع بها مع بقاء العين، ليردها على مالكها،
لذلك لم يختلف الفقهاء في أن هذه الإباحة موقوتة.
غير أن هذا الوقت قد يكون محدداً. وتسمى عارية
مقيدة - وقد لا يكون، وتسمى العارية المطلقة.
ويرى جمهور الفقهاء أن العارية عقد غير لازم
فلكل واحد من المتعاقدين الرجوع متى شاء، خلافا
للمالكية في المقيدة، وفي المطلقة إلى مدة ينتفع فيها
بمثلها عادة.(١)
تأقيت الوكالة لأجل :
٥٥ - يجوز تأفيت الوكالة بأجل عند جميع الفقهاء،
كقوله («وكلتك شهراً، فإذا مضى الشهر امتنع
الوكيل عن التصرف)»(٢) ((ولو قال وكلتك في شراء
کذا في وقت کذا صح بلا خلاف»(٣)لأن الو کیل
لا يملك من التصرف إلا ما يقتضيه إذن الموكل،
وعلى الوجه الذي أراده، وفي الزمن والمكان الذي
حدد .. (٤)
والأصل في الوكالة أنها عقد جائز من الطرفين،
لكل واحد منهما فسخها متى شاء، إلا إذا تعلق بها
حق للغير، لأنه إذن في التصرف، فکان لكل واحد
(١) المغني المطبوع مع الشرح الكبيرة ٥/ ٣٦٤، ويراجع
الاختيار ١٢٠/٢ والخرشي ٣٤٢/٤، ومغني المحتاج
٢٧٠/٢، ٣٧٣، والمهذب ٣٦٣/١.
(٢) مغني المحتاج ٢٢٣/٢
(٣) المغني المطبوع مع الشرح الكبير ٢١٠/٥، والخرشي ٢٨٩/٤
(٤) المهذب ٣٥/١ ص ٣٥٢
- ٢٧ -

أجل ٥٦ - ٥٨
منهما إبطاله، كالإذن في أكل طعامه.(١) وهذا
ما صرح به جمهور الفقهاء في الجملة. وللمالكية
تفصيل في هذا تبعا للعوض وعدمه، يرجع فيه وفي
التفصيلات الأخرى إلى الوكالة .(٢)
توقيت المضاربة ( القراض ) :
٥٦ - اختلف الفقهاء في جواز تأقيت المضاربة :
فيرى الحنفية والحنابلة أنه يجوز توقيت المضاربة،
مثل أن يقول: ضاربتك على هذه الدراهم سنة، فإذا
انقضت فلا تبع ولا تشتر. فإذا وقت لها وقتاً انتهت
بمضيه، لأن التوقيت مقيد،(٣) وهو وكيل، فيتقيد بما
وقته، كالتقييد بالنوع والمكان.(٤) ولأنه تصرف
يتوقت بنوع من المتاع، فجاز توقيته في الزمان،
كالوكالة، ولأن لرب المال منعه من البيع والشراء في
كل وقت إذا رضى أن يأخذ بماله عرضاً، فإذا شرط
ذلك فقد شرط ما هو من مقتضى العقد، فصح، كما
لو قال: إذا انقضت السنة فلا تشتر شيئاً . (٥)
ويرى المالكية ، والشافعية ، أنه لا يجوز توقيت
(١) الشرح الكبير مع المغني ٢١٣/٥، والمهذب ٣٥٦/١، وتكملة
فتح القدير ١٣٢/٧
(٢) التاج والاكليل للمواق - هامش مواهب الجليل للحطاب
١٨٦/٥، ١٨٨ الطبعة الاولى.
(٣) رد المحتار على الدر المختار ٥٠٨/٤ وقد نص فيه على أن
المضاربة تقبل التقييد المفيد، ولوبعد العقد، ما لم يصر المال
عرضا، لأنه حينئذ لا يملك عزله، فلا يملك تخصيصه. وقیدنا
بالمفيد، لأن غير المفيد لا يعتبر أصلا، كنهيه عن بيع الحال،
يعني - ثم باعه بالحال بسغر ما يباع بالمؤجل كما في العيني.
(٤) رد المحتار على الدر المختار ٦٩/٥، والاختيار ٨٤/٢
(٥) المغني ٧٠/٥
المضاربة.(١)
تأقيت الكفالة بأجل :
٥٧ - اختلف الفقهاء في جواز تأقيت الكفالة،
كما لوقال: «أنا كفيل بزيد إلى شهر وبعده أنا
بريء)) .
فيرى الحنفية والشافعية ( على الصحيح عندهم)
والحنابلة أنه يجوز توقيتها، وكذلك المالكية بشروط
تفصيلها في باب الضمان من كتبهم، لأنه قد يكون
له غرض في التقيد بهذه المدة. وقد أورد الحنفية بعض
صور التوقيت. واختلف المذهب في صحة التوقيت
فيها يرجع إليها في الكفالة. (٢)
ويرى الشافعية ( على الأصح عندهم) أنه لا
يجوز توقيت الكفالة. (٣)
تأقیت الوقف بأجل :
٥٨ - إذا صدر الوقف مؤقتا، وذلك بأن علق
فسخه على مجىء زمن معين، كما لوقال: ((داري
وقف إلى سنة، أو إلى أن يقدم الحاج)». فقد اختلف
الفقهاء في حكمه، فيرى الحنفية والشافعية والحنابلة
أنه لا يصح، لأن الوقف مقتضاه التأبيد . (٤)
(١) الخرشي ٤٢٢/٤، ومغني المحتاج ٣١٢/٢
(٢) رد المحتار ٢٦٦/٤، ومغني المحتاج ٢٠٧/٢، والمغني المطبوع
مع الشرح الكبير ٩٨/٥، والدسوقي ٣٣١/٣، ٣٣٢
(٣) مغني المحتاج ٢٠٧/٢، والمهذب للشيرازي ٣٤١/١ ط
الحلبي.
(٤) رد المحتار على الدر المختار ٥٠٦/٣، والفتاوى الهندية ٣٠٤/٣،
وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٧٩/٤، ومغني المحتاج
٣٨٣/٢، و كشاف القناع ٢٥٠/٤
- ٢٨ -

أجل ٥٩ - ٦١
ويرى المالكية ، وهو قول للحنابلة، أنه لا
يشترط في صحة الوقف التأبيد، فيصح مدة معينة، ثم
يرجع ملكاً كما كان.(١)
تأقيت البيع :(٢) .
٥٩ - لما كان البيع هو مبادلة المال بالمال
بالتراضي، وكان حكمه هو ثبوت الملك للمشتري في
المبيع، وللبائع في الثمن للحال(٣) ولما كان هذا الملك
يثبت له على التأبيد، فانه لا يحتمل التأقيت(٤) جاء
في الأشباه والنظائر للسيوطي: ((أن مِمّا لا يقبل
التأقيت بحال، ومتى أقت بطل، البيع
بأنواعه ... ))(٥)وذلك كما قال الكاساني: «لأن
عقود تمليك الأعيان لا تصح مؤقتة)). (٦)
وقد أبطل الفقهاء كل شرط يؤدي إلى تأقيت
البيع، أي إلى عودة المبيع الى بائعه الأول، سواء
كان هذا التأقيت ناتجا عن الصيغة، كبعتك هذا
سنة، أو عن شرط يؤدي إلى توقيت البيع، كبعتك
هذا بشرط أن تردّه لي بعد مدة كذا.
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٧٩/٤، والمغني المطبوع مع
الشرح الكبير ٢٢١/٦
(٢) انظر مصطلح (بيع ).
(٣) البدائع ٢٣٣/٥
(٤) مغني المحتاج ٣/٢ وقد جاء فيه ((عرف بعضهم البيع بأنه عقد
معاوضة مالية يفيد ملك عين أو منفعة على التأييد، فدخل بيع
حق الممر ونحوه، وخرجت الإجارة بقيد التأقيت فإنها ليست
بيعا ، ولهذا لا تنعقد بلفظه .
(٥) ص ٢٨٢
(٦) البدائع ١١٨/٦، والمغني مع الشرح الكبير ٢٥٦/٦، ٣١٣
بيوع الآجال عند المالكية :
٦٠ - وهي بيوع دخل فيها الأجل، واتحدت فيها
السلعة، واتحد فيها المتعاقدان. وقد أبرزها فقهاء
المالكية، وبيّنوا أن هذه البيوع ظاهرها الجواز، لكنها
قد تؤدي إلى ممنوع، وذلك لأنها قد تؤدي إلى بيع
وسلف، أو سلف جرّ منفعة، وكلاهما ممنوع.
كما وضعوا ضابطا لما يمنع من هذه البيوع،
فقالوا: يمنع من هذه البيوع ما اشتمل على بيع
وسلف، وما اشتمل على سلف جر منفعة، أو يمنع
منها ما كثر قصد الناس إليه للتوصل إلى الربا
الممنوع، كبيع وسلف، وسلف بمنفعة. ولا يمنع ما
قل قصده، كضمان بجعل، أي كبيع جائز أدى إلى
ضمان بجعل.
صور بيوع الآجال :
٦١ - وصورها كما ذكرها المالكية متعددة، وتشمل
الصور التالية :
إذا باع شيئا لأجل، ثم اشتراه بجنس ثمنه فهذا
إما أن يكون:
(١) نقدا .
(٢) أو لأجل أقل .
(٣) أو لأجل أكثر.
(٤) أو لأجل مساو للأجل الأول .
وكل ذلك إما أن يكون :
(١) بمثل الثمن الأول.
(٢) أو أقل من الثمن الأول .
(٣) أو أكثر من الثمن الأول .
- ٢٩ -

أجل ٦٢
فتكون هذه الصور اثنتي عشرة صورة، يمنع من
هذه الصور ثلاث فقط وهي ما تعجل فيه الأقل،
وهي:
(١) ما إذا باع سلعة لأجل، ثم اشتراها بأقل
نقدا (بيع العينة).
(٢) وما إذا باع سلعة لأجل ثم اشتراها لأجل
دون الأجل الأول.
(٣) وما إذا باع سلعة لأجل ثم اشتراها لأجل
أبعد من الأجل الأول.
وعلة المنع في هذه الصور هي دفع قليل في کثیر،
وهو سلف بمنفعة، إلا أنه في الصورتين الأوليين من
البائع، وفي الأخيرة من المشتري.
وأما الصور التسع الباقية فجائزة. والضابط أنه .
إذا تساوى الأجلان أو الثمنان فالجواز، وإن اختلف
الأجلان والثمنان فينظر إلى اليد السابقة بالعطاء،
فإن دفعت قليلا عاد إليها كثيراً فالمنع، وإلا
فالجواز:(١)
٦٢ - فمن صور (( بيوع الآجال)) بيع العينة. وبيع
العينة قال الرافعي: هو أن يبيع شيئاً من غيره بثمن
مؤجل، و يسلمه إلى المشتري، ثم يشتر یه قبل قبض
الثمن بثمن نقد أقل من ذلك القدر (٢) وقال ابن
رسلان في شرح السنن: وسميت هذه المبايعة عينة
لحصول النقد لصاحب العينة، لأن العين هو المال
الحاضر، والمشتري إنما يشتريبها ليبيعها بعين حاضرة
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٧٧/٣
(٢) نيل الأوطار ٢٠٧/٥ ط/م العثمانية بمصر سنة ١٣٥٧ هـ نقلا
عن الرافعي.
تصل إليه من فوره، ليصل به إلى مقصوده.
وقد روي عدم جواز بيع العينة عن ابن عباس
وعائشة وابن سيرين والشعبي والنخعي، وبه قال
الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة ومالك وإسحاق
وأحمد. وقد استدلوا بأحاديث، منها: ما روي عن
ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا
ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة، واتبعوا
أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله
بهم بلاء، فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم». رواه أحمد
وأبو داود، ولفظه: ((إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم
أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط
الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)).(١)
واستدل ابن القيم على عدم جواز بيع العينة بما
روي عن الأوزاعي عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: «يأتي على الناس زمان يستحلون الربا
بالبيع)). قال: وهذا الحديث وإن كان مرسلا فإنه
صالح للاعتضاد به بالاتفاق، وله من المسندات ما
يشهد له، وهي الأحاديث الدالة على تحريم العينة،
فإنه من المعلوم أن العينة عند من يستعملها إنما يسميها
بيعا. وقد اتفقا على حقيقة الربا الصريح قبل
العقد، ثم غير اسمها إلى المعاملة، وصورتها إلى التبايع
الذي لا قصد لهما فيه ألبتة، وإنما هو حيلة ومكر
(١) نيل الأوطار للشوكاني ٢٠٦/٥، وفيه أن الحديث أخرجه
الطبراني وابن القطان وصححه. قال الحافظ في بلوغ المرام:
ورجاله ثقات .. (ثم ذكر القدح في الحديث بأنه فيه تدليس
أو أنه ضعيف .. أو أنه موقوف .. ). ثم قال: ((وهذه الطرق
يشد بعضها بعضا)».
- ٣٠ -

.......
....
أجل ٦٣ - ٦٦
وخدیعة لله تعالى. (١)
وأجاز الشافعية هذا البيع مستدلين على الجواز بما
وقع من ألفاظ البيع، ولأنه ثمن يجوز بيعها به من غير
بائعها، فجاز من بائعها، كما لوباعها بثمن المثل.
ولم يأخذوا بالأحاديث المتقدمة. (٢)
تأقيت الهبة :
٦٣ - اتفق الفقهاء على أن الهبة لا يجوز توقيتها
لأنها عقد تمليك لعين في الحال، وتمليك الأعيان لا
يصح مؤقتا، كالبيع. فلوقال: وهبتك هذا سنة ثم
يعود إليّ، لم يصح(٣).
وقد استثنى بعض الفقهاء من ذلك العمرى
والرقبى على خلاف وتفصيل موطنه في مصطلحيهما .
تأقيت النكاح :
تأقيت النكاح له صور نبينها ونبين آراء الفقهاء
في كل صورة منها :
أ- نكاح المتعة :
٦٤ - وهو أن يقول لامرأة خالية من الموانع: أتمتع
بك مدة كذا (٤) وقد ذهب إلى حرمته الحنفية
والمالكية والشافعية والحنابلة وكثير من السلف.
(١) نيل الأوطار ٢٠٧/٥، وكشاف القناع ١٨٥/٣ ط الرياض،
والشرح الكبير المطبوع مع المغني ٤٥/٤ الطبعة الثانية للمنار.
(٢) الروضة ٤١٦/٣، ٤١٧
(٣) البدائع ١١٨/٦، ومغني المحتاج ٣٩٨/٢، والدسوفي ٩٧/٤ ط
دار الفكر ، والمغني مع الشرح ٢٥٦/٦
(٤) فتح القدير ١٤٩/٣.
وتفصيله في نكاح المتعة(١).
ب - النكاح المؤقت أو النكاح لأجل :
٦٥ - وهو أن يتزوج امرأة بشهادة شاهدين إلى
عشرة أيام مثلا. وهذا النكاح أيضا باطل عند
الحنفية (عدا زفر فإنه قال بصحة العقد وبطلان
الشرط) والمالكية والشافعية والحنابلة لأنه في معنى
المتعة. وتفصيل أحكامه في موضع آخر (ر:
نكاح) (٢).
ج - النكاح المؤقت بمدة عمره أو عمرها، أو إلى
مدة لا یعیشان إليها:
٦٦ - اختلف الفقهاء(٣) في حكم النكاح المؤقت
إلى مدة عمر الزوج أو الزوجة أو إلى مدة لا يعيشان
أو أحدهما إليها :
فيرى الحنفية غير الحسن بن زياد والمالكية غير
أبي الحسن والشافعية غير البلقيني والحنابلة أنه
باطل، لأنه في معنى نكاح المتعة.
ويرى الحسن بن زياد أنهما إذا ذكرا من الوقت
ما يعلم أنهما لا يعيشان إليه، كمائة سنة أو أكثر،
كان النكاح صحيحاً، لأنه في معنى التأبيد. وهو
رواية عن أبي حنيفة . (٤)
ويرى البلقيني أنه يستثنى من بطلان النكاح
(١) فتح القدير ١٤٩/٣ - ١٥١ ونيل الأوطار ١٣٧/٦ ومغني
المحتاج ١٤٢/٣، والمغني مع الشرح ٥٧١/٧، ٥٧٢ط الأولى.
(٢) فتح القدير ١٤٩/٣، ونيل الأوطار ١٣٧/٦، والدسوقي
٢١٢/٢، ٢١٣، ٢٧٢، ومغني المحتاج ١٤٢/٣، والروض
المربع ١٤١/٣، ٢٧٦.
(٣) نفس المراجع المتقدمة .
(٤) والمبطل هو التوقيت. ( العناية هامش فتح القدير ١٥٢/٣)
- ٣١ -

أجل ٦٧ - ٦٩
ما إذا نكحها مدة عمره، أو مدة عمرها، قال: فإن
النكاح المطلق لا يزيد على ذلك، والتصريح
بمقتضى الإطلاق لا يضر، فينبغي أن يصح النكاح
في هاتين الصورتين، قال: وفي نص الأم ما يشهد
له، وتبعه على ذلك بعض المتأخرين. (٦)
وجاء في حاشية الدسوقي(٢) أن ((ظاهر كلام أبي
الحسن أن الأجل البعيد الذي لا يبلغه عمرهما لا
يضر بخلاف مايبلغه عمر أحدهما فيضر)).
د - إضمار الزوج تأقيت النكاح :
٦٧ - صرح الحنفية والشافعية بأنه لوتزوج وفي
نيته أن يطلقها بعد مدة نواها صح زواجه، لكن
الشافعية قالوا بكراهة النكاح، إذ كل ماصرح به
أَبْظَلَ يكون إضماره مكروها عندهم(٣) كما قال
المالكية: إن الأجل إذا لم يقع في العقد، ولم يعلمها
الزوج بذلك، وإنما قَصَدهُ في نفسه، وفهمت المرأة
أووليها المفارقة بعد مدة، فإنه لا يضر(٤ )وهذا هو
الراجح، وان كان بهرام صدر في ((شرحه)) وفي
((شامله)) بالفساد إذا فهمت منه ذلك الأمر الذي
قصده في نفسه فإن لم يصرح للمرأة ولا لوليها بذلك
ولم تفهم المرأة ماقصده في نفسه فليس نكاح متعة .
أما الحنابلة فقد صرحوا بأنه لوتزوج الغريب
بنية طلاقها إذا خرج، فإن النكاح يبطل، لأنه
(١) مغني المحتاج ١٤٢/٣
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢١٢/٢، ٢١٣
(٣) فتح القدير ١٥٢/٣، وإعانة الطالبين ٢٥/٤ ط مصطفى
الحلبي .
(٤) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢١٣/٢
نكاح متعة، وهو باطل.(١) ولكن جاء في المغني:
(( وإن تزوجها بغير شرط إلا أن في نيته طلاقها بعد
شهر، أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد، فالنكاح
صحيح في قول عامة أهل العلم إلا الأوزاعي، قال :
هو نكاح متعة. والصحيح أنه لا بأس به، ولا
تضرنيته، وليس على الرجل أن ينوي حبس امرأته،
وحسبه إن وافقته وإلا طلقها .(٢)
هـ - احتواء النكاح على وقت يقع فيه الطلاق:
٦٨ - إذا تزوج امرأة بشرط أن يطلقها في وقت
معين، لم يصحّ النكاح. وسواء كان معلوما أو
مجهولا ، مثل أن يشترط عليه طلاقها إن قدم أبوها أو
أخوها. وقال أبو حنيفة: يصح النكاح، ويبطل
الشرط، وهو أظهر قولي الشافعي، قاله في عامة
كتبه، لأن النكاح وقع مطلقا، وإنما شرط على نفسه
شرطا، وذلك لا يؤثر فيه، كما لو شرط ألا يتزوج
عليها أو لايسافربها .
واستدل القائلون بالبطلان بأن هذا الشرط مانع من
بقاء النكاح فأشبه نكاح المتعة، ويفارق ماقاسوا
عليها فإنه لم يشترط قطع النكاح(٣).
تأقيت الرهن بأجل :
٦٩ - ذهب الفقهاء إلى أنه لا يجوز تأقيت الرهن
بأجل، كأن يقول: رهنتك هذا الشيء شهراً، في
(١) الروض المربع ٢٧٦/٢
(٢) المغني ٥٧٣/٧
(٣) المغني المطبوع مع الشرح الكبير ٥٧٤/٧
- ٣٢ -

أجل ٧٠ - ٧٣
........
الدين الذي لك عليّ.(١)
تقسيم الأجل باعتبار ضبطه وتحديده:
٧٠ - ينقسم الأجل من حيث ضبطه وتحديده إلى
أجل معلوم وأجل مجهول. ومعلومية الأجل وجهالته
لها أثر على صحة العقد، وعدم صحته، لما تورثه
الجهالة من الغرر، إلا أن من الجهالة ما كان
متقارباً، ومنها ما كان متفاوتاً. وفيما يلي آراء
المذاهب في ذلك.
المبحث الأول
الأجل المعلوم
٧١ - اتفق الفقهاء على صحة الأجل (فيما يقبل
التأجيل) إذا كان الأجل معلوما (٢) فأما كيفية
العلم به فإنه يحتاج فيها إلى أن يعلم بزمان بعينه لا
يختلف من شخص إلى شخص ومن جماعة إلى جماعة.
وذلك إنما يكون إذا كان محدداً باليوم والشهر والسنة .
والدليل على اشتراط معلومية الأجل قوله تعالى:
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ
مُسَمّىَّ فاكتبوه))، سورة البقرة / ٢٨٢.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في موضع
شرط الأجل: ((من أسلف في شيءٍ فليسلف في
كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)»
(١) المغني المطبوع مع الشرح الكبير ٤٢٩/٤، والاختيار ٢٣٦/٢،
والخرشي ١٥٣/٤، ومغني المحتاج ١٣٢/٢ وكشاف القناع
٣٥٠/٣ ط الرياض.
(٢) فتح القدير ٥//٨٣، ٨٤ والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٥٧
ومغني المحتاج ١٠٥/٢، والمغني مع الشرح الكبير ٣٢٨/٤
وقد انعقد الإجماع على صحة التأجيل إلى أجل
معلوم .
ولأن جهالة الأجل تفضي إلى المنازعة في التسلم
والتسليم، فهذا يطالبه في قريب المدة، وذاك في
بعيدها. وكل ما يفضي إلى المنازعة يجب إغلاق
بابه. ولأنه سيؤدي إلى عدم الوفاء بالعقود، وقد أمرنا
بالوفاء بها .
٧٢ - وقد اختلف الفقهاء في حقيقة العلم
بالأجل، أو معلومية الأجل :
فصرح بعضهم بأن الأجل المعلوم هو ما يعرفه
الناس، كشهور العرب.(١) وبعضهم جعله ((ما
يكون معلوما للمتعاقدين ولو حكماً، وان الأيام
المعلومة للمتعاقدين كالمنصوصة، وان التأجيل
بالفعل الذي يفعل في الأيام المعتادة كالتأجيل
بالأيام)). (٢)
وإزاء هذين الاتجاهين لابد من بيان آراء الفقهاء
في التأجيل إلى أزمنة معلومة حقيقة أو حكماً، أو إلى
فصول أو مناسبات، أو إلى فعل يقع في أزمنة
معتادة .
التأجيل إلى أزمنة منصوصة
٧٣ - اتفق الفقهاء على صحة التأجيل إلى أزمنة
منصوصة، كما لوقال ((خذ هذا الدينار سلما في
إردب قمح إلى أول شهر رجب من هذا العام، أو
آخذه منك بعد عشرين يوماً)).(٣)
(١) المهذب للشيرازي ٢٩٩/١
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢٠٥/٣
(٣) نفس المرجع السابق، وبدائع الصنائع ١٨١/٤، ومغني=
- ٣٣ -

أجل ٧٤ - ٧٥
والأصل في التأجيل إلى الشهور والسنين عند
الإطلاق أن تكون هلالية، فإذا ضرب أجلا مدته
شهر أو شهران، أو سنة أو سنتان، مثلا ، انصرف
عند الإطلاق إلى الأشهر والسنين الهلالية، وذلك
لأنه عرِف الشرع، قال تعالى: ((يَسْألُوُنَكَ عَنِ الأَهِلة
قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالحَجّ)).(١) وقال تعالى: إنّ
عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَاب اللـهِ
يَوْمَ خَلَقَ السَّمُواتِ وَالأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ)).(٢)
وقد صرح بهذا الحنفية والمالكية والشافعية
والحنابلة.(٣)
التأجيل بغير الشهور العربية :
٧٤ - إذا جعل الأجل مقدرا بغير الشهور الهلالية
فذلك قسمان :
القسم الاول : ما يعرفه المسلمون ، وهو بينهم
مشهور، ككانون وشباط .. فقد جاز ذلك عند جمهور
الفقهاء (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) لأنه
أجل معلوم لا يختلف، فصار كالتأجيل بالشهور
الهلالية . (٤)
القسم الثاني : ما قد لا يعرفه المسلمون
= انمحتاج ١٠٥/٢، ١٠٦، ٣٤٩، والمغني والشرح الكبير
٣٢٨/٤، وكشاف القناع ١٨٩/٣
(١) سورة البقرة /١٨٩
(٢) سورة التوبة /٣٦
(٣) بدائع الصنائع ٨١/٤، وحاشية الدسوقي ٢٠٦/٣، والمهذب
الشيرازي ٢٩٩/١، والمغني مع الشرح الكبير ٣٢٨/٤
(٤) المغني والشرح الكبير ٣٢٨/٤، ومغني المحتاج ١٠٥/٢، ١٠٦،
ورد المختار ١٢٥/٤، وحاشية الدسوقي ٢٠٥/٣
كالتأجيل إلى النيروز (١) والمهرجان(٢) ونحوهما فقد
ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز التأجيل إليه.(٣)
التأجيل بالأشهر بإطلاق :
٧٥ - إذا جعل التأجيل بالأشهر، دون النص على
أنها هلالية أو رومية أو فارسية، فإن الفقهاء
(الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) قد اتفقوا على
أنه عند التأجيل بالأشهر بإطلاق تنصرف إلى
الهلالية، وذلك لأن الشهور في عرف الشرع شهور
الأهلة، بدليل قوله تعالى: ((إنَّ عِدَّةَ الشُّهُور عندَ الله
اثْنَا عَشَرَ شَهْراً في كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمُواتِ
وَالأرْضَ مِنْهَا أَرْبعةٌ حُرُم)(٤) وأراد الهلالية،(٥) فعند
الإطلاق يحمل العقد عليها .
واحتساب هذه المدة إذا وقع العقد في أول الشهر
من أوله. أما إذا لم يقع في أوله، فإما أن يكون لشهر
أو أكثر، أو سنة. فإن كان لشهر، فإن وقع العقد في
غرة الشهر، يقع على الأهلة بلا خلاف ، حتى لو
نقص الشهر يوماً كان عليه كمال الأجرة، لأن
الشهر اسم للهلال.
وإن وقع بعد ما مضى بعض الشهر، ففي إجارة
-
(١) هو أول يوم أيام الربيع تحل فيه الشمس برج الحمل. ونيروز
المجوس يوم تحل فى الحوت (وهذا أول فصل الشتاء).
(٢) المهرجان هو أول يوم من الخريف تحل فيه الشمس برج
الميزان.
(٣) المغني المطبوع مع الشرح الكبير ٣٢٨/٤، ورد المحتار ١٢٤/٤،
والدسوقي ٢٠٥/٣، ومغني المحتاج ١٠٥/٢
(٤) سورة التوبة /٣٦
(٥) المغني المطبوع مع الشرح الكبير ٣٢٨/٤، وبدائع الصنائع
١٨١/٤، وحاشية الدسوقي ٢٠٦/٣، والمهذب ٢٩٩/١
- ٣٤ -

أجل ٧٦ - ٧٩
....
الشهر يقع على ثلاثين يوماً بالإجماع، لتعذر اعتبار
الأهلة، فتعتبر الأيام . (١)
وأما في إجارة ثلاثة أشهر مثلا فإنهم قد اختلفوا،
فقد قيل: تكمل شهرين بالهلال، وشهراً بالعدد
ثلاثين يوماً، وهو رأي للحنفية والمالكية والشافعية
والحنابلة. وقيل تكون الثلاثة كلها عددية، (٢) وهو
رأي لأبي حنيفة، ورأي عند الحنابلة. ومثل ذلك في
إجارة السنة مثلا .
بدء احتساب مدة الأجل :
٧٦ - يبدأ احتساب مدة الأجل من الوقت الذي
حدده المتعاقدان فإن لم يحددا كان من وقت العقد .(٣)
التأجيل بأعياد المسلمين :
٧٧- إذا وقع التأجيل إلى الأعياد جاز إذا كان
العيد محدداً معلوماً، كعيد الفطر، وعيد الأضحى،
فهذا يصح التأجيل إليه . (٤)
التأجيل إلى ما يحتمل أحد أمرين :
٧٨ - إذا وقع الأجل بما يحتمل أمرين صرف إلى
(١) بدائع الصنائع ١٨١/٤، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير
٢٠٣/٣، والمهذب للشيرازي ٣٠٠/١. والمغني المطبوع مع
الشرح الكبير ٣٢٨/٤
(٢) نفس المراجع السابقة، وقد أشار ان هذا الخلاف المغني
المطبوع مع الشرح الكبير ٣٢٨/٤، وبدائع الصنائع ١١١/٤
(٣) المغني المطبوع مع الشرح الكبير ٣٢٨/٤، وبدائع الصنائع
١٨١/٤، والمهذب ٢٩٩/١، والدسوقي ٢٠٦/٣
(٤) المغني المطبوع مع الشرح الكبير ٣٢٨/٤، والدسوقي ٢٠٥/٣.
والمهذب ٢٩٩/١
أولهما، كما صرح الشافعية (على الأصح عندهم)
والحنابلة، كتأجيله بالعيد، أو جمادى، أو ربيع، أو
نفر الحج، لأن العيد عيد الفطر وعيد الاضحى،
وجمادى الأولى والثانية، وربيع الأول والثاني، ونفر
الحج ثاني أيام التشريق وثالثها، فيحمل على الأول
من ذلك، لتحقق الاسم به.
والثاني: لا، بل يفسده ، لتردده بين الأول
والثاني .(١)
التأجيل إلى مواسم معتادة :
٧٩ - اختلف الفقهاء في جوازه ، كالحصاد،
والدياس، والجذاذ، وقدوم الحاج، إلى رأيين:
يرى الحنفية والشافعية والحنابلة وابن المنذر أنه
لا يجوز التأجيل إلى هذه الأشياء.
واستدلوا بما روي عن ابن عباس أنه قال: ((لا
تتبايعوا إلى الحصاد والدياس، ولا تتبايعوا إلا إلى
شهر معلوم)). (٢)
ولأن التأجيل بذلك يختلف، ويقرب ويبعد،
(١) المغني المطبوع مع الشرح الكبير ٣٢٩/٤، ومغني المحتاج
١٠٦/٢
(٢) المغني المطبوع مع الشرح الكبير ٣٢٨/٤. والأثر عن ابن عباس
«لا تتبايعوا الى الحصاد والدياس ولا تتبايعوا إلا إلى شهر
معلوم)). ذكره في المغني هكذا ٢١٩/٤ ولم نجده بهذا اللفظ.
وهو في مصنف عبد الرزاق (٦/٨) بلفظ: ((أنه كره إلى
الاندر، والعصير والعطاء، أن يسلف إليه، ولكن يسمّى
شهرا)). وهو عند البيهقي (٢٥/٦). والأندر البيدر. ولم نجد
من تكلم على إسناده. وسند عبد الرزاق (اخبرنا الثوري ، عن
عبد الكريم الجزري، عن عكرمة ، عن ابن عباس) وهم جميعا
ثقّات على ما في تقريب التهذيب .
- ٣٥ -

أجل ٨٠
فالحصاد والجذاذ يتأخران أياماً إن كان المطر
متواتراً، ويتقدمان بحرّ الهواء وعدم المطر. وأما
العطاء فقد ينقطع جملة .
٨٠- وقد اختلف هؤلاء الفقهاء في أثر اشتراط
التأجيل إلى أجل مجهول جهالة متقاربة.
فيرى الحنفية أنه لا يجوز البيع إلى أجل مجهول
سواء كانت الجهالة متقاربة كالحصاد والدياس
مثلا، أو متفاوتة، كهبوب الريح وقدوم واحد من
سفر، فإن أبطل المشتري الأجل المجهول المتقارب قبل
محله، وقبل فسخ العقد بالفساد، انقلب البيع جائزاً
عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. وعند زفر لا
ينقلب. ولو مضت المدة قبل إبطال الأجل تأكد
الفساد، ولا ينقلب جائزاً بإجماع علماء الحنفية .
ويرى الشافعية فساد العقد ، وذلك لأنه يشترط
عندهم في المؤجل العلم بالأجل، بأن يكون معلوماً
مضبوطاً، فلا يجوز بما يختلف، كالحصاد وقدوم
الحاج، للحديث ((من أسلم في شيء فليسلف في
كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم». (متفق
عليه) ولأن ذلك غير معلوم، لأنه يتقدم ويتأخر.(١)
ويرى الحنابلة أنه يلغو التأجيل ويصح العقد،
وذلك لأنهم يشترطون أن يكون الأجل مقدراً بزمن
معلوم، فإن شرط خياراً أو أجلا مجهولين - بأن باعه
بشرط الخيار وأطلق، أو إلى الحصاد ونحوه، أو بثمن
مؤجل إلى الحصاد ونحوه - لم يصح الشرط وصح
البيع، وللذي فات غرضه بفساد الشرط من بائع
(١) رد المحتار على الدر المختار ١٢٦/٤. ومغني انحتاج ٠١٠٥/٢
والمهذب الشيرازي ٢٩٩/١
ومشتر- سواء علم بفساد الشرط أولا - أحد
أمرين: فسخ البيع، لأنه لم يسلم له ما دخل عليه
من الشرط، أو أرش (أي تعويض) ما نقص من
الثمن بإلغاء الشرط إن كان المشترط بائعاً، أو ما زاد
إن كان مشتريا - يعني إذا اشترى بزيادة على
الثمن.(١) أما في السلم فإنه لا يصح العقد إذا وقع
التأجيل بذلك، وذلك لفوات شرط صحته، وهو
الأجل المعلوم، لاختلاف هذه الأشياء. (٢)
ويرى المالكية أنه يجوز التأجيل إليه، و يعتبر في
الحصاد والدياس ونحوهما ميقات معظمه، أي الوقت
الذي يحصل فيه غالب ما ذكر، وهو وسط الوقت
المعد لذلك، وسواء وجدت الأفعال في بلد العقد، أو
عدمت - أي لم توجد - فالمراد وجود الوقت الذي
يغلب فيه الوقوع. (٣)
ونحوه ما ذكره ابن قدامة في رواية أخرى عن
الإمام أحمد أنه قال: أرجو ألا يكون به بأس. وبه
قال أبوثور. وعن ابن عمر أنه كان يبتاع إلى العطاء.
وبه قال ابن أبي ليلى. وقال أحمد: إن كان شيء
يعرف فأرجو. وكذلك إن قال إلى قدوم الغزاة.
وهذا محمول على أنه أراد وقت العطاء، لأن ذلك
معلوم. فأما نفس العطاء فهو في نفسه مجهول،
يختلف، ويتقدم ويتأخر. ويحتمل أنه أراد نفس
العطاء، لكونه يتفاوت أيضا، فأشبه الحصاد.
واحتج من أجاز ذلك بأنه أجل يتعلق بوقت من
(١) كشاف القناع ١٨٩/٣ ط الرياض.
(٢) نفس المرجع ٣٠٠/٣
(٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢٠٥/٣
- ٣٦ -

أجل ٨١ - ٨٢
الزمن يعرف في العادة، لا يتفاوت فيه تفاوتاً كبيراً،
فأشبه ما إذا قال رأس السنة . (١)
الأجل المجهول
التأجيل إلى فعل غير منضبط الوقوع:
٨١ - اتفق الفقهاء(٣) على عدم جواز التأجيل إلى
ما لا يعلم وقت وقوعه - حقيقة أو حكماً - ولا
ينضبط، وهو الأجل المجهول.
وذلك كما لو باعه بثمن مؤجل إلى قدوم ز ید من
سفره، أو نزول مطر، أو هبوب ريح. وكذا إذا باعه
إلى ميسرة.
وقد استدلوا على عدم جواز هذا النوع من الأجل
بالآثار التي استدل بها على عدم جواز التأجيل
بالفعل الذي يقع في زمان معتاد، كالحصاد
والدياس، بل هذا النوع أولى، لأن الجهالة هناك
متقاربة، وهنا الجهالة فيها متفاوتة .
ولأن التأجيل بمثل ذلك غير معلوم، لأن ذلك
يختلف: يقرب ويبعد، يتقدم ويتأخر، (٣) ولأن
جهالته تفضى إلى المنازعة في التسليم والتسلّم، فهذا
(١) المغنى المطبوع مع الشرح الكبير ٣٢٨/٤
(٢) رد المحتار على الدر المختار ١٢٦/٤. وفتح القدير ٨٧/٥،
وبدائع الصنائع ١٨١/٤، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير
٦٧/٣، والخرشي ٤٣٨/٣، ومغني المحتاج ١٠٥/٢، والمهذب
للشيرازي ٢٦٦/١، ٢٩٩، وكشاف القناع ١٨٩/٣، ١٩٤،
٣٠٠، والمغني المطبوع مع الشرح الكبير ٣٢٨/٤
(٣) المهذب ٢٩٩/١، وكشاف القناع ٣٠٠/٣، والمغني المطبوع
مع الشرح الكبير ٣٢٨/٤
يطالبه في قريب المدة، وذاك في بعيدها . ولأن
الأجل المجهول لا يفيد، لأنه يؤدي إلى الغرر. (١)
أثر التأجيل إلى أجل مجهول جهالة مطلقة:
٨٢ - سبق بيان اتفاق الفقهاء على عدم جواز
التأجيل إلى أجل مجهول جهالة مطلقة. واختلفوا في
أثر هذا التأجيل على التصرف فيرى الحنفية والمالكية
والشافعية، وهو رأي للحنابلة، أنه لا يصح العقد
أيضا، وذلك لأنه أجل فاسد فأفسد العقد، لأن
المتعاقدين رضيا به مؤجلا إلى هذا الأجل، وإذا لم
يصح الأجل، فالقول بصحته حالا يخالف إرادتهما
وما تراضيا عليه، والبيع - ونحوه- يقوم على
التراضي، فأفسد العقد .(٢)
غير أن الحنفية يرون أنه إن أبطل المشتري الأجل
المجهول المتفاوت قبل التفرق، ونقد الثمن، انقلب
جائزاً، وعند زفر لا ينقلب جائزاً. ولو تفرقا قبل
الإبطال تأكد الفساد، ولا ينقلب جائزاً بإجماع
الحنفية.(٣)
ويرى الحنابلة أن الأجل المجهول في البيع
يفسد، ويصح البيع. وفي السلم يفسد الأجل
والسلم .
وقد استدلوا على صحة البيع وبطلان الأجل
(١) الشرح الصغير ٨٧/٢
(٢) فتح القدير ٨٣/٥، ورد المحتار ١٢٦/٤، وحاشية الدسوقي
٦٧/٣، والخرشي ٣/ ٤٣٨، والمهذب للشيرازي ٢٦٦/١،
٢٩٩، ومغني المحتاج ١٠٥/٢، وكشاف القناع ١٨٩/٣،
١٩٤، ٣٠٠، والمغني والشرح الكبير ٥٣/٤، ٣٢٨
(٣) رد المحتار ١٢٦/٤
- ٣٧ -

أجل ٨٣
المجهول بما روي عن عائشة أنها قالت : جاءتني
بريرة، فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق، في
كل عام أوقية، فأعينيني. فقلت: إن أحب أهلك
أن أعدها لهم عدة واحدة، و یکون ولا ؤك لي،
فعلت. فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت لهم، فأبوا
عليها. فجاءت من عندهم ورسول الله صلى الله عليه
وسلم جالس، فقالت: إني عرضت عليهم فأبوا إلا
أن يكون الولاء لهم. فسمع النبي صلى الله عليه
وسلم. فأخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن
أعتق. ففعلت عائشة، فقام رسول الله صلى الله عليه
وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أما
بعد فما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب
الله تعالی؟ ما کان من شرط ليس في کتاب الله فهو
باطل، وإن كان مائة شرط. قضاء الله أحق. وشرط
الله أوثق. وإنما الولاء لمن أعتق)). متفق عليه.
فأبطل الشرط ولم يبطل العقد. قال ابن المنذر: خبر
بريرة ثابت، ولا نعلم خبرا يعارضه. فالقول به
يجب. (١)
الاعتياض عن الأجل بالمال :
يرد الاعتياض عن الأجل بالمال في صور منها
ما یلی:
الصورة الأولى :
٨٣ - صدور إيجاب مشتمل على صفقتين،
(١) الشرح الكبير المطبوع مع المغني ٥٤/٤
إحداهما بالنقد، والأخرى بالنسيئة، مثل أن يقول
بعتك هذا نقدا بعشرة، وبالنسيئة بخمسة عشر.
يرى جمهور العلماء(١) أن هذا البيع إذا صدر بهذه
الصیغة لا یصح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى
عن بيعتين في بيعة،(٢) جاء في الشرح الكبير:
« كذلك فسره مالك والثوري، وإسحاق. وهذا قول
أكثر أهل العلم، لأنه لم يجزم له ببيع واحد، أشبه
ما لو قال بعتك أحد هذين، ولأن الثمن مجهول فلم
يصح، كالبيع بالرقم المجهول .))
وقد روي عن طاوس والحکم وحماد أنهم قالوا:
لا بأس أن يقول: أبيعك بالنقد بكذا، وبالنسيئة
بكذا، فيذهب إلى أحدهما . فيحتمل أنه جرى بينهما
بعد ما يجرى في العقد، فكأن المشتري قال: أنا آخذه
بالنسيئة بكذا، فقال: خذه، أو قال: قد رضیت،
ونحو ذلك، فيكون عقدا كافيا، فيكون قولهم كقول
الجمهور.
فعلى هذا : إن لم يوجد ما يدل على الإيجاب أو
ما يقوم مقامه لم يصح، لأن ما مضى من القول لا
يصلح أن يكون إيجاباً .
فهذا الخلاف الوارد في صحة هذا البيع مصدره
(١) الشرح الكبير المطبوع مع المغني ٣٥/٤ ط المنار، ونيل الأوطار
١٥٢/٥، وفتح القدير ٨٤/٥ وجاء فيه: (( وأما البطلان فيما إذا
قال بعتكه بألف حالا، وبألفين إلى سنة فلجهالة الثمن)).
ومغني المحتاج ٣١/٢
(٢) حديث ((نهى عن بيعتين في بيعة)) رواه الترمذي والنسائي
من حديث أبي هريرة مرفوعا، وقال الترمذي حسن صحيح.
ورواه البيهقي أيضا، وزاد («صفقة واحدة)). (فيض القدير
٣٠٨/٦)
- ٣٨ -

أجل ٨٤ - ٨٦
الصيغة الصادرة مشتملة على صيغتين في آن واحد،
فلم يجزم البائع ببيع واحد، ولأن الثمن مجهول هل هو
عشرة أو خمسة عشر . وإذا كان الايجاب غير جازم لا
يصلح، ويكون عرضا، فإذا قبل الموجه إليه العرض
إحدى الصفقتين كان إيجاباً موجهاً إلى الطرف
الأول، فإن قبل تم العقد، وإلا لم يتم.
الصورة الثانية :
٨٤ - وهي بيع(١) الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل
النساء. يرى جمهور الفقهاء (٢) جواز بيع الشيء بأكثر
من سعر يومه لأجل النساء، وذلك لعموم الأدلة
القاضية بجواز البيع. قال الله تعالى: (( وأُحَلَّ الله
الْبَيْعَ))(٣) وهو عام في إباحة سائر البياعات إلا
ماخص بدليل، ولا يوجد دليل يخصص هذا
(٤)
العموم.
الصورة الثالثة :
وهي تأجيل الدين الحال في مقابل زيادة :
٨٥ - وهذه الصورة تدخل في باب الربا(٥) ((إذا
الربا المحرم شرعاً شيئان: ربا النساء، ور با
التفاضل. وغالب ما كانت العرب تفعله، من قولها
للغريم: أتقضي أم تربي؟ فكان الغريم يزيد في
المال، ويصبر الطالب عليه، وهذا كله محرم باتفاق
(١) يراجع مصطلح (( بيع))
(٢) نيل الأوطار للشوكاني ١٥٢/٥ ط اولى سنة ١٣٥٧ هـ
(٣) سورة البقرة / ٢٧٥
(٤) نيل الأوطار ١٥٣/٥
(٥) يراجع مصطلح (( ربا))
الأمة)). قال الجصاص: معلوم أن ربا الجاهلية إنما
کان قرضاً مؤجلا بز یادة مشروطة، فكانت الزيادة
بدلا من الأجل، فأبطله الله تعالى وحرمه، وقال:
((وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُوسُ أَمْوَالِكُمْ)) وقال تعالى:
((وَذَّرُوا مَا بقيّ مِنَ الرِّبّا)) لحظر أن يؤخذ للأجل
عوض. ولا خلاف أنه لو كان عليه ألف درهم
حالة، فقال له: أجلني وأز يدك فيها مائة درهم، لا
يجوز، لأن المائة عوض من الأجل)).(٢)
الصورة الرابعة :
وهي تعجيل الدين المؤجل في مقابل التنازل عن
بعضه «ضع وتعجل».
٨٦ - يرى جمهور الفقهاء أنه إذا كان لرجل على
آخر دين مؤجل، فقال المدين لغريمه: ضع عني بعضه
وأعجّل لك بقيته، فإن ذلك لا يجوز عند الحنفية
والمالكية والشافعية والحنابلة. وكرهه زيد بن ثابت،
وابن عمر، والمقداد، وسعيد بن المسيب، وسالم،
والحسن، وحماد، والحكم، والثوري، وهشيم، وابن
علية، وإسحاق. (٣)
فقد روي أن رجلا سأل ابن عمر فنهاه عن
ذلك. ثم سأله، فقال: إن هذا يريد أن أطعمه
الربا.(٤)
(١) سورة البقرة /٢٧٩،٢٧٨
(٢) أحكام القرآن للقرطبي ٣٤٨/٣ ط أولى، وأحكام القرآن
للجصاص ٥٥٢/١، ٥٥٤ ط المطبعة البهية سنة ١٣٤٧ هـ
(٣) المغني المطبوع مع الشرح الكبير ١٧٤/٤ ط المنار.
(٤) العناية بهامش تكملة فتح القدير ٣٩٦/٧ ط الميمنية.
- ٣٩ -

........
أجل ٨٦
وروي عن زيد بن ثابت أيضا النهي عن
ذلك. (١)
وروي أن المقداد قال لرجلين فعلا ذلك:
كلا كما قد أذن بحرب من الله ورسوله .
واستدل جمهور الفقهاء على بطلان ذلك بشيئين:
أحدهما: تسمية ابن عمر إياه ربا، ومثل ذلك لا
يقال بالرأي. وأسماء الشرع توقيف.
والثاني : أنه معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان
قرضاً مؤجلا بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلا
من الأجل، فأبطله الله تعالى، وحرمه، وقال: (( وإن
تببتم فلكم رُؤُوسُ أموالكم)(٣) وقال تعالى: ((وذروا
ما بقيّ من الربا))(٣) حظر أن يؤخذ للأجل عوض. فإذا
كانت عليه ألف درهم مؤجلة، فوضع عنه على أن
يعجله، فإنما جعل الحط مقابل الأجل، فكان هذا هو
معنى الربا الذي نص الله تعالى على تحريمه. ولا
خلاف أنه لو كان عليه ألف درهم حالة، فقال له :
أجلني وأزيدك فيها مائة درهم، لا يجوز، لأن المائة
عوض من الأجل، كذلك الحط في معنى الزيادة،
إذ جعله عوضاً من الأجل، وهذا هو الأصل في
امتناع جواز أخذ الأبدال عن الآجال . (٤)
فحرمة ربا النساء ليست إلا لشبهة مبادلة المال
بالأجل. وإذا كانت شبهة الربا موجبة للحرمة
(١) أحكام القرآن للجصاص ٥٥٤/١، وراجع المدونة ١٧٣/٩،
ومغني المحتاج ١٢٩/٢ ط الحلبي، وكشاف القناع ٣٤٢/٣
ط الرياض.
(٢) سورة البقرة /٢٧٩
(٣) سورة البقرة / ٢٧٨
(٤) أحكام القرآن للجصاص ٥٥٤/١
فحقيقته أولى بذلك. (١) وأيضا فإنه لا يمكن حمل هذا
على إسقاط الدائن لبعض حقه، لأن المعجل لم يكن
مستحقا بالعقد، حتى يكون استيفاؤه استيفاء لبعض
حقه .
والمعجل خير من المؤجل لا محالة ، فيكون (فيما لو
كانت له عليه ألف مؤجلة فصالحه على خمسمائة
حالة) خمسمائة في مقابل مثله من الدين، وصفة
التعجيل في مقابلة الباقي _ وهو الخمسمائة __ وذلك
اعتياض عن الأجل، وهو حرام.
وأيضا لأن الأجل صفة، كالجودة، والاعتياض
عن الجودة لا يجوز، فكذا عن الأجل. (٢)
ويقول ابن قدامة: (٣) إنه بيع الحلول، فلم يجز،
كما لوزاده الذي له الدين، فقال له: أعطيك عشرة
دراهم وتعجل لي المائة التي عليك.
ويقول صاحب الكفاية : والأصل فيه أن
الإحسان متى وجد من الطرفين يكون محمولا على
المعاوضة - كهذه المسألة - فإن الدائن أسقط من
حقه خمسمائة، والمديون أسقط حقه في الأجل في
الخمسمائة الباقية، فيكون معاوضة بخلاف ما إذا
صالح من ألف على خمسمائة، فإنه يكون محمولا على
إسقاط بعض الحق، دون المعاوضة، لأن الإحسان لم
يوجد إلا من طرف رب الدين. (٤)
وروي عن ابن عباس أنه لم ير بأسا بهذا ((ضع
(١) العناية هامش تكملة فتح القدير ٣٩٦/٧
(٢) هامش تكملة فتح القدير ٣٩٧/٧
(٣) المغني ١٧٤/٤
(٤) ومغني المحتاج ١٧٩/٢
- ٤٠ -