النص المفهرس

صفحات 241-260

إثبات ٢٧ - ٢٨
وعلى القول بجواز التغليظ عند الحنفية فقد قصره
بعضهم على ذكر صفة من صفاته تعالى ،كقوله : قل
والله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة،
الرحمن الرحيم ، الذي يعلم من السر ما يعلم من
العلانية، ما لفلان هذا عليك ولا قبلك هذا المال
الذي ادعاه ، وهو كذا وكذا ، ولا شيء منه.
وللقاضي أن يزيد على هذا في التغليظ وينقص.
وليس عندهم التغليظ بالزمان والمكان ، لأن
المقصود تعظيم المقسم به، وهو حاصل بدون ذلك.
وفى إيجاب التغليظ حرج على القاضي. وهم مجمعون
على أن من وجهت إليه اليمين لا يعتبر نا كلا إن أبى
التغليظ .(١)
التحالف :
٢٧ - مصدر تحالف ، ومن معانيه في اللغة : طلب
كل من المتداعيين يمين الآخر. وهذا المعنى هو الموافق
للشرع. غاية الأمر أن التحالف يكون أمام
القضاء. (٢)
والمراد هنا حلف المتخاصمين في مجلس القضاء.
إذا اختلف البائع والمشترى في مقدار الثمن، أو
المبيع، أو كليهما أوفي وصفهما، أو في جنسهما، ولم
يكن لأحدهما بينة، تحالفا وتفاسخا عند جميع
(١) البحر ٢٣٣/٧ ط الأولى بالمطبعة العلمية ، وتبصرة الحكام
١٨٤/١ وما بعدها ط الحلبي، ونهاية المحتاج ٣٣٠/٨ ط
الحلبي ، ومنتهى الإرادات ٦٨٢/٢ وما بعدها ط دار العروبة.
(٢) المصباح المنير.
الفقهاء، للحديث ((إذا اختلف المتبايعان تحالفا
وتفاسخا »
(١)
وكذلك كل اختلاف بين متخاصمين على هذه
الصورة فبالتحالف تنتهي الخصومة.
وهناك تفصيل في المذاهب يرجع إليه في:
(تحالف )
رد اليمين :
٢٨ - مذهب الحنفية، وأحد قولين للإمام أحمد، أنه
إذا كانت للمدعي بينة صحيحة قضي له بها. فإن لم
تكن له بينة أصلا، أو كانت له بينة غير حاضرة،
طلب يمين المدعى عليه، فإن حلف بعد عرض
القاضي اليمين عليه رفضت دعوى المدعي، وإن نكل
عن اليمين بلا عذر، فإن كان المدعى مالا، أو
المقصود منه المال، قضي عليه بنكوله، ولم ترد اليمين
على المدعي لقوله صلى الله عليه وسلم (( ولكن اليمين
على جانب المدعى عليه)»(٢) وقوله ((البينة على
المدعي واليمين على المدعى عليه»(٣) فحصرها في
جانب المدعى عليه.
واختار أبو الخطاب من الحنابلة ردها على المدعي.
(١) حديث: ((إذا اختلف المتبايعان تحالفاً وتفاسخاً))
رواه أصحاب السنن والحاكم وغيرهم باختلاف عن ابن
مسعود، وسنده ضعيف. قال صاحب التنقيح : والذي
يظهر أن حديث ابن مسعود بمجموع طرقه له أصل . بل
هو حديث حسن يحتج به. لكن في لفظه اختلاف ، والله
أعلم. (نصب الراية/ ٢٠٥ - ١٠٧ وانظر: تلخيص الحبير
٣٠/٣ -٣٢)
(٢) حديث: ((ولكن اليمين ... )) سبق تخريجه.
(٣) حديث: ((البينة على المدعي ... )) سبق تخريجه.
- ٢٤١ -

إثبات ٢٩
فإن حلف المدعي حكم له بما ادعاه . قال أبو
الخطاب: وقد صوبه أحمد، فقال: ما هو ببعيد يحلف
ويستحق. وقال: هو قول أهل المدينة. قال ابن
قدامة : وروي ذلك عن علي رضي الله عنه، و به قال
شريح والشعبي والنخعي وابن سيرين، وبه قال
الإمام مالك في الأموال خاصة .(١)
ومذهب الشافعية أن اليمين تردّ على المدعي في
جميع الدعاوي، لما روى نافع عن ابن عمر (( أن
النبي صلى الله عليه وسلم رد اليمين على طالب
الحق)) (٣) ولأنه إذا نكل ظهر صدق المدعي وقوي
جانبه، فتشرع في حقه، كالمدعى عليه قبل نكوله.
وقال ابن أبي ليلى : لا أدعه حتى يقر أو
يحلف.(٣)
النكول عن اليمين :
٢٩ - النكول لغة : الامتناع. يقال نكل عن
اليمين أي امتنع عنها.
وهو كذلك في الاصطلاح إذا كان في مجلس
القضاء.
(١) البحر الرائق ٢٤٠/٧ ط اليمنية، وتهذيب الفروق
١٥٨/٤ ط دار إحياء الكتب العربية ، والمغني مع الشرح
الكبير ١٢٤/١٢ وما بعدها ط المنار ١٣٤٨هـ
(٢) رواه الدارقطني ورواه الحاكم والبيهقي ، وفيه محمد بن
مسروق لا يعرف، واسحاق بن الفرات مختلف فيه ، ورواه
تمام في فوائده من طريق أخرى عن نافع . ( تلخيص
الحبير ٢٠٩/٤ ط الفنية المتحدة )
(٣) البحر ٢٢٣/٧ المطبعة العلمية ، وتبصرة الحكام ٢٧٢/١
ط الحلبي، ونهاية المحتاج ٣٤٦/٨، والمغني ١٢٣/١٢
ط المنار الأولى.
والنكول عند المالكية والشافعية وفي أحد رأيين
عند الحنابلة لا يكون حجة يقضى بها على المدعى
عليه. بل إذا نكل في دعوى المال أو ما يؤول إليه
ردت اليمين على المدعي بطلب المدعى عليه، فإن
حلف المدعي قضى له بما طلب وإن نكل المدعي
رفضت دعواه. فقد أقاموا نكول المدعى عليه مقام
الشاهد، إذ عندهم أنه يقضى للمدعي بحقه إذا أقام
شاهداً وحلف، فكذلك يقضى له بنكول المدعى
عليه وحلف المدعي. فالحق عندهم لا يثبت بسبب
واحد، كما لا يثبت بشاهد واحد. فإن حلف
استحق،وإلا فلا شيء له .
وعند المالكية أن كل دعوى لا تثبت إلا
بشاهدين عدلين، كالقتل والنكاح والطلاق، فلا
يمين توجه من المدعي على المدعى عليه بمجرد
الدعوى، ولابد لتوجيه اليمين من إقامة شاهد على
الدعوى، فيحلف المدعى عليه لرد شهادة الشاهد، ولا
ترد على المدعي،إذ لا فائدة في ردها عليه .
وعند الحنفية أن المدعى عليه إذا نكل عن اليمين
الموجهة إليه قضي عليه بنكوله لكونه باذلاً أو مقراً،
إذ لولا ذلك لأقدم على اليمين ليدفع الضرر عن نفسه.
ولا وجه لردّ اليمين للحديث السابق ذكره.
وفي رواية لأحمد،وهي التي اختارها أبو الخطاب
من الحنابلة، أنه إن نكل ترد اليمين على المدعي،
ويحكم له بما ادعاه ، كما تقدم(١)
(١) تبصرة الحكام ٢٧٣/١ ط الحلبي وتهذيب الفروق، ١٥١/٤
ط دار إحياء الكتب، ونهاية المحتاج ٣٣٥/٨ ط الحلبي ،
والبحر ٢٢٤/٧ ط العلمية، ومنتهى الإرادات ٦٠١/٢ ط
دار العروبة والمغني ١٢٣/١٢، ١٢٤
- ٢٤٢ -

إثبات ٣٠
قضاء القاضي بعلمه :
٣٠ - المراد بعلم القاضي ظنه المؤكد الذي يجوز له
الشهادة مستنداً إليه.(١)
ولا خلاف بين فقهاء المذاهب في أن القاضي لا
يجوز له القضاء بعلمه في الحدود الخالصة لله تعالى .
کالزنی وشرب الخمر، لأن الحدود يحتاط في درئها ،
وليس من الاحتياط الاكتفاء بعلم القاضي، ولأن
الحدود لا تثبت إلا بالإقرار أو البينة المنطوق بها ،
وأنه وإن وجد في علم القاضي معنى البينة، فقد
فاتت صورتها، وهو النطق، وفوات الصورة يورث
شبهة ، والحدود تدرأ بالشبهات. (٢)
وأما قضاء القاضي بعلمه في حقوق الآدميين
فمحل خلاف بين الفقهاء :
فذهب المالكية وغير الأظهر عند الشافعية،
وظاهر مذهب الحنابلة، أن القاضي لا يحكم بعلمه
في حقوق الآدميين، وسواء في ذلك علمه قبل الولاية
وبعدها. وهذا قول شريح والشعبي وإسحاق وأبي
عبيد، مستدلين بقول النبي صلى الله عليه وسلم
((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلىّ، ولعل بعضكم
أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي له على نحو
ما أسمع .)) (٣) فدل الحديث على أنه إنما يقضي بما
(١) نهاية المحتاج ٢٤٧/٨ ط الاسلامية.
(٢) البدائع ٧/٧، وتبصرة الحكام ١٦٧/١ ط الحلبي ، ونهاية
المحتاج ٢٠٤٦/٨ وما بعدها ط الاسلامية، والمغني ٤٠٠/١١
ما بعدها ط المنار
(٣) حديث: ((إنما أنا بشر ... )) رواه مالك وأحمد والشيخان
وغيرهم باختلاف عن أم سلمة . ( الفتح الكبير ٤٣٦/١ )
يسمع، لا بما يعلم، وبقوله صلى الله عليه وسلم، في
قضية الحضرمي والکندي ( شاهداك أو يمينه ، ليس
لك منه الا ذاك)» (١) وبما روى عن عمر رضى الله عنه
(( أنه تداعى عنده رجلان، فقال له أحدهما: أنت
شاهدي. فقال إن شئما شهدت ولم أحكم أو
أحكم ولا أشهد)) (٢)
والأظهر عند الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد
ومذهب الإمامين أبي يوسف ومحمد، أنه يجوز للقاضي
أن يحكم بعلمه، سواء في ذلك علمه قبل ولاية
القضاء أم بعدها، لكن الشافعية قيدوا ذلك بما إذا
كان القاضي مجتهداً - وجوبا - ظاهر التقوى والورع
- ندباً - واشترطوا لنفاذ حكمه أن يصرّح بمستنده،
فيقول : علمت أن له عليك ما ادعاه، وقضيت، أو:
حكمت عليك بعلمي. فإن ترك أحد اللفظين، لم ينفذ
حکمه.
واستدل القائلون بالجواز بأن النبي صلى الله عليه
وسلم لما قالت له هند: إن أبا سفيان رجل شحيح لا
يعطينى من النفقة مايكفيني وولدي، قال ((خذي
ما يكفيك وولدك بالمعروف)(٣) فحكم لها من غير بينة
ولا إقرار، لعلمه بصدقها ، وبأنه يجوز للقاضي أن
يقضي بالبينة، فيجوز القضاء بعلمه بطريق الأولى،
لأن المقصود من البينة ليس عينها ، بل حصول العلم
(١) حديث: ((شاهداك أو يمينه ... )) رواه الشيخان وابو داود
والترمذي والنسائي وابن ماجة باختلاف . ( نصب الراية
٥٩/٤ )
(٢) ذكره صاحب المغني وابن حزم في المحلى، ولم
يسنده . وقال ابن حزم هو من طريق الضحاك وقد
قال عنه ابن حجر: صدوق كثير الارسال (المغني
٥٥/٩، والمحلى ٤٢٧/٩)
(٣) حديث: ((خذي ما يكفيك وولدك ... )) روى بعدة
روايات للشيخين وغيرهما. ( فيض القدير ٤٣٦/٣، ٤٣٧)
- ٢٤٣ -

إثبات ٣١
بحكم الحادثة . وعلمه الحاصل بالمعاينة أقوى من
علمه الحاصل بالشهادة، لأن العلم الحاصل
بالشهادة علم غالب الرأي وأكبر الظن، والحاصل
بالحس والمشاهدة على القطع واليقين، فهو أقوى،
فكان القضاء به أولى.
ومذهب الإمام أبي حنيفة أنه يجوز للقاضي في
حقوق الآدميين أن يقضي بعلمه الذي استفاده في
زمن القضاء وفي مكانه، ولا يجوز له القضاء بعلمه
الذي استفاده في غير زمن القضاء، وفي غير مكانه،
أو في زمن القضاء في غير مكانه. وعلل ذلك بأن
هناك فرقاً بين العلمين، فإن العلم الذي استفاده في
زمن القضاء ومكانه علم في وقت هو مكلف فيه
بالقضاء، فأشبه البينة القائمة فيه، والعلم الذي
استفاده قبل زمن القضاء هو في وقت غير مكلف فيه
بالقضاء، فأشبه البينة القائمة فيه .
وقال المخالفون : إن العلم في الحالين سواء.
وقال الحنفية : إن المعتمد عدم حكم القاضي
بعلمه في زماننا لفساد قضاته. وما قاله المتأخرون من
جواز قضاء القاضي بعلمه هو خلاف المفتى به .
وذهب بعض المالكية إلى جواز قضاء القاضي
بعلمه الذي يحصل بين يديه في مجلس القضاء،
كالإقرار. ولكن ذلك في الحقيقة ليس حكما بعلم
القاضي، وإنما هوحكم مبني على الإقرار.(١)
القضاء بالقرينة القاطعة :
٣١ - القرينة لغة. العلامة والمراد بالقرينة
(١) البدائع ٧/٧، وابن عابدين ٣٤٥/٤ ط بولاق الأولى
-
والخرشى ١٦٤/٥ - ١٦٩ ط الشرفية وتبصرة الحكام ١٦٧/١
والحلبي ونهاية المحتاج ٢٤٦/٨ وما بعدها ط الاسلامية
والمغني ٤٠٠/١١ وما بعدها المنار.
القاطعة في الاصطلاح، ما يدل على ما يطلب الحكم
به دلالة واضحة بحيث تصيّره في حيز المقطوع به، كما
لو ظهر إنسان من دار، ومعه سکین في يديه، وهو
متلوَث بالدماء، سريع الحركة، عليه أثر الخوف،
فدخل إنسان أو جمع من الناس في ذلك الوقت،
فوجدوا بها شخصاً مذبوحا لذلك الحين، وهو متضّخ
بدمائه، ولم يكن في الدار غير ذلك الرجل الذي وجد
على الصفة المذكورة، وهو خارج من الدار، فإنه
يؤخذ به، إذ لا يشك أحد في أنه قاتله واحتمال أنه
ذبح نفسه، أو أن غير ذلك الرجل قتله ثم تسوّر الحائط
وهرب، ونحو ذلك، فهو احتمال بعيد لا يلتفت إليه،
إذ لم ينشأ عن دليل.(١)
ولا خلاف بين فقهاء المذاهب في بناء الحكم
على القرينة القاطعة، مستدلين بالكتاب والسنة
وعمل الصحابة :
فأما الكتاب، فقوله تعالى ( وَجَاءُوا على
فَميصه بِدَمٍ كَذِبِ) فقد روي أن إخوة يوسف لمّا
أتوا بقميصه إلى أبيهم تأمله، فلم ير خَرقاً ولا أَثْرَ
ناب، فاستدل به علی کذبهم.
وأما السنة فما وقع في غزوة بدر لا بني عفراء، لما
تداعيا قتل أبي جهل (٣) فقال لهما رسول الله صلى الله
عليه وسلم ((هل مسحتما سيفيكما؟)) فقالا: لا.
فقال: ((أرياني سيفيكما)) فلما نظر إليهما قال: هذا
قتله وقضی له بسلبه. فاعتمد صلى الله عليه وسلم
(١) البحر الرائق ٢٢٤/٧ ط العلمية.
(٢) سورة يوسف / ١٨
(٣) حديث (( ابني عفراء لما تداعيا قتل أبي جهل ... )) رواه
البخاري ومسلم وأحمد ( مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر
١٦٧٢/٣)
- ٢٤٤ -

إثبات ٣٢ - ٣٣
على الأثر في السيف.
وأما عمل الصحابة ، فمنه حكم عمر رضي الله
عنه برجم المرأة إذا ظهر بها حمل وليس لها زوج.
وجعل ذلك يقوم مقام البينة في أنها زانية، وكذلك
السكران إذا قاء الخمر.(١)
وقد ساق ابن القيم كثيراً من الوقائع التي قضى
فيها الصحابة رضي الله عنهم بناء على القرائن ،
وانتهى إلى تفسير قوله صلى الله عليه وسلم ((البينة
على المدعي» بأن المراد بالبينة ما يُظْهرُ صحة دعوى
المدعي. فإذا ظهر صدقه بأي طريق من طرق
الحكم، ومنها القرينة، حكم له (٣)
القضاء بكتاب القاضي إلى القاضي :
٣٢ - الأصل في القضاء به السنة، والإجماع،
والمعقول :
أما السنة فما روى الضحاك بن سفيان قال:
(( كتب إلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ ورِّث
امرأة أَشْيّم الضِّبابي من دية زوجها)) (٤)
وأجمعت الأمة على القضاء بكتاب القاضي إلى
القاضي .
(١) البحر الرائق ٢٢٤/٧ ط العلمية، وتبصرة الحكام ٢٠٢/١
وما بعدها ط الحلبي، ومنتهى الإرادات ٦٧٢/٢، والبهجة
٢٨٠/٥
(٢) سبق تخريجه ف ٣ ح ٣
(٣) الطرق الحكمية ص ٢٣ ط الآداب والمؤيد.
(٤) حديث الضحاك بن سفيان قال: (( كتب إليّ رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن ورَث ... )) رواه أبو داود
والترمذي وقال حسن صحيح ، والنسائي وابن ماجه وأحمد
ومالك في الموطأ. قال في مجمع الزوائد : رواه
الطبراني ، ورجاله رجال الصحيح. ( مجمع الزوائد
٢٣٠/٤). (عون المعبود ٩١/٣ دار الكتاب العربي )
وأما المعقول فلأن الحاجة داعية إليه. فإن من له
حق في بلد غير بلده قد يشق عليه السفر إليه والمطالبة
بحقه إلا بكتاب القاضي، فوجب قبوله.
والكتاب على ضربين :
أحدهما :
أن يكتب بما حكم به، وذلك مثل أن يحكم على
رجل بحق، فيغيب قبل إيفائه، أو يدعي حقاً على
غائب، ويقيم به بينة، ويسأل الحاكم الحكم
عليه، فيحكم عليه ويسأله أن يكتب له كتاباً يحمله
إلى قاضي البلد الذي فيه الغائب فیکتب له إليه ، أو
تقوم البينة على حاضر فيهرب قبل الحكم فيسأل
صاحب الحق الحاكم الحكم عليه وأن يكتب له
كتابا يحمله، ففي هذه الصور الثلاث يلزم الحاكم
إجابته إلى الكتابة، ويلزم المكتوب إليه قبوله .
الضرب الثاني :
أن يكتب بعلمه بشهادة شاهدين عنده بحق
لفلان، مثل أن تقوم البينة عنده بحق لرجل على
آخر، ولم يحكم به، فيسأله صاحب الحق أن يكتب
له كتاباً بما حصل عنده. فإنه يكتب له، ويذكر في
الكتاب ما شهد به الشاهدان ليقضي بشهادتهما
القاضي المكتوب له. فيجب على القاضي المكتوب
إليه أن يقضى بذلك إذا توافرت شروط قبوله.
محل القضاء بكتاب القاضي وشروطه :
٣٣ - لا خلاف بين فقهاء المذاهب الأربعة في
جواز القضاء بكتاب القاضي إلى القاضي في
الجملة، غير أنهم يختلفون فيما يكتب فيه القاضي إلى
القاضي ، وفي الشروط الواجب تحققها في الكتاب.
فعند الحنفية : يقبل كتاب القاضي إلى القاضي
- ٢٤٥ -

إثبات ٣٤
في غير الحدود والقصاص.
وعند المالكية والشافعية يجوز القضاء بكتاب
القاضي إلى القاضي في الأموال والحدود
والقصاص، وكل ما هو من حقوق العباد.
وعند الحنابلة يقبل كتاب القاضي إلى القاضي
في المال وما يقصد به المال، كالقرض والغصب ، ولا
يقبل في حد لله تعالى. وهل يقبل فيما عدا ذلك، مثل
القصاص والنكاح والطلاق والخلع والنسب ؟ على
روایتین. فأما حد القذف فإن قیل إنه حق لله
تعالى، فلا يقبل فيه، وإن قيل إنه حق الآدمي، فهو
کالقصاص.
وفي كل مذهب تفصيلات وشروط :
فمنهم من يشترط أن يكون بين القاضي الكاتب
والقاضي المكتوب إليه مسافة قصر، سواء أكان
المكتوب به حكما أم شهادة ومنهم من لا يشترط
ذلك، ومنهم من يشترط المسافة في الكتابة بالشهادة
دون الحكم .
و يشترط بعض الفقهاء أن یکون کل من
الكاتب والمكتوب إليه على ولاية القضاء حين
الكتابة ، وحین الحكم، ومنهم من يشترط أن يكون
كل على الولاية حين الكتابة فقط .
ومثل كتاب القاضي إلى القاضي : أن يكون
القاضیان في بلد واحد، و یؤدي أحدهما إلى الآخر
مشافهة. (١)
(١) ابن عابدين ٥٤٤/٤، والخرشي ١٧٠/٥ ط العامرة ونهاية
المحتاج ٢٥٩/٨ ط الإسلامية والمغني ٤٦٧/١١ ومابعدها ،
والبدائع ٧/٧، ومعين الحكام ١٤٦، والرهوفي على
الزرقاني ٣٤٤/٧ ط أولى، وأسنى المطالب ٣١٨/٤ ط
اليمنية
وكل ما يتعلق بكتاب القاضي إلى القاضي من
شروط وغيرها إجراءات تختلف باختلاف الأزمان
والأعراف. وقد وضع الفقهاء القواعد والشروط
بحسب مارأوه مناسبا في أزمنتهم. وقوام الأمر في ذلك
هو الاستیثاق من أن المکتوب صادر من قاض مختص
بكتابة ما كتب .
وقد تغيرت الإجراءات والأعراف وتضمنت
قوانين المرافعات في العصور الحديثة إجراءات تعود
كلها إلى الضبط والاستيثاق، ولا تنافي نصّاً ولا
حكماً فقهياً، ومن ثم فلا بأس من تطبيقها والعمل.
بها .
حجية الخط والختم :
٣٤ - مذهب الحنفية والمالكية ووجه عند الشافعية
وأحد أقوال ثلاثة للإمام أحمد أنه يعمل بالخط إذا
وثق به ولم توجد فيه ريبة من محو أو كشط أو تغيير،
وذلك في الأموال وما يشبهها مما يثبت مع الشبهة،
كالطلاق والنكاح والرجعة. وهذا في المعاملات بين
الناس.
أما ما يجده القاضي في السجلات السابقة على
توليه فذهب الحنفية والمالكية ، والمشهور من مذهب
الشافعية، وأحد أقوال ثلاثة للإمام أحمد : أنه يعمل
بما فيها إذا انتفت الريبة.
وبالنسبة لما وجد في السجلات التي تمت في
عهده فالفقهاء مجمعون على أنه إن تيقن أنه خطه،
وذ کر الحادثة، فإنه يعمل به و ينفذ. وهذا كله فيا
إذا أنکر السند من يدعی عليه بما فيه.
- ٢٤٦ -

إثبات ٣٥ - ٣٧
ومن الفقهاء من یری أنه إن تيقن أنه خطه يعمل
به وإن لم يذكر الحادثة.(١)
ومن يتتبع أقوال الفقهاء جميعاً في حجية الخط
والختم يتبين له أن المعول عليه هو الاستيثاق من
صحة الكتابة، وعدم وجود شبهة فيها، فإن انتفت
عمل بها ونفذت، وإلاّ فلا.
وقد استحدثت نظم وآلات يمكن بواسطتها
ا کتشاف التزوير في المستندات. فإن طعن على سند
ما بالتزوير أمكن التحقيق في ذلك. وهذا ما تجرى
عليه المحاكم الآن. وليس في قواعد الشريعة ما يمنع
من تطبيق النظم الحديثة إذ هي لا تخالف نصاً
شرعياً، ولا تجافي ما وضعه الفقهاء من قواعد
وضوابط رأوها مناسبة في أزمنتهم.
القضاء بقول القافة :
٣٥ - القافة جمع قائف ، وهو في اللغة : من يتبع
الأثر.
وفي الشرع الذي يتتبع الآثار و يتعرف منها
الذين سلكوها ، ويعرف شبه الرجل بأبيه وأخيه
ويلحق النسب عند الاشتباه ، بما خصه الله تعالى به
من علم ذلك.(٢)
فعند الأئمة الثلاثة : مالك والشافعي وأحمد، أنه
يحكم بالقافة في ثبوت النسب، خلافاً للحنفية.
ويرجع في تفصيل ذلك إلى مصطلح ( قيافة ).
(١) حاشية ابن عابدين ٥٤٦/٤، والخرشي ٢٠٦/٥، ونهاية
المحتاج ٢٤٧/٨ ط الإسلامية والطرق الحكمية ٢٠٤ ط
السنة المحمدية .
(٢) حاشية الجمل ٤٣٤/٥، ٤٣٥ ط دار إحياء التراث العربي،
والعيني ٥٢٣/٧ ط الآستانة.
القضاء بالقرعة :
٣٦ - القرعة: طريقة تعمل لتعيين ذات أو
نصيب من بين أمثاله إذا لم يمكن تعيينه بحجة.(١)
وقد نص الفقهاء على أنه (( متى تعينت المصلحة
أو الحقّ في جهة، فلا يجوز الإقراع بينه وبين غيره،
لأن في القرعة ضياع ذلك الحق المعيّن والمصلحة
المعيّنة. ومتى تساوت الحقوق والمصالح فهذا هو
موضع القرعة عند التنازع، دفعا للضغائن والأحقاد ،
وللرضا بما جرت به الأقدار، وهي مشروعة في
(٢)
مواضع)) (٣)
وتفصيل ذلك موطنه مصطلح ( قرعة )
القضاء بالفِراسة :
٣٧ - الفراسة في اللغة : الظن الصائب الناشىء
عن تثبيت النظر في الظاهر لإدراك الباطن .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن ذلك.
وفقهاء المذاهب لا يرون الحكم بالفراسة ، فإن
مدارك الأحكام معلومة شرعا ، مدركة قطعاً .
وليست الفراسة منها . ولأنها حكم بالظن والحزر
والتخمين، وهي تخطىء وتصيب.(٣) ولكن ابن القيم
أورد حججا على شرعية العمل بالفراسة ، وساق على
ذلك شواهد وأمثلة. (٤)
وتفصيل الكلام في مصطلح ( فراسة ) .
(١) تفسير القرطبي ٨٧/٤
(٢) تبصرة الحكام ١٠٦/٢، والقواعد لابن رجب ص ٣٤٨ ط
الخانجي .
(٣) معين الحكام ص ٢٠٦ ط الميمنية، وتبصرة الحكام ٠١٣١/٢
ط الحلبي .
(٤) الطرق الحكمية ص ٢٤ وما بعدها ط الآداب والمؤيد بمصر
١٣١٧ هـ.
- ٢٤٧ -

إثبات ٣٨ - ٤٢
القضاء بقول أهل المعرفة ( الخبرة ) :
٣٨ - اتفق فقهاء المذاهب على جواز القضاء بقول
أهل المعرفة فيما يختصون بمعرفته إذا كانوا حذاقاً
مهرة. ومن ذلك الاستعانة في معرفة قدم العيب أو
حداثته .
ويرجع إلى أهل الطب والمعرفة بالجراح في معرفة
طول الجرح، وعمقه وعرضه، وهم الذين يتولون
استيفاء القصاص. وكذلك يرجع إلى أهل المعرفة
من النساء فيما لا يطلع عليه غيرهنّ كالبكارة.(١)
القضاء بالاستصحاب :
٣٩ - الاستصحاب في اللغة الملازمة وعدم
المفارقة. وفي الاصطلاح : هو استبقاء الوصف
المثبت للحكم حتی یثبت خلافه.
وقد ذهب الجمهور ( المالكية والحنابلة وأكثر
الشافعية) إلى أنه حجة سواء أكان في النفي أم
الإثبات. وأما الحنفية فقد تعددت الآراء عندهم في
حجيته بين الإطلاق والتقييد، فمنهم من منع
حجيته، ومنهم من قيدها بأنه حجة للدفع لا
للإثبات .
وللاستصحاب أنواع وأقسام. وتفصيل ذلك
موطنه ( استصحاب )(٢)
القضاء بالقسامة :
٤٠ - من معاني القسامة في اللغة اليمين مطلقاً ، إلا
أنها في عرف الشرع تستعمل في اليمين بالله تبارك
وتعالى، بسبب مخصوص، وعدد مخصوص، وعلى
(١) تبصرة الحكام ٧٤/٢ وما بعدها ط الحلبي الأخيرة،
ومعين الحكام ص ١٦٢ وما بعدها ط الميمنية بمصر.
(٢) إرشاد الفحول ص ٢٣٨
أشخاص مخصوصين، على وجه مخصوص .
٤١ - ومحل القسامة يكون عند وجود قتيل في محلة
لا يعرف قاتله .
فذهب مالك والشافعي وأحمد في إحدى
الروايتين عنه إلى أنه إذا لم يكن هناك عداوة ولا
لوث (أي شبهة قوية توجب غلبة الظن بصحة
التهمة) كانت هذه الدعوى كسائر الدعاوي : البينة
على المدعي، والقول قول المنكر. وليس في ذلك
يمين، لأن النكول عن اليمين بذل ، ولا بذل في
الأنفس. فلا يحل للإنسان أن يبيح لغيره قتل
نفسه ، وعليه القصاص إن فعل .
وأما إذا كان هناك لوث ، كالعداوة الظاهرة،
وادعى أولياء القتيل على معيّن أنه قتله، حُلِّف من
الأولياء خمسون أن فلانا هو قاتله عمداً ، فيستحقون
القصاص ، أو خطأ ، فيستحقون الدية .
وذهب أبو حنيفة إلى أن القسامة لا توجه إلا إلى
المدعى عليهم، فيختار أولياء القتيل خمسين من أهل
المحلة، فيحلفون أنهم ما قتلوه، ولا يعرفون له قاتلا .
فيسقط القصاص ، وتستحق الدية.(١)
وفي ذلك تفصيل واختلاف موطن بيانه بحث
القسامة.
القضاء بالعرف والعادة :
٤٢ - العرف : ما استقر في النفوس من جهة
العقول ، وتلقته الطباع السليمة بالقبول. ويدخل في
هذا التعريف ((العادة)) على أنهما مترادفان. وقيل:
(١) البدائع ٢٨٦/٧ وما بعدها، والقليوبي على شرح
المنهاج ١٦٦/٤ وما بعدها، والشرح الكبيرط دار
الفِكر ٢٣٥/٤ ومابعدها، وغاية المنتهى ط الشيخ
علي آل ثاني ٣٠٨/٣، والمغني لابن قدامة ط المنار
الأولى ٣/١٠ وما بعدها .
- ٢٤٨ -

أثر ١ - ٤
العادة أعم ، لأنها تثبت بمرّة، وتكون لفرد أو أفراد .
وهما حجة ، لبناء الأحكام عليهما ، ما لم يصادما
نصاً أو قاعدة شرعية .
ويستند إليها في تفسير المراد . وفي ذلك خلاف
وتفصيل موطنه الملحق الأصولى.(١)
أَثَرَّ
التعريف :
١ - من معاني الأثر في اللغة : بقية الشيء، أو
الخبر. ويقال: أَثّ فيه تأثيراً: ترك فيه أثراً (٢)
ولا يخرج استعمال الفقهاء والأصوليين للفظ
((أثر)) عن هذه المعاني اللغوية. فيطلقون الأثر
- بمعنى البقية - على بقية النجاسة ونحوها، كما
يطلقونه بمعنى الخبر فير يدون به الحديث المرفوع أو
الموقوف أو المقطوع، وبعض الفقهاء يقصرونه على
الموقوف، ويطلقونه بمعنى ما يترتب على الشيء، وهو
المسمى بالحكم عندهم، كما إذا أضيف الأثر إلى
الشيء فيقال: أثر العقد، وأثر الفسخ، وأثر النكاح
وغير ذلك.(٣)
الألفاظ ذات الصلة :
علامة
٢ - علامة الشئ تكون قبله، وأثره یکون بعده،
تقول: الغيوم والرياح علامات المطر. ومجرى
(١) معين الحكام ط الميمنية بمصرص ١٦١، وتبصرة
الحكام ط الحلبي ٥٧/٢، والبجيرمي ٧٧/٤ ط الحلبي.
(٢) القاموس المحيط ، ولسان العرب، والمصباح المنير (أثر)
(٣) كشاف اصطلاحات الفنون ٦٥/١ ط كلكتا ١٨٦١م،
وتدريب الراوي ١٨٤/٦ نشر المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.
السيول: أثر المطر، دلالة عليه، وليس برهاناً عليه. (١)
والمأثور: يطلق على القول والفعل، أما الأثر فلا
يطلق إلا على القول.(٢) والخبر غالبا ما يطلق على
الحديث المرفوع، والأثر ما نسب إلى الصحابة.
الحكم الإجمالي :
٣ - يختلف الحكم تبعا للاستعمالات الفقهية أو
الأصولية .
أما الاستعمال بمعنى بقية الشيء: فالحكم أنه
إن تعذر إزالة أثر النجاسة فيكون معفواً عنه.(٣)
وأما الاستعمال بمعنى ما يترتب على الشيء،
فالفقهاء يعتبرون الأثر في العقد هو ما شرع العقد
له، كانتقال الملكية في البيع، وحل الاستمتاع في
(٤)
النكاح .
وأما الاستعمال بمعنى الحديث الموقوف أو المرفوع
فوطن تفصيله الملحق الأصولي.
مواطن البحث :
٤ - يبحث استعمال الأثر بمعنى ما يترتب على
الشيء في كتب الفقه كل مسألة في بابها .(٥) أما
بمعنى بقية الشيء فقد بحثها الفقهاء في الطهارة عند
الحديث عن أثر النجاسة، وفي الجنايات عند الكلام
عن أثر الجناية .
(١) الفروق في اللغة للعسكري ص ٦٢ ط بيروت ١٣٩٣ هـ،
ودستور العلماء ٣٧/١ ط بيروت ١٣٩٥ هـ
(٢) دستور العلماء ٣٧/١
(٣) شرح جمع الجوامع مع حواشيه ١٠١/١، ١٠٢ ط بيروت
١٣٩٥ هـ
(٤) نفس المصدر السابق
(٥) ابن عابدين ٢٢١/١، والحطاب ١٤٧/١، ونهاية المحتاج
٢٤١/١، وكشاف القناع ١٧١/١
- ٢٤٩ -

إثم ١ - ٥
إثم
التعريف :
١- الإثم لغة : هو الذئْب . وقيل : أن يعمل ما لا
يحل له.(١) وفي اصطلاح أهل السنة: الإثم استحقاق
العقوبة. وعند المعتزلة: لزوم العقوبة. والاختلاف
بین التعر یفین یدور على جواز العفو وعدمه عند کل
من الفريقين. (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
٢ - الذنب: قيل هو الإثم. وعلى هذا يكون
مرادفاً للإثم. (٣)
الخطيئة : من معانيها الذئب عن عمد. وهي
بهذا المعنى تكون مطابقة للإثم. وقد تطلق على غير
العمد فتكون بهذا المعنى مخالفة للإثم، إذ الإثم لا
یکون إلا عن عمد.(٤)
الحكم الإجمالي :
٣ - يتعلق الإثم ببعض الأمور منها :
أ - ترك الفرض: فيأثم تارك فرض العين، كترك
الصلاة. وكذلك يأثم تارك فرض الكفاية إذا تركه
(١) لسان العرب، والصحاح (أثم)
(٢) ابن عابدين ٤٧/٣ ط الأولى.
(٣) المصباح المنير ( ذنب )
(٤) لسان العرب (خطأ) والفروق في اللغة ص ٢٢٧ ط دار
الآفاق.
الكل، كصلاة الجنازة.(١)
ب - ترك الواجب: إذا اعتبر مرادفاً للفرض فهو
مثله في الحكم.
وأما إن اعتبر غير مرادف للفرض - وهو صنيع
الحنفية - فإنه يأثم الفرد - وكذلك الجماعة -
بتركه إثماً ليس كاثم ترك الفرض. (٢)
ج - ترك السنن إذا كانت من الشعائر:
إذا كانبت السنة المؤكدة من الشعائر الدينية،
كالأذان والجماعة فتركه يستلزم الإثم على الجماعة في
الجملة. وكذلك الالتزام بترك السنة المؤكدة موجب
للإثم عند البعض. والحق ان ترك الفرض والواجب
والسنة المؤكدة في هذه الحالة كله يرجع إلى الحرام.(٣)
د- فعل الحرام والمكروه:
فعل الحرام موجب للإثم. أما المكروه فإذا كان
مكروها كراهة تحريمية يأثم فاعله. أما إذا كان
مكروها كراهة تنزيهية، فلا يأثم فاعله. (٤)
ترك المباح أو فعله :
٤ - لا يلزم من فعل المباح أو تركه إثم ولا كراهة،
مثل العمل بالقراض والمساقاة.
الإثم وعوارض الأهلية :
٥ - تعلق الإثم بأفعال المكره والناسي والخطىء
(١) شرح مسلم الثبوت ٦٣/١ ط : ارصادر.
(٢) الموافقات للشاطبي ١٣٣/١ ١ دار المعرفة.
(٣) الموافقات ١٣٢/١، ١٣٧
(٤) الموافقات ١٣٣/١
- ٢٥٠ -

إثم ٦، إجابة ١ - ٣
والسكران فيه تفصيل واختلاف بين الفقهاء،
ويرجع إليه في مواطنه.(١)
الإثم والحدود :
٦ - قال الحنفية والمالكية والحنابلة : الحدود لا
تذهب الآثام (العقوبة الأخروية) ولا تكون
مطهرة، وقال الشافعي: هي مطهرة للمسلم، وغير
مطهرة للكافر. (٢)
إجَابة
التعريف :
١ - الإجابة في اللغة : رجع الكلام .
والإجابة والاستجابة بمعنى واحد، تقول: أجابه
عن سؤاله واستجاب له إذا دعاه إلى شيء فأطاع،
وأجاب الله دعاءه قبله، واستجاب له كذلك.
وجواب القول قد يتضمن إقراره، وقد يتضمن
إبطاله، ولا يسمى جواباً إلا بعد الطلب.(٣)
(١) شرح مسلم الثبوت ١٦٨/١، ١٧٠، ٢٩٥ وابن عابدين
١٦٥/٣، والقليوبي وعميرة ١٥٥/٢، ١٩٦ ط مصطفى الحلبي،
وجواهر الإكليل ٢٩٥/٢ نشر عباس شقرون، والمغني ط
الأولى ٢٥٧/٨
(٢) ابن عابدين ١٤٠/٣، والمغني ١٣٢/١٠، والبجيرمي على
شرح الخطيب ١٤٠/٤ ط دار المعرفة، وجواهر الإكليل
١١٤/١، والفروق ٢١٥/١ ط دار إحياء الكتب العربية.
(٣) لسان العرب، والمصباح المنير، والمفردات للأصفهاني
( جوب )
ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى
اللغوي .
والإجابة قد تكون بالفعل، كإجابة الدعوة إلى
الوليمة، وقد تكون بالقول، سواء كانت بجملة كرد
السلام، أم بحرف الجواب فقط کنعم وبلى، حيث
يؤخذ به في الأحكام.
وقد تكون بالإشارة المفهومة .
وقد يعتبر السكوت إجابة كسكوت البكر عند
(١)
استئذانها في النكاح.
الألفاظ ذات الصلة :
٢ - الإغاثة هي: الإعانة والنصرة. (٢)
والإجابة قد تكون إعانة وقد لا تكون.
والإجابة لابد أن يسبقها طلب، أما الإغاثة فقد
تكون بلا طلب .
والقبول هو التصديق والرضا، أما الإجابة فقد
تكون تصديقاً ورضا وقد لا تكون. (٣)
الحكم الإجمالي :
٣ - يختلف الحكم التكليفي للإجابة بحسب الأمر
المطلوب .
فالإجابة إلى دعوة الإسلام، والعمل بما خوطب
به الإنسان من فرائض الدين، وإجابة الأمير للجهاد ،
(١) حاشية ابن عابدين ٢٦٥/١ ط بولاق ط الأولى، ونهاية المحتاج
٤٧/٨ ط مصطفى الحلبي، والمغني ٣٤٨/٥ ط المنار، وكفاية
الطالب الرباني ٣٤/٢ ط مصطفى الحلبي.
(٢) المصباح المنير .
(٣) المصباح المنير.
- ٢٥١ -

إجابة ٤، إجارة ١ - ٢
أمور واجبة بلا خلاف. (١)
وما كان لدفع ضرر عن الغير، كإجابة
المستغيث، فإجابته أمر واجب باتفاق، حتى إن
(٢)
الصلاة تقطع لإجابته .
وما كان لقطع الخصومة والمنازعة، كإجابة
المدعى عليه أمام القاضي، وكالإجابة في تحمل
الشهادة، فهو واجب باتفاق.(٣)
وقد تكون الإجابة مستحبة كإجابة المؤذن (٤)
وهي أن تقول مثل ما يقول.
وقد تكون الإجابة محرمة كالإجابة للمعصية.
(٥٠)
أما الإجابة في العقود فهي ما قابلت الإيجاب.(٦)
وتسمى في عرف الفقهاء بالقبول.
وأما الإجابة من الله سبحانه وتعالى فهي القبول
الذي يرجوه الإنسان من الله بدعائه وعمله.(٧)
(١) القرطبي ٣٨٩/٧، ٣٠٦/٩ وما بعدها ط دار الكتب
المصرية، وكفاية الطالب الرباني ٣١٥/٢، وبدائع الصنائع
١٠٠/٧، ١٣٥، ١٤٠، ط الجمالية، والمهذب ٢٣١/٢ ط
عيسى الحلبي، وابن عابدين ٥٥٣/١، والمغني ١٤٥/٢
(٢) حاشية ابن عابدين ٤٧٨/١، ومنح الجليل ١٨٧/١ نشر
طرابلس ليبيا .
(٣) البدائع ٢٢٤/٦، وكفاية الطالب ٢٧١/٢، والقليوبي
٣٢٩/٤، ٣٣٠ ط مصطفى الحلبي، والمغني ٨٦/٩، ١٤٦
(٤) ابن عابدين ٢٦٥/١، والشرح الصغير ٨٧/١ ط الحلبي،
والمهذب ٥٨/١
(٥) تنبيه الغافلين ص ٢١٦ - ٢٢٠ ط الجمالية، والفروق
للقرافي ٧٩/٤ ط دار إحياء الكتب العربية، وكفاية الطالب
٣٢٨/٢-٣٣٤
(٦) البدائع ٣٣٣/٧، ومنح الجليل ٤٦٤/٢
(٧) تنبيه الغافلين ص ١٤٥، ١٤٦، وابن عابدين ٥٥٤/١
مواطن البحث :
٤ - للإجابة أحكام متعددة مفصلة في مواطنها، ومن
ذلك: إجابة الوليمة في باب النكاح، وإجابة الوالدين
في باب الجهاد، وفي باب الصلاة، ورد السلام أثناء
خطبة الجمعة، والسعي لنداء الجمعة والإجابة
(القبول ) في العقود، كالوصية والبيع (١) وغير ذلك.
إجَارة
الفصل الأول
تعريف الإجارة :
١ - الإجارة في اللغة اسم للأجرة، وهي كراء
الأجير(٢) وهي بكسر الهمزة، وهو المشهور. وحكي
الضم بمعنى المأخوذ وهو عوض العمل، ونقل الفتح
أيضا ، فهي مثلثة، لكن نقل عن المبرد أنه يقال :
أجر وآجر إجاراً وإجارة . وعليه فتكون مصدراً وهذا
(٣)
المعنى هو المناسب للمعنى الاصطلاحي .
٢ - وعرفها الفقهاء : بأنها عقد معاوضة على
تمليك منفعة بعوض (٤)
ويخص المالكية غالباً لفظ الإجارة بالعقد على
(١) ابن عابدين ٢٢١/٥، ٤٧٨/١، وكفاية الطالب ٣٧٨/٢،
المغني ١٤٥/٢، والبدائع ٣٣٣/٦
(٢) المغرب ، ومقاييس اللغة مادة ( آجر)
(٣) حاشية ابن عابدين ٢/٥ ط بولاق .
(٤) كشف الحقائق ١٥١/٢ ط ١٣٢٢ هـ، والمبسوط: ٧٤/١٥ ط
الأولى، والأم ٢٥٠/٣ ط الأولى ١٣٢١ هـ، والمغني
المطبوع معه الشرح الكبير ٣/٦ ط المنار ١٣٤٧ هـ الشرح الصغير
على أقرب المسالك ٥/٤.
- ٢٥٢ -

إجارة ٣ - ٧
منافع الآدميّ، وما يقبل الانتقال غير السفن
والحيوان، ويطلقون على العقد على منافع الأراضي
والدور والسفن والحيوانات لفظ كراء، فقالوا :
(١)
الإجارة والكراء شىء واحد في المعنى.
٣ - ومادامت الإجارة عقد معاوضة فيجوز للمؤجر
استيفاء الأجر قبل انتفاع المستأجر، على التفصيل
الذي سيرد في موضعه، كما يجوز للبائع استيفاء الثمن
قبل تسليم المبيع، وإذا عجلت الأجرة تملكها المؤجر
اتفاقا دون انتظار لاستيفاء المنفعة، على ما سيأتي
بيانه .
الإجارة من حيث اللزوم وعدمه :
٤ - الأصل في عقد الإجارة عند الجمهور اللزوم ،
فلا يملك أحد المتعاقدين الانفراد بفسخ العقد إلا
لمقتض تنفسخ به العقود اللازمة ، من ظهور العيب،
أو ذهاب محل استيفاء المنفعة.(٢) واستدلوا بقوله تعالى
( أَوْفُوا بالعقُودِ )(٣)
وقال أبو حنيفة وأصحابه : يجوز للمكتري فسخ
الإجارة للعذر الطارىء على المستأجر مثل أن
يستأجر د كاناً یتجر فیه، فيحترق متاعه أو يسرق،
لأن طروء هذا وأمثاله، يتعذر معه استيفاء المنفعة
المعقود عليها، وذلك قياساً على هلاك العين
المستأجرة، (٤) وحكى ابن رشد أنه عقد جائز.
(١) الشرح الصغير على أقرب المسالك ٥/٤، والشرح الكبير
للدردير مع حاشية الدسوقي ٢/٤ ط دار الفكر.
(٢) المغني المطبوع معه الشرح الكبير ٢٠/٦، وبداية المجتهد
. ٢٥١/٢
(٣) سورة المائدة /١
(٤) المغني ٢٠/٦، ٢١، وبداية المجتهد ٢٥١/٢، والفتاوي
الهندية ٤١٠/٤
الألفاظ ذات الصلة :
البيع :
٥ - مع أن الإجارة من قبيل البيع فإنها تتميز بأن
محلها بيع المنفعة لا العين.(١) في حين أن عقود البيع
كلها التعاقد فيها على العين. كما أن الإجارة تقبل
التنجيز والإضافة، بينما البيوع لا تكون إلا منجزة .
والإجارة لا يستوفى المعقود عليه فيها وهو المنفعة دفعة
واحدة، أما في البيوع فيستوفى المبيع دفعة واحدة.
كما أنه ليس كل ما يجوز إجارته يجوز بيعه ، إذ تجوز
إجارة الحرّ لأن الإجارة فيه على عمل ، بينما لا يجوز
أن یباع لأنه ليس بمال.
الإعارة :
٦ - تفترق الإجارة عن الإعارة في أن الإجارة
تمليك منفعة بعوض ، وأن الإعارة إما تمليك منفعة
بلا عوض ، أو إباحة منفعة ، على خلاف بين الفقهاء
تفصيله في موطنه .
الجعالة :
٧ - تفترق الإجارة عن الجعالة في أن الجعالة إجارة
على منفعة مظنون حصولها ولا ينتفع الجاعل بجزء من
عمل العامل وإنما بتمام العمل،(٢) وأنّ الجعالة غير
لازمة في الجملة .
(١) إذ المعقود عليه المنافع. وهو قول أكثر أهل العلم، منهم
مالك وأبو حنيفة وأكثر أصحاب الشافعي. وذكر بعض
الشافعية أن المعقود عليه العين لأنها الموجودة
والعقد يضاف إليها. ويدل على أنها المنفعة لا العين
أنها المستوفاة بالعقد دون الأعيان، وأن الأجرة في
مقابلها، وإنما أضيف العقد إلى العين لأنها محل
المنفعة. (المغني ٥،٤/٦ وكشاف القناع ٤٥٧/٣ ٥
أنصار السنة ١٣٦٦ هـ)
(٢) بداية المجتهد ٢٥٧/٢ ط ١٣٨٦ هـ
- ٢٥٣ -

إجارة ٨ - ١٠
الاستصناع :
٨ - تفترق الإجارة ( في الأجير المشترك ) عن عقد
الاستصناع (الذي هو بيع عين شرط فيها العمل) في
أن الإجارة تكون العين فيها من المستأجر والعمل من
الأجير، أما الاستصناع فالعين والعمل كلاهما من
الصانع (الأجير).
صفة الإجارة ( حکمها التكليفي ) ودليله :
٩ - عقد الإجارة الأصل فيه أنه مشروع على سبيل
(١)
بجوازٍ (١)
والدليل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع
والمعقول :
أما الكتاب فمنه قوله تعالى (فإنْ أرضَعْنَ لكم
فآتُوهُنَّ أُجورَهُنَّ). (٢)
ومن السنة ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله
عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من
استأجر أجيراً فليُعلمه أجره))،(٣) وقوله: (( أعطوا
الأجير أجره قبل أن يجف عرقه))،(٤) وقوله: ((ثلاثة
أنا خصمهم يوم القيامة)) وعدّ منهم رجلا ((استأجر
-
(١) المبسوط ٧٤/١٥، ٧٥، والبدائع ١٧٤/٤، وبداية المجتهد
٢٤٠/٢ ط ١٣٨٦ هـ
(٢) سورة الطلاق /٦
(٣) حديث: ((من استأجر أجيرا ... )) رواه البيهقي عن أبي
هريرة في حديث أوله: (( لا يساوم الرجل على سوم أخيه ))
ورواه عن أبي سعيد وهو منقطع وتابعه معمر عن حماد
مرسلا، ورواه عبد الرزاق عن أبي هريرة وأبي سعيد،
أو أحدهما بلفظ: (( من استأجر أجيراً فليسم له
أجرته)» وهو عند أحمد عن ابراهيم عن أبي سعيد
بمعناه. قال الهيثمي: وإبراهيم لم يسمع من أبي
سعيد فيما أحسب ورواه أبو داود في المراسيل، وهو
عند النسائي غير مرفوع .
(٤) أخرجه ابن ماجه في الرهون من سننه .
%
أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره)).(١) وكذلك فعله
عليه الصلاة والسلام وتقريره.
وأما الإجماع فإن الأمة أجمعت على العمل بها منذ
عصر الصحابة وإلى الآن (٢)
وأما دليلها من المعقول فلأن الإجارة وسيلة
للتيسير على الناس في الحصول على ما يبتغونه من
المنافع التي لا ملك لهم في أعيانها ، فالحاجة إلى
المنافع كالحاجة إلى الأعيان، فالفقير محتاج إلى مال
الغني، والغني محتاج إلى عمل الفقير. ومراعاة حاجة
الناس أصل في شرع العقود. فيشرع على وجه ترتفع
به الحاجة، ويكون موافقاً لأصل الشرع.(٣) وهذه هي
حكمة تشريعها .
الفصل الثاني
أركان عقد الإجارة
تمهيد :
١٠ - يختلف الفقهاء في تعداد أركان عقد
الإجارة، فالجمهور على أنها: الصيغة ( الإيجاب
والقبول)، والعاقدان، والمعقود عليه (المنفعة
والأجرة)، وذهب الحنفية إلى أنها الصيغة فقط،
وأما العاقدان والمعقود عليه فأطراف للعقد ومن
مقوماته، فلا قيام للعقد إلا باجتماع ذلك كله .
فالخلاف لفظي لا ثمرة له .
(١) أخرجه ابن ماجه في ((الرهون)) والبخاري في ((البيوع))
و (« الإجارة)).
(٢) البدائع ١٧٣/٤، ١٧٤، والمبسوط ٧٤/١٥، والهداية، وتكملة
الفتح ٧ /١٤٦، ١٤٧ ط بولاق ١٣١٧ هـ، والشرح الصغير
٦،٥/٤، وبداية المجتهد ٢٤٠/٢، ونهاية المحتاج ٢٥٩/٥ ط "
١٣٥٧ هـ، والمغني مع الشرح الكبير ٢/٦ ط المنار ١٣٤٧ هـ
(٣) المبسوط ٧٤/١٥، ٧٥، والبدائع ١٧٤/٤، وبداية
المجتهد ٢٤٠/٢ ط ١٣٨٦ هـ.
- ٢٥٤ -

إجارة ١١ - ١٥
المبحث الأول
الصيغة وشروطها
الصيغة :
١١ - صيغة عقد الإجارة ما يتم بها إظهار إرادة
المتعاقدين من لفظ أو ما يقوم مقامه، وذلك بإيجاب
يصدره المملُّك، وقبول يصدره المتملُّك على ما يرى
الجمهور، في حين يرى الحنفية أن الإيجاب ما صدر
أولا من أحد المتعاقدين والقبول ما صدر بعد ذلك من
الآخر.
وتفصيل الكلام في الصيغ موطنه عند الكلام
عن العقد .
١٢ - وجمهور الفقهاء على أن الإجارة تنعقد بأي لفظ
دالٌ عليها، كالاستئجار والاكتراء والإكراء. وتنعقد
بأعرتك هذه الدار شهراً بكذا، لأن العارية بعوض
إجارة. كما تنعقد بوهبتك منافعها شهراً بكذا،
وصاحتك على أن تسکن الدار لمدة شهر بکذا، أو
ملكتك منافع هذه الدار سنة بكذا، أو عوضتك منفعة
هذه الدار سنة بمنفعة دارك، أو سلمت إليك هذه
الدراهم في خياطة هذا، أو في دابة ضفتها كذا، أو
في حملي إلى مكة، فيقول: قبلت(١) ، مع أن هذه
الألفاظ لم توضع في اللغة لذلك، لكنها أفادت في هذا
المقام تمليك المنفعة بعوض .
١٣ - وتوسع الحنابلة في ذلك حتى قالوا : تنعقد
الإجارة بلفظ أجرت وما في معناه كالكراء، سواء
أضافه إلى العین، نحو أجرتکها أو أکر یتکها، أو
أضافه إلى النفع، نحو قوله: أجرتك نفع هذه الدار،
أو: ملكتك نفعها. وتنعقد أيضاً بلفظ بيع مضافاً إلى
(١) الدر المختار شرح تنوير الأبصار ٣/٥ ط بولاق، والفتاوي
الهندية ٤٠٩/٤، ومواهب الجليل ٣٩٠/٠، والشرح
الصغير ٧/٤، وحاشية الدسوقي ٢/٤، ونهاية
المحتاج ٢٦١/٥ ط ١٣٥٧هـ
النفع، نحو قوله: بعتك نفعها، أو: بعتك سكنى
الدار، ونحوه . وقالوا : التحقيق أن المتعاقدين إن
عرفا المقصود انعقدت بأي لفظ كان من الألفاظ
التي عرف بها المتعاقدان مقصودها، فإن الشارع لم
يحد حدا لألفاظ العقد، بل ذكرها مطلقة .(١)
وانعقادها بلفظ البيع مضافا إلى المنافع قول
عند الحنفية أيضا، وقول عند الشافعية، لآنه صنف
من البيع، لأنه تمليك يتقسط العوض فيه على
المعوّض، كالبيع، فانعقد بلفظه.(٢)
١٤ - وفي القول الأصح عند الشافعية وقول عند
الحنفية لا تنعقد الإجارة بلفظ : بعتك منفعتها ،
لأن المنفعة مملوكة بالإجارة، ولفظ البيع وضع تمليك
العين، فذكره في المنفعة مفسد ، لأنه ليس بكناية
عن العقد، ولأنه يخالف البيع في الاسم والحكم،(٣)
ولأن بيع المعدوم باطل، والمنافع المعقود عليها معدومة
وقت العقد كما يقول الحنفية .(٤)
الإجارة بالمعاطاة :
١٥ - أجاز الحنفية والمالكية والحنابلة التعاقد
بالأفعال في الأشياء الخسيسة والنفيسة ما دام الرضا
قد تحقق، وفهم القصد، وهو قول عند الشافعية
اختاره النووي وجماعة . وقيد القدوري الحنفي
الجواز بأنه في الأشياء الخسيسة دون النفيسة. وهو
قول أيضا عند الشافعية، والمذهب عندهم المنع،
والعبرة بما تدل عليه ظروف الحال، كأن تكون العين
(١) كشاف القناع ٤٥٧/٣، ٤٥٨ مطبعة أنصار السنة .
(٢) المهذب ٣٩٠/١ ط عيسى الحلبي، والفتاوي الهندية
٤١٠،٤٠٩/٤
(٣) حاشية القليوبي ٦٧/٣، والمهذب ٣٩٥/١، ونهاية المحتاج
٢٦٠/٣، ٢٦١، والبجيرمي ١٧٤/٣
(٤) حاشية ابن عابدين ٣/٥
- ٢٥٥ -

إجارة ١٦ - ١٨
المؤجرة معدة للاستغلال، كمن يبيت في الخان
(الفندق) فإنه يكون بأجر.
وبناء على أصل مذهب الشافعية من منع عقود
المعاطاة لو دفع ثوباً إلى خياط ليخيطه، ففعل، ولم
يذكر أحدهما أجرة، فلا أجرة له . وقيل: له أجرة مثله
لاستهلاكه منفعته. وقيل: إن كان معروفاً بذلك
العمل بالأجر فله أجرة مثله، وإلا فلا.(١)
تنجيز الإجارة وإضافتها وتعليقها :
١٦ - الأصل في الإجارة أن تكون منجزة، فإذا لم
يوجد ما يصرف الصيغة عن التنجيز، أو لم ينص على
بداية العقد، فإن الإجارة تبدأ من وقت العقد،
وتكون منجزة.
هذا، ويختلف الحكم في إضافة صيغة الإجارة
إلى المستقبل بين أن تكون إجارة على عين أو ثابتة في
الذمة .
فالإجارة الثابتة في الذمة هي الواردة على منفعة
موصوفة مع التزامها في الذمة، كأن يستأجر سيارة
موصوفة بصفات يتفق عليها ، ويقول : ألزمت ذمتك
إجارتي إياها .
فإن أطلق ولم يذكر الذمة كانت إجارة عين.
وإجارة العين هي الواردة على منفعة معين، كالعقار
والحيوان ومنفعة الإنسان. فالجمهور لم يفرقوا بين
هذين في صحة الإضافة للمستقبل. وذهب الشافعية
(١) البدائع ١٣٤/٥، وحاشية ابن عابدين ٤/٥ ط بولاق،
والفتاوي الهندية ٤٠٩/٤، والشرح الصغير ٨/٤ ط
دار المعارف بمصر، ومواهب الجليل ٣٩٠/٥،
ونهاية المحتاج ٣٠٨/٥،٣٦٤/٣، والمغني ٤/٤
في الأصح عندهم إلى أن الإضافة صحيحة فيما يثبت
في الذمة، لا فيما كانت واردة على الأعيان، إلا في
بعض صور مستثناة أجازوا فيها الإضافة في إجارة
الأعيان إذا كانت المدة بين العقد وبين المدة
المضاف إليها زمناً يسيراً، كأن تعقد الإجارة ليلاً
لمنفعة النهار التالي، أو يعقد الإجارة على سيارة للحج
قبل أن يبدأ، بشرط أن يكون قد تهيّأ أهل بلده. على
أن الرافعيّ والنوويّ يريان أن التفرقة لفظية ، لأن
إجارة الذمة أيضاً واردة على العين، أي على
منفعتها .(١)
١٧ - ولما كان الأصل في الإجارة اللزوم كما سبق
فلا يستقل أحد العاقدين بفسخها ، إلا أن الإمام
محمداً - في إحدى الروايتين عنه - يقول: إن
الإجارة المضافة يجوز لكل من طرفي العقد الانفراد
بفسخها قبل حلول بدء مدتها .(٢)
١٨ - اتفق الفقهاء على أن الإجارة غير قابلة
للتعليق - كالبيع - وصرح قاضي زاده من الحنفية
بذلك،وقال: ((الإجارة لا تقبل التعليق.))
وقد ترد الإجارة في صورة التعليق ، ولكنها في
الحقيقة إضافة، كما لوقال لخياط : إن خطت هذا
الثوب الیوم فبدرهم، أو غداً فبنصف درهم. ویمکن
(١) الفتاوى الهندية ٤١٠/٤ ط بولاق، والشرح الصغير
٣٠/٤ ط دار المعارف، والبجيرمي ١٧٤/٣، ونهاية المحتاج
٢٦١/٥ ط مصطفى الحلبي، وحاشية القليوبي ٧١/٣ ط
عيسى الحلبي، وكشاف القناع ٣/٤ مطبعة أنصار
السنة ، والمهذب ٣٩٩/١
(٢) الفتاوى الهندية ٤١٠/٤، ومطالب أولي النهى ٥٩٩/٣
- ٢٥٦ -

إجارة ١٩ - ٢٢
أن يقال إن هذه الصورة من قبيل تعليق الحظّ من
الأجر - وهو جائز- لا تعليق الإجارة.(١)
١٩ - يشترط في الصيغة لانعقاد العقد أن تكون
واضحة الدلالة في لغة المتعاقدين وعرفهما، قاطعة في
الرغبة، دون تسویف أو تعلیق، إلا ما يجوز من ترديد
الإجارة بين شيئين، كأن يقول : آجرتك هذه الدار
بكذا شهرياً، أو هذه الدار بكذا، فقبل في
إحداهما - على ما سيأتي عند الكلام عن محل
العقد.
٢٠ - ويشترط أن يكون القبول موافقا للإيجاب في
جميع جزئياته ، بأن يقبل المستأجر ما أوجبه المؤجر،
وبالأجرة التي أوجبها ، حتى يتوافق الرضا بالعقد
بين طرفيه. كما يشترط اتصال القبول بالإيجاب في
مجلس العقد إن كانا حاضرين، أو في مجلس العلم
إن كان التعاقد بين غائبين، دون أن يفصل بين
القبول والإيجاب فاصل مطلقاً عند الشافعى،
لاشتراطه الفورية، ولا فاصل بعيد عن موضوع
التعاقد، أو مغير للمجلس ، عند الجمهور الذين
يعتبرون المجلس وحدة جامعة للمتفرقات ، دالة على
قيام الرغبة(٢) وبيان ذلك في مصطلح (عقد)
٢١ - ويشترط في الصيغة لصحة العقد عدم
تقييدها بشرط ينافي مقتضى العقد، أو يحقق
مصلحة لأحد المتعاقدين أو لغيرهما لا يقتضيها العقد،
كأن يشترط المؤجر لنفسه منفعة العين فترة، على
(١) نتائج الأفكار ٢١٠/٧، ومطالب أولي النهى ٧٧/٣،
ونهاية المحتاج ٢٥٩/٥، ٢٦٠، وبداية المجتهد ١٣٥/٢،
والمغني ٢٥٦/٦ ط ٣ المنار
(٢) البدائع ١٣٦/٥، ١٣٨
خلاف وتفصيل للفقهاء في ذلك،(١) موطنه الكلام
عن الشرط وعن العقد عامة .
٢٢ - كما يشترط لنفاذ الإجارة - فضلاً عن
شروط الانعقاد والصحة - صدور الصيغة ممن له
ولاية التعاقد. كما يشترط خلو الصيغة من شرط
الخيار، إذ خيار الشرط يمنع حكم العقد ابتداء، ولا
معنى لعدم النفاذ إلا هذا .
ويشترط للزوم الإجارة، فضلا عن جميع
الشروط السابقة، خلوها من أي خيار. ويقول
الكاساني : لا تنفذ الإجارة في مدة الخيار، لأن
الخيار يمنع انعقاد العقد في حق الحكم ما دام الخيار
قائماً، لحاجة من له الخيار إلى دفع الغبن عن نفسه .
واشتراطه جائز في الإجارة عند كل من الحنفية(٢)
والمالكية(٣) والحنابلة(٤) وقول للشافعية في الإجارة على
معين .
أما الإجارة في الذمة فقد منع الشافعية خيار
الشرط فيها ، كما منعوه في قول عندهم في الإجارة
علی معین.(٥)
(١) الفتاوى الهندية ٤١١/٤، ونهاية المحتاج ٢٧٨/٥،
والبدائع ١٧٦/٤، ١٦٥/٥، ١٦٨
(٢) البدائع ١٧٦/٤، والفتاوي الهندية ٤١١/٤
(٣) بداية المجتهد ٢٤٩/٢
(٤) كشاف القناع ١٧/٤
(٥) المهذب ٤٠٠/١ ط عيسى الحلبي .
- ٢٥٧ -

إجارة ٢٣ - ٢٥
المبحث الثاني
العاقدان وما يشترط فيها
العاقدان :
٢٣ - من أركان عقد الإجارة عند غير الحنفية
العاقدان(١) المؤجر والمستأجر - والحنفية يعتبرونهما من
أطراف العقد لا من أركانه .
ويشترط فيها للانعقاد العقل، فلا تنعقد
الإجارة من المجنون ولا من الصبي الذي لا يميز، فلا
خلاف في أنها لا تنعقد إلا من جائز التصرف في
المال .
ويشترط في العاقدين للصحة أن يقع بينها عن
تراض . فاذا وقع العقد مشوبا بإكراه فإنه يفسد.
كما يشترط الشافعية والحنابلة ومن معهم للصحة
ولاية إنشاء العقد، فعقد الفضولي يعتبر عندهم
فاسداً.
ويشترط في العاقدين للنفاذ عند أبي حنيفة ألا
یکون العاقد مرتداً إن كان رجلاً ، لأنه یری أن
تصرفاته تكون موقوفة، بينما الصاحبان وجمهور الفقهاء
لا يشترطون ذلك لأن تصرفات المرتد عندهم
نافذة.(٢)
كما يشترط أن يكون العاقد له ولاية إنشاء العقد
عند الحنفية والمالكية الذين يرون أن الولاية شرط
للنفاذ ، بينما يرى الآخرون أنها شرط للصحة ،كما سبق.
(١) يجوز أن يكون العاقد مجموعة من الناس، فلو
استأجر أهل قرية معلما أو مؤذنا أو إماما
وأوفوا خدمتهم ، يأخذون أجرهم من أهل تلك
القرية. وقد نصت المادة ٥٧٠ من مجلة الأحكام
العدلية على الجواز.
(٢) البدائع ١٧٦/٤، ١٧٧، والفتاوي الهندية ٤١٠/٤، ٤١١
إجارة الصبي :
٢٤ - إجارة الصبي المميز نفسَه بأجرلا غين فيه
تصحّ إن كان مأذونا له من وليه ، خلافاً للشافعية ،
إذ منعوها مطلقاً، فإن وقعت استحق أجراً. واختلفوا
هل هو المسمّى أو أجر المثل. (١) وإن كان محجوراً
عليه كان العقد موقوفاً على الإجازة عند الحنفية، وفي
الراجح عند المالكية ورواية عن أحمد ، لأن الولاية
شرط للنفاذ لا للصحة ، وكان العقد غير صحيح عند
الشافعية وفي قول عند المالكية ورواية عن أحمد ، لأن
الولاية عندهم شرط لصحة العقد وانعقاده لا
لنفاذ .. (٢)
٢٥ - وإجارة من له الولاية على الصبي نفس
الصبي أو ماله نافذة، لوجود الإنابة من الشرع. وإذا
بَلَغَ الصبي قبل انتهاء المدة التي تم عليها عقد الإجارة
ففي لزوم العقد اتجاهان، فقيل بلزوم العقد لأنه عقد
لازم عقد بحق الولاية ، فلم يبطل بالبلوغ، كما لوباع
دارَهُ أو زوجه. وهو قول للشافعية اعتبره الشيرازي
الصحيح في المذهب، وقول للحنابلة اعتبره ابن قدامة
المذهب، وهو مذهب الحنفية في إجارة أمواله.
والاتجاه الثاني أنه يصير غير لازم، ويخير في
الإجارة، لأنه بالبلوغ انتهت الولاية، وهو مذهب
المالكية، وقول عند كل من الشافعية والحنابلة ،
ومذهب الحنفية في إجارة نفس الصغير، لأن في
استيفاء العقد إضراراً به لأنه بعد البلوغ تلحقه الأنفة
من خدمة الناس، ولأن المنافع تحدث شيئا فشيئا،
(١) روضة الطالبين ٣٤١/٣، ٣٤٢
(٢) التوضيح على التنقيح ١٥٩/٢، والبدائع ١٧٨/٤، ١٧٩،
والفتاوي الهندية ٤١١/٤
- ٢٥٨ -

إجارة ٢٦ - ٢٨
والعقد ينعقد على حسب حدوث المنافع، فكان له
خيار الفسخ، كما إذا عقد ابتداء بعد البلوغ.
وهناك قول عند الحنابلة أنه إذا أجره مدة يتحقق
بلوغه في أثنائها فإن العقد لا يلزم بعد البلوغ، لأننا لو
قلنا بلزومه فإنه يفضي إلى أن يعقد الولي على جميع
منافعه طول عمره، وإلى أن يتصرف فيه في غیر زمن
ولایته علیه، أما إذا أجره لمدة لا يتحقق بلوغه فيها
فبلغ فإن العقد یکون لازماً .(١)
المبحث الثالث
محل الإجارة :
الكلام هنا يتناول منفعة العين المؤجرة،
والأجرة.
.المطلب الأول
أولا - منفعة العين المؤجرة :
٢٦ - المعقود عليه في الإجارة مطلقاً عند الحنفية هو
المنفعة، وهي تختلف باختلاف محلها.(٢) وعند
المالكية والشافعية أن المعقود عليه إما إجارة منافع
أعيان، وإما إجارة منافع في الذمة.(٣) واشترطوا في
إجارة الذمة تعجيل النقد، للخروج من الدين
بالدين. (٤)
وعند الحنابلة محل العقد أحد ثلاثة :
الأول : إجارة عمل في الذمة في محل معين أو
(١) البدائع ١٧٨/٤، والمهذب ٤٠٧/١، والمغني ٤٥/٦،
وكشاف القناع ٤٧٥/٣، والشرح الصغير ١٨١/٤، ١٨٢
(٢) البدائع ١٧٤/٤، ١٧٥، والفتاوي الهندية ٤١١/٤،
ومنهاج الطالبون بحاشية القليوبي ٦٨/٣، والمغني ٨/٦
(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣/٤ ط دار الفكر.
(٤) بداية المجتهد ٢٤٩/٢، ومنهاج الطالبين ٦٨/٣،
والمهذب ٣٩٩/١
موصوف. وجعلوه نوعين: استئجار العامل مدة لعمل
بعينه، واستئجاره على عمل معين في الذمة كخياطة
ثوب ورعي غنم .
الثاني : إجارة عين موصوفة في الذمة.
(١)
الثالث : إجارة عين معينة لمدة محددة.
ويشترط لانعقاد الإجارة على المنفعة شروط
هي:
٢٧ - أولا : أن تقع الإجارة عليها لا على استهلاك
العين. وهذا لا خلاف فيه، غير أن ابن رشد روى
أن هناك من جوّرها في كل منهما لأن ذلك كله منفعة
مباحة. كما توسع الشافعية في المنفعة فأدخلوا الكثير
من الصور.(٢) ويتفرع على هذا صور كثيرة تستهلك
فيها العين تبعاً كإجارة الظر، وإنزاء الفحل،
واستئجار الشجر للثمر.
فالحنفية ينقون على أن الإجارة لا تنعقد على
إتلاف العين ذاتها، والمالكية ينصون على أنه لا يجوز
استيفاء عينٍ قصداً، كما نص الحنابلة على أن
الإجارة لا تنعقد إلا على نفع يستوفى مع بقاء العين
إلا إذا كانت المنافع يقتضي استيفاؤها إتلاف العين
كالشمعة للإضاءة . (٣)
٢٨ - ثانياً: أن تكون المنفعة متقومة مقصودة
الاستيفاء بالعقد، فلا تنعقد اتفاقا على ما هو مباح
بدون ثمن لأن إنفاق المال في ذلك سفه.
والمذاهب في تطبيق ذلك الشرط بين مضيّق
وموسع. وأكثرهم في التضييق الحنفية، حتى إنهم لم
(١) المغني ٨/٦، وكشاف القناع ٤٦٩/٣، ٢/٤ - ١٠
(٢) بداية المجتهد ٤١٩/٢ ط التجارية.
(٣) البدائع ١٧٥/٤، وبداية المجتهد ٤١٩/٢، وحاشية الدسوقي
١٦/٤، ٢٠، والمحرر ٣٥٦/١، والمغني ٤٠٤/٥ ط ١٣٨٩
- ٢٥٩ -

إجارة ٢٩ - ٣٣
یجیزوا استئجار الأشجار للاستظلال بها ، ولا
المصاحف للنظر فيها . و یقرب منهم المالکیة، لكنهم
أجازوا إجارة المصاحف وإن كرهوا ذلك . بينما توسّع
الحنابلة، حتى أجازوا الإجارة على كل منفعة
مباحة. ويقرب منهم الشافعية، إلا أنهم لم يجيزوا
بعض ما أجازه الحنابلة ، كإجارة الدنانير للتجميل ،
والأشجار لتجفيف الثياب، في القول الصحيح
.(١)
عندهم."
٢٩ - ثالثاً: ويشترط أن تكون المنفعة مباحة
الاستيفاء. وليست طاعة مطلوبة، ولا معصية
ممنوعة. وهذا الشرط موضع تفصيل وخلاف بين
المذاهب مذ كور فيما بعد (ف ١٠٨)
٣٠ - رابعاً: ويشترط في المنفعة لصحة الإجارة:
القدرة على استيفائها حقيقةً وشرعاً . فلا تصح إجارة
الدابة الفارّة، ولا إجارة المغصوب من غير الغاصب ،
لكونه معجوزا عن تسليمه، ولا الأقطع والأشل
للخياطة بنفسه، فهي منافع لا تحدث إلا عند سلامة
الأسباب،(٢)
وعلى هذا فلا تجوز إجارة ما لا يقدر عليه
المستأجر، ويحتاج فيه إلى غيره. وانبنى على هذا
القول بعدم جواز استئجار الفحل للإنزاء، والكلب
والباز للصيد، والقولُ بعدم جواز إجارة الظهردون
(١) الفتاوي الهندية ٤١١/٤، والبدائع ١٧٥/٤، ١٧٦،
وحاشية الدسوقي ٢٠/٤، والشرح الصغير ١٦٠/٤،
والمهذب ٣٩٤/١، ٣٩٥، وحاشية القليوبي على شرح
المنهاج ٦٩/٣، والمحرر ٣٥٦/١، والمغني ٤٠٦/٥ ط
١٣٨٩ هـ.
(٢) الفتاوى الهندية ٤١١/٤، والبدائع ١٨٧/٤، ومنهاج
الطالبين وحاشية القليوبي ٦٩/٣، ٧٢، والمهذب ٣٩٦/١
إذن زوجها، لأنه مانع شرعي يحول دون إجارتها .
وتفصيل ذلك فيما بعد (ف ١١٦)
٣١ - خامساً: ويشترط فيها أيضا لصحة
الإجارة : أن تكون معلومة علما ينفي الجهالة المفضية
(١)
للنزاع.
وهذا الشرط يجب تحققه في الأجرة أيضاً ، لأن
الجهالة في كل منهما تفضي إلى النزاع. وهذا موضع
اتفاق.(٢)
معلومية المنفعة :
٣٢ - تتعين المنفعة ببيان المحل. وقد تتعين بنفسها
کما إذا استأجر رجلاً خياطة ثوبه و بین له جنس
الخياطة. وقد تعلم بالتعيين والإشارة، كمن استأجر
رجلا لينقل له هذا الطعام إلى موضع معلوم.
٣٣ - وقد أدى اشتراط بيان محل المنفعة إلى تقسيم
الإجارة إلى إجارة أعيان تستوفى المنفعة من عين
معينة بذاتها بحيث إذا هلكت انفسخت الإجارة
كاستئجار الدور للسكنى، وإلى إجارة موصوفة في
الذمة تستوفى المنفعة مما يحدد بالوصف، فإذا هلكت
بعد التعيين قدم المؤجر غيرها .
وعند الحنابلة وفي رأي عند الشافعية اشتراط
رؤية العين المؤجرة قبل الإجارة، وإلا فللمستأجر
خيار الرؤية . غير أن الحنابلة يقصرون اشتراطه على
(١) ويروي ابن رشد في بداية المجتهد ١٨٠/٢، ٢٢٣ أن
طائفة من السلف قالوا بجواز إجارة المجهولات قياساً
للإجارة على القراض والمساقاة.
(٢) الفتاوى الهندية ٤١١/٤، والبدائع ١٨٠/٤، والهداية
٢٣٢/٣، وبداية المجتهد ٢٢٣،١٨٠/٢، والمهذب
٣٩٨/١، والمغني ٣٥٧/٥، ٣٦٨ ط ١٣٨٩ هـ
- ٢٦٠ -