النص المفهرس

صفحات 201-220

اتحاد السبب ٥ - ٦
الشافعية ومن وافقهم، أي سواء تقدم أو تأخر أو
جهل الحال وإنما حملوه عليه جمعاً بين الدليلين.
وقيل إن وردا معا حمل المطلق على المقيد لأن
السبب الواحد لا يوجب المتنافيين، والمعيّة قرينة
البيان، كقوله تعالى (فِّصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) (١) مع
القراءة الشاذة التي اشتهرت عن ابن مسعود :
(فصيام ثلاثة أيام متتابعات ) فمن ذلك أخذ الحنفية
وجوب التتابع في صيام كفارة اليمين .
وإن علم تأخر المقيد فهو ناسخ للمطلق نسخاً
جزئياً، وقيل يحمل المقيد على المطلق بأن يلغى
القيد.(٢)
وقوع حكمين بعلة واحدة :
٥ - المختار جواز وقوع حكمين بعلة واحدة، إثباتا ،
كالسرقة للقطع والغرم حين يتلف المسروق - عند
من يرى الجمع بين القطع والضمان - أو نفياً،
كالقتل علة للحرمان من الإرث والوصية.
وقيل يمتنع تعليل حكمين بعلة بناء على اشتراط
المناسبة فيها، لأن مناسبتها لحكم تحصّل المقصود
منها، فلو ناسبت آخر لزم تحصيل الحاصل. وأجيب
بمنع ذلك.
(١) سورة المائدة /٨٩
(٢) شرح مسلم الثبوت ٣٦٢/١، ٣٦٤، وشرح جمع الجوامع
٤٩/٢، ٥٠
والقول الثالث في هذه المسألة أنه يجوز تعليل
حكمين بعلة واحدة إن لم يتضادًا بخلاف ما إذا
تضادًا، كالتأبيد لصحة البيع وبطلان الإجارة.(١)
مواطن البحث :
٦ - يذكر الفقهاء اتحاد السبب - أو اتحاد العلة -
في الطهارة في الوضوء، (٢) والغسل،(٣) وفي الصوم
(كفارة الصيام) (4) وفي الإحرام (محرماته) وفي
الإقرار (تكرار الإقرار) (٥) وفي الحدود (تكرار
القذف، والزنى، والشرب، والسرقة)(٦) وفي الأيمان
(كفارة اليمين)(٧) وفي الجنايات على النفس
وما دونها .
وعند الأصوليين يذكر اتحاد السبب في المطلق
والمقيد.(٨) وتفصيل ذلك في الملحق الأصولي .
(١) شرح جمع الجوامع ٢٤٧/٢
(٢) ابن عابدين ٨١/١ ط الأولى.
(٣) الفروق ٢٩/٢
(٤) المرجع السابق، والبحر الرائق ٢٩٨/٢ ط الأولى، وشرح
الروض ١٥٢/٤، ١٥٣، ومطالب أولي النهى ٢٠٩/٦ ط
المكتب الإسلامي.
(٥) ابن عابدين ٤٥٧/٤
(٦) الفروق ٣٠/٢، والخرشي ٩١/٨ ط بولاق، والبدائع
٤٢٠١/٩ ط الإرشاد بجدة، وشرح الروض ١٥٢/٤، ومطالب
أولي النهى ٢٠٩/٦
(٧) الفروق ٣٠/٢
(٨) فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت ٣٦١/١، ٣٦٢
- ٢٠١ -

اتحاد العلة ، اتحاد المجلس ١ - ٣
اتَّحَاد العِلَة
انظر : اتحاد السبب .
اتْحَاد المجْلس
التعريف :
١ - الاتحاد لغة : صيرورة الذاتین واحدة، ولا
يكون إلا في العدد من اثنين فصاعدا،(١) والمجلس هو
موضع الجلوس. (٢)
ويراد به المجلس الواحد عند الفقهاء،
وبالإضافة إلى ذلك يستعمله الحنفية دون غيرهم
(٣)
بمعنى تداخل متفرقات المجلس.
وليس المراد بالمجلس موضع الجلوس، بل هو أعم
من ذلك، فقد يحصل اتحاد المجلس مع الوقوف، ومع
تغاير المكان والهيئة.
٢ - والأصل إضافة الأحكام إلى أسبابها، كقولهم
كفارة اليمين أو سجدة السهو، وقد يترك ذلك
وتضاف إلى غير الأسباب، كالمجلس للضرورة، كما
(١) التعريفات للجرجاني
(٢) المصباح المنير (جلس)
(٣) البحر الرائق ٣٨/١ ط العلمية، وابن عابدين ٢٠/٤ ط
بولاق.
في سجدة التلاوة إذا تكررت في مجلس واحد، أو
للعرف، كما في الأقارير، أو لدفع الضرر كما في
الإيجاب والقبول.(١)
واتحاد المجلس يؤثر في بعض الأحكام منفردا،
وأحيانا لا يؤثر إلا مع غيره، وذلك نحو اشتراط اتحاد
النوع مع اتحاد المجلس في تداخل فدية محظورات
الإحرام. (٢)
واتحاد المجلس في العقود وغيرها على قسمين:
حقيقي بأن يكون القبول في مجلس الايجاب،
وحكمتيّ إذا تفرق مجلس القبول عن مجلس الإيجاب
كما في الكتابة والمراسلة، فيتحدان حكما .(٣)
واتحاد المجلس في الحج يراد به اتحاد المكان ولو
تغيرت الحال، وفي تجديد الوضوء عدم تخلل زمن
طويل، أو عدم الفصل بأداء قربة، كما تدل على
ذلك عبارات الفقهاء في الوضوء والحج.
اتحاد المجلس في العبادات :
٣ - تجديد الوضوء مع اتحاد المجلس:
تكلم بعض الحنفية والشافعية في تجديد الوضوء
مع اتحاد المجلس، ولهم في ذلك ثلاثة آراء:
الأول : الكراهة في المجلس الواحد، للإسراف،
(١) البحر الرائق ٣٨/١
(٢) البدائع ١٩٤/٢ ط المطبوعات العلمية، وابن عابدين
٢٠١/٢، والجمل على المنهج ٥٠٢/٢ ط إحياء التراث،
وكشاف القناع ٤١١/٢ ط أنصار السنة.
(٣) فتح القدير ٧٨/٥ ط بولاق، ومطالب أولي النهى ٧/٣ ط
المكتب الإسلامي، والرهوني ١٩١/٣ ط بولاق، وروضة
الطالبين ٣٦/٧ ط المكتب الإسلامي.
- ٢٠٢ -

اتحاد المجلس ٤ - ٦
وهو ما نقل عن بعض الحنفية، وهو وجه للشافعية
- ووصفوه بالغرابة - إذا وصله بالوضوء الأول ولم
يمض بين الوضوء والتجديد زمن يقع بمثله تفريق.
لأنهم اعتبروه بمثابة غسلة رابعة (١)
الثاني : استحباب التجديد مرة واحدة مطلقا،
تبدل المجلس أم لا، وهو قول عبد الغني النابلسي من
الحنفية، لحديث: (( من توضأ على طهر كتب له عشر
حسنات)). (٢)
الثالث : الكراهة إذا تكرر مراراً في المجلس
الواحد، وانتفاؤها إذا أعاده مرة واحدة وهو ما وفّق
به صاحب النهر بين ما جاء في التاترحانية وما في
السراج من كتب الحنفية.
هذا وأغلب الفقهاء على أنه يسن تجديد الوضوء
لكل صلاة، ولم ينظروا إلى اتحاد المجلس أو تعدده،
وذلك للحديث السابق. (٣)
تکرر القيء في مجلس واحد :
٤ - لوقاء المتوضئء متفرقا بحيث لوجمع صارملء
الفم فإن اتحد المجلس والسبب انتقض وضوءه عند
الحنفية، وإن اتحد السبب فقط انتقض عند محمد،
وإن اتحد المجلس دون السبب انتقض عند أبي
يوسف، لأن المجلس يجمع متفرقاته.
(١) ابن عابدين ٨١/١، والمجموع ٤٧٠/١ ط المنيرية.
(٢) حديث: (( من توضأ على طهر ... )) رواه أبو داود والترمذي
وابن ماجه عن ابن عمر، وسنده ضعيف. (فيض القدير
١٠٩/٦ - ١١٠ ط التجارية)
(٣) ابن عابدين ٦٣/١، ٨١، وجواهر الإكليل ٢٣/١ ط الحلبي،
والقليوبي ٦٧/١ ط مصطفى الحلبي، والمغني مع الشرح ١٣٣/١
ط المنار.
ولم يشارك الحنفية في نقض الوضوء بالقيء إلا
الحنابلة، لكنهم لم ينظروا إلى اتحاد السبب أو
المجلس، بل راعوا قلة القيء وكثرته، تكرر السبب
والمجلس أولا .(١)
سجود التلاوة في المجلس الواحد :
٥ - اتفق الفقهاء على أن القارئ يسجد للتلاوة
عند قراءة أو سماع آية السجدة، أما إذا تكررت
قراءتها فإن المالكية والحنابلة على أن القارئ يسجد
كلما مرت به آية سجدة ولو كررها، لتعدد السبب،
وهو الأصح عند الشافعية .(٢)
ولا يتكرر السجود عند الحنفية إن اتحد المجلس
والآية، حتى ولو اجتمع سببا الوجوب، وهما التلاوة
والسماع، بأن تلاها ثم سمعها أو بالعكس، أو تكرر
أحدهما. وهو أحد قولين للشافعية إن لم يسجد
للأولى. ومن تکرر مجلسه من سامع أوتال تكرر
الوجوب عليه .(٣)
اختلاف المجلس وأنواعه :
٦ - ما له حكم المكان الواحد كالمسجد والبيت لا
ينقطع فيه المجلس بالانتقال إلا إن اقترن بعمل
أجنبي كالأكل والعمل الكثيرين، والبيع والشراء
بين القراءتين.
(١) البحر الرائق ٣٨/١، وابن عابدين ٩٤/١، ٩٥، والفروع
١٠٠/١ ط الأولى، والمغني مع الشرح الكبير ١٧٩/١
(٢) التاج والإكليل ٦١/٢، ٦٥ ط ليبيا، وكشاف القناع
٤١٣/١، ٤١٤، ونهاية المحتاج ٩٧/٢ ط الحلبي.
(٣) ابن عابدين ٥١٩/١، ونهاية المحتاج ٩٧/٢
- ٢٠٣ -

اتحاد المجلس ٧ - ٨
واختلاف المجلس على نوعين:
حقيقي، بأن ينتقل من المكان إلى آخر بأكثر من
خطوتین كما في كثير من الكتب أو بأكثر من ثلاث
كما في المحيط .
وحكميّ ، وذلك بمباشرة عمل يعد في العرف قاطعا لما
قبله، هذا عند الحنفية والشافعية، أما غيرهم
فالعبرة عندهم بالسبب اتحاداً وتعدداً لا للمجلس.(١)
سجود السامع :
٧ - لا فرق بين القارئ والسامع عند الحنفية في
سجود التلاوة، ويأخذ المستمع لا السامع حكم
القارىء عند الشافعية والحنابلة لقول ابن عمر:
(( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا
السورة في غير الصلاة فيسجد ونسجد معه)»(٢)
وربط المالكية سجود المستمع الذي جلس
للثواب والأجر والتعليم بسجود القارئ ، فلا يسجد
إن لم يسجد القارئ ، فإن سجد فحكى ابن شعبان
في ذلك قولين .(٣)
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مع اتحاد
المجلس :
٨ - للفقهاء آراء عديدة في حكم الصلاة على
النبي صلى الله عليه وسلم كلما ذكر في غير الصلاة،
ويتعلق بالمجلس منها ثلاثة آراء :
(١) ابن عابدين ٥٢٠/١، وحاشية الشرواني على التحفة ٢٢٣/٤،
٢٢٤ ط اليمنية.
(٢) كشاف القناع ٤١١/١، وابن عابدين ٥١٩/١ ومابعدها،
ونهاية المحتاج ٩٧/٢، والفرق بين السامع والمستمع هو أن
السامع من سمع عَرَضَاً بلا قصد والمستمع قاصد السماع،
وحديث ابن عمر رواه الشيخان وغيرهما ( المغني ٦٢٤/١
ط الرياض).
(٣) التاج والإكليل ٦١/٢، ٦٥
الأول : أنها تجب كلما ذكر اسمه صلى الله عليه
وسلم، ولو اتحد المجلس، وبه قال جمع منهم
الطحاوي من الحنفية، والطرطوشي، وابن العربي،
والفاكهاني من المالكية، وأبو عبد الله الحليمي
وأبو حامد الاسفراييني من الشافعية، وابن بطة من
الحنابلة،(١) لحديث ((من ذكرت عنده فلم يصل علي
فدخل النار فأبعده الله)) (٢)
الثاني : وجوب الصلاة مرة في كل مجلس، وهو
ما صححه النسفي في الکافي حیث قال في باب
التلاوة: وهو کمن سمع اسمه صلى الله عليه وسلم
مرارا، لم تلزمه الصلاة إلا مرة، في الصحيح، لأن
تكرار اسمه صلی الله عليه وسلم حفظ سنته التي بها
قوام الشريعة، فلو وجبت الصلاة بكل مرة لأفضی
إلى الحرج.
وهو قول أبي عبد الله الحليمي إن كان السامع
(١) ابن عابدين ٣٤٦/١، والفتوحات الربانية ٣٢٧/٣ ط المكتبة
الإسلامية، وتفسير القرطبي ٢٣٣/١٤ ط دار الكتب المصرية،
وتفسير الألوسي ٨١/٢٢ ط المنيرية، وجلاء الأفهام ٢٦٤ ط
المنيرية.
(٢) حديث: (( من ذكرت عنده ... )) أورده هكذا القرطبي
ولم يَعْزُه إلى شيء من كتب الحديث، ولم نجده بهذا
اللفظ، لكن روي بألفاظ أخرى لا تخلو من كلام ويغني
عنها حديث الحاكم وصححه وأقره الذهبي وهو: (( ... إن
جبريل عليه الصلاة والسلام عرض لي فقال : بعداً لمن
أدرك رمضان فلم يغفر له قلت آمين، فلما رقيت الثانية
قال: بعداً لمن ذكرت عنده فلم يصل عليك قلت آمين)».
( المستدرك ١٥٣/٤ ط حيدر آباد)
- ٢٠٤ -

اتحاد المجلس ٩ - ١٠
غافلا فيكفيه مرة في آخر المجلس . (١)
الثالث : ندب التكرار في المجلس الواحد، ذكره
ابن عابدين في تحصيله لآراء فقهاء الحنفية.
وبقية الفقهاء لا ينظرون إلى اتحاد المجلس،
فمنهم من يقول إنها واجبة في العمر مرة، ومنهم من
يقول بالندب مطلقا اتحد المجلس أم اختلف.
وتفصيل ذلك يذكر في مبحث الصلاة على النبي
صلى الله عليه وسلم.
ما يشترط فيه اتحاد المجلس :
أولا - ما يتم به التعاقد في الجملة :
٩ - ويراد به عند فقهاء الحنفية : ألا يشتغل أحد
العاقدين بعمل غير ما عقد له المجلس، أو بما هو دليل
الإعراض عن العقد.(٢) وهو شرط للانعقاد عندهم.(٣)
وهو بهذا المعنى يعتبر شرطاً في الصيغة عند بقية
المذاهب.(٤)
وهو يدخل في مجلس العقد عند الشافعية
والحنابلة. (٥)
(١) ابن عابدين ٣٤٦/١، والفتوحات الربانية ٣٢٧/٣، وشرح
ميّارة الصغير ١٥/١ ط مصطفى الحلبي، وجلاء الأفهام ص
٢٦٤-٢٦٧
(٢) البحر الرائق ٢٩٣/٥، وفتح القدير ٧٨/٥، وابن عابدين
٢١/٤
(٣) البحر الرائق ٢٧٩/٥
(٤) الحطاب ٢٤٠/٤ ط ليبيا، والشرواني على التحفة ٢٢٣/٤،
٢٢٤، والمغني مع الشرح الكبير ٤/٤ ط المنار، والفروع
٤٤٢/٢ ط المنار.
(٥) الشرواني على التحفة ٤٨١/٧
ووقته ما بين الإيجاب والقبول .
ومع اتحاد المجلس لا يضر الفصل بين الإيجاب
والقبول عند غير الشافعية ما لم يشعر بالإعراض عن
الإيجاب، لأن القابل يحتاج إلى التأمل، ولو اقتصر
على الفور لا يمكنه التأمل.(١)
ويضر الفصل الطويل عند الشافعية.(٢)
خيار القبول مع اتحاد المجلس :
١٠ - يثبت خيار القبول للمتعاقدين عند الحنفية
ما داما جالسين ولم يتم القبول، ولكل منهما حق
الرجوع ما لم يقبل الآخر.(٣)
ولا يخالفهم الحنابلة في ذلك، لأن خيار المجلس
عندهم یکون في ابتداء العقد و بعده واحدا، فخيار
القبول مندرج تحت خيار المجلس. (٤)
ولا خيار للقبول عند المالكية والشافعية ، غير أنه
يجوز الرجوع عند الشافعية ولو بعد القبول، ما دام
ذلك في المجلس، ولا يجوز الرجوع عند المالكية ولو
قبل الارتباط بينهما إلا في حالة واحدة، وهي أن
يكون الايجاب أو القبول بصيغة المضارع ثم يدعي
القابل أو الموجب أنه ما أراد البيع فيحلف
ويصدق. (٥)
(١) البحر الرائق ٢٨٤/٥، والحطاب ٢٤٠/٤، ٢٤١، والمغني مع
الشرح ٤/٤
(٢) شرح الروض ٥/٢، والشرواني على التحفة ٢٢٣/٤
(٣) البحر الرائق ٢٨٤/٥
(٤) مطالب أولي النهى ٨٥/٣
(٥) البجيرمي على الخطيب ٢٦/٣، ٢٧ ط الحلبي، والخرشي
٧/٥ ط دار صادر
- ٢٠٥ -

اتحاد المجلس ١١ - ١٣
بم ينقطع اتحاد المجلس ؟
١١ - ينقطع اتحاد المجلس بالإعراض عن الإيجاب
عند جميع الفقهاء، غير أنهم اختلفوا في الأمور التي
يحصل معها الإعراض، فالشافعية جعلوا الاشتغال
بأجنبي خارج عن العقد إبطالا له، وكذلك
السكوت الطويل بين الإيجاب والقبول ، لكن اليسير
(١)
لا يضر.
وجعل المالكية والحنابلة العرف هو الضابط
لذلك.(٢)
وقال الحنفية : ينقطع باختلاف المجلس، فلو قام
أحدهما ولم يذهب بطل الإيجاب، إذ لا يبقى المجلس
مع القيام. وإن تبايعا وهما يسيران، ولو كانا على
دابة واحدة، لم يصح لاختلاف المجلس. واختار غير
واحد كالطحاوي وغيره أنه إن أجاب على فور
كلامه متصلا جاز. وفي الخلاصة عن النوازل إذا
أجاب بعد ما مشى خطوة أو خطوتين جاز.
وكذلك يختلف المجلس بالاشتغال بالأكل
وتغتفر اللقمة الواحدة، ولو كان في يده كوز فشرب
ثم أجاب جاز.
ولو ناما جالسين فلا يتبدل المجلس، ولو
مضطجعين أو أحدهما فهي فرقة .(٣)
وهذه الصور التي تكلم عنها الحنفية لم تُغْفلها
كتب المذاهب الأخرى، غير أنهم تكلموا عنها أثناء
الكلام عن المجلس لا في الكلام عن اتحاد المجلس،
(١) شرح الروض ٥/٢ ط الميمنية
(٢) الحطاب ٢٤٠/٤، ومطالب أولي النهى ٦/٣
(٣) فتح القدير ٧٨/٥، وابن عابدين ٢١/٤
لأنه اصطلاح خاص بالحنفية، وموطن تفصيلها عند
الكلام عن مجلس العقد .
١٢ - وغير البيع مثله في الجملة عند الحنفية،(١)
والحنابلة،(٢) والمالكية(٣) غير أن المتتبع لعقود المالكية
يجد أن منهم من يشترط الفورية في الوكالة
(٤)
والنكاح .
ولا تختلف أيضا العقود اللازمة عن البيع عند
الشافعية في الفورية بين الإيجاب والقبول (٥) أما غير
اللازمة فلا يضر التراخي فيها بين الإيجاب والقبول .
ثانيا - التقابض في الأموال الربوية :
١٣ - إذا بيع ربوي بمثله اشترط اتحاد المجلس،
وسواء اتحد جنس المبيع أو اختلف، لما صح من قوله
صلى الله عليه وسلم ((الذهب بالذهب، والفضة
بالفضة، والبُربالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر،
والملح بالملح: مثلا بمثل، سواء بسواء، فإذا اختلفت
هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدأ
(١) جاء في البحر الرائق ((ولهذا تتحد الأقوال المتفرقة في النكاح
والبيع وسائر العقود باتحاد المجلس، وكذلك التلاوات
المتعددة )) ٣٨/١
(٢) كشف المخدرات ٢٦٨/٢ ط السلفية، والروض الندي
ص ٢٥٥ ط السلفية، ومطالب أولي النهى ٤٢٦/٣، ٥٥٩، ٥٨٢
و٧٣٣/٤، والمغني مع الشرح ٢٠٢/٥ وما بعدها .
(٣) لقول القرافي : جزء السبب لا يجوز تأخيره كالقبول بعد
الإيجاب في البيع والهبة والإجارة، فلا يجوز التأخير إلى ما يدل
على الإعراض عنها. ( الفروق ١٧٣/٣ ط دار إحياء الكتب
العربية)، بلغة السالك ٢٥٦/٢، ٢٦٤ ط الحلبي.
(٤) منح الجليل ٣٥٩/٣ ط ليبيا، والدسوقي ٢٢١/٢ ط عيسى
الحلبي.
(٥) شرح الروض ٣٢٠/٢، ٣٨٣ ط اليمنية.
- ٢٠٦ -

اتحاد المجلس ١٤ - ١٥
بيد))(١) وبيان الربوي من غيره يذكره الفقهاء في
الربا .
اتحاد المجلس في السلم :
١٤ - الحنفية والشافعية والحنابلة على أنه يشترط
تسليم رأس مال السلم في مجلس العقد، إذ لو تأخر
لكان في معنى بيع الكالى بالكالى، ولخبر
الصحيحين: (( من أسلف فليسلف في كيل معلوم،
ووزن معلوم، إلى أجل معلوم))، (٢) ولأن السلم عقد
غرر فلا يضم إليه غرر آخر، ولأن السلم مشتق من
استلام رأس المال ، أي تعجيله، وأسماء العقود
المشتقة من المعاني لابد فيها من تحقق تلك المعاني .
ولا يختلف مجلس السلم عن مجلس البيع عند
الشافعية والحنابلة(٣) وعند الحنفية يخالف مجلس السلم
مجلس البيع، فمجلس البيع ينتهي بمجرد ارتباط
الإيجاب بالقبول، وتترتب عليه الآثار. أما السلم
فيعتريه الفسخ إن لم يتم قبض رأس المال في المجلس
وبعد الإيجاب والقبول ، لأنه شَرْط بقاء على
الصحة وليس شرط انعقاد . (٤)
(١) الهداية ٦١/٣، ٦٢، وبلغة السالك ١٥/٢، ونهاية المحتاج
٤١٠/٣، ٤١١، والكافي لابن قدامة ٥٦/٢ ط المكتب
الإسلامي، وحديث: ((الذهب بالذهب ... )) رواه أحمد
ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن عبادة بن الصامت وفيه :
(( ... يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف ... )) الحديث
( فيض القدير ٥٧١/٣، ٥٧٢)
(٢) الفتاوى الهندية ١٧٩/٣، وحديث: ((من أسلف ... )) رواه
أحمد والشيخان وأصحاب السنن عن ابن عباس بلفظ: ((من
أسلف في شيء ... )) الحديث. ( فيض القدير ٦١/٦)
(٣) شرح الروض وحواشيه ١٢٢/٢، والكافي ١١٥/٢
٤٠) ابن عابدين ٢٠٨/٤
وقال المالكية بتأخيره ثلاثة أيام ، لأن ما قارب
الشيء يأخذ حكمه، وإذا أخره عن ثلاثة أيام بغير
شرط وهو نقد ففيه تردد، منهم من يقول بالفساد،
لأنه ضارع الدين بالدين، ومنهم من يقول بالصحة،
لأنه تأخير بغير شرط، وهذا ما لم تبلغ الزيادة إلى
حلول المسلم فيه، فإن أخره إلى حلول أجل السلم
(١)
الذي وقع عليه العقد فإنه لا يختلف في فساده .
ولا يدخله خيار الشرط عند الحنفية والشافعية
والحنابلة)،(٢) ويدخله خيار المجلس عند الشافعية
والحنابلة .(٣)
وقال المالكية بجواز الخيار في السلم إن شرط ولم
يُنقَّد رأس المال في زمن الخيار، لأنه لو نقد وتم السلم
لكان فسخ دين في دين، لإعطاء المسلم إليه سلعة
موصوفة لأجل عما ترتب في ذمته، وهو حقيقة فسخ
الدین بالدین.
اتحاد المجلس في عقد النكاح :
١٥ - للعلماء في ارتباط الإيجاب بالقبول في عقد
النكاح مع اتحاد المجلس ثلاثة آراء:
الأول : اشتراط اتحاد المجلس فلو اختلف المجلس لم
ينعقد كما لو أوجب أحدهما فقام الآخر أو اشتغل
بعمل آخر، ولا يشترط فيه الفور.
وهو مذهب الحنفية ، وهو الصحيح عند
(١) الخرشي ٢٠٣/٥
(٢) البدائع ٢٠١/٥ ط الجمالية، والبجيرمي على الخطيب
٥٦،٥٥/٣، والمغني ٥٠٥/٣ ط مكتبة القاهرة.
(٣) البجيرمي على الخطيب ٥٥/٣، ٥٦، والمغني ٥٠٥/٣ ط
مكتبة القاهرة .
- ٢٠٧ -

اتحاد المجلس ١٦ - ١٧
الحنابلة، وهو ما في المعيار عن الباجي من
المالكية .(١)
الثاني : اشتراط الفورية بين الإيجاب والقبول في
المجلس الواحد، وهو قول المالكية عدا ما تقدم عن
الباجي، وهو قول الشافعية، غير أنهم اغتفروا فيه
الفاصل اليسير. وضبط القفال الفاصل الكثير بأن
يكون زمناً لوسكتا فيه لخرج الجواب عن كونه
جوابا. والأولى ضبطه بالعرف.(٢)
الثالث : صحة العقد مع اختلاف المجلس، وهو
رواية للحنابلة. وعليها لا يبطل النكاح مع التفرق.(٣)
وهذا كله عند اتحاد المجلس الحقيقي، أما مع
اتحاد المجلس الحكمي فلا يختلف الأمر عند الحنفية في
اشتراط القبول في مجلس العلم، وهو الصحيح عند
الحنابلة . (٤)
واشترط المالكية الفورية في الإيجاب حين
العلم (٥) والصحيح عند الشافعية أنه لا ينعقد النكاح
بالكتابة. وكذلك إن كان الزوج غائبا وبلغه
الإيجاب من ولي الزوجة. وإذا صححنا في المسألتين
فيشترط القبول في مجلس بلوغ الخبر وعلى الفور.(٦)
(١) ابن عابدين ٢٦٦/٢، والدسوقي ٢٢١/٢، والفروع ٤٢٤/٢
ومطالب أولي النهى ٥٠/٥
(٢) الدسوقي ٢٢١/٢، ونهاية المحتاج ٢٠٢/٦
(٣) مطالب أولي النهى ٥٠/٥
(٤) ابن عابدين ٢٦٦/٢، ٢٦٧، والمغني مع الشرح ٤٣١/٧،
ومطالب أولي النهى ٨،٧/٣
(٥) الرهوني ١٩١/٣
(٦) روضة الطالبين ٣٦/٧
تداخل الفدية في الإحرام مع اتحاد المجلس :
١٦ - لا يحصل التداخل في المحظورات مع اتحاد
المجلس إلا إن اتحد النوع، وأما مع اختلاف النوع
والجنس في المحظورات فلا اعتبار لاتحاد المجلس، وإنما
العبرة حينئذ باتحاد السبب.(١)
واتحاد المجلس له أثره في تداخل فدية محظورات
الإحرام غير فدية الإتلاف فإنها تتعدد بتعدد المتلف،
وذهب ابن عباس إلى أنه لا جزاء على العائد سواء
أكان المحظور إتلافا أم غيره.(٢)
والتداخل مع اتحاد المجلس يختلف في فدية
الجماع عنه في بقية محظورات النوع الواحد .
تداخل فدية غير الجماع :
١٧ - لوتطيب المحرم بأنواع الطيب، أو لبس
أنواعا كالقميص والعمامة والسراويل والخف، أو
نوعاً واحداً مرة بعد أخرى، فإن كان ذلك في مكان
واحد وعلى التوالي ففيه فدية واحدة لاتحاد المجلس.(٣)
والحنفية ، غيرَ محمد بن الحسن ، والشافعية على
الأصح عندهم، وابن أبي موسى من الحنابلة، على
أنه لو حدث ما ذكر في مكانين تعددت الفدية .(٤)
(١) ابن عابدين ٢٠١/٢، والبدائع ١٩٤/٢، والدسوقي ٦٦/٢،
والفروق ٢١٠/٢، والجمل ٥٠٢/٢، وكشاف القناع
٤١٢/٢، والكافي ٥٦٤/١، والمغني مع الشرح ٥٤٣/٣
(٢) البدائع ٢٠١/٢، والجمل ٥٠٢/٢، والفروق ٢٠٩/٢،
و كشاف القناع ٤١٢/٢
(٣) البدائع ١٩٤/٢، وابن عابدين ٢٠١/٢، والجمل على المنهج
٥٠٢/٢، والمغني مع الشرح الكبير ٥٢٧/٣، والإنصاف
٥٢٦/٣ ط الأولى . .
(٤) البدائع ١٩٤/٢، وابن عابدين ٢٠١/٢، والجمل على المنهج
٥٠٢/٢، وكشاف القناع ٤١١/٢، والإنصاف ٥٢٦/٣
- ٢٠٨ -

اتحاد المجلس ١٨ - ١٩
والمذهب عند الحنابلة وعليه الأصحاب أن عليه
فدية واحدة إن لم يكفِّر عن الأول، لأن الحكم
يختلف باختلاف الأسباب لا باختلاف الأوقات
والأجناس .
وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية ، وقول
الشافعية، وهو قول المالكية إن نوى التكرار. (١)
تداخل فدية الجماع في الإحرام :
١٨ - للفقهاء في تعدد الفدية وتداخلها بتكرر
الجماع من المحرم ثلاثة آراء :
أ - اتحاد الفدية إن اتحد المجلس، وهو قول
الحنفية . (٢)
والمذهب عند الحنابلة على هذا إن لم يكفر عن
الأول، ويكفر عن الأخير إن كان كفر للسابق (٣)
ب - اتحاد الفدية مطلقا سواء اتحد المجلس أو
اختلف، لأن الحكم للوطء الأول، وهو قول
المالكية . (٤)
جــ تکرر الفدية بتکرر الجماع، لأنه سبب
للكفارة، فأوجبها، وهو قول الشافعية، ورواية عن
أحمد . (٥)
اتحاد المجلس في الخلع :
١٩ - المذاهب الأربعة على أن الزوج لو خالع
(١) كشاف القناع ٤١١/٢، والفروع ٣٥٧/٥ والإنصاف
٥٢٥/٢ ط أنصار السنة، والجمل ٥٠٢/٢، وابن عابدين
٢٠١/٢، والدسوقي ٦٦/٢
(٢) الفتاوي الهندية ٣٤٥/١
(٣) المغني مع الشرح الكبير ٣١٨/٣، ٣١٩
(٤) الدسوقي على الدردير ٦٩/٢
(٥) الجمل على المنهج ٥٠٣/٢، والمغني مع الشرح ٣١٨/٣، ٣١٩
امرأته فإن القبول يقتصر على المجلس، غير أن العبرة
عند الحنفية بمجلس الزوجة إن لم يشترطا الخيار فيه،
وما لم تبدأ الزوجة به، ولا يصح رجوع الزوج ولو قبل
قبولها، ويصح رجوعها ما لم يقبل إن كانت هي
البادئة .(١)
والعبرة عند بقية الفقهاء بمجلس المتخالعين معا،
وهو قول الحنفية إن كانت الزوجة هي الموجبة،
وكذلك إن اشترطا الخيار فيه، والفور والتراخي في
الإيجاب والقبول كالبيع عندهم. وهذا كله عند
عدم التعليق.(٢)
ولا يشترط القبول في المجلس في صيغة التعليق
إلا عند ابن عبد السلام من المالكية، وكذلك إن
كانت الزوجة هي البادئة عند الشافعية والحنابلة
نظراً للمعاوضة .
وإنما يكون القبول في صيغة التعليق عند حصول
ما علق عليه . (٣)
ومجلس العلم كمجلس التواجب في الخلع عند
الحنفية والشافعية، (٤) وهو ما يفهم من المالكية
والحنابلة، فلم يصرحوا بذلك، لكنهم ذكروا أن
صيغة الخلع كصيغة البيع، وفي كلامهم عن الخلع
(١) ابن عابدين ٢٥٨/٢، ٢٥٩، وجامع الفصولين ٢٩١/١ ط
الأزهرية .
(٢) ابن عابدين ٢٥٨/٢، و٢٥٩، والخطاب ٣٧/٤، والعدوي
علي خليل ٢٤/٤، ومنح الجليل ١٩٨/٢، والشرواني على
التحفة ٤٨٠/٧، ٤٨١، ٤٨٣، ومطالب أولي النهى ٣٠٧/٥،
والكافي ٧٧١/٢
(٤) ابن عابدين ٥٥٨/٢، ٨٥٩، والشروائي على التحفة ٤٨١/٧
(٣) المراجع السابقة .
- ٢٠٩ -

اتحاد المجلس ٢٠ - ٢١
...
مع غيبة الزوجة لم يأتوا بجديد يخالف حضور الزوجة،
ولم يخصوا الوكيل بجديد كذلك.(١)
اتحاد مجلس المخيرة :
٢٠ - المخيّرة هي التي ملّكها زوجها طلاقها بقوله
لها مثلاً : اختاري نفسك.
ومذهب الحنفية ، ورواية عن مالك، أنه لو خير
امرأته أو جعل أمرها بيدها ، فلها أن تختار مادامت
في مجلسها - قال الحنفية ولو طال يوما أو أكثر- فلو
قامت أو أخذت في عمل آخر خرج الأمر من يدها
لأنه دليل الإعراض والتخيير يبطل بصريح
الإعراض فكذلك بما يدل عليه، غير أن العبرة عند
الحنفية بمجلس الزوجة لا بمجلس الزوج، لأنه
(٢)
تمليك، والعبرة عند المالكية بمجلسهما معا ..
والشافعية - على الأصح - والحنابلة يشترطون
الفورية في المجلس والاعتداد بمجلسهما معا فلوقام
أحدهما بطل خيارها. روی النجّاد بإسناده عن
سعيد بن المسيب أنه قال: قضى عمر وعثمان في
الرجل يخير امرأته أن لها الخيار ما لم يتفرقا .(٣)
وجعل المالكية في الرواية الثانية الخيار لها خارج
المجلس ما لم تقف أمام حاكم أو توطأ طائعة. وهو
قول الزهري وقتادة وأبي عبيد وابن المنذر. واحتج
ابن المنذر بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة
لما خيرها: ((إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك ألا
(١) الخطاب ٢٤/٤، ٣٢، ٣٧، ومطالب أولي النهى ٣١٤/٥،
والكافي ٧٧٠/٢، والإنصاف ٤٩٦/٨
(٢) البحر الرائق ٢٩٤/٥، وجامع الفصولين ٢٩١/١، والفروق
١٧٣/٣، وتسهیل منح الجليل ٣٥٨/٣
(٣) نهاية المحتاج ٤٢٩/٦، والمغني مع الشرح الكبير ٢٩٤/٨،
وروضة الطالبين ٤٦/٨
تعجلي حتى تستأمري أبويك)» وهذا يمنع قصره على
المجلس.(١)
وما تقدم هو في الحاضرة ، فإن كانت الخيرة
غائبة فلا يختلف الحال عند الحنفية.(٢) ويفهم من
عبارات الشافعية كذلك عدم الاختلاف بين الغائبة
والحاضرة، فالخلع ــ على الأصح۔۔ طلاق، ومجلس
(٣)
العلم فيه كمجلس التواجب .
وكما يجرى الخلاف في المخيرة الحاضرة عند
المالكية يجرى أيضاً في المخيرة الغائبة على طريقة
اللخمى. وطريقة ابن رشد أنه يبقى التخيير في يدها
ما لم يطل أكثر من شهرين، كما في التوضيح، حتى
يتبين رضاها بالإسقاط، وما لم توقف أمام حاكم،
أو توطأ طائعة. (٤)
واختلاف المجلس في المُخَيّرة كاختلافه في
(٥)
البيع.
تكرار الطلاق في المجلس الواحد :
٢١ - لوقال لمدخول بها ومن في حكمها : أنت
طالق أنت طالق أنت طالق، في مجلس واحد، ونوى
تكرار الوقوع، فإنه يقع ثلاثا عند الأئمة الأربعة، ولا
(١) الخرشي ٢١٥/٣ ط الأزهرية، والفروق ١٧٣/٣، وتسهيل
منح الجليل ٣٥٨/٣، والمغني مع الشرح ٢٩٥/٨، وحديث:
( إني ذاكر لك أمراً ... ) رواه الشيخان وغيرهما (صحيح
مسلم ١١٠٣/٢ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، والفتح الكبير
٤٥٢/١)
(٢) جامع الفصولين ٢٩١/١، والبحر الرائق ٢٩٤/٥
(٣) الشرواني على التحفة ٤٧٩/٧، ٤٨١
(٤) منح الجليل ٢٩٢/٢
(٥) منح الجليل ٢٩٠/٢، وجامع الفصولين ٢٩١/١
- ٢١٠ -

اتحاد المجلس ٢٢
تحل له حتى تنكح زوجاً غيره(١) وهو قول ابن
حزم.(٢) لما روى عن محمود بن لبيد، قال: ((أُخْبر
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته
ثلاث تطلیقات جمیعا، فغضب رسول الله صلى الله
عليه وسلم ثم قال: (( أيُلعب بكتاب الله عز وجل
وأنا بين أظهركم؟)) حتى قام رجل، فقال:
يا رسول الله ألا أقتله؟)) (٣)
وعند بعض أهل الظاهر تقع طلقة واحدة . (٤) وهو
قول ابن عباس، وبه قال إسحاق وطاوس
وعكرمة، لما في صحيح مسلم أن ابن عباس قال:
(( كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق
الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا
في أمر كان لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه
(٥)
عليهم.)) (٥)
وإن أراد التأكيد أو الإفهام فانه تقع واحدة.
(١) ابن عابدين ٤١٩/٢، ٤٥٥، والفتاوي الهندية ٣٥٦/١،
وجواهر الإكليل ٣٤٨/١، والعدوي على الخرشي ٥٠/٤،
ومنح الجليل ٢٣٨/٢، ونهاية المحتاج ٤٥١/٦، والشرواني على
التحفة ٥٢/٨، ٥٣، والمغني لابن قدامة ٢٣٠/٧ ط الرياض،
وشرح منتهى الإرادات ١٤١/٣ ط أنصار السنة.
(٢) المحلى ١٧٤/١٠ ط المنيرية.
(٣) شرح منتهى الإرادات ١٢٤/٣ وحديث: (( أيلعب بكتاب
الله ... )) رواه النسائي باختلاف يسير. (سنن النسائي
١٤٢/٦ ط المصرية بالأزهر) ورجال إسناده ثقات. وفيه
مخرمة لم يسمع من أبيه، كما ذكر الحافظ ابن حجر في
التهذيب. (جامع الأصول ٥٨٩/٧ ط الملاح)
(٤) الإنصاف ٤٥٥/٨
(٥) ابن عابدين ٤١٩/٢ وحديث ابن عباس مروي باختلاف
يسير. (صحيح مسلم ١٠٩٩/٢ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي )
وتقبل نية التأكيد ديانةً لا قضاء عند الحنفية،
والشافعية، وتقبل قضاءً وإفتاءً عند المالكية
والحنابلة .
وإن أطلق فيقع ثلاثا عند الحنفية، والمالكية،
والحنابلة، وهو الأظهر عند الشافعية، لأن الأصل
عدم التأكيد (١)
والقول الثاني عند الشافعية أنه تقع طلقة واحدة،
لأن التأكيد محتمل، فيؤخذ باليقين. وهو قول ابن
حزم.(٢)
ومثل أنت طالق أنت طالق أنت طالق قوله
أنت طالق طالق طالق عند الحنفية والمالكية
والشافعية، وكذلك الحنابلة في وقوع الطلاق وتعدده
عند نيته، وفي إرادة التأكيد والإفهام. أما عند
الإطلاق فإنه يقع الطلاق ثلاثا في الأولى، وتقع
واحدة في الثانية .(٣)
الفصل بين الطلاق وعدده:
٢٢ - لا تضرسكتة التنفس، والعيّ، في الاتصال
بين الطلاق وعدده. فإن كان السكوت فوق ذلك
فإنه يضر عند الحنفية والشافعية والحنابلة، ولا تقع
معه نية التأكيد. وهو قول للمالكية. والقول الثاني
أنه لا يضر إلا في غير المدخول بها .(٤) وفي المدخول بها
(١) ابن عابدين ٤٦٠/٢، ونهاية المحتاج ٤٤٩/٦، والخرشي
٥٠/٤، وشرح منتهى الإرادات ١٤١/٣
(٢) نهاية المحتاج ٤٤٩/٦، والمحلى ١٧٤/١٠
(٣) ابن عابدين ٤٥٥/٢، والخرشي ٥٠/٤، ونهاية المحتاج
٤٤٩/٦، والشرواني على التحفة ٥٥/٨، والمغني ٢٣٠/٧،
٢٣٢ ط الرياض، شرح منتهى الإرادات ١٤١/٣
(٤) ابن عابدين ٤٥٦/٢، والشرواني على التحفة ٥٢/٨، ٥٣،
ومنح الجليل ٢٣٩/٢، وشرح منتهى الإرادات ١٤١/٣
- ٢١١ -

اتحاد المجلس ٢٣ - ٢٤
يحصل التأكيد بدون نسق (أي عطفه بالفاء أو الواو
أو ثم).
تكرار طلاق غير المدخول بها :
٢٣ - للعلماء في تكرير الطلاق لغير مدخول بها في
مجلس واحد ثلاثة آراء :
الأول : وقوع الطلاق واحدة اتحد المجلس أم.
تعدد .
وهو قول الحنفية والشافعية وابن حزم، لأنها
بانت بالأولى وصارت أجنبية عنه، وطلاق الأجنبية
باطل.(١)
الثاني : وقوع الطلاق ثلاثاً إن نسقه
وهو قول المالكية والحنابلة، فإن فرق بين كلامه فهي
طلقة واحدة . (٢)
الثالث : وقوع الطلاق ثلاثا إن كان في مجلس
واحد، فإن كان في مجالس شتى وقع ما كان في
المجلس الأول فقط. وهو مروي عن إبراهيم
النخعي.(٣)
استدل أصحاب الرأي الأول بما روي من
طريق سعيد بن منصور عن عتاب بن بشيرعن
خصیف عن زياد بن أبي مريم عن ابن مسعود فيمن
طلق امرأته ثلاثا ولم يكن دخل بها، قال : هي
ثلاث، فإن طلقها واحدة، ثم ثنّ، ثم ثلث لم يقع
عليها، لأنها قد بانت بالأولى. وصح هذا عن خلاس
وإبراهيم النخعي في أحد أقواله وطاوس والشعبي
(١) ابن عابدين ٤٥٥/٢، ونهاية المحتاج ٤٥١/٦، والمحلّى
١٧٥/١٠
(٢) الخرشي ٥٠/٤، والمغني مع الشرح الكبير ٤٠٤/٨، ٤٠٥ ط
المنار
(٣) المحلى ١٧٥/١٠
وعكرمة وأبي بكر عبد الرحمن بن الحارث بن هشام
وحماد بن أبي سليمان .(١)
ودليل الثاني ما روي من طريق سعيد ابن
منصور قال: حدثنا هشيم حدثنا المغيرة عن إبراهيم
النخعي فيمن قال لغير المدخول بها : أنت طالق أنت
طالق أنت طالق، وقالها متصلة، لم تحل له حتى
تنكح زوجاً غيره. فإن قال: أنت طالق، ثم سكت،
ثم قال: أنت طالق، ثم سكت ثم قال: أنت طالق
بانت بالأولى ولم تكن الأخر یان شيئا ، ومثله
عن عبد الله بن مغفل المزني وهو قول الأوزاعي
والليث.(٢)
ودليل القول الثالث ما روي من طريق الحجاج
ابن المنهال قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد،
قال: قال لي منصور: حدثت عن إبراهيم النخعي أنه
كان يقول: إذا قال للتي لم يدخل بها، في مجلس
واحد: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فلا
تحل له حتى تنكح زوجا غيره. فإن قام من مجلسه
ذلك بعد أن طلق طلقة واحدة، ثم طلق بعد ذلك،
فليس بشيء.(٣)
تكرار الطلاق مع العطف :
٢٤ - التكرار مع العطف كعدمه عند الحنفية، في
تعدد الطلاق، وفي نية التأكيد والإفهام، فلا فرق
بين قوله: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق،
(١) المرجع السابق
(٢) المحلى ١٧٥/١٠
(٣) المرجع السابق
- ٢١٢ -

اتحاد المجلس ٢٥ - ٢٦، اتزار
وبين قوله: أنت طالق، وأنت طالق، وأنت طالق،
(١)
ولا فرق بين العطف بالواو والفاء وثم.
وهو قول الشافعیة إن کان العطف بالواو، ولا
تقبل نية التوكيد مع الفاء وثم، وفي بعضکتبهم ما
يفيد أن التأكيد بثم كالتأكيد بالواو، كما في العباب (٢)
ولا تقبل نية التأكيد مع العطف عند المالكية،(٣)
والحنابلة، لأن العطف يقتضي المغايرة، ولا يتأتّى
معها التأكيد، (٤) وهو قول الشافعية إن كان العطف
بالفاء وثم.(٥)
تكرار الإيلاء في المجلس الواحد :
٢٥ - الحنفية على أنه لو كرَّريمين الإيلاء في مجلس
واحد، ونوی التأکید، فإنه يكون إيلاء واحداً ويمينا
واحدة، حتى لو لم يقربها في المدة طلقت طلقة
واحدة، وإن قربها فيها لزمته كفارة واحدة. وإن لم ينو
التأكيد، أو أطلق، فاليمين واحدة، والإيلاء
ثلاث . (٦)
وعند الشافعية لا يتكرر الإيلاء إن نوى
التأكيد. وسواء أكان ذلك في مجلس واحد، أم في
مجالس، فإن أطلق فاليمين واحدة إن اتحد المجلس. (٧)
ولم يتكلم الحنابلة عن اتحاد المجلس في
الإيلاء.(٨)
(١) ابن عابدين ٤٥٥/٢، ٤٦٠
(٢) نهاية المحتاج ٦/ ٤٥٠
(٣) الخرشي ٤٩/٤
(٤) المغني مع الشرح الكبير ٤٠٣/٨
(٥) نهاية المحتاج ٤٥٠/٦
(٦) ابن عابدين ٥٥٦/٢
(٧) الشرواني على التحفة ١٧٦/٨، ١٧٧
(٨) مطالب أولي النهى ٤٠٨/٥
ولم أقف على نص للمالكية في تكرار الإيلاء،
غير أنهم يعتبرونه يميناً. والكفارة عندهم لا تتكرر
بتكرر اليمين ما لم ينو التكرار.(١)
اتحاد المجلس في الظهار:
٢٦ - ليس لاتحاد المجلس أثر إلا عند الحنفية، وفي
حالة واحدة، وهي ما إذا كرر الظهار في مجلس
واحد، وأراد التأکید، فإنه يصدق قضاء، ولا تتكرر
الكفارة، ولكنها تتعدد إن كرره في مجالس. وكذلك
إن كان في مجلس واحد ونوى التكرار، أو أطلق. (٢)
ولا تتعدد الكفارة بتكرار الظهار عند المالكية
والشافعية ما لم ينو الاستئناف. وسواء أكان ذلك في
مجلس واحد أم في مجالس. (٣)
وقال الحنابلة أيضا بعدم التعدد بتكرار الظهار،
ولونوى الاستئناف ، لأن تكريره لا يؤثر في تحريم
الزوجة، لتحريمها بالقول الأول. وقاسوه على اليمين
بالله تعالى (٤)
اتزار
انظر : ايتزار
(١) الشرح الصغير ٢١٧/٢ ط دار المعارف، وجواهر الإكليل
٣٦٥/١ ط مصطفى الحلبي.
(٢) ابن عابدين ٥٧٧/٢
(٣) الخرشي ١٠٨/٤، والتاج والإكليل بها مش الحطاب ١٢٢/٤،
والشرواني على التحفة ١٨٧/٨
(٤) شرح منتهى الإرادات ١٩٩/٣
- ٢١٣ -

اتصال ١ - ٣
اتِّصَال
التعريف :
١ - الاتصال عند أهل اللغة : عدم الانقطاع ، وهو
ضد الانفصال (١)
والفرق بين لفظي اتصال وموالاة: أن الاتصال
هو أن يوجد بين شيئين لقاء ومماسة، أما الموالاة، فلا
يشترط لقاء ولا مماسة بين الشيئين بل أن يكون بينهما
تتابع (٢)
ويستعمل الفقهاء الاتصال في الأعيان، وفي
المعانى.
ففي الاتصال في الأعيان يقولون : اتصال
الصفوف في صلاة الجماعة، والزوائد المتصلة بالمعقود
عليه كالسمن والصبغ.
وفي الاتصال في المعاني يقولون : اتصال
الإيجاب بالقبول، ونحو ذلك. والفرق بين لفظي
اتصال ووصل أن الاتصال هو الأثر للوصل.
الحكم العام :
٢ - من استقراء كلام الفقهاء يتبين أن ما اتصل من
الزوائد بالأصل اتصال قرار شمله حكم واحد في
الجملة .
(١) لسان العرب، والمفردات في غريب القرآن، مادة (وصل)،
والكليات ،مادة (اتصال)
(٢) المفردات في غريب القرآن (وصل).
فالزوائد المتصلة تدخل في المبيع تبعاً، وكذا ما
اتصل اتصال قرار عند کثیر من الفقهاء .(١) ( کما
ذكر الفقهاء ذلك في البيع) ولا يجوز إفرادها بالرهن
( کما نصوا علی ذلك في كتاب الرهن)
كما يرى الفقهاء أن معاني الألفاظ غير المتصلة
لا تلحق الأصل. ومن هنا وجب الاتصال في
الاستثناء والشرط والتعليق والنية في كنايات
الطلاق، وفي العبادات(٢) وفي بعض هذه خلاف.
وتفصيل ذلك عند الفقهاء في أبواب الإقرار
والبيع والطلاق والأيمان والصلاة.
الحكم العام للوصل :
٣ - لما كانت الصلة وثيقة بين الاتصال والوصل
ناسب بيان الحكم التكليفي للوصل، فقد يكون
واجباً ، كوصل القبض بالعقد في الصرف، وقد يكون
جائزا كوصل الاستعاذة بالبسملة بأول السورة ، وقد
يكون ممنوعاً كأن يوصل بالعبادات ما ليس منها (٣)
وقد ذكر الفقهاء ذلك في أبواب الصلاة، والأذان،
والحظر والإباحة، ووصل البسملة بآخر السورة كما
يفصل في التجويد، ووصل الصيام بالصيام من غير
إفطار، وهو (صيام الوصال)، وقد ذكر الفقهاء
(١) الفتاوى الهندية ٢٨/٣، ٣١، ٣٣ ط بولاق، وجواهر
الإكليل ٥٩/٢ ط الحلبي، والمغني ٧٥/٤ وما بعدها، ط
الثالثة، والفروق للقرافي ٢٨٣/٣ طبع دار إحياء الكتب
العربية، وأسنى المطالب شرح روض الطالب ٩٦/٢ ط
اليمنية .
(٢) انظر المغني ٤٦٩/١، ١٤٦/٥ وفيه الاتجاهات الفقهية في
ذلك، وحاشية ابن عابدين ٤٩٤/٢، ١٢٠/٤، ومنهاج
الطالبين بحاشية القليوبى ١٧٠/١ ط الحلبي.
(٣) حاشية القلیوبي ٨٧٠/١، وابن عابدين ٢٤٤/٥
- ٢١٤ -
!

اتكاء ١ - ٤
ذلك في كتاب الصيام عند كلامهم على ما يكره من
الصيام.
اتّكاء
التعريف :
١ - من معاني الاتكاء في اللغة : الاعتماد على
شيء، ومنه قوله تعالى حكاية عن موسى عليه
السلام: ((هِ عَصّايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا)) (١) ومن معانيه
أيضا: الميل في القعود على أحد الشقين.(٢)
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن المعنيين
المذكورين (٣)
الألفاظ ذات الصلة :
٢ - الاستناد: في اللغة يأتي بمعنى الاتكاء بالظهر
لا غير (٤) فيكون بينه وبين الاتكاء بالمعنى اللغوي
الأول عموم وخصوص مطلق. وأما بالمعنى الثاني
فبينهما تباين.
الحكم الإجمالي :
٣ -يختلف الحكم تبعاً للاستعمالات الفقهية،
فالاتكاء في الصلاة مطلقاً اتفق الفقهاء على جوازه،
(١) سورة طه /١٨
(٢) المصباح المنير، والنهاية لابن الأثير ١٩٣/١، ٢١٨/٥ ط
الحلبي، وتاج العروس مادة (وكأ)
(٣) ابن عابدين ٤٨٢/٥ ط بولاق، والمجموع ٢٧٩/٥ نشر محمد
نجيب المطيعي، والدسوقي ٧٢/٤ ط دار الفكر.
(٤) الكليات لأبي البقاء ٣٧/١ ط دمشق ١٩٧٤م
بمعنييه، لأهل الأعذار.(١)
أما لغير أهل الأعذار فهو مكروه في الفريضة،
ويجوز في النافلة.(٢).
والاتكاء على القبر كالجلوس عليه، واختلفوا في
حكمه، فالجمهور على أنه مكروه.(٣) وخالف في ذلك
المالكية فقالوا بجوازه. (٤)
مواطن البحث :
٤ - يفصل الفقهاء أحكام الاتكاء في الصلاة عند
الحديث عن مكروهات الصلاة،(٥) و يفصلون حكم
الاتكاء على القبر في الجنائز عند الحديث عن دفن
الميت.(٦) وحكم الاتكاء في قضاء الحاجة في أبواب
الطهارة، عند الحديث عن آداب قضاء الحاجة،(٧)
وحكم الاتكاء عند الأكل في أبواب الحظر
والإباحة)، (٨) وحكم الاتكاء في المسجد لغير ضرورة
في احياء الموات عند الحديث عن المساجد، وحكم
(١) الخانية مع الهندية ١١٨/١ ط بولاق ١٣١٠ هـ، والمجموع
١٨٤/٤ -١٨٨، وكشاف القناع ٤٦١/١ وما بعدها ط أنصار
السنة ١٣٦٦ هـ، والمدونة ٧٤/١ ط السعادة.
(٢) نفس المصادر السابقة .
(٣) البدائع ٧٩٨/٢ ط الإمام، وحاشية القليوبي ٣٤٢/١ مصطفى
الحلبي ١٣٥٣ هـ، والمغني ٤٢٤/٢ ط المنار ١٣٤٥ هـ.
(٤) مواهب الجليل ٢٥٣/٢ مكتبة النجاح - ليبيا .
(٥) الهندية ١٠٦/١، والمدونة ٧٤/١، والمجموع ١٨٤/٤
وما بعدها، وكشاف القناع ٥٨٨/١ طبعة الملك.
(٦) البدائع ٧٩٨/٢، ومواهب الجليل ٢٥٣/٢، وحاشية القليوبي
٣٤٢/١، والمغني ٤٢٤/٢
(٧) مواهب الجليل ٢٦٩/١
(٨) ابن عابدين ٤٨٢/٥، والآداب الشرعية لابن مفلح ١٧٠/٣
ط المنار.
(٩) الدسوقي ٧٢/٤
- ٢١٥ -

إتلاف ١ - ٢
الاتكاء على شيء فيه صورة حيوان كالمخدة وغيرها
في أبواب النكاح عند الحديث عن الوليمة .(١)
إتلاف
١ - جاء في القاموس : تلف كفرح: هلك،
وأتلفه: أفناه. (٢)
ويقرب من هذا المعنى اللغوي استعمالات
الفقهاء. يقول الكاساني : إتلاف الشيء إخراجه
(٣)
من أن يكون منتفعاً به منفعة مطلوبة منه عادة.
٢ - الألفاظ ذات الصلة :
أ _ الإهلاك : قد يقع الإهلاك والإتلاف بمعنى
واحد. ففي مفردات الراغب: الهلاك على ثلاثة
أوجه : افتقاد الشيء عنك وهو عند غيرك موجود،
كقوله تعالى: (هَلَكَ عنِّي سُلْطَانِيَهْ) (٤) وهلاك
الشيء باستحالة وفساد، كقوله تعالى: ( وَ يُهْلِكَ
الحَرْثَ والنَّسْل) ° وكقولك: هلك الطعام. وهلك:
بمعنى مات، كقوله : (إِنِ امْرُؤُ هَلَكَ) وبمعنى بطلان
(١) المهذب ٦٥/٢ ط مصطفى الحلبي ١٣٧٩هـ
. (٢) القاموس المحيط (تلف )
(٣) البدائع ١٦٤/٧ ط الأولى
(٤) سورة الحاقة /٢٩
(٥) سورة البقرة / ٢٠٥
(٦) سورة النساء /١٧٦
الشيء من العالم كقوله تعالى: ( كلُّ شَيْءٍ هالِك إلاَّ
وجهه)(١)
ب - التلف: وهو أعمّ من الإتلاف، لأنه كما
يكون نتيجة إتلاف الغير، فإنه قد يكون نتيجة آفة
سماوية. ويفهم من كلام القليوبي إدخال
الإتلاف في عموم التلف، إذ قال : إن العارية
تضمن إن تلفت لا باستعمال مأذون فيه، ولو
بإتلاف المالك.(٢)
جـ - التعدي: جاء في لسان العرب: تعدى
الحق: جاوزه، واعتدى فلان عن الحق أي جاز عنه
إلى الظلم. وقد یکون من صور الإ تلاف ما هو جور
واعتداء.(٣)
د - الإفساد : جاء في القاموس : أفسده أخرجه عن
صلاحيته المطلوبة. وهو بهذا المعنى يكون مرادفاً
للإتلاف . (٤)
هـ - الجناية: يقال جنى جناية، أي أذنب ذنباً
يؤاخذ به. وإن كانت الجناية في استعمال الفقهاء
غلبت على الجرح والقطع. والصلة بين اللفظين هي
تحقق المؤاخذة في بعض صور الإتلاف، كما تتحقق
في الجناية .
و- الإضرار: إيقاع الضرر بالغير، وقد يراد منه
أي نقص يدخل على الأعيان. وقد يتحقق هذا في
بعض صور الإتلاف .
(١) سورة القصص /٨٨
(٢) حاشية القليوبي على منهاج الطالبين ٢٠/٣ ط الحلبي
(٣) لسان العرب ( عدو)
(٤) القاموس المحيط ( فسد)
- ٢١٦ -

إتلاف ٣ - ٥
ز- الغصب: وهو أخذ مال متقوم محترم بغير إذن
المالك على سبيل المجاهرة، وعلى وجه يز يل يده أو
يقصّريده .
فالقدر المشترك بين الإتلاف والغصب
تفويت المنفعة على المالك. ويختلفان في أن الغصب
لا يتحقق إلا بزوال يده أو تقصيريده. أما الإتلاف
فقد يتحقق مع بقاء اليد. كما يختلفان في الآثار من
حيث المشروعية وترتب الضمان.(١)
صفة الإتلاف ( حكمه التكليفي ) :
٣ - الأصل في الإتلاف : الحظر، إذا كان غير
مأذون فيه شرعاً ، كإتلاف المالك ماله المنتفع به
شرعاً وطبعاً .
وقد يكون الإتلاف واجباً إذا كان مأموراً من
الشارع بإتلافه كإتلاف خنزير لمسلم، وقد يكون
مباحاً كإتلاف ما استغنى عنه مالكه ولم يجد وجهاً
لانتفاعه هو أو غيره به .
ويترتب على الحظر حكمه الأخروي وهو الإثم .
هذا ، ولا تلازم بين الإثم والضمان، فقد
يجتمعان، وقد ينفرد كل منهما عن الآخر، وسيأتي
تفصيل الكلام عن الضمان في موطنه .
أنواع الإتلاف :
٤ - الإتلاف نوعان ، لأنه إما أن يقع على العين،
أو على المنفعة. وعلى كل فإما أن يكون إتلافاً للكل
أو للجزء، سواء في العين أو المنفعة .
وهذان النوعان الإتلاف فيها حقيقي.
وقد يكون الإتلاف معنوياً، ومن ذلك منع
(١) فتح القدير ٣٦١/٧ وما بعدها ط الأميرية
تسليم العين المستعارة للمعير بعد طلبها منه، أو بعد
انقضاء مدة الإعارة .
يقول الكاساني : إن الذي يغير حال المستعار من
الأمانة إلى الضمان هو المغيّر لحال الوديعة، وهو
الإتلاف حقيقة أو معنى بالمنع بعد الطلب، أو بعد
انقضاء المدة، وبترك الحفظ، وبالخلاف(١) أي
استعمال العين والانتفاع بها في غير ما أذن فيه
صاحبها . فقد اعتبر هذا إتلافا من حيث المعنى
وموجباً للضمان، كما قال الفقهاء : إن خلط الودائع
خلطاً يمنع التمييز بينها يعتبر إتلافا من حيث المعنى،
وكذا بالنسبة لخلط الدراهم المغصوبة.(٢)
الإتلاف المشروع وغير المشروع
أولا - الإتلاف المشروع المتفق على مشروعيته :
٥ - من صور الإتلاف المشروع مع ترتب حق للغير
ما قالوه من أن الإجارة لا تنعقد على إتلاف العين
ذاتها إلا إذا كانت المنافع مما يقتضي استيفاؤها
إتلاف العين، كالشمعة للإضاءة، والظئر
للإرضاع ، واستئجار الشجر للثمر،(٣) على التفصيل
(١) البدائع ٢١٧/٦
(٢) البدائع ١٦٥/٧ - ١٦٦، والمغني والشرح الكبير ٤٤٥/٥
طبع المنار ١٣٤٧ هـ ، وحاشية الدسوقي ٤٢٠/٣، ٤٣٦
ط عيسى الحلبي، وشرح الروض ٢٣٨/٢ ط الميمنية،
والشروانى على التحفة ١٢٣/٧ ط الميمنية.
(٣) البدائع ١٧٥/٤، والهداية ٢٤١/٣، والفتاوي الهندية
٤٥٤/٤، وحاشية الدسوقي ١٦/٤، ٢٠، وبداية المجتهد
٢٤٥/٢، ٤١٩، والشرح الصغير ٣١/٤، المهذب ٣٩٤/١ -
٣٩٥، ونهاية المحتاج ٢٩٢/٥، والمغني ٤٠٤/٥ طبع مكتبة
القاهرة، ٧٤/٦، ١٣٣ طبع المنار ١٣٤٧
- ٢١٧ -

إتلاف ٦ - ١٠
والخلاف المبين في مصطلح إجارة. ففي هذه الصور
إتلاف للعین باستهلاكها ، وهو إتلاف مشروع ترتب
عليه حق للغير.
٦ - ومن ذلك أيضا إتلاف مال الغير عن طريق
أكله دون إذن منه في حال المخمصة، فإنه إتلاف
مرخص فيه من الشارع، إلا أنه يلزمه الضمان عند
الحنفية، والأظهر عند المالكية ومذهب الشافعية
والحنابلة، إذ التناول حال المخمصة رخصة لا إباحة
مطلقة، وإذا استوفاه ضمنه كما يقول البزدوي،
ويقول ابن رجب: من أتلف شيئا لدفع الأذى عن
نفسه ضمن، أما من أتلف شيئا لدفع أذاه له لم
یضمن.
لكن المالكية في غير الأظهر يسقطون عنه
الضمان أيضا، لأن الدفع كان واجباً على المالك،
(١)
والواجب لا يؤخذ له عوض.
٧ - ومن الإتلاف المشروع دون ترتب حق للغير
إتلاف الميتة والدم وجلد الميتة وغير ذلك مما ليس
بمال، ولو لذمي، لعدم التقوم،بدليل أنه لا يحل
بيعه.(٢)
٨ - ومنه أيضا ما قاله الفقهاء فيما يقع في يد أمير
الجيش من أموال أهل الحرب إنه إذا لم يمكن نقله إلى
دار الإسلام يجوز له إتلافه، فيذبح الحيوانات ثم
يحرقها، لأن ذبحها جائز لغرض صحيح، ولا غرض
أصح من كسر شوكة الأعداء. وأما إحراقها فلتنقطع
(١) البدائع ١٦٨/٧، وكشف الأسرار ١٥١٩/٤-١٥٢١،
وحاشية ابن عابدين ٩٢/٥، والفروق للقرافي
١٩٦/١، الفرق ٣٢، ومغني المحتاج ٣٠٨/٤، والقواعد
الفقهية لابن رجب ص ٢٨٦ ضمن القاعدة ١٢٧
(٢) البدائع ١٦٧/٧، والشرح الكبير مع المغني ٣٧٨/٥
منفعة الكفاربها، كما يحرق الأسلحة والأمتعة التى
يتعذر نقلها، وما لا يحترق يدفن في موضع لا يقف
عليه الكفار. وهذا كله إذا لم يرج حصولها
للمسلمين.(١)
٩- ومنه إتلاف بناء أهل الحرب وشجرهم لحاجة
القتال والظفربهم، أو لعدم رجاء حصولها لنا،
والأصل في ذلك ما أخرجه الشيخان أنه صلى الله
عليه وسلم قطع نخل بني النضير وحرقه.(٢)
١٠ - ومن ذلك ما قالوه في إتلاف كتب السحر
ونحوها مما لا ينتفع به. و کيفية إتلافها أنه بمحی منها
اسم الله وملائكته ورسله ویحرق الباقي. ولا بأس
بأن تلقى في ماء جارٍ، أوتدفن كما هي. قال ابن
عابدین: و کذا جميع الكتب إذا بلیت وخرجت عن
الانتفاع بها.(٣) ونقل عميرة عن شرح المهذب:
وكتب الكفر والسحر ونحوها يحرم بيعها ويجب
إتلافها .(٤)
ومن ذلك أيضا ما قاله الفقهاء في دفع الصائل
من أن من صالت عليه بهيمة فلم تندفع إلا بالقتل
(١) فتح القدير ٣٠٨/٤، والبحر الرائق ٩٠/٥، وابن عابدين
٢٣٠/٣، وبداية المجتهد ٣٩٦/١، والوجيز ٢٩١/٢، وحاشية
القليوبي ٢٢٠/٤، والأحكام السلطانية لأبي يعلي ٢٧ - ٣٤ ،
والقواعد الفقهية لابن رجب ص ٢٠٦ القاعدة ٩٠
(٢) حاشية القليوبي ٢٢٠/٤ وحديث: ((قطع نخل بني النضير
وحرقه» رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر وغيره
بألفاظ متقاربة . ( فتح الباري ٥١٠/٨ ط عبد الرحمن
محمد ، وصحيح مسلم ١٣٦٥/٣ تحقيق محمد فؤاد
عبد الباقي )
(٣) حاشية ابن عابدين ٢٧١/٥
(٤) حاشية عميرة على شرح منهاج الطالبين ١٥٨/٢
- ٢١٨ -

إتلاف ١١ - ١٢
فقتلها لم يضمن لأنه إتلاف بدفع جائز (١) وتفصيل
ذلك وبيان الأقوال فيه موضعه مصطلح صيال.
ثانيا : إتلاف مشروع، وفي ترتب الضمان عليه
خلاف :
١١ - إتلاف الخمر والخنزير على المسلم لا يترتب
عليه الضمان، سواء أكان المتلف مسلماً أم ذمياً .
أما لو كانت الخمر مملوكة لذمي فإن الحنفية والمالكية
يقولون بالضمان. ويرى الشافعية والحنابلة أنها لا
تضمن، لانتفاء تقوّمها كسائر النجاسات إلا إذا
انفرد الذميون بمحلة ولم يخالطهم مسلم فإنها لا تراق
عليهم لإقرارهم عليها .
واتفق الفقهاء على أن الخمر إذا غصبت من
مسلم وكانت محترمة - وهي التي عصرت لا بقصد
الخمرية، وإنما بقصد التخليل (صيرورتها خلاً) -
فإنها لا تراق أيضا، وإنما ترد إليه، لأن له إمساكها
لتصير خلا .(٢)
١٢ - ومن أتلف طبل الغزاة والصيادين والدف
الذي يباح في العرس ضمن اتفاقا . أما لو أتلف على
إنسان آلة من آلات اللهو والفساد فإن الجمهور
( الصاحبين من الحنفية والحنابلة والشافعية في مقابل
الأصح عندهم) يرون عدم الضمان ، لأنها آلات لهو
وفساد، فلم تكن متقومة، كالخمر، ولأنه لا يحل
(١) حاشية ابن عابدين ٣٨٢/٥، ومواهب الجليل ٣٢٣/٦،
وحاشية القليوبي ٢١١/٢، والمهذب ٢٢٥/٢، والإقناع
٢٩٠/٤
(٢) البدائع ١٦٧/٧، وحاشية ابن عابدين ١٨٢/٥، وتبيين
الحقائق ٢٣٤/٥، والحطاب ٢٨٠/٥، والشرح الصغير
٤٧٤/٤، وحاشية القليوبي على منهاج الطالبين ٣٠/٣_٣٥،
الشرح الكبير مع المغني ٣٧٦/٥، ونهاية المحتاج ١٦٥/٥
بيعها ، فلم يضمنها كالميتة، ولما روي عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله حرم بيع
الخمر والميتة والخنزير والأصنام)) (١) وقال: ((بعثت
بمحق القينات والمعازف)) (٢) كما أن منفعتها محرمة،
والمحرم لا يقابل بشيء، مع وجوب إبطالها على القادر
عليه. (٣)
ويرى الإمام أبو حنيفة ـــ وهو ما يستفاد من
كلام المالكية، والأصح عند الشافعية - أنه يضمن
قيمتها غير مصنوعة، لأنها كما تصلح للهو والفساد
فإنها تصلح للانتفاع بها من وجه آخر، فكان مالاً
متقوما من هذا الوجه . (٤)
ويستفاد من كلام المالكية في السرقة أنهم
متفقون مع أبي حنيفة في القول بالضمان، إذ قالوا :
ولا قطع في سرقة آلة لهو كطنبور إلا إذا كان المتخلف
منه بعد الكسر تبلغ قيمته حدّ القطع فإنه يقطع. (٥)
وهذا يفيد أن من أتلفه يضمن قيمته غير مصنوعة على
ما قاله أبو حنيفة .
(١) حديث: ((إن الله حرم بيع الخمر ... )) رواه الشيخان
وغيرهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح
بمكة: ((إن الله ورسوله حرّم ... )) الحديث ،
وفيه زيادة. ( جامع الأصول ٤٤٧/١ ، ٤٤٨)
(٢) رواه أحمد والحارث ابن أبي أسامة بلفظ (( وأمرني أن
أمحق المزامير والمعازف ورواه بنحوه الطيالسي
(مسند أحمد ٢٥٧/٥، ٢٦٨ ط اليمنية، وكف الرعاع
مع الزواجر ٩/١ ط المطبعة الأزهرية. وتفسير القرطبي
٥٣/١٤)
(٣) البدائع ١٦٧/٧ - ١٦٨وابن عابدين ١٤٦/٥، ونهاية المحتاج
١٦٦/٥-١٦٧، والمغني مع الشرح الكبير ٤٤٥/٥-٤٤٦
(٤) البدائع ١٦٧/٧
(٥) الشرح الصغير ٤٧٤/٤، والخطاب ٣٠٧/٦
- ٢١٩ -

إتلاف ١٣ - ١٧
ويقول النووي من الشافعية : الأصنام وآلات
الملاهى لا يجب في إبطالها شيء، والأصح أنها لا
تكسر الكسر الفاحش، بل تفصل لتعود كما كانت
قبل التأليف. فإن عجز المنكر عن رعاية هذا الحد في
الإنكار لمنع صاحب المنكر أبطله كيف تيسّر. وعلق
الرملي على ذلك بقوله فإن أحرقها ولم يتعين الإحراق
وسيلة لإفسادها غرم قيمتها مكسورة بالحد المشروع،
لتموّل رُضاضها - أي ما تبقى منها - واحترامه. (١)
١٣ - وبالنسبة لآنية الذهب والفضة فإن من قال
بجواز اقتنائها قال بالضمان، أما من منع اقتناءها
فإنه لا يوجب ضمان الصنعة، وضمّن ما يتلفه من
العين. وفي رواية عن أحمد: يضمن الصنعة أيضا،(٢)
على ما هو مبين في مصطلح (آنية ) .
ثالثا : إتلاف مختلف في مشروعيته :
١٤ - صرحت بعض كتب الحنفية والشافعية بأنه
لو أذن الراهن للمرتهن في أکل زوائد الرهن فلا
ضمان عليه، لأنه أتلفه بإذن المالك، ولا يسقط
شىء من الدين. ويكون الإتلاف مشروعاً بناء على
الإذن.(٣) وتفصيل ذلك موضعه ( الرهن ).
١٥ - وهناك اتجاه بأن هذا إتلاف غير مشروع
برغم الإذن، وهوما نقله صاحب الدر من الحنفية
عن التهذيب من أنه يكره للمرتهن أن ينتفع بالرهن
(١) نهاية المحتاج ١٦٦/٥، ١٦٧، وحاشية القليوبي ٣٠/٣_٣٥
(٢) الحطاب ١/ ١٢٨، ونهاية المحتاج ٩١/١، والمغني مع
الشرح ٦٤/١
(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣٣٦/٥، ونهاية المحتاج
وحاشية الشبراملسي ٢٧٣/٤ - ٢٧٤، والأم ١١٧/٧ مطبعة
الكليات الأزهر ية
وإن أذن له الراهن، بل نقل عن محمد بن أسلم عدم
الحل لأنه ربا. لكن قال صاحب الدر: إن ذلك
محمول على الكراهة.(١)
١٦ - وهناك اتجاه ثالث صرح به الحنابلة وهو
التفر یق بین الرهن في دین القرض وغيره، إذ قالوا:
إذا كان الرهن بثمن مبيع أو أجر دار أو دين غير
القرض جاز للمرتهن أن ينتفع بالمرهون بغير عوض
بإذن الراهن، وقالوا: إن ذلك مروي عن الحسن
وابن سیر ین و به قال إسحاق. وإن کان دین الرهن
من قرض لم يجز لأنه يحصل قرضا يجر منفعة وذلك
حرام.(٢) وإذا كان المرهون له مئونة، فينتفع بنمائه
نظیر مئونته بإذنه أو بغير إذنه.
ومذهب المالكية عدم مشروعية ذلك إلا في
رهن المبيع، فإنه يجوز في صورة ما إذا اشترط ذلك
وكان بعوض، لأن السلعة المبيعة بعضها في مقابلة ما
يسمى من الثمن وبعضها في مقابلة المنفعة. فالمنفعة لم
تَضِعْ على الراهن. ولا يجوز ذلك في القرض لأنه
يكون قرضاً جرّ نفعاً، ويمتنع التطوع بالمنفعة في
القرض والبيع مطلقاً .(٣)
رابعا: إتلاف غير مشروع يوجب الجزاء حقا لله :
١٧ - وذلك في حالتين :
١ - الصيد في حالة الإحرام داخل الحرم أو
خارجه .
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣٣٦/٥
(٢) المغني ٢٨٨/٤ طبع مكتبة القاهرة.
(٣) الشرح الصغير وحاشية الصاوي ٣٢٥/٣
- ٢٢٠ -