النص المفهرس

صفحات 221-240

إتلاف ١٨ - ١٩
٢ - الصيد في الحرم للمحل والمحرم . كما يلحق
بصيد الحرم نباته .
و بيان ذلك فيما يلي :
إن المحرم إذا قتل صيداً فعليه الجزاء، لقوله تعالى
(( لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأَنْتُمْ حُرُم وَمَنْ قَتَلَهُ مِنكُمْ مُتَعَمِّداً
فَجَزَاءٌ مِّثْلُ ما فَتَلَ مِنَّ النَّعَمِ»، ولحديث أبي قتادة
أنه لما صاد الأتان الوحشية وأصحابه محرمون قال
النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ((هل منكم
أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها))(١)
١٨ - وذهب الحنفية والحنابلة إلى أن حكم الدلالة
كحكم الصيد، للحديث السابق، لأن سؤال النبي
صلى الله عليه وسلم يدل على تعلق التحريم بذلك
أيضا .
ولأنه تفويت الأمن على الصيد، إذ هو آمن
بتوخّشه وتوار يه، فصار كالإتلاف. ويستوي في
ذلك العامد والناسي لأنه ضمان،(٢) وليس عقوبة
فلا يشترط فيه العمدية.
أما المالكية والشافعية فيخالفون في ترتب الجزاء
على الدال، لأن وجوب الجزاء يعتمد الإتلاف،
فأشبه غرامات الأموال. يقول النووي: وإن أتلف
من حرم عليه الاصطياد من محرم أو حلال صيداً
ضمنه. ويقول القليوبي وخرج بالإتلاف الإعانة ولو
على ذبحه أو الدلالة عليه ونحو ذلك. (٣)
(١) رواه الشيخان وفيه زيادة ( تلخيص الحبير ٢٧٧/٢ ط الفنية
المتحدة) والآية من سورة المائدة/٩٥
(٢) الهداية ١٦٩/١، ١٧٦، ومنهاج الطالبين وحاشية
القليوبي ١٣٩/٢، ١٤٤، والمهذب ٢١١/١، والتاج
والإكليل ١٧١/٣، والفواكه الدواني ٤٣٥/١، والشرح
الكبير مع المغنى ٣١٧/٣، ٣٢٠.
(٣) القليوبي ١٣٩/٢، ١٤٤، والتاج والإكليل بهامش
مواهب الجليل ١٧٠/٣-١٧١
١٩ - والجزاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف أن يقوّم
الصيد في المكان الذي قتل فيه، أو في أقرب المواضع
منه، ثم هو مخير في الفداء: إن شاء ابتاع بالقيمة هديا
وذبحه إن بلغت القيمة هديا، وإن شاء اشترى بها
طعاماً وتصدق به على المساكين.
ويرى محمد بن الحسن أنه يجب في الصيد النظير
فيما له نظير، وما ليس له نظير تجب فيه القيمة عنده،
وإذا وجبت القيمة كان قوله كقولهما . (١)
وهذا أيضا رواية عن أحمد، فجزاء الصيد عنده
ليس على التخيير وإنما هو على الترتيب فيجب المثل
أولا ، فإن لم يجد أطعم، فان لم يجد صام. وقد روي
هذا عن ابن عباس والثوري، ولأن هدي المتعة على
الترتيب، وهذا آكد منه، لأنه بفعل محظور.
وقال المالكية والشافعية في الفدية الواجبة في
صيد الحرم الذي له مثل: يخير المتلف بين ذبح مثله
والصدقة به على مساكين الحرم، وبين أن يقوّم
دراهم و يشتري بها طعاماً لهم. وما ليس له مثل
يتصدق بقيمته طعاماً. والعبرة عندهم في تقدير قيمته
بالنسبة للمكان بمحل الإتلاف، قياساً على كل
متلف متقوم، وبالنسبة للزمان يوم إرادة تقويمه بمكة
لأنها محل ذبحه لو أريد. وعند العدول إلى الطعام:
الظاهر أن العبرة بسعره في مكة، وقيل العبرة في
سعره بمحل الإتلاف. (٢)
وهو ما صرح به الحنابلة فإن الجزاء هو مثل ما
قتل من النعم ولو قتله لمخمصة، وقالوا: إن الجزاء
يحكم به ذواعدل من فقهاء المسلمين، ولقاتل الصيد
(١) الهداية ١٦٩/١، ١٧٦
(٢) منهاج الطالبين وحاشية القليوبي ١٣٩/٢، ١٤٤ وانظر
التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٣ / ١٧٠، ١٧١
- ٢٢١ -

إتلاف ٢٠ - ٢٦
أن يختار إخراج المثل أو كفارة طعام مساكين. (١)
٢٠ - كما يصرح المالكية والشافعية أيضا بأنه يحرم
بالحرم والإحرام إتلاف أجزاء الصيد، لأن ما ضمن
جميعه بالبدل ضمن أجزاؤه كالآدمي، وأنه إذا كان
بيد المحرم أو رفقته، ولم يرفع يده عنه حتى مات،
لزمه الجزاء. وقد صرح الحنابلة بذلك أيضا . (٢)
٢١ - ولو أتلف المحرم الصيد بأن ذبحه ثم أکله
ضمنه للقتل دون الأكل عند المالكية والشافعية
والحنابلة، لأنه صيد مضمون بالجزاء، فلم يضمن
ثانياً، كما لو أتلفه بغير الأكل . وقال عطاء وأبو
حنيفة: یضمنه للأکل أيضا، لأنه أکل من صید
محرّم عليه، فيضمنه. وتفصيل كل ذلك في
محظورات الإحرام، وجزاء صيد الحرم .
٢٢ - وبالنسبة لنبات الحرم قالوا : إنه يحظر قطع
الأخضر من حشيش الحرم، وما نبت فيه من غير
إنبات، إلا الإذخر اتفاقا، لما روى ابن عباس رضي
الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
(إن الله تعالى حرم مكة، لا يُخْتَلی خلاها، ولا
يُغْضَدُ شجرها، ولا ينفّرصيدها.)) فقال العباس
رضي الله عنه: إلا الإذخر؟ فقال: (( إلا الإذخر)(٣)
(١) التاج والإكليل ١٧٠/٣ - ١٧١، والمغني ٢٨٩/٣
(٢) الفواكه الدواني ٤٣٥/١
(٣) حديث: (( إن الله تعالى حرّم مكة ... )) روي بعدة
روايات، منها ما رواه البخاري عن ابن عباس بلفظ :
((إن الله حرّم مكة ، فلم تحلّ لأحد قبلي، ولا تحلّ
لأحد بعدي، وإنما أحلّت لي ساعة من نهار،
لا يُخْتَلَى خَلاها، ولا يُعْضَدُ شجرها، ولا يُتَفّر
صيدها ، ولا تُلْتَقّظُ لُقَطَُّهَا إلاّ لِمُعَرِّف))
وقال العباس: يارسول الله، إلاَّ الإِدْخِرَ لِصَّاغَتْنَا
وَقُبُورنَا، فقال: ((إلاَّ الإذْخِرَ)) (فتح الباري
٣٧/٤ ط عبد الرحمن محمد )
وقاسوا عليه ما يحتاج إليه للتداوي. (١)
٢٣ - وقال جمهور الفقهاء غير المالكية: إن الجزاء
في إتلافه هو على ما قيل في صيد الحرم، لأنه مثله في
التحريم، لكن المالكية لم يفرقوا في الحظر بين الأخضر
واليابس، كما أنهم لم يرتبوا جزاء على قاطع ما حرم
قطعه، لأنه قدر زائد على التحريم، يحتاج لدليل
خاص. وقالوا : ليس فيه إلا الاستغفار.
٢٤ - وقد نص الشافعية على أن من قطع حشيش
الحرم، فنبت مكانه، لم يلزمه الضمان قولا واحدا،
لأنه يستخلف عادة ، فهو كسنّ الصبي إذا قلعها
(٢)
فنبت مكانها مثلها، بخلاف غصن الشجر.
٢٥ - وقال الحنفية والحنابلة في وجه : لا يجوز رعي
حشيش الحرم، لأن ما حرم إتلافه لم يجز أن يرسل
عليه ما يتلفه، كالصيد. وقال الشافعية، وهو الوجه
الثاني عند الحنابلة : يجوز، لأن الهدي كان يدخل
الحرم فيكثر فيه، ولم ينقل أنها كانت تسد أفواهها،
ولأن بهم حاجة إلى ذلك.(٣) وتفصيل ذلك في
( الإحرام )
محل الإتلاف :
٢٦ - الإتلاف لا يخلو إما أن يرد على آدمي، وإما
أن يرد على غيره من الحيوانات والنباتات
والجمادات. فإن ورد على آدمي فحكمه في النفس
(١) المغني ٣٩٢/٣
(٢) الهداية ١٧٥/١، وجواهر الإكليل ١٩٨/١، والمهذب
٢٨٨/١، ٢٩٠، والمغني ٣٦٤/٣-٣٦٦
(٣) المغني ٣٦٦/٣، ٣٦٧
- ٢٢٢ -

إتلاف ٢٧ - ٢٨
وما دونها موضع بيانه عند الكلام عن الجنايات ،
وإن ورد على غير آدمي حيواناً كان أو نباتاً أو جماداً،
فإن كان مالا مباحاً ليس فيه ملك لأحد فلا يضمن
بالإتلاف - مع ملاحظة ما قيل بالنسبة لصيد الحرم
ونباته - وكذا إذا كان مملوكاً لحربي فإنه لا يضمن
بالإتلاف. وإن كان مالاً محترماً مملوكاً وجب
الضمان لأن الإتلاف اعتداء وإضرار. وقد قال الله
تعالى: (( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بمثْل مَا
اعْتَدَى عَلَيْگُمْ)) وقال صلى الله عليه وسلم ((لا ضرر
ولا ضرار)) (٢) وقد تعذر نفي الضرر من حيث
الصورة فيجب نفيه من حيث المعنى بالضمان، ليقوم
الضمان مقام المتلف، فينتفي الضرر بالقدر الممكن.
ولهذا وجب الضمان بالغصب، فبالإتلاف أولى ،سواء
وقع الإتلاف له صورة ومعنى بإخراجه عن كونه
صالحاً للانتفاع، أو معنى بإحداث معنى فيه يمنع من
الانتفاع به مع قيامه في نفسه حقيقة،لأن كل ذلك
اعتداء وإضرار.
طرق الإتلاف :
٢٧ - الإتلاف إما بالمباشرة وإما بالتسبب.
والتسبب يكون بالفعل في محل يفضي إلى تلف غيره
عادة . وكلاهما يوجب الضمان، لأن كل واحد منهما
(٤)
يقع اعتداء وإضراراً أيضا .(*
(١) سورة البقرة / ١٩٤
(٢) حديث: ((لا ضرر ولا ضرار)) رواه أحمد وابن ماجه عن
ابن عباس، ورواه غيرهما، وهو صحيح بطرقه ( فيض القدير
٤٣١/٦ ٤٣٢)
(٣) البدائع ١٦٤/٧، ١٦٥، ١٦٨
(٤) المرجع السابق .
و يبين ذلك ابن رجب بقوله : أسباب الضمان
ثلاثة، فذكر منها الإتلاف، ثم قال : المراد
بالإتلاف أن يباشر الإ تلاف بسبب يقتضيه،
كالقتل والإحراق، أو ينصب سبباً عدواناً فيحصل
به الإ تلاف، کان یؤجج ناراً في یوم ريح عاصف،
فيتعدى إلى إتلاف مال الغير، أو فتح قفصا عن طائر
فطاره لأنه تسبب إلى الإتلاف بما يقتضيه عادة.
وأطال في البيان والتفريع(١) والإتلاف بالمباشرة هو
الأصل. ومعظم صور الإتلاف من أمثلته .
الإتلاف بالتسبب :
٢٨ - الإتلاف بالتسبب يترتب عليه موجبه:
الضمان في الماليات، والجزاء في غيرها، وهذا متفق
عليه بين الفقهاء. ولكنهم اختلفوا في تطبيق هذا
المبدأ في بعض الفروع دون بعض، فمثلا: عند
المالكية والحنابلة ومحمد بن الحسن ، وهو قول
للشافعية : لو أن إنسانا فتح قفصاً فيه طائر، فطار أو
ذهب عقب فتحه ، والمباشرة إنما حصلت ممن لا
يمكن إحالة الحكم عليه، لزمه الضمان، كما لو نقّر
الطائر، أو أهاج الدابة، أو سلّط كلباً على صبي
فقتله، لأن الطائر ونحوه من طبعه النفور، وإنما يبقى
بالمانع، فإذا أزيل المانع ذهب بطبعه، فكان ضمانه
على من أزال المانع. وكذلك بالنسبة لمن شق زق
إنسان فيه دهن مائع فسال وهلك. أما إن فتح
القفص، وحل الفرس، فبقيا واقفين، فجاء إنسان
(١) القواعد لابن رجب ص ٢٠٤ القاعدة ٨٩رص ٢٨٥ القاعدة
١٢٧
- ٢٢٣ -

إتلاف ٢٩ - ٣١
فنقَّرهما فذهبا، فالضمان على منفّرهما، لأن سببه
أخص، فاختص به الضمان، كالدافع شخصاً إلى
بئر مع الحافر للبئر، فالإتلاف ينسب للدافع.(١)
قال أبو حنيفة وأبو يوسف وهو قول للشافعية
لا يضمن من حل رباط الفرس، أو فتح قفص
الطائر، إلا أن يكون أهاجهما حتى ذهبا، لأن مجرد
الفتح ليس باتلاف مباشرة ولا تسبباً ملجئاً ، لأن
الطير مختار في الطيران فكان الطيران مضافاً إلى
اختياره والفتح سبباً غير ملجىء فلا حكم له.
بخلاف شق الزق، لأن المائع سيّال بطبعه بحيث لا
يوجد منه الاستمساك عند عدم المانع إلا على نقض
العادة، فكان الفتح تسبباً للتلف، فيجب الضمان.
وكذا إذا حل رباط الدابة، أو فتح باب
الإصطيل.(٢)
وقد ذكرت هذه الأمثلة لتكون دلالة على
اتجاهات الفقهاء في تطبيق مبدأ التسبب . وأطال
الفقهاء في التفريع وذكر الصور في بابي الغصب
والضمان .
ما تتلفه الدواب :
٢٩ - إذا أتلفت الدابة زرعاً للغير، وكان ذلك ليلاً،
ضمن صاحبها عند الجمهور، لأن فعلها منسوب
إليه، وعليه تعهدها وحفظها، ولأن نفع أكلها من
(١) البدائع ١٦٥/٧، ١٦٦، ١٦٨، وحاشية ابن عابدين ٤٤/٣
ط بولاق ١٢٩٩، والشرح الصغير ٥٨٧/٣، ٣٤١/٤، والمغني
والشرح الكبير ٤٤٤/٥، ٤٥٠، والقواعد لابن رجب ص ٢٠٤
القاعدة ٨٩
(٢) البدائع ١٦٦/٧، والمهذب ٣٧٤/١، ٣٧٥، وحاشية
القليوبي على منهاج الطالبين ١٤٥/٤
الزرع عائد عليه. وفي رواية أخرى عن أبي حنيفة انه
لا يضمن،لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((العجماء جرحها جبار)(١) ولأنها أفسدت
وليست يده عليها فلم يلزمه الضمان، كما لو كان
الإتلاف نهاراً، أو أتلفت غير الزرع . واستدل
الجمهور بما روى مالك (( أن ناقة للبراء دخلت حائط
قوم، فأفسدت، فقضى رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما
أفسدته بالليل فهو مضمون عليهم))· ولأن العادة من
أهل المواشي إرسالها في النهار للرعي وحفظها ليلاً ،
وعادة أهل الحوائط (البساتين) والزروع حفظها نهاراً
دون الليل، فإذا ذهبت ليلاً كان التفريط من أهلها
بتركهم حفظها في وقت عادة الحفظ.
٣٠ - أما إذا أتلفت الزرع نهاراً، وكانت وحدها،
فلا ضمان عند الجمهور، إذ العادة الغالبة حفظ
الزرع نهاراً، فكان التفريط من أهل الزرع. ونص
الشافعية على أن الحكم يتغير بتغير العادة. وقيد
المالكية هذا الحكم بما إذا كانت الدابة لم تُعرف
بالاعتداء، وإلا ضمن لعدم حفظها بربطها ربطاً
محكماً .
٣١ - وإذا أتلفت الدابة شيئا غير الزرع، وكان
(١) حديث: ((العجماء جرحها جبار)) رواه أحمد والشيخان
وأصحاب السنن عن أبي هريرة، وفيه زيادة. (فيض
القدير ٣٧٦/٤)
(٢) حديث: ((ان ناقة للبراء دخلت ... )) رواه مالك
باختلاف يسير عن ابن شهاب عن حرام بن سعد بن محيصة
مرسلا ، ورواه عبد الرزاق . ( شرح الزرقاني على موطأ
الإمام مالك ٣٦/٤، ٣٧ ط الاستقامة بالقاهرة ١٣٧٩ هـ)
- ٢٢٤ -

إتلاف ٣٢ - ٣٤
معها راع فيه كفاية الحفظ، أو معها من له يد عليها
ولم يمنعها فإنه يضمن اتفاقاً ما أتلفته من زرع
وغيره (١) أما إذا كانت وحدها فقد ذهب الحنفية
والحنابلة إلى أنه لا يضمن مالكها، لأنها لا تتلف غير
الزرع عادة، ولحديث ((العجماء جبار(٢) كما أنه لو
جمحت الدابة بالراكب، ولم يقدر على ردّها ، فإنه لا
يضمن، كالمنفلتة ، لأن الراكب حينئذ ليس بمسيِّرِ
لها، فلا يضاف سيرها إليه. وقال المالكية : لا
ضمان إلا إذا كانت من شأنها الاعتداء، فإنه يضمن
حيث فرط في حفظها . أما الشافعية فالمعتمد عندهم
الضمان .
٣٢- ما تقدم كله خاص بما يمكن منعه من البهائم
والدواب، أما ما لا يمكن منعه، كالحمام والنحل،
فإنه لا ضمان فيما أتلفه، لأنه لا يدخل تحت اليد .
وقد أفتى البلقيني، من الشافعية، في نحل قَتَل جَمَلاً
بأنه هدر، لتقصير صاحبه دون صاحب النحل. وقد
ذكر الفقهاء صوراً كثيرة حول هذه المسألة.(٣)
٣٣ - موجب الإتلاف الضمان وذلك في إحدى
حالتين :
١ - بإتلاف مال الغير المحترم شرعاً بغير إذن
من الشارع ومن صاحبه، وفي حكمه إتلاف الأموال
العامة من غير المباحات .
٢ - إتلاف مال الغير المحترم شرعا بإذن من
الشارع للضرورة بغير رضا صاحب المال .
(١) الدر المحتار بحاشية ابن عابدين ٤٤٠/٣، ٥٣٤/٥، والشرح
الصغير ٥٠٧/٤ - ٥٠٩، والتاج والاكليل بها مش مواهب
الجليل ٣٢٣/٦، ونهاية المحتاج ٣٩/٨، والمغني
والشرح الكبير ٣٥٦/١٠
(٢) الحديث أخرجه البخاري ((فتح الباري ٣٦٤/٣))
(٣) المراجع السابقة .
وقد ينحصر موجب الإتلاف في الإثم فقط، كما
إذا أتلف لنفسه مالاً ينتفع به .
ما يشترط لضمان المتلفات :
٣٤ - ذكر بعض الفقهاء شروطا هذه خلاصتها :
١ - أن يكون الشيء المتلف مالاً، فلا يجب
الضمان بإتلاف الميتة والدم وجلد الميتة وغير ذلك مما
لیس بمال.
٢ - أن يكون متقوّماً، فلا يجب الضمان
بإتلاف الخمر والخنزير على المسلم، سواء كان
المتلف مسلماً أو ذمياً لسقوط تقوّم الخمر والخنزير في
حق المسلم .
٣ - أن يكون المتلف من أهل وجوب الضمان
عليه، فلو أتلفت بهيمة مال إنسان فإنه لا يجب
الضمان، على التفصيل السابق ذكره. ولو أتلف
الصبي والمجنون نفساً أو مالاً لزم الضمان، لعدم
توقف ذلك على القصد، وإحياء لحق المتلف عليه.
وضمان المال يكون في مالهما، أما ضمان النفس فعلى
العاقلة. ونقل صاحب الدرعن الأشباه: الصبي
المحجور مؤاخذ بأفعاله، فيضمن ما أتلفه من المال
للحال. وإذا قَتَلَ فالدیة علی عاقلته، إلا في مسائل
مستثناة فإنه يضمن فيها : لو أتلف ما اقترضه، وما
أودع عنده بلا إذن وليّه، وما أعير له، وما بيع منه بلا
إذن. وأطال ابن عابدين في التعليق على بعض
المستثنَيَات.(١)
(١) البدائع ١٦٨/٧، وحاشية ابن عابدين ١٢٥/٥، ١٢٦،
والشرح الصغير ٤٠٠/٤، ٤٠٥، ونهاية المحتاج ٣٦٤/٧ -
٣٦٥، والمغني مع الشرح الكبير ٥٦٨/٩
- ٢٢٥ -

إتلاف ٣٥ - ٣٧
٤ - أن یکون في الوجوب فائدة، فلا ضمان
على المسلم بإتلاف مال الحربي، ولا على الحربي
بإتلاف مال المسلم، في دار الحرب، ولا ضمان على
مقاتلي البغاة إذا أتلفوا مالا لهم، ولا على البغاة إذا
أتلفوا في المعركة أموال مقاتل، لأنه لا فائدة في
الوجوب، لعدم إمكان الوصول إلى الضمان، لانعدام
الولاية، ولأنهم إذا لم يضمنوا الأنفس فالأموال
أولی.(١)
وتفصيل ذلك في (( البغاة))
٣٥ - والعصمة ليست بشرط لوجوب ضمان المال،
لأن(٢) الصبي مأخوذ بضمان الإتلاف، وإن لم تثبت
عصمة المتلف في حقه، كما أن العلم بكون المتلف
مال الغير ليس بشرط لوجوب الضمان، حتى لو
أتلف مالاً ظن أنه ملكه، ثم تبين أنه ملك غيره،
ضمن، لأن الإتلاف أمر حقيقي لا يتوقف وجوده
على العلم.(٣)
كيفية التضمين الواجب بالإتلاف :
٣٦ - لا نعلم خلافاً في أن المتلف إن كان مثليّا ضمن
بمثله، وإن كان قيمياً ضمن بقيمته. كما لا نعلم
خلافاً في أن تقدير القيمة يراعى فيه مكان
الإتلاف.
وأما إذا فقد المثلي، بأن لم يوجد في الأسواق،فقد
اتفق الفقهاء كذلك على أنه يعدل عن المثليّ إلى
(١) البدائع ١٦٨/٧، والتاج والا كليل ٢٧٩/٦، ونهاية المحتاج
٣٨٥/٧، والمغني مع الشرح الكبير ١٠ /٦١
(٢) عبارة البدائع: ((إلا أن)) وهو تحريف وصوابه ما بينًا .
(٣) البدائع ١٦٨/٧، والقواعد الفقهية لابن رجب ص ٢١٧
القاعدة ٩٥، ص ٢٠٦، ٢٠٧ القاعدة ٩٠
القيمة ولكنهم اختلفوا في تقديرها : أيراعى وقت
الإتلاف، أم وقت انقطاعها عن الأسواق، أم وقت
المطالبة،أم وقت الأداء؟ فأبو حنيفة اعتبريوم
الحكم، والمالكية وأبو يوسف اعتبروا يوم الغصب إن
كان مغصوباً، ويوم التلف إن لم يكن مغصوباً ،
ومحمد بن الحسن اعتبريوم انقطاع المثل، لأنه وقت
الانتقال من القيمة إلى المثل.
وأما الشافعية والحنابلة فالأصح عندهم اعتبار
أقصى ما بلغت قيمته ما بين التلف والأداء
( التنفيذ ).
وأما القيمي فقد اتفقوا على أنه إذا لم تتغير قيمته
من يوم إتلافه إلى يوم أدائه فالعبرة بقيمته، بالغة
ما بلغت. أما إذا تغيرت القيمة من يوم إتلافه إلى يوم
أدائه فهو على الخلاف المشار إليه في حالة انقطاع
المثلي .(١)
الإ كراه على الإ تلاف ومن عليه الضمان :
٣٧ - لو أكره شخص آخر إكراها ملجثا على
إتلاف مال محترم مملوك لغير المكره (بكسر الراء) فإن
الضمان يجب عليه عند كل من الحنفية والشافعية
ووجه عند الحنابلة، لأن ذلك من حيث إنه إتلاف
ينسب إلى الحامل على الفعل، لا إلى الفاعل، لأنه
كالآلة.(٢) وللمستحق مطالبة المتلف، ويرجع به
على المكرِهِ لأنه معذور في ذلك الفعل، فلم يلزمه
(١) حاشية القليوبي ٣٠/٣ - ٣٥، والشرح الصغير ٥٩١/٣،
والمغني ٤٢١/٥ - ٤٢٢ - ٣٧٦ - ٣٧٧، والبدائع
١٥١/٧، ١٦٨، وشرح المنهاج وحاشية القليوبي
١٤٤/٢
(٢) حاشية ابن عابدين ٩٠/٥، والتوضيح والتلويح ٢٣٢/٣،
وحاشية القليوبي ٢١١/٤
- ٢٢٦ -

٠٠
إتلاف ٣٨ - ٤٢
الضمان.(١) والقول بأن الضمان على المكرِه يفهم
أيضاً مما نقله ابن فرحون المالكي عن فضل بن سلمة
أن ابن الماجشون قال في السلطان يأمر رجلاً بقتل
رجل ظلما: إن السلطان يقتل، ولا يقتل المأمور، إذ
الالزام بتضمين المال دون القود. (٢)
٣٨ - والوجه الثاني عند الحنابلة : أن الضمان
عليها كالدية، لاشتراكهما في الإثم.٣ وفي قول عند
المالكية - كما يؤخذ من كلام ابن فرحون - أن
الضمان على المكرّه - بالفتح - استناداً إلى حديث
(( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)) (٤) يقول ابن
فرحون : إن من أمره الوالي بقتل رجلٍ ظلما، أو قطعه
أو جلده أو أخذ ماله أو بيع متاعه، فلا يفعل شيئا
من ذلك، وإن علم أنه إن عصاه وقع به في نفسه أو
ظهره أو ماله فإن أطاعه وجب عليه القود والقطع
والغرم، وغرم ثمن ما باع. وتفصيل الكلام فيه
موطنه بحث ( الاكراه )
أثر الإتلاف في تحقق القبض وإسقاط الأجرة:
٣٩ - من المقرر شرعاً أن المبيع قبل قبضه يكون في
ضمان البائع، وأن إتلاف المشتري له وهوفي ید
البائع یعتبر قبضاً فیلزمه الثمن، لأنه لا يمكنه إتلافه إلا
(١) القواعد لابن رجب ص ٢٠٤ القاعدة ٨٩، والشرواني على
التحفة لابن حجر الهيثمي ١٨٢/٩ - ١٨٣
(٢) التبصرة ١٧٣/٣ بهامش فتح العلى المالك ط مصطفى الحلبي.
(٣) القواعد لابن رجب ص ٢٠٤ القاعدة ٨٩
(٤) حديث: (( لا طاعة مخلوق في معصية الخالق )) رواه
أحمد والحاكم عن عمران والحكم بن عمرو الغفاري.
قال الهيثمي : رجال أحمد رجال الصحيح.
( فيض القدير ٤٣٢/٦ )
(٥) التبصرة بهامش فتح العلي المالك ١٧٢/٢ - ١٧٣
بعد إثبات يده عليه، وهو معنى القبض فيتقرر عليه
الثمن.
وعلى هذا فإن الإتلاف يعتبر قبضاً وتترتب عليه
آثاره،(١) فقد جاء في الشرح الكبير على المقنع: ما
يحتاج إلى القبض إذا تلف قبل قبضه فهو من ضمان
البائع. فإن تلف بآفة سماوية بطل العقد، ورجع
المشتري بالثمن، وإن أتلفه المشترى استقر عليه الثمن،
و کان کالقبض، لأنه تصرف فيه (٢)
٤٠ - ومن صور الإتلاف في الهبة ما نصوا عليه من
أن القبض يتم في الهبة ولو بإتلاف الموهوب له العين
الموهوبة بإذن الواهب.
٤١ - ومن صوره في المهر ما قالوه من أن الزوجة
الرشيدة إن أتلفت صداقها إتلافا يقتضي الضمان
- وهو في يد الزوجة أو الولي - اعتبرت قابضة
لحقها. أما إتلاف غير الرشيدة فلا يعتبر قبضاً .
وكذلك الإتلاف لدفع الصيال، فلا يعتبر قبضاً . (٣)
٤٢ - وقال الحنفية في الإجارة لوخاط الخياط
ثوبا بأجر، ففتقه آخر قبل أن يقبضه رب الثوب،
فلا أجر للخياط، لأن الخياطة مما له أثر، فلا أجر
قبل التسليم. وبالإتلاف تعذر التسليم. وللخياط
تضمين الفاتق ما نقصه الفتق، وأجر مثل الخياطة ،
(١) البدائع ٢٣٨/٥، وتبيين الحقائق ١٦/٤، ٦٤،٣٥
والشرح الصغير ٢٠٣/٣، والقليوني ٢١١/٢، والشرح
الكبير مع المغني ١١٦/٤، ط م المنار، وفتح القدير ١٠٩/٥
ط الأولى، والقليوبي على منهاج الطالبين ٢١٢،١١٢/٢
(٢) الشرح الكبير مع المغني ١١٦/٤
(٣) القليوبي على منهاج الطالبين ١١٢/٣، ٢٧٦
- ٢٢٧ -

إتلاف ٤٣ - ٤٦
(ولا يجب الأجر المسمى لأنه إنما لزم بالعقد ولا عقد
بينه وبين الفاتق) فوجب المصير إلى أجر المثل.(١).
حدوث الاسترداد بالإتلاف :
/
٤٣ - إذا هلك المبيع كله بفعل البائع وهو في يده
أو في يد المشتري الذي قبضه بغير إذن البائع فإن
البائع يعد مسترداً للمبيع، وبطل البيع وسقط الثمن
عن المشتري . واذا هلك بعض المبيع بفعل البائع فإن
كان قبل القبض بطل البيع بقدر الهالك، واعتبر
مسترداً هذا البعض، وسقط عن المشتري حصة
الهالك من الثمن. والمشتري بالخيار في الباقي لتفرق
الصفقة. وإن كان إتلاف البائع للمبيع بعد قبض
المشتري له قبضاً صحيحا، وبعد استيفاء الثمن، لم
يعتبر ذلك منه استرداداً، وإنما إهلاكه وإهلاك
الأجنبي سواء. وإن كان المشتري قبضه بغير إذن
البائع والثمن حالٌّ غير مفقود، اعتبر ذلك
الإهلاك من البائع استرداداً في القدر الذي أتلفه،
وسقط عن المشتري حصته من الثمن.(٢) وتفصيل ذلك
موضعه مصطلح (استرداد )
الإتلاف بالسراية :
٤٤ - ما يتلف بالسراية إن كان بسبب مأذون فيه
دون جهل أو تقصير فلا ضمان. وعلى هذا فلا ضمان
(١) ابن عابدين ١٠/٥
(٢) البدائع ٢٣٩/٥، ٢٨٣، وابن عابدين ١٧٢/٤ ط ١٢٩٩،
والفتاوى الهندية ٤٩٩/٤، ٥٠٥ وانظر في الموضوع حاشية
الدسوقي ١١٣/٣، ١٣١ ط عيسى الحلبي ٢٨/٤، والشرح
الصغير ٤٧/٤، ونهاية المحتاج ٨٠/٤، ٢٦٧/٥، ٢٧٠،
وحاشية القليوبي ٧٠/٣، ٧٣، ٧٨، والمغني مع الشرح
الكبير ٥٨/٤، وكشاف القناع ٢٧/٤، ط أنصار السنة.
على طبيب، وبزّاغ (بيطار)، وحجّام، وختان،
مادام أذن لهم بهذا ولم يقصّروا، وإلا لزم الضمان. (١)
يقول ابن قدامة : إذا فعل الحجام والختّان
والمتطبب ما أمروا به لم يضمنوا، بشرطين: أحدهما :
أن یکونوا ذوی حذق في صناعتهم، فإذا لم يكونوا
كذلك كان فعلاً محرماً، فيضمن سرايته. الثاني : ألا
يتجاوز ما ينبغي أن يقطع. فإن كان حاذقاً وتجاوز،
أو قطع في غير محل القطع، أو في وقت لا يصلح فيه
القطع، وأشباه هذا، ضمن فيه كله، لأنه إتلاف لا
يختلف ضمانه بالعمد والخطأ، فأشبه إتلاف المال.
وكذلك الحكم في القاطع في القصاص، وقاطع ید
السارق. ثم قال: ولا نعلم فيه خلافا.(٢)
الإتلاف نتيجة التصادم :
٤٥ - وفي الإتلاف بالتصادم والتجاذب تضمن
عاقلة كل فارسٍ أو راجلٍ دية الآخر، إن اصطدما
وماتا منه فوقعا على القفا وكانا غير عامدين. أما لو
وقعا على الوجه فیهدر دمهما . ولو كانا عامدین فعلى
کل نصف دية الآخر.
٤٦ - ولو تجاذب رجلان حبلاً، فانقطع الحبل
فسقطا على القفا وماتا، أهدر دمهما لموت كلِّ بقوة
نفسه. فإن وقعا على الوجه وجب دية كل واحد منهما
على عاقلة الآخر لموته بقوة صاحبه. فإن تعاكسا فدية
(١) حاشية ابن عابدين ٥٨/٥ ط ١٢٩٩، والتاج والإكليل
بهامش مواهب الجليل ٣٢٠/٦، والشرح الصغير ٥٠٥/٤،
ونهاية المحتاج ٢٩١/٧، والقليوني وعميرة ١١٠/٤،
والمغني مع الشرح الكبير ٦/ ١٢٠
(٢) المغني مع الشرح الكبير ٦/ ١٢٠
- ٢٢٨ -

إتلاف ٤٧ _ ٤٩
الواقع على الوجه على عاقلة الآخر، وأهدر دم من وقع
على القفا.
وقال مالك في السفينتين تصطدمان ، فتغرق
إحداهما بما فيها ، فلا شيء في ذلك على أحد ،
لأن الريح تغلبهم، إلا أن يعلم النواتية (البحّارة)
أنهم لو أرادوا صرفها لقدروا، فيضمنون. وقال
ابن شاس: ولو تجاذبا الحبل، فانقطع، فتلفا،
فكاصطدامهما، وإن وقع أحدهما على شيء، فأتلفه،
ضمن. وقال ابن قدامة : وإن تصادم نفسان یمشیان،
فماتا، فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر. وإن
كانتا امرأتين حبليين فهما كالرجلين. فإن أسقطت
كل واحدة منهما جنيناً فعلى كل واحدة نصف ضمان
جنينها ونصف ضمان جنين صاحبتها .(١)
إتلاف بعض المنقول لسلامة السفينة :
٤٧ - جمهور الفقهاء على أن ملاح السفينة إن كان
أجيرا مشتركاً ضمن ما تلف بعمله إذا لم يكن
صاحب المحمول حاضراً معه، على التفصيل المبين في
مصطلح (إجارة )
أما إن خيف على السفينة الغرق، فألقى بعض
الركاب متاعه، أو شيئا منه، لتسلم السفينة من
الغرق، فلا ضمان على أحد، لأنه أتلف متاع نفسه
باختياره لصلاحه وصلاح غيره. وإن ألقى متاع غيره
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤٨٣/٥ ط عام ١٢٩٩ هـ،
والبدائع ٢١٠/٤ - ٢١٢، والتاج والإكليل ٢٤٣/٦،
والشرح الصغير وحاشية الصاوي ٤٥/٤، ونهاية المحتاج
٣٤٣/٧، وحاشية القليوبي على منهاج الطالبين ١٥٠/٤-
١٥١، والمغني مع الشرح الكبير ٣٥٩/١٠ - ٣٦٠
بغير إذنه ضمنه وحده كأكل مضطر طعام غيره بغير
إذنه. وقد ذهب الحنفية إلى أنه إن اتفقوا على إلقاء
الأمتعة كلها أو بعضها لحفظ الأنفس فقط فالغرم
بعدد الرؤوس.
أما إذا قصدوا حفظ الأمتعة فقط، بأن كانت
السفينة في موضع لا تغرق فيه الأنفس، فانغرم بينهم
على قدر الأموال.
وإن قصدوا حفظ الأنفس والأموال معا فالغرم
بينهم على قدرهما .
وذهب المالكية إلى أنه في حال طرح الأمتعة من
السفينة عند خوف غرقها يوزع ما طرح على مال
التجارة فقط .
٤٨ - ولا سبيل لطرح الآدمي لانقاذ السفينة من
الغرق، ذكراً كان أو أنثى، حراً أو عبداً، مسلماً أو
كافراً، إذ الإجماع على أنه لا يجوز إماتة أحد من
الآدميين لنجاة غيره. وينقل الدسوقي عن اللخمي
أنه أجاز ذلك بالقرعة .(١)
٤٩ - وقداتفق الفقهاء على أن ما يقع من تلف في
الأنفس والأموال نتيجة العجز عن إنقاذه فلا ضمان
فيه ولا قود، ومن أمثلته عدم التحكم في السفينة
للرياح الشديدة.
٤٩م - الظاهر من تتبع أقوال الفقهاء في ضمان
الإتلاف الناشىء عن التأديب والتعليم ، سواء
(١) حاشية ابن عابدين ١٧٢/٥ ط عام ١٢٧٢ هـ وحاشية
الدسوقي ٢٧/٤، والتاج والإكليل ٢٤٣/٦، ونهاية
المحتاج ٧٩/٧، والمغني مع الشرح الكبير ٣٦٣/١٠،
والجمل على المنهج ٩٠/٥
- ٢٢٩ -

إتلاف ٥٠ - ٥٣
بالنسبة للأب أو الوصي أو المعلم أو الزوج،
التفصيل بين مجاوزة الفعل المعتاد وعدم مجاوزته .
فالضمان متفق على وجوبه في حال مجاوزة
الفعل المعتاد، بل بعض المذاهب يجعل فيه القصاص
أو الدية.
وأما إذا كان الفعل في التأديب معتاداً ففيه
خلاف بين الفقهاء، مجمله: القول بالضمان، لأن
الجواز لا ينافي الضمان. والقول الآخر لهم - وهو
المشهور والأصح في الجملة - أنه لا ضمان، لأنه
مأذون به شرعاً وعادة، ولو أوجب فيه الضمان لوقع
حرج على الناس في تأديب من يوكل إليهم تأديبه (١)
وفي هذه المسائل تفصيل موطنه مصطلح ( تأديب )
إتلاف الأجير والمستأجرلما في يده :
٥٠- العين في يد المستأجر أمانة فلو هلكت دون
تعد أو تفريط أو مخالفة للمأذون فيه فلا ضمان عليه
وإلا ضمن. والأجير الخاص أمين، فلا يضمن إلا
بالتعدي أو التفريط أو المخالفة، والأجير المشترك
اختار الفقهاء القول بتضمينه إلا فيما لا يمكن تدار كه
على التفصيل المبين في مصطلح ( الإجارة )
إتلاف المغصوب :
٥١۔ ید الغاصب ید ضمان اتفاقا، و یلزمه ردُّ ما
اغتصبه بعينه إن كان قائما مثليًا كان أو قيميا.
(١) حاشية ابن عابدين ٣٦٣/٥، وجواهر الإكليل ٢٩٦/٢
ط الحلبي، والتبصرة لابن فرحون بهامش فتح العلي
المالك ٣٤٩/٢ ط الحلبي، وحاشية عميرة على المنهاج
٣٠٦/٣، والمغني ٣٢٧/٨ نشر بالرياض.
فإن أتلفه أو تلف بنفسه ضمنه، ووجب رد قيمته إن
کان قیمیا ، ومثله إن کان مثلیا ،(١) على التفصيل
السابق في كيفية تضمين المتلفات .
٥٢ _ وإذا أتلف المغصوب شخص آخر وهو في ید
الغاصب، فذهب الجمهور (الحنفية والمالكية
والحنابلة) إلى أن المالك مخير بين تضمين الغاصب
وتضمين المتلف. وذهب الشافعي إلى أن الأصل
تضمين المتلف، إلا إن كان الإتلاف لمصلحة
الغاصب، کأن قال له: اذبح هذه الشاة لي، أو
(٢)
أفهمه أن المتلف ملك له .
إتلاف اللقطة والوديعة والعارية :
٥٣ - العين الملتقطة والمودعة والمعارة الأصل فيها
أن تكون أمانة في يد الملتقط والوديع والمستعير.
والأصل أن الأمين لا يضمن إلا بالاعتداء أو
الإهمال لقوله صلى الله عليه وسلم: (( ليس على
المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل
ضمان»" ولأن بالناس حاجة إلى ذلك، فلو ضمّنّاهم
لامتنع الناس عنه. وعلى ذلك فإن حدث منه اعتداء
(١) حاشية ابن عابدين ١٢٦/٥، وبلغة السالك
١٩٧/٢، ٢٠١، ونهاية المحتاج ١٦١/٥، ١٦٥، والمغني
والشرح الكبير ٤٢١/٥
(٢) البدائع ١٦٥/٧، والدسوقي ٤٤٨/٣، والجمل على
شرح المنهاج ٤٧٥/٣، والمغني ٢٤٩/٥ وكشف المخدرات
٥٩٦
(٣) حديث: (( ليس على المستعير ... ) رواه الدارقطني
عن عمروبن شعيب عن أبيه عن جده، وفي اسناده
ضعيفان ( تلخيص الحبير ٩٧/٣ ط الفنية المتحدة)
- ٢٣٠ -

إتلاف ٥٤ ، إتمام ١ - ٢
ترتب عليه إتلاف ضمن. أما التلف الذي يقع دون
اعتداء ولا إهمال أو تقصير فإنه لا يترتب عليه
ضمان.
لكن الشافعية قالوا : إن الأصل في العارية أنها
مضمونة في يد المستعير، فلوتلفت بغير استعمال
مأذون فيه ضمنها وإن لم يفرط، لقول النبي صلى الله
علیه وسلم ( علی الید ما أخذتحتى تؤديه))
وقالوا: الأصح أنه لا يضمن ما ينمحق من الثياب
أو ینسحق بالاستعمال. وقيل بالضمان فيها. وقيل
يضمن المنمحق - أي البالي - دون المنسحق - أي
التالف بعض أجزائه ... (٢)
٥٤ - وينبغي أن يلاحظ أن عارية الدراهم
والدنانير والمكيل والموزون والمعدود يكون قرضاً في
الحقيقة، إذ لا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاك أعيانها
وإتلافها. ومادامت في حقيقتها قرضاً فإنه يجب رد
مثلها، أو قيمتها إن انعدم المثل(٣) وتفصيل ذلك
وبيان المذاهب فيه في مواضعه من اللقطة والوديعة
والعارية .
(١) حديث: ((على اليد ما أخذت ... )) رواه أحمد
وأصحاب السنن والحاكم من حديث الحسن عن سمرة،
وفي سماع الحسن منه خلاف، وزاد فيه أكثرهم ثم نسي
الحسن فقال: هو أمين لا ضمان عليه. قال الترمذي :
حديث حسن ( فيض القدير ٣٢١/٤ ط الأولى مصطفى محمد)
(٢) حاشية القليوبي على منهاج الطالبين ٢٠/٣
(٣) فتح القدير ٤٢٣/٤، ٨، ١٠٣
إتمام
التعريف :
١ - الإتمام لغة: الإكمال.(١)
ولم نقف للفقهاء على تعريف اصطلاحي
للإتمام، ولا يخرج استعمالهم عن التعريف
اللغوي .
هذا ، وللإتمام إطلاق خاصّ يتصل بالعدد لا
بالکیفیة، ومن ذلك إتمام الصلاة بدلاً من قصرها ،
فكل من القصر والإتمام كمال، وإنما لوحظ في
لفظي الإتمام والقصر العدد. وتفصيل ذلك في صلاة
المسافر.
الألفاظ ذات الصلة :
٢ - الإكمال : الذي يستفاد من تعريف الراغب
للكمال والتمام - كل في مادته - أن هناك فرقاً بينهما
هو أن تمام الشيء انتهاؤه إلى حد لا يحتاج إلى شيء
خارج عنه، وأن كمال الشيء حصول ما فيه
الغرض منه. وعليه فالتمام يستلزم الكمال. وقد ظهر
من تتبع كتب اللغة والتفسير عند قوله تعالى (اليوم
أكمَلتُ لگُمْ دِیتگُمْ)(٢)عدم وضوح فرق بينهما
فيكونان مترادفين. ولم يظهر فرق بينهما في المعنى
الاصطلاحي.
(١) لسان العرب ( كمل ، تمم )
(٢) سورة المائدة /٣
- ٢٣١ -

إتمام ٣ ، اتهام ، إثبات ١ - ٣
الحكم الإجمالي :
٣-الحكم التكليفي للإتمام أن إتمام ما شرع فيه
المكلف من طاعة واجبة واجب باجماع الفقهاء،
واتمام ما شرع فيه من طاعة نافلة مختلف فيه. ففي
الجملة يذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب الإتمام
أخذاً بظاهر قوله تعالى (وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمُلكُمْ ) (١)
ويذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه غير واجب، على
خلاف وتفصيل يرجع إليه في مواطنه لكل تصرف
بحسبه .
والأثر المترتب على التمام أنه طالما يعني الإتيان
بالأركان الضرورية فإن آثار أي تصرف قولي أو
فعلي تتوقف على الإتيان بها .(٢)
هذا ، والفقهاء يفصلون أحكام الإتمام بالنسبة
لكل مسألة فقهية في موضعها، ومن تلك المواطن
مسائل النوافل والتطوع بالنسبة للصيام والصلاة
وغيرها .
اتّهَام
انظر: تهمة
(١) سورة محمد صلى الله عليه وسلم /٣٣
(٢) حاشية ابن عابدين ٤٥٢/١ ط الأولى، ودليل الطالب
للكرمي ص ٧٩ ط المكتب الإسلامي، والمجموع شرح المهذب
٣٩٣/٦ ط المنيرية، والحطاب ٩٠/٢ ط الأولى - مطبعة
النجاح بليبيا .
إثبات
التعريف :
١ - الإثبات لغة مصدر أثبت بمعنى اعتبر الشيء
دائماً مستقراً أو صحيحا (١) ويؤخذ من كلام الفقهاء
أن الإثبات إقامة الدليل الشرعي أمام القاضي في
مجلس قضائه على حق أو واقعة من الوقائع.
القصد من الإثبات :
٢ - المقصود من الإثبات وصول المدعي إلى حقه،
أو منع التعرض له، فإذا أثبت دعواه لدى القاضي
بوجهها الشرعيّ، وتبين أن المدعى عليه مانع حقه،
أو متعرض له بغير حق، يمنعه القاضي عن تمرّده في
منع الحق، و یوصله إلى مدعيه.(٢)
من یکلف الإ ثبات :
٣ - لا خلاف بين فقهاء المذاهب الأربعة في أن
الإثبات يطلب من المدعي، لقوله صلى الله عليه
وسلم ((البينة على المدعي، واليمين على من
أنكر.)) (٣) وفي رواية مسلم وأحمد (« لو أُعطي الناس
(١) لسان العرب والمصباح ( ثبت )
(٢) مجلة الأحكام العدلية المادة ( ١٧٨٥ )
(٣) حديث: ((البينة على المدعي ... )) جزء من حديث
رواه البيهقي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما،
وأصله في الصحيحين بلفظ ((اليمين على المدعى
عليه)) (الدراية في تخريج أحاديث الهداية
١٧٥/٢٠ مطبعة الفجالة الجديدة) وانظر (نصب
الراية ٩٥/٤ _ ٩٦ ط الأولى دار المأمون)
- ٢٣٢ -

إثبات ٤ - ٥
بدعواهم لادعى أناس دماء رجال وأموالهم، لكن
البينة على المدعي.))(١)
ولأن المدعي يدعي امراً خفياً، فيحتاج إلى
إظهار. وللبيّنة قوّة إظهار، لأنها كلام من ليس
بخصم، وهم الشهود، فجعلت حجة للمدعي.
واليمينُ وإن كانت مؤكدة بذكر اسم الله تعالى،
لكنها كلام الخصم، فلا تصلح حجة مظهرة للحق،
وتصلح حجة للمدعى عليه، لأنه متمسك بالظاهر،
وهو ظاهر اليد، فحاجته إلى استمرار حكم الظاهر.
واليمين، وإن كانت كلاما، فهي كافية للاستمرار.
فكان جعل البينة حجة المدعي، وجعل اليمين حجة
المدعى عليه، وضع الشيء في موضعه، وهو غاية
الحكمة.
وقال محمد بن الحسن في ( الأصل ) : المدعى
عليه هو المنكر، والآخر هو المدعي، غير أن التمييز بينهما
يحتاج إلى فقه ودقة، إذ العبرة للمعنى دون الصورة،
فإنه قد يوجد الكلام من شخص في صورة المدعي،
وهو إنكار في المعنى، كالوديع إذا ادعى رد الوديعة،
فإنه مدع للرد صورة، وهو منكر لوجوب الرد معنى.
والقاعدة المذكورة إنما هي في المتخاصمين يكون
أحدهما مدعيا معنى وحقيقة. فالحكم فيها أن البينة
(١) حديث: ((لو أعطي الناس بدعواهم ... )) أخرجه
البيهقي في سننه عن ابن عباس بلفظ ((لو يعطى
الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن
البينة على المدعي واليمين على من أنكر» والحديث في
الصحيحين بلفظ ((لكن اليمين على المدعى عليه»
أخرجاه عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس (نصب
الراية ٩٥/٤-٩٦ ط الأولى دار المأمون)
على المدعي، واليمين على المدعى عليه.(١)
هل يتوقف القضاء بالإثبات على الطلب؟
٤ - يشترط لصحة الحكم واعتباره في حقوق العباد
الدعوى الصحيحة، وأنه لابد في ذلك من الخصومة
الشرعية .
وإذا صحت الدعوى سأل القاضي المدعى عليه
عنها. فإن أقر فبها، وإن أنكر، فبرهن المدعي، قضي
عليه بلا طلب المدعى عند الحنفية والمالكية
والشافعية في الأصح، وهو رواية عند الحنابلة، لأن
مقتضى الحال يدل على إرادته ذلك. والأصح عند
الحنابلة ومقابل الأصح عند الشافعية أن القاضي لا
يجوز له الحكم على المدعى عليه إلا بطلب المدعي،
لأن الحكم على المدعى عليه حق للمدعي، فلا
يستوفيه إلا بطلبه.(٢)
طرق إثبات الدعوى :
٥ - اتفق الفقهاء على أن الإقرار والشهادة واليمين
والنكول والقسامة - على تفصيل في الكيفية أو
الأثر- حجج شرعية يعتمد عليها القاضي في
قضائه، و يعوّل عليها في حكمه.(٣)
(١) الاختيار للموصلي ١٠٩/٢، ومغني المحتاج ٤٦١/٤،
والمغني مع الشرح الكبير ٤٥١/١١ وحاشية الدسوقي
١٤٦/٤
(٢) شرح الدر ٤٢٣/٤، وتبصرة الحكام ٣٩/١ و٨٥ ط
الحلبي الاخيرة ، والشرح الكبير ١٤٨/٤ ط الحلبي،
والمغني ٤٥٠/١١، ٤٥١، والشرح الكبير ٤٢٢/٤،
والبجيرمي ٣٣٤/٤، ٣٤٧
(٣) بداية المجتهد ٥٠١/٢، وحاشية ابن عابدين ٤٦٢/٤،
٦٥٣، ونهاية المحتاج ٣١٤/٨، والروض الندي ٥٢١
وما بعدها، ط السلفية.
- ٢٣٣ -

إثبات ٦ - ٧
واختلفوا فيما وراء ذلك من طرق الإثبات
الآتية، فذهب الأئمة مالك والشافعي وأحمد إلى أنه
يقضى بالشاهد مع اليمين في الأموال أو ما يؤول إليها ،
وإلى هذا ذهب أيضا أبوثور والفقهاء السبعة
المدنيون.
وذهب الإمام أبو حنيفة والثوري والأوزاعي
وجمهور أهل العراق إلى أنه لا يقضى باليمين مع
الشاهد في شيء، وإلى هذا ذهب الليث من
أصحاب الإمام مالك.(١)
وزاد ابن الغرس من الحنفية القرينة الواضحة.
وقال الخير الرملي الحنفي : لا شك أن مازاده ابن
الغرس غريب خارج عن الجادة. فلا ينبغي
التعويل عليه ما لم يعضده النقل. (٢)
ومن الفقهاء من لم يحصر الطرق في أنواع معينة،
بل قال إن كل ما یبین الحق و یظهره يكون دليلا
يقضي به القاضي ويبني عليه حكمه. وهذا ما قاله
ابن القيم، وتبعه في ذلك بعض الفقهاء كابن فرحون
من المالكية.
فقد جاء في الطرق الحكمية: (( والمقصود أن البينة
في الشرع اسم لما يبين الحق ويظهره، وهي تارة
تكون أربعة شهود، وتارة ثلاثة، بالنص في بينة
المفلس، وتارة تكون شاهدين، وشاهداً واحداً
وامرأة واحدة، ونكولا ، ويمينا، أو خمسين يمينا، أو
أربعة أيمان. وتكون شاهدَ الحال في صور كثيرة.
فقوله صلى الله عليه وسلم ((البينة على المدعي(٣)))
أي عليه أن يظهر ما يبين صحة دعواه.
(١) بداية المجتهد ٥٠٧/٢ مكتبة الكليات الأزهرية.
(٢) البحر ٢٢٤/٧ ط العلمية .
(٣) حديث: (( البينة على المدعي)) سبق تخريجه ص ٢٣٢ ح ٣
فإذا ظهر صدقه بطريق من الطرق حكم له.(١)
وسيأتي الكلام في كل الطرق التي اعتبرها
الفقهاء للحكم سواء المتفق عليه أو المختلف فيه.
الإقرار:
٦ - الإقرار لغة هو الاعتراف. يقال: أقر بالحق،
إذا اعترف به، وقرره غیره بالحق حتی أقرّ بِهِ .(٢)
وشرعا : إخبار عن ثبوت حق للغير على نفسه. (٣)
حجية الاقرار:
٧ - الإقرار حجة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع
والمعقول :
فمن الكتاب قوله تعالى: ((وإذ أخذ الله مِيثَاقَ
النبيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابِ وحِكْمٍ ثُمَّ جاء كُمْ
رَسُولٌ مِصَِدَّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ به وَلْتَنْصُرُّنَّهُ قَالَ
أَأَقْرَرْتُمْ وأَخَذْتُم عَلى ذلِكم إصري قَالُوا أَقْرَرْنا قال
فاشْهَدُوا وَأنَا مَعَكُمْ من الشّاهدين)» (٤)وقوله تعانى
((يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءٍ لله
وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُم))(٥) إذ الشهادة على النفس إقرار
عليها بالحق .
(١) الطرق الحكمية ٢٤ ط الآداب والمؤيد، وتبصرة
الحكام ١١١/٢ بهامش فتح العلي المالك ط الحلبي
الأخيرة .
(٢) مختار الصحاح ( قرر)
(٣) فتح القدير ٢٨٠/٦، والشرح الصغير ٥٢٥/٣ ط
دار المعارف، والبجيرمي ١١٩/٣، وكشاف القناع
٣٦٧/٦
(٤) سورة آل عمران /٨١
(٥) سورة النساء /١٣٥
- ٢٣٤ -

إثبات ٨ - ١٠
ومن السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام
الحد على ماعز والغامدية (١) بناء على إقرارهما بالزنى.
وقد أجمعت الأمة من عهد النبي صلى الله عليه
وسلم إلى الآن على أن الإقرار حجة على المُقِرّ،
يؤخذ به، ويعامل بمقتضاه.
ودليله من المعقول : انتفاء التهمة، فإن العاقل لا
(٢)
يقر على نفسه كذبا .
مرتبة الإقراربين طرق الإثبات :
٨ - الفقهاء مجمعون على أن الإقرار أقوى الأدلة
الشرعية، لانتفاء التهمة فيه غالباً .
فقد نص الحنفية على أن الإقرار حجة شرعية
فوق الشهادة، بناء على انتفاء التهمة فيه غالباً، ولا
ينافي ذلك أنه حجة قاصرة على المقرّ وحده، في حین
أن الشهادة حجة متعدية ، لأن القوة والضعف وراء
التعدية والاقتصار. فاتصاف الإقرار بالاقتصار على
نفس المقر، والشهادة بالتعدية إلى الغير، لا ينافي
اتصافه بالقوة واتصافها بالضعف بالنسبة إليه ، بناء
(٣)
على انتفاء التهمة فيه دونها .
ونصّ المالكية على أن الاقرار أبلغ من الشهادة.
قال أشهب: (( قول كل أحد على نفسه أوجب من
دعواه على غيره.)) (٤)
(١) حديث ماعز رواه البخاري وغيره وحديث الغامدية رواه
مسلم ( تلخيص الحبير ٥٧/٤، ٥٨) طبع الفنية المتحدة.
(٢) تكملة فتح القدير ٢٩٩/٧ ط الميمنية، والرهوني علي
الزرقاني ١٤١/٦، والبجيرمي على الخطيب ١١٩/٣،
وحاشية الجمل على شرح المنهج ٤٢٧/٣، والمغني
مع الشرح ٢٧١/٥، وكشاف القناع ٣٦٧/٦
(٣) تكملة فتح القدير ٢٩٩/٧
(٤) تبصرة الحكام ٣٩/٢ ط الحلبي .
ونصّ الشافعية على أن الإقرار أولى بالقبول من
الشهادة .(١)
ونص الحنابلة على أن المدعى عليه إذا اعترف
بالحق لا تسمع عليه الشهادة، وإنما تسمع إذا
أنکر.(٢)
بم یکون الإقرار؟
٩ - يكون الإقرار باللفظ أوما يقوم مقامه،
كالإشارة والكتابة والسكوت بقرينة .
وتفصيل ذلك وغيره من أحكام الإقرار يرجع
إليه في مصطلح (إقرار) .
الشهادة :
١٠ - من معاني الشهادة في اللغة البيان والإظهار
لما يعلمه، وأنها خبر قاطع.(٣)
وشرعا : إخبار عن ثبوت الحق للغير على الغير في
مجلس القضاء.
وقد اختلفت صيغها عند الفقهاء تبعاً لتضمنها
شروطا في قبولها كلفظ الشهادة ومجلس القضاء
وغيره. (٤)
(١) شرح المنهج وحاشية الجمل ٤٢٨/٣
(٢) المغني ٢٧١/٥
(٣) مختار الصحاح ، ولسان العرب ، والمصباح المنير.
(٤) تكملة فتح القدير ٢٨٠/٦ ط الأولى، والبحر ٦١/٧،
والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١٤٦/٤، والبجيرمي
على الخطيب ٣٥٩/٤، والجمل على شرح المنهج ٣٧٧/٥،
وكشاف القناع ٣٢٨/٦
- ٢٣٥ -

إثبات ١١ - ١٥
حكمها :
١١ - للشهادة حالتان: حالة تحمّل ، وحالة
أداء.
فأما التحمّل ، وهو أن يُدعَى الشخص ليشهد
ويحفظ الشهادة، فإن ذلك فرض كفاية إذا قام به
البعض سقط عن الباقين. فإن تعين بحيث لا يوجد
غيره كان فرضاً عليه. وأما الأداء، وهو أن يدعى
الشخص لیشهد بما علمه، فإن ذلك واجب عليه،
لقوله تعالى ((وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا)) وقوله
تعالى «وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَة، وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمُ
قَلْبُهُ)) (١)
دليل مشروعيتها :
١٢ - اتفق الفقهاء جميعاً على أن الشهادة من طرق
القضاء، لقوله تعالى (( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن
رِجَالِكُمْ فَإِن ثَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجَلٌ وَاهْرَأَتَان
مِمَنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)) (٢)
وقوله صلى الله عليه وسلم: ( البينة على المدعي
واليمين على من أنكر) (٣)
وقد أجمعت الأمة على أنها حجة يبنى عليها
الحكم .
مدی حجيتها :
١٣-الشهادة حجة متعدية ، أي ثابتة في حق جميع
الناس غير مقتصرة على المقضي عليه، لكنها ليست
حجة بنفسها إذ لا تكون ملزمة إلا إذا اتصل بها
القضاء. وتفصيل أحكام الشهادة يرجع إليه في
موطنه في مصطلح (شهادة)
(١) سورة البقرة ٢٨٢، ٢٨٣، وتبصرة الحكام على هامش
فتح العلى المالك ١/ ٢٠٥، ٢٠٦ ط الحلبي الأخيرة.
(٢) سورة البقرة / ٢٨٢
(٣) سبق تخريجه ص ٢٣٢ ح ٣
القضاء بالشاهد واليمين :
١٤ - اختلف الفقهاء في القضاء باليمين مع
الشاهد :
فذهب الأثمة مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور
والفقهاء السبعة المدنيون إلى أنه يقضى باليمين مع
الشاهد في الأموال وما يؤول إليها دون غيرها .
وذهب الإمام أبو حنيفة والثوري والأوزاعي
وجمهور أهل العراق إلى أنه لا يقضى باليمين مع
الشاهد في شيء .
وقد استدل الإمام مالك ومن معه بحديث ابن
عباس (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى
باليمين مع الشاهد)) (١)
١٥ - والقائلون بالقضاء باليمين مع الشاهد اختلفوا .
في اليمين مع المرأتين:
فقال المالكية يجوز، لأن المرأتين قامتا مقام
الواحد مع الشاهد الواحد وذهب الشافعية والحنابلة
إلى أنه لا تقبل اليمين مع شهادة امرأتين، لأن شهادة
المرأتين إنما اعتبرت فيما لو كانت شهادتها مع شهادة
رجل. وفي القضاء باليمين مع الشاهد في الحدود التي
هي حق الناس خاصة كحد القذف قولان في
مذهب مالك.(٢)
(١) حديث ابن عباس: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قضى بالشاهد مع اليمين)) أخرجه مسلم وأبو داود
والنسائي وابن ماجة بلفظ ((أن رسول الله صلىالله
عليه وسلم قضى بيمين وشاهد)» ( نصب الراية ٩٦/٤)
(٢) بداية المجتهد لابن رشد ٥٠٧/٢ ط مكتبة الكليات
الأزهرية، وتبصرة الحكام ٢٦٨/١ ط الحلبي، ونهاية
المحتاج ٣٣٠/٨ ط المكتبة الإسلامية، والمغني
والشرح الكبير ١٠/١٢، ١٣
٢٣٦

إثبات ١٦ - ١٧
واستدل المانعون من القضاء باليمين والشاهد
بالكتاب والسنة :
فأما الكتاب فقوله تعالى ((وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيِنِ
مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلُّ وَأَمْرَأَتَنٍ
مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداء» وقوله تعَالى (( وَأَشْهِدُوا
ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ )) فقبول الشاهد الواحد واليمين
زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، وهو
لا يجوز إلا بمتواتر أو مشهور. ولم يثبت واحد منهما .
وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم ((لويُعْظَى
الناسُ بدعواهم لادَّعى أناس دماء رجالٍ وأموالهم،
ولكنّ اليمينَ على المدعى عليه» وقوله عليه الصلاة
السلام (( البيئة على المدعي واليمين على من أنكر)) (٢)
ومن قوله لمدع («شَاهداكّ أو يمِينُهُ))(٣)
فالحديث الأول جعل جنس اليمين على المنكر.
فإذا قبلت يمين من المدعي، أو وُجهت إليه ، لم يكن
جميع أفراد اليمين على المنكرين.
وكذلك الحديث الثاني جعل جميع أفراد البيئة
على المدعي، وجميع أفراد اليمين على المنكر. وتضمّن،
مع هذا، قِسْمَةً وتوزيعاً . والقسمة تنافي اشتراك
الخصمين فيما وقعت فيه القسمة .
والحديث الثالث خير المدعي بين أمرين لا ثالث
لهما : إما بينة أو يمين المدعى عليه . والتخيير بين
أمرين معيّنين يمنع تجاوزهما ، والجمع بينهما .(٤)
الیمین:
١٦ - من معانى اليمين في اللغة القوة والقدرة، ثم
(١) سورة الطلاق / ٢
(٢) الحديثان سبق تخريجهما .
(٣) رواه الشيخان من حديث ابن سعود ( فيض القدير ١٥٣/٤)
(٤) البدائع للكاساني ٣٩٢٣/٨ وما بعدها ط الإمام .
أطلقت على الجارحة، والحلف .
وسمى الحلف بالله يميناً لأن به يتقوى أحد طرفي
الخصومة . (١)
والفقهاء متفقون على أن اليمين من طرق
القضاء، وأنها لا توجه إلا بعد دعوى صحيحة، وأنها
تكون بالله تعالى، وأنها لا تكون إلا بطلب من
الخصم، إلا في مسائل مستثناة، وتكون على العلم ،
وعلى البتّ، وأنها لا يجرى فيها الاستخلاف، إلا فيما
استثني، وأنها تقطع الخصومة في الجملة، وأن صيغتها
واحدة في الجملة بالنسبة للمسلم وغير المسلم، وأنها
توجه في مجلس القضاء من القاضي والمحكم.(٢)
١٧ - وموضع توجيه اليمين هو عند إنكار المدعى
عليه الحق المدعى ، وعدم تقديم بينة. وهنا تفصيل:
فالحنفية والمالكية يرتّبون طلب اليمين على عدم وجود
بيِّنة حاضرة في المجلس معلومة له. فإن كانت بعيدة
فله طلب اليمين.
أما إذا قال المدعي : لي بينة حاضرة في المصر،
ولكن أطلب يمين المدعى عليه، فأبو حنيفة ومحمد
- فيما رواه الطحاوي عنه ــ يريان أنه لا حقّ له في
طلب اليمين لأن اليمين بدل عن البيّنة.
وذهب أبو يوسف ومحمد - فيما رواه الخَصّاف
عنه - الى أن للمدعي حقّ طلب اليمين ، لأن ذلك
حقه فإذا طلبه يجاب إليه .
وذهب الشافعية والحنابلة الى أن للمدعي حق
طلب اليمين ولو كانت له بينة حاضرة، لأنه مخير بين
(١) مختار الصحاح وغيره .
(٢) حاشية ابن عابدين ٤٢٣/٤ ط بولاق، والبدائع
٣٩٢٥/٨، والشرح الصغير ٢١٠/٤، ٢١١، والبجيرمي
٣٣٣/٤، والكافي ٤٨٤/٣
- ٢٣٧ -

إثبات ١٨ - ٢٠
تقديم البينة أو طلب اليمين. كما قال الحنفية : إن
قال المدعی علیه : لا أقر ولا أنكر، لا يستحلف، بل
يُخْبَسُ ليقرّ أو ينكر. وكذا لو لزم السكوت بلا آفة،
عند أبي يوسف. ونقل عن البدائع: الأشبه أنه إنكار
فيستحلف(١)
وتوجيه اليمين يكون من القاضي بطلب المدعي.
واستثنى الإمام أبو يوسف أربع مسائل
يوجه فيها القاضي اليمين بلا طلب المدعي.
أولاها : الرد بالعيب ، يحلف المشتري بالله ما
رضیت بالعيب .
والثانية : الشفيع: بالله ما أبطلت شفعتك.
وثالثها : المرأة ، إذا طلبت فرض النفقة على
زوجها الغائب، بالله ما خلّف لك زوجك شيئاً ولا
أعطاك النفقة.
ورابعها : يحلف المستحق: بالله ما بايعت .
١٨ - وفي دعوى الدين على الميت: أجمع أثمة
المذاهب على تحليف المدعي مع البيئة بلا طلب
المدعى عليه، بأن يقول له القاضي: بالله ما
استوفيت من المديون، ولا من أحد أداه إليك عنه،
ولا قبضه له قابض بأمرك، ولا أبرأته منه ، ولا شیئا
منه، ولا أحلت بشيء من ذلك أحدا، ولا عندك
منه ولا بشيء منه رهن. وتسمى هذه اليمين يمين
الاستظهار، ويمين القضاء، والاستبراء، وقال
المالكية إن الدعوى على الغائب ،أو على اليتيم أو على
الأحباس أو على المسا کین وعلى كل وجه من وجوه
البر وعلى بيت المال وعلى من استحق شيئاً من
(١) شرح الدر ٤٢٣/٤، والدسوقي ١٣٠/٤، ٢٠٦، وتبصرة
الحكّام ١٧١/١ ، وأدب القضاء لابن أبي الدم ١٨٢ ،
والمغني ٢٠١/١٠ ط الرياض.
الحيوان كذلك. وزاد بعضهم لزوم ذلك في العقار
والرباع.
٠
وفقهاء المذاهب متفقون على أن التحلیف یکون
في المال وما يؤول إلى المال.(١)
١٩ - واختلف أئمة الحنفية في التحليف في النكاح
والرجعة والإيلاء والاستيلاد والرق والولاء والنسب.
فذهب الإمام أبو حنيفة إلى عدم التحليف في الأمور
المذكورة. وذهب الإمامان أبويوسف ومحمد إلى
التحليف. والفتوى على قولهما. ويستحلف السارق
لأجل المال فإن نكل ضمن ولم يقطع. ومحل الخلاف
بين الإمام وصاحبيه فيما ذكر إذا لم يتضمن الحق
المدعى مالاً فإن تضمنه حلف لأجل المال عند
الجميع.
وسبب الخلاف بين الإمام وصاحبيه في
التحليف في النكاح وماتلاه أن من وجهت عليه
اليمين قد ينكل عن حلفها فيقضى للمدعي. والنكول
يحتمل الإقرار والبذل عند الإمام. وهذه الأمورلا
يتأتى فيها البذل. وعند الصاحبين أن النكول إقرار
فقط.(٢)
٢٠ - والفقهاء متفقون على أن اليمين تبطل بها
دعوى المدعي على المدعى عليه، أي أنها تقطع
الخصومة للحال .
لكنهم يختلفون في انقطاع الخصومة مطلقا باليمين،
على معنى أنه إذا حلف المدعى عليه اليمين هل
للمدعي أن يعود إلى دعواه إذا وجد بينة ؟
(١) حاشية ابن عابدين ٤٢٣/٤، والفروق ١٤٣/٤،
وتبصرة الحكام ١٩٦/١، ومنتهى الإرادات ٦٨٠/٢،
ونهاية المحتاج ٣٣٠/٨
(٢) حاشية ابن عابدين ٤٢٣/٤
- ٢٣٨ -

اثبات ٢١ - ٢٤
الصحيح عند الحنفية وهو مذهب الشافعية
والحنابلة أن يمين المدعى عليه تقطع الخصومة في الحال
فقط، فإذا وجد المدعي بينة كان له أن يعيد
الخصومة، لأن اليمين كالخلفَ عن البينة، فإذا جاء
الأصل انتهى حكم الخلف، إذ نصوا على أن اليمين
تفيد قطع الخصومة في الحال، لا براءة من الحق، لأنه
صلى الله عليه وسلم (( أمر حالفا بالخروج من حق
صاحبه)) فلو حلّف المدعي المدعى عليه، ثم أقام بينة
بمدعاه، أو شاهداً لیحلف معه، حكم بها. (٢)
ومذهب المالكية وهو القول الآخر للحنفية أن
اليمين تقطع الخصومة مطلقا (٣)
٢١ - التحليف على فعل النفس يكون على
البتات، أي القطع بأنه ليس كذلك.
علام يحلّف ؟
والتحليف على فعل الغيريكون على العلم. وكل
موضع وجب فيه اليمين على العلم، فحلف على
البتات، كفى، وسقطت عنه، وعلى عكسه لا .
حق الاستحلاف ( طلب الحلف ) :
٢٢ - الأصل في طلب اليمين أن يكون للمدعي،
ويجوز أن ينوب عنه في ذلك و کیله أو وصيه أو وليه أو
ناظر الوقف. ولا تجوز الإنابة في الحلف إلا إذا كان
المدعى عليه أعمى أخرس أصم، فإنه يحلف عنه وليه
أو وصیه .(٤)
(١) رواه أحمد والنسائي والحاكم عن ابن عباس وأعله ابن حزم
بأحد رواته. وقال أحمد محمد شاكر: اسناده
صحيح . ( تلخيص الحبير ٢٠٩/٤)، (وتحقيق مسند أحمد
محمد شاكر ٢٤٤/٤)
(٢) نهاية المحتاج ٣٣٥/٨ ط المكتبة الاسلامية.
(٣) ابن رشد ٥٠٥/٢ مكتبة الكليات الأزهرية ، وحاشية
ابن عابدين ٤٢٤/٤
(٤) حاشية ابن عابدين ٤٢٥/٤ وما بعدها ط الأولى.
ولو أصمّ کتب القاضي لیجیب بخطه إن عرف
الكتابة، وإلا فبإشارته.
ما يحلف به :
٢٣ - لا يحلف الا بالله تعالى، أو بصفة من
صفاته لحديث « من كان حالفاً فليحلف بالله تعالى
أو ليذر)».(١)
فلو حلّفه بغيره ، كالطلاق ونحوه مما فيه إلزام بما
لا يلزمه لولا الحلف، لم يكن يميناً وإن ألت الخصم .
وقيل إن مسّت الضرورة إلى الحلف بالطلاق، نُوْض
إلى القاضي.
ويحلف اليهودي: بالله الذي أنزل التوراة على
موسى ، والنصراني: بالله الذي أنزل الإنجيل على
عيسى، والمجوسي: بالله الذي خلق النار. ويحلف
الوثني: بالله تعالى، لأنه يقرُّ بِهِ تعالى. ويحلف
الأخرس بأن يقول له القاضي: عليك عهد الله
ومیثاقه إن كان كذا و كذا. فإذا أوماً برأسه: أي
نعم، صار حالفاً. ولا يقول له القاضي: ((والله)»
وإلا كان القاضي هو الحالف.
ما يحلف عليه :
٢٤ - إذا كانت الدعوى بملك أو حق مطلق
فالتحلیف یکون علی الحاصل، بأن يخلف: بالله ما
له قبلي كذا ولا شيء منه. وأما إذا كانت الدعوى
بملك أو حق مبيّن السبب فهناك اتجاهات ثلاث:
أ - فعلى ظاهر الرواية عند الحنفية ، ومفهوم
مذهب الحنابلة، أن التحليف على الحاصل - لأنه
أحوط - فيحلف: ليس للمدعي قبلي شيء.
(١) الحديث رواه الشيخان وأصحاب السنن. وفي رواية أو
ليصمت بدل ( أو ليذر). نصب الراية ٢٩٥/٣ ط الاولى
- ٢٣٩ -

إثبات ٢٥ - ٢٦
ب - وفي رواية عن أبي يوسف، ومفهوم مذهب
المالكية، أن التحليف هنا على السبب، فيقول
المدعى عليه: بالله ما اقترضت، مثلا.
واستثنى أبو يوسف ما لو عرّض المدعى عليه
كأن قال: قد يبيع الإنسان شيئا ثم يقيل، فحينئذ
يحلف على الحاصل.
جـ ـ وعند الشافعية ، وهو رواية أخرى عن أبي
يوسف، أن التحليف يطابق الإنكار، فإن أنكر
الحاصل يحلف على الحاصل، وإن أنكر السبب، وهو
موضوع الدعوى - يحلف على السبب. وفي جميع
الحالات التي يكون فيها التحليف على السبب إذا
حلف على الحاصل أجزأه، لأنه يتضمن السبب
(٢)
وزيادة. وهذا في الاتفاق.
افتداء اليمين والمصالحة عليها :
٢٥ - صح للمدعى عليه افتداء اليمين ، والصلح
عنها، لحديث ((ذبوا عن أعراضكم بأموالكم))(٣) ولما
روي أن عثمان رضي الله عنه افتدى يمينه، وقال
(١) شرح الروض ٤٠٠/٤، والمغني مع الشرح الكبير ١٢٢/١٢ ط
الأولى .
(٢) حاشية ابن عابدين ٤٢٨/٤، وتبصرة الحكام هامش فتح
العلى المالك ١٦٧/١، ١٧١ ط مصطفى محمد ، شرح
الروض ٤٠٠/٤، والمغني مع الشرح ١٢٢/١٢ ط الأولى.
(٣) الحديث رواه الخطيب في التاريخ عن أبي هريرة عن عائشة
وهو ضعيف ، وتمامه : قالوا : يا رسول الله : كيف نذب
بأموالنا عن أعراضنا؟ قال: (( تعطون الشاعر ومن
تخافون لسانه)). ورواه عنها الديلمي أيضاً ( فيض
القدير ٥٦٠/٣ )
((خفت أن تصادف قدراً، فيقال: حلف فعوقب،
أو هذا شؤم يمينه)»
ولا يحلف المنكر بعده أبداً ، لأنه أسقط حقه في
الخصومة. ولأن كرام الناس يترفعون عن الحلف
تورعاً .
أما لو أسقط المدعي اليمين قصداً بدون مصالحة أو
افتداء بعد طلبها، لم يكن ذلك إسقاطا. وله
التحليف، لأن التحليف حق القاضي.(١)
تغليظ اليمين :
٢٦ - فقهاء المذاهب متفقون على جواز تغليظ
اليمين. لكنهم اختلفوا بم يكون التغليظ .
فذهب جمهور الفقهاء ، وهو أحد الأقوال عند
الحنفية ، الى أن اليمين تغلظ بالزمان والمكان والهيئة .
وذلك فيما فيه خطر ، كنكاح وطلاق ولعان وولاء
وو کالة ومال يبلغ نصاب زكاة .
والتغليظ بالزمان كبعد العصر أو بين أذان
وإقامة، وبالمكان لأهل مكة بين الركن والمقام،
ولأهل المدينة عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم
وفي غير مكة والمدينة في المسجد الأعظم.
وبالنسبة للهيئة قال بعضهم : يحلف قائماً
مستقبل القبلة .
ولم يجوز التغليظ أكثر مشايخ الحنفية، وقيل لا
يغلظ على المعروف بالصلاح .
(١) حاشية الدسوقي ٣١١/٣، ونهاية المحتاج ٣٢٤/٨، وحواشي
الروض ٤٠٤/٤، والبجيرمي على الخطيب ٣٥٠/٤، ٣٥١،
والمغني ٥٢٨/٤، ٥٢٩، وابن عابدين ٤٤٦/٤ ط بولاق
١٣٢٥ هـ
- ٢٤٠ -
الموسوعة الفقهية الكويتية — pages 221-240 | ScribeTools Library